المطلب الخامس: تلاميذه.
كان الشيخ منصور عالمًا عاملاً ورعًا متبحرًا في العلوم الدينية، صارفًا أوقاته في تحرير المسائل الفقهية، ولانفراده في عصره بالتبحر في هذا الفقه رحل إليه الناس من الشام، ونجد، والأراضي المقدسيّة، وغيرها؛ لأجل أخذ مذهب الإمام أحمد ﵀، فأخذ عنه كثير من المتأخرين من الحنابلة (١)، ومنهم:
١ - جمال الدين يوسف بن محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن علي بن إبراهيم بن رشد الشهير بالفتوحي، المتوفى بعد سنة (١٠٢٦ هـ).
٢ - عبد القادر الدنوشري، المتوفى بعد سنة (١٠٣٠ هـ)، له: (حواشي المنتهى) (٢).
٣ - التقى به الشيخ سليمان بن علي بن مشرف (٣) جد الإمام محمد بن عبد الوهاب في حج عام (١٠٤٩ هـ)، "وأطلعه الشيخ منصور على شرحه على الإقناع - أي: (كشاف القناع) -، وكان الشيخ منصور لم ينته من شرحه إلا ذلك العام، فتأمله الشيخ سليمان ثم قال: وجدته مطابقًا لما عندي إلا مواضع يسيرة، وأتلف شرحه عليه" (٤).
٤ - عبد الله بن عبد الوهاب بن موسى بن عبد القادر بن مشرف الوهيبي التميمي، أخو الشيخ محمد بن عبد الوهاب، المتوفى سنة: (١٠٥٦ هـ) (٥).
٥ - يس بن علي بن أحمد بن أحمد بن محمد اللبدي الحنبلي، الفقيه الفاضل، المتوفى سنة: (١٠٥٨ هـ)، رحل إلى مصر لطلب العلم في سنة ثلاث وأربعين وألف، ومكث إلى سنة إحدى وخمسين، وأخذ عن الشيخ منصور البهوتى (٦).
٦ - عبد الباقي بن عبد الباقي البعلي المقرئ الأثري، المشهور بالبدر، وابن فقيه فِصَّه، نسبة إلى
стр. 142
قرية من قرى بعلبك، المتوفى سنة: (١٠٧١ هـ) (١).
٧ - يوسف بن يحيى بن مرعى الحنبلي، المتوفى سنة: (١٠٧٨ هـ)، من طور كرم، رحل إلى مصر لطلب العلم سنة أربع وأربعين وألف، وأخذ بها عن الشيخ منصور (٢).
٨ - إبراهيم بن محمد بن علي بن أبي بكر الصالحي، المتوفى سنة: (١٠٨٨ هـ)، المعروف بالغزال، الشيخ القاضي، الأديب الشاعر (٣).
٩ - الخَلْوتي البهوتي محمد بن أحمد ابن أخت الشيخ منصور، وهو تلميذه، وزوج ابنته، وكان من الملازمين له، المتوفى سنة: (١٠٨٨ هـ)، له: (حاشية المنتهى)؛ مجلد كبير، جردت بعد موته فبلغت أربعين كراسًا (٤).
١٠ - العوفي إبراهيم بن أبي بكر الذنابي العوفي، نسبته إلى الصحابي عبد الرحمن بن عوف ﵁، توفي العوفي سنة: (١٠٩٤ هـ)، له: (شرح المنتهى) (٥).
١١ - الشيخ أحمد بن يحيى بن يوسف بن أبي بكر بن أحمد بن أبي بكر بن يوسف بن أحمد الحنبلي الكرمي، نسبة لطور كرم من قرى نابلس ثم القدس، رحل إلى القاهرة سنة ست وعشرين وألف، وأخذ بها الفقه - وغيره - عن عمه مرعي الحنبلي وعن منصور البهوتي (٦).
١٢ - محمد بن أبي السرور بن محمد بن سلطان البهوتي الحنبلي المصري المتوفى سنة: (١١٠٠ هـ) (٧).
١٣ - صالح بن حسن بن أحمد بن علي البهوتي الأزهري، الفقيه الفرضي، المتوفى سنة: (١١٢١ هـ) (٨).
стр. 143
المطلب السادس: مصنفاته
مصنفاته (١):
(مؤلفاته كلها موجودة، لم يفقد منها شيء، وهي من أصول مراجع الفقه في مذهب أحمد، وعليها المعتمد والمعول لدى علمائه، وهي من أوائل الكتب التي عرفت طريقها إلى النشر، وأفاد منها الطلبة جيلاً بعد جيل) (٢)، وهي مرتبة تاريخيًّا (٣):
١ - الروض المربع شرح زاد المستقنع، ويسمى: (شرح مختصر المقنع) (٤).
٢ - كشاف القناع عن متن الإقناع.
٣ - عمدة الطالب لنيل المآرب - في الفقه، وضعه للمبتدئين، وقد شرحه الشيخ عثمان بن أحمد النجدي، المتوفى سنة (١١٠٠ هـ) في كتاب سمّاه: (هداية الراغب لشرح عمدة الطالب) (٥).
٤ - دقائق أولي النهى لشرح المنتهى، واشتهر باسم: شرح منتهى الإرادات (٦).
٥ - حاشية على المنتهى باسم: إرشاد أولي النهى لدقائق المنتهى، وهي حاشية نافعة تميل إلى التحقيق والتدقيق (٧).
٦ - حاشية على الإقناع - في مجلد، وهي من أهم كتب الحواشي في المذهب (٨).
стр. 144
٧ - إعلام الأعلام بقتال من انتهك حرمة بيت الله الحرام (١).
٨ - منح الشفا الشافيات؛ في شرح نظم المفردات، المسمى: (النظم المفيد الأحمد في مفردات الإمام أحمد)، والمفردات نظم للشيخ عز الدين محمد بن علي بن عبد الرحمن المقدسي الصالحي المتوفى سنة (٨٢٠ هـ) (٢).
٧ - منسك - مختصر، في نحو ثلاث كراريس (٣).
стр. 145
الفصل الثاني دراسة خصائص وسمات البناء والألفاظ وصيغه ؛ وفيه مبحثان:
• المبحث الأول: دراسة خصائص وسمات البناء في (كشاف القناع) ؛ وفيه أربعة مطالب:
• المطلب الأول: عناية المصنف ببناء الفروع على بعضها.
• المطلب الثاني: علاقة البناء في الكشاف بما سبقه من المصنفات.
• المطلب الثالث: علاقة البناء في الكشاف بما سبقه من كتب المذهب.
• المطلب الرابع: تكوين البناء في كشاف القناع.
•المبحث الثاني: الألفاظ والصيغ التي تدل على البناء في (كشاف القناع) في كتاب النكاح وخصائص النبي ﵀، وفيه مطلبان:
• المطلب الأول: الإشارة إلى البناء، دون ذكره بصيغة محددة.
• المطلب الثاني: الصيغ والألفاظ الواردة الدالة على بناء الفروع على الفروع، وفيه فرعان:
• الفرع الأول: الألفاظ والصيغ الواردة في عدد من كتب الفقه الحنبلي.
• الفرع الثاني: الألفاظ والصيغ التي تدل على البناء في كتاب الكشاف.
стр. 146
المطلب الأول عناية المصنف ببناء الفروع على بعضها، وفيه خمسة أفرع:
• الفرع الأول: انفراد المصنف بذكر البناء في بعض المسائل.
• الفرع الثاني: المصنف يصرح في البناء ما لم يصرح به غيره.
• الفرع الثالث: المصنف يصرح بالبناء تارة، وينبه على نفس البناء بالإشارة تارة أخرى.
• الفرع الرابع: المصنف يعتني بتفصيل البناء، وبذكر يترتب عليه.
• الفرع الخامس: المصنف ينتقد البناء في بعض المسائل، ويقوم بتحليله؛ ويقرر ما يراه مناسبًا، وينفي غيره.
стр. 147
المطلب الأول: عناية المصنف ببناء الفروع على بعضها، وفيه خمسة أفرع:
الفرع الأول: انفراد المصنف بذكر البناء في بعض المسائل.
وبعد دراسة المسائل في القسم التطبيقي اتضح لي انفراد البهوتي ﵀ في الكشاف ببناء بعض المسائل، ومن أمثلة ذلك:
- بناء مسألتي قبول إشارة الأخرس في البيع والطلاق على قبول إشارة الأخرس المفهومة في النكاح بالإيجاب وعدمه، وذلك في قوله: " (ويصح إيجاب أخرس وقبوله) النكاح (بإشارة مفهومة يفهمها صاحبه) العاقد معه (و) يفهمها (الشهود)؛ لأن النكاح معنى لا يستفاد إلا من جهته فصح بإشارته كبيعه وطلاقه" (١). فالجامع أن العلة المشتركة بين المسألة المبني عليها والمسائل المبنية أن الإشارة المفهومة من الأخرس تصح وينعقد به كلٌّ من النكاح والبيع والطلاق، والذي يظهر من خلال دراسة البناء تفرد البهوتي ﵀ بالجمع بين المسائل (٢).
- بناء مسألتي قبول كتابة الأخرس في الطلاق والإقرار؛ على قبول كتابة الأخرس في النكاح بالإيجاب وعدمه، وذلك في قوله: " (أو كتابة) أي: ويصح إيجابه وقبوله من أخرس بكتابة، لأنها أولى من الإشارة؛ لأنها بمنزلة الصريح في الطلاق والإقرار" (٣)، فالجامع أن العلة المشتركة بين المسألة المبني عليها والمسائل المبنية أن الكتابة من الأخرس أقوى وأولى من الإشارة وتصح، وينعقد به كلٌّ من النكاح والطلاق والإقرار، والذي يظهر من خلال دراسة البناء تفرد البهوتي ﵀ بالربط بين المسائل لعلة جامعة، ورتب الحكم عليها، سواء من خلال بناء الفروع على بعضها (٤).
