← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30152

بناء الفروع على الفروع - من كشاف القناع

حسنة القرني

Полный текст (856 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم الحاكم بعدم نقض الأنكحة الفاسدة قد سبق الكلام في هذه المسألة في المطلب السابق، وهو الكلام في نكاح المرأة بلا ولي، وهو نوع من أنواع النكاح الفاسد.

стр. 457

المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم الحاكم بعدم نقض الشفعة للجار اختلف فقهاء الحنابلة في حكم الحاكم بعدم نقض الشفعة للجار على قولين: القول الأول: أن الحاكم لو حكم بصحة شفعة الجار لا ينتقض حكمه. والقائلون بذلك: القاضي يعقوب (١)، وابن الصيرفي (٢)، والحارثي (٣) (٤). القول الثاني: أن الحاكم لو حكم بصحة شفعة الجار ينتقض حكمه. ومن القائلين بذلك: ابن قدامة، وابن أبي القاسم (٥) (٦). سبب الاختلاف: الذي يظهر لي يرجع لأمرين: لوجود نص شرعي ينهى عن ذلك مع تقديم المصلحة، فمن قال: إنَّه لا ينتقض الحكم، أرجع السبب إلى أنَّها مسألة مختلف فيها، فأشبهت النكاح بلا ولي السابقة،

стр. 458

فما كان من منافع ومصلحة مشتركة بين الطرفين حكم بالأصلح وما تقتضيه المصلحة العامة للجار، ومن قال إن الحكم ينتقض فلأن المسألة مخالفة لنص شرعي (١). الأدلة: أدلة القول الأول: أن الحاكم لو حكم بصحة شفعة الجار لا تنقض شفعة الجار: استدل أصحاب هذا القول بعموم الأدلة من السنة والمعقول في مسألة الشفعة: أولاً: من السنة: عن عطاء عن جابر عن النبي ﷺ قال: «الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها، وإن كان غائبًا، إذا كان طريقهما واحدًا» (٢). وروى أبو رافع أن النبي ﷺ قال: «الجار أحق بصَقَبِه (٣) (٤). وجه الاستدلال: دل منطوق الأحاديث السابقة أن الجار له الأحقية في الشفعة، لأنه الأقرب بحكم الجوار، فإن حكم الحاكم بصحة الشفعة للجار ثبتت الشفعة، لأن منافعهما مشتركة. نوقش: • أن حديث أبي رافع ليس بصريح فيها، فالصقب القرب، فيُحتمل أنه أحق بإحسان جاره (٥). • أنه يُحتمل أنه أراد بالجار الشريك كما تسمى الضرتان جارتين؛ لاشتراكها في الزوج (٦).

стр. 459

• أنه يحتمل أنه أراد بإحسان جاره وصلته وعيادته، ونحو ذلك (١). • أنه يحتمل أنه أراد بالجار الشريك؛ فإنه جار أيضًا (٢). ثانيًا: من المعقول: • أنه اتصال مالك يدوم ويتأبد فيثبت فيه كالشركة (٣). • إن رأى الحاكم المصلحة في عدم انتقاض الشفعة ثبت حكمه وصحة الشفعة، لأنها مسألة مختلف فيها، ومتى حكم الحاكم بشيء نفذ حكمه (٤). • على الحاكم النظر في المصلحة المشتركة بين الجار وشريكه، فإن لم يكن بينهما منافع مشتركة فلا يجبر الشريك على جاره بشرط ألا يكون هناك ضرر على الطرفين. أدلة القول الثاني: أن الحاكم لو حكم بصحة شفعة الجار تنتقض شفعة الجار: استدل أصحاب هذا القول بعموم الأدلة من السنة والمعقول في مسألة الشفعة: أولاً: من السنة: قال النبي ﷺ : «الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة» (٥). قال جابر ﵁: جعل رسول الله ﷺ الشفعة في كل مال لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة (٦). وجه الاستدلال: دل منطوق الحديثين أن الشفعة لا تثبت للجار بعد الاقتسام والبيع. ثالثًا: من المعقول:

стр. 460

• اتفق الصحابة - رضوان الله عليهم- والتابعون وغيرهم على أن الجار لا شفعة له، وبه قال عمر، وعثمان، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن المسيب، وغيرهم (١). • أن الشريك ربما دخل عليه شريك، فيتأذى به، فتدعوه الحاجة إلى مقاسمته أو يطلب الداخل المقاسمة، فيدخل الضرر على الشريك بنقص قيمة ملكه (٢). • إن رأى الحاكم المصلحة في انتقاض الشفعة ثبت حكمه، لأنه مسألة مختلف فيها، ومتى حكم الحاكم بشيء نفذ حكمه (٣). • على الحاكم النظر في المصلحة والضرر بين الجار وشريكه، فإن كان هناك ضرر على الشريك ولا يوجد بينهما منافع مشتركة فلا يلزم الشريك بالجار الملازم، لأنه قد يكون في ذلك ضرر على الشريك، وكذلك النظر في المنفعة، هذا والله أعلم. الترجيح: الذي يظهر لي - والله وأعلم- ترجيح القول الأول القائل بأنَّ الحاكم إذا قضى في مسألة اجتهادية فالأصوب أن يرى المصلحة العامة لكل من المتخاصمين، وخاصةً إذا كانت منافع الجار وشريكه مشتركة فإنه لا ينتقض الحكم. قال ابن باز ﵀: "وهكذا الجار له شفعة إذا كانت له شركة: الجار أحق بسقبه، يعني: بقُربه، إذا كانت له شركة، يعني: طريقهما واحد، ومصيرهما واحد، أو الأرض مُشتركة، فله الشُّفعة" (٤). فالذي يفهم من كلام الشيخ ابن باز ﵀ أنه إن كان هناك منافع مشتركة بين الطرفين، فإن لم يكن هناك منافع مشتركة وليس فيه ضرر فلا يلزم الشريك بالشفعة لجاره لعدم الضرر والاشتراك، هذا والله أعلم.

