المبحث التاسع عشر من أسقط شفعته قبل البيع، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم سقوط خيار الشرط برضا الزوجة من قول أو تمكين.
المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم من أسقط شفعته قبل البيع.
المطلب الثالث: الكلام في البناء.
стр. 492
المبحث التاسع عشر: من أسقط شفعته قبل البيع، وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم سقوط خيار الشرط برضا الزوجة من قول أو تمكين.
تمهيد:
من سماحة الشريعة الإسلامية الاهتمام بأدق المسائل، وما يتولد عنها من فروع يشترك كلٌّ منها في الحكم ولو من وجه، وهو ما سوف نتطرق إليه في هذا المبحث بمشيئة الله تعالى.
نص البناء:
قال المصنف ﵀: [(فلا (يسقط) الخيار (إلا بما يدل على الرضا) منها (من قول أو تمكين منها مع العلم) بفعله ما شرطت ألا يفعله.
فإن لم تعلم بعدم الوفاء ومكنته لم يسقط خيارها، لأن موجبه لم يثبت؛ فلا يكون له أثر كالمسقط لشفعته قبل البيع] (١).
دراسة البناء:
اتفق فقهاء الحنابلة أن خيار الشرط في النكاح يسقط في حال رضا الزوجة بكل ما يدل عليه من قول أو تمكين. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والمرداوي وغيرهم (٢).
سبب الاتفاق: هو رضا الزوجة، فإن رضيت الزوجة ومكنت الزوج بالقول أو الفعل فلا تأثير لهذا الشرط؛ فيسقط.
الأدلة:
استدلوا على ذلك من الأثر والمعقول:
أولاً: من الأثر:
ما روى الأثرم بإسناده: «أن رجلاً تزوج امرأة وشرط لها دارها ثم أراد نقلها فخاصموه إلى عمر، فقال: لها شرطها. فقال الرجل: إذن يطلقننا! فقال عمر: مقاطع الحقوق عند الشروط».
وجه الاستدلال:
دل أثر ابن عمر أن الشرط معتبر في النكاح، فإن رضيت المرأة بسقوطه سقط.
ثانيًا: من المعقول:
стр. 493
• أنه شرط لها فيه نفع، ومقصوده لا ينافي مقصود النكاح، فصح كالزيادة في المهر (١).
• فإن لم يفِ الزوج بالشرط فللزوجة فسخ النكاح، لأنه شرط لازم في عقد، فإن رضيت بسقوط الشرط فإنه يسقط، فلا تأثير لذلك في العقد (٢).
стр. 494
المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم من أسقط شفعته قبل البيع برضًا منه
اختلف فقهاء الحنابلة في المسقط لشفعته قبل البيع برضا منه على قولين:
القول الأول: أن المسقط لشفعته قبل البيع برضا منه لا تسقط شفعته. والقائلون بذلك: أبو الخطاب، وابن عقيل، وابن قدامة، والبهوتي، والرحيباني، والمرداوي، وغيرهم (١).
القول الثاني: أن المسقط لشفعته قبل البيع برضا منه تسقط شفعته. والقائلون بذلك: الفتوحي، والرحيباني، وابن تيمية، وغيرهم (٢).
سبب الاختلاف: الذي يظهر لي أن سقوط الشفعة من عدمها يرجع لأمرين: (الوجوب والرضا)، فمن قال بعدم سقوطها أرجع ذلك لوجوبها في حق الشريك، حتى ولو أسقطها عن رضا. والأمر الثاني أن من قال: إنَّ الشفعة تسقط أرجع ذلك لرضا الشريك بالقول أو الفعل.
الأدلة:
أدلة القول الأول: أن المسقط لشفعته قبل البيع برضا منه فلا تسقط شفعته.
استدلوا من المعقول:
• أن المسقط لها إنما هو رضي بعد وجوبها ولم يوجد، كما لو أبرأه مما يستقرضه له (٣).
• لأنها ثبتت بوجود ملكه حين البيع (٤).
• أن البيع قبل العلم لا يدل على الرضا، فلا تسقط (٥).
أدلة القول الثاني: أن المسقط لشفعته قبل البيع برضا منه تسقط شفعته:
استدلوا من المعقول:
• أن الشفعة تسقط بإسقاط صاحبها لها قبل البيع (٦).
• أنه إذا باع بإذنه لا حق له فيه (٧).
стр. 495
الترجيح: والذي يظهر لي أن القول الثاني القائل بأن المسقط لشفعته قبل البيع برضا منه تسقط شفعته هو الراجح؛ للسببين الآتيين:
أولاً: رضا الشريك بسقوط حقه من طيب نفس منه.
ثانيًا: ما دلت عليه القاعدة الفقهية: (الرضا بالشيء رضا بما يتولد منه، واعتراف بصحته) (١).
стр. 496
المطلب الثالث: الكلام في البناء
نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية.
الجامع بين المسألتين: ربط البهوتي ﵀ بين المسألتين المبني عليها (حكم سقوط خيار الشرط برضا الزوجة من قول أو تمكين)، والمبنية (حكم من أسقط شفعته قبل البيع برضًا منه) بسبب مشترك ولو من وجه واحد، وهو رضا كلٍّ من الزوجة في سقوط الشرط المتقدم على عقد النكاح، وكذلك رضا الشفيع في سقوط الشفعة التي من حقه قبل البيع، فلا أثر لهذا الشرط السابق للعقد إذا تخلى عنه صاحبه.
من صرح بالبناء من الحنابلة: قد تفرد البهوتي ﵀ في بناء هذه المسألة بذكر العلة المشتركة بين المسألتين، حيث قال: [فلا (يسقط) الخيار (إلا بما يدل على الرضا) منها (من قول أو تمكين منها مع العلم) بفعله ما شرطت ألا يفعله.
فإن لم تعلم بعدم الوفاء ومكنته لم يسقط خيارها، لأن موجبه لم يثبت، فلا يكون له أثر كالمسقط لشفعته قبل البيع] (١).
صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة: تفرد البهوتي ﵀ بهذا البناء مع استخدام أساليب اللغة العربية في الربط بين المسائل.
غير الصريحة:
- كاف التشبيه: (كالمسقط) (٢).
- لام التعليل: (لشفعته) (٣).
منهج البهوتي في البناء: استخدم البهوتي ﵀ البناء غير الصريح باستخدام كاف التشبيه ولام التعليل، وربط بين المسألتين بعلة مشتركة، وهي الرضا في كلا المسألتين، وتأثير ذلك في ترتيب الحكم في كلٍّ منهما.
قول الأصوليين في لام التعليل وكاف التشبيه:
تقدم سابقًا قول الأصوليين في لام التعليل وكاف التشبيه (٤)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك.
стр. 497
موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب (١)؛ لقول المرداوي: "قوله (وإن أسقط الشفعة قبل البيع لم تسقط)، هذا المذهب، نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب. وجزم به في الوجيز وغيره، وقدمه في: المغني، والشرح، والفروع، وشرح الحارثي، وغيرهم" (٢).
стр. 498
المبحث العشرون زوال الشروط المعينة؛ وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم لو اشترطت المرأة على زوجها ألا يخرجها من بيت أبيها فمات الأب.
المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم لو اشترطت المرأة سكنى دار معينة فخربت الدار.
المطلب الرابع: الكلام في البناء.
стр. 499
المبحث العشرون: زوال الشروط المعينة ؛ وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم لو اشترطت المرأة على زوجها ألا يخرجها من بيت أبيها فمات الأب.
تمهيد:
فمن عناية الفقهاء الاهتمام بتوضيح الشروط المؤثرة في عقد النكاح وغير المؤثرة، وسنتطرق في هذا المطلب لبعض من هذه الشروط، وما يتعلق بها من فروع، بمشيئة الله تعالى.
نص البناء:
قال المصنف ﵀: [(ولو شرط لها ألا يخرجها من منزل أبويها فمات الأب) أو الأم (بطل الشرط)، لأن المنزل صار لأحدهما بعد أن كان لهما، فاستحال إخراجها من منزل أبويها؛ فبطل الشرط (ولو تعذر سكنى المنزل) الذي اشترطت سكناه (بخراب وغيره سكن بها) الزوج (حيث أراد وسقط حقها من الفسخ)، لأن الشرط عارض وقد زال، فرجعنا إلى الأصل، والسكنى محض حقه] (١).
دراسة البناء:
اختلف فقهاء الحنابلة في أن المرأة إذا اشترطت لا تخرج من دار أبيها فمات الأب: هل يبطل هذا الشرط؟ على قولين:
القول الأول: أن المرأة إذا اشترطت لا تخرج من دار أبيها فمات الأب، فإن الشرط يبطل. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والرحيباني، والمرداوي، وابن أبي تغلب، وابن نصر الله (٢)(٣).
القول الثاني: أن المرأة إذا اشترطت لا تخرج من دار أبيها فمات الأب، فإن الشرط لا يبطل. والقائل بذلك: ابن نصر، وهو احتمال عنده (٤).
стр. 500
سبب الاختلاف: هو سقوط الشرط إذا فُقد جزء منه، سواءً كليًّا أو جزئيًا، فمن قال: إنَّ الشرط يبطل أرجع ذلك إلى أن الشرط قد زال بموت الأب فيسقط الشرط تبعًا له، ومن قال: لا يبطل الشرط، أرجع ذلك إلى أنَّ المسلمين على شروطهم، فإن لم يفِ الزوج فللمرأة فسخ النكاح.
الأدلة:
أدلة القول الأول: أن المرأة إذا اشترطت لا تخرج من دار أبيها فمات الأب، فإن الشرط يبطل.
يمكن أن يستدل على ذلك من السنة والمعقول:
أولاً: من السنة:
عن النبي ﵊ أنه قال: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» (١).
وجه الاستدلال:
دل منطوق الحديث على أنه لا بد أن نعرض الشروط بعمومها على شرع الله، فما كان منها يحرم الحلال أو يحل الحرام فإننا نرده، ولا عبرة به، وهو باطل.
ثانيًا: من المعقول:
• أن المنزل صار للأم بعد أن كان لهما، فاستحال إخراجها من منزل أبيها؛ فبطل الشرط (٢).
• أن للزوج أن يسكن بها حيث أراد، سواء رضيت الزوجة أو لا، لأنه الأصل، والشرط عارض، وقد زال بموت الأب، فرجعنا إلى الأصل، وهو محض حقه (٣).
• أن الشرط إذا فُقد جزء من المشروط عليه فإنه لا يلزم الوفاء به.
أدلة القول الثاني: أن المرأة إذا اشترطت لا تخرج من دار أبيها فمات الأب، فإن الشرط لا يبطل.
استدلوا على ذلك من السنة والمعقول:
أولاً: من السنة:
١ - قال ﵇: «إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج» (٤).
стр. 501
وجه الاستدلال:
دل منطوق الحديث على أن الشروط في عقد النكاح أحق ما يفي به المسلم مقابل ما يستمتع به من المرأة، فإن حصل كان الأمر على خلاف ذلك، وكان من حق المرأة أن تطالب بفسخ النكاح وتمتنع.
ثانيًا: من المعقول:
• إذا لم يفِ الزوج بالشرط فللمرأة حق الفسخ.
• أن الشرط لحق الزوجة لمصلحتها لا لحقه لمصلحته حتى يلزم في حقها، ولهذا لو سلمت نفسها من شرطت دارها فيها أو في داره لزم (١).
• ويمكن أن نقول: إنَّه شرط لازم وصحيح، ويجب على الزوج أن يفي به.
الترجيح:
الراجح - والله أعلم- القول الثاني: أن المرأة إذا اشترطت لا تخرج من دار أبيها فمات الأب، فإن الشرط لا يبطل، وقال الشيخ ابن باز ﵀: "المسلمون على شروطهم، إذا شرط أولياء المرأة عليه مكانًا معينًا، والتزم به؛ فعليه أن يبقى في البلد حتى يرضوا بمغادرته إياها … أما التساهل بالشروط فلا، المسلمون عند شروطهم، ويقول عمر ﵁: «مقاطع الحقوق عند الشروط» (٢)؛ فينبغي للمؤمن أن يفيَ بالشروط، ولا يعجلَ، ولا يخالفَ هذا الشرط، ولا يكونَ مثل المنافقين الذين لا يبالون، بل يلتزم بالشروط، ويقف عندها إلا بأمر ضروري، لا حيلة لهم فيه" (٣).
стр. 502
المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم لو اشترطت المرأة سكنى دار معينة فخربت الدار
اختلف فقهاء الحنابلة في حكم لو اشترطت المرأة سكنى دار معينة فخربت الدار، هل يبطل هذا الشرط أم لا؟ على قولين:
القول الأول: يبطل شرط المرأة إذا تعذر الوفاء به كالسكن إذا خرب. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والمرداوي، والرحيباني، والدجيلي (١)(٢).
القول الثاني: لا يبطل شرط المرأة إذا تعذر الوفاء به كالسكن إذا خرب. والقائل بذلك: ابن نصر الله، وهو احتمال عند الدجيلي (٣).
سبب الاختلاف: هو سقوط الشرط إذا فُقد جزء منه، سواءً كليًّا أو جزئيًا، فمن قال: إنَّ الشرط يبطل أرجع ذلك إلى أن الشرط قد زال بخراب السكن؛ فيسقط الشرط تبعًا له، ومن قال: لا يبطل الشرط أرجع ذلك إلى أن المسلمين على شروطهم، فإن لم يفِ الزوج ببديل ترتضيه الزوجة، فللمرأة حق فسخ النكاح، والله أعلم.
الأدلة:
أدلة القول الأول: يبطل شرط المرأة إذا تعذر الوفاء به، كالسكن إذا خرب.
استدلوا على ذلك من المعقول:
• أن المنزل إذا خرب فلا يُعدُّ صالحًا للسكن، فيسقط هذا الشرط لعدم المقدرة على الوفاء به.
• أن للزوج أن يسكن بها حيث أراد، سواء رضيت الزوجة أو لا، لأنه الأصل، والشرط عارض، وقد زال بموت الأب، فرجعنا إلى الأصل، وهو محض حقه (٤).
• أن الشرط إذا فقد جزء من المشروط عليه، فإنه لا يلزم الوفاء به.
أدلة القول الثاني: لا يبطل شرط المرأة إذا تعذر الوفاء به، كالسكن إذا خرب:
стр. 503
استدلوا على ذلك من المعقول:
• إن نقلها إلى منزل لا ترتضيه؛ فلها الفسخ (١).
نوقش:
لا نسلم بذلك؛ لأن الصواب أنَّ له أن يسكن بها حيث أراد، سواء رضيت أو لا؛ لأنه الأصل، والشرط عارض وقد زال، فرجعنا إلى الأصل، وهو محض حقه (٢).
الترجيح:
الراجح - والله أعلم- القول الثاني: أن المرأة إذا اشترطت لا تخرج من دار وخربت، فإن الشرط لا يبطل، بل لا بدَّ من توفير سكن ترتضيه المرأة، وقال الشيخ ابن باز ﵀: "المسلمون على شروطهم، إذا شرط أولياء المرأة عليه مكانًا معينًا، والتزم به؛ فعليه أن يبقى في البلد حتى يرضوا بمغادرته إياها … أما التساهل بالشروط فلا، المسلمون عند شروطهم، ويقول عمر ﵁: «مقاطع الحقوق عند الشروط»، فينبغي للمؤمن أن يفي بالشروط، ولا يعجل، ولا يخالف هذا الشرط، ولا يكون مثل المنافقين الذين لا يبالون، بل يلتزم بالشروط، ويقف عندها إلا بأمر ضروري، لا حيلة لهم فيه" (٣).
стр. 504
المطلب الثالث: الكلام في البناء
نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية.
الجامع بين المسألتين: ربط البهوتي ﵀ بين المسألة المبني عليها والمسألة المبنية بسبب العلة، وهو الشرط في النكاح إذا فُقد جزئيًّا أو كليًّا، وربط ﵀ ذلك بفاء التعليل في المسألة المبني عليها في قوله: (فمات الأب) (١) وباء التعليل في المسألة المبنية في قوله: (بخراب) (٢)، وكلاهما يسقط الشرط كما ذكر البهوتي؛ لأن سبب العلة قد زال كليًّا بالموت أو الخراب.
من صرح بالبناء من الحنابلة: الذي يظهر لي - والله أعلم- أن الحجاوي والبهوتي لم يتفردا بهذا البناء، حيث إنَّ البناء قد ذكره المرداوي، حيث قال: "لو شرط ألا يخرجها من منزل أبويها فمات الأب، فالظاهر (٣): أن الشرط يبطل. ويحتمل ألا يخرجها من منزل أمها إلا أن تتزوج الأم. ولو تعذر سكنى المنزل، لخراب أو غيره فهل يسقط حقها من الفسخ بنقلها عنه؟ أفتيت بأنه إن نقلها إلى منزل ترتضيه هي، فلا فسخ. وإن نقلها إلى منزل لا ترتضيه، فلها الفسخ. ولم أقف فيه على نقل. انتهى" (٤).
صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة:
غير الصريحة:
- واو العطف وكاف التشبيه: (وَكَذَا (٥)، ولو (٦).
- لام التعليل، وباء التعليل ونحو: (لخراب (٧)، بِنَحْوِ خَرَابِ (٨)، بخراب (٩).
стр. 505
- أن البناء على وجهين، لذلك المسألة مختلف فيها: (يحتمل وجهين (١).
- الإفتاء يكون فيما لا نص فيه عند إمام المذهب، وهو اجتهاد من أصحاب المذهب (أفتيت (٢).
منهج البهوتي في البناء: يتضح من نص البهوتي أنه يتميز بتوضيح العبارة مع تعليل سبب بناء المسائل على بعضها بقوله: "لأن المنزل صار لأحدهما بعد أن كان لهما؛ فاستحال إخراجها من منزل أبويها، فبطل الشرط" (٣)، وقوله: "لأن الشرط عارض وقد زال، فرجعنا إلى الأصل، والسكنى محض حقه" (٤).
قول الأصوليين في فاء وباء التعليل:
تقدم سابقًا قول الأصوليين في فاء وباء التعليل (٥)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك.
موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب، حيث قال الفتوحي ﵀: " لأن المنزل بعد أن كان للأبوين صار لأحدهما فاستحال إخراجها من منزل أبويها فبطل الشرط" (٦).
стр. 506
الفصل الخامس الفروع المبني بعضها على بعض في مسائل، ووكيل كل واحد من هؤلاء الأولياء ؛ وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: الوكالة في ولاية النكاح.
المبحث الثاني: توكيل المرأة الحاكم.
المبحث الثالث: إذن الحاكم لغيره بالتزويج.
المبحث الرابع: توكيل غير العدل في قبول النكاح.
المبحث الخامس: بيع الوكيل لنفسه.
المبحث السادس: وصي الولي.
стр. 507
المبحث الأول الوكالة في ولاية النكاح؛ وفيه ثلاثة مطالب:
• المطلب الأول: المسألة المبني عليها: هل الولي وكيل للمرأة؟
• المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: هل الحاكم ولي للمرأة؟
• المطلب الثالث: الكلام في البناء.
стр. 508
المبحث الأول: الوكالة في ولاية النكاح ؛ وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: المسألة المبني عليها: هل الولي وكيل للمرأة؟
تمهيد:
من عناية الشريعة الإسلامية بأمور المرأة أنها عنيت بمسائل الولاية والوكالة المتعلقة بنكاحها، وتفرع على ذلك فروع، سنتطرق في هذا المبحث إلى جزء منها، بمشيئة الله.
نص البناء:
قال المصنف ﵀: [(والولي (١) ليس بوكيل (٢) للمرأة)؛ لأنه لم تثبت ولايته من جهتها (ولو كان) الولي (وكيلاً) عنها (لتمكنت من عزله) كسائر الوكلاء، وإنما إذنها حيث اعتبر شرط لصحة تصرفه، فأشبه ولاية الحاكم عليها] (٣).
دراسة البناء:
اختلف فقهاء الحنابلة في كون الولي وكيلاً للمرأة على قولين:
القول الأول: أن الولي ليس بوكيل للمرأة في النكاح. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، الرحيباني (٤).
القول الثاني: أن الولي وكيل للمرأة في النكاح. والقائلون بذلك: ابن قدامة، وابن مفلح، والمرداوي، وغيرهم (٥).
سبب الاختلاف: الذي يظهر لي أن الخلاف في فهم معنى الوكيل والولي في النكاح، والله أعلم، فمن رأى أن الولي هو من له ولاية شرعية -كولي اليتيم وولي المرأة في النكاح- أرجع القول بأن الولي لا يكون
стр. 509
وكيلاً لأنه ولي بالشرع، ومن فهم أن الوكيل هو من يفوض إليه العقد من مالكه قال: إنَّ الولي وكيل قد وكلته المرأة بالعقد في النكاح.
الأدلة:
أدلة القول الأول: أن الولي ليس بوكيل للمرأة في النكاح.
يمكن أن يستدل على ذلك من السنة والمعقول:
أولاً: من السنة:
قوله ﵇: «لا نكاح إلا بولي».
وجه الاستدلال:
دل الحديث على اهتمام الشريعة بأمر النساء، فجعل الولي ضمانًا لإرشاد المرأة إلى ما ينفعها في أمر زواجها، ويقصد بالولي: عصبتها من الرجال، ووليها منهم الأقرب فالأقرب (١).
ثانيًا: من المعقول:
• أن الولاية لا تثبت للولي من جهة المرأة (٢)، إنما من جهة الشرع.
نوقش:
• إن تقرر أنه ليس وكيلاً للمرأة فلا بدَّ من توكيل ولي من يوجب نكاح المرأة (٣).
أدلة القول الثاني: أن الولي وكيل للمرأة في النكاح.
يمكن أن يستدل على ذلك من السنة والمعقول:
أولاً: من السنة:
يستدل بفعل النبي ﵇ عندما تزوج بأم حبيبة وهي بأرض الحبشة (٤)، وزوجها إياه النجاشي، ومهرها أربعة آلاف درهم، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة، وجهزها من عنده، وما بعث رسول الله ﷺ بشيء (٥).
стр. 510
ثانيًا: من المعقول:
أنه عقد معاوضة؛ فجاز التوكيل فيه كالبيع (١).
الترجيح:
الذي يظهر لي ترجيح القول الأول القائل بأن الولي ليس بوكيل؛ للسببين الآتيين:
أولاً: لقوة أدلة القول الأول.
ثانيًا: أن الولاية في النكاح بخصوص مقدرة من الشرع، مرتبة بحسب الأصلح والأولى للمرأة.
стр. 511
المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: هل الحاكم ولي للمرأة؟
اختلف فقهاء الحنابلة في ولاية الحاكم للمرأة على قولين:
القول الأول: أن الولاية لا تكون إلا للأب ثم الأقرب فالأقرب. والقائلان بذلك: ابن قدامة، وأبو الفرج (١).
القول الثاني: أن الحاكم وكيل المرأة إذا لم يكن لها ولي، وظهرت عليها علامات الشهوة. والقائلان بذلك: ابن حامد، وأبو الخطاب (٢).
سبب الاختلاف: الذي يظهر لي أن الخلاف في فهم معنى الوكيل والولي في النكاح - والله أعلم-، فمن رأى أن الولي هو من له ولاية شرعية - كولي اليتيم وولي المرأة في النكاح- أرجع القول بأن الولي هم من ذكروا شرعًا في ولاية المرأة، ومن فهم أن الوكيل هو من يفوض إليه العقد من مالكه قال: إنَّ الحاكم الولي المرأة التي لا ولي لها، فهو ولي بالتوكيل، والله أعلم.
الأدلة:
أدلة القول الأول: أن الولاية لا تكون إلا للأب ثم الأقرب فالأقرب.
يمكن أن يستدل على ذلك من السنة والمعقول:
أولاً: من السنة:
قوله ﵇: «لا نكاح إلا بولي».
وجه الاستدلال:
دل الحديث على اهتمام الشريعة بأمر النساء، فجعل الولي ضمانًا لإرشاد المرأة إلى ما ينفعها في أمر زواجها، ويقصد بالولي: عصبتها من الرجال، ووليها منهم الأقرب فالأقرب.
ثانيًا: من المعقول:
• أن الولاية مبناها على النظر والشفقة، ومظنة ذلك القرابة (٣).
• أن الأحق بالميراث هو الأقرب، فيكون أحق بالولاية (٤).
أدلة القول الثاني: أن الحاكم وكيل المرأة إذا لم يكن لها ولي، وظهرت عليها علامات الشهوة.
يمكن أن يستدل على ذلك من المعقول:
стр. 512
• أنَّ الحاكم ولي المرأة إذا لم يكن لها ولي، وظهرت عليها علامات الشهوة (١).
• أنَّ للحاكم التوكيل كالأب (٢).
• أنَّ التوكيل نوعان: مطلق ومقيد، وكلاهما يحق للحاكم القيام بهما (٣).
الترجيح:
الذي يظهر لي ترجيح القول الأول القائل بأن الولاية لا تكون إلا للأب ثم الأقرب فالأقرب؛ للسببين الآتيين:
أولاً: لقوة أدلة القول الأول.
ثانيًا: أن الولاية في النكاح بخصوص مقدرة من الشرع، مرتبة بحسب الأصلح والأولى للمرأة.
стр. 513
المطلب الثالث: الكلام في البناء
نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية.
الجامع بين المسألتين: جمع البهوتي ﵀ بين المسألة المبني عليها والمسألة المبنية بتشبيه ولاية الولي بولاية الحاكم على المرأة عند عدم الولي فيقوم مقامه.
من صرح بالبناء من الحنابلة: هذه المسألة المبنية لم يتفرد بها البهوتي ﵀، إنما نقلها من الشيخ ابن قدامة، حيث قال ﵀: "فأشبه ولاية الحاكم عليها" (١).
صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة:
غير الصريحة:
- أشبه (٢).
منهج البهوتي في البناء: استخدم البهوتي ﵀ البناء غير الصريح باستخدام التشبيه بين المسألة المبني عليها والمسألة المبنية مع ذكر سبب العلة، حيث قال: لأنه لم تثبت ولايته من جهتها (ولو كان) الولي (وكيلاً) عنها (لتمكنت من عزله) كسائر الوكلاء، وإنما إذنها حيث اعتبر شرط لصحة تصرفه (٣).
قول الأصوليين في أشبه:
تقدم سابقًا قول الأصوليين في التشبيه وأشبه (٤)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك.
موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب (٥)، والدليل على ذلك ما ذكره ابن قدامة في المسألة، وتقرير رأي الحنابلة فيها، بقوله ﵀: "ولنا أنه يلي شرعًا، فكان له التوكيل كالأب، ولا يصح قولهم: إنَّه يلي بالإذن، فإن ولايته ثابتة قبل إذنها، وإنما إذنها شرط لصحة تصرفه؛ فأشبه ولاية الحاكم عليها" (٦).
стр. 514
المبحث الثاني توكيل المرأة للحاكم؛ وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم إذن المرأة لوكيل الولي.
المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم إذن المرأة لوكيل الحاكم.
المطلب الثالث: الكلام في البناء.
стр. 515
المبحث الثاني: توكيل المرأة للحاكم ؛ وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم إذن المرأة لوكيل الولي
تمهيد:
إنَّ الفقهاء ﵏ قد اهتموا بدقائق المسائل وما يتفرع عنها من مسائل متعلقة بالوكالة وأخذ الإذن فيها، ونخص بالذكر في هذا المبحث ما كان متعلقًا بنكاح المرأة.
نص البناء:
قال المصنف ﵀: [(ولا يفتقر) توكيله (إلى حضور شاهدين)؛ لأنه إذن من الولي في التزويج، فلا يفتقر إلى إذن المرأة ولا الإشهاد عليه كإذن الحاكم] (١).
دراسة البناء:
اتفق فقهاء الحنابلة أن إذن المرأة لا يلزم في حال وكل الولي من يزوج المرأة. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، وابن قدامة، وغيرهم (٢).
سبب الاتفاق: الذي يظهر - والله أعلم- أنَّ الاتفاق يرجع لسببين:
السبب الأول: لا بدَّ من إذن المرأة للولي قبل الوكيل (٣).
السبب الثاني: يشترط في وكيل الولي ما يشترط في الولي من: العدالة، والرشد، والذكورة، والبلوغ، والعقل، واتحاد الدين (٤).
وقال المرداوي: "يشترط في وكيل الولي ما يشترط في الولي نفسه. على الصحيح من المذهب" (٥).
الأدلة:
يمكن أن يستدل على ذلك بعموم أدلة الوكالة من الكتاب والمعقول:
أولاً: من الكتاب:
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)﴾ [سورة الكهف: ١٩].
стр. 516
وجه الاستدلال:
دلت الآية على الوكالة وتوكيل ولي المال على من يقوم مقامه، وهذا يدل على صحة التوكيل في كل حق آدمي من العقود عمومًا، ومنها النكاح.
ثانيًا: من المعقول:
• أن الحاجة داعية إلى ذلك، فإنه لا يمكن لكل واحد فعل ما يحتاج إليه، فدعت الحاجة إليها (١).
• أن الوكالة تصح في حقوق الآدميين من: العقود، والفسوخ، والعتاق، والطلاق، والرجعة، وإثبات الحقوق، واستيفائها، والإقرار، والإبراء، وفي تمليك المباحات (٢).
• أن إذن الولي للوكيل لا يشترط في إذن المرأة والإشهاد عليه (٣).
стр. 517
المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم إذن المرأة لوكيل الحاكم
اتفق فقهاء الحنابلة على أن إذن المرأة لا يلزم في حال وكل الحاكم من يزوج المرأة. والقائلون بذلك: البهوتي، وابن قدامة، وأبو الفرج، وغيرهم (١).
سبب الاتفاق:
الذي يظهر - والله أعلم- أنَّ الاتفاق يرجع لسببين:
السبب الأول: لا بدَّ من إذن المرأة للولي قبل الوكيل (٢)، وكذا الحال في الحاكم.
السبب الثاني: يشترط في وكيل الولي ما يشترط في الولي من: العدالة، والرشد، والذكورة، والبلوغ، والعقل، واتحاد الدين (٣)، وكذا الحال في وكيل الحاكم.
الأدلة:
يمكن أن يستدل على ذلك بعموم أدلة الوكالة من الكتاب والمعقول:
أولاً: من الكتاب:
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)﴾ [سورة الكهف: ١٩].
وجه الاستدلال:
دلت الآية على الوكالة وتوكيل ولي المال على من يقوم مقامه، وهذا يدل على صحة التوكيل في كل حق آدمي من العقود عمومًا، ومنها النكاح.
ثالثًا: من المعقول:
• فعل النبي ﵇ والصحابة الكرام للوكالة، وهذا يدل على مشروعيتها إذا توفرت شروط الوكالة في وكيل الولي أو الحاكم (٤).
• أن الحاجة داعية إلى ذلك، فإنه لا يمكن لكل واحد فعل ما يحتاج إليه، فدعت الحاجة إليها (٥).
стр. 518
• أن الوكالة تصح في حقوق الآدميين من: العقود، والفسوخ، والعتاق، والطلاق، والرجعة، وإثبات الحقوق، واستيفائها، والإقرار، والإبراء، وفي تمليك المباحات (١).
• أن إذن الحاكم للوكيل لا يشترط في إذن المرأة والإشهاد عليه (٢).
• أن الحاكم يأذن لغيره في التزويج، فيكون المأذون له قائمًا مقامه (٣).
стр. 519
المطلب الثالث: الكلام في البناء.
نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية.
الجامع بين المسألتين: ربط البهوتي ﵀ بين المسألتين: المبني عليها (حكم إذن المرأة لوكيل الولي)، والمبنية (حكم إذن المرأة في وكيل الحاكم) بعدة أمور:
الأمر الأول: أن المسألتين تتعلقان بعلة مشتركة، وهي إذن المرأة، فهل يلزم في توكيل وكيل الولي إذن المرأة أم لا يلزم، وكذا وكيل ولي الحاكم؟
الأمر الثاني: اشتراك المسألتين في باب واحد، وهو الوكالة.
الأمر الثالث: أن إذن الولي للوكيل وكذا الحاكم لا يشترط في إذن المرأة والإشهاد عليه.
من صرح بالبناء من الحنابلة: هذه المسألة المبنية لم يتفرد بها البهوتي ﵀، إنما ذكرها ابن قدامة بقوله: "ولنا، أنه إذن من الولي في التزويج، فلم يفتقر إلى إذن المرأة، ولا إلى إشهاد، كإذن الحاكم" (١).
صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة:
غير الصريحة:
- كاف التشبيه: (كإذن الحاكم) (٢).
- لام التعليل: (لأنه إذن من الولي) (٣).
منهج البهوتي في البناء: استخدم البهوتي ﵀ البناء غير الصريح باستخدام كاف التشبيه بقوله: "كإذن الحاكم" (٤)، ورتب البهوتي ﵀ بناء الفرع على الفرع لتشابههما في الحالة والحكم كما بينت في دراسة المسألة بين توكيل الولي لوكيل بدون إذن امرأة وتوكيل الحاكم لوكيل بدون إذن المرأة، وعلل سبب الحكم باستخدام لام التعليل بقوله: "لأنه إذن من الولي في التزويج، فلا يفتقر إلى إذن المرأة، ولا الإشهاد عليه كإذن الحاكم" (٥). هذا والله أعلم.
стр. 520
قول الأصوليين في كاف التشبيه ولام التعليل:
تقدم سابقًا قول الأصوليين في كاف التشبيه ولام التعليل (١)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك.
موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب، لأنه القول الصحيح في المذهب لقول المرداوي ﵀: "يشترط في وكيل الولي ما يشترط في الولي نفسه. على الصحيح من المذهب" (٢).
وقال ابن باز ﵀: "لا بأس، يزوِّج، من ينوب عنه مثل أبي المرأة يوكِّل خالها، يوكل أحد أولاده المُرْشِدين ينوبون عنه في التزوج؛ لا بأس، لا بأس أن يوكل الولي من ينوب عنه في تزويج ابنته أو أخته أو بنت أخيه، يوكل من هو صالح للزواج إن كان مرشدًا كخالها المرشد، كأخيها كعمها المرشد، لا بأس" (٣).
стр. 521
المبحث الثالث إذن الحاكم لغيره بالتزويج؛ وفيه ثلاثة مطالب:
• المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم ثبوت ولاية الإجبار لوكيل الولي في النكاح.
• المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم إذن الحاكم لغيره بالتزويج.
• المطلب الثالث: الكلام في البناء.
стр. 522
المبحث الثالث: إذن الحاكم لغيره بالتزويج ؛ وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم ثبوت ولاية الإجبار لوكيل الولي في النكاح
تمهيد:
من الملاحظ في هذا المبحث والمبحث السابق ترابط المسائل وتفرعها على بعض في الغالب، إلا أن كل مسألة لها حالتها الخاصة، وفي هذا المبحث سنتعرف على حكم ثبوت ولاية الإجبار لوكيل الولي في النكاح، وحكم ثبوت ولاية الإجبار لوكيل الحاكم في النكاح.
نص البناء:
قال المصنف ﵀: [(ويثبت له) أي: للوكيل (ما يثبت لموكل حتى في الإجبار) لأنه نائبه، وكذا الحكم في السلطان والحاكم] (١).
دراسة البناء:
اتفق فقهاء الحنابلة على ثبوت ولاية الإجبار (٢) لوكيل الولي في النكاح. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، وابن قدامة، وغيرهم (٣).
سبب الاتفاق:
الذي يظهر - والله أعلم- أنَّ الاتفاق يرجع لثلاثة أسباب:
السبب الأول: لا بدَّ من إذن المرأة للولي قبل الوكيل (٤).
السبب الثاني: يشترط في وكيل الولي ما يشترط في الولي من: العدالة، والرشد، والذكورة، والبلوغ، والعقل، واتحاد الدين (٥)، وكذا الحال في وكيل الحاكم.
السبب الثالث: يشترط في ولاية الإجبار بخصوص أربعة شروط: أن يزوجها من كفء بمهر المثل، وألا يكون الزوج معسرًا، وألا يكون بينها وبين الأب عداوة ظاهرة، وأن يزوجها بنقد البلاد (٦).
стр. 523
الأدلة:
يمكن أن يستدل على ذلك من الأثر والمعقول:
أولاً: من الأثر:
ما رُوي عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ تزوجها وهي بنت ست سنين، وأدخلت عليه وهى بنت تسع سنين، ومكثت عنده تسعًا» (١).
وجه الاستدلال:
دل الأثر على ثبوت التزويج من الأب بولاية الإجبار، إذ كان ذلك من فعل أبي بكر ﵁، وقال النخعي: للأب إجبار بنته كبيرة كانت أو صغيرة، بكرًا كانت أو ثيبًا (٢).
ثانيا: من المعقول:
• فلأن الولد موهوب لأبيه، ومن ثم فهو أحق الناس به، قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [سورة الأنبياء: ٩٠]. وقال زكريا ﵇: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [سورة آل عمران: ٣٨]، وقال ﷺ : «أنت ومالك لأبيك» (٣)(٤).
• أن الأب أكمل نظرًا وأشد شفقة؛ فوجب تقديمه في الولاية (٥).
• أن الولاية احتكام، واحتكام الأصل على فرعه أولى من العكس (٦).
стр. 524
المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم ثبوت ولاية الإجبار لوكيل الحاكم في النكاح
اتفق فقهاء الحنابلة على ثبوت ولاية الإجبار لوكيل الحاكم في النكاح. والقائلون بذلك: ابن قدامة، والمرداوي، والبهوتي، وغيرهم (١).
سبب الاتفاق:
الذي يظهر - والله أعلم- أنَّ الاتفاق يرجع لأربعة أسباب:
السبب الأول: أن ولاية الحاكم عامة، تدخل فيها ولاية الإجبار والأموال، فما يثبت للوكيل يثبت لمن وكله (٢).
السبب الثاني: لا بدَّ من إذن المرأة للولي قبل الوكيل (٣).
السبب الثالث: يشترط في وكيل الولي ما يشترط في الولي من: العدالة، والرشد، والذكورة، والبلوغ، والعقل، واتحاد الدين (٤)، وكذا الحال في وكيل الحاكم.
السبب الرابع: يشترط في ولاية الإجبار بخصوص أربعة شروط: أن يزوجها من كفء بمهر المثل، وألا يكون الزوج معسرًا، وألا يكون بينها وبين الأب عداوة ظاهرة، وأن يزوجها بنقد البلاد (٥).
الأدلة:
يمكن أن يستدل من السنة والمعقول:
أولاً: من السنة:
قال النبي ﵇: «السلطان ولي من لا ولي له» (٦).
وجه الاستدلال:
стр. 525
دل منطوق الحديث أن السلطان يقوم مقام الولي لمن ليس له ولي شرعي، ويفهم أن إحالة ولاية النكاح لغيره فيما يرى فيه مصلحة تثبت لغيره ممن وكلهم، وقال ابن قدامة: "للسلطان ولاية عامة بدليل أنه يلي المال، ويحفظ الضوال، فكانت له الولاية في النكاح كالأب" (١).
ثانيًا: من المعقول:
• لا خلافَ بين أهل العلم في أن للسلطان ولاية تزويج المرأة عند عدم أوليائها أو عضلهم (٢)، وكذا من ينوب عنه بالوكالة.
• يثبت لوكيل الحاكم والسلطان ما يثبت لموكله في الإجبار (٣).
• أنَّ الوكيلَ قبل أن يوكله الوليُّ أجنبيٌّ وبعد توكيله ولي (٤)، وكذا ولي الحاكم والسلطان.
• أن للسلطان والحاكم أن يأذن لغيره في التزويج، فيكون المأذون له قائمًا مقامه (٥).
• أن للسلطان ولاية عامة بدليل أنه يلي المال، ويحفظ الضوال، فكانت له الولاية في النكاح كالأب (٦)، وكذا ما يثبت لوكيل الأب يثبت لوكيل لسلطان والحاكم.
стр. 526
المطلب الثالث: الكلام في البناء.
نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية.
الجامع بين المسألتين: جمع البهوتي ﵀ بين المسألة المبني عليها والمبنية برابط العلة المشتركة، وهي ولاية الإجبار وثبوتها في كل من وكيل الولي والحاكم، لأنه ينوب عنهم في قوله: " (ويثبت له) أي للوكيل (ما يثبت لموكل حتى في الإجبار)؛ لأنه نائبه، وكذا الحكم في السلطان والحاكم" (١)، فلو نظرنا لهاتين المسألتين لوجدنا أن الولي له ولاية خاصة على من ولاه الله إياه في من هم تحت يده من الصغار، وكذا الحاكم له ولاية عامة تشمل الولاية الخاصة، ومن مقاصد الشريعة الإسلامية الاهتمام بالنفس البشرية ومراعاة أحوالها وتدبير شؤونها لما فيه مصلحة النفس والمال وغيرها، ومنها نكاح المرأة ومن يتولى ذلك، سواء الولي أو الحاكم، ومن يقوم مقام الولي والحاكم في حال انشغالهما أو غيابهما وهو ما تطرقت إليه في هذا المبحث.
من صرح بالبناء من الحنابلة: هذه المسألة المبنية لم يتفرد بها البهوتي ﵀، إنما ذكرها ابن قدامة بقوله: "ويثبت للوكيل ما يثبت للموكل، وإن كان للولي الإجبار ثبت ذلك لوكيله … لأنه نائب فيثبت له مثل ما ثبت لمن ينوب عنه. وكذلك الحكم في السلطان والحاكم يأذن لغيره في التزويج، فيكون المأذون له قائمًا مقامه" (٢).
صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة:
غير الصريحة:
- لام التعليل: (لأنه نائبه) (٣)، (لأنه نائب) (٤).
- كاف التشبيه وواو العطف: (وكذا الحكم في السلطان والحاكم) (٥) (وكذلك الحكم في السلطان والحاكم) (٦).
منهج البهوتي في البناء: أجاد البهوتي ﵀ في البناء في عدة أمور، منها:
أولاً: استخدم البهوتي ﵀ البناء غير الصريح باستخدام أسلوب العطف وكاف التشبيه، حيث وضح السبب الذي من أجله اتحد الحكم في كلا الفرعين.
стр. 527
ثانيًا: ذكر السبب الذي من أجله علل الحكم بين المسألة المبني عليها والمسألة المبنية بقوله: "لأنه نائبه" (١).
قول الأصوليين في كاف التشبيه وواو العطف ولام التعليل:
تقدم سابقًا قول الأصوليين في واو العطف وكاف التشبه ولام التعليل (٢)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك.
موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب، لأنه القول الصحيح في المذهب لقول المرداوي ﵀: "يشترط في وكيل الولي ما يشترط في الولي نفسه، على الصحيح من المذهب" (٣).
وقال ابن باز ﵀: "لا بأس، يزوِّج، من ينوب عنه مثل أبي المرأة يوكِّل خالها، يوكل أحد أولاده المُرْشِدين ينوبون عنه في التزوج؛ لا بأس، لا بأس أن يوكل الولي من ينوب عنه في تزويج ابنته أو أخته أو بنت أخيه، يوكل من هو صالح للزواج إن كان مرشدًا كخالها المرشد، كأخيها كعمها المرشد، لا بأس" (٤).
стр. 528
المبحث الرابع توكيل غير العدل في قبول النكاح؛ وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم عدالة وكيل الزوج.
المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم توكيل الفاسق بالقبول لنفسه ولغيره.
المطلب الثالث: المسألة المبنية الثاني: حكم لو وكل مسلم نصرانيًّا في قبول نكاح نصرانية.
المطلب الرابع: المسألة المبنية الثالثة: حكم توكيل الزوج للعبد والصبي المميز لقبول النكاح.
المطلب الخامس: الكلام في البناء.
стр. 529
المبحث الرابع: توكيل غير العدل في قبول النكاح ؛ وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم عدالة وكيل الزوج.
تمهيد:
في هذا المبحث سنلاحظ ترابط المسائل وتفرعها على بعض في الغالب، وكيفية دمج البهوتي ﵀ بين عدة مسائل لعلة واحدة أقام عليها الحكم.
نص البناء:
قال المصنف ﵀: [(ولا يشترط في وكيل الزوج عدالته (١) فيصح توكيل فاسق في قبوله؛ لأن الفاسق (٢) يصح قبوله النكاح لنفسه فصح قبوله لغيره، وكذا لو وكل مسلم نصرانيًّا في قبول نكاح نصرانية لصحة قبول ذلك لنفسه … (فإن وكله) أي: العبد أو الفاسق أو الصبي (الزوج في قبول النكاح) صح، لأن الفاسق ونحوه يصح قبوله النكاح لنفسه فصح لغيره وتقدم (أو وكله الأب) أي: وكل عبدًا أو فاسقًا أو صبيًّا مميزًا (في قبوله) النكاح لابنه (كابنه الصغير) أو لمن تحت حجره (صح) التوكيل لما تقدم] (٣).
دراسة البناء:
اختلف فقهاء الحنابلة في اشتراط عدالة وكيل الزوج على قولين:
القول الأول: لا يشترط في وكيل الزوج عدالته. والقائلون بذلك: ابن قدامة، والمرداوي، والحجاوي، واختاره أبو الخطاب، وابن عقيل (٤).
القول الثاني: يشترط في وكيل الزوج عدالته. والقائلون بذلك: ابن مفلح، واختاره القاضي، واحتمال عند ابن قدامة (٥).
سبب الاختلاف: الذي يظهر لي من كلام الفقهاء واختلافهم أن سبب الاختلاف في المسألة يرجع إلى: هل العدالة شرط في الوكيل أم لا؟ فمن قال: لا تشترط، أرجع ذلك إلى أن نكاحه لنفسه يقبل، فكذا لو وكل في نكاح غيره، ومن قال: تشترط، رأى أن النكاح لا يصح ويفسد بعدم عدالة الوكيل.
стр. 530
الأدلة:
أدلة القول الأول: لا يشترط في وكيل الزوج عدالته.
يمكن أن يستدل على ذلك من الكتاب والمعقول بعموم الأدلة في الولي:
أولاً: من الكتاب:
قال تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [سورة النور: ٣٢].
وجه الاستدلال:
دلت الآية على خطاب لعامة المؤمنين، ولم يفرق بين العدل والفاسق، وقال ابن القيم: "والعادة شاهدة بأن الرجل - ولو كان من الفساق- فإنه يحتاط لابنته ولا يضيعها، ويحرص على الخير لها بجهده، وإن قدر خلاف ذلك، فهو قليل بالنسبة إلى المعتاد، والشارع يكتفي في ذلك بالباعث الطبيعي" (١).
الثاني: من المعقول:
• أنه يلي نكاح نفسه، فتثبت له الولاية على غيره، كالعدل (٢).
• أنه يصح قبولهم النكاح لأنفسهم، فجاز أن ينوبوا فيه عن غيرهم، كالبيع (٣).
• ولم يمنع النبي ﷺ ولا أحد من الصحابة فاسقًا من تربية ابنه وحضانته له، ولا من تزويجه موليته (٤)، وكذلك وكيل الزوج.
أدلة القول الثاني: يشترط في وكيل الزوج عدالته.
يمكن أن يستدل من المعقول:
• أن النكاح يفسد بانتفاء عدالة المتولي له (٥).
• أنه أحد طرفي العقد، فلم يجز توكيله فيه كالإيجاب (٦).
• أن الولاية نظرية، يشترط فيها العدالة، كولاية المال (٧).