- بناء مسألة القرعة في ميراث الزوجين لم يعلم الأسبق على حكم القرعة في العتق والطلاق إذا لم يعلم الأسبق، وذلك في قوله: " (وإن لم تقر لواحد منهما) بالسبق (أقرع بينهما وكان لها ميراثها ممن تقع لها القرعة عليه) قياسًا على القرعة في العتق والطلاق وغيرهما" (٥). فالجامع: أن العلة المشتركة بين المسألتين المبني عليها والمسائل المبنية هي الجهالة، فالجهالة في الأسبق في النكاح ثم
стр. 148
مات هنا ترث بالقرعة، وكذا الحال في العتق والطلاق، والذي ظهر لي من خلال دراسة المسائل أن البهوتي ﵀ تفرد بالجمع بين المسائل وقياسها بالعلة المشتركة (١).
الفرع الثاني: المصنف يصرح في البناء:
المتأمل لكتاب الكشاف يجد أن ألفاظ البناء تكون صريحة وغير صريحة، ومن الألفاظ الصريحة:
- جمع البهوتي ﵀ بين المسألة المبنية، وهي: (حكم ثبوت الفسخ في الحال للزوج إذا كانت الزوجة صغيرة أو مجنونة أو عفلاء أو قرناء) على مسألة (حكم الفسخ إن كان الزوج صغيرًا وبه جنون وجذام) بالقياس بجامع العلة المشتركة، وهي الضرر على كلا الزوجين، واحتمال تعدي هذه العيوب للأبناء فيما بعد. حيث قال المصنف: "وعلى قياسه: الزوجة إذا كانت صغيرة أو مجنونة، أو عَفْلاء أو قَرْناء" (٢).
-ربط البهوتي ﵀ بين المسألة المبنية (حكم لو زوَّجها سيدها ثم باعها، فزادها زوجها في مهرها) على مسألة: (من عتقت وزادها زوجها في مهرها، سواء كان حرًّا أو عبدًا) بالعلة المشتركة، وهي الملك، حيث قال المصنف: "وعلى قياس ذلك: لو زوَّجها سيّدها ثم باعها، فزادها زوجها في مهرها، فالزيادة للثاني؛ قاله في «الشرح» " (٣)(٤).
стр. 149
الفرع الثالث: المصنف ينبه بالإشارة على البناء:
في الفرع السابق تحدثنا عن تصريح المصنف للبناء، بينما في هذا الفرع نتحدث عن نوع آخر، وهو الإشارة بالبناء، ومن أمثلة ذلك:
- ربط البهوتي ﵀ بأشبهت وواو العطف بين المسألة المبنية (حكم من وُطِئت في الدبر وما دون الفرج) على مسألة: (حكم من زالت بكارتها بإصبع أو وثبة أو شدة حيضة وسقوط من شاهق) بالعلة المتماثلة التي من أجلها اتَّحد الحكم فيها، وهي حصول زوال البكارة بلا قصد، وإنما بعارض خارجي، فلا تأخذ حكم الثيب، لا حقيقةً ولا حكمًا، حيث قال: "فأشبهت من لم تزل عذرتها (وكذا وطء دبر) ومباشرة دون الفرج؛ لأنها غير موطوءة في القبل" (١).
- ربط البهوتي ﵀ بكاف التشبيه بين المسألة المبنية (حكم نكاح الكتابي للمجوسية ووطؤها بملك اليمين) والمسألة المبني عليه: (حكم نكاح المسلم للكتابية ووطؤها بملك اليمين) بالعلة المشتركة، وهي عدم وجود أثر أو ضرر من نكاح المسلم من كتابية، ولا من نكاح الكتابي من مجوسية، حيث قال: " (و) يحل (لكتابي نكاح مجوسية)، ويحل لكتابي أيضًا (وطؤها) أي: المجوسية (بملك يمين) كالمسلم ينكح الكتابية ويطؤها بملك اليمين" (٢).
النوع الثاني: هو إشارة المصنف للبناء في كتاب "الكشاف"، ويشير إليه في بعض كتبه الأخرى، ومن أمثلة ذلك:
- ذكر البهوتي في كتاب الكشاف الإشارة للبناء بواو العطف، حيث قال: "وتخليه إذن لنوافل العبادة أفضل" (٣)، وأشار للبناء بفاء العطف في كتاب شرح منتهى الإرادات، حيث قال: "فتخليه لنوافل العبادة أفضل" (٤).
- ذكر البهوتي ﵀ في كتاب الكشاف الإشارة للبناء بكاف التشبيه: "كالمسلم ينكح الكتابية ويطؤها بملك اليمين" (٥)، وأشار للبناء بالقياس في كتاب شرح منتهى الإرادات، حيث قال: "قياسًا على المسلم ينكح الكتابية ويطؤها بملك اليمين" (٦).
стр. 150
الفرع الرابع: المصنف يعتني بتفصيل البناء، وبذكر ما يترتب عليه.
- أن المصنف ﵀ يفصل القول في البناء ويحلله، حيث بنى (حكم وجود العيب في الزوج قبل الوطء وحكم من عتقت تحت عبد، وطلقت طلاقًا رجعيًّا) على (حكم لو شرط السيد على معتقته دوام نكاحها تحت الحر)، حيث يقول: "إن قلنا لها: الفسخ إذا عتقت تحته"، ثم يقول في المسألة المبنية الأخرى: "لو كان بزوجها عيب يوجب الفسخ"، على قوله: "ما دامت في العدة؛ لأن نكاحها باق يمكن فسخه، ولها في الفسخ فائدة، فإنها لا تأمن رجعته إذا لم تفسخ" (١).
- يذكر المصنف ﵀ تفصيل الأقوال في المسألة، حيث يقول: "ثم ذكر الشيخ مسألة وقع فيها في كلامه سقط كلمة فتركها المصنف، ثم قال الشيخ (ونظير الأولى) (٢) وهي التي ذكرت لك في المتن" (٣)، ثم عرج على قول آخر، حيث قال: "قال في المبدع: وظاهر كلامهم يقتضي جواز خطبة المرأة على خطبة أختها، وصرح في الاختيارات بالمنع، ولعل العلة تساعده" (٤).
стр. 151
الفرع الخامس: المصنف ينتقد البناء في بعض المسائل، ويقوم بتحليله؛ ويقرر ما يراه مناسبًا، وينفي غيره.
- أشار المصنف ﵀ لتصحيح الأقوال في المسائل التي يبنيها ثم يعرج على ذلك بذكر الفوائد، حيث يقول: "الصحيح الأول؛ لأنه لما لم يحصل في هذا العقد تشريك وإنما حصل فيه شرط فبطل الشرط" (١)، ثم قال: "فائدة: لو قال: زوجتك جاريتي هذه على أن تزوجني ابنتك وتكون رقبتها صداقًا لابنتك، لم يصح تزويج الجارية في قياس المذهب؛ لأنه لم يجعل لها صداقًا سوى تزويج ابنته، وإذا زوجه ابنته على أن يجعل رقبة الجارية صداقًا لها صح؛ لأن الجارية تصلح أن تكون صداقًا" (٢).
- أشار المصنف ﵀ لتعليل السبب ثم ذكر الفوائد مع ارتباط البناء بالعلة، حيث يقول: "لأن على الموسرة ضررًا في إعسار زوجها لإخلاله بنفقتها ومؤنة أولاده؛ ولهذا ملكت الفسخ بإعساره بالنفقة، ولأن ذلك نقص في عرف الناس يتفاضلون فيه كتفاضلهم في النسب.
(فائدة) ولد الزنا قد قيل: إنه كفء لذات نسب، وعن أحمد أنه ذكر له أن ينكح إليه فكأنه لم يحب ذلك؛ لأن المرأة تتضرر به هي وأولياؤها، ويتعدى ذلك إلى ولدها، وليس هو كفئًا للعربية بغير إشكال فيه؛ لأنه أدنى حالاً من الموالي. قاله في «الشرح» " (٣).
стр. 152
المطلب الثاني علاقة البناء في الكشاف بما سبقه من المصنفات. وفيه ثلاثة أنواع:
• النوع الأول: ما يكون أصل البناء مذكورًا في كتاب (الإقناع)، ثم ينقله المصنف، وقد يزيد عليه.
• النوع الثاني: ما يكون من البناء في كتاب (الكشاف)؛ مفرعًا على كلام (الإقناع)، ولم يصرح به الحجاوي ¬كشاف القناع (٥/ ٣٩).
• النوع الثالث: ما يظهر في بعض مسائل البناء في (كشاف القناع) من ارتباط المسائل ولو من وجه واحد.
стр. 153
المطلب الثاني: علاقة البناء في الكشاف بما سبقه من المصنفات.
كتاب كشاف القناع شرح لكتاب الإقناع، فيعتمد عليه، إذ هو فرع منه، فمصنف الكشاف قد يأتي بالبناء من كتاب الإقناع، ويزيد عليه، وقد يكون البناء غير موجود فيأتي به الإمام البهوتي ﵀، وقد تكون ثمّ مخالفة بين الكتاب وشرحه، ففي هذا ثلاثة أنواع:
النوع الأول: ما يكون أصل البناء مذكورًا في كتاب (الإقناع)، ثم ينقله المصنف، وقد يزيد عليه.
-المثال الأول: بناء مسألة (حكم الترجمة في الشهادات) على مسألة (الترجمة لمن لا يحسن لسان الآخر في عقد النكاح)، فجاء في كتاب الإقناع: "وإن كان كل منهما لا يحسن لسان الآخر ترجم بينهما ثقة يعرف اللسانين"، فنقل المصنف البناء عند الحجاوي ﵀، وزاد عليه بما يفصّل هذا البناء مع ذكر الأقوال، حيث قال: [قال الشيخ تقي الدين عن القاضي، ولم يشترط تعدده أي الثقة الذي يترجم بين العاقدين ويأتي في الشهادات: إن الترجمة عند الحاكم كالشهادة، فإذا كان القاضي لا يعرف لسانهما فلا بد في الترجمة عنده من رجلين عدلين (ولا بد أن يعرف الشاهدان اللسانين المعقود بهما) ليتمكنا من تحمل الشهادة؛ لأنها على اللفظ الصادر منهما، فإذا لم يعرفاه لم يتأت لهما الشهادة به (ويأتي حكم تولي طرفي العقد) في فصل: وإذا استوى وليان] (١).
