← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30152

بناء الفروع على الفروع - من كشاف القناع

حسنة القرني

Полный текст (856 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

المبحث الثاني التصريح بخطبة المزني بها، والموطوءة بشبهة، والمستبرأة ؛ وفيه أربعة مطالب: • المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم التصريح بخطبة المزني بها. • المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم التصريح بخطبة الموطوءة بشبهة. • المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم التصريح بخطبة المستبرأة إذا مات سيدها أو أعتقها. • المطلب الرابع: الكلام في البناء.

стр. 317

المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم التصريح بخطبة المزني بها. تمهيد: من الملاحظ في هذا المبحث والمبحث السابق ترابط المسائل وتفرعها على بعض في الغالب، إلا أن كل مسألة لها حالتها الخاصة، وفي هذا المبحث سنتطرق إلى حكم التصريح بالخطبة في عدة حالات، بمشيئة الله تعالى. نص البناء: قال المصنف ﵀: [(فإن كانت لا تحل له (١) إلا بعد انقضاء العدة كالمزني بها (٢)، والموطوءة بشبهة، فينبغي أن يكون كالأجنبي (٣)، والمستبرأة (٤) كأم الولد (٥) إذا مات سيدها (٦) أو أعتقها، ينبغي أن تكون في حق الأجنبي كالمتوفى عنها. قاله (٧) في الاختيارات (٨) (٩).

стр. 318

دراسة البناء: اتفق فقهاء الحنابلة على جواز التصريح بخطبة المزني بها (١) إذا انقضت عدتها. والقائلون بذلك: ابن تيمية، والبهوتي، والرحيباني، والزركشي (٢)، وابن قدامة (٣). سبب اتفاقهم: انقضاء العدة، فإن انقضت عدة المرأة جاز لأي رجل التصريح بخطبتها. الأدلة: ويمكن أن يستدل على ذلك من الكتاب والسنة والمعقول: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٥]. وجه الاستدلال: دلت الآية على إباحة التعريض بخطبة المرأة المعتدّة في عدتها، ويقتضي ذلك النهي عن التصريح والعزم على عقد النكاح في وقت العدة، فإن انتهت أبيح ذلك كله (٤)، وكذلك في المزني بها. وقيل: "وإذا كان قد نهى عن العزم على العقد قبل فراغ العدة، فالنهي عن العقد من باب أولى. ومن المعلوم أن عقد النكاح - في زمن العدة - باطل، والمباشرة - حينئذ - زنا" (٥). ثانيًا: من السنة: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ». وجه الاستدلال: دل الحديث على نهي المسلم أن يخطب على خطبة أخيه لا بتصريح ولا تعريض، ويدل مفهومه على أنه: لو كانت المرأة غير مخطوبة فيصح خطبتها والتصريح بذلك، ويدخل في ذلك المزني بها إذا انقضت عدتها.

стр. 319

ثالثًا: من المعقول: • أن كل امرأة يجوز الزواج بها والعقد عليها فإنه يجوز التصريح في خطبتها، إذن كل من لا يجوز العقد عليها فإنه يحرم خطبتها (١). • أن الرجل بالنسبة للمعتدة إذا كان لا يحل لها فهو أجنبي عنها (٢).

стр. 320

المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم التصريح بخطبة الموطوءة بشبهة اتفق فقهاء الحنابلة على جواز التصريح بخطبة الموطوءة بشبهة (١) إذا انقضت عدتها. والقائلون بذلك: ابن تيمية، والبهوتي، والرحيباني، والزركشي، وابن قدامة (٢). سبب اتفاقهم: انقضاء العدة، فإن انقضت عدة المرأة جاز لأي رجل التصريح بخطبتها. الأدلة: ويمكن أن يستدل على ذلك بما تم الاستدلال به في المسألة المبني عليها (٣)؛ لأنهم يرون الموطوءة بشبهة امرأة تدخل في حكم المعتدة، لذلك تأخذ حكمها في التصريح بالخطبة إذا انقضت عدتها.

стр. 321

المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم التصريح بخطبة المستبرأة إذا مات سيدها أو أعتقها اتفق فقهاء الحنابلة على جواز التصريح بخطبة المستبرأة إذا انقضت عدتها (١). والقائلون بذلك: ابن تيمية، والبهوتي، والرحيباني، والزركشي، وابن قدامة (٢). سبب اتفاقهم: انقضاء العدة، فإن انقضت عدة المرأة جاز لأي رجل التصريح بخطبتها. الأدلة: ويمكن أن يستدل على ذلك بما تم الاستدلال به في المسألة المبني عليها؛ لأنهم يرون المستبرأة امرأة تدخل في حكم المعتدة، لذلك تأخذ حكمها في التصريح بالخطبة إذا انقضت عدتها.

стр. 322

المطلب الرابع: الكلام في البناء نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية. الجامع بين المسائل: والمتأمل للمسألة المبني عليها يلاحظ أن المرأة المعتدة يصح التصريح بخطبتها ممن لا تحل له لأنه أجنبي عنها، وكذلك المسائل المبنية الأخرى تلحق المسألة المبنية في العلة، وهي كون الرجل أجنبيًّا عن كل من المزني بها والموطوءة بشبهة والمستبرأة، فيصح التصريح بخطبتهم إذا انقضت عدتهم. من صرح بالبناء من الحنابلة: إنَّ المسائل المبنية لم يتفرد بها البهوتي ﵀، إنما نقلها من الشيخ ابن تيمية ﵀، حيث قال: "فأما إن كانا ممن لا يحل له إلا بعد انقضاء العدة كالمزني بها والموطوءة بشبهة فينبغي أن يكون كالأجنبي، والمعتدة باستبراء كأم الولد أو مات سيدها أو أعتقها، فينبغي أن تكون في حكم الأجنبية كالمتوفى عنها" (١). صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة: - كاف التشبيه (كالمزني بها) (٢)، (كأم الولد) (٣). - واو العطف (والموطوءة بشبهة) (٤). منهج البهوتي في البناء: استخدم البهوتي ﵀ البناء غير الصريح باستخدام واو العطف وكاف التشبيه، وربط بين المسائل بعلة مشتركة، كان لها تأثير في ترتيب الحكم في كلٍّ منها. قول الأصوليين في صيغ واو العطف وكاف التشبيه: تقدم سابقًا قول الأصوليين في واو العطف وكاف التشبه (٥)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك. موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب، لأن الأجنبي لا يحق له التصريح بالنكاح في العدة، إنما يصح له التعريض، فإن انقضت العدة صح له ذلك، فيترتب حكم المسائل المبنية على المبني عليها في الحكم، وهو موافق للمذهب (٦) لقول ابن تيمية: "فأما إن كانا ممن لا يحل له إلا بعد انقضاء العدة كالمزني

стр. 323

بها والموطوءة بشبهة فينبغي أن يكون كالأجنبي، والمعتدة باستبراء كأم الولد أو مات سيدها أو أعتقها، فينبغي أن تكون في حكم الأجنبية كالمتوفى عنها" (١).

стр. 324

المبحث الثالث البيع على بيع أخيه قبل انعقاد العقد ؛ وفيه ثلاثة مطالب: • المطلب الأول: المسألة المبني عليها: خطبة المرأة على خطبة أختها قبل انعقادها. • المطلب الثاني: المسألة المبنية: البيع على بيع أخيه قبل لزومه. • المطلب الثالث: الكلام في البناء.

стр. 325

المطلب الأول: المسألة المبني عليها: خطبة المرأة على خطبة أختها تمهيد: مما لا يخفى أن من المقاصد التي جاء بها الشرع: شيوع الألفة والمودة بين المسلمين، فشرع كثيرًا من الوسائل التي يتحقق بها هذا المقصد، ونهى عن كثير مما قد يفوت حصوله، وفي هذا المبحث سنتحدث عن بعض هذه المسائل. نص البناء: قال المصنف ﵀: [(قال الشيخ: ولو خطبت المرأة أو وليها الرجل ابتداء فأجابها، فينبغي ألا يحل لرجل آخر خطبتها) لأنه إيذاء له (إلا أنه أضعف من أن يكون هو الخاطب) لأنه دونه في الإيذاء. ثم ذكر الشيخ مسألة وقع فيها في كلامه سقط كلمة فتركها المصنف، ثم قال الشيخ: (ونظير الأولى) (١) وهي التي ذكرت لك في المتن (أن تخطبه امرأة أو) يخطبه (وليها بعد أن خطب هو امرأة، فإن هذا إيذاء للمخطوب في الموضعين، كما أن ذلك إيذاء للخاطب، وهذا بمنزلة البيع على بيع أخيه قبل انعقاد العقد (٢) أي: لزومه (وذلك كله ينبغي أن يكون حرامًا. انتهى) قال في المبدع: وظاهر كلامهم يقتضي جواز خطبة المرأة على خطبة أختها، وصرح في الاختيارات بالمنع، ولعل العلة تساعده] (٣). دراسة البناء: اختلف فقهاء الحنابلة في حكم خطبة المرأة على خطبة أختها على قولين: القول الأول: يحرم خطبة المرأة على أختها. والقائلون بذلك: الحجاوي، وابن تيمية، والمرداوي، وغيرهم (٤). القول الثاني: جواز خطبة المرأة على خطبة أختها. وبه قال ابن مفلح (٥). سبب الاختلاف: يرجع اختلافهم لسببين:

стр. 326

السبب الأول: اختلافهم في الأدلة المستدل بها، فمن استدل بقول النبي ﵇: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه» يرى أن النهي للتحريم، ومن استدل بقصة فاطمة بنت قيس (١) وقول النبي ﷺ : انكحي زيدًا؛ فإنها أتت للاستشارة، وليس لها نية الرضا والركون لأحد ممن خطباها. السبب الثاني: وجود الركون والرضا بين الطرفين، فيحرم دخول طرف ثالث على خطبة أختها، فإن لم يكن هناك ركون أو رضا بين الطرفين صحت خطبة المرأة على خطبة أختها أو رد أو أذن لها في ذلك. الأدلة: أدلة القول الأول: يحرم خطبة المرأة على أختها. يمكن أن يستدل عليه من الكتاب والسنة والمعقول: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة: ٢]. وجه الاستدلال: دلت الآية على نهيه - سبحانه - عن التعاون على المعاصي والمنكرات، وكل ما فيه إِضرار بمصالح الأَفراد والجماعات، ويدخل في ذلك كل ظلم وتعدٍّ، ومن ذلك خطبة المرأة على خطبة أختها (٢). ويكمن أن تناقش: أن هذه الآية نزلت عندما صُد المسلمون عن البيت الحرام عام الحديبية (٣)، وليس في الخطبة. ويمكن أن يجاب:

стр. 327

أن الإثم هو ذنب ومعصية يترصد صاحبه في الآخرة، ثم هو ضرر وشر يصيب مقترفه في الدنيا (١)، ومن ذلك الضرر الذي يقترف في الدنيا هو خطبة المرأة على خطبة أختها. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [سورة البقرة: ١٩٠]. وجه الاستدلال: دلت الآية على نهيه عن العدوان والظلم، وللعدوان صور عديدة: إما بالاعتداء على ما أباحه الله، أو ما نهي الله عنه، ومن ذلك خطبة المرأة على خطبة أختها (٢). ويمكن أن تناقش: أن الآية نزلت في قتال المدينة (٣)، وليس في الخطبة. ويمكن أن يجاب: أن العدوان لفظ عام يشمل كل صورة دلت على الاعتداء على المنافع أو المنهيات. أولاً: من السنة: عن النبي ﷺ قال: «لا يخطب الرجل على خطبة أخيه». وجه الاستدلال: دل الحديث على النهي، والنهي يقضي تحريم خطبة المسلم على أخيه المسلم، فمن باب أولى أن النهي يشمل خطبة المرأة على خطبة أختها. يمكن أن يناقش: ١. أن هذا النهي في الحديث للتأديب لا للتحريم (٤). ٢. أن نهيه ﵇ أن يخطب على خطبة أخيه منسوخ بخطبته ﵇ لأسامة من فاطمة بنت قيس على خطبة معاوية وأبي الجهم (٥). ٣. أن نهيه ﵇ أن يخطب على خطبة أخيه، يريد به: حال رضا المرأة وركونها إليه (٦).

стр. 328

يمكن أن يجاب: ١. أن من قال: إنَّ الحديث دال على التأديب، فإن الأحاديث دالة على إطلاق التحريم، وقال ابن المنذر: النهى في هذا الحديث أن يخطب الرجل على خطبة أخيه نهي تحريم لا نهي تأديب (١)، وقد أخرج مسلم من حديث عقبة بن عامر أنه ﵇ قال: «لا يحل لمؤمن أن يخطب على خطبة أخيه حَتَّى يذر» (٢). ٢. أن من قال: إنَّ الحديث منسوخ، فهو حكم ثابت لم ينسخه شيء، وهو غير جائز لرجل خطبة امرأة قد خطبها غيره حتى يترك ذلك، هذا قول عقبة بن عامر (٣)، وعبد الله بن عمر، واحتجوا بعموم الحديث (٤). ٣. فأما إذا لم تركن إليه ولم يوافقها، فلا بأس أن يخطبها غيره (٥). وقال ابن القيم: غلط، فإن فاطمة لم تركن إلى واحد منهما، وإنما جاءت مستشيرة للنبي ﷺ فأشار عليها بما هو الأصلح لها والأرضى لله ولرسوله، ولم يخطبها لنفسه، ومورد النهي إنما هو خطبة الرجل لنفسه على خطبة أخيه، فأما إشارته على المرأة إذا استشارته بالكفء الصالح فإنَّ ذلك من الخطبة على خطبة أخيه، فقد تبين غلط القائل، والحمد لله (٦). ثانيًا: من المعقول: ١. أن في ذلك إفسادًا على الخاطِبِ الأوَّلِ (٧). ٢. أن في ذلك من إيقاع العداوة بين الناس (٨).

стр. 329

يمكن القول: إنَّ لتحريم الخطبة شروط، فإن توفرت حرمت خِطبة المرأة على أختها: • أن تكون الخاطبة الأولى قد أجيب طلبها من قبل الرجل. • أن تعلم الخاطبة الثانية بخِطبة الأولى وإجابتها. • أن تكون خِطبة الأولى منعقدة، ولم تفسخ. أدلة القول الثاني: جواز خطبة المرأة على خطبة أختها. يمكن أن يستدل عليه من السنة والمعقول: أولاً: من السنة: عن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص (١) طلقها البتة (٢) وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: ليس لك عليه نفقة، فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك (٣)، ثم قال: تلك امرأة يغشاها (٤) أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم (٥)، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، فإذا حللت فآذنيني، قالت: فلما حللت

стр. 330

ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان (١) وأبا جهم (٢) خطباني، فقال رسول الله ﷺ : «أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد (٣). فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة فنكحته، فجعل الله فيه خيرًا واغتبطت» (٤). وجه الاستدلال: دل الحديث أن الخطبة على الخطبة قبل الركون والتراضي تصح من كلا الطرفين، لأن النبي ﵇ لم ينهَ فاطمة عن مشاورته في من تقدم لها. يمكن أن يناقش: ١. أن هناك حديثًا يدل على النهي في خطبة المسلم على خطبة أخيه (٥)، فكيف تجوزونها هنا. ٢. الذي تدل عليه الأحاديث أنَّ نهيه عن أن يخطب على خطبة أخيه إذا أذنت المرأة لوليها أن يزوجها (٦). ٣. أنَّ النهي عن الخطبة إذا ركنت المرأة (٧). يمكن أن يجاب: ١. أن الحديث عام، وخصص بحديث فاطمة بنت قيس، لأن رسول الله لا ينهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه في حال يخطب هو فيها على غيره، ولكن نهيه عنها في حال دون حال (٨).

стр. 331

٢. أن فاطمة لم تعلم رسول الله إذنها في أن تزوج معاوية ولا أبا جهم، ولم يرو أن النبي نهى معاوية ولا أبا جهم أن يخطب أحدهما بعد الآخر، ويمكن أنهما خطباها مفترقين، أحدهما قبل الآخر، ولم ترد على أحد منهم بالقبول (١). ٣. أن فاطمة بنت قيس استشارت النبي ﷺ في معاوية بن أبي سفيان وأبي جهم، فلم تركن لأي أحد منهما، فرد النبي ﵇ عليها أن تتزوج أسامة، فلم ينكر دخول بعضهم على بعض في الخطبة، لأنها لم تركن وترضى بالخطبة منهما بعد (٢). ٢ - عن ابن عمر ﵁ قال: «نهَى النَّبيُّ ﷺ أن يَبيعَ بَعضُكم على بيْعِ بَعضٍ، ولا يَخطُبَ الرَّجلُ على خِطبَةِ أخيه، حتَّى يَترُكَ الخاطِبُ قَبلَه أو يَأذَنَ له الخاطِبُ» (٣). وجه الاستدلال: دل الحديث أن النهي في حال الركون والرضا، فإن لم يحصل التوافق والرضا بين الطرفين فلا بأس أن تخطب المرأة على خطبة أختها. ثانيًا: من المعقول: • تصح الخطبة قبل التراكن، ولا تمتنع، نظرًا إلى المعنى الذي لأجله حرمت الخطبة، وهو وقوع العداوة والبغضاء، وإيحاش النفوس لا يتحقق في هذه الحالة (٤). • أن الخطبة إذا لم تكون قائمة إما أنه رفض أو رد الخاطب الأول فيصح أن يخطب الثاني على خطبة الأول، وكذلك المرأة. • أن الخاطب الأول إذا أذن لأخيه في التقدم في خطبة من خطبها صحت الخطبة، وكذلك المرأة لو أذنت لأختها. • أن الخاطب الأول لو تنازل لأخيه في التقدم في خطبة من خطبها صحت الخطبة، وكذلك المرأة لو أذنت لأختها (٥). نوقش:

стр. 332

لا تصح الخطبة في حال الرد أو الرفض لاحتمال أن يعيد الخطبة مرة أخرى؛ لأن البعض إذا رد أول مرة ذهب ما شاء الله ثم عاد، ما دام له رغبة فيها، وكذلك المرأة (١). يجاب عليه: أن هذا وارد، ما دام أنه رُد فيصح من الآخر أن يخطب على خطبة أخيه؛ لأن الخطبة غير قائمة، ولم يكن بينهما تراضٍ على الخطبة الأولى أو تنازل عن ذلك أو أذن له في ذلك (٢). الترجيح: الذي يظهر لي - والله أعلم- أن خطبة المرأة على خطبة أختها تكون على ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن تكون الخطبة قائمة وحصل بين الخاطب والمخطوبة الإيجاب والقبول، ففي هذه الحالة يحرم الخطبة على خطبة أختها. الحالة الثانية: إذا رد الخاطب أو أذن الخاطب الأول للثاني، ففي هذه الحالة تصح الخطبة على خطبة أختها. الحالة الثالثة: أن يتقدم أكثر من شخص للخطبة في وقت واحد، فتستشير المخطوبة فيهم، وتقدم أحدهم، فهذا يصح لفعل فاطمة بنت قيس. وهذه الحالات الثلاث يستوي فيها الرجل والمرأة، سواءً خطب المسلم على خطبة أخيه، أو خطبت المرأة على خطبة أختها.

стр. 333

المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم البيع على بيع أخيه اختلف فقهاء الحنابلة في المسألة على قولين: القول الأول: يحرم البيع على بيع أخيه قبل لزومه. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والسامري، وابن تيمية، والمرداوي، وأبو البركات (١). القول الثاني: يجوز البيع على بيع أخيه قبل لزومه. والقائلون بذلك: البهوتي، والسامري، وأبو البركات، والمرداوي، وابن مفلح (٢). سبب الاختلاف: هو التراضي وركون البائع والمشتري، فمن رأى التحريم بعد التراضي بين البائع والمشتري في زمن الخيار فلا يصح أن يبيع على غيره، ومن رأى الجواز إذا لم يكن هناك تراضٍ بين البائع والمشتري، فيصح البيع على غيره إذا تراضيا على السعر. الأدلة: أدلة القول الأول: يحرم البيع على بيع أخيه قبل لزومه. ويمكن أن يستدل عليه من الكتاب والسنة والمعقول: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة: ٢]. وجه الاستدلال: دلت الآية على نهيه - سبحانه - عن التعاون على المعاصي والمنكرات، وكل ما فيه إِضرار بمصالح الأفراد والجماعات، ويدخل في ذلك كل ظلم وتعدٍّ (٣).

стр. 334

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [سورة البقرة: ١٩٠]. وجه الاستدلال: دلت الآية على نهيه عن العدوان والظلم، وللعدوان صور عديدة: إما بالاعتداء على ما أباحه الله أو ما نهى الله عنه (١). ثانيًا: من السنة: ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «لا يبع أحدكم على بيع أخيه (٢)، ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له» (٣). وجه الاستدلال: دل الحديث على النهي عن بيع الشخص على بيع أخيه، والنهي يقتضي التحريم وحتى لو قبل لزومه؛ لأن فيه مضرة وإفسادًا في البيع. ثالثًا: من المعقول: • أن البيع الثاني في زمني خيار المجلس (٤) وخيار الشرط (٥) لا يصح حتى يترك الأول أو يأذن له (٦). • أن في البيع على بيع أخيه إضرار بالمسلم، والإفساد عليه، وكذلك إن اشترى على شراء أخيه (٧) (٨). • إذا استقر الثمن بين البائع والمشتري وركنا إليه لا يصح أن يبيع لغيره (٩). أدلة القول الثاني: يجوز البيع على بيع أخيه قبل لزومه. ويمكن أن يستدل عليه من السنة والمعقول: أولاً: من السنة:

стр. 335

عن أنس بن مالك، «أن رسول الله ﷺ باع حلسًا (١) وقدحًا (٢)، وقال: من يشتري هذا الحلس والقدح؟ فقال رجل: أخذتهما بدرهم، فقال النبي ﷺ : من يزيد على درهم؟ من يزيد على درهم؟ فأعطاه رجل درهمين، فباعهما منه» (٣). وجه الاستدلال: يدل الحديث أنه ما دام المتبايعان متساوِمَين ومُتراوِدَين للبيع، فإنّ ذلك لا يدخُل في النّهي، ولا يُضَيّق على من فعَله، كبيع النبي ﷺ القَدَح والحِلْس في من يَزيد (٤). ثالثًا: من المعقول: تصح الزيادة على الثمن إذا لم يرض البائع بما عين الطالب (٥). إذا أذن المشتري الأول للمشتري الثاني أن يأخذ البيع بدل عنه فيصح البيع في هذه الحالة. إذا رد البائع المشتري لعدم التراضي والركون في البيع ثم باعه من شخص ثانٍ، صح البيع كذلك. الترجيح: الذي يظهر لي أن لبيع الرجل على بيع أخيه ثلاث حالات:

стр. 336

الحالة الأول: أن يكون التراضي والركون بين البائع والمشتري على البيع، في هذه الحالة يحرم البيع على بيع أخيه. الحالة الثانية: إذا أذن المشتري الأول للمشتري الثاني أن يأخذ البيع بدلاً عنه، فيصح البيع في هذه الحالة. الحالة الثالثة: إذا رد البائع المشتري لعدم التراضي والركون في البيع ثم باعه من شخص ثانٍ، صح البيع كذلك. وقد رجح ابن عثيمين التحريم مطلقًا، سواء في زمن الخيار أو بعده (١).

стр. 337

المطلب الثالث: الكلام في البناء نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية. الجامع بين المسالتين: ربط البهوتي ﵀ بين المسألتين: المبني عليها والمبنية، بالعلل المتماثلة التي من أجلها أتحد الحكم فيها بالتحريم، وهي أنَّ التعدي على حق الغير فيه أذى للمسلم وإضرار به وإفساد، فإن كان كذلك فيحرم البيع والخطبة على الغير بقوله: (ولعل العلة تساعده) وهذا في حالة التحريم. أما في حالة الجواز فلم يبين البهوتي العلة بشكل صريح، ولكن يفهم من مضمون ما أورده أنه إذا لم يكن فيه إيذاء فيصح البيع والخطبة، ومن ذلك أمران: الأمر الأول: عدم الركون والتراضي بين الطرفين في المسألتين: المبني عليها والمبنية، يصح أن يخطب أو يبيع في هذه الحالة. الأمر الثاني: لو رد أو أذن الطرف الأول للبائع الثاني أو الخاطب الثاني صح الخطبة والبيع. من صرح بالبناء من الحنابلة: لم يتفرد البهوتي والحجاوي - رحمهما الله- بهذا البناء، إنما نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، حيث قال: "ولو خطبت المرأة أو وليها الرجل ابتداء فأجابهما فينبغي أن لا يجعل لرجل آخر خطبتها إلا أنه أضعف من أن يكون هو الخاطب، وكذا لو خطبته أو وليها بعد أن خطب هو امرأة فالأول أبدى للخاطب، والثاني أبدى للمخطوب، وهذا بمنزلة البيع على بيع أخيه قبل انعقاد البيع" (١). صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة: - (كما) (٢). - (بمنزلة) (٣). - (وذلك كله) (٤). منهج البهوتي في البناء: أجاد البهوتي ﵀ في البناء في عدة أمور، منها:

стр. 338

أولاً: تعليل السبب الذي من أجله علل الحكم بين المسألة المبني عليها والمسألة المبنية، بقوله: (لأنه إيذاء له) (١). ثانيًا: التصريح وذكر القائلين بالحكم، وهو ما أغفله الحجاوي ﵀، بقوله: (ثم قال الشيخ) (٢)، و (قال في المبدع) (٣). ثالثًا: لم يقتصر على ما ذكره الحجاوي ﵀ من الأحكام، وإنما أورد الحكم المخالف في المسألة، بقوله: (قال في المبدع: وظاهر كلامهم يقتضي جواز خطبة المرأة على خطبة أختها) (٤). رابعًا: التوضيح والبيان في حالة المسألة مما أورده الحجاوي ﵀، وذلك لفهم المسألة بوجه أكمل، بقوله: (أي: لزومه) (٥). قول الأصوليين وأهل اللغة في واو العطف وكما وباء الالتصاق: تقدم سابقًا قول الأصوليين في واو العطف وكاف التشبيه (٦)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك. أما باء الالتصاق في قوله (بمنزلة) فقد ذكر الزركشي ﵀ في ذلك كلامًا نفيسًا، حيث قال: الباء وهي للإلصاق الحقيقي والمجازي، أي: إلصاق الفعل بالمفعول، وهو تعليق الشيء بالشيء واتصاله به، وقال عبد القاهر (٧): قولهم: الباء للإلصاق إن حمل على ظاهره أدى إلى الاستحالة؛ لأنها تجيء بمعنى الإلصاق نفسه، كقولنا: ألصقت به، وحينئذ فلا بد من تأويل كلامهم، والوجه فيه أن يكون غرضهم أن يقولوا للمتعلم: انظر إلى قولك: ألصقته بكذا، وتأمل الملابسة التي بين الملصق والملصق به تعلم أن الباء أينما كانت الملابسة التي تحصل بها شبيهة بهذه الملابسة التي تراها في قولك: ألصقته به. انتهى (٨).

стр. 339

أما في (كما) فقد وضح الدكتور مكي الحسني في ذلك، ومما بينه: كما = ك + ما. الكاف للتشبيه بمعنى (مِثْل)، و (ما) مَصْدريَّة، فيكون: (كما) بمعنى (مِثْلما)، وتقع (كما) بين فِعلين متماثلين في بعض المواضع، كقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [سورة الأحقاف: ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [سورة النساء: ١٠٤]. وجاء في الدعاء المأثور عن النبي ﵊: «اللهم صَلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صَلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم» (١). ويتضح لي بعد قول الزركشي ﵀ والدكتور مكي: أن (باء الالتصاق) تدل على تعليق الشيء بالشيء واتصاله به. و (كما) تكون بين فِعلين متماثلين، وكلاهما يدل على التماثل وتعلق كلٍّ بالآخر والتشبيه به، وهو ما حصل في هذا البناء المتجاور. موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب (٢)، لأن القول المعتمد في المذهب التحريم، وقال أبو البركات: ولا يحل لأحد أن يبدي للمشتري في مدة الخيار مثل السلعة بدون الثمن ليفسخ ويشتري منه، وهو بيعه على بيع أخيه، ولا أن يزيد عليه ليفسخ البائع ويعقد معه، وهو شراؤه على شرائه، فإن فعلا ذلك فهل يصح البيع الثاني؟ على وجهين: [أحدهما: لا يصح البيع الثاني وهو المذهب] (٣). وباستخدامه لواو العطف في قوله: (وصرح في الاختيارات بالمنع ولعل العلة تساعده) (٤) وقد رتب الفرع على الحكم السابق له في المسألة المبني عليه كما بينت، هذا والله أعلم.

стр. 340

الفصل الثالث الفروع المبني بعضها على بعض في مسائل خصائص النبي ﵇ -؛ وفيه مبحث واحد: • المبحث الأول: طهارة الآدميين بعد الموت.

стр. 341

المبحث الأول طهارة الآدميين بعد الموت ؛ وفيه ثلاثة مطالب: • المطلب الأول: المسألة المبني عليها: طهارة بدن النبي ﵇ بعد موته. • المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم طهارة الآدميين بعد الموت. • المطلب الثالث: الكلام في البناء.

стр. 342

المطلب الأول المسألة المبني عليها: طهارة بدن النبي ﵇ بعد موته تمهيد: إنَّ النبي ﵇ له خصائص قد خص بها دون غيره من الأنبياء، وخلقته البشرية تتفق مع جميع البشر، وفي هذا المطلب سنتطرق إلى طهارة بدن النبي ﵇ بعد موته، وطهارة الآدميين. نص البناء: قال المصنف ﵀: [(وهو) ﷺ (طاهر بعد موته بلا نزاع بين العلماء) واختلفوا في غيره من الآدميين، والمذهب عندنا أن غيره أيضًا طاهر] (١). دراسة البناء: اتفق فقهاء الحنابلة ﵀ على طهارة جسد النبي ﵇ بعد موته. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والمرداوي، والرحيباني، وغيرهم (٢). قال الحجاوي: "وهو طاهر بعد موته بلا نزاع بين العلماء" (٣). سبب الاتفاق: لا خلاف في طهارة جسد النبي ﵇ قياسًا على سائر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام-، وهذا مما لا شك فيه (٤). الأدلة: ويمكن أن يستدل بعموم الأدلة في طهارة بني آدم من الكتاب والسنة: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [سورة الإسراء: ٧٠]. وجه الاستدلال: دلت الآية على تكريم الله لبني آدم عمومًا بما ميزهم عن غيرهم من المخلوقات، وجعل أصل خلقتهم طاهرة، ومما لا شك فيه أن النبي ﵇ من بني آدم، فهو طاهر في حياته وبعد مماته (٥)، وقال الشافعي في تفسير هذه الآية: "إنَّ اللَّه جل ثناؤه أكرم من أن يبتدئ خلق من كرَّمهم، وجعل منهم النبيين

стр. 343

والصديقين، والشهداء والصالحين، وأهلَ جنته؛ من نجس، فإنه يقول : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [سورة الإسراء: ٧٠] " (١). ثانيًا: من السنة: عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ لقيه في بعض طريق المدينة (٢) وهو جنب (٣)، فانخنس (٤) منه، فذهب فاغتسل، ثم جاء فقال: أين كنت يا أبا هريرة؟. قال: كنت جنبًا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة. فقال: سبحان الله! إن المسلم لا ينجس (٥). وجه الاستدلال: دل الحديث على أصل عظيم في طهارة المسلم حيًا وميتًا (٦)، فالحديث خاص بالمسلم، عام في غيره.

стр. 344

المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم طهارة الآدميين بعد الموت. اختلف فقهاء الحنابلة ﵏ في طهارة الآدمي بعد موته على قولين: القول الأول: أن الآدمي لا ينجس بالموت إطلاقًا والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، وأبو الفرج، وابن مفلح، والمرداوي، والكلوذاني، وابن قدامة (١). وقال المرداوي: " (ولا ينجس الآدمي بالموت)، هذا المذهب، وعليه جمهور الأصحاب، مسلمًا كان أو كافرًا" (٢). القول الثاني: أن الكافر ينجس بالموت. والقائلون بذلك: ابن قدامة، وأبو الفرج، وابن مفلح، والمرداوي (٣). سبب الاختلاف: النجاسة والطهارة، فمن يرى أن جسد الآدمي بعد مماته طاهر فهو طاهر في الكافر والمسلم، ومن يرى أن الكافر نجس فيكون نجسًا بعد مماته بخلاف المسلم. الأدلة: أدلة القول الأول: أن الآدمي لا ينجس بالموت إطلاقًا. ويستدل من والسنة والمعقول: أولاً: من السنة: لعموم قوله ﷺ : «إن المؤمن لا ينجس» (٤).

стр. 345

وقوله ﷺ في من وَقَصَتْهُ ناقتُهُ: «اغسلوه بماء وسدر» (١). وجه الاستدلال من الحديثين السابقين: وهذا يدل على أن بدن الميت ليس بنجس، لأنه لو كان نجسًا لم يفد الغسل فيه شيئًا، فالكلب مثلاً لو غسلته ألف مرة لم يطهر؛ ولولا أن غسل بدن الميت يؤثر فيه بالطهارة لكان الأمر بغسله عبثًا (٢). نوقش ذلك: أنَّ هذا ظاهر في المؤمن أنه لا ينجس، أما بالنسبة للمشرك فكيف يقال: لا ينجس، والله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] (٣). ينجس الكافر وشعره بموته، لأن الخبر إنما ورد في المسلم، ولا يقاس الكافر عليه، لأنه لا يصلى عليه، ولا حرمة له كالمسلم (٤). ويجاب عن ذلك: أن المراد بالنجاسة هنا النجاسة المعنوية؛ بدليل أن الله تعالى أباح لنا أن نتزوج نساء أهل الكتاب، وأن نأكل طعامهم، مع أن أيديهم تلامسه؛ والإنسان يلامس زوجته إذا كانت من أهل الكتاب، ولم يرد أمر بالتطهر منهن؛ وهذا هو القول الصحيح (٥). وقيل المراد بالنجاسة نجاسة الاعتقاد والاستقذار، وليس المراد أن أعضاءهم نجسة كنجاسة البول والغائط ونحوهما، فإذا ثبتت طهارة الآدمي مسلمًا كان أو كافرًا فعرقه ولعابه ودمعه طاهر، سواء كان محدثًا أو جنبًا أو حائضًا أو نفساء (٦). ثانيًا: من المعقول: • أنه لا فرق فيه بين المسلم والكافر لاستوائهما في الآدمية حال الحياة (٧)، وكذلك بعد الموت. • أنه لا ينجس بالموت، فلو وقع في ماء فغيره، لم ينجس الماء (٨).

стр. 346

• أن الشهيد لا ينجس بالقتل (١). أدلة القول الثاني: أن الكافر ينجس بالموت. ويمكن أن يستدل من الكتاب والسنة والمعقول: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [سورة التوبة: ٢٨]. وجه الاستدلال: دل منطوق الآية أن الكفار نجس، وهذا عام في كل كفار في الحياة (٢)، ويدل مفهومه أنهم نجس بعد الممات، وقال الطبري: واختلف أهل التأويل في معنى "النجس"، وما السبب الذي من أجله سمَّاهم بذلك. فقال بعضهم: سماهم بذلك، لأنهم يجنبون فلا يغتسلون، وقال آخرون: معنى ذلك: ما المشركون إلا رِجْسُ خنزير أو كلب (٣). نوقش: بأن المراد بالنجس في الآية النجاسة المعنوية؛ للأدلة التي استدل بها من قال بطهارة بدن الكافر (٤). ثانيًا: من السنة: قال ﷺ : «إن المؤمن لا ينجس». وجه الاستدلال: دل مفهوم الحديث أن الكافر منجس، سواء في حياته أو بعد مماته (٥). ثالثًا: من المعقول: أن الكافر لا يغسل، وإذا كان لا يغسل، فالعلة فيه أنه نجس العين، وما كان نجس العين فإن التغسيل لا يفيد فيه (٦). نوقش: أن تغسيل الميت إكرام؛ والكافر ليس محلاً للإكرام (٧).

стр. 347

الترجيح: الذي يظهر لي ترجيح القول الأول القائل بأنَّ الآدمي لا ينجس بالموت إطلاقًا؛ لقوة استدلالهم، وهو المذهب كما بين ذلك المرداوي، فقال: " (ولا ينجس الآدمي بالموت) هذا المذهب، وعليه جمهور الأصحاب، مسلمًا كان أو كافرًا" (١).

стр. 348

المطلب الثالث: الكلام في البناء. نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية. الجامع بين المسالتين: رتب البهوتي ﵀ أن طهارة جسد النبي ﵇ بعد مماته ليست خاصة به، وإنما يتبعه الآدميون في ذلك، وهذا ما عليه مذهب الحنابلة فبي حكم طهارة جسد الآدميين بعد الموت على طهارة جسد النبي ﵇ بعد الموت، ولعل العلة المشتركة بينهما هو تكريم خلقة الله لبني آدم. من صرح بالبناء من الحنابلة: إنَّ هذه المسألة المبنية لم يتفرد بها البهوتي ﵀، إنما وقفت عليها عند أبي البركات، حيث قال: "لا ينجس بالموت، وفي نجاسة الآدمي بالموت [وأطرافه بالانفصال روايتان: إحداهما: لا ينجس إلا شيء من أطرافه، وهو المذهب] " (١). ولكن الحق أن البهوتي ﵀ هو أول من ربط ورتب حكم المسألة المبني عليها على المسألة المبنية، حيث إنني أثناء بحثي في المسألة لم أجدها في كتاب خصائص النبي ﵇، وقال المرداوي في ذلك: "وهو ﷺ طاهر بعد موته بلا نزاع بين العلماء، بخلاف غيره. فإن فيه خلافًا، على ما تقدم في باب إزالة النجاسة، ولم يذكر الأصحاب هذه المسألة هنا" (٢). صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة: غير الصريحة: - واو العطف (والمذهب عندنا أن غيره أيضًا طاهر) (٣). - فاء التعليل (فعلى القول) (٤). منهج البهوتي في البناء: ربط البهوتي ﵀ البناء بين المسألة المبني عليها والمبنية بواو العطف بالقول المعتمد في المذهب، والحكم المشترك بين المسألتين، ومما يلاحظ أن المسألة المبنية مختَلَفٌ فيها، وقد بين ذلك البهوتي ﵀ إلا أنه ذكر الراجح في المذهب، ولم يتطرق للخلاف، وإنما أشار إليه. قول الأصوليين في البناء واو العطف:

стр. 349

تقدم سابقًا قول الأصوليين في واو العطف، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك (١). موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب، لأنَّه القول المعتمد في المذهب، حيث قال البهوتي ﵀: [والمذهب عندنا أن غيره أيضًا طاهر] (٢)، وباستخدامه لواو العطف في البناء رتب الفرع على الحكم السابق له في المسألة المبني عليه، هذا والله أعلم.

стр. 350

الفصل الرابع الفروع المبني بعضها على بعض في مسائل أركان النكاح وشروطه ؛ وفيه عشرون مبحثًا: • المبحث الأول: ينعقد العقد بما عدَّه الناس (نكاحًا أو بيعًا أو إجارةً أو شرطًا). • المبحث الثاني: الترجمة في الشهادات. • المبحث الثالث: قبول إشارة الأخرس في البيع والطلاق. • المبحث الرابع: قبول كتابة الأخرس في الطلاق والإقرار. • المبحث الخامس: الإيجاب في العقود الجائزة إذا مات العاقد أو زال العقل. • المبحث السادس: العقود الجائزة بالنوم بعد الإيجاب. • المبحث السابع: تعليق النكاح. • المبحث الثامن: تزويج الأب أو السيد للصغير والمجنون بغير رضاهما وإذنهما. • المبحث التاسع: أخذ الإذن بالزواج من المجنون. • المبحث العاشر: ملك منافع عقد الإجارة. • المبحث الحادي عشر: مًن وُطِئت بآلة الرجل ثم عادت بكارتها. • المبحث الثاني عشر: من زالت بكارتها بغير محل الوطء. • المبحث الثالث عشر: اشتراط إذن المرأة. • المبحث الرابع عشر: عدم نقض العقود الفاسدة والشفعة. • المبحث الخامس عشر: زوال الولاية. • المبحث السادس عشر: ولاية الأعمى للنكاح. • المبحث السابع عشر: ولاية نكاح للأخرس ذي الإشارة المفهومة. • المبحث الثامن عشر: كفاءة ولد الزنى لذوي نسب. • المبحث التاسع عشر: من أسقط شفعته قبل البيع. • المبحث العشرون: زوال الشروط المعينة.

стр. 351

المبحث الأول ينعقد العقد بما عدَّه الناس (نكاحًا أو بيعًا أو إجارةً أو شرطًا)، وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم انعقاد النكاح بما عدَّه الناس نكاحًا بأي لغة ولفظ كان. المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم انعقاد البيع بما عدَّه الناس بيعًا بأي لغة ولفظ كان. المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم انعقاد الإجارة بما عدَّه الناس إجارة بأي لغة ولفظ كان. المطلب الرابع: الكلام في البناء.

стр. 352

المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم انعقاد النكاح بما عدَّه الناس نكاحًا بأي لغة ولفظ كان تمهيد: مما لا شك فيه أن العقود بجميع أنواعها لها صيغ لا يصح انعقاد العقد إلا بها، ومن ذلك عدة عقود، منها: النكاح، والبيع، والإجارة، وغيرها، وسنتطرق إلى دراستها في هذه المبحث. نص البناء: قال المصنف ﵀: [(ولا يصح قبول لمن يحسنها) أي: العربية (إلا بـ) لفظ (قبلت تزويجها أو) قبلت (نكاحها أو) قبلت (هذا التزويج أو) قبلت (هذا النكاح أو تزوجتها أو رضيت هذا النكاح أو قبلت فقط أو تزوجت) لأن ذلك صريح في الجواب، فصح النكاح به كالبيع (أو قال الخاطب للولي: أزوجت؟ فقال) الولي (نعم، وقال) الخاطب (للمتزوج: أقبلت؟ فقال) المتزوج (نعم) انعقد النكاح لأن المعنى: نعم زوجت، نعم قبلت هذا النكاح؛ لأن السؤال يكون مضمرًا في الجواب معادًا فيه بدليل قوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] أي: نعم وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا، ولو قيل للرجل الفلاني: عليك ألف درهم؟ فقال: نعم، كان إقرارًا صريحًا لا يفتقر إلى نية، ولا يرجع فيه إلى تغييره، وبمثله تقطع اليد في السرقة مع أن الحدود تدرأ بالشبهات، فوجب أن ينعقد به التزويج. (واختار الموفق والشيخ) تقي الدين (وجمع انعقاده بغير العربية لمن لم يحسنها) لأن المقصود المعنى دون اللفظ (وقال الشيخ أيضًا: ينعقد) النكاح (بما عده الناس نكاحًا بأي لغة ولفظ كان، وإن مثله) أي: النكاح (كل عقد) فينعقد البيع بما عده الناس بيعًا بأي لغة ولفظ كان، والإجارة بما عهده الناس إجارة بأي لغة ولفظ كان] (١). دراسة البناء: اختلف فقهاء الحنابلة في حكم انعقاد النكاح بما عدَّه الناس نكاحًا بأي لغة ولفظ كان على ثلاثة أقوال: القول الأول: ينعقد النكاح باللغة العربية فقط (٢). والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، وابن مفلح، وابن قدامة، وغيرهم (٣).

стр. 353

القول الثاني: ينعقد النكاح بغير العربية وما يدل على معناه (١). ومن القائلين بذلك: ابن تيمية، وابن قدامة (٢). القول الثالث: ينعقد النكاح بأي لغة ولفظ وفعل كان. وهو قول ابن تيمية ﵀ (٣). سبب الاختلاف: يرجع اختلافهم إلى سببين: السبب الأول: هو اختلافهم في نصوص الإمام أحمد في المسألة، فكل قول بنى قوله على ما فهمه من قول الإمام (٤). السبب الثاني: أدلة كل قول، فهناك من استند إلى (الشرع، واللغة، والعرف)، فمن قال: لا ينعقد إلا باللغة العربية استند إلى ما ورد في الشرع بلفظ معين لا يحيد عنه إلى لفظ آخر أو لغة أخرى، فلا بد أن يأتي بها كما وردت، ولا بدَّ أن يتعلمها بالعربية، ومن قال: إنَّها تنعقد بغير العربية نظر للفظ ومعناه في أي لغة تؤدي الغرض وينعقد به العقد، ومن قال: إنَّه لا يشترط لفظ معين ولا لغة معينة يرجع ذلك للعرف والعادة، هذا والله أعلم. الأدلة: أدلة القول الأول: ينعقد النكاح باللغة العربية فقط. واستدلوا على ذلك من الكتاب والمعقول: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [سورة البقرة: ٢٢١]. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [سورة الأحزاب: ٣٧]. وجه الاستدلال:

стр. 354

دلت الآيتان على استعمال لفظي: (النكاح والزواج)، وهما لفظان عربيان، فلا يصح انعقاد النكاح إلا باللغة العربية بلفظي: (أنكحت وزوجت) (١). ثانيًا: من المعقول: • أن على من لا يحسن العربية تعلمها؛ لأنه ما كانت العربية شرطًا فيه لزمه أن يتعلمها (٢). • أن انعقاد النكاح بغير العربية لمن يحسنها فيه عدول عن لفظ الإنكاح والتزويج، فلا ينعقد (٣). نوقش: أن النكاح غير واجب، فلم يجب تعلم أركانه بالعربية (٤). أن يصح بكل لفظ يدل على معناهما الخاص بكل لسان؛ لأنه يشتمل على معنى اللفظ العربي، فأشبه ما لو أتى به (٥). أدلة القول الثاني: ينعقد النكاح بغير العربية وما يدل على معناه. واستدلوا على ذلك من السنة والمعقول: أولاً: من السنة: عن النبي ﷺ أنه أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها، وفي حديث معاذ (٦) عن أبيه: تزوج صفية، وأصدقها عتقها (٧). عن أنس، أن النبي ﷺ أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها (٨). وجه الاستدلال:

стр. 355

دلت الأحاديث أن النكاح ينعقد بغير لفظ الإيجاب والقبول صراحة، وينعقد بالعتق، ومتى ثبت العتق صداقًا ثبت النكاح (١)، وقال ابن قدامة: "ولأن الصداق لا يتقدم النكاح، ولو تأخر العتق عن النكاح لم يجز، فدل على أنه انعقد بهذا اللفظ" (٢). نوقش: أن الأحاديث لم يوجد فيها لفظ إيجاب ولا قبول، فإن لم يوجد لم يحكم بصحة انعقاده (٣). يجاب عليه: إنْ لم يجد لفظ الإيجاب والقبول، فقد وجد ما يدل عليه، وهو جعل العتق صداقًا، فأشبه ما لو تزوج امرأة هو وليها، وكما لو قال الخاطب للولي: أزوجت؟ فقال: نعم. وقال للزوج: أقبلت؟ فقال: نعم (٤). قال النبي ﵇: «اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن» (٥). وجه الاستدلال: دل قول النبي ﵇ أن انعقاد النكاح بلفظ (ملكتك) ينعقد، وهذا يدل على معنى النكاح. ثانيًا: من المعقول: • أن النكاح ينعقد بكل ما يدل عليه من لفظ، وإن عدل عن اللفظ المتعارف عليه في العربية (٦). • أنه لا يلزم على من لا يحسن العربية تعلمها لأجل انعقاد النكاح بها (٧). • أن الجاهل بالعربية يصح انعقاد النكاح بغيرها (٨). • أن النكاح ينعقد باللفظ الذي يدل على معناه؛ لأن المقصود المعنى دون اللفظ؛ لأنه غير متعبد به (٩). • أن غير العارف بالعربية ولا يعلم ألفاظها يكون بمثابة العاجز عن الشيء بجامع أنَّ كلاً منهما لا يحسن فعل ما لا يقدر على فعله (١٠).
следующие страницы →