← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30152

بناء الفروع على الفروع - من كشاف القناع

حسنة القرني

Полный текст (856 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

المطلب الأول: المسألة المبني عليها: قبول كتابة الأخرس في النكاح بالإيجاب وعدمه تمهيد: من الملاحظ في هذا المبحث والمبحث السابق ترابط المسائل وتفرعها على بعض في الغالب، إلا أن كل مسألة لها حالتها الخاصة، وفي المبحث السابق تكلمت عن إشارة الأخرس، وفي هذا المبحث سأتكلم عن كتابة الأخرس، وسوف نتعرف عن بعض الأحكام المتعلقة بالأخرس في النكاح والطلاق والإقرار. نص البناء: قال المصنف ﵀: [(أو كتابة) أي: ويصح إيجابه وقبوله من أخرس بكتابة، لأنها أولى من الإشارة؛ لأنها بمنزلة الصريح في الطلاق والإقرار] (١). دراسة البناء: اتفق فقهاء الحنابلة على أن كتابة الأخرس بالقبول والإيجاب أولى من الإشارة. والقائلون بذلك: الحجاوي، البهوتي، والمرداوي، وابن قدامة، وغيرهم (٢). سبب الاتفاق: أن الكتابة أولى من الإشارة في حق الخرس، وهي معتبرة في البيع. الأدلة: ويمكن أن يستدل على ذلك من المعقول: • أن كتابة الأخرس أولى من إشارته (٣). • أن كتابة الأخرس بمنزلة اللفظ الصريح من الشخص المتكلم (٤).

стр. 387

المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم قبول كتابة الأخرس في الطلاق. اتفق فقهاء الحنابلة على صحة كتابة الأخرس للطلاق. والقائلون بذلك: البهوتي، والمرداوي، وابن قدامة، والرحيباني، وغيرهم (١). سبب الاتفاق: أن الكتابة تقوم مقام اللفظ من الأخرس، فإنها معتبرة في الطلاق. الأدلة: ويمكن أن يستدل عليه من المعقول: • أنه لا طريق للأخرس إلى الطلاق إلا بالإشارة أو الكتابة، فقامت كتابته مقام الكلام لأن كتابة الأخرس كإشارته (٢). • أن إشارة الأخرس وكتابته معتبرة في كل تصرفاته ومعاملاته، وهذا من باب استحسان الضرورة لما قد يصيب الأخرس من ضرر وحرج لو لم تعتبر إشارته أو كتابته (٣). • أن الطلاق معنى لا يعرف إلَّا من جهته، فتصحُّ بإشارتِهِ وكتابته (٤). • أن الكتابة أوضح وأبين وأضبط من الإشارة؛ لأن الإشارة لا يعرفها إلا أهل الأخرس وخلصاؤه، وأمّا الكتابة فكلّ مَن يقرأ ويكتب قادر على قراءَتها وفهم مضمونها (٥). • إن رسول الله ﷺ كان مأمورًا بتبليغ الرسالة، وحصل ذلك في حق البعض بالقول، وفي حق الآخرين بالكتابة؛ فدل ذلك على أن الكتابة تقوم مقام القول. • إن كتاب القاضي يقوم مقام لفظه في إثبات الديون، والحقوق. وهذا القول هو المشهور من مذهب الحنابلة: أن كتابة الطلاق من قبيل الصريح (٦).

стр. 388

المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم قبول كتابة الأخرس في الإقرار اتفق فقهاء الحنابلة على صحة كتابة الأخرس في الإقرار. والقائلون بذلك: الحجاوي، البهوتي، والرحيباني، والمرداوي، وابن قدامة، وغيرهم (١). سبب الاتفاق: أن الكتابة تقوم مقام اللفظ من الأخرس، فإنها معتبرة في الإقرار. الأدلة: ويمكن أن يستدل عليه من المعقول: • تعتبر الإشارة من الأخرس إذا كانت مفهومة قائمة مقام العبارة في إقراره، وكذا الكتابة منه (٢). • أن الأخرس إذا عجز بخرسه عن العبارة أقامت الشريعة إشارته وكتابته مقام عبارته (٣). • أن الإقرار معنى لا يستفادُ إلَّا من جهته، فتصحُّ بإشارتِهِ وكتابته. • أن الكتابة في الإقرار بمنزلة اللفظ الصريح (٤). • أن إشارة وكتابة الأخرس معتبرة في كل تصرفاته ومعاملاته، وهذا من باب استحسان الضرورة لما قد يصيب الأخرس من ضرر وحرج لو لم تعتبر إشارته (٥).

стр. 389

المطلب الرابع: الكلام في البناء نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية. الجامع بين المسائل: أن العلة المشتركة بين المسألة المبني عليها والمسائل المبنية أن الكتابة من الأخرس أقوى وأولى من الإشارة، ويصح ينعقد بها النكاح والطلاق والإقرار. من صرح بالبناء من الحنابلة: الذي ظهر لي - والله أعلم- أن البهوتي ﵀ تفرد في الربط بين المسائل لعلة جامعة، ورتب الحكم عليها سواء من خلال بناء الفروع على بعضها، حيث قال: [أي: ويصح إيجابه وقبوله من أخرس بكتابة، لأنها أولى من الإشارة، لأنها بمنزلة الصريح في الطلاق والإقرار] (١). صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة: غير الصريحة: - (بمنزلة) (٢). - (أشبهت) (٣). منهج البهوتي في البناء: يتضح من نص البهوتي أنه يتميز بتوضيح العبارة مع تعليل سبب بناء المسائل على بعضها بقوله: "لأنها أولى من الإشارة، لأنها بمنزلة الصريح في الطلاق والإقرار" (٤). قول الأصوليين في باء الالتصاق وأشبهت: تقدم سابقًا قول الأصوليين في ذلك، وكنت ذكرت قول الزركشي ﵀: "الباء وهي للإلصاق الحقيقي والمجازي، أي: إلصاق الفعل بالمفعول، وهو تعليق الشيء بالشيء واتصاله به، وقال عبد القاهر: قولهم: الباء للإلصاق إن حمل على ظاهره أدى إلى الاستحالة لأنها تجيء بمعنى الإلصاق نفسه كقولنا: ألصقت به، وحينئذ فلا بد من تأويل كلامهم، والوجه فيه أن يكون غرضهم أن يقولوا للمتعلم: انظر إلى قولك: ألصقته بكذا، وتأمل الملابسة التي بين الملصق والملصق به تعلم أن الباء أينما كانت الملابسة التي تحصل بها شبيهة بهذه الملابسة التي تراها في قولك: ألصقته به. انتهى" (٥). وقال اليعقوب الباحسين: إنَّ الأشباه هي الفروع الفقهية التي أشبهت بعضها بعضًا في الحكم (٦).