-المثال الثاني: بناء مسألة (حكم تعليق النكاح بمشيئة الله) و (حكم تعليق النكاح بالممات) على مسألة (حكم تعليق النكاح بالشروط الحاضرة والماضية)، جاء في كتاب الإقناع: "بخلاف الشروط الحاضرة والماضية، مثل قوله: زوجتك هذا إن كان أنثى، أو زوجتك ابنتي إن كانت عدتها قد انقضت أو إن كنت وليها، وهما يعلمان ذلك، فأنه يصح، وكذا تعليقه بمشيئة الله أو قال: زوجتك ابنتي إن شئت، فقال: قد شئت وقبلت، فيصح". فنقل المصنف البناء عند الحجاوي ﵀، وزاد عليه بناء آخر في موضع متأخر عنه، وربط بينهم بالعلة المشتركة، حيث قال: [لأنه عقد معاوضة؛ فلا يصح تعليقه على شرط مستقبل كالبيع، ولأن ذلك وقف النكاح على شرط، ويصح: زوجت وقبلت إن شاء الله، وتعليقه على شرط ماض أو حاضر، وتقدم ذكر بعض الشروط في أركان النكاح، ويصح النكاح إلى الممات بأن يقول: زوجتك إلى الممات فيقبل، فيصح، ولا أثر لهذا التوقيت؛ لأنه مقتضى العقد] (٢).
стр. 154
-المثال الثالث: بناء مسألة (حكم من وُطِئَت بآلة الرجل ثم عادت بكارتها) على مسألة (حكم المرأة الموطوءة بآلة الرجل بزنى)، فجاء في كتاب الإقناع: "بآلة الرجال ولو بزنا، وحيث حكمنا بالثيوبة وعادت البكارة لم يزل حكم الثيوبة"، حيث زاد البهوتي ﵀ في ذكر علة البناء بقوله: "لأن الحكمة التي اقتضت التفرقة بينها وبين البكر مباضعة الرجال ومخالطتهم، وهذا موجود مع عود البكارة" (١).
стр. 155
النوع الثاني: ما يكون من البناء في كتاب (الكشاف)؛ مفرعًا على كلام (الإقناع)، ولم يصرح به الحجاوي ﵀ -.
-المثال الأول: بناء البهوتي ﵀ المسألة المبنية (حكم خلوة الفحل بالرتقاء) على مسألة الحجاوي ﵀ (نظر الخصي والمجبوب والممسوح إلى المرأة الأجنبية)، وهي مسألة لم يذكرها الحجاوي ﵀، إنما ذكرها البهوتي ﵀ مفرعًا على المسألة الحجاوي ﵀ مع ذكر العلة المشتركة، حيث قال: "لأن العضو وإن تعطّل أو عُدم فشهوة الرجال لا تزال من قلوبهم، ولا يؤمن التمتع بالقبلة وغيرها، فهو كفحل (١)؛ ولذلك لا تباح خلوة (٢) الفحل بالرتقاء (٣) من النساء" (٤).
-المثال الثاني: بناء البهوتي ﵀ المسألة المبنية: (حكم نظر الطفل الغير مميز للمرأة) على مسألة الحجاوي ﵀: (نظر الصبي المميز غير ذي شهوة إلى المرأة)، وهي مسألة لم يذكرها الحجاوي ﵀، إنما ذكرها البهوتي ﵀ مفرعًا على المسألة الحجاوي ﵀ مع ذكر العلة المشتركة، حيث قال: "لأنه لا شهوة له أشبه (٥) الطفل، ولأن المحرم للرؤية في حق البالغ كونه محلاً للشهوة، وهو معدوم هنا" (٦).
-المثال الثالث: بناء البهوتي ﵀ المسألة المبنية: (حكم طهارة الآدميين بعد الموت) على مسألة الحجاوي ﵀: (طهارة بدن النبي ﵀ بعد موته)، وهي مسألة لم يذكرها الحجاوي ﵀، إنما ذكرها البهوتي ﵀ مفرعًا على المسألة الحجاوي ﵀ مع ذكر القول الراجح، حيث قال: "واختلفوا في غيره من الآدميين، والمذهب عندنا أن غيره أيضًا طاهر" (٧).
стр. 156
النوع الثالث: ما يظهر في بعض مسائل البناء في (كشاف القناع) من ارتباط المسائل ولو من وجه واحد، ومن أمثلة ذلك:
-المثال الأول: بناء البهوتي ﵀ المسائل المبنية، وهي: حكم ثبوت خيار الفسخ للزوج (بالرتق) و (بالقرن والعفل) و (بانخراق ما بين السبيلين والفتق) و (ببخر فرج المرأة) و (بقروح سيالة في فرج المرأة) و (بالاستحاضة) (١) على مسألة الحجاوي ﵀: يثبت الخيار للزوج في النكاح في كل عيب مؤثر فيه، مما يلحظ أثناء دراسة المسائل تجد أغلبها متفقًا فيها وبعضها مختلفًا فيها، وما اختلف يشترك في وجه واحد، وهو ثبوت الفسخ للزوج في حال العيب المؤثر، وهي مؤثرة في غالبها (٢).
-المثال الثاني: ربط البهوتي ﵀ بين المبني عليها (هل تزول العنة لمن وطء في الدبر) والمسألة المبنية (الوطء دون الفرج) بالعلة المتماثلة من وجه واحد، وهو حرمة المحل والفعل، سواء من مقتدر أو غير مقتدر، بمعنى أن العنين وإن كان عنينًا يحرم وطء الدبر لأنه محل نجس، وليس محلاً للوطء، أما وطء دون الفرج فيكون لسبب، وهو الحيض، فيكون محل الإيلاج نجس فيحرم لما فيه الضرر على الطرفين، كذا في العنين (٣).
-المثال الثالث: ربط البهوتي ﵀ بين المبني عليها (حكم لو شرط أحد الزوجين الخيار في النكاح) والمسألة المبنية (حكم الخيار في الطلاق)، ربط البهوتي ﵀ بين المبني عليها والمسائل المبنية بالعلة المتماثلة من وجه واحد: أن عقد النكاح والطلاق يقع صحيحًا مع الشرط الفاسد، وهو ما ظهر لي من خلال دراسة المسألة (٤).
стр. 157
المطلب الثالث علاقة البناء في الكشاف بما سبقه من كتب المذهب.
• موافقة بناء المسائل للمذهب.
• ما ذكره المصنف من البناء في بعض المسائل مما يظهر منه مخالفة المذهب.
• تضعيف البناء من كتب المذهب الأخرى.
• تعدد لفظ البناء الصريح في كتب المذهب مقابل البناء غير الصريح في كتاب الكشاف.
стр. 158
المطلب الثالث: علاقة البناء في الكشاف بما سبقه من كتب المذهب.
أولاً: موافقة بناء المسائل للمذهب.
الغالب من مسائل الكشاف موافقتها للمذهب، وهو ما تبع فيه أصله الإقناع، وكثيرًا ما يظهر التوافق بين القول الراجح في المسألة المبنية والمبني عليها، ومن أمثلة ذلك:
-المثال الأول: ربط البهوتي ﵀ بين المسألتين: المبني عليها (حكم كفاءة الرجل المعسر للمرأة الموسرة في النكاح)، والمبنية (حكم كفاءة ولد الزنا لذوي نسب) بالعلة المشتركة، وهي الضرر الحاصل على كل من المرأة الموسرة وولد الزنا، حيث قال البهوتي ﵀: "لأن على الموسرة ضررًا في إعسار زوجها؛ لإخلاله بنفقتها ومؤنة أولاده" (١)، ثم قال: "لأن المرأة تتضرر به، هي وأولياؤها، ويتعدى ذلك إلى ولدها" (٢)، والربط والبناء موافق للمذهب لما أورده المرداوي ﵀ في الإنصاف، حيث قال: "وهي أصح. وهو المذهب عند أكثر المتأخرين … قلت: وهو الصواب الذي لا يُعدَل عنه" (٣).
-المثال الثاني: ربط البهوتي ﵀ بين المسألتين: المبني عليها (حكم من زالت بكارتها بإصبع أو وثبة أو شدة حيضة وسقوط من شاهق) والمسألة المبنية (حكم من وُطِئت في الدبر وما دون الفرج) بالعلة المتماثلة التي من أجلها اتَّحد الحكم فيها، وهي حصول زوال البكارة بلا قصد، وإنما بعارض خارجي، فلا تأخذ حكم الثيب، لا حقيقةً ولا حكمًا، والربط والبناء موافق للمذهب لما أورده المرداوي ﵀ في الإنصاف، حيث قال: " قوله: (فأما زوال البكارة بإصبع، أو وثبة؛ فلا تغير صفة الإذن) وكذا الوطء في الدبر، على الصحيح من المذهب في ذلك كله، وعليه الأصحاب" (٤).
-المثال الثالث: جمع البهوتي ﵀ بين المسألتين: المبني عليها (حكم ولاية النكاح للأعمى) والمبنية (حكم شهادة الأعمى) بجامع العلة المشتركة بينهما، وهي عدم تأثر النكاح والشهادة بالعمى؛ إذ إنَّه ليس شرطًا في صحة النكاح والشهادة، فلا تأثير له في صحة النكاح والشهادة، والربط والبناء موافق للمذهب لما أورده المرداوي ﵀ في الإنصاف، حيث قال: " (وتجوز شهادة الأعمى في المسموعات، إذا تيقن الصوت وبالاستفاضة، وتجوز في المرئيات التي تحملها قبل العمى إذا عرف
стр. 159
الفاعل باسمه ونسبه وما يميز به) بلا نزاع، (فإن لم يعرفه إلا بعينه فقال القاضي: تقبل شهادته أيضًا، ويصفه للحاكم بما يتميز به)، وهو المذهب" (١).
ثانيًا: ما ذكره المصنف من البناء في بعض المسائل مما يظهر منه مخالفة المذهب.
