← Каваид фикха

Каваид фикха · id 30152

بناء الفروع على الفروع - من كشاف القناع

حسنة القرني

Полный текст (856 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

المبحث الأول إذا استوى وليَّان فأكثر في الدرجة ؛ وفيه أربعة مطالب: • المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم نكاح وليَّين وأكثر استويا في الدرجة. • المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم إذا استوى وليَّان فأكثر في الدرجة، فأذنت لهم جميعًا. • المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم إذا تساووا في الدرجة وتعذر الجمع. • المطلب الرابع: الكلام في البناء.

стр. 562

المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم نكاح وليَّين وأكثر استويا في الدرجة تمهيد: من سعة الشريعة الإسلامية أنها استوعبت جميع الحالات التي قد تطرأ في الولاية أثناء النكاح، ومن ذلك وجود عدد من الأولياء للمرأة يستوون في الدرجة أثناء عقد النكاح، وهو ما سوف نتحدث عنه في هذا المبحث. نص البناء: قال المصنف ﵀: [(فصل وإذا استوى وليان فأكثر) لامرأة (في الدرجة) كإخوة لها كلهم لأبوين أو لأب أو أعمام كذلك، أو بني إخوة كذلك (فإن أذنت لواحد منهم) بعينه (تعين ولم يصح نكاح غيره) ممن لم تأذن لعدم الإذن (وإن أذنت لهم) أي: لكل واحد منهم أن يزوجها (صح التزويج من كل واحد منهم)؛ لأن سبب الولاية موجود في كل واحد منهم. (والأولى تقديم أفضلهم) أي: المستوي (علمًا ودينًا ثم) إن استووا في العلم والدين قدم (أسنهم)؛ لأن النبي ﷺ «لما قدم إليه محيصة (١) وحويصة (٢) وعبد الرحمن بن سهل (٣) وكان أصغرهم، فقال النبي ﷺ : كبر كبر - أي: قدم الأكبر- فتقدم حويصة»؛ ولأنه أحوط للعقد في اجتماع شروطه والنظر في الحظ (فإن تشاحوا) أي: الأولياء المستوون في الدرجة (أقرع بينهم)؛ لأنهم تساووا في الحق وتعذر الجمع (فإن سبق غير من قرع) أي: من خرجت له القرعة (فزّوج) وقد أذنت لهم (صح) التزويج؛ لأنه تزويج صدر من ولي كامل الولاية بإذن موليته، فصح منه كما لو انفرد بالولاية؛ ولأن القرعة إنما شرعت لإزالة المشاحة] (٤).

стр. 563

دراسة البناء: اتفق فقهاء الحنابلة أن نكاح وليَّين وأكثر استويا في الدرجة صح التزويج من كل واحد منهم، فإن أذنت لأحدهما كان الولاية لمن أذنت له. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، المرداوي، والرحيباني، والبهوتي، وغيرهم (١). سبب الاتفاق: أن الولاية موجودة في كل واحد منهم (٢). الأدلة: يمكن أن يستدل على ذلك من السنة والمعقول: أولاً: من السنة: قال رسول الله ﷺ : «إذا باع المجيران فالبيع للأول، وإذا نكح الوليان فالنكاح للأول» (٣). وجه الاستدلال: دل الحديث أن عقد النكاح من الوليين يصح ولا يكون للمتقدم منهما، ولا يكون ذلك إلا بإذن المرأة، وقال ابن القيم نقلاً عن الشافعي: "فِيهِ دلَالَة على أَن الْوكَالَة فِي النِّكَاح جائزة" (٤). ثانيًا: من المعقول: • أن سبب الولاية موجود في كل واحد منهم (٥).

стр. 564

• أنهم أحوط للعقد في اجتماع شروطه والنظر في الحظ (١). • أنه تزويج صدر من ولي كامل الولاية بإذن موليته، فصح منه كما لو انفرد بالولاية (٢).

стр. 565

المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم إذا استوى وليَّان فأكثر في الدرجة، فأذنت لهم جميعًا. اتفق فقهاء الحنابلة أنهم إذا استووا في الدرجة فإنه يقدم الأفضل علمًا ودينًا، فإن استووا يقدم أكبرهم سننًا، القائلون بذلك: البهوتي والمرداوي و الرحيباني وغيرهم (١) سبب الاتفاق: يرجع السبب هنا لأمرين (الولاية، والقياس): ١ - أن الولاية موجودة في كل واحد منهم (٢). ٢ - قياس على الإمامة في المكتوبات (٣). الأدلة: استدلوا على ذلك من السنة والمعقول: أولاً: من السنة: أن النبي ﷺ «لما قدم إليه محيصة وحويصة وعبد الرحمن بن سهل وكان أصغرهم، فقال النبي ﷺ : كبر كبر - أي: قدم الأكبر- فتقدم حويصة» (٤). وجه الاستدلال: دل منطوق الحديث أن الأفضل تقديم الأكبر، ودل مفهومه تقديم الأفضل علمًا ودينًا، فإن تساووا قدموا الأكبر، وكذا العمل في الأولياء إذا استووا في الدرجة. ثانيًا: من المعقول: o أنه أحوط للعقد في اجتماع شروطه والنظر في الحظ (٥). o إن استوى وليان في الدرجة فأحقهما أولاهما بالإمامة في المكتوبات (٦). o أن مراحل التقديم بين الأولياء تقوم علي الأفضل فالأفضل، فيقدم أهل العلم والدين والورع والخبرة بذلك، ثم الأسن (٧).

стр. 566

المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم إذا تساووا في الدرجة وتعذر الجمع اتفق فقهاء الحنابلة أن أولياء المرأة إذا تساووا في الدرجة وتعذر الجمع وتشاحوا في ذلك أنه يقرع بينهم. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والمرداوي، وغيرهم (١). سبب الاتفاق: يرجع السبب هنا لأمرين (الولاية، والقياس): ١ - أن الولاية موجودة في كل واحد منهم (٢). ٢ - قياس على الإمامة في المكتوبات (٣). يمكن أن يستدل على ذلك من المعقول: o الأولياء المستوون في الدرجة إذا تشاحوا أقرع بينهم؛ لأنهم تساووا في الحق وتعذر الجمع (٤). o أنه اذا استوى الأولياء في درجة واحدة في الصلاة على الميت استووا وتشاحوا، أقرع بينهم، كما في سائر الصلوات، وكذلك في هذا الفرع (٥). o أن حقهم استوى في القرابة، وقد كان النبي ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه لتساوي حقوقهن (٦). o أن القرعة إنما شرعت لإزالة المشاحة (٧).