стр. 461

المطلب الرابع: الكلام في البناء نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية. الجامع بين المسالتين: ربط البهوتي ﵀ بين المسألتين المبني عليها والمبنية بالسبب المتماثل بين المسألتين كما بينه البهوتي حيث قال في المسألة المبني عليها: " فلو كانت المرأة مظلومة بعضل الولي لها أو بلد لا تجد فيه وليًّا فالحاكم وليها، فإن تزوجت قبل الرجوع إلى الحاكم ثم أقر هذا النكاح فإن حكمه لا ينقض، كذلك لو حكم بالشفعة للجار على حسب المصلحة التي حكم عليها الحاكم فلا ينقض الحكم، وبين البهوتي ﵀ أنه اشترط ألا يكون هذا الاجتهاد مخالفًا لنص صريح صحيح. من صرح بالبناء من الحنابلة: أن المسألة المبنية لم يتفرد بها الحجاوي والبهوتي -رحمهما الله-، إنما ذكرها ابن قدامة بقوله: "فصل: فإن حكم بصحة هذا العقد حاكم، أو كان المتولي لعقده حاكمًا، لم يجز نقضه وكذلك سائر الأنكحة الفاسدة. وخرّج القاضي في هذا وجهًا خاصة أنه ينقض. وهو قول الإصطخري من أصحاب الشافعي؛ لأنه خالف نصًّا والأول أولى؛ لأنها مسألة مختلف فيها، ويسوغ فيها الاجتهاد، فلم يجز نقض الحكم له، كما لو حكم بالشفعة للجار، وهذا النص متأول، وفي صحته كلام، وقد عارضه ظواهر" (١). وقال في الكافي: "فصل: فإن تزوج بغير إذن ولي، فالنكاح فاسد، لا يحل الوطء فيه، وعليه فراقها؛ وإن وطئ فلا حد عليه في ظاهر كلام أحمد؛ لأنه وطء مختلف في حله، فلم يجب به حد، كوطء التي تزوجها في عدة أختها. وذكر عن ابن حامد: أنه أوجب به الحد؛ لأنه وطء في نكاح منصوص على بطلانه، أشبه ما لو تزوج ذات زوج. وإن حكم بصحة هذا العقد حاكم ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز نقضه؛ لأنه حكم مختلف فيه؛ فأشبه الشفعة للجار. والثاني: ينقض؛ لأنه خالف النص" (٢). صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة: غير الصريحة: - ونحوه (٣). - كما لو (٤).

стр. 462

- (وخَرَّجَ) (١). - وكذلك (٢). منهج البهوتي في البناء: رتب البهوتي ﵀ في هذا البناء عدة أمور: أولاً: نقل المسألة من الإقناع، ووضع عليها العلة كما ذكرها ابن قدامة -رحمهما الله- بقوله: "لأنه يسوغ فيها الاجتهاد" (٣)، ثم قال في المسألة المبنية: "مما للاجتهاد فيه مساغ " (٤)، وهذا يدل على الأمانة العلمية ودقته ﵀ في نقل المسألة وأسبابها. ثانيًا: يلحظ على منهجه ﵀ أنَّه يحيل المسألة لموضعها الأصلي في كتابه، فيقول: "على ما يأتي تفصيله في القضاء" (٥). ثالثًا: توضيحه ﵀ لنقله بعض القواعد في الاجتهاد وطرقه بقوله: "مما للاجتهاد فيه مساغ، وليس فيه مخالفة قاطع"، فإنه بين ﵀ أن في هذه المسألة يسوغ الاجتهاد، لأنه ليس هناك مخالفة للنص، فإن خالف النص فنقول: لا اجتهاد مع النص، قد أجمع العلماء على أن الاجتهاد محله عند عدم النص وإذا خفيت النصوص، وصار الناس إلى الاستنباط، والقياس هذا محل الاجتهاد. رابعًا: لو كان هناك نص في المسألة ينظر من حيث الصحة وعدمها، قال: "وهذا النص متأول، وفي صحته كلام، وقد عارضه ظواهر" (٦). خامسًا: إن حكم الحاكم الذي يجتهد فيه لا يجوز نقضه، وهذا يتضح من الموافقة للمذهب في نقل البهوتي لكلام ابن قدامة. قول الأصوليين في التخريج وكاف التشبيه وواو العطف: تقدم سابقًا قول الأصوليين في التخريج وواو العطف وكاف التشبيه (٧)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك.

стр. 463

موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب (١)، وما يدل عليه قول ابن قدامة ﵀: (والأول أولى): "فصل: فإن حكم بصحة هذا العقد حاكم، أو كان المتولي لعقده حاكمًا، لم يجز نقضه، وكذلك سائر الأنكحة الفاسدة. وخرّج القاضي في هذا وجهًا خاصًّا أنه ينقض. وهو قول الإصطخري من أصحاب الشافعي؛ لأنه خالف نصًّا. والأول أولى؛ لأنها مسألة مختلف فيها" (٢)، والذي لحظته أنه لم يذكر الخلاف إنما ذكر الحكم الراجح في المسألة، فهذا يدل على عدم مخالفته للمذهب هنا.

стр. 464

المبحث الخامس عشر زوال الولاية؛ وفيه خمسة مطالب: • المطلب الأول: المسألة المبني عليها: لا تزول الولاية بالإغماء لمدة قصيرة. • المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم زوال الولاية بالنوم. • المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم زوال الولاية بالجنون المتقطع. • المطلب الرابع: المسألة المبنية الثالثة: حكم زوال الولاية بنقص العقل من مرض يرجى زواله. • المطلب الخامس: الكلام في البناء.