وإن كان الغالب - كما ذكرنا- أن البناء يكون موافقًا للمذهب، فإن المصنف قد يرد البناء لمخالفته للمذهب، ومن ذلك:
-المثال الأول: ربط البهوتي ﵀ بين المسألتين: المبني عليها (حكم سقوط خيار الشرط برضا الزوجة من قول أو تمكين) والمبنية (حكم من أسقط شفعته قبل البيع برضًا منه) بسبب مشترك ولو من وجه واحد، وهو رضا كلٍّ من الزوجة في سقوط الشرط المتقدم على عقد النكاح، وكذلك رضا الشفيع في سقوط الشفعة التي من حقه قبل البيع، فلا أثر لهذا الشرط السابق للعقد إذا تخلى عنه صاحبه، وهذا الربط مخالف للمذهب لما أورده المرداوي ﵀ في الإنصاف، حيث قال: " قوله: (وإن أسقط الشفعة قبل البيع لم تسقط) هذا المذهب. نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب، وجزم به في الوجيز وغيره، وقدمه في: المغني، والشرح، والفروع، وشرح الحارثي، وغيرهم" (٢).
ثالثًا: تضعيف البناء من كتب المذهب الأخرى.
-مثال ذلك: بنى المصنف ﵀ مسألة (حكم نظر الطفل غير المميز للمرأة) على (نظر الصبي المميز غير ذي شهوة إلى المرأة)، ولكن المرادوي ﵀ ضعف بناء الطفل على الصبي المميز، فقال: "وقيل: كالطفل. ذكره في الرعاية الكبرى (٣). قلت: وهو ضعيف جدًا" (٤).
رابعًا: تعدد لفظ البناء الصريح في كتب المذهب مقابل البناء غير الصريح في كتاب الكشاف (٥).
-المثال الأول: استخدم البهوتي ﵀ البناء غير الصريح باستخدام كاف التشبيه وأشبه، وربط بين المسائل بعلة مشتركة كان لها تأثير في ترتيب الحكم في كلٍّ منها، حيث قال: "لأنه شرط صفة مقصودة فبانت بخلافها، فأشبه ما لو شرطها حرة فبانت أمة" (٦). وعند دراسة المسألة وجدت أن
стр. 160
هناك من صرح مرة بالبناء ومرة بالقياس ومرة بالتخريج، ومثال ذلك في البناء: (الخيار وبناه في الواضح على الكفاءة) (١).
والقياس: (قياس قول أبي بكر إذا شرطها أمة فبانت حرة، فهذا قول أبي بكر، والمقيس على كلامه) (٢).
والتخريج: (خُرِّج في ذلك كله وجهان) (٣).
-المثال الثاني: استخدم البهوتي ﵀ البناء غير الصريح باستخدام فاء وواو العطف، وربط بين المسائل بالعلة المشتركة بين الفروع المبنية: أنَّ كلاً من النكاح والبيع والإجارة عقودٌ، ولكل من العقود صيغة خاصة (الإيجاب والقبول) تشترك في انعقادها إلى ثلاث طرق: إما بلفظ صريح عليها، أو بلفظ يدل على معناها، أو بما تعارف عليه الناس، فأصبح عادة في تعاملهم. حيث قال: [فينعقد البيع بما عده الناس بيعًا بأي لغة ولفظ كان، والإجارة بما عهده الناس إجارة بأي لغة ولفظ كان] (٤)، وعند دراسة المسألة وجدت أن هناك من صرح مرة بالبناء، ومرة بالقياس، ومرة بالتخريج، ومثال ذلك في البناء: "فعلى هذا تنعقد بلفظ الإجارة والكراء؛ لأنهما موضوعان لها، وكذلك كل ما يؤدي معناهما لحصول المقصود به" (٥).
والقياس: "أن النكاح ينعقد بغير لفظ الإنكاح والتزويج. قال: وهو المنصوص عن أحمد، وقياس مذهبه" (٦).
والتخريج: "أنه خَرَّجَ صحته بكل لفظ يفيد التمليك" (٧).
стр. 161
المطلب الرابع تكوين البناء في كشاف القناع.
• بناء المسألة على أصل واحد.
• بناء مسألة واحدة على عدة مسائل، واختلافهم في الأصل المبني عليه.
• تعدد المسائل المبنية على أصل واحد.
• بناء كل من الفرعين على الآخر.
• كون المسألة مبنية ومبني عليها.
• تسلسل البناء من مسألة وأخرى.
• انضمام أدلة أخرى تقوي البناء.
стр. 162
المطلب الرابع: تكوين البناء في كشاف القناع.
أولا: بناء المسألة على أصل واحد.
تقدم أن في الفقه مسائل، منها ما يكون مسائل مبتدأة، فهي غير مبنية على غيرها، وقد تكون المسألة مبنية على غيرها، فهي تبنى على غيرها، فتأخذ حكمها لعلة ارتبطت بينهما.
وأمثلة ذلك كثيرة في كتب الفقه، فتكون المسألة مبنية على مسألة أخرى، وهي مما يعبر عنها الفقهاء بقولهم: (بناء على، ومبنية على، وبنيت على) إلى غير ذلك من الصيغ الصريحة وغير الصريحة، وأمثلتها لا تكاد تحصر (١).
ثانيًا: بناء مسألة واحدة على عدة مسائل، واختلافهم في الأصل المبني عليه.
في عدد من المسائل قد تبنى المسألة على أكثر من أصل، وقد يصحب ذلك تردد واختلاف بين الفقهاء، ومثال ذلك:
بناء مسألة حكم ميراث المرأة من الزوجين اللذين لم تعرف الأسبق منهما على مسألتين: (حكم القرعة في العتق إذا لم يعلم الأسبق)، و (حكم القرعة في الطلاق إذا لم يعلم الأسبق)، حيث قال المرداوي ﵀: " (وإن لم تقر لواحد منهما) بالسبق (أقرع بينهما، وكان لها ميراثها ممن تقع لها القرعة عليه) قياسًا على القرعة في العتق والطلاق وغيرهما" (٢).
ثالثًا: تعدد المسائل المبنية على أصل واحد:
"إذا ثبت في البناء تعدد مسائله في موضوع واحد، فإنه يقابله ما تقدم من بناء مسألة واحدة على عدة مسائل، وهي أن تبنى عدة مسائل على مسألة واحدة" (٣) وأمثلة ذلك كثيرة، منها:
المثال الأول: بناء عدد من المسائل على مسألة (قبول كتابة الأخرس في النكاح بالإيجاب وعدمه).
المسألة المبنية الأولى: حكم قبول كتابة الأخرس في الطلاق.
المسألة المبنية الثانية: حكم قبول كتابة الأخرس في الإقرار.
المثال الثاني: بناء عدد من المسائل على مسألة (حكم إيجاب الولي قبل القبول في حال الجنون والموت).
المسألة المبنية الأولى: حكم الإيجاب في العقود الجائزة إذا مات العاقد.
стр. 163
المسألة المبنية الثانية: حكم الإيجاب في العقود الجائزة اذا زال العقل.
المثال الثالث: بناء عدد من المسائل على مسألة (حكم تعليق النكاح بالشروط الحاضرة والماضية).
المسألة المبنية الأولى: حكم تعليق النكاح بمشيئة الله.
المسألة المبنية الثانية: حكم تعليق النكاح بالممات، كقوله: (زوجتك إلى الممات).
المثال الرابع: بناء عدد من المسائل على مسألة تزويج الأب ابنه الصغير والمجنون بغير إذنه.
المسألة المبنية الأولى: حكم تزويج الأب لابنته البكر دون تسع سنين بلا إذنها.
المسألة المبنية الثانية: حكم إجبار السيد لعبده الصغير والمجنون على النكاح.
المسألة المبنية الثالثة: حكم تزويج الأب لابنه البالغ المعتوه بغير إذنه.
رابعًا: بناء كل من الفرعين على الآخر:
-المثال الأول: بنى المصنف ﵀ الحكم بعدم نقض الحاكم للأنكحة الفاسدة على حكم الحاكم نكاح المرأة نفسها، ثم إن المصنف بنى في موضع متقدم (١) الفرع الثاني حكم الحاكم بعدم نقض الشفعة للجار بجامع أن كليهما مما يصاغ الاجتهاد فيه، وقد بينت ذلك في دراسة المسألة، حيث قال المصنف ﵀: "لأنه يسوغ فيها الاجتهاد" (٢)، ثم قال في المسألة المبنية: "مما للاجتهاد فيه مساغ" (٣).
-المثال الثاني: بنى المصنف ﵀ حكم قبول إشارة الأخرس في البيع على قبول إشارة الأخرس المفهومة في النكاح بالإيجاب وعدمه. ثم إن المصنف بنى في موضع متأخر (٤) حكم قبول إشارة الأخرس في الطلاق، بجامع أن الإشارة المفهومة من الأخرس تصح، وينعقد بها النكاح والبيع والطلاق (٥).
خامسًا: كون المسألة مبنية ومبني عليها:
стр. 164
-المثال الأول: بناء مسألة (حكم ميراث المرأة من الزوجين اللذين لم تعرف الأسبق منهما). فهذه المسألة مبنية على مسألة (حكم القرعة في العتق إذا لم يعلم الأسبق)، وهي مسألة مبني عليها، حيث بنى المصنف ﵀ عليها مسألة: (حكم القرعة في الطلاق إذا لم يعلم الأسبق)، حيث قال: " (أقرع بينهما، وكان لها ميراثها ممن تقع لها القرعة عليه) قياسًا على القرعة في العتق والطلاق وغيرهما" (١).
سادسًا: تسلسل البناء من مسألة وأخرى:
ورد في المسألة السابقة أن المسألة قد تكون مبنية ومبنى عليها في وقت واحد، ففي هذه المسألة قد يتسلسل البناء، والمراد بالتسلسل: التتابع (٢)، والمراد به هنا أن تبنى مسألة على أخرى ويبنى على الثانية مسألة ثالثة، وهذا يعني: "بجواز ابتناء أمر على أمر ينبني على الأمرين أمر آخر" (٣).
وقد ورد ذلك في كتب الحنابلة، وفي كتاب الكشاف خاصة، ومن أمثلة ذلك:
-المثال الأول: في حكم زوال الولاية، بنى المصنف ﵀ مسألة (حكم زوال الولاية بالنوم) على (حكم زوال الولاية بالإغماء لمدة قصيرة)، ثم أدرج مسألة مبنية أخرى، وهي (حكم زوال الولاية بالجنون المتقطع)، حيث قال: "أي: ما ذكر من الجنون أحيانًا والإغماء ونقص العقل بالمرض المرجو زواله والإحرام؛ لأنه لا ينافي الولاية" (٤).
