← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30152

بناء الفروع على الفروع - من كشاف القناع

حسنة القرني

Полный текст (856 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وتم حذف المسألة المبني عليها: من الفصل الرابع، المبحث الثاني عشر: من حكم الإذن في البكر؛ لأنه مسألة بنيت على أصل، واستبدلتها: بحكم من زالت بكارتها بإصبع أو وثبة أو شدة حيضة وسقوط من شاهق. تم حذف المسألة المبنية الأولى من الفصل الخامس من المبحث الأول: حكم عزل المرأة للوكيل، لأنها ليست بفرع. تم حذف المسألة المبنية الأولى من الفصل العاشر من المبحث الأول: حكم لو عتقت الكبيرة تحت عبد، لأنها ليست بفرع

стр. 37

القسم النظري

стр. 38

التمهيد مفهوم البناء وأنواعه وأهميته وضوابطه ؛ وفيه مبحثان: • المبحث الأول: المراد بالبناء في الأصول والفروع، وأنواعه. • المبحث الثاني: أهمية البناء في مسائل الفقه، وضوابطه.

стр. 39

المبحث الأول المراد بالبناء في الأصول والفروع، وأنواعه، وفيه مطلبان: • المطلب الأول: المراد بالبناء في الأصول والفروع. • المطلب الثاني: أنواع البناء في الأصول والفروع.

стр. 40

المطلب الأول المراد بالبناء في الأصول والفروع، وفيه فرعان: • الفرع الأول: المراد بالبناء والأصول والفروع. • الفرع الثاني: علاقة البناء بالقياس والتخريج.

стр. 41

الفرع الأول: المراد بالبناء والأصول والفروع قبل البدء في ثنايا البحث لا بدَّ من تناول معاني المفردات التي لها الصلة بصلب الموضوع من الناحية اللغوية والاصطلاحية. أولاً: مفهوم البناء لغة واصطلاحًا: مما لا شكَّ فيه أن اللغة العربية ثرية بتنوع معارفها من معاجم وتراكيب لغوية ونحوية، حيث ذكر البناء بعدة معانٍ، فنتطرق في هذا المطلب بتعريف البناء في اللغة بشكل عام. تعريف البناء لغة: البناء مأخوذ من المصدر (بناء) الباء والنون والياء أصل واحد، والبناء: المبني، والجمع أبنية، وجمع الجمع أبنيات، والبناء: نقيض الهدم. وأصل البناء فيما لا ينمى كالحجر والطين ونحوه، ثم أطلق على بناء الخباء (١)، والقبة (٢)، والسفن؛ تشبيهًا لها بالبناء (٣). البِنَاءُ واحد الأَبْنِيَة، وهي البيوت التي تسكنها العرب في الصحراء، فمنها: الطراف (٤)، والخباء، والبناء، والقبة، والمضرب (٥) (٦)، لحديث عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى صلاة الفجر ثم دخل معتكفه، وإذا أراد أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان أمر ببنائه فضرب، فلما صلى الفجر نظر فإذا الأبنية قد ضربت» (٧).

стр. 42

فعرفه ابن فارس (١) بقوله: "هو بناء الشيء بضم بعضه إلى بعض" (٢). وعرفه العكبري (٣) وابن الخباز (٤) بقولهما: "وَالْبناء فِي الأَصْل وضع الشَّيْء على الشَّيْء على وصف يثبت كبناء الْحَائِط، وَمِنْه سُمّي كلّ مُرْتَفع ثَابت بِنَاء كالسَّماء" (٥). إطلاقات البناء اللغوية: (أَبْنِيهِ) يقال: بنيت البناء أبنيه (٦). (الْبَنِيَّة) تسمى الكعبة البنية، وكانت تدعى بنية إبراهيم ﵀، لأنه بناها، وقد كثر قسمهم برب هذه البنية (٧). (بَانِيَةٌ) يقال: قوس بانية، وهي التي بنت على وترها، وذلك أن يكاد وترها ينقطع للصوقه بها (٨).

стр. 43

(بَانَاةٌ) لغة طائية (١)، يقال: ورجل باناة: منحنٍ على وتره عند الرمي؛ فيقال: "غير باناة على وتره" (٢). (البَنَّاءُ) مدبر البنيان وصانعه (٣). (البِنْيَةُ والبُنْيَةُ) والمراد: ما بنيته، وهاتان اللفظتان مأخوذتان من البُنى والبِنى (٤). (المُشَيَّد) يقال: البناء المشيد (٥). (الأصيص) (٦) المراد به: البناء المحكم، وكل بناء محكم فقد رصن رصنًا ورصانة كالرصيص (٧). (وبنى الطعام لحمه يبنيه بناء) أي: أنبته وعظم من الأكل، فيقال: بنى لحم فلان طعامه إذا سمنه وعظمه؛ قال ابن الأثير (٨): كأنه شبهها بالقبة من الأدم (٩)، وهي المبناة، لسمنها وكثرة لحمها (١٠).

стр. 44

(المَبْنَاة) حصير يبسطه التاجر على بيعه، سميت: مبناة؛ لأنها تتخذ من أدم يوصل بعضها إلى بعض (١). (الابْتِنَاء والبِنَاء): الدخول بالزوجة. والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة ليدخل بها فيها، فيقال: بنى الرجل على أهله (٢). (البنيات) أي: الأَقْداحُ (٣) الصِّغارُ (٤). الخلاصة: أن البناء في اللغة له عدة إطلاقات، فيمكن تصنيفها لثلاثة تصنيفات: التصنيف الأول: البناء حقيقة: وهو بناء الشيء بضم بعضه إلى بعض كـ (أَبْنِيهِ)، (الْبَنِيَّةَ)، (المُشَيَّد)، (الرَّصيص والأصيص). التصنيف الثاني: البناء المعنوي: وهو وضع الشَّيْء على الشَّيْء على وصف يثبت له كـ (بَانِيَةٌ)، (بَانَاةٌ)، (البِنْيَةُ والبُنْيَةُ). التصنيف الثالث: البناء المجازي: وهو ما يدل لفظه على البناء لكن لا يدل معناه على البناء كـ (البَنَّاءُ)، (وبَنَى الطعامُ لَحْمَه يَبْنِيه بِنَاءً)، (المَبْنَاة)، (الابْتِنَاء والبِنَاء)، (البنيات). تعريف البناء اصطلاحًا: بعد النظر في التعريفات الاصطلاحية وجدت أنها تستعمل في عدة علوم، منها: البناء في القرآن والحديث و النحو، والفقه وأصوله، وقد وردت كلمة البناء في تلك العلوم بلفظ خاص، وسوف أتطرق لذلك فيما يأتي: البناء في القرآن الكريم:

стр. 45

وقد وردت كلمة البناء في القرآن الكريم بعدة سياقات (١)، وفيما يأتي بعض المصطلحات في القرآن الكريم عن البناء، وهي كالآتي: ١. بِنَاء: في قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [سورة البقرة: ٢٢]. المراد بالبناء كما فسره الزجاج (٢): "كل ما علا على الأرض فاسمه بناءٌ، أي: سقفًا مَرْفُوعًا" (٣). ٢. مَشِيد: ٍ في قوله تعالى: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [سورة الحج: ٤٥]. المراد بالمشيد: هو البنيان المرفوع الْمَبْنِيّ بالشيد، والشيد هُوَ الجص (٤). ٣. بُنْيَان: في قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ [سورة الكهف: ٢١]. المراد بالبنيان: أي ابنوا عليهم مسجدًا، وقيل ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا يَسْتُرُهُمْ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ (٥). ٤. جِدَار: قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [سورة الكهف: ٧٧]. المراد بالجدار: "أي جِدَارًا مَائِلاً مُشْرِفًا على الانْهِدامِ يكادُ يسقطُ بسرعةٍ" (٦). ٥. مَرْصُوصٌ: قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [سورة الصف: ٤].

стр. 46

المراد بالمرصوص: كأنهم في اصطفافهم هنالك حيطان مبنية قد رصّت، فأحكمت وأتقنت، أي مُلتَزِقٌ بعضهُا إلى بعضٍ، كالبناءِ المرصوصِ، ليس فيه فرجةٌ ولا خلل، فلا يغادر منه شيئًا (١). ٦. بَنَّاء: قوله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [سورة ص: ٣٧]. المراد (بَنَّاء): أي وسخرنا له الشياطين يبنون له الأبنية الرفيعة التي تعجز عنها الإنس (٢). الخلاصة: أن البناء في القرآن يحوي ما حوت عليه إطلاقات اللغة العربية، إذ إن القرآن الكريم أتى بلغة العرب حتى تفهم معاني القرآن، ويسهل تدبرها والتمعن فيها. وإنَّ الأبنية المتماثلة بين ألفاظ القرآن الكريم مع التَّنوُّع في التَّعريف والتَّنكير، وما ينطوي تحتها من جزئيات تُعد وجهًا من وجوه إعجاز هذا الكتاب المبارك، ولونًا من ألوان بلاغته وفصاحته (٣).

стр. 47

البناء في الأحاديث والآثار: وقد وردت كلمة البناء في الأحاديث النبوية وآثار الصحابة بعدة سياقات (١)، نذكر فيما يأتي بعض المصطلحات التي تدل على البناء، وهي كالآتي: ١. البِنَاء: عن عائشة، قالت: «قلنا: يا رسول الله، ألا نبني لك بناء يظلك بمنى (٢)؟ قال: لا، منى مناخ من سبق» (٣). معنى قوله: «أَلَا نَبْنِي لَكَ بِنَاءً يُظِلُّكَ بِمِنًى؟ قَالَ ﵀: لَا»، المراد: "أفتأذَنُ أن نبنيَ لك بيتًا في منى؛ ليكون ذلك أبدًا تسكن فيه، فقال ﵀: لا؛ لأن مِنًى ليس مختصًّا بأحد، وإنما هو موضعُ العبادة من الرمي وذبحِ الهَدْيِ (٤) والحَلْق وغيرها من العبادات" (٥).

стр. 48

٢. الرص: عن أنس بن مالكٍ أنّ النّبيَّ ﷺ قال: «رُصُّوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق (١)، فوالَّذي نفس محمّدٍ بيده إنّي لأرى الشّيطان يدخل من خَلَلِ الصَّفِّ كأنَّها الْحَذَفُ» (٢) (٣). معنى قوله: (رُصُّوا صُفُوفَكُمْ) فالمراد: ضُمُّوا مناكِبَكُم (٤) بعضها إلى بعض (٥). ٣. يَبْنِيَ بِهَا: عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «غزا نبي من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع (٦) امرأة، وهو يريد أن يبني بها، ولم يبن بها» (٧) (٨). معنى قوله: (أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمْ يَبْنِ بِهَا) والبناء بالمرأة: الدخول بها، وأصل ذلك أنهم كانوا يبنون بناء لمن أراد أن يدخل بزوجته ملك عقدة نكاحها، ويطلق أيضًا على الجماع وعلى الفرج، و (يبتنى بها) أي يدخل عليها ويزف بها (٩).

стр. 49

٤. الْبَنِيَّة: عن مالك؛ أنه بلغه أنه كتب إلى عمر بن الخطاب من العراق (١): «أن رجلاً قال لامرأته: حبلك على غاربك، فكتب عمر بن الخطاب إلى عامله: أن مره أن يُوَافِينِي بمكة (٢) في الموسم، فبينما عمر يطوف بالبيت، إذ لقيه الرجل فسلم عليه، فقال له عمر: من أنت؟ فقال الرجل: أنا الذي أمرت أن أجلب عليك، فقال له عمر: أسألك بِرَبِّ هَذِهِ الْبِنْيَةِ ما أردت بقولك: حبلك على غاربك؟ فقال له الرجل: لو استحلفتني في غير هذا المكان ما صدقتك، أردت بذلك الفراق، فقال عمر بن الخطاب: هو ما أردت» (٣). معنى قوله: (بِرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ) البينة "وهو اسم واقع على كل مبتنى، لكنه خص البيت بالإشارة إليه، كما قال: ورب هذا البناء، وروي: برب هذه البنية، على مثل فعيلة. قال ابن السكيت (٤): البنية الكعبة، يقال: لا ورب هذه البنية، ما كان كذا وكذا" (٥).

стр. 50

٥. مُشَيَّد: قال رسول الله ﷺ : «ما دخلت الجنة إلا سمعت خشخشة، فقلت: من هذا؟ فقالوا: بلال، ثم مررت بقصر مشيد بديع، فقلت: لمن هذا؟ قالوا: لرجل من أمة محمد ﷺ ، فقلت: أنا محمد، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من العرب، فقلت: أنا عربي، لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب ﵁، فقال لبلال: بم سبقتني إلى الجنة؟ قال: ما أحدثت إلا توضأت، وما توضأت إلا صليت. وقال لعمر بن الخطاب ﵁: لولا غيرتك لدخلت القصر، فقال: يا رسول الله، لم أكن لأغار عليك» (١). معنى قوله: (بِقَصْرٍ مُشَيَّدٍ بَدِيعٍ) قد رودت عدت روايات لهذا الحديث تبين وصف هذا القصر في الجنة [قصر مربع مشرف من ذهب (٢) [وفي رواية: من ذهب مرتفع مشرف (٣)، وهو البناء المرفوع المبني بالذهب. ٦. بنيان: عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: «إن المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا. وشبك أصابعه» (٤).

стр. 51

معنى قوله: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ) تمثيل تعاضد المؤمنين وتناصرهم، فشبه ﵀ شد المؤمنين بعضهم بعضًا بالبنيان، كان ذلك تشبيهًا بالقول (١). ٧. الأُطُم (٢): حدّثني أسامة (٣) أنّ نافعًا (٤) حدّثه أنّ أبا لبابة (٥) مرّ بابْن عمر ﵁ وهو عنْد الْأطم الّذي عنْد دار عمر بن الخطّاب ﵁ يرْصد حيّةً - بنحْو حديث اللّيْث بْن سعْدٍ (٦) (٧). معنى قوله: (عِنْدَ الْأُطُمِ) " بضم الهمزة وهو عند القصر والعمارة، وجمعه: آطام، وهو بناء مرفوع من الحجارة كالقصر، وآطام المدينة: حصونها، وكذلك آجامها، واحدها: أجم (٨). الخلاصة: مما لا شك في أن البناء كان محل اهتمام المحدثين، حيث أفردوا لذلك أبوابًا خاصة في كتبهم، ومنهم الإمام البخاري (٩) ﵀: حيث أفرد بابًا عن البناء في صحيحه، وسماه باب ما جاء في البناء،

стр. 52

وأبو داود (١) ﵀: فقد أفرد بابًا في سننه سماه: باب في البناء من كتاب الأدب، وأما ابن ماجه (٢) ﵀: فقد أفرد بابًا من سننه سماه: باب في البناء والخراب من كتاب الزهد، ومما يلحظ من المعاني السابقة أن إطلاقات البناء في الحديث النبوي تكون صريحة أو بلفظ التشبيه بالبناء.

стр. 53

البناء في اصطلاح النحاة: اختلف النحاة في تعريف البناء اصطلاحًا، هل هو لفظيٌّ أو معنويٌّ؟ إلى قولين: القول الأول: أن الاختلاف لفظيٌّ، وليس معنويًّا، فعرفوه بقولهم: ما جيء به لا لبيان مقتضى العامل من شبه الإعراب، وليس حكاية أو اتباعًا أو نقلاً أو تخلصًا من ساكنين (١). القول الثاني: أن الاختلاف (معنويٌّ وليس لفظيًا) عرفوه بقولهم: هو لزوم آخر الكلمة حالة واحدة، مع اختلاف العوامل فيها (٢). الخلاصة: كما أوضحت باختصار، أن اختلاف النحاة كان ناتجًا عن اختلافهم لتعريف البناء اصطلاحًا، فمن قال: هو لفظيٌّ، أي نفس الحركات والسكون وما ينوب عنهما، قال: إنه لفظيٌّ، ومن كان عنده معنويًّا فيكون التغير في أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليه سواء كان لفظًا أو تقديرًا (٣).

стр. 54

البناء في اصطلاح الفقهاء: مما لا شك فيه أن البناء عند الفقهاء له معانٍ وصيغ تعرف من خلالها معاني البناء، وهي كالآتي: ١. (البناء بمعنى الاحتجاج للحكم) من خلال مستند الحكم على أصول المذهب، ومنها ما يأتي: - بناء على قوله في المرأة إذا قالت لزوجها: أنت عليَّ كظهر أبي. لا يلزمها شيء. وإن قال لأمته: أنت عليَّ حرام. فعليه كفارة يمين؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قولِه تعالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (١). ٢. (البناء بمعنى التخريج والتفريع) ويكون التخريج على مسألة فقهية مشابهة في الحكم أو على قاعدة فقهية، ومنها ما يأتي: -التخريج على مسألة مشابهة: قال الشيخ أيضًا: (ينعقد) النكاح (بما عده الناس نكاحًا بأي لغة ولفظ كان، وأن مثله) أي: النكاح (كل عقد) فينعقد البيع بما عده الناس بيعًا بأي لغة ولفظ كان، والإجارة بما عهده الناس إجارةً بأي لغة ولفظ كان، وهكذا (٢). أن النكاح ينعقد بأي لغة ولفظ يدل على النكاح، فكذلك البيع والإجارة ينعقد بما عدّه الناس بيعًا أو إجارة (٣). - مسألة بنيت على قاعدة فقهية: قاعدة: (من استعجل شيء قبل أوانه عوقب بحرمانه) (٤). المسألة المبينة: (وإذا قتل رجل رجلاً ليتزوج امرأته لم تحل له أبدًا - قاله الشيخ- عقوبة له) بنقيض قصده المحرم كحرمان القاتل الميراث (وقال) الشيخ (في رجل خبب (٥) أي خدع زوجها حتى طلقها

стр. 55

(يعاقب عقوبة بليغة) لارتكابه تلك المعصية (ونكاحه باطل في أحد قولي العلماء في مذهب مالك وأحمد وغيرهما، ويجب التفريق بينهما) عقوبة له، كمنع القاتل الميراث (١). ٣. (البناء بمعنى التفريع على أمهات المسائل) ويكون التفريع من فرع أو فرعين أو فروع عدة، كالآتي: - فرع: حكم أجزاء الآدمي وأبعاضه حكم جملته، سواء انفصلت في حياته أو بعد موته (٢) -فرع: أذن له سيده في التزويج بأمة فتزوجها، ثم أعتق العبد، فهما على نكاحهما في المشهور، ويحتمل أن يفسخ نكاحهما بناء على الرواية إذا استغنى عن نكاح أمة بحرة (٣). -فرع: ما يدل على فرع ما بيَّنه الدكتور عبد الكريم في شرح الورقات، حيث قال: فرع واحد وهو الولد المخالف لونه للون أبيه، يلحق بذلك البعير الذي خالف لونه ألوان الإبل الأخرى للعلة الجامعة، فمراده كون هذه المخالفة مشابهة لتلك المخالفة (٤). -فرعين: ما يدل على فرعين ما بيَّنه الحطاب (٥) ﵀ في مواهب الجليل (٦)، حيث قال: "وفرع عليهما في الجواهر فرعين: الأول: من قال لأربع نسوة له حوامل: من وضعت

стр. 56

منكن فصواحبها طوالق، قال: فعلى المشهور أعني قول ابن القاسم (١) ﵀ يلزمه الثلاث في كل واحدة، وعلى الشاذ يلزمه في الأولى ثلاث، وكذا الرابعة .. " (٢). - (عدة فروع) ما يدل على البناء بعدة فروع ما بينه السيوطي (٣) ﵀ في الأشباه والنظائر: البائن الحامل لها نفقة بنص القرآن، وهل هي للحمل لأنها تجب بوجوده، وتسقط بعدمه، أو لها بسببه; لأنها تجب على الموسر وغيره؟ قولان. أصحهما الثاني: ويتخرج على القولين اثنان وثلاثون فرعًا … (٤). - ينبني على هذا الخلاف مسائل جمة (٥). - وما يفرع من المسائل فهو على مساق ما ذكرناه (٦). - ولو استقصينا فروع هذه المسألة على سبيل البسط لطال، وخرج إلى الإملال (٧). - وقد بقيت فروع كثيرة، وفيما ذكرنا ما يستدل به على غيره (٨). ٤. (البناء بمعنى الاعتداد بما مضى من الأفعال والإتمام عليه) (٩)، ومثال ذلك: - مسألة: "إن راجعها في العدة ثم طلقها قبل أن يمسها، تبني على ما مضى أم تستأنف؟

стр. 57

قال إسحاق بن منصور ﵀: قلت: إذا طلَّق الرجل امرأته وله عليها رجعةٌ فاعتدت بعض عدتها، ثم ارتجعها، ثم فارقها قبل أن يمسها أنها لا تبني على ما مضى من عدتها؟ قال أحمد ﵀: كذلك أقول، تستأنف، قال إسحاق ﵀ كما قال (١). - مسألة: "إن فرق بينهما ثم أسلم وهي في العدة هي امرأته أو يستأنف النكاح؟ قال أحمد ﵀: ليستأنف" (٢). - مسألة: امرأة أمرت رجلاً فزوج ابنتها من رجل. قال أحمد ﵀: يستأنف النكاح، قلت (٣): إنها بنت خمس سنين، قال: لا يعجبني ذلك النكاح ولا يزوج الصغيرة إلا أبوها، فإذا زوجها أبوها فالنكاح جائز عليها، ولا يزوجها غير الأب حتى تبلغ تسع سنين، وتستأمر في نفسها، فإذا أذنت زوجها عصبتها أخوها عمها ابن عمها، فإن لم يكن لها عصبة فالقاضي (٤). الخلاصة: من خلال تعريف معاني البناء عند الفقهاء تبين أن البناء له أنواع، ولا يقتصر على صيغة واحدة، إما أن يكون البناء مبناه على الاحتجاج للحكم بأصول المذهب (٥)، أو تخريج المسألة على مسألة أخرى لها نفس الحكم أو قاعدة فقهية، أو البناء والتفريع على أمهات المسائل الفقهية، ويأتي البناء كذلك بمعنى الاعتداد بما مضى من الأفعال والإتمام عليه، فيمكن القول: إن البناء عام في الغالب عند الفقهاء، ومستندي في ذلك عدم اقتصار الفقهاء بالبناء في باب دون باب بل يلحقون المسائل ببعضها، وستضح ذلك من خلال الدراسة بمشيئة الله في القسم التطبيقي من هذا البحث.

стр. 58

البناء في أصول الفقه: وبعد النظر في كتب أصول الفقه لم أقف على تعريف خاص بالبناء، ولكن هناك إطلاقات توحي بالبناء عند الأصوليون، منها: ١. (بناء العام على الخاص) وعكسه كذلك (١)، "والمراد بالبناء: تخصيصه وتفسيره له، إذا وجد نصان: أحدهما عام، والآخر خاص، وهما متنافيان في النفي والإثبات، فإما أن يكونا من الكتاب، أو أحدهما منه، والآخر من السنة إما متواترًا وغيره، وإما أن يكونا من السنة؛ إما متواترين أو غير متواترين، أو أحدهما متواتر والآخر غير متواتر. - مثاله: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «فيما سَقَت السَّمَاءُ الْعُشْرُ (٢) (٣). وما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس فيما دون خمسة أَوْسُقٍ (٤) صدقة» (٥). وهذان الحديثان اختلف فيهما الفقهاء، فالحنفية (٦) يوجبون الزكاة في الخارج من الأرض في القليل والكثير، ولا يشترطون النصاب، بناءً على العموم الوارد في الحديث الأول: «فِيمَا سَقَت السَّمَاءُ الْعُشْرُ»، بينما الجمهور (٧) يرون تخصيص العموم لحديث: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» بأن الزكاة واجبة في كل ما يكال ويدخر إذا بلغ خمسة أوسق (٨). ٢. البناء بمعنى التخريج باستخدام لفظ (يتخرج على):

стр. 59

مما يلحظ أن الأصوليين عندما يستخدمون لفظ (يتخرج على) يربطونه مباشرة بما تم التخريج عليه، فتكون عباراتهم كالآتي: • (يتخرج على قاعدة). • (يتخرج على الخلاف). • (يتخرج على أقسام المسألة). • (يتخرج على المذهبين). • (يتخرج على قول). • (يتخرج على قولين). • (يتخرج على الوجهين). • (يتخرج على الروايتين). • (يتخرج على نظيره). • (يتخرج على قول فلان). • (يتخرج على مذهب فلان). • (يتخرج على ما في فتاوى فلان). فيمكن أن نورد بعض الأمثلة التي تدل على ذلك، ومنها ما يأتي: • ما ذكره القرافي (١) ﵀ في صحة العبادة: "الصحة وهي عند المتكلمين ما وافق الأمر، وعند الفقهاء ما أسقط القضاء، والبطلان يتخرج على المذهبين، فصلاة من ظن الطهارة وهو محدث صحيحه عند المتكلمين، لأن الله تعالى أمره أن يصلي صلاة يغلب ظنه طهارته، وقد فعل فهو موافق للأمر، وباطلة عند الفقهاء لكونها لم تمنع من ترتيب القضاء" (٢). ٣. البناء بمعنى الضم حيث يضم بعضه إلى بعض باستخدام لفظ (يبتني على).

стр. 60

• "مسألة إيجاب الحد على المرأة إذا نكلت عن اللعان فهو يبتنى على أن اللعان حجة شرعية لتحقيق الزنا على المرأة، ولعانها حجة شرعية لدفع الحد عنها، وكذلك الأيمان في القسامة حجة شرعية على تحقيق القتل على المدعى عليه، نعم يجوز أن يقال: إن هذه الحجة لا تشبه سائر الحجج" (١). • "وكذلك الإقرار حجة قاصرة على المقر، ولا يتعدى إلى غيره، لأن كونه حجة يبتني على زعمه، وزعمه ليس حجة على غيره، ولهذا لا يظهر في حق الولد والثمرة بخلاف البينة، فإنها حجة في حق الكل" (٢). • وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٣): "ونقل حنبل: بخرصها رطبًا ويعطى تمرًا، وهذا يحتمل الأول، ويحتمل أن يشتريها بتمر مثل الرطب الذي عليها؛ قال القاضي: والأول أصح، لأنه يبتني على خرص الثمار في العشر" (٤). الخلاصة: يمكن القول: إن الأصوليين لا يختلفون عن الفقهاء في اطلاقات البناء، إلا ما كان مختصًا بدلالة الألفاظ كما بينَّا في بناء العام على الخاص وعكسه، وإلا فالمعاني مشتركة فيهما كالتخريج وما يبتني عليه المسائل، إلا أن الملاحظ أن الأصوليين أدق في عبارات التخريج وربطها بما تم التخريج عليه، وما يبتني عليه المسائل، وسوف يتضح في ثنايا البحث (٥).

стр. 61

ثانيًا: مفهوم الأصول لغة واصطلاحًا: الأصول لغة: الأصول جمع أصل، وقيل جمع آصال (١). وعرفه ابن فارس: " الهمزة والصاد واللام، ثلاثة أصول متباعد بعضها من بعض، أحدها: أساس الشيء، والثاني: الحية، والثالث: ما كان من النهار بعد العشي" (٢). ويطلق الأصل عند أهل اللغة على معاني كثيرة، من أهمها: ١. (أصل الشيء بمعنى أساسه) فتقول العرب: "لا أصل له، ولا فصل له": إن الأصل الحسب، والفصل اللسان، فأصل الشَّيْء مَا كَانَ عَلَيْهِ معتمده، وَحَقِيقَة أصل الشَّيْء مَا بُدئ مِنْهُ، فيُقَال: إِن أصل الْإِنْسَان التُّرَاب، وأصل هَذَا الْحَائِط حجر وَاحِد؛ لِأَنَّهُ بُدئ فِي بُنْيَانه بِالْحجرِ والآجر (٣). ٢. (أصل الشيء بمعنى أسفله) فيقال: اسْتَأْصَلَ اللَّه بَنِي فُلَانٍ إِذا لَمْ يَدَعْ لَهُمْ أَصْلاً. واسْتَأْصَلَهُ أَي قَلَعه مِنْ أَصله. وَفِي حَدِيثِ الأُضحية: أَنه نَهَى عَنِ المُسْتَأْصَلَة؛ هِيَ الَّتِي أُخِذ قَرْنُها مِنْ أَصله (٤). ٣. (أصل الشيء بمعنى نشوئه) فيقال الأساس الَّذِي يقوم عَلَيْهِ، ومنشؤه الَّذِي ينْبت مِنْهُ (٥)، فيقال: أصل النخلة النواة؛ لأن النخلة إنما تنشأ من النواة. وكذلك أصل الإنسان النطفة؛ لأن الإنسان أصل نشأته النطفة (٦). ٤. (الأصل من معنى الوصل) فقد بين ذلك الطوفي (٧) من حيث اشْتِقَاقُهُ اللُّغَوِيُّ، فقال: إنه من الوصل ضد القطع، وإن همزته منقلبة عن واو، لما في الأصل من معنى الوصل، وهو اتصال فروعه، كاتصال الغصن بالشجرة حسًّا، والولد بوالده نسبًا وحكمًا، والحكم الشرعي بدليله عقلاً (٨).

стр. 62

الخلاصة: أن الأصل بمعناه اللغوي يكون بعدة ألفاظ تدل كلها على معاني متقاربة، وذلك بأن الأصل هو أساس الشيء ومنشؤه أو أسفل الشيء أو بمعنى الوصل، والناظر لكل هذا المعاني يجد أنها اشتقاقات لمعنى الأصل حقيقة.

стр. 63

معاني الأصل في القرآن: (الأصل) في قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [سورة الصافات: ٦٤]. أي: إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، منبتها في قعر النار، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها (١). - وقوله تعالى: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة إبراهيم: ٢٤]. أي: ضارب بعروقه في باطن الأرض، فصارت بذلك راسخة الأركان ثابتة البنيان، وأَصْلُ الشيء: قاعدته التي لو توهّمت مرتفعة لارتفع بارتفاعه سائره لذلك (٢). (الآصال) في قوله تعالى: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [سورة الأعراف: ٢٠٥]. يراد (بالغدو والآصال) أي: بالبُكَر والعشِيَّات (٣). - وقوله تعالى: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [سورة النور: ٣٦] تدل أمر الله بذكره، ونهى عن الغفلة. أما "بالغدو": فصلاة الصبح = "والآصال": بالعشي (٤). (النشئة) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [سورة المؤمنون: ١٤]. أي: إنه خرج من بطن أمه بعد ما خلق، فكان من بدء خلقه الآخر أن استهل (٥). معاني الأصل في الحديث: (أصول): أفتاني جبير بن نفير (٦)، عن الغسل من الجنابة، أن ثوبان (٧) حدثهم أنهم استفتوا النبي ﷺ عن ذلك فقال: «أما الرجل فلينثر رأسه، فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها ألا

стр. 64

تنقضه، لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفيها. أما الرجل فلينشر رأسه فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر. وأما المرأة فلا عليها ألا تنقضه، لتغرف على رأسها ثلاث غرفات تكفيها» (١). (أساس) عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس إبراهيم، فإن قريشًا حين بنت البيت استقصرت، ولجعلت لها خلفًا» (٢). (الوصل) عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «من وصل صفًّا وصله الله، ومن قطع صفًّا قطعه الله» (٣). (النشأة) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه … » (٤) والمعنى: نشأ متلبسًا للعبادة، أو مصاحبًا لها، أو ملتصقًا بها. ونشأ: نبت وابتدأ أي: لم يكن له صبوة (٥) (الإنبات) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بين النفختين أربعون. قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يومًا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل. قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظمًا واحدًا وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة» (٦).

стр. 65

الخلاصة: يظهر من المعاني السابقة في الكتاب والسنة وأهل اللغة لمعنى الأصل معاني متشابهة وأخرى مغايرة بحسب سياق الكلام.

стр. 66

المعنى اللغوي لكلمة (أصل) عند الأصوليين: وبعد النظر في كتب الأصوليين وجدت أن تعريف الأصل في اللغة مغاير لما ذكره أهل اللغة في تعاريفهم، وهي كالآتي: ١. الأصل هو: ما يبتني عليه غيره (١)، وقال أبو الحسين البصري (٢) ﵀: "فَأَما قَوْلنَا أصُول فَإِنَّهُ يُفِيد فِي اللُّغَة مَا يبتني عَلَيْهِ غَيره وَيتَفَرَّع عَلَيْهِ" (٣). ٢. الأصل هو: ما منه الشيء (٤)، وقال القرافي ﵀: "فأصل الشيء ما منه الشيء لغة" (٥). ٣. الأصل هو: المحتاج إليه (٦). ٤. الأصل هو: ما يستند ذلك الشيء إليه، وهو ما ذهب إليه الآمدي (٧) ﵀ (٨). ٥. الأصل هو: أصل الشيء ما تعلق به وعرف منه، وهو قول أبي يعلى (٩) ﵀ (١٠).

стр. 67

٦. الأصل هو: ما يتفرع عنه غيره، وهو قول الآمدي ﵀ (١)، حيث قال: يطلق الأصل على ما يتفرع عليه غيره، وعلى ما يعرف بنفسه، وإن لم يبن عليه غيره (٢). المعنى الاصطلاحي للأصل عند الأصوليين: المعنى الاصطلاحي عند الأصوليين يكون بعدة إطلاقات، حيث بين ذلك الزركشي (٣)، وهي: • الإطلاق الأول: الدليل من الكتاب والسنة، ومثال ذلك دليل وجوب الصلاة والزكاة قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [سورة البقرة: ٤٣]. • الإطلاق الثاني: الرجحان، كقولهم: "الأصل في الكلام الحقيقة"، أي: الراجح عند السامع هو المعنى الحقيقي، دون المعنى المجازي. • الإطلاق الثالث: الصورة المقيس عليها، كقولهم: الحنطة أصل يقاس عليه الأرز في تحريم (٤). • الإطلاق الرابع: القاعدة المستمرة، ومثال ذلك قولهم: "تحمل العاقلة للدية خلاف الأصل"، و"الأصل أن النص مقدم على الظاهر"، و"الأصل: أن العموم يعمل بعمومه حتى يرد ما يخصصه" (٥). • الإطلاق الخامس: التعبد، كقولهم إيجاب الطهارة بخروج الخارج على خلاف الأصل (٦). • الإطلاق السادس: الغالب في الشرع (٧).

стр. 68

• الإطلاق السابع: استمرار الحكم السابق، كقولهم: الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يوجد المزيل له (١). • الإطلاق الثامن: المخرج، كقول الفرضيين: أصل المسألة من كذا (٢). والمتأمل لكتب الأصول يجد هناك اختلافًا في تعريف الأصول اصطلاحًا وبعبارات متباينة، ومنها عدة تعريفات: فقد عرفه أبو النجار (٣) ﵀، فقال: "الأَصْلُ اصْطِلاحًا: مَا لَهُ فَرْعٌ؛ لأَنَّ الْفَرْعَ لا يَنْشَأُ إلاَّ عَنْ أَصْلٍ" (٤). وعرفه أبو يعلى ﵀ فقال: فأما الأصل فهو: ما ثبت حكمه بنفسه، ومعناه: أنه ثبت حكمه بلفظ تناوله باسمه (٥). وقيل الأصل: ما ثبت به حكم غيره، وقال أبو يعلى ﵀: وهذا صحيح على أصلنا، ولهذا نقول: إن العلة يجب أن تتعدى إلى فرع (٦). وعرفه الطوفي ﵀ بتعريف مركب، حيث قال: هو " العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية" (٧). الخلاصة:

стр. 69

أن المتأمل للتعريف اللغوي والاصطلاحي عند الأصوليين، يجد هناك مغايرة في الإطلاقات التي أطلقها أهل اللغة، ويمكن إرجاع ذلك إلى كيفية تعامل أهل اللغة والأصوليين لمعنى كلمة أصل، فيلحظ أن أهل اللغة يهتمون بأصل الكلمة واشتقاقاتها وتعدد معانيها بشكل عام، بينما الأصوليون يهتمون بفهم معنى الأصول التي يستند إليها الحكم، فالمعاني التي ذكرها الأصوليون دقيقة جدًّا (١). ثالثًا: مفهوم الفروع لغة واصطلاحًا: الفروع جمع فرع، ولها في اللغة عدة معانٍ: الفرع بمعنى: العلو والارتفاع، "الفاء والراء والعين أصل صحيح يدل على العلو والارتفاع" (٢)، ويقال: "فَرعُ كُلِّ شيءٍ: أَعلاه، والجمع فُرُوعٌ لا يُكَسَّر على غير ذلك" (٣). فيقال: الفَرْعةُ رأْسُ الجبل وأَعْلاه خاصّة وجمعها فِراعٌ. ويقال: فارِعةً من الغَنائِمِ، أَي: مُرْتَفِعة صاعِدة من أَصلها قبل أَن تُخَمَّسَ. ويقال: كَتِفٌ مُفْرِعةٌ عالية مُشْرِفة عريضة، ورجل مُفْرِعُ الكتِف، أَي: عَرِيضُها، وقيل: مرتفعها، وكل عالٍ طويلٍ مُفْرِعٌ (٤). الفرع بمعنى الكثرة، فيقال: تَفَرَّعَتْ أغصان الشجرة إذا كثرت (٥). ويقال: وَقد فَرِعَ فَرَعًا: إِذا كَثُرَ شَعرُه، وَهُوَ ضِدُّ صَلِعَ (٦). و يقال: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَثِيرَةُ الشَّعْبِ وَالِانْشِعَابِ، أَيْ: التَّفَارِيعِ. وَشَعَبْتُ الشَّيْءَ شَعْبًا (٧). الفرع بمعنى التفريع والتفريق: فرَّع بَين الْقَوْم أو فرّق بين القوم وكلاهما بِمَعْنى وَاحِد (٨). يُقَال: فرَّعَ من هَذَا الأَصلِ مسائلَ، أَي: جعلَها فروعَهُ (٩)

стр. 70

الفرع بمعنى: ما ينبت حول الأصل ويكون بصفته. فيقال: الفرع ينبت حوله الغصن. ويقال: بنو هاشم ولدهم أشرف. ويقال: فروع الدوحة ظلها أورف (١). الفروع في القرآن الكريم: ١. الفروع ويقصد به العلو والارتفاع: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤)﴾ [سورة إبراهيم: ٢٤]. شبه نفس القرآن بالشجرة المباركة لثبات أصلها، وتشعب فروعها، وهو أعلاها في "السماء"، يقول: مرتفع علُوًّا نحوَ السماء (٢). ٢. قوله تعالى: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠)﴾ [سورة القمر: ٢٠] وواحد الأعجاز عجز، مثل عضد وأعضاد، وإنما قال: "أعجاز نخل" وهي أصولها التي قطعت فروعها؛ لأن الريح كانت تبين رؤوسهم من أجسادهم، فتبقي أجسادهم بلا رؤوس (٣). ٣. الفروع ويقصد به التفريع والمنازل: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [سورة الرعد: ٢٩]. "طُوبَى" شجرة في الجنة، ليس منها دار إلا وفيها غصن منها، ولا طير حسن إلا هو فيها، ولا ثمرة إلا هي منها، وقد قيل: إن أصلها في قصر النبي ﷺ في الجنة، ثم تنقسم فروعها على منازل أهل الجنة، كما انتشر منه العلم والإيمان على جميع أهل الدنيا (٤).

стр. 71

الفروع في الحديث والأثر: ١. الفرع أول ما ينتج من أصله، فعَنْ أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لا فرع، ولا عتيرة» (١)، الفرع: أول النتاج (٢)، كانوا يذبحونه لطواغيتهم، و «العتيرة: في رجب» (٣). ٢. الفرع يقصد به أعلى الشيء، فعن مالك بن الحويرث (٤)، قال: «رأيت النبي ﷺ رفع يديه حتى يحاذي بهما فروع أذنيه». (٥) ٣. وعن عائشة ﵂، قالت: «خرجت سودة، بعدما ضرب عليها الحجاب، لتقضي حاجتها. وكانت امرأة جسيمة، تفرع النساء (٦) جسمًا، لا تخفى على من يعرفها» (٧). ٤. الفرع ويقصد به التفريع والتفريق، فعن أبي الطفيل (٨)، قال: «كنت عند ابن عباس (٩) يومًا، فجاءه بنو أبي لهب يختصمون في شيء بينهم، فقام يصلح بينهم (١٠)، فدفعه بعضهم، فوقع على الفراش» (١١).

стр. 72

الخلاصة: فالمتفحص للمعاني السابقة للفرع يجد تماثلاً في المعاني الواردة في القرآن الكريم، والسنة النبوية، وأهل اللغة.

стр. 73

الفروع عند الفقهاء والأصوليين: والمتأمل لتعريف الفرع عند الفقهاء والأصوليين يجد هنا تعاريف متعددة ذات معانٍ متقاربة، منها ما يأتي: الفرع هو: مَا يثبت حكمه بِغَيْرِهِ (١). الفرع هو: ما يبنى على غيره (٢). الفرع هو: ما استند في وجوده إلى غيره (٣). الفرع هو: الحكم المتفرع على القياس (٤). الفروع هي: المسائل التي استنبطها المجتهدون (٥). الفروع هي: المسائل الاجتهادية من الفقه (٦). الفروع هي: الأحكام الشرعية المتعلقة بأحكام المكلفين (٧). الخلاصة: فمن يعمل النظر في التعاريف السابقة يرى أنها تصبُّ في معنى واحد، وهو أن الفرع لا يكون مستقلاً بذاته، وإنما يحتاج لمستند يستند إليه المجتهد في تقرير الحكم، إما أن يكون حكم الفرع مثل حكم فرع مثله، أو استنباط حكم الفرع من مسألة مشابهة له في العلة (٨).

стр. 74

الفرع الثاني: علاقة البناء بالقياس والتخريج. وقبل الشروع في بيان علاقة البناء بالقياس والتخريج، لا بدَّ من معرفة معناهما، وطريقة كلٍّ منهما، لبيان العلاقة بشكل مقنن ومحكم. وقد تم في الفرع الأول بيان المعنى اللغوي والاصطلاحي للبناء (١). تعريف القياس لغة واصطلاحًا: وبعد النظر في كتب أهل اللغة والأصوليين وجدت تعريفات لغوية لمعنى القياس في كل علم، فنشرع في إيرادها وتوضيح التباين بينهما ما أمكن ذلك: أولاً: المعنى اللغوي للقياس عند أهل اللغة: يمكن تقسيم المعنى اللغوي للقياس عند أهل اللغة إلى معنيين، هما: •القياس بمعنى التقدير: حيث عرفه ابن فارس فقال: والقياس: تقدير الشيء (بالشيء) (٢). فيقال: "قاسَ الشيءَ يَقِيسُه قِياسًا وقَيْسًا، أَي: قَدرَه. والمقياس: المِقدَار" (٣). ويقال: "قست الشيء بغيره وعلى غيره، أقيسُهُ قَيْسًا وقِياسًا فانْقاسَ، إذا قدَّرتَه على مثاله" (٤). ويقال: قاسَ الطبيبُ قَعْرَ الجِراحَة قَيْسًا، أي: مقدار عمق الجرح (٥). •القياس بمعنى التشبيه: فيقتاس الشيء بغيره، أي: يقيسه به، فيقال: يَقْتاس بأَبيه اقْتِياسًا أَي: يسْلك سَبِيلَهُ ويَقتدي بِهِ (٦).

стр. 75

ثانيًا: القياس في القرآن: قال ابن القيم (١): والأقْيِسَةُ المستعملة في الاستدلال ثلاثة: قياس علة (٢)، وقياس دَلالَة (٣)، وقياس شَبه (٤)، وقد وردت كلها في القرآن (٥). •القياس بمعنى الاعتبار: قال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [سورة الحشر: ٢]. والاعتبار بمعنى الانتقال من الشيء إلى غيره، والقياس فيه انتقال بالحكم من الأصل إلى الفرع، فيكون مأمورًا به (٦). •القياس بمعنى إلحاق حكم الأصل للفرع بعلة مشتركة: وقوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩)﴾ [سورة يونس: ٣٩]. فأخبر الله أن (مَنْ قَبْلَ) المُكذِّبين أصلٌ يُعْتبر به، والفرع نفوسهم، فإذا ساووهم في المعنى ساووهم في العاقبة (٧). •القياس بمعنى التشبيه والتمثيل: وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾ [سورة المزمل: ١٦ - ١٥]. "فأخبر سبحانه أنه أرسل محمدًا ﷺ إلينا، كما أرسل موسى إلى فرعون، وأن فرعون عصى رسوله فأخذه أخذًا وبيلاً، فهكذا مَنْ عصى منكم محمدًا ﷺ " (٨).
следующие страницы →