← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30152

بناء الفروع على الفروع - من كشاف القناع

حسنة القرني

Полный текст (856 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

المبحث الأول ينعقد العقد بما عدَّه الناس (نكاحًا أو بيعًا أو إجارةً أو شرطًا)، وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم انعقاد النكاح بما عدَّه الناس نكاحًا بأي لغة ولفظ كان. المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم انعقاد البيع بما عدَّه الناس بيعًا بأي لغة ولفظ كان. المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم انعقاد الإجارة بما عدَّه الناس إجارة بأي لغة ولفظ كان. المطلب الرابع: الكلام في البناء.

стр. 352

المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم انعقاد النكاح بما عدَّه الناس نكاحًا بأي لغة ولفظ كان تمهيد: مما لا شك فيه أن العقود بجميع أنواعها لها صيغ لا يصح انعقاد العقد إلا بها، ومن ذلك عدة عقود، منها: النكاح، والبيع، والإجارة، وغيرها، وسنتطرق إلى دراستها في هذه المبحث. نص البناء: قال المصنف ﵀: [(ولا يصح قبول لمن يحسنها) أي: العربية (إلا بـ) لفظ (قبلت تزويجها أو) قبلت (نكاحها أو) قبلت (هذا التزويج أو) قبلت (هذا النكاح أو تزوجتها أو رضيت هذا النكاح أو قبلت فقط أو تزوجت) لأن ذلك صريح في الجواب، فصح النكاح به كالبيع (أو قال الخاطب للولي: أزوجت؟ فقال) الولي (نعم، وقال) الخاطب (للمتزوج: أقبلت؟ فقال) المتزوج (نعم) انعقد النكاح لأن المعنى: نعم زوجت، نعم قبلت هذا النكاح؛ لأن السؤال يكون مضمرًا في الجواب معادًا فيه بدليل قوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] أي: نعم وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا، ولو قيل للرجل الفلاني: عليك ألف درهم؟ فقال: نعم، كان إقرارًا صريحًا لا يفتقر إلى نية، ولا يرجع فيه إلى تغييره، وبمثله تقطع اليد في السرقة مع أن الحدود تدرأ بالشبهات، فوجب أن ينعقد به التزويج. (واختار الموفق والشيخ) تقي الدين (وجمع انعقاده بغير العربية لمن لم يحسنها) لأن المقصود المعنى دون اللفظ (وقال الشيخ أيضًا: ينعقد) النكاح (بما عده الناس نكاحًا بأي لغة ولفظ كان، وإن مثله) أي: النكاح (كل عقد) فينعقد البيع بما عده الناس بيعًا بأي لغة ولفظ كان، والإجارة بما عهده الناس إجارة بأي لغة ولفظ كان] (١). دراسة البناء: اختلف فقهاء الحنابلة في حكم انعقاد النكاح بما عدَّه الناس نكاحًا بأي لغة ولفظ كان على ثلاثة أقوال: القول الأول: ينعقد النكاح باللغة العربية فقط (٢). والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، وابن مفلح، وابن قدامة، وغيرهم (٣).

стр. 353

القول الثاني: ينعقد النكاح بغير العربية وما يدل على معناه (١). ومن القائلين بذلك: ابن تيمية، وابن قدامة (٢). القول الثالث: ينعقد النكاح بأي لغة ولفظ وفعل كان. وهو قول ابن تيمية ﵀ (٣). سبب الاختلاف: يرجع اختلافهم إلى سببين: السبب الأول: هو اختلافهم في نصوص الإمام أحمد في المسألة، فكل قول بنى قوله على ما فهمه من قول الإمام (٤). السبب الثاني: أدلة كل قول، فهناك من استند إلى (الشرع، واللغة، والعرف)، فمن قال: لا ينعقد إلا باللغة العربية استند إلى ما ورد في الشرع بلفظ معين لا يحيد عنه إلى لفظ آخر أو لغة أخرى، فلا بد أن يأتي بها كما وردت، ولا بدَّ أن يتعلمها بالعربية، ومن قال: إنَّها تنعقد بغير العربية نظر للفظ ومعناه في أي لغة تؤدي الغرض وينعقد به العقد، ومن قال: إنَّه لا يشترط لفظ معين ولا لغة معينة يرجع ذلك للعرف والعادة، هذا والله أعلم. الأدلة: أدلة القول الأول: ينعقد النكاح باللغة العربية فقط. واستدلوا على ذلك من الكتاب والمعقول: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [سورة البقرة: ٢٢١]. قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [سورة الأحزاب: ٣٧]. وجه الاستدلال:

стр. 354

دلت الآيتان على استعمال لفظي: (النكاح والزواج)، وهما لفظان عربيان، فلا يصح انعقاد النكاح إلا باللغة العربية بلفظي: (أنكحت وزوجت) (١). ثانيًا: من المعقول: • أن على من لا يحسن العربية تعلمها؛ لأنه ما كانت العربية شرطًا فيه لزمه أن يتعلمها (٢). • أن انعقاد النكاح بغير العربية لمن يحسنها فيه عدول عن لفظ الإنكاح والتزويج، فلا ينعقد (٣). نوقش: أن النكاح غير واجب، فلم يجب تعلم أركانه بالعربية (٤). أن يصح بكل لفظ يدل على معناهما الخاص بكل لسان؛ لأنه يشتمل على معنى اللفظ العربي، فأشبه ما لو أتى به (٥). أدلة القول الثاني: ينعقد النكاح بغير العربية وما يدل على معناه. واستدلوا على ذلك من السنة والمعقول: أولاً: من السنة: عن النبي ﷺ أنه أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها، وفي حديث معاذ (٦) عن أبيه: تزوج صفية، وأصدقها عتقها (٧). عن أنس، أن النبي ﷺ أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها (٨). وجه الاستدلال:

стр. 355

دلت الأحاديث أن النكاح ينعقد بغير لفظ الإيجاب والقبول صراحة، وينعقد بالعتق، ومتى ثبت العتق صداقًا ثبت النكاح (١)، وقال ابن قدامة: "ولأن الصداق لا يتقدم النكاح، ولو تأخر العتق عن النكاح لم يجز، فدل على أنه انعقد بهذا اللفظ" (٢). نوقش: أن الأحاديث لم يوجد فيها لفظ إيجاب ولا قبول، فإن لم يوجد لم يحكم بصحة انعقاده (٣). يجاب عليه: إنْ لم يجد لفظ الإيجاب والقبول، فقد وجد ما يدل عليه، وهو جعل العتق صداقًا، فأشبه ما لو تزوج امرأة هو وليها، وكما لو قال الخاطب للولي: أزوجت؟ فقال: نعم. وقال للزوج: أقبلت؟ فقال: نعم (٤). قال النبي ﵇: «اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن» (٥). وجه الاستدلال: دل قول النبي ﵇ أن انعقاد النكاح بلفظ (ملكتك) ينعقد، وهذا يدل على معنى النكاح. ثانيًا: من المعقول: • أن النكاح ينعقد بكل ما يدل عليه من لفظ، وإن عدل عن اللفظ المتعارف عليه في العربية (٦). • أنه لا يلزم على من لا يحسن العربية تعلمها لأجل انعقاد النكاح بها (٧). • أن الجاهل بالعربية يصح انعقاد النكاح بغيرها (٨). • أن النكاح ينعقد باللفظ الذي يدل على معناه؛ لأن المقصود المعنى دون اللفظ؛ لأنه غير متعبد به (٩). • أن غير العارف بالعربية ولا يعلم ألفاظها يكون بمثابة العاجز عن الشيء بجامع أنَّ كلاً منهما لا يحسن فعل ما لا يقدر على فعله (١٠).

стр. 356

أدلة القول الثالث: ينعقد النكاح بأي لغة ولفظ وفعل كان. ويمكن أن يستدل عليه من الكتاب والسنة والمعقول: أولاً: من الكتاب: ١ - قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [سورة النساء: ٣]. وجه الاستدلال: تدل الآية على إطلاق لفظ النكاح بشكل عام، ولم يقيد بلفظ معين، وعلى هذا فكل ما سمي نكاحًا عرفًا فهو نكاح، فإذا أطلق العقد رجع في ذلك إلى العرف حينئذ (١). نوقش: أن التعبير بالمعنى معناه التقيد باللفظ (٢). يجاب عليه: أن جميع العقود تنعقد بما دل عليها -والله تعالى-، يقول: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، فما عده الناس عقدًا فهو عقد، وعلى هذا القول يصح أن تقول للرجل: جوزتك بنتي، أو ملكتك بنتي، ولكن لا بد أن تكون دلالة اللفظ العرفي دالة على المعنى الشرعي للنكاح (٣). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأحزاب: ٥٠]. وجه الاستدلال: دلت الآية أن نكاح النبي ﵇ انعقد بلفظ الهبة. يمكن أن يناقش: أن هذا خاص بالنبي ﵇، وليس لأمته (٤).

стр. 357

ويمكن أن يجاب: أن هناك من وهبت نفسها فزوجها النبي ﵇ أحد أصحابه (١)، فلو كان خاصًّا به ما شرع لغيره (٢). ثانيًا: من السنة: قال النبي ﵇ لأحد أصحابه: «اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» (٣). وجه الاستدلال: دل الحديث على استعمال لفظ التمليك للدلالة على انعقاد النكاح به. ثالثًا: من المعقول: • ينعقد النكاح بكل لفظ يفيد التمليك (٤). • أن النكاح ينعقد بكل ما عدَّه الناس نكاحًا (٥). • أنه لا يشترط لانعقاد النكاح لفظ خاص به بل ينعقد بكل لفظ يدل عليه (٦). يناقش: • أن النكاح لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح والتزويج (٧). • أن النكاح لا ينعقد إلا بلفظ العربية لمن يحسنها (٨).

стр. 358

أن الإمام أحمد نقل عنه أنه قال: إذا وهب لرجل فليس بنكاح (١). يجاب على ذلك: أن قول الإمام أحمد إنما هو منع ما كان من خصائص النبي ﷺ وهو النكاح بغير مهر، بل قد نص عن أحمد في المشهور عنه على أن النكاح ينعقد بقوله لأمته: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك، أو صداقك عتقك، أو بقوله: جعلت عتقك صداقك، ذكر ذلك في غير موضع من جواباته (٢). الترجيح: يترجح - والله أعلم- القول الثالث القائل: ينعقد النكاح بأي لغة ولفظ وفعل كان، وهو اختيار ابن تيمية (٣)، وهو ما رجحه ابن عثيمين، حيث قال: "إنَّ جميع العقود تنعقد بما دل عليها عرفًا، سواء كان ذلك في النكاح أو في غير النكاح، هذا هو القول الصحيح" (٤).

стр. 359

المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم انعقاد البيع بما عدَّه الناس بيعًا بأي لغة ولفظ كان اختلف فقهاء الحنابلة في حكم انعقاد البيع بما عدَّه الناس بيعًا بأي لغة ولفظ كان على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن لفظ البيع ينعقد بلفظ مخصوص (١) محصور فيما ورد به الشرع، ولا يتعدى لغيره. ونقل ذلك المرداوي (٢). القول الثاني: أن لفظ البيع ينعقد بكل لفظ يدل على المقصود دلالة واضحة. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، وابن قدامة، والمرداوي، وغيرهم (٣). القول الثالث: أن لفظ البيع ينعقد بما عدَّه الناس بيعًا بأي لغة ولفظ كان. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٤). سبب الاختلاف: أدلة كل قول، فهناك من استند إلى (الشرع، واللغة، والعرف)، من قال: لا ينعقد إلا باللفظ الصريح للبيع، استند إلى ما ورد في الشرع بلفظ معين لا يحيد عنه إلى لفظ آخر أو لغة أخرى، ومن قال: إنَّها تنعقد بكل لفظ أدى المعنى، نظر للفظ ومعناه في أي لغة تؤدي الغرض وينعقد به العقد، ومن قال: إنه لا يشترط لفظ معين ولا لغة معينة يرجع ذلك للعرف والعادة، هذا والله أعلم. الأدلة: أدلة القول الأول: أن لفظ البيع ينعقد بلفظ مخصوص محصور فيما ورد به الشرع، ولا يتعدى لغيره. ويمكن أن يستدل على ذلك من الكتاب والسنة: أولاً: من الكتاب: ١ - قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [سورة البقرة: ٢٧٥]. وجه الاستدلال:

стр. 360

دلت الآية على حل البيع، فتعامل الناس في معايشهم يقوم على استفادة كل واحد من الآخر بعمل، ولم يجعل لأحد منهم حقًا على آخر بغير عمل؛ وبهذأ أحل البيع، لأن فيه عوضًا يقابل عوضًا (١)، فينعقد بلفظي البيع والشراء. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [سورة الجمعة: ٩]. وجه الاستدلال: دلت الآية على ترك البيع والشراء صراحةً (٢)، ويفهم من الآية أن انعقاد البيع لا يكون إلا بلفظ البيع والشراء. ٣ - قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ (٣) وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [سورة النور: ٣٧]. وجه الاستدلال: دلت الآية على تخصيص لفظي الشراء والبيع، وأنها ملهية عن ذكر وقت الصلاة (٤). ثانيًا: من السنة: عن خزيمة بن ثابت (٥) ﵁ قال: «إنه مر على النبي ﷺ وقد اشترى فرسًا من أعرابي فجحده الأعرابي البيع، فقال: لم أبعك، فقال النبي ﷺ : قد بعتني» (٦). وجه الاستدلال: دل الحديث على حدوث البيع بين النبي ﵇ والأعرابي بلفظ البيع صراحة، وهو مبادلة مال بمال: الفرس من الأعرابي، والمال من النبي ﵇.