-المثال الثاني: بنى المصنف ﵀ مسألة: (حكم لو وجد العيب في الزوج قبل الوطء) على مسألة (حكم لو شرط السيد على معتقته دوام نكاحها تحت الحر)، ثم أدرج مسألة مبنية أخرى، وهي (حكم من عتقت تحت عبد، وطلقت طلاقًا رجعيًّا) وهذا بناء (متقدم ومتأخر) (٥)، وقال المرداوي ﵀: "وإن عتقت المعتدة الرجعية فلها الخيار بلا نزاع، سواء عتقت ثم طلقت، أو طلقت ثم عتقت في عدتها" (٦).
سابعًا: انضمام أدلة أخرى تقوي البناء.
стр. 165
إن بناء مسألة على مسألة دليل على وجود علاقة بينهما، وهو من الأدلة التي تقوي الحكم في المسألة وقد يكون للحكم أدلة أخرى غير البناء، ومن أمثلة ذلك في الكشاف:
-المثال الأول: بنى المصنف ﵀ مسألة (حكم تخلية من لا شهوة له في نوافل العبادة) على مسألة: (حكم النكاح لمن لا شهوة له) فذكر المصنف سبب التعليل والبناء، فقال: [ولأن المقصود من النكاح الولد، وهو في من لا شهوة له غير موجود، فلا ينصرف إليه الخطاب به، إلا أن يكون مباحًا في حقه كسائر المباحات؛ لعدم منع الشرع منه، وتخليه إذن لنوافل العبادة أفضل لمنع من يتزوجها من التحصين بغيره، ويضرها بحبسها على نفسه، ويعرض نفسه لواجبات وحقوق لعله لا يقوم بها، ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه] (١).
المثال الثاني: بناء مسألة (حكم شهادة الأعمى) على مسألة المبني عليه: (حكم ولاية النكاح للأعمى)، فذكر المصنف سبب التعليل والبناء فقال: [لأن الأعمى أهل للشهادة والرواية، فكان من أهل الولاية كالبصير] (٢).
стр. 166
المبحث الثاني الألفاظ والصيغ التي تدل على البناء في (كشاف القناع) في كتاب النكاح وخصائص النبي ﵇، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الإشارة إلى البناء، دون ذكره بصيغة محددة.
المطلب الثاني: الصيغ والألفاظ الواردة الدالة على بناء الفروع على الفروع.
стр. 167
المبحث الثاني: الألفاظ والصيغ التي تدل على البناء في (كشاف القناع) في كتاب النكاح وخصائص النبي ﵇ -، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: الإشارة إلى البناء، دون ذكره بصيغة محددة.
الفرع الأول: كيفية معرفة الإشارة إلى البناء:
المسألة الأولى: معرفة البناء من السياق.
قد يرد ذكر البناء بأساليب غير صريحة، وذلك بعدم تخصيصه بألفاظ خاصة به، ولكن قد يُعبر عنه بما يشير إليه، ولا يظهر ذلك إلا من خلال السياق، ويكون إما بلفظ الشرط أو التعليل أو اقتران الفرع المبني بفاء التفريع الدالة على ارتباط المسألة بما قبلها، وقد يكون عن طريق اتباع الفرع لأصل المسألة بدون ذكر صيغة، ومن أمثلة ذلك:
البناء بصيغة التعليل:
المثال الأول: بنى المصنف ﵀ مسألة (حكم ثبوت الفسخ في الحال للزوج إذا كانت الزوجة صغيرة أو مجنونة أو عفلاء أو قرناء) على مسألة (حكم الفسخ إن كان الزوج صغيرًا وبه جنون وجذام). استخدم البهوتي ﵀ التفسير والتعليل، ثم فرع الفرع على ما بينه وعلله؛، حيث قال: "فله الفسخ في الحال، ولا ينتظر وقت إمكان الوطء؛ لأن الأصل بقاؤه بحاله" (١).
المثال الثاني: بنى المصنف ﵀ مسألة (حكم الإيجاب في العقود الجائزة إذا مات العاقد) ومسألة (حكم الإيجاب في العقود الجائزة إذا زال العقل) على (حكم إيجاب الولي قبل القبول في حال الجنون والموت). استخدم البهوتي ﵀ التفسير والتعليل، ثم فرع الفرع على ما بينه وعلله؛ حيث قال: "لأن الإيجاب قبل القبول غير لازم فبطل بزوال العقل، كالعقود الجائزة تبطل بالموت والجنون" (٢).
البناء بالاقتران بكاف التشبيه وأشبه وأشبهت:
-المثال الأول: ربط البهوتي ﵀ بكاف التشبيه بين المسألة المبنية (حكم نكاح الكتابي للمجوسية ووطؤها بملك اليمين) والمسألة المبني عليها: (حكم نكاح المسلم للكتابية ووطؤها بملك اليمين) بالعلة المشتركة، وهي عدم وجود أثر أو ضرر من نكاح المسلم من كتابية، ولا من نكاح الكتابي من مجوسية. حيث قال: " (و) يحل (لكتابي نكاح مجوسية)، ويحل لكتابي أيضًا (وطؤها) أي: المجوسية (بملك يمين) كالمسلم ينكح الكتابية ويطؤها بملك اليمين" (٣).
стр. 168
-المثال الثاني: ربط البهوتي ﵀ بأشبهت بين المسألة المبنية (حكم من وُطِئت في الدبر وما دون الفرج) على مسألة: (حكم من زالت بكارتها بإصبع أو وثبة أو شدة حيضة وسقوط من شاهق) بالعلة المتماثلة التي من أجلها اتَّحد الحكم فيها، وهي حصول زوال البكارة بلا قصد، وإنما بعارض خارجي، فلا تأخذ حكم الثيب، لا حقيقةً ولا حكمًا، حيث قال: "فأشبهت من لم تزل عذرتها (وكذا وطء دبر) ومباشرة دون الفرج لأنها غير موطوءة في القبل" (١).
-المثال الثالث: ربط البهوتي ﵀ بين المسألة المبنية: (حكم ملك منافع عقد الإجارة، بالتشبيه) والمسألة المبني عليها (ملك السيد منافع الإماء في عقد النكاح)، والاشتراك في العلة، وهي ملك المنفعة في نكاح الإيماء، وانتفاع السيد بتحصيل مهورهن، وكذلك الإجارة، فإن مالك المنفعة يملك منفعة العين المؤجرة، حيث قال: "لأن منافعهن مملوكة له، والنكاح عقد على منفعتهن فأشبه عقد الإجارة؛ ولذلك ملك الاستمتاع بها، وبهذا فارقت العبد، ولأنه ينتفع بذلك ما يحصل له من مهرها وولدها وتسقط عنه نفقتها وكسوتها بخلاف العبد" (٢).
البناء بالاقتران بفاء العطف:
-المثال الأول: ربط البهوتي ﵀ بين المسائل المبنية: (حكم انعقاد البيع بما عدَّه الناس بيعًا بأي لغة ولفظ كان) و (حكم انعقاد الإجارة بما عدَّه الناس إجارة بأي لغة ولفظ كان) على مسألة حكم انعقاد النكاح بما عدَّه الناس نكاحًا بأي لغة ولفظ كان، والعلة المشتركة بين الفروع المبنية أنَّ كلاً من النكاح والبيع والإجارة عقودٌ، ولكل من العقود صيغة خاصة (الإيجاب والقبول) تشترك في انعقادها إلى ثلاث طرق: إما بلفظ صريح عليها، أو بلفظ يدل على معناها، أو بما تعارف عليه الناس، فأصبح عادة في تعاملهم، فاستخدام أسلوب العطف في البناء بفاء العطف وواو العطف بقوله: " فينعقد البيع بما عده الناس بيعًا بأي لغة ولفظ كان، والإجارة بما عهده الناس إجارة بأي لغة ولفظ كان" (٣).
البناء بالاقتران بواو العطف:
-المثال الأول: ربط البهوتي ﵀ بين المسألتين: المبنية (حكم تقديم الخطبة على المهر بإذنها)، (حكم اشتراط الإشهاد على إذنها) والمسألة المبني عليها (حكم اشتراط الإذن لتسمية المهر في العقد) بالعلة المتماثلة التي من أجلها اتَّحد الحكم فيها بعدم اشتراط الإذن في كلٍّ من (تسمية المهر، واقتران التسمية بالعقد، والإشهاد على إذن البكر) بجامع أنها ليست من أركان النكاح، ولا مقصودة منه. حيث قال: " (ولا يشترط) في استئذان
стр. 169
(تسمية المهر) لأنه ليس ركنًا في النكاح ولا مقصودًا منه، قلت: ولا يشترط أيضًا اقترانه بالعقد، فتقدم الخطبة والإهداء ونحوه إذا استؤذنت مع سكوتها، وإن كانت بكرًا دليل إذنها، (ولا) يشترط أيضًا (الشهادة بخلوها عن الموانع الشرعية) عملاً بالظاهر والعبرة في العقود بما في نفس الأمر، (ولا) يشترط أيضًا (الإشهاد على إذنها) لوليها أن يزوجها، ولو غير مجبرة؛ لما تقدم" (١).
-المثال الثاني: ربط البهوتي ﵀ بين المسائل المبنية (حكم زوال الولاية بالنوم) و (حكم زوال الولاية بالجنون المتقطع) و (حكم زوال الولاية بنقص العقل من مرض يرجى زواله) والمسألة المبني عليها (حكم زوال الولاية بالإغماء لمدة قصيرة) بالعلة المشتركة بينهما، وهي المدة القصيرة في الإغماء والنوم والجنون المتقطع ومرض العقل المؤقت الذي يرجى زواله، حيث قال: " [(ولا تزول الولاية لإغماء) لقصر مدته عادة كالنوم، (ولا) تزول الولاية أيضًا بـ (العمى)، لأن الأعمى أهل للشهادة والرواية، فكان من أهل الولاية كالبصير، (ولا) تزول الولاية أيضًا (بالسفه) (٢)، لأن رشد المولى غير معتبر في النكاح، (وإن جنّ) الولي (أحيانًا أو أغمي) عليه (أو نقص عقله) أي: الولي (بنحو مرض) يرجى زواله، (أو أحرم) الولي بحج أو عمرة (انتظر زوال ذلك)، لأن مدته لا تطول عادة، (ولا ينعزل وكيلهم بطريان ذلك) أي: ما ذكر من الجنون أحيانًا والإغماء ونقص العقل بالمرض المرجو زواله والإحرام؛ لأنه لا ينافي الولاية" (٣).