стр. 567

المطلب الرابع: الكلام في البناء نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية. الجامع بين المسائل: الذي يظهر لي - والله أعلم- بين الأفرع في المسائل المبني عليها (حكم نكاح وليَّين وأكثر استويا في الدرجة) والمبنية (حكم إذا استوى وليَّان فأكثر في الدرجة فأذنت لهم جميعًا) و (حكم إذا تساووا في الدرجة وتعذر الجمع) أن العلة المشتركة بينها هو التساوي في الدرجة، وكلهم يصح منهم الولاية، وقد تمت دراسة كل فرع على حدة. من صرح بالبناء من الحنابلة: هذه المسألة المبنية لم يتفرد بها البهوتي ﵀، إنما نقلها من الشيخ ابن قدامة، حيث قال: "فصل: إذا استوى الأولياء في الدرجة، كالإخوة وبنيهم، والأعمام وبنيهم، فالأولى تقديم أكبرهم وأفضلهم؛ … إن تشاحوا ولم يقدموا الأكبر، أقرع بينهم؛ لأن حقهم استوى في القرابة، وقد كان النبي ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه لتساوي حقوقهن" (١). صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة: الصريحة: - (بناء على الروايتين في ولاية النكاح) (٢). غير الصريحة: - فاء التعليل: (فإن تشاحوا) (٣). - لام التعليل: (لوجود سبب الولاية) (٤). منهج البهوتي في البناء: استخدم البهوتي ﵀ البناء غير الصريح باستخدام أوجه الشبه بين المسألتين المبنية والمبني عليها، وما يثمر من بنائه هو اتحاد الحكم بين المسائل، كما أنه يورد سبب التعليل في الغالب في كل فرع، حيث قال في المسألة المبني عليها: "لأن سبب الولاية موجود في كل واحد منهم"، وقال في المسألة المبنية الأولى: "ولأنه أحوط للعقد في اجتماع شروطه والنظر في الحظ"، وقال في المسألة المبنية الثانية: "ولأن القرعة إنما شرعت لإزالة المشاحة".

стр. 568

قول الأصوليين في فاء التعليل: تقدم سابقًا قول الأصوليين في فاء والتعليل (١)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك. موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب، لأنه القول المعتمد في المذهب كما ذكر المرداوي بقوله: "وإذا استوى الأولياء في الدرجة: صح التزويج من كل واحد منهم بلا نزاع" (٢).

стр. 569

المبحث الثاني نكاح المرأة من زوجين في وقت واحد ؛ وفيه ثلاثة مطالب: • المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم نكاح المرأة إذا تزوجت الزوج الثاني، وهي ذات زوج، ولم يعلم بذلك. • المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم إذا وقع النكاحان معًا. • المطلب الثالث: الكلام في البناء.

стр. 570

المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم نكاح المرأة إذا تزوجت الزوج الثاني، وهي ذات زوج، ولم يعلم بذلك تمهيد: من حرص الشريعة على أحكام النكاح أنها عنيت بأدق المسائل التي بني عليها صحة النكاح من بطلانه، وسنعرض بعض فروع المسائل الدالة على ذلك. نص البناء: قال المصنف ﵀: [(فإن دخل بها الثاني وهو لا يعلم أنها ذات زوج فرق بينهما)؛ لبطلان نكاحه (فإن كان وطئها وهو لا يعلم، فهو وطء شبهة يجب لها به مهر المثل، وترد للأول)؛ لأنها زوجته. (ولا تحل له) أي: للأول (حتى تنقضي عدتها) من وطء الثاني؛ للعلم ببراءة رحمها منه. (ولا ترد الصداق الذي يؤخذ من الداخل بها) وهو الثاني (على) الزوج الأول (الذي دفعت إليه)؛ لأنه لا يملك التصرف في بضعها، فلا يملك عوضه، بخلاف منفعة العين المؤجرة، فإنها ملك للمستأجر يتصرف فيها، فعوضها له (ولا يحتاج النكاح الثاني إلى فسخ؛ لأنه باطل، ولا يجب لها المهر إلا بالوطء دون مجرد الدخول) أي: الخلوة من غير وطء (و) دون الفرج كالمفاخذة؛ لأنه نكاح باطل لا حكم له (وإن وقعا) أي: النكاحان (معًا) أي: في وقت واحد (بطلا) أي: فهما باطلان من أصلهما، ولا يحتاجان إلى فسخ؛ لأنه لا يمكن تصحيحهما، ولا مرجح لأحدهما على الآخر (ولا مهر لها على واحد منهما، ولا يرثانها، ولا ترثهما)؛ لأن العقد الباطل وجوده كعدمه] (١). دراسة البناء: اتفق فقهاء الحنابلة على بطلان نكاح الزوج الثاني إذا دخل بالمرأة المتزوجة وهو لا يعلم، ويفرق بينهما. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، وابن قدامة، والزركشي، والرحيباني، والخرقي، وغيرهم (٢). سبب الاتفاق: لبطلان النكاح بعدم معرفته أنها ذات زوج، فلو علم أنها ذات زوج ما تزوجها (٣). الأدلة: ويمكن أن يستدل على ذلك من الكتاب والمعقول: أولاً: من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].

стр. 571

وجه الاستدلال: دلت الآية الكريمة على أن المعتدة لا يجوز نكاحها حتى تنقضي عدتها، فما دامت المرأة على ذمة رجل ولم يفرق بينهما بطلاق أو عن طريق الحاكم، فنكاحها باطل من الرجل الثاني، وإن لم يعلم. ثانيًا: من المعقول: • أن المتفق على بطلانه لا يقع فيه الطلاق؛ لأنه باطل، والطلاق فرع عن النكاح (١). • يقاس عدم علم الزوج الثاني بنكاح المرأة التي دخل بها، كمن تزوج أخته من الرضاع غير عالم، فهذا النكاح باطل (٢).