стр. 465

المبحث الخامس عشر: زوال الولاية ؛ وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم زوال الولاية بالإغماء لمدة قصيرة تمهيد: إنَّ من سماحة الشريعة الاهتمام بدقائق المسائل، وضبطها بعلة مشتركة بينها، وهو ما سوف نتطرق إليه في هذا المبحث، بمشيئة الله. نص البناء: قال المصنف ﵀: [(ولا تزول الولاية لإغماء) لقصر مدته عادة كالنوم، (ولا) تزول الولاية أيضًا بـ (العمى)، لأن الأعمى أهل للشهادة والرواية، فكان من أهل الولاية كالبصير (ولا) تزول الولاية أيضًا (بالسفه) (١)، لأن رشد المولى غير معتبر في النكاح، (وإن جنّ) الولي (أحيانًا أو أغمي) عليه (أو نقص عقله) أي: الولي (بنحو مرض) يرجى زواله، (أو أحرم) الولي بحج أو عمرة (انتظر زوال ذلك)، لأن مدته لا تطول عادة، (ولا ينعزل وكيلهم بطريان ذلك) أي: ما ذكر من الجنون أحيانًا والإغماء ونقص العقل بالمرض المرجو زواله والإحرام؛ لأنه لا ينافي الولاية] (٢). دراسة البناء: اتفق فقهاء الحنابلة أن الولاية لا تزول بالإغماء لمدة قصيرة. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والرحيباني، وابن مفلح، والمرداوي (٣). سبب الاتفاق: قصر مدة الإغماء. الأدلة: استدلوا على ذلك من المعقول: • تشبيه الإغماء بحالة النوم لقصر مدته في العادة (٤).

стр. 466

• أن الإغماء الذي لا يؤثر في ولاية النكاح إذا كانت مدته قصيرة، أما إن زاد على يوم أو يومين فإن الولاية تنتقل إلى الولي الأبعد.

стр. 467

المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم زوال الولاية بالنوم اتفق فقهاء الحنابلة أن الولاية لا تزول بالنوم. والقائلون بذلك: البهوتي، والرحيباني، وابن النجار (١) (٢). سبب الاتفاق: أن النائم لا يمكث وقتًا طويلاً في نومه غالبًا. الأدلة: استدلوا على ذلك من المعقول: • تشبيه النوم بحالة الإغماء القصيرة (٣). • أن النائم لا يفقد الأهلية، وإنما ينتظر حتى يفيق ثم يعقد العقد (٤). • لا تأثير للنوم في زوال الولاية؛ لأن النوم ليس من مزيلات الولاية، إنما ينتظر حتى يفيق (٥).

стр. 468

المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم زوال الولاية بالجنون المتقطع اتفق فقهاء الحنابلة أن الولاية لا تزول بالجنون المتقطع. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والمرداوي، وابن مفلح (١). سبب الاتفاق: قصر مدة الجنون؛ لأن مدته لا تطول عادة، ولا ينافي الولاية (٢). الأدلة: استدلوا على ذلك من المعقول: • أن زوال العقل المؤقت لا ينافي الولاية (٣). • أن الجنون المؤقت لا يزيل الولاية كالإغماء المؤقت، فعلى هذا ينتظر حتى يفيق ثم يعقد (٤). • أن أهلية الأداء منعدمة في الجنون المطبق، أما الجنون المتقطع إذا زال عنه فترة فإن الأهلية تكون ممكنة في حينها، ويمكن للولي العقد لوليته وإتمام عقد النكاح (٥).

стр. 469

المطلب الرابع: المسألة المبنية الثالثة: حكم زوال الولاية بنقص العقل من مرض يرجى زواله اتفق فقهاء الحنابلة أن الولاية لا تزول بنقص العقل من مرض يرجى زواله. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والرحيباني، والمرداوي (١). سبب الاتفاق: قصر مدة المرض، وهو ما يرجى زواله، فإنه لا ينافي الولاية (٢). الأدلة: استدلوا على ذلك من المعقول: • أن زوال العقل المؤقت بمرض يرجى زواله لا ينافي الولاية (٣). • أن زوال العقل المؤقت لمرض يرجى زواله لا يزيل الولاية كالإغماء المؤقت، فعلى هذا ينتظر حتى يفيق ثم يعقد. • أن أهلية الأداء منعدمة في ذهاب العقل بالكلية لمرض لا يرجى زواله، أما نقص العقل الجزئي بشكل مؤقت من مرض يرجى زواله فإن الأهلية تكون ممكنة في حينها، ويمكن للولي العقد لوليته وإتمام عقد النكاح.

стр. 470

المطلب الخامس: الكلام في البناء نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية. الجامع بين المسائل: أن العلة المشتركة بين المسألة المبني عليها (حكم زوال الولاية بالإغماء) والمسائل المبنية (حكم زوال الولاية بالنوم، وحكم زوال الولاية بالجنون المتقطع، وحكم زوال الولاية بنقص العقل من مرض يرجى زواله)، وهي المدة القصيرة في الإغماء والنوم والجنون المتقطع ومرض العقل المؤقت الذي يرجى زواله، حيث بين البهوتي ﵀ أسباب العلة بقوله: "لقصر مدته" (١)، وقوله: "لأن مدته لا تطول عادة" (٢)، وقوله: "لأنه لا ينافي الولاية" (٣). من صرح بالبناء من الحنابلة: لم يتفرد الحجاوي والبهوتي بالبناء، إنما أورده الزركشي بقوله: "من يخنق في الأحيان فلا تزول ولايته، لزوال ذلك عن قرب، وكذلك المغمى عليه بطريق الأولى، وهو الذي قطع به أبو محمد، لأن مدته يسيرة، أشبه النوم، ولذلك لا تثبت الولاية عليه" (٤). صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة: غير الصريحة: - أشبه: (أشبه النوم) (٥). - كاف التشبيه: (كالنوم) (٦). - باء التعليل (بالإغماء) (٧)، (بنحو مرض) (٨). - واو العطف مع باء التعليل: (ونقص العقل بالمرض المرجو زواله) (٩).