البناء بالاقتران بمنزلة:
-المثال الأول: ربط البهوتي ﵀ بين المسألتين: المبنيتين (حكم قبول كتابة الأخرس في الطلاق) و (حكم قبول كتابة الأخرس في الإقرار) والمسألة المبني عليها (قبول كتابة الأخرس في النكاح بالإيجاب وعدمه)، أن العلة المشتركة بين المسألة المبني عليها والمسألتين المبنيتين: أن الكتابة من الأخرس أقوى وأولى من الإشارة، وينعقد به كلٌّ من النكاح والطلاق والإقرار، حيث قال: " [(أو كتابة) أي ويصح إيجابه وقبوله من أخرس بكتابة، لأنها أولى من الإشارة لأنها بمنزلة الصريح في الطلاق والإقرار" (٤).
стр. 170
-المثال الثاني: ربط البهوتي ﵀ بين المسألة المبنية: (البيع على بيع أخيه قبل لزومه) والمبني عليها: (خطبة المرأة على خطبة أختها قبل انعقادها) بالعلل المتماثلة التي من أجلها اتَّحد الحكم فيها بالتحريم، وهي التعدي على حق الغير، ففيه أذى للمسلم والإضرار به والإفساد، فإن كان كذلك فيحرم البيع والخطبة على الغير، حيث قال: " [(قال الشيخ ولو خطبت المرأة أو وليها الرجل ابتداء فأجابها فينبغي ألَّا يحل لرجل آخر خطبتها) لأنه إيذاء له (إلا أنه أضعف من أن يكون هو الخاطب) لأنه دونه في الإيذاء، ثم ذكر الشيخ مسألة وقع فيها في كلامه سقط كلمة، فتركها المصنف ثم قال الشيخ (ونظير الأولى) (١) وهي التي ذكرت لك في المتن (أن تخطبه امرأة أو) يخطبه (وليها بعد أن خطب هو امرأة، فإن هذا إيذاء للمخطوب في الموضعين، كما أن ذلك إيذاء للخاطب، وهذا بمنزلة (٢) البيع على بيع أخيه قبل انعقاد العقد (٣) أي: لزومه (وذلك كله ينبغي أن يكون حرامًا. انتهى). قال في المبدع: وظاهر كلامهم يقتضي جواز خطبة المرأة على خطبة أختها، وصرح في الاختيارات بالمنع، ولعل العلة تساعده" (٤).
البناء بالاقتران بمثله والمثل:
-المثال الأول: ربط البهوتي ﵀ بين المسألتين المبنيتين: (حكم نظر ولمس من يخدم المريض من وضوء واستنجاء) و (حكم نظر ولمس من لا يحسن حلق عانته) والمسألة المبني عليها: (حكم نظر الطبيب ولمسه)، والمتأمل للمسائل السابقة يجد أن البهوتي ﵀ قد جمع بين عدة مسائل ذات علة واحدة، ورتبها وبناها على بعضها ثم ذكر العلة بقوله: "لأنه موضع حاجة، وظاهره ولو ذميًّا" (٥)، فالمسألة المبني عليها هي نظر الطبيب ولمسه للمرأة، فمن المعلوم أن نظر الرجل للمرأة الأجنبية محرم، ولكن لأجل الحاجة يباح للطبيب مداواتها والنظر لموضع الحاجة منها حتى لو اضطر لرؤية عورتها، فتلحق المسائل المبنية على المبني عليها في الحكم إذا وجدت العلة، وهي الحاجة، وقد رجح حتى لو كان الطبيب ذميًّا فتتبعه المسائل في ذلك، حيث قال: " (ولطبيب نظر ولمس ما تدعو الحاجة إلى نظره ولمسه حتى ذلك فرجها وباطنه) لأنه موضع حاجة
стр. 171
وظاهره ولو ذميًّا (١) (ومثله) أي: الطبيب (من يلي خدمة مريض أو مريضة في وضوء (٢) واستنجاء (٣) وغيرهما، وكتخليصها من غرق وحرق ونحوهما، وكذا لو حلق عانة من لا يحسن حلق عانته نصًّا) وظاهره ولو ذميًّا" (٤).
-المثال الثاني: ربط البهوتي ﵀ بين المسألتين المبنيتين: (حكم لو تزوج المرأة بغير ولي ولا شهود) و (هل يلحق الولد من وطأ وطء شبهة في نكاح لم تكتمل شروطه) والمسألة المبني عليها: (حكم لو علم تحريم نكاح المتعة ثم فعله)، بالعلة المشتركة، وهي أن كلاً من نكاح المتعة ونكاح المرأة نفسها بلا ولي ولا شهود من الأنكحة الفاسدة، فمن فعل شيئًا منه عالمًا بتحريمه أقيم عليه الحد، وهو التعزير لعدم وجود عقوبة مقدرة من الشرع، ويتفرع عن هاتين المسألتين فرع يشتركان فيه، وهو لحوق الولد بوطء الشبهة في كلٍّ منهما، حيث قال: [(ومن تعاطاه عالمًا) تحريمه (عزر) لارتكابه معصية لا حد فيها، ولا كفارة (ويلحق فيه النسب إذا وطئ يعتقده نكاحًا).
قلت: أو لم يعتقده نكاحًا؛ لأن له شبهة العقد (ويرث ولده، ويرثه) ولده للحوق النسب (ومثله) أي: مثل نكاح المتعة فيها ذكر (إذا تزوجها بغير ولي ولا شهود، واعتقده نكاحًا جائزًا) قلت: أو لم يعتقده كذلك (فإن الوطء فيه وطء شبهة يلحقه الولد فيه) لشبهة العقد (ويستحقان العقوبة) أي: التعزير (على مثل هذا العقد) لتعاطيهما عقدًا فاسدًا] (٥).
البناء بالاقتران بكذا وكذلك:
-المثال الأول: ربط البهوتي ﵀ بين المسألة المبنية (حكم العقود الجائزة إذا نام العاقد بعد الإيجاب)، والمبني عليها (حكم عقد النكاح إذا نام الولي بعد الإيجاب.) بالعلة الجامعة، وهي عدم تأثير النوم في كلا العقدين، أي: إنَّ النوم ليس له أثر في إيجاب النكاح من الولي إذا نام بعده، وكان القبول في مجلس العقد، وكذلك في العقود الجائزة فإن النوم لا يؤثر فيها؛ فلا تبطل، حيث قال: "و (لا) تبطل (إن) أوجب ثم (نام) وحصل القبول في المجلس؛ لأن النوم لا يبطل العقود الجائزة، فكذلك هنا" (٦).
стр. 172
-المثال الثاني: ربط البهوتي ﵀ بين المسألة المبنية (حكم نظر المعامل في البيع والإجارة لوجه وكفَّي المتعاملة)، والمبني عليها (نظر الشاهد لوجه وكفَّي المشهود عليها) بالعلة الجامعة، وهو نظر العامل والشاهد للمشهود عليها وللمتعاملة لوجهها ليعرفها بعينها (١)، حيث قال: [(ولشاهد (٢) نظر وجه مشهود عليها (٣) تحملاً (٤) وأداء (٥) عند المطالبة منه لتكون الشهادة واقعة على عينها)، قال أحمد: لا يشهد على امرأة إلا أن يكون قد عرفها بعينها (ونصه وكفيها مع الحاجة) عبارة الإنصاف المنصوص عن أحمد أنه ينظر إلى وجهها وكفيها إذا كانت تعامله. انتهى.
وقد ذكرت كلام الشيخ تقي الدين في نقلي الروايات (٦) عن الإمام من الحاشية (٧)، وأن مقتضاه: أن الشاهد لا ينظر سوى الوجه؛ إذ الشهادة لا دخل لها في نظر الكفين.
стр. 173
(وكذا) ينظر (لمن يعاملها في بيع (١) وإجارة (٢) ونحو ذلك) كقرض (٣) وغيره، فينظر لوجهها ليعرفها بعينها، فيرجع عليها بالدرك (٤)، وإلى كفيها لحاجة] (٥).
البناء بالاقتران بالفاء التعليل:
-ومثال ذلك: ربط البهوتي ﵀ بين المسألة المبنية (حكم لو زوَّجها سيدها ثم باعها، فزادها زوجها في مهرها) على مسألة: (من عتقت وزادها زوجها في مهرها)، سواء كان حرًّا أو عبدًا، بالعلة المشتركة، وهي الملك، فإن زال الملك عن الأمة وأعتقت كانت زيادة المهر لها، وإن لم تعتق كانت الزيادة لسيدها، حيث قال المصنف: "ومن عتقت وزادها زوجها في مهرها، فالزيادة لها دون سيّدها، سواء كان زوجها حرًّا أو عبدًا، عتق معها أو لم يعتق. وعلى قياس ذلك: لو زوَّجها سيّدها ثم باعها، فزادها زوجها في مهرها، فالزيادة للثاني؛ قاله في «الشرح» " (٦)(٧).
البناء بالاقتران بخلاف:
-المثال الأول: ربط البهوتي ﵀ بين المسألتين المبنيتين: (حكم لو وجد العيب في الزوج قبل الوطء)، و (حكم من عتقت تحت عبد، وطلقت طلاقًا رجعيًّا) على مسألة (حكم لو شرط السيد على معتقته دوام نكاحها تحت الحر)، بالعلة الجامعة، وهي عدم وجود أحقية في طلب الفسخ في الحالات الثلاث:
الحالة الأولى: إذا رضيت المعتقة بدوام نكاحها تحت العبد فقط أسقطت حقها برضاها.