стр. 572

المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم إذا وقع النكاحان معًا اتفق فقهاء الحنابلة أنه إذا وقع نكاحان في وقت واحد بطل نكاح المرأة. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والخرقي، والرحيباني، وابن قدامة، وغيرهم (١). سبب الاتفاق: الجمع في وقت واحد هذا باطل لتعذر الجمع معاً. استدلوا على ذلك من المعقول: الأدلة: • أن العقدين وقعا معًا، لم يسبق أحدهما الآخر، فهما باطلان لا حاجة إلى فسخهما (٢). • أنهما باطلان من أصلهما، ولا مهر لها على واحد منهما، ولا ميراث لها منهما، ولا يرثها واحد منهما لذلك (٣). • أن الجمع يتعذر فبطلا، كالعقد على أختين، ولا حاجة إلى فسخهما لبطلانهما (٤).

стр. 573

المطلب الثالث: الكلام في البناء نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية. الجامع بين المسألتين: جمع البهوتي ﵀ بين المسألتين المبني عليها والمبنية بجامع العلة المشتركة بينهما، وهي أن المسألتين تتكلمان على الأنكحة الباطلة، فنكاح المرأة إذا تزوجت الزوج الثاني وهي ذات زوج ولم يعلم بذلك، وإذا وقع النكاحان معًا، كلاهما من الأنكحة الباطلة. من صرح بالبناء من الحنابلة: المسألة المبنية لم يتفرد بها البهوتي ﵀، إنما ذكرها ابن قدامة بقوله: "فإن دخل بها الثاني وهو لا يعلم أنها ذات زوج، فرق بينهما، وكان لها عليه مهر مثلها، ولم يصبها زوجها حتى تحيض ثلاث حيض بعد آخر وقت وطئها الثاني" (١). صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة: غير الصريحة: - لام التعليل: (لبطلان نكاحه) (٢). منهج البهوتي في البناء: استخدم البهوتي ﵀ البناء غير الصريح باستخدام أوجه الشبه بين المسألتين المبنية والمبني عليها، وما يثمر من بنائه هو اتحاد الحكم بين المسائل، كما أنه يورد سبب التعليل في الغالب في كل فرع، حيث قال في المسألة المبني عليها: "لبطلان نكاحه" والمسألة المبنية: "أي: فهما باطلان من أصلهما ولا يحتاجان إلى فسخ؛ لأنه لا يمكن تصحيحهما، ولا مرجح لأحدهما على الآخر (ولا مهر لها على واحد منهما، ولا يرثانها، ولا ترثهما)؛ لأن العقد الباطل وجوده كعدمه". قول الأصوليين في لام التعليل: تقدم سابقًا قول الأصوليين في لام التعليل (٣)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك. موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب، حيث أشار لذلك المرداوي ﵀ بقوله: "يبطل النكاحان معًا، وهو المذهب" (٤).

стр. 574

المبحث الثالث لو جهل السابق من الزوجين وطلقها الحاكم ؛ وفيه ثلاثة مطالب: • المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم نكاح المرأة إن جهل السابق من الزوجين. • المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم لو طلق الحاكم بعد معرفة السابق من الزوجين. • المطلب الثالث: الكلام في البناء.

стр. 575

المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم نكاح المرأة إن جهل السابق من الزوجين تمهيد: من حرص الشريعة وعنايتها لأحكام النكاح أنها عنيت بأدق المسائل التي بني عليها فسخ النكاح أو حل إشكال كالجهل بالأسبق من الزوجين، وما يترتب على ذلك من أحكام، سواء في النكاح والطلاق، وفي هذا المبحث سنتطرق لبعض الفروع الدالة على ذلك. نص البناء: قال المصنف ﵀: [(وإن جهل السابق) منهما (مثل جهل السبق) بأن جهل هل وقعا معًا أو مرتبين (أو علم عين السابق) من العقدين (ثم جهل) أي: نسي (أو علم السبق) كما لو علم أن أحدهما قبل الزوال والآخر بعده (وجهل السابق) منهما (فسخهما حاكم)؛ لأن أحدهما صحيح ولا طريق للعلم به (ولها نصف المهر يقترعان عليه) فمن خرجت عليه القرعة غرمه؛ لأن عقد أحدهما صحيح وقد انفسخ نكاحه من غير جهة الزوجة قبل الدخول؛ فوجب عليه نصف المهر (وكذا لو طلقاها) وجب على أحدهما نصف المهر بقرعة، وإذا عقد عليها أحدهما بعد ذلك فلا ينبغي أن ينقص عدد طلاقه لهذه الطلقة، لأنا لم نتحقق أن عقده هو الصحيح حتى يقع طلاقه، ذكر معناه الشيخ تقي الدين] (١). دراسة البناء: اختلف فقهاء الحنابلة في حكم النكاح إن جهل السابق من الزوجين على قولين: القول الأول: أنه يفسخ النكاح على الصحيح. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، وابن قدامة، وغيرهم (٢). القول الثاني: أن يقرع بينهم، ولها نصف المهر. والقائلون بذلك: النجاد، والقاضي، وأبو الخطاب، والشيرازي (٣). سبب الاختلاف: الجهل بمن سبق، فمن أرجع القول بفسخ النكاح؛ لأن ذلك من إزالة الضرر، وأنه لا سبيل في الجمع ولا معرفة الزوج يقينًا، وأما من قال الأولى القرعة، أرجع ذلك إلى أن القرعة يُؤخذ بها في الشرع للتمييز، وتزيل الإبهام، فهي حجة وبينة تفيد الحل ظاهرًا. الأدلة:

стр. 576

أدلة القول الأول: أن جهل السابق من الزوجين يفسخ النكاح. ويمكن أن يستدل على ذلك من المعقول: • أنه فسخ مختلف فيه، والمختلفات ترجع إلى الحكام (١). • أن كل واحد من الزوجين (الأول والثاني) والحال هذه يُحتمل أن نكاحه صحيح، ولا سبيل إلى الجمع، ولا إلى معرفة الزوج يقينًا، والانتظار لا إلى غاية مجهول، فتعين فسخ النكاحين، لإزالة الضرر المنفي شرعًا (٢). • أن عقد أحدهما صحيح، وقد انفسخ قبل الدخول؛ فوجب عليه نصف المهر (٣). أدلة القول الثاني: أن جهل السابق من الزوجين الأول أو الثاني يقرع بينهما، ولها نصف المهر. ويمكن أن يستدل على ذلك من المعقول: • أن القرعة جعلت في الشرع حكمًا للتمييز (٤). • أن القرعة تزيل الإبهام، وقد دخلت في السفر بإحدى نسائه، والبداءة بالمبيت عند إحداهن (٥). • أن القرعة قد دخلت في استدامة النكاح، كما إذا طلق واحدة من نسائه لا بعينها، أو بعينها ثم أنسيها على المشهور، فكذلك في ابتدائه (٦). • إن القرعة جعلها الشارع حجة وبينة تفيد الحل ظاهرًا، كالشهادة والنكول (٧). نوقش: وينبغي ألا تجبر المرأة على نكاح من خرجت له القرعة، بل لها أن تتزوج من شاءت منهما ومن غيرهما (٨). يجاب: • ضعف هذا أبو العباس، فقال: وإن جهل الأول منهما فسخ النكاحان (٩).

стр. 577

• قال الشيخ تقي الدين ﵀: وليس هذا بالجيد، فإنا على هذا القول إذا أمرنا المقروع بالفرقة، وقلنا: لها ألا تزوج القارع خلت منهما، فلا يبقى بين الروايتين فرق، ولا يبقى للقرعة أثر أصلاً، بل تكون لغوًا، وهذا تخليط (١). • يجب لزوجة القارع، النفقة وسكنى، ونحو ذلك (٢). • ولا يحل له الوطء إلا بعد التجدد، حتى يحكم بالزوجية ويكون التجديد عليه وعليها (٣). الترجيح: الذي يظهر لي - والله أعلم- أن الراجح هو القول الثاني: إنْ جهل السابق من الزوجين الأول أو الثاني يقرع بينهما، ولها نصف المهر، وذلك لعدة أسباب: الأول: أن القرعة جعلها الشارع حجة وبينة تفيد الحل ظاهرًا كالشهادة والنكول (٤)، فتكون كذلك حجة في النكاح. الثاني: ورد في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية نصوصٌ دلت على صحة العمل بالقرعة عند الحاجة إليها (٥). الثالث: تستعمل القرعة عند المبهم من الحقوق، فنلجأ إلى القرعة حتى يتبين من القرعة المستحق، فيدفع الخلاف حيث لا مرجح ولا مزية لأحدهما على الآخر بالقرعة، فمن خرجت القرعة له حكم بالحق له (٦).

стр. 578

المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم لو طلق الحاكم بعد معرفة السابق من الزوجين الأول والثاني بالقرعة اختلف فقهاء الحنابلة في حكم: لو طلق الحاكم بعد معرفة السابق من الزوجين الأول والثاني بالقرعة على قولين: القول الأول: أنه لا يؤمر من لم تخرج له القرعة بالطلاق، ولا مهر عليه. والقائلون بذلك: القاضي، وابن عقيل، وأبو الخطاب، وأبو بكر (١)، وغيرهم (٢). القول الثاني: يؤمر المقروع له بالطلاق، ولها نصف المهر. ومن القائلين بذلك: ابن البنا (٣)، ومهنا (٤) (٥). سبب الاختلاف: نتيجة القرعة، فمن قال: لا يؤمر من لم تخرج له القرعة بالطلاق ولا مهر يرى أن هذا الزوج لا ينطبق عليه كلمة زوج حقيقة، فليس له حق الطلاق أو المهر، ومن رأى أن المقروع له الطلاق فيكون زوجًا حقيقةً، ونصف المهر لوجود العقد. الأدلة: أدلة القول الأول: لا يؤمر من لم تخرج له القرعة بالطلاق، ولا مهر عليه. استدلوا على ذلك من المعقول:

стр. 579

• أنهما مجبران على الطلاق، فلم يلزمهما مهر (١). • كما لو فَسَخ الحاكمُ نِكاحَ رجلٍ لعُسْرَتِه أو غَيبَتِه أو عنته (٢). أدلة القول الثاني: يؤمر المقروع له بالطلاق، ولها نصف المهر. استدلوا على ذلك من المعقول: • أن عقد أحدهما صحيح، وقد انفسخ نكاحه قبل الدخول، فوجب عليه نصف مهرها، كما لو خالعها (٣). • إذا عقد عليها أحدهما بعد ذلك فلا ينبغي أن ينقص عدد طلاقه لهذه الطلقة، لأنا لم نتحقق أن عقده هو الصحيح حتى يقع طلاقه (٤). الترجيح: الذي يظهر لي - والله أعلم- أن الراجح هو القول الثاني: يؤمر المقروع له بالطلاق، ولها نصف المهر، وذلك لعدة أسباب، وهي ما ذكرته في الترجيح السابق في المسألة المبني عليها.

стр. 580

المطلب الثالث: الكلام في البناء نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء لم يكن بلفظ صريح في المسألة المبنية. الجامع بين المسألتين: الناظر للمسألة المبنية والمسألة المبني عليها يجد أن الجامع بينهما أنَّ كلاً من حكم نكاح المرأة إن جهل السابق من الزوجين الأول والثاني، وتطليق الحاكم بعد معرفة السابق من الزوجين الأول والثاني بالقرعة، العلة بينهما الجهالة في أول الأمر في كلٍّ منهما ثم بعد القرعة في المسألة المبنية والمسألة المبني عليها، والذي اتضح لي من خلال الدراسة أن الزواج والطلاق قبل الدخول يوجب لها نصف المهر، هذا والله أعلم. من صرح بالبناء من الحنابلة: هذه المسألة المبنية لم يتفرد بها البهوتي ﵀، إنما كانت منقولة عن المرداوي، حيث قال: "الثانية: إذا أمر غير القارع بالطلاق فطلق، فلا صداق عليه. جزم به في المحرر، والرعايتين، والحاوي الصغير، وغيرها. الثالثة: لو فسخ النكاح أو طلقها، فقال أبو بكر: لا مهر لها عليهما. حكاها عنه ابن شاقلا، والمصنف، والشارح، وغيرهم، وقاله القاضي في المجرد، وابن عقيل. حكاه عنه أبو الحسن الخرزي (١)، وحكاه رواية في الفروع وغيره. ونقل مهنا: لها نصف الصداق يقترعان عليه. وهو المذهب. نص عليه" (٢). صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة: الصريحة: - (وعلى رواية) (٣). - (فعلى القول) (٤)، (فعلى هذه الرواية) (٥)، (فعلى هذا) (٦). غير الصريحة: - واو العطف (وكذا) (٧).

стр. 581

منهج البهوتي في البناء: أجاد البهوتي ﵀ في البناء في عدة أمور، منها: أولاً: تعليل السبب الذي من أجله علل الحكم بين المسألة المبني عليها والمسألة المبنية: • لأن أحدهما صحيح ولا طريق للعلم به (١). • فمن خرجت عليه القرعة غرمه؛ لأن عقد أحدهما صحيح وقد انفسخ نكاحه من غير جهة الزوجة قبل الدخول، فوجب عليه نصف المهر (٢). • لأنا لم نتحقق أن عقده هو الصحيح حتى يقع طلاقه (٣). ثانيًا: التصريح، ذكر القائلين بمعنى المسألة، حيث قال: (ذكر معناه الشيخ تقي الدين) (٤). قول الأصوليين في واو العطف: تقدم سابقًا قول الأصوليين في واو العطف (٥)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك. موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب (٦)، لأنه القول الصحيح في المذهب، حيث قال المرداوي: (فعلى هذا: يفسخه الحاكم، على الصحيح من المذهب) (٧) (ونقل مهنا: لها نصف الصداق يقترعان عليه، وهو المذهب) (٨).

стр. 582

المبحث الرابع القرعة في العتق والطلاق ؛ وفيه أربعة مطالب: • المطلب الأول: المسألة المبني عليها الأولى: حكم القرعة في العتق إذا لم يعلم الأسبق. • المطلب الثاني: المسألة المبني عليها الثانية: حكم القرعة في الطلاق إذا لم يعلم الأسبق. • المطلب الثالث: المسألة المبنية: حكم ميراث المرأة من الزوجين اللذين لم تعرف الأسبق منهم. • المطلب الرابع: الكلام في البناء.

стр. 583

المطلب الأول: المسألة المبني عليها الأولى: حكم القرعة في العتق إذا لم يعلم الأسبق تمهيد: من المتعارف عليه في المذهب الحنبلي أن الشخص إذا نسي من حدده بعينه فإن القرعة تحل هذا الإشكال، وهو ما سوف نتطرق له في هذا المبحث في مسائل العتق والطلاق والإرث. نص البناء: قال المصنف ﵀: [(وإن لم تقر لواحد منهما) بالسبق (أقرع بينهما، وكان لها ميراثها ممن تقع لها القرعة عليه) قياسًا على القرعة في العتق والطلاق وغيرهما] (١). دراسة البناء: اتفق الفقهاء الحنابلة أن العتق يصح بالقرعة في حال نسيان المعتق من العبيد. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والمرداوي، والسامري، وابن مفلح، وغيرهم (٢). سبب الاتفاق: أن بالقرعة أصبح المعتق حرًّا، فتجب له كامل حقوق الحرية في حال نسيان المعتق من قبل سيده. الأدلة: استدلوا على ذلك المعقول: • أن مستحق العتق واحد غير معين فميز بالقرعة (٣). • أن العتق حق في تفريقه ضرر، فوجب جمعه بالقرعة كقسمة الإجبار (٤) (٥). • ثبت الأصل بقرعته ﷺ بين العبيد الستة، ولأن الحق لواحد غير معين، فوجب تعيينه بقرعة، كإعتاق عبيده في مرضه، وكالسفر بإحدى نسائه، وكالمنسية (٦).

стр. 584

المطلب الثاني: المسألة المبني عليها الثانية: حكم القرعة في الطلاق إذا لم يعلم الأسبق اتفق فقهاء الحنابلة أن الطلاق يصح بالقرعة في حال نسيان المطلقة بعينها. والقائلون بذلك: القاضي أبو يعلى، والكوسج، وابن قدامة، والبهوتي، وغيرهم (١). سبب الاتفاق: أنها بالقرعة أصبحت إحدى زوجاته مطلقة شرعًا، وهي من عينت بالقرعة، فتجب عليها العدة. الأدلة: استدلوا على ذلك المعقول: • أنه لما صح استدامة النكاح بالقرعة وهو إذا طلق إحدى نسائه وأنسيها أو طلق واحدة لا يعنيها، أنه تخرج المطلقة بالقرعة (٢). • أن المذهب أن المنسية تخرج بالقرعة (٣). • أن الطلاق إزالة ملك بني على التغليب والسراية، فتدخله القرعة كالعتق (٤).

стр. 585

المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم ميراث المرأة من الزوجين اللذين لم تعرف الأسبق منهم اتفق فقهاء الحنابلة أن المرأة لها ميراثها من الزوج الذي يظهر لها بالقرعة إذا لم تقر لواحد منهما بالسبق. والقائلون بذلك: ابن قدامة، والمرداوي، والحجاوي، والبهوتي (١). سبب الاتفاق: أنها بالقرعة أصبحت زوجة له فتجب لها كامل الحقوق من الميراث والسكن والنفقة وغيره. الأدلة: استدلوا على ذلك المعقول: • أن من خرجت له القرعة فهي زوجته بحيث يجب عليه نفقتها وسكناها وورثته، لكن لا يطأ حتى يجدد العقد لحل الوطء فقط، هذا قياس المذهب (٢). • أن القرعة جعلت في الشرع حكمًا للتمييز (٣). • أن القرعة تزيل الإبهام، وقد دخلت في السفر بإحدى نسائه، والبداءة بالمبيت عند إحداهن (٤). • أن القرعة قد دخلت في استدامة النكاح، كما إذا طلق واحدة من نسائه لا بعينها، أو بعينها ثم أنسيها على المشهور، فكذلك في ابتدائه (٥). • إن القرعة جعلها الشارع حجة وبينة تفيد الحل ظاهرًا، كالشهادة والنكول (٦). روي ذلك عن الإمام أحمد، قال: لا تستعمل القرعة في الطلاق، إنما تستعمل في معرفة الميراث، سألت أحمد عن الرجل يطلق امرأة من نسائه، ولا يعلم أيتهن طلق، قال: أكره أن أقول في الطلاق بالقرعة. قلت: أرأيت إن مات بعدها؟ قال: أقول بالقرعة، وذلك لأنه تصير القرعة على المال (٧).

стр. 586

المطلب الرابع: الكلام في البناء نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء كان بلفظ صريح في المسألة المبنية. الجامع بين المسائل: أن العلة المشتركة بين المسألتين المبني عليها والمسائل المبنية هي الجهالة، فالجهالة في الأسبق في النكاح ثم مات، هنا ترث بالقرعة، وكذا الحال في العتق والطلاق، وقد بينت ذلك في دراسة المسألة. من صرح بالبناء من الحنابلة: الذي ظهر لي - والله أعلم- من خلال دراسة المسائل أن البهوتي رحمه تفرد هنا بالجمع بين المسائل وقياسها بالعلة المشتركة، وهي الجهالة في المسائل المذكورة، فتكون القرعة حلاً في تمييز الزوج التي ترث منه المرأة إذا جهل الأسبق، وتمييز العبد المعتق إذا جهل عينه، وتمييز الزوجة المطلقة إذا نسى تعيينها. ولو نظرنا لكتب المذهب نجد أنهم يوردون المسائل لكن منفردة، كلٌّ في بابها، ولا يربطون بينها بالعلة المشتركة كما فعل البهوتي ﵀. صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة: الصريحة: - (قياس على) (١). منهج البهوتي في البناء: استخدم البهوتي ﵀ البناء بصيغ صريحة، وقد تفرد بذلك في هذه المسألة. قول الأصوليين في القياس: تقدم سابقًا قول الأصوليين خلال القسم الدراسي، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك. موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب (٢)، لأنه القول الصحيح في المذهب، حيث قال المرداوي عن القرعة في طلاق المنسية: أن المنسية تخرج بالقرعة، وهذا المذهب، نقله الجماعة عن الإمام أحمد ﵀، واختاره جماهير الأصحاب، وجزم به في الوجيز (٣) وغيره … هذا المشهور، وهو المذهب، قال

стр. 587

الزركشي (١): هذا منصوص الإمام أحمد ﵀، وعليه عامة الأصحاب: الخرقي، والقاضي، وأصحابه، وغيرهم (٢). وقال المرداوي كذلك في العتق: "قوله (وإن أعتق عبدًا، ثم أنسيه: أخرج بالقرعة) إما المعتق أو وارثه، وهذا بلا نزاع. وهو من مفردات المذهب" (٣) (٤).

стр. 588

الفصل السابع الفروع المبني بعضها على بعض في مسائل المحرمات من النكاح ؛ وفيه سبعة مباحث: • المبحث الأول: نكاح المرضعة وبنتها وأم المرتضع على أبي المرتضع وأخيه وأخته من النسب. • المبحث الثاني: النظر بشهوة للميتة والصغيرة التي لا توطأ. • المبحث الثالث: الجمع غير المحرم. • المبحث الرابع: نكاح الكتابي للمجوسية ووطؤها. • المبحث الخامس: نكاح نساء الدروز والنصيرية والتيامنة. • المبحث السادس: نكاح الكتابي الحر للأمة. المبحث السابع: نكاح الحر لأمة أخيه أو لأمة عمه أو لأمة جده.

стр. 589

المبحث الأول نكاح المرضعة وبنتها وأم المرتضع على أبي المرتضع وأخيه وأخته من النسب ؛ وفيه أربعة مطالب: • المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم نكاح أم الأخ وأخت الابن من الرضاع. • المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم نكاح المرضعة وبنتها على أبي المرتضع وأخيه من النسب. • المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم نكاح أم المرتضع وأخته من النسب على أبي المرتضع وأخو المرتضع. • المطلب الرابع: الكلام في البناء.

стр. 590

المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم نكاح أم الأخ وأخت الابن من الرضاع تمهيد: من عناية الشريعة الإسلامية حرصها على المحافظة على المروءة، وصون العرض، وتوضيح ذلك أن القرابة القريبة أعطاها الشرع من الوقار والاحترام ما يجعلها منزهة عن اللهو والعبث، ومن ذلك مسائل الرضاع، إذ تأخذ حكم القرابة القريبة كالأمهات والأخوات إلا أن يستثنى من ذلك مسائل سنتعرض إليها في هذا المبحث: نص البناء: قال المصنف ﵀: [(قال ابن البناء وابن حمدان وصاحب الوجيز (١): إلا أم أخيه وأخت ابنه يعنون فلا تحرمان بالرضاع وفيها) أربع (صور؛ ولهذا قيل إلا المرضعة وبنتها على أبي المرتضع وأخيه من النسب و) إلا (عكسه) أي: أم المرتضع وأخته من النسب لا يحرمان على أبي المرتضع ولا ابنه الذي هو أخو المرتضع في الرضاع (والحكم) الذي هو الإباحة في المسائل الأربعة (صحيح ويأتي في الرضاع لكن الأظهر) وقال في التنقيح وغيره: لكن الصواب (عدم الاستثناء، لأن إباحتهن لكونهن في مقابلة من يحرم بالمصاهرة لا في مقابلة من يحرم من النسب، والشارع إنما حرم من الرضاع ما يحرم من النسب، لا ما يحرم بالمصاهرة)] (٢). دراسة البناء: اختلف فقهاء الحنابلة في استثناء نكاح أم الأخ وأخت الابن من الرضاع على قولين:

стр. 591

القول الأول: أنه تستثنى أم الأخ وأخت الابن فلا تحرمان بالرضاع. والقائلون بذلك: ابن البناء (١)، وابن حمدان (٢)، والدجيلي (٣) (٤). القول الثاني: أنه لا تستثنى أم الأخ وأخت الابن فتحرمان بالرضاع. والقائل بذلك: المرداوي (٥). سبب الاختلاف: الذي ظهر لي أن سبب الاختلاف يرجع لسبب الاستثناء في كلا القولين، فأصحاب القول الأول: يرون أنهم لا يحرمون بالرضاع، وإنما يصح نكاح أم الأخ وأخت الابن من الرضاع، يرجع ذلك لأنها أجنبية، وأصحاب القول الثاني: يرون أنَّ الاستثناء غير صحيح، إنما أم الأخ وأخت الابن من الرضاع محرمات لكن بسبب آخر غير الرضاع، وهو أن أم الأخ تحرم من جهة المصاهرة، وأخت الابن من الرضاع تحرم لكونها ربيبة. الأدلة: أدلة القول الأول: أنه تستثنى أم الأخ وأخت الابن فلا تحرمان بالرضاع. استدلوا على ذلك من المعقول:

стр. 592

• أن أم أخيه وأخت ابنه من الرضاع تحل كبنت عمته وعمه، وبنت خالته وخاله (١). • إنهما يحرمان من النسب، ولا يحرمان بالرضاع (٢). نوقش: أن أم أخيه إنما حرمت من غير الرضاع، من جهة أخرى لكونها زوجة أبيه. وذلك من جهة تحريم المصاهرة، لا من جهة تحريم النسب (٣). أدلة القول الثاني: لا تستثنى أم الأخ وأخت الابن فتحرمان بغير الرضاع. استدلوا على ذلك من المعقول: • أن إباحتهن لكونهن في مقابلة من يحرم بالمصاهرة لا في مقابلة من يحرم بالنسب، والشارع إنما حرم من الرضاع ما يحرم من النسب، لا ما يحرم بالمصاهرة (٤). • أن أم أخيه إنما حرمت من غير الرضاع، من جهة أخرى لكونها زوجة أبيه، وذلك من جهة تحريم المصاهرة، لا من جهة تحريم النسب (٥). • أن أخت الابن إنما حرمت لكونها ربيبة، فلا حاجة إلى استثنائهما (٦). الترجيح: الذي يظهر لي - والله أعلم- ترجيح القول الأول: عدم تحريم أم الأخ وأخت الابن من الرضاع لأنهما أجنبيتان. ولقد سئل الشيخ ابن باز ﵀ في سؤال مشابه لمسألتنا هنا، حيث قال السائل: يوجد لي أخ رضع من امرأة ويوجد لها فتاة، هل يجوز لي أن أتقدم بطلب يد هذه الفتاة لزواجها أم لا؟ إذا كان أخوك ارتضع من أمها وأنت لم ترتضع من أمها فلا بأس، إنما تحرم على أخيك، إذا كان ارتضع من أمها حرمت عليه هو، إذا كان الرضاع خمس رضعات أو أكثر في الحولين حرمت عليه، أما أنت فلست منها في شيء، فلا حرج عليك أن تتزوجها إذا كانت أجنبية، رضع منها أخوك فبناتها حرم على أخيك إذا كان الرضاع كاملاً، خمس

стр. 593

رضعات فأكثر، وكان رضاعه منها في الحولين، فإنه يكون ولدًا لها، وتكون بناتها أخوات له، أما أنت فأجنبي، فلا حرج عليك أن تتزوج إحدى بناتها. نعم (١).

стр. 594

المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم نكاح المرضعة وبنتها على أبي المرتضع وأخيه من النسب اختلف فقهاء الحنابلة في استثناء نكاح المرضعة وبنتها على أبي المرتضع وأخيه من النسب على قولين: القول الأول: أنه تستثنى المرضعة وبنتها على أبي المرتضع وأخيه من النسب، فلا تحرمان بالرضاع. والقائلون بذلك: ابن البناء، وابن حمدان، والدجيلي (١). القول الثاني: أنه لا تستثنى المرضعة وبنتها على أبي المرتضع وأخيه من النسب، فتحرمان بغير الرضاع. والقائل بذلك: المرداوي (٢). سبب الاختلاف: الذي ظهر لي أن سبب الاختلاف يرجع لسبب الاستثناء في كلا القولين: فأصحاب القول الأول: يرون أنه لا يحرم بالرضاع المرضعة وبنتها على أبي المرتضع وأخيه من النسب، وإنما يصح النكاح، ويرجع ذلك لأنها أجنبية. وأصحاب القول الثاني: يرون أن الاستثناء غير صحيح، وأنَّ المرضعة وبنتها تحرمان على أبي المرتضع وأخيه من النسب لكن بسبب آخر غير الرضاع، وهو أن المرضعة تحرم من جهة المصاهرة، وبنتها تحرم لكونها ربيبة. الأدلة: أدلة القول الأول: أنه تستثنى المرضعة وبنتها على أبي المرتضع وأخيه من النسب، فلا تحرمان بالرضاع: استدلوا على ذلك من المعقول: • يصح للمرضعة نكاح أبي الطفل المرتضع وأخيه وعمه وخاله (٣). • يصح على زوج المرضعة نكاح أم الطفل المرتضع، وأخته، وعمته، وخالته (٤). • لا بأس أن يتزوج أولاد المرضعة وأولاد زوجها إخوة الطفل المرتضع وأخواته (٥). أدلة القول الثاني: أنه لا تستثنى المرضعة وبنتها على أبي المرتضع وأخيه من النسب، فتحرمان بغير الرضاع. استدلوا على ذلك من المعقول:

стр. 595

أولا: من المعقول: • أن إباحتهن لكونهن في مقابلة من يحرم بالمصاهرة لا في مقابلة من يحرم من النسب، والشارع إنما حرم من الرضاع ما يحرم من النسب، لا ما يحرم بالمصاهرة)] (١). • أن البنت من الرضاع لا يصح نكاحها لرواية عبد الله بن أحمد: أنها محرمة، كالبنت من الزنا، فلا إيراد إذن (٢). نوقش: ليس على هذا الضابط إيراد صحيح (٣). الترجيح: الذي يظهر لي - والله أعلم- ترجيح القول الأول: عدم تحريم المرضعة وبنتها على أبي المرتضع وأخيه من النسب؛ لأنهما أجنبيتان. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "في باب الرضاع إن أقارب المرتضع لا ينتشر إليهم التحريم ما عدا فروعه -أي: ذريته-، وإلا فجميع أقارب المرتضع لا ينتشر إليهم التحريم، ولهذا يجوز لأخ المرتضع من النسب أن يتزوج أم المرتضع من الرضاع مع أنها أم لأخيه، وأن يتزوج أخت المرتضع من الرضاع مع أنها أخت لأخيه. وبناءً على هذه القاعدة التي أشرنا إليها، وهي: أن الرضاع لا ينتشر حكمه إلا إلى المرتضع نفسه وإلى من تفرع منه من ذريته، لقول النبي ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (٤) " (٥).

стр. 596

المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم نكاح أم المرتضع وأخته من النسب على أبي المرتضع وأخيه اختلف فقهاء الحنابلة في استثناء نكاح أم المرتضع وأخته من النسب على أبي المرتضع وأخيه على قولين: القول الأول: أنه يستثنى نكاح أم المرتضع وأخته من النسب على أبي المرتضع وأخيه، فلا تحرمان بالرضاع. والقائلون بذلك: ابن البناء، وابن حمدان، والدجيلي (١). القول الثاني: أنه لا يستثنى نكاح أم المرتضع وأخته من النسب على أبي المرتضع وأخيه، فتحرمان بغير الرضاع. والقائل بذلك: المرداوي (٢). سبب الاختلاف: الذي ظهر لي أن سبب الاختلاف يرجع لسبب الاستثناء في كلا القولين: فأصحاب القول الأول: يرون أنهم لا يحرمون بالرضاع، وإنما يصح نكاح أم المرتضع وأخته من النسب، ويرجع ذلك إلى أنهما أجنبيتان. وأصحاب القول الثاني: يرون أنَّ الاستثناء غير صحيح، لأنَّ أم المرتضع محرمة لكن بسبب آخر غير الرضاع، وهو التحريم من جهة المصاهرة. الأدلة: أدلة القول الأول: أنه تستثنى أم المرتضع وأخته من النسب على أبي المرتضع وأخيه، فلا تحرمان بالرضاع. استدلوا على ذلك من المعقول: • تحل أم المرتضع وأخته من نسب لأبيه وأخيه من رضاع؛ لأنهن في مقابلة من يحرم بالمصاهرة لا بالنسب (٣). • لا بأس أن يتزوج الرجل أخت أخيه من الرضاع، لأنه ليس بينهما رضاع، ولا نسب (٤). أدلة القول الثاني: أنه لا يستثنى نكاح أم المرتضع وأخته من النسب على أبي المرتضع وأخيه، فتحرمان بغير الرضاع.

стр. 597

استدلوا على ذلك من المعقول: • أن إباحتهن لكونهن في مقابلة من يحرم بالمصاهرة لا في مقابلة من يحرم من النسب، والشارع إنما حرم من الرضاع ما يحرم من النسب لا ما يحرم بالمصاهرة (١). الترجيح: الذي يظهر لي - والله أعلم- ترجيح القول الأول: عدم تحريم أم المرتضع وأخته من النسب لأنهما أجنبيتان. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: "إن هناك قاعدة في باب الرضاع: أن الرضاع يؤثّر في المرتضع وفروعه، أما أصوله وحواشيه فلا أثر لهم في الرضاع إطلاقًا، ولهذا يجوز لأخ المرتضع أن يتزوّج أمه، ويجوز لأبي المرتضع أن يتزوّج أمها أيضًا" (٢).

стр. 598

المطلب الرابع: الكلام في البناء نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء كان بلفظ صريح في المسألة المبنية. الجامع بين المسائل: أن العلة المشتركة بين المسألة المبني عليها والمسائل المبنية أن كل الحالات المذكورة سابقًا أجنبيات يصح النكاح منهنَّ، وقد بينت ذلك من خلال دراسة البناء. من صرح بالبناء من الحنابلة: هذه المسألة المبنية لم يتفرد بها البهوتي ﵀، إنما نقلها من الشيخ الدجيلي: "وَيَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ، إِلَّا أُمَّ أَخِيهِ وَأُخْتَ ابْنه" (١). صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة: والذي يظهر لي أن البناء هنا فهم من سياق الكلام، حيث رتب الحكم على المسائل، قال: "الذي هو الإباحة في المسائل الأربعة" بناء على العلة المشتركة (٢). منهج البهوتي في البناء: أجاد البهوتي ﵀ في البناء في عدة أمور، منها: أولاً: بيان الحكم في المسائل، وذكر القول الراجح في المسألة، حيث يقول ﵀: [(والحكم) الذي هو الإباحة في المسائل الأربعة (صحيح ويأتي في الرضاع لكن الأظهر)] (٣). ثانيًا: التصريح بذكر القول المخالف دون الإجمال كما فعل الحجاوي ﵀، حيث قال: "وقال في التنقيح وغيره: لكن الصواب" (٤). ثالثًا: توضيح عدد المسائل التي ينطبق عليها الحكم، حيث قال: "الذي هو الإباحة في المسائل الأربعة" (٥). قول الأصوليين في واو العطف: تقدم سابقًا قول الأصوليين في واو العطف (٦)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك.

стр. 599

موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب (١)، لأنه القول المعتمد في المذهب كما ذكر المرداوي بقوله: "فلا تحرم المرضعة على أبي المرتضع، ولا أخيه، ولا تحرم أم المرتضع ولا أخته على أبيه من الرضاع ولا أخيه) بلا نزاع" (٢).

стр. 600

المبحث الثاني النظر بشهوة للميتة والصغيرة التي لا توطأ، وفيه ثلاثة مطالب: • المطلب الأول: المسألة المبني عليها: هل يثبت التحريم بالوطء للميتة أو الصغيرة التي لا توطأ؟ • المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم النظر بشهوة للميتة والصغيرة التي لا توطأ. • المطلب الثالث: الكلام في البناء.
следующие страницы →