стр. 471

منهج البهوتي في البناء: يتضح من نص البهوتي أنه يتميز بتوضيح العبارة مع تعليل سبب بناء المسائل، حيث يقول: "لقصر مدته" (١)؛ و"لأن مدته لا تطول عادة"، يفسر ويبين السبب بقوله: "أي: ما ذكر من الجنون أحيانًا والإغماء ونقص العقل بالمرض المرجو زواله والإحرام؛ لأنه لا ينافي الولاية" (٢). قول الأصوليين في كاف التشبيه وواو العطف وباء التعليل وأشبه: تقدم سابقًا قول الأصوليين في أشبه وكاف التشبيه وواو العطف وباء التعليل (٣)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك. موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب (٤)؛ لأنه القول الصحيح من المذهب كما ذكر ذلك المرداوي: "لا تزول الولاية بالإغماء والعمى، على الصحيح من المذهب. جزم به في الكافي، والمغني، والشرح في العمى، وقدمه في الرعاية. قلت: وهو ظاهر كلام أكثر الأصحاب … وإن جن أحيانًا، أو أغمي عليه، أو نقص عقله بنحو مرض، أو أحرم: انتظر زوال ذلك" (٥).

стр. 472

المبحث السادس عشر ولاية الأعمى للنكاح؛ وفيه ثلاثة مطالب: • المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم ولاية النكاح للأعمى. • المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم شهادة الأعمى. • المطلب الثالث: الكلام في البناء.

стр. 473

المبحث السادس عشر: ولاية الأعمى للنكاح ؛ وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم ولاية النكاح للأعمى تمهيد: إنَّ من مقاصد الشريعة العناية بذوي الاحتياجات الخاصة، ودراسة الأحكام المتعلقة بهم، وما يترتب عليها من فروع، وهذا ما سوف نتطرق إليه في هذا المبحث. نص البناء: قال المصنف ﵀: [(ولا) تزول الولاية أيضًا بـ (العمى)، لأن الأعمى أهل للشهادة والرواية، فكان من أهل الولاية كالبصير] (١). دراسة البناء: اتفق فقهاء الحنابلة على أن ولاية الأعمى في النكاح لا تزول. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والمرداوي، وابن قدامة، والرحيباني (٢). سبب الاتفاق: ليس من شروط النكاح أن يكون الولي بصيرًا (٣)، وأن الولي يستطيع أن يختار الكفء ويتعرف عليه من خلال السمع والسؤال، وهذا يتحقق في الأعمى والبصير. الأدلة: استدلوا على ذلك من المعقول: • أن الأعمى أهل للشهادة والرواية، فكان من أهل الولاية في النكاح كالبصير (٤). • أن شعيبًا ﵇، زوج ابنته وهو أعمى (٥). • أن المقصود في النكاح يعرف بالسماع والاستفاضة، فلا يفتقر إلى النظر (٦). • لا يشترط في النكاح أن يكون الولي بصيرًا (٧).

стр. 474

المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم شهادة الأعمى اتفق فقهاء الحنابلة أن شهادة الأعمى لا تزول بالعمى. والقائلون بذلك: الكوسج (١)، وأبو البركات، وابن مفلح، والمرداوي، والحجاوي، والبهوتي، والشَّيْبَاني (٢). سبب الاتفاق: ليس من شروط الشهادة أن يكون الشاهد بصيرًا (٣)، وأن الأعمى فقد حاسة لا تخل بالتكليف، فلم يمنع قبول الشهادة منه (٤). الأدلة: استدلوا على ذلك بعموم أدلة الشهادة من الكتاب والمعقول: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٢]. وجه الاستدلال: أن الأعمى رجل عدل مقبول الرواية، فتقبل شهادته إذا تيقن الصوت كالبصير (٥). وقال ابن عثيمين معلقًا على تفسير الجلالين: "إنَّ أهل الشهادة لا بدَّ أن يكون فيهم شروط، وهي: مسلمًا بالغًا عاقلاً عدلاً متكلمًا حافظًا" (٦)، ولم يقل ﵀ أن يكون بصيرًا، فهذا يدل على أن العمى ليس مخلاً بالشهادة.

стр. 475

ثانيًا: من المعقول: • أن الأعمى إذا تيقن الصوت لكثرة إلفه له تصح شهادة به (١). • أن الأعمى فقد حاسة لا تخل بالتكليف، فلم يمنع قبول الشهادة كالصمم (٢). • لا نزاع في تحمل الأعمى الشهادة فيما طريقه الصوت كالنسب والموت والملك المطلق والوقف والعتق والولاء، وسائر العقود كالنكاح والبيع والصلح والإجارة والإقرار (٣). • أنه لا يشترط كون الشاهد بصيرًا، فتقبل شهادة الأعمى في مسموعات (٤).

стр. 476

المطلب الثالث: الكلام في البناء نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية. الجامع بين المسألتين: جمع البهوتي ﵀ بين المسألتين المبني عليها والمبنية بجامع العلة المشتركة بينهما، وهي عدم تأثر النكاح والشهادة بالعمى؛ إذ إنَّه ليس شرطًا في صحة النكاح والشهادة، فلا تأثير له في صحة النكاح والشهادة. من صرح بالبناء من الحنابلة: قد تفرد البهوتي ﵀ في بناء هذه المسألة بذكر العلة المشتركة بين المسألتين، حيث قال: " (ولا) تزول الولاية أيضًا بـ (العمى)، لأن الأعمى أهل للشهادة والرواية، فكان من أهل الولاية كالبصير" (١). صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة: غير الصريحة: - لام التعليل: (لأن الأعمى أهل للشهادة والرواية) (٢) منهج البهوتي في البناء: استخدم البهوتي ﵀ البناء غير الصريح باستخدام لام التعليل، وربط بين المسألتين بعلة مشتركة، كان لها تأثير في ترتيب الحكم في كلٍّ منها، وفهم البناء من سياق كلام البهوتي ﵀. قول الأصوليين في لام التعليل: تقدم سابقًا قول الأصوليين في لام التعليل (٣)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك. موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب (٤)، قال المرداوي في الإنصاف: "وتجوز شهادة الأعمى في المسموعات، إذا تيقن الصوت وبالاستفاضة، وتجوز في المرئيات التي تحملها قبل العمى إذا عرف الفاعل باسمه ونسبه وما يميز به، بلا نزاع، فإن لم يعرفه إلا بعينه فقال القاضي: تقبل شهادته أيضًا، ويصفه للحاكم بما يتميز به، وهو المذهب" (٥).

стр. 477

المبحث السابع عشر ولاية النكاح للأخرس ذي الإشارة المفهومة؛ وفيه ثلاثة مطالب: • المطلب الأول: المسألة المبني عليها: ولاية النكاح للناطق. • المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم ولاية النكاح للأخرس ذي الإشارة المفهومة. • المطلب الثالث: الكلام في البناء.

стр. 478

المبحث السابع عشر: ولاية النكاح للأخرس ذي الإشارة المفهومة ؛ وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: المسألة المبني عليها: ولاية النكاح للناطق. تمهيد: إنَّ من مقاصد الشريعة العناية بذوي الاحتياجات الخاصة، ودراسة الأحكام المتعلقة بهم، وما يترتب عليها من فروع، وهذا ما سوف نتطرق إليه في هذا المبحث. نص البناء: قال المصنف ﵀: [وأما الخرس فإن منع فهم الإشارة أزال الولاية، وإن لم يمنعها لم تزل الولاية، لأن الأخرس يصح تزويجه، فصح تزويجه كالناطق] (١). دراسة البناء: اتفق فقهاء الحنابلة أن الولاية لا تزول من الولي القادر على النطق. والقائلون بذلك: ابن قدامة، والبهوتي، والرحيباني (٢). سبب الاتفاق: أن الإيجاب والقبول يكون في النكاح من ناطق. الأدلة: ويمكن الاستدلال على هذه المسألة من المعقول: • أن الأصل في الإيجاب والقبول أن يكون من شخص ناطق. • أن لغة التفاهم في المعاملات تكون بالحوار والمشافهة.

стр. 479

المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم ولاية النكاح للأخرس ذي الإشارة المفهومة اتفق فقهاء الحنابلة أن ولاية الأخرس لا تزول في حال كان ذا إشارة مفهومة. والقائلون بذلك: ابن قدامة، والبهوتي، والرحيباني (١). سبب الاتفاق: أنَّ إشارة الأخرس المفهومة تحل محل النطق، فلا بأس بتوليته لعقد النكاح. الأدلة: ويمكن الاستدلال على هذه المسألة من المعقول: • أن إشارة الأخرس كعبارة الناطق في: العقود، والحلول، والدعاوى، والأقارير (٢). • أن المصلحة تقتضي قبول إشارة الولي المفهومة (٣). • أن الأخرس مضطر للتعامل في البيع، والشراء، والنكاح، والعبادة، ونحو ذلك، والناس محتاجون للتعامل معه كذلك (٤). • قد يكون للأخرس عرف خاصٌّ به في الإشارة، فإن لغة البكم قد استقرت الآن على إشارات خاصة ومفاهيم متفق عليها حتى غدت لغة عالمية، مثل لغة الإشارة لهم (٥).

стр. 480

المطلب الثالث: الكلام في البناء نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية. الجامع بين المسألتين: جمع البهوتي ﵀ بين المسألتين المبني عليها والمبنية بجامع العلة المشتركة بينهما، وهي حصول العبارة المفهومة: إما بالنطق أو الإشارة، حيث قال: [وأما الخرس فإن منع فهم الإشارة أزال الولاية، وإن لم يمنعها لم تزل الولاية، لأن الأخرس يصح تزويجه فصح تزويجه كالناطق] (١). من صرح بالبناء من الحنابلة: الذي يظهر لي أنَّ البهوتي لم يتفرد بهذا البناء، وإنما ذكره ابن قدامة بقوله: "فأما الأخرس، فإنَّ منع فهم الإشارة أزال الولاية، وإن لم يمنعها لم يزل الولاية؛ لأن الأخرس يصح تزوجه، فصح تزويجه كالناطق" (٢). صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة: غير الصريحة: - لام التعليل (لأن الأخرس يصح تزوجه، فصح تزويجه كالناطق) (٣). منهج البهوتي في البناء: استخدم البهوتي ﵀ البناء غير الصريح باستخدام لام التعليل، وربط بين المسألتين بعلة مشتركة، كان لها تأثير في ترتيب الحكم في كلٍّ منهما، وفهم البناء من سياق كلام البهوتي ﵀. قول الأصوليين في لام التعليل: تقدم سابقًا قول الأصوليين في لام التعليل (٤)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك. موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب (٥)، قال المرداوي في الإنصاف: "ينعقد نكاح الأخرس بإشارة مفهومة، نص عليه (٦)، وكذا بكتابة، ذكره الأصحاب" (٧).

стр. 481

المبحث الثامن عشر كفاءة ولد الزنى لذوي نسب؛ وفيه ثلاثة مطالب: • المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم كفاءة الرجل المعسر للمرأة الموسرة في النكاح. • المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم كفاءة ولد الزنى لذوي نسب. • المطلب الثالث: الكلام في البناء.

стр. 482

المبحث الثامن عشر: الكفاءة ؛ وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم كفاءة الرجل المعسر للمرأة الموسرة في النكاح. تمهيد: إنَّ من عناية الفقهاء الاهتمام بدقائق المسائل مع ما يتفرع عنها من فروع، وما ينبني عليها من أحكام، وفي هذا المبحث بإذن الله سنتطرق لفروع تتكلم عن كفاءة الرجل المعسر وولد الزنا. نص البناء: قال المصنف ﵀: [(الخامس اليسار بمال بحسب ما يجب لها من المهر والنفقة)، و (قال ابن عقيل بحيث لا تتغير عليها عادتها عند أبيها في بيته، فلا يكون المعسر كفئًا لموسرة)؛ لأن على الموسرة ضررًا في إعسار زوجها لإخلاله بنفقتها ومؤنة أولاده، ولهذا ملكت الفسخ بإعساره بالنفقة، ولأن ذلك نقص في عرف الناس يتفاضلون فيه كتفاضلهم في النسب. (فائدة) ولد الزنا قد قيل إنه كفء لذات نسب، وعن أحمد أنه ذكر له أن ينكح إليه فكأنه لم يحب ذلك، لأن المرأة تتضرر به هي وأولياؤها، ويتعدى ذلك إلى ولدها، وليس هو كفئًا للعربية بغير إشكال فيه، لأنه أدنى حالاً من الموالي. قاله في الشرح] (١). دراسة البناء: اختلف فقهاء الحنابلة في اعتبار كفاءة اليسار بمال (٢) على قولين: القول الأول: اعتبار اليسار شرطًا من شروط الكفاءة. والقائلون بذلك: الحجاوي، والسامري، وابن عقيل، وابن قدامة، والقاضي أبو يعلى (٣). القول الثاني: أن اليسار ليس شرطًا من شروط الكفاءة. والقائلون بذلك: الخرقي، وابن قدامة، والمرداوي (٤). سبب الاختلاف: اقترن سبب الاختلاف بالضرر والشرف، فمن قال: إنَّ اليسار بالمال شرط من شروط الكفاءة، يرى الضرر الذي سيكون على المرأة بإعسار الزوج وإخلاله بنفقتها ومؤنة أولادها، ومن قال: إنَّ اليسار بالمال ليس بشرط يرى أن الفقر شرف في الدين، وليس بعيب.

стр. 483

الأدلة: أدلة القول الأول: أن اليسار شرط من شروط الكفاءة: استدلوا على ذلك من السنة والمعقول: أولاً: من السنة: لقول النبي ﷺ : «الحسب المال» (١). وقال ﵇: «إن أحساب الناس بينهم في هذه الدنيا هذا المال» (٢). وقال ﵇ لفاطمة بنت قيس، حين أخبرته أن معاوية خطبها: «أما معاوية فصعلوك، لا مال له». وجه الاستدلال من الأحاديث السابقة: دل منطوق الأحاديث السابقة على أن المال معتبر في كفاءة النكاح، قال ابن حجر: "فيحتمل أن يكون المراد أنه حسب من لا حسب له، فيقوم النسب الشريف لصاحبه مقام المال لمن لا نسب له، وبهذا الحديث تمسك من اعتبر الكفاءة بالمال أن من شأن أهل الدنيا كذلك رفعة من كان كثير المال ولو كان وضيعًا، وضعة من كان مقلاً ولو كان رفيع النسب، كما هو موجود مشاهد. يمكن أن يؤخذ من الأحاديث اعتبار الكفاءة بالمال" (٣). ثانيًا: من المعقول: • أن على الموسرة ضررًا في إعسار زوجها، لإخلاله بنفقتها ونفقة ولدها (٤).

стр. 484

• أن للمرأة حق فسخ النكاح بإخلال الزوج بالنفقة، ولو لم يكن شرطًا لم يصح فسخ نكاحها (١). • أن اليسار بالمال يعد نقصًا في عرف الناس، يتفاضلون فيه كتفاضلهم في النسب وأبلغ (٢). • يعتبر اليسار بالمال من شروط الكفاءة، كالنسب (٣). • أن إعسار الزوج يُعدُّ نقصًا في عرف الناس، يتفاضلون فيه كتفاضلهم في النسب (٤). القول الثاني: أن اليسار ليس شرطًا من شروط الكفاءة. استدلوا على ذلك من السنة والمعقول: أولاً: من السنة: قال النبي ﷺ : «اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا» (٥). وجه الاستدلال: دل منطوق الحديث على علو وشرف المساكين، ولولا ذلك لما دعاء النبي ﷺ بذلك، وقال ابن قدامة: "إنَّ الفقر شرف في الدين" (٦). ثانيًا: من المعقول: • أن الفقر شرف في الدين، فلا يكون شرطًا للكفاءة (٧). • أن اليسار بالمال ليس هو أمرًا لازمًا، فأشبه العافية من المرض (٨). • أن اليسار المعتبر ما يقدر به على الإنفاق عليها، حسب ما يجب لها، ويمكنه أداء مهرها (٩).

стр. 485

الترجيح: الذي يظهر لي ترجيح القول الثاني بأن اليسار بالمال ليس من شروط الكفاءة المعتبرة، قال الشيخ ابن باز: "إنَّ هذه أمور لا ينبغي للعقلاء أن يلاحظوها من جهة الأنساب، وإنما الملاحظة العظيمة المهمة فيما يتعلق بكفاءة الدين، واستقامة الزوج والزوجة، فإذا استقام الدين؛ فهذا هو المطلوب" (١).

стр. 486

المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم كفاءة ولد الزنا لذوي نسب اختلف فقهاء الحنابلة في حكم كفاءة ولد الزنا لذوي نسب على قولين: القول الأول: أن ولد الزنا كفء لذوي النسب. والقائلون بذلك: البهوتي، والزركشي، وهو اختيار ابن تيمية، وابن باز، وابن عثيمين، وبه أفتت اللجنة الدائمة (١). القول الثاني: أن ولد الزنا لا يكون كفئًا لذوي النسب. القائلان بذلك: ابن قدامة، والزركشي (٢). سبب الاختلاف: اقترن سبب الاختلاف بالضرر والعرف، فمن قال: ولد الزنا كفء لذوي النسب، يرى ألا يؤخذ ابن زنا بجرم والديه، فيعامل معاملة المسلم الكفء، فلا يقع عليه ضرر في تعاملاته بجرم غيره، ومن قال: لا يكون كفئًا لذوي النسب، أرجعها للضرر والعرف، وهو ضرر المرأة وولدها، وما يلحق أولياءها، وما تعارف عليه الناس من عار ونقص. الأدلة: أدلة القول الأول: أن ولد الزنا كفء لذوي النسب. يمكن الاستدلال على ذلك بعموم الأدلة في الكفاءة من الكتاب والسنة والمعقول: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [سورة الحجرات: ١٣]. وجه الاستدلال: دلت الآية على أن التفاضل بين الناس بالتقوى، وهي من الدين؛ فدل على أن الكفاءة في الدين لا في النسب لعموم الآية (٣). ثانيًا: من السنة: عن فاطمة بنت قيس ﵂ قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله ﷺ : «أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما

стр. 487

معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد، فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة بن زيد، فنكحته، فجعل الله فيه خيرًا، واغتبطت به» (١). وجه الدلالة: دل الحديث على عدم اعتبار الكفاءة في النسب، وإنما اعتبر الدين أصلاً وكمالاً في قوله ﵇: «انكحي أسامة بن زيد» (٢). ثالثًا: من المعقول: • لم يرد عن النبي ﷺ نص صحيح صريح في اشتراط الكفاءة في النسب (٣). • أن المعتبر في النكاح الكفاءة في الدين لا في النسب (٤). • النسب ليس شرطًا في صحة النكاح (٥). أدلة القول الثاني: أن ولد الزنا لا يكون كفئًا لذوي النسب. استدلوا على ذلك من المعقول: • أن المرأة تعير به هي وأولياؤها، ويتعدى ذلك إلى ولدها (٦). • أن ولد الزنا ليس كفئًا للعربية بغير إشكال فيه، لأنه أدنى حالاً من المولى (٧). • أن العرب يعدون الكفاءة في النسب، ويأنفون من نكاح الموالي، ويرون ذلك نقصًا وعارًا (٨). • أنه إذا أطلقت الكفاءة، وجب حملها على المتعارف، فإن كان يرون ذلك نقصًا وعيبًا فلأن ذلك يعتبر (٩). الترجيح: الذي يظهر لي ترجيح القول الأول: أن ولد الزنا كفء لذوي النسب؛ لعدة أسباب:

стр. 488

أولاً: لقوة أدلتهم، وهو ما رجحته اللجنة الدائمة للإفتاء، حيث قالت: "الصحيح: أن المعتبر في النكاح الكفاءة في الدين، لا في النسب" (١). ثانيًا: أن من سماحة الشريعة الإسلامية رفع الضرر عن الغير ما لم يقترفه، فلا يحاسب بجرم غيره (٢). ثالثًا: أن العمدة في الكفاءة الدين؛ لقول الشيخ ابن باز ﵀: "والعمدة على التقوى، والصحيح عدم اشتراط الكفاءة" (٣).

стр. 489

المطلب الثالث: الكلام في البناء نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أن البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية. الجامع بين المسألتين: ربط البهوتي ﵀ بين المسألتين المبني عليها (حكم كفاءة الرجل المعسر للمرأة الموسرة في النكاح)، والمبنية (حكم كفاءة ولد الزنا لذوي نسب) بالعلة المشتركة، وهي الضرر الحاصل على كل من المرأة الموسرة وولد الزنا، حيث قال البهوتي ﵀: "لأن على الموسرة ضررًا في إعسار زوجها لإخلاله بنفقتها ومؤنة أولاده" (١)، ثم قال "لأن المرأة تتضرر به هي وأولياؤها، ويتعدى ذلك إلى ولدها" (٢). من صرح بالبناء من الحنابلة: والذي يظهر لي أن البناء لم يتفرد به البهوتي ﵀، إنما نقل عن ابن مفلح في الفروع، قال: "ليس ولد الزنا كفوًا لذات نسب كعربية" (٣). صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة: غير الصريحة: - (على روايتين) (٤). - لام التعليل: (لأن على الموسرة ضررًا)، (لأن المرأة تتضرر به) (٥). - (هذا كله مفرع على الرواية الثانية) (٦). منهج البهوتي في البناء: نهج البهوتي ﵀ في هذا البناء على عدة أمور (٧): أولاً: إيراد المسألة ثم توضيح الأسباب التي كان عليها حكم المسألة، مثل قوله ﵀: لأن على الموسرة ضررًا في إعسار زوجها لإخلاله بنفقتها ومؤنة أولاده؛ ولهذا ملكت الفسخ بإعساره بالنفقة، ولأن ذلك نقص في عرف الناس يتفاضلون فيه كتفاضلهم في النسب. ثانيًا: التنبيه بفائدة مشتركة بين المسائل بقوله: "فائدة". ثالثًا: رتب وربط حكم المسائل ببعضها مع توضيح العلة المشتركة، وهي الضرر، قال البهوتي ﵀: "لأن على الموسرة ضررًا في إعسار زوجها لإخلاله بنفقتها ومؤنة أولاده"، ثم قال: "لأن المرأة تتضرر به هي وأولياؤها، ويتعدى ذلك إلى ولدها".

стр. 490

رابعًا: أورد ﵀ الأقوال في المسألة المبنية، وهذا يدل على عدم تعصبه للمذهب، حيث قال: "ولد الزنا قد قيل: إنه كفء لذات نسب، وعن أحمد أنه ذكر له أن ينكح إليه فكأنه لم يحب ذلك". خامسًا: تعدد ذكر الأسباب في المسألة الواحدة، ففي مسألة حكم كفاءة الرجل المعسر للمرأة الموسرة في النكاح ذكر سببين للعلة، حيث قال: (لأن على الموسرة ضررًا في إعسار زوجها لإخلاله بنفقتها ومؤنة أولاده، ولهذا ملكت الفسخ بإعساره بالنفقة)، ثم قال في السبب الثاني: (ولأن ذلك نقص في عرف الناس يتفاضلون فيه كتفاضلهم في النسب). وكذلك في مسألة حكم كفاءة ولد الزنا لذوي نسب ذكر سببين: (لأن المرأة تتضرر به هي وأولياؤها، ويتعدى ذلك إلى ولدها، وليس هو كفئًا للعربية بغير إشكال فيه)، ثم قال في السبب الثاني: (لأنه أدنى حالاً من الموالي). سادسًا: أمانته العلمية في النقل، حيث قال: (لأنه أدنى حالاً من الموالي. قاله في الشرح). قول الأصوليين في لام التعليل وعلى روايتين: تقدم سابقًا قول الأصوليين في لام التعليل وعلى روايتين (١)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك. أما قول الحنابلة: على روايتين، أي: إنَّ المسألة بنيت على روايتين في المذهب لقول الإمام أحمد في هذه المسألة. موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب (٢)، قال المرداوي في الإنصاف: "وهي أصح، وهو المذهب عند أكثر المتأخرين … قلت: وهو الصواب الذي لا يعدل عنه" (٣).

стр. 491

المبحث التاسع عشر من أسقط شفعته قبل البيع، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم سقوط خيار الشرط برضا الزوجة من قول أو تمكين. المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم من أسقط شفعته قبل البيع. المطلب الثالث: الكلام في البناء.

стр. 492

المبحث التاسع عشر: من أسقط شفعته قبل البيع، وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم سقوط خيار الشرط برضا الزوجة من قول أو تمكين. تمهيد: من سماحة الشريعة الإسلامية الاهتمام بأدق المسائل، وما يتولد عنها من فروع يشترك كلٌّ منها في الحكم ولو من وجه، وهو ما سوف نتطرق إليه في هذا المبحث بمشيئة الله تعالى. نص البناء: قال المصنف ﵀: [(فلا (يسقط) الخيار (إلا بما يدل على الرضا) منها (من قول أو تمكين منها مع العلم) بفعله ما شرطت ألا يفعله. فإن لم تعلم بعدم الوفاء ومكنته لم يسقط خيارها، لأن موجبه لم يثبت؛ فلا يكون له أثر كالمسقط لشفعته قبل البيع] (١). دراسة البناء: اتفق فقهاء الحنابلة أن خيار الشرط في النكاح يسقط في حال رضا الزوجة بكل ما يدل عليه من قول أو تمكين. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والمرداوي وغيرهم (٢). سبب الاتفاق: هو رضا الزوجة، فإن رضيت الزوجة ومكنت الزوج بالقول أو الفعل فلا تأثير لهذا الشرط؛ فيسقط. الأدلة: استدلوا على ذلك من الأثر والمعقول: أولاً: من الأثر: ما روى الأثرم بإسناده: «أن رجلاً تزوج امرأة وشرط لها دارها ثم أراد نقلها فخاصموه إلى عمر، فقال: لها شرطها. فقال الرجل: إذن يطلقننا! فقال عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط». وجه الاستدلال: دل أثر ابن عمر أن الشرط معتبر في النكاح، فإن رضيت المرأة بسقوطه سقط. ثانيًا: من المعقول:

стр. 493

• أنه شرط لها فيه نفع، ومقصوده لا ينافي مقصود النكاح، فصح كالزيادة في المهر (١). • فإن لم يفِ الزوج بالشرط فللزوجة فسخ النكاح، لأنه شرط لازم في عقد، فإن رضيت بسقوط الشرط فإنه يسقط، فلا تأثير لذلك في العقد (٢).

стр. 494

المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم من أسقط شفعته قبل البيع برضًا منه اختلف فقهاء الحنابلة في المسقط لشفعته قبل البيع برضا منه على قولين: القول الأول: أن المسقط لشفعته قبل البيع برضا منه لا تسقط شفعته. والقائلون بذلك: أبو الخطاب، وابن عقيل، وابن قدامة، والبهوتي، والرحيباني، والمرداوي، وغيرهم (١). القول الثاني: أن المسقط لشفعته قبل البيع برضا منه تسقط شفعته. والقائلون بذلك: الفتوحي، والرحيباني، وابن تيمية، وغيرهم (٢). سبب الاختلاف: الذي يظهر لي أن سقوط الشفعة من عدمها يرجع لأمرين: (الوجوب والرضا)، فمن قال بعدم سقوطها أرجع ذلك لوجوبها في حق الشريك، حتى ولو أسقطها عن رضا. والأمر الثاني أن من قال: إنَّ الشفعة تسقط أرجع ذلك لرضا الشريك بالقول أو الفعل. الأدلة: أدلة القول الأول: أن المسقط لشفعته قبل البيع برضا منه فلا تسقط شفعته. استدلوا من المعقول: • أن المسقط لها إنما هو رضي بعد وجوبها ولم يوجد، كما لو أبرأه مما يستقرضه له (٣). • لأنها ثبتت بوجود ملكه حين البيع (٤). • أن البيع قبل العلم لا يدل على الرضا، فلا تسقط (٥). أدلة القول الثاني: أن المسقط لشفعته قبل البيع برضا منه تسقط شفعته: استدلوا من المعقول: • أن الشفعة تسقط بإسقاط صاحبها لها قبل البيع (٦). • أنه إذا باع بإذنه لا حق له فيه (٧).

стр. 495

الترجيح: والذي يظهر لي أن القول الثاني القائل بأن المسقط لشفعته قبل البيع برضا منه تسقط شفعته هو الراجح؛ للسببين الآتيين: أولاً: رضا الشريك بسقوط حقه من طيب نفس منه. ثانيًا: ما دلت عليه القاعدة الفقهية: (الرضا بالشيء رضا بما يتولد منه، واعتراف بصحته) (١).
следующие страницы →