стр. 174
الحالة الثانية: لا تملك الصغيرة والمجنونة حق الفسخ؛ لأنهما لا يعقلان، فيسقط حقهما في طلب الفسخ.
الحالة الثالثة: أن الطلاق البائن يسقط حق المعتقة في الفسخ لعدم وجود حكم الزوجية فيها.
حيث قال المصنف: " (ولو شرط معتقها عليها دوام النكاح تحت حر) إن قلنا: لها الفسخ إذا عتقت تحته (أو) شرط عليها معتقها دوام النكاح تحت (عبد إذا أعتقها فرضيت) بالشرط (لزمها ذلك)، وليس لها الفسخ إذن، كأنه استثنى منفعة بضعها للزوج، والعتق بشرط جائز.
(فإن كانت) من عتقت تحت عبد (صغيرة) دون تسع، (أو مجنونة فلا خيار لها في الحال)؛ لأنه لا حكم لقولها (ولها الخيار إذا بلغت تسعًا وعقلت) لكونها صارت على صفة لكلامها حكم، وكذا لو كان بزوجها عيب يوجب الفسخ (ما لم يطأ الزوج قبل ذلك) أي: قبل اختيارها الفسخ؛ فيسقط كالكبيرة لانقضاء مدة الخيار.
(ولا يمنع زوجها من وطئها) كما لا يمنع من وطء الكبيرة قبل علمها (وليس لوليها) أي: الصغيرة أو المجنونة (الاختيار عنها) لأن طريق ذلك الشهوة، فلا يدخل تحت الولاية كالقصاص (فإن طلقت) من عتقت تحت عبد (قبل أن تختار) الفسخ (وقع الطلاق)؛ لصدوره من أهله في محله، كما لو لم تعتق (وبطل خيارها إن كان) الطلاق (بائنًا) لفوات محله.
(وإن كان) الطلاق (رجعيًّا) فلها الخيار (أو عتقت المعتدة الرجعية فيها الخيار) ما دامت في العدة؛ لأن نكاحها باقٍ يمكن فسخه، ولها في الفسخ فائدة، فإنها لا تأمن رجعته إذا لم تفسخ، بخلاف البائن (١).
الفرع الثاني: صور الإشارة إلى بناء الفروع على الفروع.
تقدم قريبًا أن الإشارة إلى البناء قد تكون بصيغ غير صريحة، وذلك يكون بعلامات تدل على البناء كحروف الشرط والعطف والاقتران بالفاء، أو من تصريح بعض العلماء بالبناء، وسنذكر هنا صور الإشارة إلى البناء بالتفصيل (٢):
الصورة الأولى: الإشارة إلى البناء بترتيب أحد الحكمين على الآخر كونه سببًا له.
-المثال الأول: ربط البهوتي ﵀ بين المسألتين المبنيتين: (حكم نظر ولمس من يخدم المريض من وضوء واستنجاء)، و (حكم نظر ولمس من لا يحسن حلق عانته) والمسألة المبني عليها: (حكم نظر الطبيب ولمسه)، والمتأمل للمس، ورتبها وبناها على بعضها، ثم ذكر العلة بقوله: "لأنه موضع حاجة، وظاهره ولو ذميًّا"، فالمسألة المبني عليها هي نظر الطبيب ولمسه للمرأة، فمن المعلوم أن نظر الرجل للمرأة الأجنبية محرم،
стр. 175
ولكن لأجل الحاجة يباح للطبيب مداواتها والنظر لموضع الحاجة منها حتى لو اضطر لرؤية عورتها، فتلحق المسائل المبنية على المبني عليها في الحكم إذا وجدت العلة، وهي الحاجة، وقد رجح حتى لو كان الطبيب ذميًّا، فتتبعه المسائل في ذلك، حيث قال: " (ولطبيب نظر ولمس ما تدعو الحاجة إلى نظره ولمسه حتى ذلك فرجها وباطنه)؛ لأنه موضع حاجة، وظاهره ولو ذميًّا (ومثله) أي: الطبيب (من يلي خدمة مريض أو مريضة في وضوء واستنجاء وغيرهما، وكتخليصها من غرق وحرق ونحوهما، وكذا لو حلق عانة من لا يحسن حلق عانته نصًّا) وظاهره ولو ذميًّا" (١).
-المثال الثاني: ربط البهوتي ﵀ بين المسألة المبنية (حكم من وُطِئت في الدبر وما دون الفرج)، والمبني عليها (حكم من زالت بكارتها بإصبع أو وثبة أو شدة حيضة وسقوط من شاهق) بالعلة المتماثلة التي من أجلها اتَّحد الحكم فيها، وهي حصول زوال البكارة بلا قصد، وإنما بعارض خارجي، فلا تأخذ حكم الثيب، لا حقيقةً ولا حكمًا، حيث قال: [(وزوال البكارة بأصبع أو وثبة أو شدة حيضة ونحوه) كسقوط من شاهق (لا يغير صفة الإذن)، فلها حكم البكر في الإذن، لأنها لم تخبر المقصود، ولا وجد وطؤها في القبل، فأشبهت من لم تزل عذرتها (وكذا وطء دبر) ومباشرة دون الفرج؛ لأنها غير موطوءة في القبل] (٢).
الصورة الثانية: البناء بتعليل أحد الحكمين بالآخر:
-ومثال ذلك: ربط البهوتي ﵀ بين المسألتين المبنيتين: (حكم الخلوة بدابة يشتهيها ولا يعف عنها)، و (حكم الخلوة بحيوان يشتهي المرأة وتشتهيه)، والمبني عليها: (نظر الرجل بدابة يشتهيها ولا يعف عنها) بالعلة المشتركة، ورتبها وبناها على بعضها، وهي خوف الفتنة في حال وجود الشهوة، حيث قال: [(ويحرم النظر مع شهوة تخنيث وسحاق ودابة يشتهيها، ولا يعف عنها (٣) قاله ابن عقيل (٤)، وهو ظاهر
стр. 176
كلام غيره (وكذا الخلوة بها) أي: بدابة يشتهيها، ولا يعف عنها لخوف الفتنة … (وتحرم) الخلوة (بحيوان يشتهي المرأة أو تشتهيه كالقرد)، ذكره: ابن عقيل، وابن الجوزي، والشيخ تقي الدين؛ لخوف الفتنة] (١).
الصورة الثالثة: إتباع حكم إحدى المسألتين بعد الأخرى مباشرة، بما يشير إلى البناء دون التصريح بصيغة محددة.
-المثال الأول: ربط البهوتي ﵀ بين المسألة المبينة (حكم كفاءة ولد الزنى لذوي نسب) والمبني عليها (حكم كفاءة الرجل المعسر للمرأة الموسرة في النكاح) بالعلة المشتركة، وهي الضرر الحاصل على كل من: المرأة الموسرة، وولد الزنا، حيث قال البهوتي ﵀: "لأن على الموسرة ضررًا في إعسار زوجها لإخلاله بنفقتها ومؤنة أولاده" (٢)، ثم قال: "لأن المرأة تتضرر به، هي وأولياؤها، ويتعدى ذلك إلى ولدها" (٣).
-المثال الثاني: ربط البهوتي ﵀ بين المسائل المبنية (حكم توكيل الفاسق بالقبول لنفسه ولغيره)، و (حكم لو وكل مسلم نصرانيًّا في قبول نكاح نصرانية)، و (حكم توكيل الزوج للعبد والصبي المميز لقبول النكاح)، والمبني عليها: (حكم عدالة وكيل الزوج) بعلة مشتركة واحدة، وهي: (يصح قبوله النكاح لنفسه، فصح قبوله لغيره)، ورتبها وبناها على بعضها ثم ذكر العلة بقوله: [(ولا يشترط في وكيل الزوج عدالته) فيصح توكيل فاسق في قبوله؛ لأن الفاسق يصح قبوله النكاح لنفسه، فصح قبوله لغيره، وكذا لو وكَّل مسلم نصرانيًّا في قبول نكاح نصرانية لصحة قبول ذلك لنفسه … (فإن وكَّله) أي: العبد أو الفاسق أو الصبي (الزوج في قبول النكاح) صحَّ، لأن الفاسق ونحوه يصح قبوله النكاح لنفسه فصح لغيره، وتقدم" (٤).
الصورة الرابعة: البناء بتلازم الحكمين:
"يظهر مما سبق في بناء فرع على فرع آخر: أنَّه يلزم من القول في مسألة بقولٍ أن يقول في المسألة الأخرى ما يناسبه" (٥)، وهو ما يسمى بالتلازم بين الحكمين، وهو ما عبرّ عنه الإمام أحمد عندما سئل عن عدة أم الولد بقوله: "عدتها حيضة، إنما هي أمة في كل أحوالها، إن جنت فعلى سيدها قيمتها، وإن جنى عليها فعلى الجاني ما نقص من قيمتها، وإن ماتت فما تركت من شيء فلسيدها، وإن اصابت حدًّا فحد أمة، وإن زوجها سيدها فما ولدت فهم بمنزلتها يُعتدون أختها، ويرثون برقها.
стр. 177
وقد اختلف الناس في عدتها، فقال بعض الناس: أربعة أشهر وعشرًا، فهذه عدة الحرة، إنما هي عدة أمة خرجت من الرق إلى الحرية، فيلزم من قال: أربعة اشهر وعشرًا؛ أن يورثها، وأن يجعل حكمها أحكام الحرة؛ لأنه قد أقامها في العدة مقام الحرة" (١)، ونظائره في كتاب الكشاف كثيرة، ومنها:
-المثال الأول: ربط البهوتي ﵀ بين المسألة المبنية (حكم تقديم الحج على النكاح) والمسألة المبني عليها (حكم تقديم نكاح من يخاف الزنى على الواجب)، ويمكن القول: أن المسألة المبني عليها كانت العلة فيها (من يخاف على نفسه الزنا)، والعلة في المسألة المبنية علتان: (من يخاف على نفسه الزنا)، و (عدم الاستطاعة على الحج)، فوجه الاشتراك بينهما: (من يخاف على نفسه الزنا)، فمتى وجدت العلة ترتب عليها الحكم بالتقديم في كل من النكاح والحج.