стр. 390

وعرّفها الحصني (١) بقوله: الأشباه والنظائر هي المسائل التي يشبه بعضها بعضًا من ناحية التصوير، وحكمها واحد (٢). وعلى هذا فإن الأشباه في الفروع الفقهية يترتب عليها حكم المشبه به إذا كان بينهما وجه شبه يتناسب مع الفرع المشبه، فليحق به في الحكم لوجه الشبه بينهما. موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب (٣)، حيث قال المرداوي: "ينعقد نكاح الأخرس بإشارة مفهومة -نص عليه- وكذا بكتابة، ذكره الأصحاب" (٤)، وإنَّ إشارة وكتابة الأخرس معتبرة في كل تصرفاته ومعاملاته (٥).

стр. 391

المبحث الخامس الإيجاب في العقود الجائزة إذا مات العاقد أو زال العقل ؛ وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم إيجاب الولي قبل القبول في حال الجنون والموت. المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم الإيجاب في العقود الجائزة إذا مات العاقد. المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم الإيجاب في العقود الجائزة إذا زال العقل. المطلب الرابع: الكلام في البناء.

стр. 392

المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم إيجاب الولي قبل القبول في حال الجنون والموت تمهيد: من مقاصد الشريعة الإسلامية أنها اهتمت بحفظ الضروريات في التعاملات، سواء ما كان يختص بحفظ المال أو بحفظ النفس، فالفقهاء ﵏ أولوا هذه التعاملات اهتمامهم، وفرَّعوا عليها مسائل في جواز وبطلان وقوعها في حالات، وسندرس في هذا المبحث بعضًا من تلك المسائل: نص البناء: قال المصنف ﵀: [(وإن أوجب (١) الولي (النكاح) ونحوه (ثم جن) قبل القبول (٢) (أو أغمي عليه قبل القبول بطل العقد) أي: الإيجاب بذلك كما يبطل (بموته نصًّا) لأن الإيجاب قبل القبول غير لازم فبطل بزوال العقل، كالعقود الجائزة تبطل بالموت والجنون] (٣). دراسة البناء: اتفق فقهاء الحنابلة في هذه المسألة على بطلان إيجاب الولي قبل القبول في حال الجنون والموت. والقائلون بذلك: الحجاوي، البهوتي، وابن قدامة، وابن مفلح، والمرداوي، وغيرهم (٤). سبب الاتفاق: الذي ظهر لي أن سبب الاتفاق هو عدم وجود الأهلية والتكليف، فلا يترتب على كل من المجنون والميت إذا مات أو جن بعد الايجاب وقبل القبول أثر في العقد، فإن هذا الإيجاب يبطل. الأدلة: ويمكن أن يستدل على ذلك من السنة والمعقول: أولاً: من السنة: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق» (٥).

стр. 393

وجه الاستدلال: أن الولي لا بدَّ له من كمال الحال، لأنه يتصرف في حق غيره، فالمجنون لا يصح منه التصرف لفقدان عقله، فإن رجع قبلت ولايته. ثانيًا: من المعقول: • أن من شروط الولي في النكاح العقل، فلا تَصِحُّ وِلايةُ مَن به جُنونٌ (١). • لا يعتبر المجنون من أهل الولاية (٢). • أن الولاية إنما ثبتت نظرًا للمولى عليه عند عجزه عن النظر لنفسه، ومن لا عقل له لا يمكنه النظر، ولا يلي نفسه، فغيره أولى (٣). • لو أوجب الولي النكاح ثم جن قبل القبول يبطل العقد كموته (٤)، بجامع أنَّ كلاً منهما لا يستطيع إكمال العقد الأول لفقدان عقله، والثاني لفقدان وجوده. • أن الإيجاب قبل القبول غير لازم، فبطل بزوال العقل، كالعقود الجائزة تبطل بالموت والجنون (٥)

стр. 394

المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم الإيجاب في العقود الجائزة (١) إذا مات العاقد. اتفق فقهاء الحنابلة في هذه المسألة على بطلان إيجاب العاقد قبل القبول في حال الموت. والقائلون بذلك: الحجاوي، البهوتي، وابن قدامة، وابن مفلح، والمرداوي وغيرهم (٢). سبب الاتفاق: هو عدم التكليف، فلا يترتب على الميت إذا مات بعد الإيجاب وقبل القبول أثر، فإن هذا الإيجاب لا يقع ولا يُؤخَذ به. الأدلة: ويمكن أن يستدل على ذلك من المعقول: • أن العقود الجائزة تبطل بالموت (٣). • أن الإيجاب أحد ركني العقد، وقد فات بموت العاقد، فيبطل القبول لأن كلاً منهما متعلق بالآخر (٤). • أن العقد لا بدَّ له من صيغة في مجلس العقد، فإن مات العاقد قبل القبول بطل العقد، ولم يصح، لعدم لزومه (٥). • رجوع الموجب عن إيجابه قبل أن يقبل الطرف الآخر مبطل للإيجاب، فلا يعتبر القبول بعده، وكذا وفاة الموجب (٦).

стр. 395

المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم الإيجاب في العقود الجائزة إذا زال العقل اتفق فقهاء الحنابلة في هذه المسألة على بطلان إيجاب العاقد قبل القبول في حال زال عقله بالكلية. والقائلون بذلك: البهوتي، وابن قدامة، وابن مفلح، والمرداوي وغيرهم (١). سبب الاتفاق: هو عدم الأهلية، فلا يترتب على المجنون إذا جن بعد الإيجاب وقبل القبول، فإن هذا الإيجاب لا يقع ولا يُؤخَذ به. الأدلة: ويمكن أن يستدل على ذلك من السنة والإجماع والمعقول: أولاً: من السنة: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق» (٢). وجه الاستدلال: أن العاقد لا بدَّ له من كمال الحال، فالمجنون لا يصح منه التصرف لفقدان عقله، فإن رجع قُبل إيجابه. ثانيًا: من الإجماع: اتفق العلماء على أن المجنون لا تصح عقوده، قال ابن تيمية ﵀: "وأما المجنون الذي رفع عنه القلم، فلا يصح شيء من عباداته باتفاق العلماء، ولا يصح منه إيمان ولا كفر ولا صلاة ولا غير ذلك من العبادات، ولا يصلح هو عند عامة العقلاء لأمور الدنيا كالتجارة والصناعة، فلا يصلح أن يكون بزازًا ولا عطارًا ولا

стр. 396

حدادًا ولا نجارًا، ولا تصح عقوده باتفاق العلماء، فلا يصح بيعه ولا شراؤه ولا نكاحه ولا طلاقه ولا إقراره ولا شهادته، ولا غير ذلك من أقواله، بل أقواله كلها لغو لا يتعلق بها حكم شرعي، ولا ثواب ولا عقاب" (١). ثالثًا: من المعقول: • أن العقود الجائزة تبطل بالجنون (٢). • أن رجوع الموجب عن إيجابه قبل أن يقبل الطرف الآخر مبطلٌ للإيجاب، فلا يعتبر القبول بعده، وكذا إذا زال أهليته قبل القبول (٣).

стр. 397

المطلب الرابع: الكلام في البناء نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية. الجامع بين المسائل: أن الجامع بين المسألة المبني عليها والمسألتين المبنيتان هي العلة المشتركة بينها من حيث الأهلية وفقدان التكليف، فإن جن أو مات الولي قبل القبول فإنه يبطل العقد، فكذلك في العقود الجائزة إذا فقدت الأهلية والتكليف قبل القبول وبعد الإيجاب فإن العقود تبطل في تلك الحالات. من صرح بالبناء من الحنابلة: هذه المسألة المبنية لم يتفرد بها البهوتي ﵀، إنما نقلها من الشيخ ابن قدامة، حيث قال: "فإن أوجب النكاح، ثم زال عقله بجنون أو إغماء، بطل حكم الإيجاب، ولم ينعقد بالقبول بعده؛ لأنه ما لم يضامه القبول لم يكن عقدًا، فبطل بزوال العقل، كالعقود الجائزة تبطل بالموت والجنون، وهذا مذهب الشافعي" (١). صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة: غير الصريحة: - كاف التشبيه (كالعقود) (٢). - أشبه (أَشْبَهَ الْعُقُودَ) (٣). منهج البهوتي في البناء: استخدم البهوتي ﵀ التفسير والتعليل، ثم فرع الفرع على ما بينه وعلله؛ وكأنه ﵀ يربط بين الأفرع بذكر العلة، ورتب على هذا الربط حكم الفروع الأخرى، وهذا هو البناء الحقيقي، فربط بين العقد اللازم والعقد الجائز في حال الإيجاب والقبول؛ فإن النكاح إذا حصل جنون أو موت للعاقد قَبلَ قبول الطرف لم يكن ملزمًا لعدم اكتمال العقد من الطرفين، فلا يلزم منهم مثل العقود الجائزة لأنها تبطل أساسًا بموت أحد العاقدين أو فقدان أهليته، وكذلك البيع، والله أعلم. قول الأصوليين في كاف التشبيه وأشبه: تقدم سابقًا قول الأصوليين في كاف التشبيه وأشبه (٤)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك.

стр. 398

موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب (١) لأنه ذكره أغلب فقهاء الحنابلة، وهو موافق للمذهب الشافعي، وهو ما بيَّنه ابن قدامة بقوله: "فإن أوجب النكاح، ثم زال عقله بجنون أو إغماء، بطل حكم الإيجاب، ولم ينعقد بالقبول بعده؛ لأنه ما لم يضامه القبول لم يكن عقدًا، فبطل بزوال العقل، كالعقود الجائزة تبطل بالموت والجنون، وهذا مذهب الشافعي" (٢). وقال ابن تيمية ﵀: "وأما المجنون الذي رفع عنه القلم، فلا يصح شيء من عباداته باتفاق العلماء … فلا يصح بيعه ولا شراؤه ولا نكاحه ولا طلاقه ولا إقراره ولا شهادته، ولا غير ذلك من أقواله، بل أقواله كلها لغو لا يتعلق بها حكم شرعي، ولا ثواب ولا عقاب (٣).

стр. 399

المبحث السادس العقود الجائزة بالنوم بعد الإيجاب ؛ وفيه ثلاثة مطالب: • المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم عقد النكاح إذا نام بعد الإيجاب. • المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم العقود الجائزة إذا نام العاقد بعد الإيجاب. • المطلب الثالث: الكلام في البناء.

стр. 400

المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم عقد النكاح إذا نام الولي بعد الإيجاب. تمهيد: من مقاصد الشريعة الإسلامية أنها اهتمت بحفظ الضروريات في التعاملات، سواء ما كان يختص بحفظ المال أو بحفظ النفس، فالفقهاء ﵏ أولوا هذا التعاملات اهتمامهم، وفرَّعوا عليها مسائل في جواز وبطلان وقوعها في حالات، وسندرس في هذا المبحث بعضًا من تلك المسائل: نص البناء: قال المصنف ﵀: [و (لا) تبطل (إن) أوجب ثم (نام) وحصل القبول في المجلس؛ لأن النوم لا يبطل العقود الجائزة، فكذلك هنا] (١). صورة المسألة: أوجب الولي العقد فقال: زوجتك بنتي، فألقى الله عليه النوم، وبعد ساعة استيقظ فقال: قبلت (٢). دراسة البناء: اتفق فقهاء الحنابلة أن الولي إذا أوجب العقد ثم نام صح إيجابه إذا حصل القبول في مجلس العقد. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، وابن قدامة، وابن مفلح، وغيرهم (٣). سبب الاتفاق: أن الولي في هذه الحالة لا أثر لنومه على إيجابه السابق ما دام القبول في مجلس العقد، لأنه كامل الأهلية. الأدلة: ويمكن أن يستدل على ذلك من السنة والمعقول: أولاً: من السنة: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق». وجه الاستدلال: أن الولي لا بدَّ له من كمال الحال، فالنائم لا يصح منه التصرف لفقدان عقله المؤقت، فإن أوجب ثم نام أخذ بإيجابه، لأنه أجاب وهو مكتمل الحال والعقل.

стр. 401

يمكن أن يناقش: أن الدليل مختص بمن فقد الأهلية في حالات خاصة، ومنها النائم حتى يستيقظ من نومه، لأنه وقت نومه غاب عقله ففقد الأهلية، وليس لمن أوجب وهو مدرك يعقل ما يقول ثم ينام. ثانيًا: من المعقول: • أن الولي إذا أوجب ثم نام وحصل القبول في المجلس فإن إيجاب الولي لا يُبطَل بنومه (١). • أن الولي إذا نام بعد الإيجاب في مجلس العقد فهو كالساكت إذا أوجب ثم سكت بجامع أنهما لا تأثير للنوم والسكوت بعد الإيجاب إذا حصل القبول في مجلس العقد (٢).

стр. 402

المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم العقود الجائزة إذا نام العاقد بعد الإيجاب اتفق فقهاء الحنابلة أن العاقد إذا أوجب العقد ثم نام صح إيجابه إذا حصل القبول في مجلس العقد. والقائلون بذلك: البهوتي، وابن قدامة، والرحيباني، وغيرهم (١). سبب الاتفاق: أن العاقد في هذه الحالة لا أثر لنومه على إيجابه السابق؛ لأن النوم لا يبطل العقود الجائزة. الأدلة: ويمكن أن يستدل على ذلك من السنة والمعقول: أولاً: من السنة: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق». وجه الاستدلال: أن العاقد لا بدَّ له من كمال الحال، فالنائم لا يصح منه التصرف لفقدان عقله المؤقت، فإن أوجب وهو بكمال عقله ثم نام أخذ بإيجابه؛ لأنه أجاب وهو مكتمل الحال والعقل. يمكن أن يناقش: أن الدليل مختص بمن فقد الأهلية في حالات خاصة، ومنها النائم حتي يستيقظ من نومه؛ لأنه وقت نومه غاب عقله ففقد الأهلية، وليس لمن أوجب وهو مدرك يعقل ما يقول ثم ينام. ثانيًا: من المعقول: • أن النوم لا يبطل العقود الجائزة (٢). • أن تأثير النوم في عقد النكاح والعقود الجائزة، ولا يؤثر كما بينت في دراسة المسائل.

стр. 403

المطلب الثالث: الكلام في البناء نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية. الجامع بين المسألتين: جمع البهوتي ﵀ بين المسألة المبني عليها والمسألة المبنية بفاء التعليل بقوله: (فذلك هنا) (١) أي: إنَّ النوم ليس له أثر في إيجاب النكاح من الولي إذا نام بعده، ولكن كان القبول في مجلس العقد، وكذلك في العقود الجائزة فإن النوم لا يؤثر فيها فلا تبطل، فالجامع هنا علة عدم تأثير النوم في كلا العقدين. من صرح بالبناء من الحنابلة: أن المسألة المبنية لم يتفرد بها البهوتي ﵀، إنما ذكرها ابن قدامة بقوله: "وإن زال عقله بنوم، لم يبطل حكم الإيجاب؛ لأنه لا يبطل العقود الجائزة، فكذلك هذا" (٢). صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة: غير الصريحة: - فاء التعليل: (فكذلك هنا) (٣)، (فكذلك هذا) (٤). منهج البهوتي في البناء: استخدم البهوتي ﵀ البناء غير الصريح باستخدام فاء التعليل، حيث وضح السبب الذي من أجله اتحد الحكم في كلا الفرعين بقوله: "لأن النوم لا يبطل العقود الجائزة، فكذلك هنا" (٥). قول الأصوليين في فاء التعليل: بين ابن قدامة في روضة الناظر بعدما قسم مسالك العلة، وبين نوعًا من أنواع التنبيه والإيماء إلى العلة، وقال: "ذكر الحكم مقرونًا بوصف مناسب فيدل على التعليل" (٦)، وهو ما ينطبق على البناء الذي درسته. وقال عبد الله بن صالح الفوزان: إن ما بعد الفاء سبب لما قبلها، فيدل ذلك على ثبوت الحكم بسبب الوصف؛ لأن السبب ما يثبت الحكم عقيبه (٧).

стр. 404

وتدخل الفاء على العلل إذا كان ذلك مما يدوم ويمتد؛ لأن العلة إذا كانت دائمة كانت في حالة الدوام متراخية عن ابتداء الحكم، فيصح دخول الفاء عليها بهذا الاعتبار، وتسمى الفاء هنا فاء التعليل؛ لأنها بمعنى لام التعليل (١). موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب (٢)، لأنه يصح ذلك في المذهب لقول الشيخ ابن عثيمين ﵀: "أوجب الولي العقد فقال: زوجتك بنتي، فألقى الله عليه النوم، وبعد ساعة استيقظ فقال: قبلت، يصح على المذهب" (٣)، وباستخدامه لفاء التعليل في البناء رتب الفرع على الحكم السابق له في المسألة المبني عليه، هذا والله أعلم. وقال ابن النجار الفتوحي ﵀: "من أوجب عقدا قبل القبول ثم حصل القبول في المجلس، ومن أوجبه وهو نائم فإن إيجابه لم يبطل ويصح قبوله، لأن النوم لا يبطل العقود الجائزة فكذلك هنا" (٤)

стр. 405

المبحث السابع تعليق النكاح، وفيه أربعة مطالب: • المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم تعليق النكاح بالشروط الحاضرة والماضية. • المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم تعليق النكاح بمشيئة الله. • المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم تعليق النكاح بالممات كقوله: (زوجتك إلى الممات). • المطلب الرابع: الكلام في البناء.

стр. 406

المبحث السابع: تعليق النكاح، وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم تعليق النكاح بالشروط الحاضرة والماضية تمهيد: من عناية الفقهاء الاهتمام بتوضيح الشروط المؤثرة في عقد النكاح وغير المؤثرة وتفنيد أقسامها، وسنتطرق في هذا المطلب لبعضٍ من هذه الشروط، وما يتعلق بها من فروع، بمشيئة الله تعالى. نص البناء: قال المصنف ﵀ في تعليق النكاح بالشروط الحاضرة والماضية والمشيئة: [(ولا يصح تعليق النكاح على شرط مستقبل كقوله: إن وضعت زوجتي جارية فقد زوجتكها أو زوجتك ما في بطنها) أي: بطن هذه المرأة (أو) زوجتك (من في هذه الدار وهما) أي: الولي والزوج (لا يعلمان ما فيها) أي: الدار فلا يصح النكاح (بخلاف الشروط الحاضرة و) الشروط (الماضية، مثل قوله: زوجتك هذا المولود إن كان أنثى أو زوجتك ابنتي إن كانت عدتها قد انقضت، أو) زوجتك بنتي (إن كنت وليها، وهما يعلمان ذلك) أي: كونها أنثى في المثال الأول، وانقضاء العدة في المثال الثاني، أو أنه وليها في الثالث (فإنه يصح) النكاح لأن ذلك ليس بتعليق حقيقة؛ إذ الماضي والحاضر لا يقبله (وكذا تعليقه بمشيئة الله) كقوله: زوجتكها إن شاء الله، أو قبلت إن شاء الله (أو قال) الولي (زوجتك ابنتي إن شئت، فقال: قد شئت وقبلت، فيصح)] (١). أما الممات فقد ذكر المصنف ﵀: [لأنه عقد معاوضة فلا يصح تعليقه على شرط مستقبل كالبيع، ولأن ذلك وقف النكاح على شرط، ويصح: زوجت وقبلت إن شاء الله، وتعليقه على شرط ماض أو حاضر (وتقدم ذكر بعض الشروط في أركان النكاح، ويصح النكاح إلى الممات) بأن يقول: زوجتك إلى الممات فيقبل، فيصح ولا أثر لهذا التوقيت؛ لأنه مقتضى العقد] (٢). دراسة البناء: اتفق فقهاء الحنابلة على أنَّ تعليق النكاح بالشروط الحاضرة والماضية صحيح. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والمرداوي، والرحيباني، وأبو الفرج، وابن تيمية، وغيرهم (٣). سبب الاتفاق: عدم تأثير عقد النكاح بهذا التعليق، سواء كانت الحاضرة أو الماضية، إن كانت صحيحة في أصلها، ورضي الطرفان بها موجب العقد.

стр. 407

الأدلة: ويمكن أن يستدل على ذلك بعموم الأدلة على الوفاء بالعقود من الكتاب والسنة والأثر والمعقول: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [سورة المائدة: ١]. قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [سورة الإسراء: ٣٤]. وجه الاستدلال: دلت الآيتان على أن كل عقد وعهد جرى بين إنسانين فإنه يجب عليهما الوفاء بمقتضى ذلك العقد والعهد من شروط ومضامين (١). ثانيًا: من السنة والأثر: ١ - عن النبي ﷺ قال: «أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» (٢). وجه الاستدلال: دل الحديث أن شروط النكاح عظيمة الحرمة، قوية اللزوم لكونها استحق بها استحلال الاستمتاع بالفروج، فحث الشرع على الوفاء بها ما دامت تلك الشروط لا تنافي العقد وصحته (٣). ٢ - عبد الرحمن بن غنم (٤) قال: شهدت عمر بن الخطاب ﵁ أتي في امرأة جعل لها زوجها دارها، فقال عمر: لها شرطها، فقال رجل: إذًا يطلقننا، فقال عمر: «إنما مقاطع الحقوق عند الشروط» (٥).

стр. 408

وجه الاستدلال: دل الأثر على وجوب الوفاء بالشروط التي التزم بها أحد الزوجين لصاحبه (١). ثالثًا: من المعقول: • أن الوفاء بشروط النكاح آكد من الوفاء بغيرها، لأن عوضها استحلال الفروج. • أن الوفاء شامل للشروط التي هي من مقتضى العقد، والتي من مصلحة أحد الزوجين (٢). • أن الوفاء بالشروط الحاضرة والماضية في عقد النكاح تصح إذا كانت صحيحة (٣). • أن الأصل في الشروط الحل والصحة، سواء في النكاح أو غيره (٤). • إذا كانت الشروطُ المشروطة في العقود صحيحةً يجبُ الوفاء بها (٥). • أن ذلك ليس بتعليق حقيقة إذ الماضي والحاضر لا يقبله (٦).

стр. 409

المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم تعليق النكاح بمشيئة الله اتفق فقهاء الحنابلة على صحة تعليق النكاح بالمشيئة. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والمرداوي، والرحيباني، وأبو الفرج، وابن تيمية، وغيرهم (١). سبب الاتفاق: عدم تأثير تعليق النكاح بالمشيئة على عقد النكاح، لأنه ليس بتعليق حقيقة بل توكيد وتقوية النوع (٢). الأدلة: يستدل على ذلك من المعقول: • أن تعليق النكاح بالمشيئة القصد منه التبرك (٣). • أنَّه إذا فعلنا المأمور على حسب ما أمر الله به فقد علمنا أن الله قد شاء فِعْلَنا، ومنه قوله: زوجتك إن شاء الله، فقلت: قبلت هذا الزواج، علمنا أن الله شاءه لما وقع، وأن الله يرضاه بمقتضى الشرع (٤). • أن تعليق النكاح بالمشيئة كان موجبًا للعقد ومقتضاه؛ لأن الإيجاب إذا صدر كان القبول إلى مشيئة القابل مقارنة للقبول، ولا يتم العقد بدونه (٥).

стр. 410

المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم تعليق النكاح إلى الممات كقوله: (زوجتك إلى الممات) اتفق فقهاء الحنابلة على صحة تعليق النكاح إلى الممات. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والرحيباني، والمرداوي، وابن تيمية، وغيرهم (١). سبب الاتفاق: عدم تأثير هذا التوقيت لأنه مقتضى العقد (٢). الأدلة: ويمكن أن يستدل على ذلك من المعقول: أولا: من المعقول: • أن حقوق الزوج والزوجية تنتهي بموته، ولا يبقى على المرأة إلا العدة، فلا تعارض ولا تأثير لهذا التوقيت في تعليق النكاح عليه ابتداءً.

стр. 411

المطلب الرابع: الكلام في البناء. نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية. الجامع بين المسائل: المتأمل للمسائل السابقة يجد أن الشيخ البهوتي ﵀ قد ربط ورتب الأحكام على العلة المشتركة بين المسألتين المبنية والمبني عليها، وهو عدم تأثر التعليق في النكاح بالشروط الحاضرة والماضية أو بالمشيئة لقوله: "لأن ذلك ليس بتعليق حقيقة إذ الماضي والحاضر لا يقبله (وكذا تعليقه بمشيئة الله) " (١)، أو تعليقه بالممات لقوله: "ولا أثر لهذا التوقيت لأنه مقتضى العقد" (٢)؛ لأنه لا تأثير لهذا التعليق على صحة انعقاد العقد في كل منهم، ومما يدل على هذا البناء الأساليب اللغوية المستخدمة من عطف وتشبيه، هذا والله أعلم. من صرح بالبناء من الحنابلة: إن المسألتين المبنيتين لم يتفرد بهما الحجاوي ولا البهوتي، إنما هما منقولتان عن ابن تيمية (٣) وابن مفلح (٤) ﵏ جميعًا-، ولكن البهوتي ربط بينهما بالعلة المشتركة فيهما، وهي عدم تأثير تعليق النكاح بالشروط الحاضرة والماضية وبالمشيئة وإلى الممات. صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة: غير الصريحة: - وكذا (وكذا تعليقه بمشيئة الله) (٥). - واو العطف (وتقدم ذكر … ويصح) (٦). - كاف التشبيه في (كما) لو قال الولي (زوجت) إن شاء الله (٧). منهج البهوتي في البناء: ربط البهوتي ﵀ بين المسائل بأساليب متعددة: تارة بكاف التشبيه، وتارة بواو العطف، وتارة بالتمثيل بقوله (كذا)، ثم يعرج ﵀ إلى ذكر العلة بين تلك المسائل ببيان سبب التعليل، وأنه لا تأثير لهذه الحالات على مقتضى عقد النكاح، وقد بينت ذلك في دراسة المسائل، هذا والله أعلم. قول الأصوليين في كاف التشبيه والعطف بواو العطف و (كذا):

стр. 412

تقدم سابقًا قول الأصوليين في واو العطف وكاف التشبه (١)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك. موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب (٢)، لأنه القول الذي ليس فيه خلافٌ في المذهب، قال المرداوي ﵀: "وكذلك تعليقه بمشيئة الله تعالى، فإنه يصح. قال ابن شاقلا (٣): لا نعلم فيه خلافًا" (٤)، وباستخدامه لواو العطف في البناء رتب الفرع على الحكم السابق له في المسألة المبني عليها، وكذلك وضح المرداوي قول الأصحاب في المسألة المبنية الثانية: "ويصح النكاح إلى الممات. قاله الأصحاب" (٥)، وباستخدامه لواو العطف في البناء رتب الفرع على الحكم السابق له، ثم فرّع فرعًا آخر مشتركًا معه في الحكم والعلة. هذا والله أعلم.

стр. 413

المبحث الثامن تزويج الأب أو السيد للصغير والمجنون بغير رضاهما وإذنهما ؛ وفيه خمسة مطالب: • المطلب الأول: المسألة المبني عليها: تزويج الأب ابنه الصغير والمجنون بغير إذنه. • المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم تزويج الأب لابنته البكر دون تسع سنين بلا إذنها. • المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم إجبار السيد لعبده الصغير والمجنون على النكاح. • المطلب الرابع: المسألة المبنية الثالثة: حكم تزويج الأب لأبنه البالغ المعتوه بغير إذنه. • المطلب الخامس: الكلام في البناء.

стр. 414

المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم تزويج الأب ابنه الصغير والمجنون بغير إذنه تمهيد: من مقاصد الشريعة مراعاة المصلحة والحاجة لحفظ النفس، بتولية الأب والسيد على من استرعاهم الله تحت أيديهم من الصغار والمجانين ومن به عته، ففي هذا المبحث سنتطرق لبعض الفروع المتعلقة بهذا الأمر. نص البناء: قال المصنف ﵀: [(وليس لهم) أي: للبنين الصغار والمجانين إن زوجهم الأب (خيار إذا بلغوا) وعقلوا، كما لو باع ما لهم ونحوه … (و) للأب أيضًا تزويج (ثيب لها دون تسع سنين)؛ لأنه لا إذن لها (بغير إذنهم) أي: البنين الصغار، والمجانين، والبنت البكر (١)، والثيب (٢) التي لها دون تسع سنين لما تقدم … (وليس للأب تزويج ابنه البالغ العاقل بغير إذنه) لأنه لا ولاية له عليه (إلا أن يكون سفيهًا، وكان) النكاح (أصلح له) بأن يكون زمِنًا أو ضعيفًا يحتاج إلى امرأة تخدمه، فإن لم يكن محتاجًا إليه فليس لوليه تزويجه (وله) أي: الأب (قبول النكاح لابنه الصغير) ولو مميزًا (و) لابنه (المجنون) لما تقدم، وكذا البالغ المعتوه، وفي ظاهر كلام أحمد والخرقي مع ظهور أمارات الشهوة وعدمها … (ويملك) السيد (إجبار عبده الصغير ولو) كان العبد (مجنونًا) فيجبره ولو كان بالغًا؛ لأن الإنسان إذا ملك تزويج ابنه الصغير والمجنون فعبده الذمي كذلك مع ملكه، وتمام ولايته عليه أولى] (٣). دراسة البناء: اتفق فقهاء الحنابلة أنه يصح للأب تزويج ابنه الصغير والمجنون بغير إذنه. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والكلذواني، وأبو الفرج، وغيرهم (٤). سبب الاتفاق: الحاجة والمصلحة، فالصغير والمجنون يحتاجان إلى الرعاية والاهتمام، والمصلحة تقتضي حفظ النفس وما تحتاج إليه، ومن المعلوم أن هذا من مقاصد الشريعة لجميع فئات المجتمع. الأدلة: استدلوا من المعقول:

стр. 415

• أن غير البالغ يملك الأب تزويجه كالعاقل (١). • أنه إذا جاز تزويج العاقل مع أن له عند احتياجه إلى التزويج رأيًا ونظرًا لنفسه، فيجوز تزويج من لا يتوقع فيه ذلك من باب أولى (٢). • أن الأبناء ليس لهم خيار فسخ النكاح إذا بلغوا، فهذا يدل على صحة نكاحه بغير إذنه قبل البلوغ (٣).

стр. 416

المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم تزويج الأب لابنته البكر دون تسع سنين بلا إذنها اتفق فقهاء الحنابلة على صحة تزويج الأب لابنته البكر دون تسع سنين بلا إذنها (١). والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، وأبو الفرج، وغيرهم (٢). سبب الاتفاق: المصلحة العامة، فإذا رأى الأب أن مصلحة الفتاة تقتضى تزويجها يشترط لذلك أن يكون زوجها كفؤًا يرعى مصالحها، ويقضي حوائجها، ويكون أهلاً للزواج منها. الأدلة: استدلوا من القرآن والسنة والإجماع: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [سورة الطلاق: ٤]. وجه الاستدلال: دلت الآية على جعل عدة للائي لم يحضن، ولا تكون العدة ثلاثة أشهر إلا من طلاق أو فسخ في نكاح. فدل على أنها تزوج وتطلق، ولا إذن لها في الصغر فيعتبر (٣). ثانيًا: من السنة: عن عائشة، قالت: «تزوجني رسول الله ﷺ وأنا ابنة ست سنين، ودخل علي وأنا ابنة تسع سنين، وكنت ألعب بالبنات» (٤). وجه الاستدلال: دل منطوق الحديث على فعل النبي ﵇، وهو زواجه من عائشة ﵂ في ست سنوات، فالمعلوم أن البنت في هذا السن لم يكن لها إذن يعتبر (٥).

стр. 417

ثالثًا: من الإجماع: • أجمع أهل العلم أن نكاح الأب ابنته البكر الصغيرة جائز إذا زوّجها من كفء (١). • أن للأب تزويج ابنته البكر الصغيرة التي لم تبلغ تسع سنين بغير خلاف (٢).

стр. 418

المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم إجبار السيد لعبده الصغير والمجنون على النكاح اتفق فقهاء الحنابلة على جواز إجبار السيد لعبده الصغير والمجنون على النكاح. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، وتقي الدين، وأبو الفرج، وابن قدامة، وغيرهم (١). سبب الاتفاق: الحاجة والمصلحة، فالصغير والمجنون يحتاجان إلى الرعاية والاهتمام، والمصلحة تقتضي حفظ النفس وما تحتاج إليه، ومن المعلوم أن هذا من مقاصد الشريعة لجميع فئات المجتمع. الأدلة: استدلوا من المعقول: • أن الأب إذا ملك تزويج ابنه الصغير فعبده مع ملكه إياه وتمام ولايته عليه أولى، وكذلك الحكم في عبده الصغير المجنون (٢). • أن المالك للعبد يملك إجبار عبده الصغير ولو مجنونًا (٣). • أن الحكم في المجنون كالحكم في الصغير (٤).

стр. 419

المطلب الرابع: المسألة المبنية الثالثة: حكم تزويج الأب لابنه البالغ المعتوه بغير إذنه اتفق فقهاء الحنابلة على جواز تزويج الأب لابنه البالغ المعتوه (١) بغير إذنه في حال حاجته. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، وابن قدامة، ومحمد بن عبد الوهاب، وغيرهم (٢). سبب الاتفاق: الحاجة والمصلحة، فإن البالغ المعتوه يحتاج إلى الرعاية والاهتمام، والمصلحة تقتضي حفظ النفس وما تحتاج إليه، ومن المعلوم أن هذا من مقاصد الشريعة لجميع فئات المجتمع. الأدلة: استدلوا على ذلك من المعقول: • أن البالغ المعتوه، للأب تزويجه مع ظهور أمارات الشهوة وعدمها (٣). • أن الجنون يثبت الولاية على ماله، فأثبتها عليه في نكاحه، كالمستدام (٤). • النظر إلى الحاجة والمصلحة للبالغ المعتوه أن الحاجة والمصلحة لا تنحصر في قضاء الشهوة، فقد تكون حاجته إلى الإيواء والحفظ (٥). • أن البالغ المعتوه غير مكلف؛ فجاز لأبيه تزويجه كالصغير، فإنه إذا جاز تزويج الصغير مع عدم حاجته في الحال وتوقع نظره فعند الحاجة أولى (٦).

стр. 420

المطلب الخامس: الكلام في البناء نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية. الجامع بين المسائل: المتأمل للمسائل السابقة يجد أن الشيخ البهوتي ﵀ قد ربط ورتب الأحكام على العلة المشتركة بين المسألتين المبنيتين والمبني عليها، وهي الحاجة والمصلحة، حيث قال: " (أصلح له) بأن يكون زمنًا أو ضعيفًا يحتاج إلى امرأة تخدمه" (١)، ومن المعلوم أن كلاً من الابن والبنت الصغيرين والعبد الصغير ومن به جنون وعته وإن كان بالغًا، يحتاجون إلى الرعاية والاهتمام، وتقتضي المصلحة العامة ذلك. من صرح بالبناء من الحنابلة: إنَّ المسائل المبنية لم يتفرد بها البهوتي والحجاوي -رحمهما الله-، إنما وقفت على المسألة المبنية الأولى في مسائل الشيخ عبد الله بن حنبل نقلاً عن أبيه، حيث قال: "إذا كَانَ أب وَلم تبلغ سبع سِنِين فتزويج الأب عَلَيْهَا جَائِز، وَلَا خِيَار لَهَا" (٢). والمسالة المبنية الثانية والثالثة وقفت عليها عند ابن قدامة، حيث قال: "إنه غير مكلف، فجاز لأبيه تزويجه كالصغير، فإنه إذا جاز تزويج الصغير، مع عدم حاجته في الحال، وتوقع نظره عند الحاجة، فهاهنا أولى" (٣). صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة: غير الصريحة: - لام التعليل (لما تقدم) (٤). - وكذا (٥). - واو العطف (٦). منهج البهوتي في البناء: استخدم البهوتي ﵀ البناء غير الصريح باستخدام أسلوب العطف ولام التعليل، حيث وضح السبب الذي من أجله اتحد الحكم في كلا الفرعين بقوله: " (و) للأب أيضًا تزويج (ثيب لها دون تسع سنين)، لأنه لا إذن لها (بغير إذنهم) أي: البنين الصغار والمجانين والبنت البكر والثيب التي لها دون تسع سنين لما تقدم" (٧).

стр. 421

قول الأصوليين في لام التعليل وواو العطف وكذا: تقدم سابقًا قول الأصوليين في واو العطف وكاف التشبيه (١)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك. لقد تكلم البهوتي في بنائه للمسائل على ما يتقدم من علة وسبب مشترك، واستخدم لام التعليل بقول (لما تقدم) وقال الزركشي ﵀: إنَّ لام التعليل تدخل على ما هو غرض لفاعل الفعل، ويكون مرتبًا على الفعل، فلام التعليل تأتي للتعليل والترتيب (٢). موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب (٣) لما ذكره المرداوي من صحيح المذهب والإجماع: "ليس للابن الصغير إذا زوجه الأب خيار إذا بلغ، على الصحيح من المذهب" (٤)، وذكر الإجماع حيث قال: "ابنته البكر التي لها دون تسع سنين، فله تزويجها بغير إذنها ورضاها بلا نزاع، وحكاه ابن المنذر إجماعًا" (٥)، وذكر كذلك ما عليه أصحاب المذهب بقوله: "البكر المجنونة: له إجبارها مطلقًا، على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب" (٦).

стр. 422

المبحث التاسع أخذ الإذن بالزواج من المجنون ؛ وفيه ثلاثة مطالب: • المطلب الأول: المسألة المبني عليها: زواج من زال عقله بمرض لا يرجى زواله. • المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم أخذ الأذن بالزواج من المجنون. • المطلب الثالث: الكلام في البناء.

стр. 423

المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم زواج من زال عقله بمرض لا يرجى زواله تمهيد: من مقاصد الشريعة مراعاة المصلحة والحاجة لحفظ النفس، بتولية الأب على من استرعاهم الله تحت يده من المجانين ومن به مرض يفقد العقل والفهم، وفي هذا المبحث سنتطرق لبعض الفروع المتعلقة بهذا الأمر. نص البناء: قال المصنف ﵀: [(أو زال عقله ببرسام (١) أو بمرض مرجو الزوال لم يصح تزويجه إلا بإذنه) كالعاقل، فإن دام به صار كالمجنون. قاله الشيخ تقي الدين في المسودة، وهو معنى كلام الشارح] (٢). دراسة البناء: اتفق فقهاء الحنابلة على أن من زال عقله بمرض أو غيره إزالة دائمة ولا يرجى برؤه أنه يصح تزويجه بغير إذنه. القائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، وابن تيمية، وابن قدامة، وأبو الفرج، وغيرهم (٣). سبب الاتفاق: يرجع سبب الاتفاق إلى أمرين: الأمر الأول: الحاجة إلى النكاح بحيث تظهر عليه أمارة الشهوة. الأمر الثاني: أن مرضه دائم لا يرجى برؤه. الأدلة: استدلوا على ذلك من المعقول: • أن زوال العقل الطارئ الدائم يفقد الشخص الأهلية، مثل المجنون تمامًا، فيتولى وليه أموره واحتياجاته، ومنها النكاح إذا غلبته شهوته. • إن احتاج المجنون المطبق البالغ إلى النكاح صح تزويجه (٤). • أن المجنون يثبت الولاية على ماله، فأثبتها عليه في نكاحه، كالمستدام (٥).

стр. 424

• اعتبار الحاجة، فإن الحاجة لا تنحصر في قضاء الشهوة، فقد تكون حاجته إلى الإيواء والحفظ، وربما كان دواء له، ويرتجى به شفاؤه، فجاز التزويج له، كقضاء الشهوة (١). المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم أخذ الأذن بالزواج من المجنون اتفق فقهاء الحنابلة على أن من زال عقله بالجنون أنه يصح تزويجه بغير إذنه، القائلين بذلك: الحجاوي، البهوتي، ابن تيمية، ابن قدامة، أبو الفرج وغيرهم (٢). سبب الاتفاق: يرجع سبب الاتفاق إلى أمرين: الأمر الأول: الحاجة إلى النكاح بحيث تظهر عليه إمارة الشهوة. الأمر الثاني: أن مرضه دائم لا يرجى برؤه. الأدلة: استدلوا على ذلك من المعقول: أولاً المعقول: • إن احتاج المجنون المطبق البالغ إلى النكاح صح تزويجه (٣). • أن المجنون يثبت الولاية على ماله، فأثبتها عليه في نكاحه، كالمستدام (٤). • اعتبار الحاجة، فأن الحاجة لا تنحصر في قضاء الشهوة، فقد تكون حاجته إلى الإيواء والحفظ، وربما كان دواء له، ويترجى به شفاؤه، فجاز التزويج له، كقضاء الشهوة (٥).

стр. 425

المطلب الثالث: الكلام في البناء نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية. الجامع بين المسألتين: جمع البهوتي ﵀ بين المسألة المبني عليها والمبنية بالعلة المشتركة بينهما، وهي زوال العقل واستدامة الحال بقوله: "فإن دام به صار كالمجنون" (١)، فالعلة في المسألة المبني عليها أمر طارئ وهو المرض الذي استدام ولم يزل عنه وأذهب العقل، وكذلك الجنون في المسألة المبنية ذهب عقله واستدام حاله. من صرح بالبناء من الحنابلة: الذي يظهر لي أن البهوتي لم يتفرد بهذا البناء، وإنما ذكره ابن قدامة بقوله: "ولنا، على التسوية (٢) بين الطارئ والمستدام، أنه معنى يثبت الولاية، فاستوى طارئه ومستدامه، كالرق، ولأنه جنون يثبت الولاية على ماله، فأثبتها عليه في نكاحه، كالمستدام" (٣). صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة: غير الصريحة: - (التسوية) (٤). - كاف التشبيه: (كالمجنون) (٥). منهج البهوتي في البناء: ربط البهوتي ﵀ بين المسائل بكاف التشبيه والتسوية بين الحالات المذكورة في المسائل بجامع العلة المشتركة، وهذا يدل على سعة علمه وفهمه وربط المسائل وترتيب الأحكام المتشابهة وإلحاقها ببعضها ﵀. قول الأصوليين في كاف التشبيه والتسوية: تقدم سابقًا قول الأصوليين في كاف التشبه (٦)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك.
следующие страницы →