стр. 361

يناقش: أنه التزام لفظ مخصوص في البيع، فليس فيه أثر ولا نظر (١). أن الحديث لا ينحصر بالبيع وألفاظه، إنما يختص بصدق النبي ﵇ وشهادة خزيمة بن ثابت. أدلة القول الثاني: أن لفظ البيع ينعقد بكل لفظ يدل على المقصود دلالة واضحة. ويمكن أن يستدل على ذلك من المعقول: • أن ألفاظ البيع غير منحصرة في لفظ بعينه بل كل ما أدى معنى البيع، فهو بيع ينعقد بكل ما دل عليه (٢). • أن لفظي الإيجاب والقبول في البيع ليسا شرطًا في العقود، وإنما كل ما دل على البيع من فعل أو قول (٣). • أن التراضي في البيع ينعقد بدون لفظي الإيجاب والقبول، فينعقد به البيع (٤). • أن الشارع لم يخصه بصيغة معينة، فتناول كل ما أدى معنى (٥). أدلة القول الثالث: أن لفظ البيع ينعقد بما عدَّه الناس بيعًا بأي لغة ولفظ كان. ويمكن أن يستدل على ذلك من الكتاب والمعقول: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢٩]. وجه الاستدلال: دلت الآية على أن الله اكتفى بالتراضي في العقود المالية، فيما يتعامل الناس فيها معًا، ويلحق بالتجارة كل أسباب التملك التي أباحها الشارع: كالهبة، والصدقة، والإرث. وقال ابن كثير: في معنى التجارة هنا: هو بيع أو عطاء يعطيه أحد أحدًا (٦). ثانيًا: من المعقول:

стр. 362

• أن الأصل في المعاملات الإباحة إلا ما حرم بنص، فيصح البيع بأي لغة ولفظ كان (١). • أن من تتبع ما ورد عن النبي ﷺ والصحابة من أنواع المبايعات والتبرعات علم بالضرورة أنهم لم يكونوا يلتزمون صيغة معينة من الطرفين، إنما يصح البيع بأي لغة ولفظ كان. الترجيح: ويترجح القول الثالث القائل بأن لفظ البيع ينعقد بما عدَّه الناس بيعًا بأي لغة ولفظ كان، وهو اختيار ابن تيمية (٢)، وهو ما رجحه ابن عثيمين رحمهما الله، حيث قال: "إنَّ جميع العقود تنعقد بما دل عليها عرفًا، … هذا هو القول الصحيح" (٣). قال المرداوي: "وما يأتي من الألفاظ التي يصح بها البيع، وهذا المذهب، وعليه الأصحاب" (٤).

стр. 363

المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم انعقاد الإجارة بما عدَّه الناس إجارة بأي لغة ولفظ كان اختلف فقهاء الحنابلة في حكم انعقاد الإجارة بما عدَّه الناس إجارة بأي لغة ولفظ كان على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن لفظ الإجارة ينعقد بلفظ مخصوص (١). القائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والسامري، وابن قدامة، والمرداوي، وغيرهم (٢). القول الثاني: أن لفظ الإجارة ينعقد بكل لفظ يدل على معناه (٣)، والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والمرداوي، والزركشي، وأبو الفرج، وغيرهم (٤). القول الثالث: أن لفظ الإجارة تنعقد بما عدَّه الناس أجرةً بأي لغة ولفظ كان، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٥). سبب الاختلاف: أدلة كل قول، فهناك من استند إلى (الشرع، واللغة، والعرف)، ومن قال: لا ينعقد إلا باللفظ الصريح للإجارة استند إلى ما ورد في الشرع بلفظ معين لا يحيد عنه إلى لفظ آخر أو لغة أخرى، ومن قال: إنَّها تنعقد بكل لفظ أدى المعنى نظر للفظ ومعناه في أي لغة تؤدي الغرض وينعقد به العقد، ومن قال: إنَّه لا يُشترط لفظ معين ولا لغة معينة يرجع ذلك للعرف والعادة، هذا والله أعلم. الأدلة: أدلة القول الأول: أن لفظ الإجارة ينعقد بلفظ مخصوص. يمكن الاستدلال عليه بعموم أدلة الإجارة من الكتاب والسنة والمعقول:

стр. 364

أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [سورة القصص: ٢٦]. وجه الاستدلال: دلت الآية على أن الإجارة أمر متعارف في كل ملة بلفظ مخصوص متعارف عليه، وأنها من ضروريات الخلطة والتعامل بين الناس، فاستُؤجر موسى ﵇ ليرعى الغنم لقوته وأمانته (١). ثانيا: من السنة: عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : «أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» (٢). عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ : «احتجم وأعطى الحجام (٣) أجره، واستعط (٤) (٥). وجه الاستدلال من الحديثين: دل الحديثان على لفظين مشتقان من الإجارة، وهما الأجير والأجرة، فتنعقد الإجارة بين صاحب العمل والأجير بعقد الإجارة مقابل المنفعة، وهذا يدل على اختصاصه بهذا اللفظ. ثالثًا: من المعقول:

стр. 365

• أنَّ الإجارة بلفظ مخصوص كان في شرع من قبلنا، وفعل النبي ﵇ وفعل الصحابة. • أن حاجة الناس إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان المحسوسة، فكان لا بدَّ من انعقادها بلفظ مخصوص. • أن عقد الإجارة من العقود المهمة في حياة الناس؛ لذا وجب الاهتمام به، وتكون ذات لفظ معلوم يختص به. أدلة القول الثاني: أن لفظ الإجارة ينعقد بكل لفظ يدل على معناه. يمكن الاستدلال عليه بعموم أدلة الإجارة من الكتاب والمعقول: أولاً: من الكتاب: -قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [سورة الكهف: ٧٧]. وجه الاستدلال: دلت الآية على معنى الإجارة بجواز طلب الأجر مقابل منفعة بناء الجدار (١). -قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٣]. وجه الاستدلال: أوجبت الآية على الوالد أن ينفق على أُمِّ رضيعِهِ ويكسوَها، سواء أكانت زوجة له أم مطلقة منه، وذلك أجرة لها على إرضاع ولدهما، ولا تكون الأجرة إلا لمنفعة بين طرفين (٢). -قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [سورة القصص: ٢٧]. وجه الاستدلال: دلت الآية على أن الإجارة تكون بغير معناها المخصوص، مثل: قصة نبينا موسى ﵇، قال الشافعي ﵀: "وقد ذكر اللَّه أن نبيًّا من أنبيائه آجر نفسه حججًا مسماة ملَّكَه بها بُضعَ امرأة، فدل على تجويز الإجارة، وعلى أنه لا بأس بها على الحجج (٣)، إن كان على الحجج استأجره، وإن كان استأجره على غير حجج فهو تجويز الإجارة بكل حال، وقد قيل: استأجره على أن يرعى له - الغنم -، واللَّه تعالى أعلم" (٤).

стр. 366

ثانيًا: من المعقول: ١. أن بلاغة اللغة العربية في تأدية المعاني إلى الأفهام بأدْنى ضروب الكلام تخص كل معنى بعبارة وإن كان مشاركًا للآخر في أكثر وُجُوهه، فالإجارة قد تأتي بلفظ النفع أو التمليك أو العطاء أو البيع (١). ٢. أن المنافع تتعدد وتضاف إلى العين بحسب الحاجة: إما بشكل صريح، أو بمعنى يفهم من خلاله أنه يراد به الإجارة، فتنعقد به، وهذا من سماحة الشريعة الإسلامية. ٣. أن المنافع تتعدد، فليس كل منفعة يقصد به الإجارة، فما كان على عوض في الرقاب سميت بيعًا، وما كان منافع الفروج تختص بالنكاح، وما كانت المنافع في الرقاب فتخصص بالإجارة (٢). أدلة القول الثالث: أن لفظ الإجارة ينعقد بما عدَّه الناس أجرةً بأي لغة ولفظ كان. يمكن الاستدلال عليه بعموم أدلة الإجارة من المعقول: ١. أن النبي ﷺ والصحابة والتابعين كانوا يستأجرون، ولم يكونوا يلتزمون الصيغة من الطرفين (٣). ٢. أنه لم يصح في الشرع اشتراط لفظ؛ فوجب الرجوع إلى العرف كغيره من الألفاظ (٤). ٣. أنه ليس لذلك حد مستقر، لا في شرع ولا في لغة، بل يتنوع بتنوع اصطلاح الناس (٥).

стр. 367

٤. أن المعاملات ليست عبادات يتقيد الإنسان فيها بما ورد، بل هي معاملات بين الناس، فما عده الناس إجارة فهو إجارة (١). ٥. أن الأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع، وتارة باللغة، وتارة بالعرف، وكذا العقود، ومنها الإجارة (٢). الترجيح: ويترجح القول الثالث القائل بأن لفظ الإجارة ينعقد بما عدَّه الناس أجرةً بأي لغة ولفظ كان، وهو اختيار ابن تيمية (٣)، وهو ما رجحه ابن عثيمين رحمهما الله، حيث قال: "إنَّ جميع العقود تنعقد بما دل عليها عرفًا، … هذا هو القول الصحيح" (٤).

стр. 368

المطلب الرابع: الكلام في البناء نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية. الجامع بين المسائل: القاسم المشترك بين الفروع المبنية أنَّ كلاً من النكاح والبيع والإجارة عقودٌ، وهي من العقود اللازمة، ولكل من العقود صيغة خاصة (الإيجاب والقبول) تشترك في انعقادها إلى ثلاث طرق: إما بلفظ صريح عليها، أو بلفظ يدل على معناها، أو بما تعارف عليه الناس، فأصبح عادة في تعاملهم. من صرح بالبناء من الحنابلة: هذه المسألة المبنية لم يتفرد بها البهوتي ﵀، إنما نقلها عن الشيخ ابن تيمية، حيث قال: "إنها تنعقد بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل، فكل ما عده الناس بيعًا وإجارة فهو بيع وإجارة، وإن اختلف اصطلاح الناس في الألفاظ والأفعال انعقد العقد عند كل قوم بما يفهمونه بينهم من الصيغ والأفعال، وليس لذلك حد مستمر لا في شرع ولا في لغة، بل يتنوع بتنوع اصطلاح الناس، كما تتنوع لغاتهم" (١). صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة: الصريحة: - (فعلى هذا) (٢). - (خَرَّجَ) (٣). - (قياس مذهبه) (٤). غير الصريحة: - (وأن مثله كل عقد) (٥)، (ومثله) (٦). - فاء العطف: (فينعقد) (٧). - واو العطف: (والإجارة) (٨).

стр. 369

منهج البهوتي في البناء: كان منهج البهوتي ﵀ إيراد الصحيح في المذهب ثم البناء بالقياس بين المسائل مع إيراد الأقوال من القناع، ثم يذكر سبب بنائهم في المسألة بهذا القول ومن ذلك: [(ولا يصح قبول لمن يحسنها) أي: العربية (إلا بـ) لفظ (قبلت تزويجها أو) قبلت (نكاحها أو) قبلت (هذا التزويج أو) قبلت (هذا النكاح أو تزوجتها أو رضيت هذا النكاح أو قبلت فقط أو تزوجت) لأن ذلك صريح في الجواب فصح النكاح به كالبيع] (١)، وكذلك استخدام أسلوب العطف في البناء بفاء العطف وواو العطف بقوله: فينعقد البيع بما عده الناس بيعًا بأي لغة ولفظ كان، والإجارة بما عهده الناس إجارة بأي لغة ولفظ كان] (٢). قول الأصوليين وأهل اللغة في البناء بحرفَي العطف: الفاء والواو: وبعد تأمل ألفاظ البناء في هذه المسائل نلاحظ استخدام الفقهاء أساليب لغوية وأخرى فقهية متعددة، فمن الأساليب اللغوية استخدام واو العطف وقد تم الكلام عنه سابقًا، وكذلك استخدام فاء العطف وهو ثاني الحروف العاطفة التي تدلُّ على اشتراك ما قبلها وما بعدها في الإعراب والمعنى وقال سيبويه (٣): "والفاء، وهي تضم الشيء إلى الشيء كما فعلت الواو" (٤)، فالعطف يفيد اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في حكم المعطوف عليه (٥). وقال الزركشي (٦): الصواب أن (الفاء) و (ثم) و (حتى) كالواو (٧). موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب (٨) لقول المرداوي: "الصحيح من المذهب: أنه لا ينعقد إلا بالعربية لمن يحسنها" (٩).

стр. 370

المبحث الثاني الترجمة في الشهادات ؛ وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: المسألة المبني عليها: الترجمة لمن لا يحسن لسان الآخر في عقد النكاح. المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم الترجمة في الشهادات. المطلب الثالث: الكلام في البناء.

стр. 371

المطلب الأول: المسألة المبني عليها: الترجمة (١) لمن لا يحسن لسان الآخر في عقد النكاح. تمهيد: مما لا شك فيه أن الترجمة مطلب في التعاملات الحياتية لفهم الطرف الآخر، وما ينتج عن ذلك من أحكام، وفي هذا المطلب سندرس بعض الفروع التي تتناول هذا الجانب. نص البناء: قال المصنف ﵀: [(وإن كان كل منهما) أي: العاقدين (لا يحسن لسان الآخر ترجم بينهما ثقة يعرف اللسانين) قال الشيخ تقي الدين عن القاضي ولم يشترط تعدده، أي: الثقة الذي يترجم بين العاقدين، ويأتي في الشهادات: أن الترجمة عند الحاكم كالشهادة، فإذا كان القاضي لا يعرف لسانهما فلا بد في الترجمة عنده من رجلين عدلين (ولا بد أن يعرف الشاهدان اللسانين المعقود بهما) ليتمكنا من تحمل الشهادة لأنها على اللفظ الصادر منهما، فإذا لم يعرفاه لم يتأتَّ لهما الشهادة به (ويأتي حكم تولي طرفي العقد) في فصل: وإذا استوى وليان] (٢). دراسة البناء: اتفق فقهاء الحنابلة على أن العاقدين للنكاح إذا كان لا يُحسن كل منهما لسان الآخر فيترجم لهما من يعرف اللسانين. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، وابن قدامة، والرحيباني (٣). سبب الاتفاق: أن الغاية من الترجمة هو أن يوضح المترجم للطرفين كليهما (العاقدين) ما يريده الطرف الثاني من أمور العقد وشروطه. الأدلة: يمكن أن يستدل على ذلك من السنة والمعقول: أولاً: من السنة:

стр. 372

١ - أن أبا زيدٍ أخبره أنه لما قدم النبي ﷺ المدينة (١) قال زيد (٢): ذهب بي إلى النبي ﷺ ، فأعجب بي، فقالوا: يا رسول الله، هذا غلام من بني النجار، معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة، فأعجب ذلك النبي ﷺ وقال: يا زيد، تعلم لي كتاب يهود، فإني والله ما آمن يهود على كتابي. قال زيد: فتعلمت له كتابهم، ما مرت بي خمس عشرة ليلة حتى حذقته، وكنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه، وأجيب عنه إذا كتب (٣). وجه الاستدلال: دل الحديث أن تعلم لغة القوم مطلب في فهم التعامل، ولترجمة ما يرد بين الطرفين من شخص ثقة، وكذا عقد النكاح بين الطرفين. ٢ - عن زيد بن ثابت قال: قال لي رسول الله ﷺ : أتحسن السريانية؟ قلت: لا، قال: فتعلمها؛ فإنه تأتينا كتب، قال: فتعلمتها في سبعة عشر يومًا (٤). وجه الاستدلال: دل الحديث على الحث على تعلم لغات من نتعامل معهم لترجمتها بشكل صحيح، وفهم الطرف الآخر، وكذلك عقد النكاح إذا لم يفهم أحد الطرفين لغة الآخر ترجم بينهما بشخص ثقة.

стр. 373

ثالثًا: من المعقول: • أن حركة الترجمة ترجع إلى صدر الإسلام في عهد النبي ﷺ ، فزيد ﵁ كان يترجم للنبي ﵇ في تعامله مع اليهود حتى يفهموا لسانه، ويفهم لسانهم في دعوتهم والتعامل معهم، وهذا يدل على أهمية اختيار الثقة في الترجمة بين الطرفين في التعاملات، ومنها النكاح. • أن الترجمة مرتبطة بالحاجة إلى التواصل والتعارف والتعامل منذ القديم، ومن ذلك في التعاملات كالبيع والنكاح. • أن المترجم لا بد أن يعرف اللغتين اللتين يترجمها والتي يترجم بها، وإذا عرف أن المعنى الذي يقصد بهذا الاسم في هذه اللغة هو المعنى الذي يقصد به في اللغة الأخرى ترجمه (١).

стр. 374

المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم الترجمة في الشهادات اتفق فقهاء الحنابلة على جواز اتخاذ المترجم في حال كان القاضي أو الحاكم لا يعرف لغة الخصوم أو أحدهما. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، وابن قدامة، والزركشي، وابن تيمية (١) (٢). سبب الاتفاق: يرجع إلى أمرين: الأمر الأول: أنهم بنوا الترجمة في القضاء على الشهادة، فما يكون في الشهادة من شروط تكون في الترجمة. الأمر الثاني: القاضي أو الحاكم لا يعرف ما يترتب عليه الحكم إلا بالترجمة ليفهم حيثيات الموضوع. الأدلة: يمكن أن يستدل بالكتاب والسنة والمعقول: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٢]. وجه الاستدلال: تدل الآية أن الذي لا يستطيع الإملاء بنفسه لعلة به من خرس أو جهل اللغة فعلى الحاكم أو القاضي أو من يتولى أمره أن يأتي بمترجم له؛ ليفهم المراد من كلامه (٣). ثانيًا: من السنة: ١ - عن زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ أمره فتعلم كتاب اليهود، قال: حتى كتبت للنبي ﷺ كتبه، وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه (٤).

стр. 375

وقال البخاري: وقال أبو جمرة (١) كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس (٢). وجه الاستدلال: يدل الحديث على جواز الترجمة والعمل بها (٣). ثالثًا: من المعقول: أن القاضي أو الحاكم لا يعرف ما يترتب عليه الحكم إلا بذلك (٤).

стр. 376

المطلب الثالث: الكلام في البناء نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية. الجامع بين المسألتين: جمع البهوتي ﵀ بين المسألة المبني عليها (أن العاقدين لا بدَّ لهما من مترجم ثقة حتى يبين ما يريد كل منهما من الآخر)، والمسألة المبنية (مسألة الترجمة في الشهادة إذا لم يعرف الحاكم اللسانين فإنه لا بدَّ له من مترجم)، والعلة المشتركة بين المسألتين عدم فهم لسان العاقدين والشاهدين لبعضهم، فأجزيت الترجمة لهذا العلة المشتركة. من صرح بالبناء من الحنابلة: الذي يظهر لي أن أول من ربط بناء المسألتين ووضحهما هو البهوتي، حيث قال: "ويأتي في الشهادات: أن الترجمة عند الحاكم كالشهادة، فإذا كان القاضي لا يعرف لسانهما فلا بد في الترجمة عنده من رجلين عدلين" (١). صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة: غير الصريحة: - (كالشهادة) (٢). منهج البهوتي في البناء: استخدم البهوتي ﵀ البناء غير الصريح باستخدام كاف التشبيه، وربط بين المسائل بعلة مشتركة، كان لها تأثير في ترتيب الحكم في كلٍّ منها. قول الأصوليين في كاف التشبيه: وقد بينت ذلك في المسائل السابقة، ومن ذلك ما قاله أكثر أهل الأصول: إن طريقه واحد، وهو المشابهة. ولهذا قال أهل الأدب: إن الاستعارة والمجاز تشبيه، بدون حرف التشبيه للمبالغة فيه. وإذا كان حرف التشبيه مذكورًا فهو حقيقة تشبيه، وليس بمجاز، لأن الكاف والمثل والنظير وضعت للتشبيه بين الشيئين حقيقة" (٣). موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب (٤)، لأن فقهاء الحنابلة اتفقوا في جواز ترجمة الثقة في النكاح والشهادات، ويرجع ذلك لعلة واحدة في الغالب، وهي فهم لسان الطرف الآخر لما يترتب على ذلك من أحكام، وقد بينت ذلك في دراسة النص، هذا والله أعلم.

стр. 377

المبحث الثالث قبول إشارة الأخرس في البيع والطلاق ؛ وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: المسألة المبني عليها: قبول إشارة الأخرس المفهومة في النكاح بالإيجاب وعدمه. المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم قبول إشارة الأخرس في البيع. المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم قبول إشارة الأخرس في الطلاق. المطلب الرابع: الكلام في البناء.

стр. 378

المطلب الأول: المسألة المبني عليها: قبول إشارة الأخرس المفهومة في النكاح بالإيجاب وعدمه تمهيد: من محاسن الشريعة الإسلامية أنها اهتمت بأدق المسائل والفروع، ومنها المسائل التي تختص بالأخرس (١)، وفي هذا المبحث سوف نعرج على بعض الفروع التي ذكرها البهوتي في كتاب الكشاف. نص البناء: قال المصنف ﵀: [(ويصح إيجاب أخرس وقبوله) النكاح (بإشارة مفهومة يفهمها صاحبه) العاقد معه (و) يفهمها (الشهود) لأن النكاح معنى لا يستفاد إلا من جهته، فصح بإشارته، كبيعه وطلاقه] (٢). دراسة البناء: اتفق فقهاء الحنابلة أن إشارة الأخرس المفهومة يصح بها عقد النكاح. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، وابن قدامة، وابن مفلح، والرحيباني، وغيرهم (٣). سبب الاتفاق: أن الإشارة إذا كانت مفهومة من الأخرس فإنها معتبرة في عقد النكاح. الأدلة: ويمكن أن يستدل على ذلك من الكتاب والسنة والمعقول: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾ [سورة مريم: ١١]. وجه الاستدلال: دلت الآية على أن الإشارة تقوم مقام الكلام، "إنه أشار إليهم ﵇ وأومأ بيده، فقامت الإشارة في هذا الموضع مقام القول؛ لأنها أفادت ما يفيده القول، وهذا يدل على أن إشارة الأخرس معول عليها قائمة مكان القول" (٤).

стр. 379

ثانيًا: من السنة: عن أبي هريرة، أن رجلاً أتى النبي ﷺ بجارية سوداء، فقال: يا رسول الله، إن علي رقبة مؤمنة، فقال لها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء بأصبعها، فقال لها: فمن أنا؟ فأشارت إلى النبي ﷺ وإلى السماء، يعني: أنت رسول الله ﷺ ، فقال: أعتقها فإنها مؤمنة (١). وجه الاستدلال: دل منطوق الحديث أن النبي ﵇ أخذ بإشارة الجارية، وحكم عليها بأنها مؤمنة، فإن الإشارة تكون مكان اللفظ إذا كانت مفهومة، وكذلك في عقد النكاح من الأخرس. قال عبد الله بن حنبل (٢): "سألت أبي عن الأخرس يتزوج، قال: إذا كان يفهم الإشارة أو يفهم ما يدرونه له من التزويج، وكذا إذا طلق أيضًا، قلت لأبي: فإن لم يدر ولم يفهم، قال: لا يتزوج" (٣). ثالثًا: من المعقول: • أن إشارة الأخرس المفهومة تقوم مقام نطقه (٤). • أن النكاح معنى لا يستفادُ إلَّا من جهته، فتصحُّ بإشارتِهِ (٥).

стр. 380

المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم قبول إشارة الأخرس في البيع اتفق فقهاء الحنابلة أن إشارة الأخرس المفهومة يصح بها عقد البيع. والقائلون بذلك: ابن قدامة، والبهوتي، وأبو الفرج، وغيرهم (١). سبب الاتفاق: أن الإشارة إذا كانت مفهومة من الأخرس فإنها معتبرة في البيع. الأدلة: ويمكن أن يستدل على ذلك من الكتاب والسنة والمعقول: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٢]. وجه الاستدلال: دلت الآية على أنَّ من لا يقدر على إملاء الحق لصغره أو سفهه أو خرسه، أو نحو ذلك، فإنه ينوب وليه منابه في الإملاء والإقرار (٢)، وكذلك في البيع، وقال القرطبي: "وأما الأخرس فيسوغ أن يكون من الضعفاء" (٣). يمكن أن تناقش: أن الآية تدل على كيفية توثيق الدَّين والإشهاد عليه، ولم تتكلم عن بيع الأخرس. ويمكن أن يجاب: أن البيع قد يكون بالدَّين ومن أخرس، والأخرس من الضعفاء كما ذكر ذلك بعض المفسرين.

стр. 381

ثانيًا: من السنة: عَنْ أَنَسٍ ﵁: «أن يهوديًّا رض رأس جارية بين حجرين، قيل: من فعل هذا بك، أفلان، أفلان؟ حتى سُمِّيَ اليهودي، فَأَوْمَتْ برأسها، فأخذ اليهودي فاعترف، فأمر به النبي ﷺ ، فَرُضَّ رأسه بين حجرين» (١). وجه الاستدلال: دل الحديث أن إشارة الخرس العارض معتبرة وهي بمنزلة دعواها، وكذلك من كان خرسه أصليًّا فتعتبر إشارته، وقال الطحاوي: فجعل رسول الله ﷺ إشارته بمنزلة دعواها ذلك بلسانها من غير اعتبار دوام ذلك عليها مدة من الزمان، فدل على أن من اعتقل لسانه فهو بمنزلة الأخرس في جواز إقراره بالإيماء والإشارة (٢). ثالثًا: من المعقول: • أن الأخرس إذا عجز بخرسه عن العبارة أقامت الشريعة إشارته مقام عبارته (٣). • أن الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان (٤). • أن البيع معنى لا يستفادُ إلَّا من جهته، فتصحُّ بإشارتِهِ (٥). • أن إشارة الأخرس باليد أو بالعين أو الحاجب هي مثل بيان الناطق في بناء الأحكام عليها (٦). • أن إشارة الأخرس معتبرة في كل تصرفاته ومعاملاته، وهذا من باب استحسان الضرورة لما قد يصيب الأخرس من ضرر وحرج لو لم تعتبر إشارته (٧).

стр. 382

المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم قبول إشارة الأخرس في الطلاق اتفق فقهاء الحنابلة أن إشارة الأخرس المفهومة تصح في الطلاق. والقائلون بذلك: البهوتي، وابن قدامة، والرحيباني (١)، وغيرهم. سبب الاتفاق: أن الإشارة إذا كانت مفهومة من الأخرس فإنها معتبرة في الطلاق. الأدلة: واستدل على ذلك من السنة والمعقول: أولاً: من السنة: عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «الشهر هكذا وهكذا وهكذا (٢)، وقبض إبهامه في الثالثة» (٣). وجه الاستدلال: يدل مفهوم الحديث أن الإشارة المفهومة كالنطق الصريح، ومنها طلاق الأخرس. قال عبد الله بن حنبل: "سألت أبي عن طلاق الأخرس، فقال: إن كان يعقل أو يشير، فطلاقه جائز" (٤). ثانيًا: من المعقول: • أنه لا طريق إلى الطلاق إلا بالإشارة فقامت إشارته مقام الكلام من غير نية كالنكاح (٥). • أن إشارة الأخرس معتبرة في كل تصرفاته ومعاملاته، وهذا من باب استحسان الضرورة لما قد يصيب الأخرس من ضرر وحرج لو لم تعتبر إشارته (٦). • أن الطلاق معنى لا يعرف إلَّا من جهته، فتصحُّ بإشارتِهِ (٧).

стр. 383

• أن إشارة الأخرس المفهومة كلام (١).

стр. 384

المطلب الرابع: الكلام في البناء نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية. الجامع بين المسائل: أن العلة المشتركة بين المسألة المبني عليها والمسائل المبنية أن الإشارة المفهومة من الأخرس تصح، وينعقد بها النكاح والبيع والطلاق. من صرح بالبناء من الحنابلة: يمكن القول: إنَّ البهوتي ﵀ تفرد في الجمع بين المسألة المبني عليها والمسائل المبنية، وربط بينهما بالعلة المشتركة، حيث قال: "لأن النكاح معنى لا يستفاد إلا من جهته فصح بإشارته كبيعه وطلاقه" (١). صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة: غير الصريحة: - كاف التشبيه مع واو العطف: (كَبَيْعِهِ وطلاقه) (٢). منهج البهوتي في البناء: استخدم البهوتي ﵀ البناء غير الصريح باستخدام واو العطف وكاف التشبيه، وربط بين المسائل بعلة مشتركة، كان لها تأثير في ترتيب الحكم في كلٍّ منها، كما أنَّه بيَّن تعليل السبب الذي من أجله علل الحكم بين المسألة المبني عليها والمسائل المبنية بقوله: "لأن النكاح معنى لا يستفاد إلا من جهته فصح بإشارته كبيعه وطلاقه" (٣). قول الأصوليين في كاف التشبيه وواو العطف: تقدم سابقًا قول الأصوليين في واو العطف وكاف التشبيه (٤)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك. موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب (٥)، لأن المنصوص عليه في المذهب أن إشارة الأخرس تقوم مقام لفظه، فيترتب حكم المسائل المبنية على المبني عليها في الحكم، وقال المرداوي: "ينعقد نكاح الأخرس بإشارة مفهومة -نص عليه-، وكذا بكتابة، ذكره الأصحاب" (٦)، وقال: "يقع الطلاق من الأخرس وحده بالإشارة" (٧).

стр. 385

المبحث الرابع قبول كتابة الأخرس في الطلاق والإقرار ؛ وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: المسألة المبني عليها: قبول كتابة الأخرس في النكاح بالإيجاب وعدمه. المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم قبول كتابة الأخرس في الطلاق. المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم قبول كتابة الأخرس في الإقرار. المطلب الرابع: الكلام في البناء.

стр. 386

المطلب الأول: المسألة المبني عليها: قبول كتابة الأخرس في النكاح بالإيجاب وعدمه تمهيد: من الملاحظ في هذا المبحث والمبحث السابق ترابط المسائل وتفرعها على بعض في الغالب، إلا أن كل مسألة لها حالتها الخاصة، وفي المبحث السابق تكلمت عن إشارة الأخرس، وفي هذا المبحث سأتكلم عن كتابة الأخرس، وسوف نتعرف عن بعض الأحكام المتعلقة بالأخرس في النكاح والطلاق والإقرار. نص البناء: قال المصنف ﵀: [(أو كتابة) أي: ويصح إيجابه وقبوله من أخرس بكتابة، لأنها أولى من الإشارة؛ لأنها بمنزلة الصريح في الطلاق والإقرار] (١). دراسة البناء: اتفق فقهاء الحنابلة على أن كتابة الأخرس بالقبول والإيجاب أولى من الإشارة. والقائلون بذلك: الحجاوي، البهوتي، والمرداوي، وابن قدامة، وغيرهم (٢). سبب الاتفاق: أن الكتابة أولى من الإشارة في حق الخرس، وهي معتبرة في البيع. الأدلة: ويمكن أن يستدل على ذلك من المعقول: • أن كتابة الأخرس أولى من إشارته (٣). • أن كتابة الأخرس بمنزلة اللفظ الصريح من الشخص المتكلم (٤).

стр. 387

المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم قبول كتابة الأخرس في الطلاق. اتفق فقهاء الحنابلة على صحة كتابة الأخرس للطلاق. والقائلون بذلك: البهوتي، والمرداوي، وابن قدامة، والرحيباني، وغيرهم (١). سبب الاتفاق: أن الكتابة تقوم مقام اللفظ من الأخرس، فإنها معتبرة في الطلاق. الأدلة: ويمكن أن يستدل عليه من المعقول: • أنه لا طريق للأخرس إلى الطلاق إلا بالإشارة أو الكتابة، فقامت كتابته مقام الكلام لأن كتابة الأخرس كإشارته (٢). • أن إشارة الأخرس وكتابته معتبرة في كل تصرفاته ومعاملاته، وهذا من باب استحسان الضرورة لما قد يصيب الأخرس من ضرر وحرج لو لم تعتبر إشارته أو كتابته (٣). • أن الطلاق معنى لا يعرف إلَّا من جهته، فتصحُّ بإشارتِهِ وكتابته (٤). • أن الكتابة أوضح وأبين وأضبط من الإشارة؛ لأن الإشارة لا يعرفها إلا أهل الأخرس وخلصاؤه، وأمّا الكتابة فكلّ مَن يقرأ ويكتب قادر على قراءَتها وفهم مضمونها (٥). • إن رسول الله ﷺ كان مأمورًا بتبليغ الرسالة، وحصل ذلك في حق البعض بالقول، وفي حق الآخرين بالكتابة؛ فدل ذلك على أن الكتابة تقوم مقام القول. • إن كتاب القاضي يقوم مقام لفظه في إثبات الديون، والحقوق. وهذا القول هو المشهور من مذهب الحنابلة: أن كتابة الطلاق من قبيل الصريح (٦).

стр. 388

المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم قبول كتابة الأخرس في الإقرار اتفق فقهاء الحنابلة على صحة كتابة الأخرس في الإقرار. والقائلون بذلك: الحجاوي، البهوتي، والرحيباني، والمرداوي، وابن قدامة، وغيرهم (١). سبب الاتفاق: أن الكتابة تقوم مقام اللفظ من الأخرس، فإنها معتبرة في الإقرار. الأدلة: ويمكن أن يستدل عليه من المعقول: • تعتبر الإشارة من الأخرس إذا كانت مفهومة قائمة مقام العبارة في إقراره، وكذا الكتابة منه (٢). • أن الأخرس إذا عجز بخرسه عن العبارة أقامت الشريعة إشارته وكتابته مقام عبارته (٣). • أن الإقرار معنى لا يستفادُ إلَّا من جهته، فتصحُّ بإشارتِهِ وكتابته. • أن الكتابة في الإقرار بمنزلة اللفظ الصريح (٤). • أن إشارة وكتابة الأخرس معتبرة في كل تصرفاته ومعاملاته، وهذا من باب استحسان الضرورة لما قد يصيب الأخرس من ضرر وحرج لو لم تعتبر إشارته (٥).

стр. 389

المطلب الرابع: الكلام في البناء نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية. الجامع بين المسائل: أن العلة المشتركة بين المسألة المبني عليها والمسائل المبنية أن الكتابة من الأخرس أقوى وأولى من الإشارة، ويصح ينعقد بها النكاح والطلاق والإقرار. من صرح بالبناء من الحنابلة: الذي ظهر لي - والله أعلم- أن البهوتي ﵀ تفرد في الربط بين المسائل لعلة جامعة، ورتب الحكم عليها سواء من خلال بناء الفروع على بعضها، حيث قال: [أي: ويصح إيجابه وقبوله من أخرس بكتابة، لأنها أولى من الإشارة، لأنها بمنزلة الصريح في الطلاق والإقرار] (١). صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة: غير الصريحة: - (بمنزلة) (٢). - (أشبهت) (٣). منهج البهوتي في البناء: يتضح من نص البهوتي أنه يتميز بتوضيح العبارة مع تعليل سبب بناء المسائل على بعضها بقوله: "لأنها أولى من الإشارة، لأنها بمنزلة الصريح في الطلاق والإقرار" (٤). قول الأصوليين في باء الالتصاق وأشبهت: تقدم سابقًا قول الأصوليين في ذلك، وكنت ذكرت قول الزركشي ﵀: "الباء وهي للإلصاق الحقيقي والمجازي، أي: إلصاق الفعل بالمفعول، وهو تعليق الشيء بالشيء واتصاله به، وقال عبد القاهر: قولهم: الباء للإلصاق إن حمل على ظاهره أدى إلى الاستحالة لأنها تجيء بمعنى الإلصاق نفسه كقولنا: ألصقت به، وحينئذ فلا بد من تأويل كلامهم، والوجه فيه أن يكون غرضهم أن يقولوا للمتعلم: انظر إلى قولك: ألصقته بكذا، وتأمل الملابسة التي بين الملصق والملصق به تعلم أن الباء أينما كانت الملابسة التي تحصل بها شبيهة بهذه الملابسة التي تراها في قولك: ألصقته به. انتهى" (٥). وقال اليعقوب الباحسين: إنَّ الأشباه هي الفروع الفقهية التي أشبهت بعضها بعضًا في الحكم (٦).

стр. 390

وعرّفها الحصني (١) بقوله: الأشباه والنظائر هي المسائل التي يشبه بعضها بعضًا من ناحية التصوير، وحكمها واحد (٢). وعلى هذا فإن الأشباه في الفروع الفقهية يترتب عليها حكم المشبه به إذا كان بينهما وجه شبه يتناسب مع الفرع المشبه، فليحق به في الحكم لوجه الشبه بينهما. موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب (٣)، حيث قال المرداوي: "ينعقد نكاح الأخرس بإشارة مفهومة -نص عليه- وكذا بكتابة، ذكره الأصحاب" (٤)، وإنَّ إشارة وكتابة الأخرس معتبرة في كل تصرفاته ومعاملاته (٥).
следующие страницы →