- المثال الثاني: جمع البهوتي ﵀ بين المسألة المبني عليها والمسألة المبنية بباء التعليل، حيث أورد ﵀ المسألتين في كتابين: كتاب النكاح وكتاب الحج، ولكنه ربط بينهما بإلحاق الباء في المسألة بقوله: (بخلاف الحج)، وعند الرجوع للمسألة كان بينهما ترابط في الأحكام، حيث قال في كتاب النكاح: "ما أشير إليه بقوله: (ويجب على من يخاف الزنا) بترك النكاح (من رجل وامرأة)، سواء كان خوفه ذلك (علمًا أو ظنًّا)؛ لأنه يلزمه إعفاف نفسه وصرفها عن الحرام، وطريقه النكاح، (ويقدم حينئذ) وجب (على حج واجب نصًّا) لخشية الوقوع في المحظور بتأخيره، بخلاف الحج" (٢).
والمسألة المحال إليها في كتاب الحج، حيث قال: " (ويقدم النكاح مع عدم الوسع) للنكاح والحج (من خاف العنت نصًّا)، وقوله: (ومن احتاج إليه) أي: ويقدم النكاح مع عدم الوسع من احتاج إليه، لم أره لغيره، بل قال في المستوعب: وإن كان لا يخاف العنت فلا اعتبار بهذه الحاجة قولاً واحدًا. اهـ.
لأنه لا تعارض بين واجب ومسنون (ويعتبر) في الاستطاعة (أن يكون له إذا رجع) من حجه (وما يقوم بكفايته وكفاية عياله على الدوام) لتضرره بذلك كالمفلس (ولم يعتبر ما بعد رجوعه عليها) يعني ولم يعتبر على رواية ما يكفيه بعد رجوعه، فيعتبر إذن أن يكون له ما يقوم بكفايته وكفاية عياله إلى أن يعود. جزم به في الكافي والروضة، وقدمه في الرعاية، قال في المبدع: فيتوجه أن المفلس ومثله أولى" (٣).
الصورة الخامسة: الإشارة إلى البناء بالتشبيه:
стр. 178
إذا كانت المسائل الفقهية ترتبط بالأصول فهي ترتبط فيما بينها، كما ترتبط الفروع بالأصول، ومن ذلك ارتباطها بالأصل لعلة تجمع بينهم، أو لعدم وجود فارق بينهم، ومن تلك الروابط التشابه بينهم وهو نوع من أنواع القياس، "وإن كان الشبه يطلق على كل قياس، فإن الفرع يلحق بالأصل بجامع يشبهه فيه" (١).
والشبه بين المسألتين قريب من البناء، ودل على ذلك ما ذكره بعض العلماء في مسألة تقديم رواية الخلفاء الأربعة ﵃ بقولهم: "ولعل الخلاف في تقديم روايتهم مبني على الخلاف في إجماعهم: هل هو حجة أم لا؟ فإن لم يكن مبنيًّا عليه، فهو شبيه به" (٢).
ويرد التشبيه عند الفقهاء بألفاظ مخصصة، ومنها: (أشبهت، أو تشبه، أو شابهت، أو حرف التشبيه الكاف) (٣).
والتشبيه المصرح فيه بالبناء عند الفقهاء له أمثلة كثيرة في القدر المبحوث من كتاب الكشاف، ومنها:
-المثال الأول: ربط البهوتي ﵀ بين المسألة المبنية (حكم التصريح بخطبة غير المعتدة) والمبني عليها (التصريح بالخطبة في عدة المختلعة) بالتشبيه والاشتراك في الحالة، كالتصريح بالنكاح في حالة المختلعة وحالة غير المعتدة، فكلا الحالتين جمع بينهما تشابههما في الحالة والحكم، وهي أن المختلعة في عدتها يجوز لزوجها التصريح والتعريض بنكاحها، وكذلك حالة غير المعتدة، يجوز لراغب في النكاح منها التصريح والتعريض، حيث قال: " [(إلا لزوج تحل له) كالمختلعة، لأنه يباح له نكاحها في عدتها، أشبهت غير المعتدة بالنسبة إليه] " (٤).
-المثال الثاني: ربط البهوتي ﵀ بين المسألة المبنية (حكم من وُطِئت في الدبر وما دون الفرج) والمبني عليها (حكم من زالت بكارتها بإصبع أو وثبة أو شدة حيضة وسقوط من شاهق) بالعلة المتماثلة التي من أجلها اتَّحد الحكم فيها، وهي حصول زوال البكارة بلا قصد، وإنما بعارض خارجي، فلا تأخذ حكم الثيب، لا حقيقةً ولا حكمًا، حيث قال: " [(وزوال البكارة بأصبع أو وثبة أو شدة حيضة ونحوه) كسقوط من شاهق (لا يغير صفة الإذن)، فلها حكم البكر في الإذن، لأنها لم تخبر المقصود، ولا وجد وطؤها في القبل، فأشبهت من لم تزل عذرتها (وكذا وطء دبر) ومباشرة دون الفرج؛ لأنها غير موطوءة في القبل] " (٥).
وبالنظر إلى البناء بطريق التشبيه تظهر عدة مسائل تتعلق بهذه الصورة.
стр. 179
-المسألة الأولى: البناء بالتشبيه لا يعني التماثل من كل وجه:
من الملاحظ لمن تتبع البحث أن التشابه بين المسائل لا يعني التماثل من كل وجه (١)، ويبقى هناك فروق بين المسائل المبنية والمبني عليها، ومن أمثلة ذلك:
-المثال الأول: ربط البهوتي ﵀ بين المسألة المبنية (حكم من أسقط شفعته قبل البيع برضًا منه) على (حكم سقوط خيار الشرط برضا الزوجة من قول أو تمكين) وبسبب مشترك من وجه واحد، وهو رضا كلٍّ من: الزوجة في سقوط الشرط المتقدم على عقد النكاح، وكذلك رضا الشفيع في سقوط الشفعة التي من حقه قبل البيع، فلا أثر لهذا الشرط السابق للعقد إذا تخلى عنه صاحبه (٢).
-المثال الثاني: ربط البهوتي ﵀ بين المسائل المبنية: (حكم لو كان المهر المسمى حيلة ولكنه كثير)، و (حكم لو سمّى المهر لإحداهما ولم يسمِّ للأخرى)، و (حكم لو جعل رقبة الجارية صداقًا لابنته)، والمسألة المبنية: (حكم لو سمّى المهر في نكاح الشغار لكل واحدة بشكل مستقل عن بُضع الأخرى) بالعلة المتماثلة من وجه واحد، وهو وجود المهر، فإن وجد المهر والرضا والكفاءة صح النكاح في كل الحالات بخلاف من عارض ذلك الوجه، حيث إنه يرى أن نكاح الشغار لا يصح مطلقًا، لا مع وجود المهر أو عدمه، هذا والله أعلم.
المسألة الثانية: علاقة هذا النوع من الشبه بالقياس:
الكلام عن الشبه يتفرع عنه الكلام عن القياس، فكلاهما من الصيغ التي تدل على البناء، فإن القياس في بعض صوره (٣) والبناء (٤) يتضمنان معنى الضم والجمع، والقياس هو "إثبات حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت" (٥)، وعند تعريفنا للبناء -في مباحث سابقة- يظهر الارتباط بين القياس والبناء، وعلاقة الأصل والفرع في كل منهما.
ولذا فإن من ألفاظ البناء الواردة في البحث تعبير المصنف عن البناء بالقياس، ومن أمثلته:
стр. 180
-المثال الأول: ربط البهوتي ﵀ بين المسألة المبنية (حكم لو زوَّجها سيدها ثم باعها، فزادها زوجها في مهرها) على (من عتقت وزادها زوجها في مهرها، سواء كان حرًّا أو عبدًا) بالقياس، كما أورده الحجاوي ﵀ بجامع العلة المشتركة، وهي الضرر على كلا الزوجين، واحتمال تعدي هذه العيوب للأبناء فيما بعد.
[ومن عتقت وزادها زوجها في مهرها، فالزيادة لها دون سيّدها، سواء كان زوجها حرًّا أو عبدًا، عتق معها أو لم يعتق. وعلى قياس ذلك: لو زوَّجها سيّدها ثم باعها، فزادها زوجها في مهرها، فالزيادة للثاني؛ قاله في «الشرح»] (١).
المسألة الثالثة: وجه التشابه بين المسائل، وله ثلاث حالات:
التشابه بين الفروع الفقهية له صور متعددة، فقد يكون التشابه في الأحكام فيتنزل حكم المسألة الأولى على حكم المسألة الثانية، وقد يكون التشابه في الأدلة فيستدل للمسألة الأولى بنفس أدلة المسألة الثانية، وقد يكون في اطراد أقوال الفقهاء، فيكون القائل في هذه المسألة هو القائل في المسألة المبني عليها، ولهذا التشابه حالات، وهي كالآتي (٢):
الحالة الأولى: التشابه في الأدلة:
-المثال الأول: بنى البهوتي ﵀ بين المسألة المبنية (حكم من وُطِئت بآلة الرجل ثم عادت بكارتها) والمبني عليها (حكم المرأة الموطوءة بآلة الرجل بزنى)، وخلال دراسة المسألة وجدت هناك تشابهًا في الأدلة بين المسألتين، ومن ذلك:
• أن الحكمة التي اقتضت التفرقة بين المرأة التي وُطِئت بآلة الرجل ثم عادت بكارتها وبين البكر مباضعة الرجال ومخالطتهم، وهذا موجود مع عود البكارة (٣).
• أن المرأة التي وُطِئت بآلة الرجل ثم عادت بكارتها هي في حكم الثيب لوجود المباضعة (٤).
-المثال الثاني: بنى البهوتي ﵀ بين المسألة المبنية (حكم من وُطِئت في الدبر وما دون الفرج) والمبني عليها (حكم من زالت بكارتها بإصبع أو وثبة أو شدة حيضة وسقوط من شاهق)، وخلال دراسة المسألة وجدت هناك تشابهًا في الأدلة بين المسألتين، ومن ذلك: