المبحث الأول تسمية المهر؛ وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم لو سمّى المهر في نكاح الشغار لكل واحدة بشكل مستقل عن بُضع الأخرى.
المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم لو كان المهر المسمى حيلة ولكنه كثير.
المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم لو سمّى المهر لإحداهما ولم يسمِّ للأخرى.
المطلب الرابع: المسألة المبنية الثالثة: حكم لو جعل رقبة الجارية صداقًا لابنته.
المطلب الخامس: الكلام في البناء.
стр. 632
المبحث الأول: تسمية المهر ؛ وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم لو سمّى المهر في نكاح الشغار لكل واحدة بشكل مستقل عن بُضع الأخرى
تمهيد:
إنَّ من عناية الفقهاء الاهتمام بدقائق المسائل، وما يتفرع عنها من فروع، وما ينبني عليها من أحكام، وفي هذا المبحث - بإذن الله- سنتطرق لفروع تتكلم عن حالات خاصة تفرعت من نكاح الشغار (١)، ولم تفسر به في الغالب.
نص البناء:
قال المصنف ﵀: [(فإن سموا) لكل واحدة منهما (مهرًا كأن يقول: زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك ومهر كل واحدة مائة أو) قال أحدهما (ومهر ابنتي مائة ومهر ابنتك خمسون أو أقل) منها (أو أكثر صح) العقد عليها (بالمسمى نصًا) قال في المجرد والفصول في المثال المذكور: المنصوص عن أحمد أن النكاح صحيح. وقال الخرقي: باطل قالا.
والصحيح الأول؛ لأنه لما لم يحصل في هذا العقد تشريك وإنما حصل فيه شرط، فبطل الشرط وصح، قال الشيخ تقي الدين: وفيه مخالفة للأصول من أربعة وجوه وذكرتها في الحاشية.
ومحل الصحة (إن كان) المسمى لكل واحدة منهما (مستقلاً) عن بضع الأخرى، فإن جعل المسمى دراهم وبضع الأخرى لم يصح كما تقدم، ومحل الصحة أيضًا إن كان (غير قليل حيلة) سواء كان مهر المثل أو أقل، فإن كان قليلاً حيلة لم يصح لما تقدم في بطلان الحيل على تحليل محرم، وظاهره إن كان كثيرًا صح ولو حيلة، وعبارة المنتهى تبعًا للتنقيح تقتضي فساده.
واعترضه المصنف في حاشية التنقيح كما أوضحته في حاشية المنتهى (ولو سمى) المهر (لإحداهما ولم يسم للأخرى صح نكاح من سمي لها)؛ لأن في نكاح المسمى لها تسمية وشرطًا فأشبه ما لو سمي لكل واحدة منهما مهر.
"فائدة".
لو قال: زوجتك جاريتي هذه على أن تزوجني ابنتك، وتكون رقبتها صداقًا لابنتك؛ لم يصح تزويج الجارية في قياس المذهب؛ لأنه لم يجعل لها صداقًا سوى تزويج ابنته، وإذا زوجه ابنته على أن يجعل رقبة الجارية صداقًا لها صح؛ لأن الجارية تصلح أن تكون صداقًا.
стр. 633
وإن زوج عبده امرأة وجعل رقبته صداقًا لم يصح الصداق؛ لأن ملك المرأة زوجها يمنع صحة النكاح فيفسد الصداق ويصح النكاح ويجب مهر المثل. قاله في الشرح] (١).
دراسة البناء:
اختلف فقهاء الحنابلة في نكاح الشغار إذا سمى المهر هل يصح هذا النكاح؟ على قولين:
القول الأول: يصح نكاح الشغار في حال تسمية المهر لكل من العقدين. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والزركشي، والمرداوي، وغيرهم (٢).
القول الثاني: لا يصح نكاح الشغار في حال تسمية المهر لكل من العقدين. والقائلون بذلك: الخرقي، وأبو بكر، وابن تيمية، وأبو الخطاب، وغيرهم (٣).
سبب الاختلاف: الذي يظهر لي أن سبب الاختلاف يرجع إلى أمرين:
الأمر الأول: من رأى أن نكاح الشغار ليس له إلا حالة واحدة وحتى لو كان فيه مهر لأن المقصود المرأة وليس المهر، قالوا: لا يصح.
الأمر الثاني: من رأى أن نكاح الشغار إذا وجد فيه مهر مثلها في كلا الزوجين، وأن كل واحدة منهما راضية بالزواج من الآخر: فلا بأس بالزواج المذكور، وليس من الشغار المحرم، فقالوا: يصح.
الأدلة:
أدلة القول الأول: يصح نكاح الشغار في حال تسمية المهر لكل من العقدين.
استدلوا على ذلك من السنة والمعقول:
أولاً: من السنة:
عن ابن عمر ﵄: «أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن الشغار، والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، وليس بينهما صداق» (٤).
وجه الاستدلال:
стр. 634
دل الحديث على النهي عن نكاح الشغار وبيان صفته، وما كان على هذه الصفة بلا صداق فهو منهي عنه لفساده، بينما لو سمي الصداق زال ما نهي عنه ﷺ ، هذا والله أعلم وأجل.
ثانيًا: من المعقول:
• أنه لما لم يحصل في هذا العقد تشريك وإنما حصل فيه شرط فبطل الشرط وصح العقد (١).
• أن محل الصحة استقلال المسمى لكل واحدة منهما عن بضع الأخرى (٢).
• أن محل الصحة إن كان المسمى ليس بحيلة، سواء كان مهر المثل أو أقل (٣).
• أن الإيجاب قد تقدم في أحد العقدين، فصار كل واحد منهما منكحًا ناكحًا، وقد يجوز ضمنًا ما لا يجوز ابتداء (٤).
أدلة القول الثاني: لا يصح نكاح الشغار في حال تسمية المهر لكل من العقدين.
استدلوا على ذلك من الأثر والمعقول:
أولاً: من الأثر:
أن العباس بن عبد الله بن عباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم (٥) ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وقد كانا جعلا صداقًا، فكتب معاوية بن أبي سفيان ﵄ إلى مروان بن الحكم يأمره بالتفريق بينهما، وقال في كتابه: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله ﷺ » (٦).
وجه الاستدلال:
стр. 635
دل الأثر على أن نكاح الشغار حتى لو كان هناك صداقًا مسمى بينهما فإن النكاح باطل لفعل معاوية ﵁ (١).
نوقش:
بأن أحمد ﵀ ضعفه من قبل راويه ابن إسحاق، وبأنه يحمل على أنهما كانا جعلا مهرًا قليلاً حيلة (٢).
- يجاب عنه:
- النكاح جائز، ولكل واحدة منهما مهر مثلها، ومعنى النهي في هذا عندهم أن يستحل الفرج بغير مهر (٣).
- قَالَ الأثرم عنه: إذا كانا صداقًا فليس بشغار إلا أن الأحاديث كلها ليس كما روى ابن إسحاق في حديث معاوية، وابن إسحاق ليس ممن يعتمد عَلَى حديثه (٤).
ثانيًا: من المعقول:
١ - أن فيه تقدم القبول في النكاح الأول على الإيجاب، وهذا غير جائز (٥).
نوقش:
إنما جوزه هنا؛ لكون الإيجاب قد تقدم في أحد العقدين، فصار كل واحد منهما منكحًا ناكحًا، وقد يجوز ضمنًا ما لا يجوز ابتداء (٦).
٢ - أن قول: على أن تزوجني، مضارع متصل بـ «أن»، وذلك يقتضي تخليصه للاستقبال، فيكون معناه: على أن تزوجني بعد هذا ابنتك، ومثل هذه الصيغة لا تصح قبولاً متقدمًا عند من يجيز تقدم القبول على الإيجاب (٧).
نوقش:
الاستقبال فيه لتراخي إجابة الثاني، المتضمنة لإيجابه، وهو متضمن قبول الأول (٨).
стр. 636
٤ - أن هذا مثل بيعتين في بيعة (١).
٥ - أن النبي ﷺ نهي عن نكاح المرأة على عمتها وخالتها على التحريم، وكذلك نهي عن نكاح المتعة، فكذلك هذا النكاح (٢).
٦ - أنه إن وقع النكاح على هذه الصفة كان باطلاً، لأن النبي ﷺ نهي عنه (٣).
الترجيح:
الذي يظهر لي ترجيح القول الأول القائل بصحة نكاح الشغار في حال تسمية المهر لكل من العقدين.
وقد اختار هذا القول سماحة الشيخ محمد بن ابراهيم ﵀، فإنه سئل عن نكاح البدل إذا كانت كل واحدة من الزوجتين راضية، وكان لها مهرها كاملاً. فأجاب: "إذا كان الأمر كما ذكرت من أن لكل واحدة من الزوجتين مهر مثلها، وأن كل واحدة منهما راضية بالزواج من الآخر: فلا بأس بالزواج المذكور، وليس من الشغار المحرم، وبالله التوفيق" (٤).
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: إذا كان المهر مهر مثلها لم ينقص، والمرأة قد رضيت بالزوج، وهو كفء لها، فإن هذا صحيح، وهذا هو الصحيح عندنا، أنه إذا اجتمعت شروط ثلاثة: وهي الكفاءة، ومهر المثل، والرضا، فإن هذا لا بأس به؛ لأنه ليس هناك ظلم للزوجات، فقد أعطين المهر كاملاً، وليس هناك إكراه، بل غاية ما هنالك أن كل واحد منهما قد رغب ببنت الآخر، فشرط عليه أن يزوجه .. فظاهر الأدلة يقتضي أنه إذا وجد مهر العادة، والرضا، والكفاءة، فلا مانع" (٥).
стр. 637
المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم لو كان المهر المسمى حيلة ولكنه كثير
اتفق فقهاء الحنابلة على أن نكاح الشغار لو سمي المهر وكان كثيرًا بحيلة أو بغير حيلة صح النكاح. والقائلون بذلك من وجهين:
الوجه الأول: من قال يصح بحيلة: الحجاوي، والبهوتي، والزركشي، وابن مفلح، وغيرهم (١).
الوجه الثاني: من قال يصح بلا حيلة: المرداوي، والبهوتي، والبَعْلي (٢).
سبب الاتفاق: يرجع سبب الاتفاق إلى أمرين:
الأمر الأول: أن المهر إذا سمي ووجد كان النكاح صحيحًا بحيلة وبغير حيلة؛ لأن فساد التسمية لا تفسد العقد.
الأمر الثاني: أن يكون المهر مهر المثل في الغالب.
الأدلة:
استدل الوجه الأول: برواية الأثرم إذا تزوجها بشرط الخيار، أو إن جاءها بالمهر في وقت كذا، وإلا فلا نكاح؛ فإنَّ النكاح جائز، والشرط باطل; إذ فساد التسمية لا يوجب فساد العقد، كما لو تزوجها على خمر ونحوه، فعلى هذا يجب مهر المثل (٣).
استدل الوجه الثاني على ذلك المعقول:
• أن يكون المهر مستقلاً، غير قليل ولا حيلة (٤).
• أن يكون المهر مهر المثل، وإلا فلا (٥).
• إن كان المُسَمَّى مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ، فَإِنْ كَانَ قَلِيلاً حِيلَةً فلا يصح (٦).
стр. 638
المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم لو سمّى المهر لإحداهما، ولم يسمِّ للأخرى.
اختلف فقهاء الحنابلة في صحة نكاح المسمى لها المهر دون الأخرى على قولين:
القول الأول: صحة نكاح المسمى لها المهر دون الأخرى. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والمرداوي (١).
القول الثاني: يفسد النكاح فيهما المسمى له وغير المسمى. والقائل بذلك: أبو بكر (٢).
سبب الاختلاف: الذي يظهر لي أن من رأى أن النكاح صحيح يرجع ذلك لتسمية المهر واكتمال شروطه، وأما من رأى عدم صحته فيرجع ذلك إلى إن فساد النكاح من أساسه، فيفسد في كلا العقدين، هذا والله أعلم.
الأدلة:
أدلة القول الأول صحة نكاح المسمى لها المهر دون الأخرى:
استدلوا على ذلك من المعقول:
• أن فيه تسمية وشرطًا أشبه ما لو سمى لكل واحدة منهما مهرًا (٣).
أدلة القول الثاني: يفسد النكاح فيهما المسمى له وغير المسمى.
استدلوا على ذلك من المعقول:
• أنه إذا فسد في إحداهما، يفسد في الأخرى (٤).
الترجيح:
يظهر لي - والله أعلم- ترجيح القول الأول: صحة نكاح المسمى لها المهر دون الأخرى، وهو ما قرره الشيخ ابن عثيمين ﵀، حيث قال: "إذا كان المهر مهر مثلها لم ينقص، والمرأة قد رضيت بالزوج، وهو كفء لها، فإن هذا صحيح، وهذا هو الصحيح عندنا، أنه إذا اجتمعت شروط ثلاثة: وهي الكفاءة، ومهر المثل، والرضا، فإن هذا لا بأس به؛ لأنه ليس هناك ظلم للزوجات، فقد أعطين المهر كاملاً، وليس هناك إكراه، بل غاية ما هنالك أن كل واحد منهما قد رغب ببنت الآخر، فشرط عليه أن يزوجه .. فظاهر الأدلة يقتضي أنه إذا وجد مهر العادة، والرضا، والكفاءة، فلا مانع" (٥)
стр. 639
المطلب الرابع: المسألة المبنية الثالثة: حكم لو جعل رقبة الجارية صداقًا لابنته
اتفق فقهاء الحنابلة على صحة نكاح المرأة إذا كان الصداق رقبة الجارية. والقائلون بذلك: البهوتي، والرحيباني، وابن مفلح (١).
سبب الاتفاق: أن الجارية مال تصح أن تكون صداقًا.
استدلوا على ذلك من المعقول:
• أن الجارية تصلح أن تكون صداقًا (٢).
• أن يجعل رقبة الجارية صداقًا لها، صح، وإن زوج عبده امرأة، وجعل رقبته صداقًا لها، صح النكاح، ووجب مهر المثل (٣)، وهذا تشبيه بين رقبة الجارية والعبد في أنَّ كلاً منهما يصح أن يكون صداقًا.
стр. 640
المطلب الخامس: الكلام في البناء
نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء كان بلفظ غير صريح في المسألة المبنية.
الجامع بين المسائل: ربط البهوتي ﵀ بين المسألة المبني عليها والمسائل المبنية بالعلة المتماثلة من وجه واحد، وهو وجود المهر، فإن وجد المهر والرضا والكفاءة صح النكاح في كل الحالات بخلاف من عارض ذلك الوجه، حيث إنَّه يرى أن نكاح الشغار لا يصح مطلقًا: لا مع وجود المهر أو عدمه، هذا والله أعلم.
من صرح بالبناء من الحنابلة: الذي يظهر لي أن المسائل المبنية لم يتفرد بها الحجاوي أو البهوتي إنما نقلاها من كتب المذهب، ومن ذلك: قول ابن مفلح: " (فإن سموا مهرًا) مستقلاً غير قليل حيلة"، وقال: "وإذا زوج ابنته على أن يجعل رقبة الجارية صداقًا لها، صح" (١).
وقال المرداوي: "لو سمي لإحداهما مهر، ولم يسم للأخرى شيء فسد نكاح من لم يسم لها صداق لا غير" (٢).
صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة:
صريحة:
- فعلى المذهب (٣).
- فعليه (٤).
غير الصريحة:
- أَشْبَهَ مَا (٥).
- واو العطف: (ولو سمى) (٦)، (ومحل الصحة أيضًا) (٧)، (ومحل الصحة) (٨)، (وَإِنْ سَمَّى) (٩).
منهج البهوتي في البناء: رتب البهوتي ﵀ في هذا البناء عدة أمور:
стр. 641
أولاً: تعليل السبب الذي من أجله علل الحكم بين المسألة المبني عليها والمسألة المبنية بقوله: "والصحيح الأول؛ لأنه لما لم يحصل في هذا العقد تشريك وإنما حصل فيه شرط، فبطل الشرط وصح" (١).
ثانيًا: التصريح بذكر القائلين بالحكم، وهو ما أغفله الحجاوي ﵀، بقوله: "قال في المجرد والفصول في المثال المذكور: المنصوص عن أحمد أن النكاح صحيح، وقال الخرقي: باطل قالا … قال الشيخ تقي الدين: وفيه مخالفة للأصول من أربعة وجوه، وذكرتها في الحاشية" (٢).
ثالثًا: لم يقتصر على ما ذكره الحجاوي ﵀ من الأحكام، وإنما أورد الحكم المخالف في المسألة بقوله: وقال الخرقي: باطل قالا … قال الشيخ تقي الدين: وفيه مخالفة للأصول من أربعة وجوه، وذكرتها في الحاشية" (٣).
رابعًا: التوضيح والبيان في حالة المسألة مما أورده الحجاوي ﵀، وذلك لفهم المسألة بوجه أكمل حيث قال: "سواء كان مهر المثل أو أقل، فإن كان قليلاً حيلة لم يصح لما تقدم في بطلان الحيل على تحليل محرم، وظاهره إن كان كثيرًا صح ولو حيلة، وعبارة المنتهى تبعًا للتنقيح تقتضي فساده".
وقال: " … عن بضع الأخرى، فإن جعل المسمى دراهم وبضع الأخرى لم يصح كما تقدم، ومحل الصحة أيضًا إن كان".
وقال " لأن في نكاح المسمى لها تسمية وشرطًا، فأشبه ما لو سمي لكل واحدة منهما مهر" (٤).
قول الأصوليين في أشبه واو العطف وعلى المذهب:
تقدم سابقًا قول الأصوليين في واو العطف وأشبه (٥)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك.
أما قول الحنابلة: على المذهب، أي: إنَّ المسألة بنيت على القول الراجح في المذهب لقول الإمام أحمد في هذه المسألة.
стр. 642
موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب (١)، لأن البهوتي ﵀ أورد ما نص عليه الإمام أحمد، وبنى عليه المسالة المبنية، حيث قال: "المنصوص عن أحمد أن النكاح صحيح"، ثم قال: "ومحل الصحة"، وقال: "ومحل الصحة أيضًا" (٢).
وقال المرداوي مقررًا المذهب: "فعليه: لها مهر المثل. قوله (فإن سموا مهرًا: صح. نص عليه)، وهو المذهب. وعليه جماهير الأصحاب، قال الزركشي: عليه عامة الأصحاب" (٣).
وقال: "مراده بقوله: (فإن سموًا مهرًا صح) أن يكون المهر مستقلاً، غير قليل ولا حيلة. نص عليه" (٤).
وقال: "فعلى المذهب: لو سمي لإحداهما مهر، ولم يسم للأخرى شيء فسد نكاح من لم يسمَّ لها صداق لا غير. قال المصنف والشارح: وهذا أولى" (٥).
стр. 643
المبحث الثاني النكاح بلا ولي وما يلحق به؛ وفيه أربعة مطالب:
• المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم لو علم تحريم نكاح المتعة ثم فعله.
• المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم لو تزوج المرأة بغير ولي ولا شهود.
• المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: هل يلحق الولد من وطأ وطء شبهة في نكاح لم تكتمل شروطه؟
• المطلب الرابع: الكلام في البناء.
стр. 644
المبحث الثاني: النكاح بلا ولي وما يلحق به ؛ وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم لو علم تحريم نكاح المتعة ثم فعله
تمهيد:
إنَّ من عناية الفقهاء الاهتمام بدقائق المسائل، وما يتفرع عنها من فروع، وما ينبني عليها من أحكام، وما يضاف إليها من أثر تلك المسائل على ما ينتج منها، وفي هذا المبحث بإذن الله سنتطرق لفروع تتكلم عن الأنكحة الفاسدة والآثار المترتبة عليها.
نص البناء:
قال المصنف ﵀: [(ومن تعاطاه عالمًا) تحريمه (عزر) لارتكابه معصية لا حد فيها ولا كفارة (ويلحق فيه النسب إذا وطئ يعتقده نكاحًا).
قلت: أو لم يعتقده نكاحًا؛ لأن له شبهة العقد (ويرث ولده ويرثه) ولده للحوق النسب (ومثله) أي: مثل نكاح المتعة فيها ذكر (إذا تزوجها بغير ولي، ولا شهود، واعتقده نكاحًا جائزًا) قلت: أو لم يعتقدوه كذلك (فإن الوطء فيه وطء شبهة يلحقه الولد فيه) لشبهة العقد (ويستحقان العقوبة) أي: التعزير (على مثل هذا العقد) لتعاطيهما عقدًا فاسدًا] (١).
دراسة البناء:
اتفق فقهاء الحنابلة على تحريم نكاح المتعة، فمن فعله عالمًا بتحريمه يعزر ويلحقه الولد من هذا النكاح، إن كان يعتقده نكاحًا. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والرحيباني (٢).
صورة المسألة:
(وهو أن يتزوجها) أي: المرأة (إلى مدة) معلومة أو مجهولة (أو يشترط طلاقها فيه) أي: النكاح (بوقت) كقول ولي: زوجتك ابنتي شهرًا أو سنة أو إلى انقضاء الموسم أو إلى قدوم الحج وشبهه (٣).
سبب الاتفاق: أن نكاح المتعة من الأنكحة المحرمة الفاسدة، فمن فعله مع علمه بالحكم أقيم عليه الحد؛ لأنها من المعاصي التي لا حدَّ فيها ولا كفارة، وولد هذا النكاح يلحق به.
الأدلة:
استدلوا على ذلك من الأثر والمعقول:
стр. 645
أولاً: من الأثر:
لما روى علي ﵁: «أن رسول الله ﷺ نهى عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر» (١)(٢).
وجه الاستدلال:
دل منطوق الأثر على النهي، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، ويفهم أنه يترتب على فعله حد في الشرع.
نوقش:
أن النهي عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر، لا عن نكاح المتعة (٣).
أن النهي قد وقع عنها يوم خيبر وعام الفتح جميعًا، فسمعه بعض عام الفتح، وبعض زمن خيبر، وردَّ بأنه أذن عام الفتح (٤).
يجاب:
نعم هذا يجاب به عن النهي عام الفتح، وعام حجة الوداع، وحمل ذلك على ظاهره، وأنها كانت مباحة، ثم نسخت يوم خيبر، ثم أبيحت ثم حرمت عام الفتح، وقد قال الشافعي: لا أعلم شيئًا أحله الله ثم حرمه، ثم أحله ثم حرمه، إلا المتعة (٥).
ثانيًا: من المعقول:
• أنَّ من عقد نكاح المتعة عالمًا تحريمه كان معصية لا حدَّ فيها ولا كفارة، فيعزر على ذلك (٦).
• أن نكاح المتعة يلحق فيه النسب إذا وطئ يعتقده نكاحًا أو لم يعتقده؛ لأن له شبهة العقد (٧).
стр. 646
• أن كلَّ نكاح فيه وقت أو شرط فاسدٌ؛ لأن عقد النكاح اللازم يكون ثابتًا (١).
• أن نكاح المتعة إن فعله فولده من هذا النكاح يرثه للحوق النسب (٢).
стр. 647
المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم لو تزوج المرأة بغير ولي، ولا شهود، واعتقده جائزًا
اتفق فقهاء الحنابلة على تحريم نكاح الرجل من المرأة بلا ولي ولا شهود واعتقده نكاحًا أو لم يعتقده، فإنه يعزر، ويلحقه ولد هذا النكاح. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والرحيباني (١).
صورة المسألة: بقوله: (أن يَقُول: أَمْتِعِينِي نَفْسَك، فَتَقُولُ: أَمْتَعْتُك) نَفْسِي (بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ) (٢).
سبب الاتفاق: أن نكاح المتعة من الأنكحة المحرمة الفاسدة، وكذلك من أنكحت نفسها بلا ولي، ولا شهود، فمن فعله مع علمه به بالحكم أقيم عليه الحد؛ لأنها من المعاصي التي لا حدَّ فيها ولا كفارة، وولد هذا النكاح يلحق به.
الأدلة:
يمكن أن يستدل على هذا الفرع بما قبله من الأدلة.
стр. 648
المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: هل يلحق الولد من وطئ وطء شبهة في نكاح لم تكتمل شروطه
اتفق فقهاء الحنابلة أن ولد النكاح الذي لم تكتمل شروطه يثبت له النسب بشبهة العقد، ويلحق والده في النسب. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والرحبياني (١).
سبب الاتفاق: أن الأنكحة المحرمة الفاسدة السابقة لها آثار، ومن آثارها لحوق الولد في وطء الشبهة لشبهة العقد مع إقامة عقوبة حد التعزير لتعاطيهما عقدًا فاسدًا مع علمهم بهذا.
الأدلة:
ويمكن أن يستدل على ذلك من السنة والمعقول:
أولاً: من السنة:
١ - ما روي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها مسرورًا، تبرق أسارير وجهه، فقال: "ألم تري أن مجززًا المدلجي (٢) نظر آنفًا إلى زيد وأسامة وقد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض" (٣).
وجه الاستدلال:
دل منطوق الحديث على صحة الأخذ بالقافة، ودل مفهومه أنها من الأمور التي يؤخذ بها عند وجود شبهة في الوطء.
٢ - لما اختلف عبد بن زمعة (٤)، وسعد بن أبي وقاص في غلام. فقال سعد: هذا - يا رسول الله- ابن أخي عتبة بن أبي وقاص، عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد الله بن زمعة: هذا أخي - يا رسول الله- ولد على فراش أبي من وليدته. ورأى النبي ﷺ فيه شبهًا بينًا لعتبة. فقال: «لولد للفراش وللعاهر الحجر» (٥).
стр. 649
وجه الاستدلال:
دل منطوق الحديث أن الولد يلحق بالفراش، فالأصل في لحوق الولد هو العقد مع إمكان الوطء، وإمكان الحمل، فإذا كان عقد النكاح يمكن معه الوطء، والحمل فالولد لصاحب الفراش (١)، وكذا في عقد الشبه.
قال البهوتي: "فإن الوطء فيه وطء شبهة يلحقه الولد فيه) لشبهة العقد (ويستحقان العقوبة) أي التعزير (على مثل هذا العقد) لتعاطيهما عقدًا فاسدًا" (٢).
ثانيًا: من المعقول:
• أن الولد لصاحب الفراش، لا ينتفي عنه أبدًا بدعوى غيره، ولا بوجه من الوجوه إلا باللعان (٣).
• أنه يؤخذ بحكم القافة (٤) في إلحاق الولد في الوطء بالشبهة، فيلحق به (٥).
• أن عمر ﵁ قضى بالقافة بحضرة الصحابة، فلم ينكره أحد منهم، فكان إجماعًا (٦).
стр. 650
المطلب الرابع: الكلام في البناء
نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء كان بلفظ غير صريح في المسألة المبنية.
الجامع بين المسائل: جمع البهوتي ﵀ بين المسائل بعلة مشتركة، وهي أن كلاً من نكاح المتعة ونكاح المرأة نفسها بلا ولي ولا شهود من الأنكحة الفاسدة، فمن فعل شيئًا منه عالمًا بتحريمه أقيم عليه الحد، وهو التعزير لعدم وجود عقوبة مقدرة من الشرع، ويتفرع عن هاتين المسألتين فرع يشتركان فيه، وهو لحوق الولد بوطء الشبهة بكلٍّ منهما، هذا والله أعلم.
من صرح بالبناء من الحنابلة: هذه المسألة المبنية لم يتفرد بها البهوتي والحجاوي -رحمهما الله-، إنما كانت منقولة عن أبي الخطاب الكلوذاني، حيث قال: "نكاح مختلف في صحته كالنكاح بلا ولي ولا شهود، ونكاح المتعة لم يحد … عزر إن علم بالتحريم" (١).
ولكن الحجاوي ﵀ أضاف لحوق الولد بقوله: "فإن الوطء فيه شبهة يلحقه الولد فيه، ويستحقان العقوبة " (٢).
صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة:
غير الصريحة:
- (ومثله) (٣).
- واو العطف: (ويلحق فيه النسب) (٤).
- بناء بعلى (على مثل هذا العقد) (٥).
منهج البهوتي في البناء: نهج البهوتي ﵀ في هذا البناء على عدة أمور (٦):
أولاً: إيراد المسألة ثم توضيح الأسباب التي كان عليها حكم المسألة، مثل قوله ﵀: (لأن له شبهة العقد)، (لشبهة العقد).
стр. 651
ثانيًا: رتب وربط حكم المسائل ببعضها مع توضيح العلة المشتركة، وهي فساد العقد، قال البهوتي ﵀: "لتعاطيهما عقدًا فاسدًا".
ثالثًا: البناء في المسائل السابقة لم أرَ مثله في مسائل البحث، حيث إنَّه ربط بين المسائل والأثر المترتب على العقود الفاسدة في النكاح، وأن الولد يلحق بوطء الشبهة.
قول الأصوليين في مثله وعلى وواو العطف:
تقدم سابقًا قول الأصوليين في واو العطف ومثله وعلى (١)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك.
موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب (٢)، لأنه القول المعتمد في المذهب كما ذكر المرداوي بقوله: "الصحيح من المذهب: أن نكاح المتعة لا يصح، وعليه الإمام أحمد ﵀، والأصحاب" (٣).
стр. 652
المبحث الثالث تعليق البيع على شرط مستقبلي؛ وفيه ثلاثة مطالب:
• المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم تعليق النكاح على شرط مستقبلي.
• المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم تعليق البيع على شرط مستقبلي.
• المطلب الثالث: الكلام في البناء.
стр. 653
المبحث الثالث: تعليق البيع على شرط مستقبلي ؛ وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم تعليق النكاح على شرط مستقبلي
تمهيد:
من عناية الشريعة الإسلامية وحرصها على استمرار الحياة الزوجية والتعاملات المالية أنها وضحت الشروط الصحيحة والباطلة، وما يترتب عليها من أثر، وهو ما سوف نتطرق له في هذا المبحث، إن شاء الله.
نص البناء:
قال المصنف ﵀: [(أو علق ابتداءه) أي: النكاح (على شرط) مستقبل (غير مشيئة الله، كقوله: زوجتك) ابنتي أو نحوها (إذا جاء رأس الشهر أو) إذا (رضيت أمها أو) إذا (رضي فلان أو) زوجتكها على (ألا يكره فلان فسد العقد) لأنه عقد معاوضة، فلا يصح تعليقه على شرط مستقبل كالبيع، ولأن ذلك وقف النكاح على شرط، ويصح: زوجت وقبلت إن شاء الله، وتعليقه على شرط ماض أو حاضر] (١).
دراسة البناء:
اتفق فقهاء الحنابلة على أن تعليق النكاح على شرط مستقبلي لا يصح إلا أن يستثنى الشرط بقول: (إن شاء الله)، أو على شرط ماض أو حاضر. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والمرداوي، والرحيباني، وغيرهم (٢).
سبب الاتفاق: أن سبب عدم صحة النكاح المعلق بالشرط المستقبلي هو وقفه على هذا الشرط، فإن لم يحصل الشرط يبطل العقد، والصحيح أن العقد ينعقد بالقبول والإيجاب، وليس تعليقه بالشرط.
الأدلة:
استدلوا على ذلك من المعقول:
• علق ابتداءه على شرط ففسد العقد كالشرط (٣).
• أن النكاح عقد معاوضة، فبطل تعليقه على شرط كالبيع (٤).
стр. 654
• أن ذلك وقف للنكاح على شرط، ولا يجوز وقفه على شرط (١).
المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم تعليق البيع على شرط مستقبلي
اتفق فقهاء الحنابلة على أن تعليق البيع على شرط مستقبلي لا يصح. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، وابن قدامة، وابن عثيمين (٢).
سبب الاتفاق: أن سبب عدم صحة البيع المعلق بالشرط المستقبلي أنه عقد معاوضة يكون في مجلس العقد بالإيجاب من البائع والقبول من المشتري.
الأدلة:
استدلوا على ذلك من المعقول:
• أنه عقد معاوضة، فلم يجز تعليقه على شرط مستقبل، كالنكاح (٣).
• إن علق البيع على شرط غير جائز، وباعه قبل نشره فقد باعه مجهولاً، فيكون غررًا (٤).
стр. 655
المطلب الثالث: الكلام في البناء
نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء كان بلفظ غير صريح في المسألة المبنية.
الجامع بين المسألتين: جمع البهوتي ﵀ بين المسألة المبني عليها والمسألة المبنية بعلة مشتركة، وهي القبول والإيجاب عند عقد النكاح والبيع، فلا يصح النكاح والبيع المعلق بشرط مستقبلي إلا أن يُستثنى أن يعلق ذلك بالمشيئة أو شرط ماضٍ أو حاضر.
من صرح بالبناء من الحنابلة: هذه المسألة المبنية لم يتفرد بها البهوتي ﵀، إنما نقلها عن الشيخ ابن قدامة (أبو فرج المقدسي)، حيث قال: "لأنه عقد معاوضة، فلم يصح تعليقه على شرط مستقبل كالبيع؛ ولأنه وقف النكاح على شرط، ولا يجوز وقفه على شرط" (١).
صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة:
غير الصريحة:
- لام التعليل: (لأنه عقد معاوضة فلا يصح تعليقه على شرط مستقبل) (٢)، (ولأن ذلك وقف النكاح على شرط) (٣).
منهج البهوتي في البناء: استخدم البهوتي ﵀ البناء غير الصريح باستخدام لام التعليل، وربط بين المسائل بعلة مشتركة، كان لها تأثير في ترتيب الحكم في كلٍّ منها.
يتضح من نص البهوتي أنه يتميز بتوضيح العبارة مع تعليل سبب بناء المسائل، حيث يقول: (لأنه عقد معاوضة، فلا يصح تعليقه على شرط مستقبل) (٤)، (ولأن ذلك وقف النكاح على شرط) (٥).
قول الأصوليين في لام التعليل:
تقدم سابقًا قول الأصوليين في لام التعليل (٦)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك.
стр. 656
موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب (١)، لأنه القول المعتمد في المذهب، قال المرداوي: (لا يصح تعليق النكاح على شرط مستقبل، قاله الأصحاب، … قال ابن رجب: إنما قال الأصحاب ذلك ليخرجوا الشروط الحاضرة والماضية) (٢).
стр. 657
المبحث الرابع الخيار في الطلاق؛ وفيه ثلاثة مطالب:
• المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم لو شرط أحد الزوجين الخيار في النكاح.
• المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم الخيار في الطلاق.
• المطلب الثالث: الكلام في البناء.
стр. 658
المبحث الرابع: الخيار في الطلاق ؛ وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم لو شرط أحد الزوجين الخيار في النكاح
تمهيد:
إنَّ من عناية الفقهاء الاهتمام بدقائق المسائل، وما يتفرع عنها من فروع، وما ينبني عليها من أحكام، وما يضاف إليها من أثر تلك المسائل على ما ينتج منها، وفي هذا المبحث - بإذن الله- سنتطرق لفروع تتكلم عن أثر الشروط الفاسدة في صحة النكاح وقوع الطلاق.
نص البناء:
قال المصنف ﵀: [من الشروط الفاسدة (إذا شرطا) أي: الزوجان (أو) شرط أحدهما (الخيار في النكاح) كقوله: زوجتك بشرط الخيار أبدًا أو مدة ولو مجهولة (أو) شرطا أو أحدهما الخيار (في المهر) بطل الشرط وصح العقد لما يأتي، وهل يصح الصداق ويبطل شرط الخيار فيه، أو يصح ويثبت فيه الخيار، أو يبطل الصداق؟ فيه ثلاثة أوجه أطلقها في الشرح (أو) شرطا أو أحدهما (عدم الوطء أو) شرطت … (وصح العقد)؛ لأن هذه الشروط تعود إلى معنى زائد في العقد لا يشترط ذكره ولا يضر الجهل به فلم يبطله، كما لو شرط فيه صداقًا محرمًا، ولأن النكاح يصح مع الجهل بالعوض فجاز أن ينعقد مع الشرط الفاسد كالعتق (وإن طلق بشرط خيار وقع) طلاقه ولغا شرطه كالنكاح وأولى] (١).
دراسة البناء:
اختلف فقهاء الحنابلة في صحة عقد النكاح في شرط خيار النكاح على قولين:
القول الأول: يصح العقد ويبطل الشرط. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، والمرداوي، وابن قدامة، وغيرهم (٢).
القول الثاني: يصح العقد والشرط إذا اشترط الخيار. وهو اختيار ابن تيمية (٣).
صورة المسألة: كقوله: زوجتك بشرط الخيار أبدًا أو مدة ولو مجهولة (٤).
سبب الاختلاف: الذي يظهر لي - والله أعلم- أن القائل بصحة العقد وبطلان الشرط يرجع إلى أن الشروط الفاسدة لا تنافي سلامة العقد، وليس لها تأثير على العقد، وأن القائل بصحة العقد والشرط يرجع لمصلحة العقد، هذا والله أعلم.
стр. 659
الأدلة:
أدلة القول الأول: يصح العقد ويبطل الشرط:
استدلوا على ذلك من المعقول:
• أن الشروط تعود إلى معنى زائد في العقد، لا يشترط ذكره، ولا يضر الجهل به، فلم يبطله (١).
• أن النكاح يصح مع الجهل بالعوض، فجاز أن ينعقد مع الشرط الفاسد كالعتق (٢).
أدلة القول الثاني: يصح العقد والشرط:
استدلوا على ذلك من المعقول:
• أنه شرط لحقها لمصلحتها، لا لمصلحته حتى يلزم في حقها (٣).
الترجيح:
الذي يظهر لي ترجيح القول الأول القائل بصحة العقد وبطلان الشرط.
قال ابن باز ﵀: "لا حرج، لا أعلم حرجًا؛ لقوله ﷺ : «إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج» (٤)، و «المسلمون على شروطهم»، فإذا تزوجها على ألا يتزوج عليها فلها شرطها، فإذا تزوج عليها فهي بالخيار، إن شاء طلق إذا طلبت وإن رغبت بالبقاء بقيت معه، لكن إذا تزوج وهي شرطت عليه يلزمه الطلاق، إلا إذا سامحته؛ لأن الرسول ﷺ قال: «إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج»، فإذا تزوجها على ألا يتزوج عليها، ثم بدا له شاورها، فإن سمحت فلا بأس، وإلا يطلقها، نعم" (٥).
стр. 660
المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم الخيار في الطلاق
اتفق الفقهاء الحنابلة أن الطلاق يقع بشرط الخيار. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، وابن مفلح، وغيرهم (١).
سبب الاتفاق: سبب الاتفاق يرجع إلى أن الشرط حتى لو كان فاسدًا يقع الطلاق، فإن اختارت المرأة طلاقها برجوع ضرتها مثلاً وقع الطلاق بمجرد رجوعها.
الأدلة:
استدلوا على ذلك من المعقول:
• أن الطلاق يقع ويبطل الشرط كالنكاح (٢).
стр. 661
المطلب الثالث: الكلام في البناء
نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء كان بلفظ غير صريح في المسألة المبنية.
الجامع بين المسألتين: ربط البهوتي ﵀ بين المبني عليها والمسائل المبنية بالعلة المتماثلة من وجه واحد: أن عقد النكاح والطلاق يقع صحيحًا مع الشرط الفاسد، وهو ما ظهر لي من خلال دراسة المسألة.
من صرح بالبناء من الحنابلة: هذه المسألة المبنية لم يتفرد بها البهوتي والحجاوي -رحمهما الله-، وإنما ذكرها ابن مفلح في قوله: "يصح ويثبت الخيار، وإن طلق بشرط خيار وقع" (١).
صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة:
غير الصريحة:
- واو العطف: (وإن طلق بشرط خيار وقع) (٢).
منهج البهوتي في البناء: استخدم البهوتي ﵀ البناء غير الصريح باستخدام كاف التشبيه، وربط بين المسائل بعلة مشتركة، كان لها تأثير في ترتيب الحكم في كلٍّ منها.
قول الأصوليين في العطف:
تقدم سابقًا قول الأصوليين في واو العطف (٣)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك.
موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب (٤)، لأنه القول المعتمد في المذهب، قال المرداوي: "يصح، وهو المذهب. صححه في التصحيح والنظم، وجزم به في الوجيز، وغيره" (٥).
стр. 662
المبحث الخامس سقوط الحقوق قبل العقد؛ وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: المسألة المبني عليها: تسقط الحقوق التي تجب بالعقد قبل انعقاده إذا شرطت المرأة شرطًا ينافي مقتضى العقد.
المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم لو أسقط الشفيع حقه في الشفعة قبل البيع.
المطلب الثالث: الكلام في البناء.
стр. 663
المبحث الخامس: سقوط الحقوق قبل العقد ؛ وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: المسألة المبني عليها: تسقط الحقوق التي تجب بالعقد قبل انعقاده إذا شرطت المرأة شرطًا ينافي مقتضى العقد.
تمهيد:
أن من عناية الفقهاء الاهتمام بدقائق المسائل، ومع ما يتفرع عنها من فروع، وما ينبني عليها من أحكام، وما يضاف إليها من أثر تلك المسائل على ما ينتج منها، وفي هذا المبحث بإذن الله سنتطرق لفروع تتكلم عن أثر الشروط الفاسدة في صحة الشروط المنافية لعقد النكاح والشفعة في البيع.
نص البناء:
قال المصنف ﵀: [(أن يسكن بها حيث شاءت أو) حيث (شاء أبوها أو) حيث شاء غيره من قريب أو أجنبي (أو) شرطت (أن تستدعيه إلى الجماع وقت حاجتها أو) وقت (إرادتها أو شرط لها النهار دون الليل أو) شرطت (ألا تنفق عليه أو) أن (تعطيه شيئًا ونحوه) كأن شرطت عليه أن ينفق عليها كل يوم عشرة دراهم مثلاً (بطل الشرط)؛ لأنه ينافي مقتضى العقد، ويتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده، فلم يصح، كما لو أسقط الشفيع شفعته قبل البيع] (١).
دراسة البناء:
اتفق فقهاء الحنابلة على بطلان الشروط الفاسدة لعقد النكاح. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، وابن قدامة، وغيرهم (٢).
سبب الاتفاق: أن الشروط الباطلة تنافي مقتضى العقد، وتسقط حق الواجب في العقد (٣).
الأدلة
استدلوا على ذلك من المعقول:
• أن الشروط الباطلة تتضمن إسقاط حق يجب بالعقد قبل انعقاده؛ فلم يصح (٤).
• أن الشروط الباطلة تنافي مقتضى العقد (٥).
стр. 664
المطلب الثاني: المسألة المبنية: حكم لو أسقط الشفيع حقه في الشفعة قبل البيع.
اتفق فقهاء الحنابلة أن الشفعة لا تسقط قبل البيع لو اسقطها صاحبها. والقائلون بذلك: البهوتي، وابن قدامة، والمرداوي، والرحيباني (١).
سبب الاتفاق: لأنه يسقط حق قبل وجوبه عليه، فكيف يسقطه عن نفسه وهو لم يقع بعد؟!
الأدلة:
استدلوا على ذلك من المعقول:
• لأنه إسقاط حق قبل وجوبه؛ فلم يسقط، كما لو أبرأه مما سيقرضه له (٢).
стр. 665
المطلب الثالث: الكلام في البناء.
نوع البناء: يظهر من نص البهوتي ﵀ أنَّ البناء كان بلفظ غير صريح في المسألة المبنية.
الجامع بين المسألتين: جمع البهوتي ﵀ بين المسألة المبني عليها والمسألة المبنية بعلة مشتركة، وهي سقوط الحقوق الواجبة في مقتضى العقد في كلٍّ من النكاح والشفعة، كما بينتها في دراسة المسألة.
من صرح بالبناء من الحنابلة: أن المسألة المبنية لم يتفرد بها البهوتي ﵀، إنما ذكرها ابن قدامة ﵀ في قوله: "القسم الثاني: فاسد، وهو ثلاثة أنواع: أحدها: ما يبطل في نفسه، ويصح النكاح، مثل أن يشرط عليها أنه لا مهر لها، أو الرجوع عليها بمهرها، أو لا نفقة لها عليه، أو أن نفقته عليها، أو لا يطؤها، أو يعزل عنها، أو يقسم لها دون قسم صاحبتها، أو ألا يقسم لها إلا في النهار، أو ليلة في الأسبوع ونحوه، فهذه الشروط باطلة في نفسها؛ لأنها تتضمن إسقاط حق يجب بالعقد قبل انعقاده فلم يصح، كإسقاط الشفعة قبل البيع" (١).
صيغة ورود البناء عند فقهاء الحنابلة:
غير الصريحة:
كاف التشبيه: (كما لو أسقط الشفيع شفعته قبل البيع) (٢).
منهج البهوتي في البناء: استخدم البهوتي ﵀ البناء غير الصريح باستخدام أوجه الشبه بين المسألة المبنية والمبني عليها، وما يثمر من بنائه هو اتحاد الحكم بين المسألتين من أوجه، كما أنه يورد أوجه تعليل الحكم في الغالب، حيث يقول: "لأنه ينافي مقتضى العقد، ويتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده؛ فلم يصح، كما لو أسقط الشفيع شفعته قبل البيع" (٣).
قول الأصوليين في كاف التشبيه:
تقدم سابقًا قول الأصوليين في كاف التشبه (٤)، وارتباط المسألة المبني عليها والمبنية من حيث العلة، وما يترتب عليه الحكم بناء على ذلك.
стр. 666
موافقة البناء للمذهب: نعم، البناء موافق للمذهب (١)، لأنه هو القول المعتمد في المذهب لقول المرداوي: "قوله (وإن أسقط الشفعة قبل البيع لم تسقط)، هذا المذهب. نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب، وجزم به في الوجيز وغيره، وقدمه في: المغني، والشرح، والفروع، وشرح الحارثي، وغيرهم" (٢).
стр. 667
المبحث السادس الشرط المحرم والفاسد؛ وفيه أربعة مطالب:
• المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم لو شرطت المرأة شرطًا زائدًا ينافي مقتضى عقد النكاح؟
• المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم شرط الصداق المحرم.
• المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم العتق بالشرط الفاسد.
• المطلب الرابع: الكلام في البناء.
стр. 668
المبحث السادس: الشرط المحرم والفاسد ؛ وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: المسألة المبني عليها: حكم لو شرطت المرأة شرطًا زائدًا ينافي مقتضى عقد النكاح
تمهيد:
من الأمور المهمة عند عقد العقود النظر في الشروط وتأثيرها عليه، وهو ما سوف نتطرق إليه في دراسة هذا المبحث إن شاء الله.
نص البناء:
قال المصنف ﵀: [(وصح العقد) لأن هذه الشروط تعود إلى معنى زائد في العقد لا يشترط ذكره ولا يضر الجهل به؛ فلم يبطله، كما لو شرط فيه صداقًا محرمًا، ولأن النكاح يصح مع الجهل بالعوض؛ فجاز أن ينعقد مع الشرط الفاسد كالعتق] (١).
دراسة البناء:
اتفق فقهاء الحنابلة أن الشروط الزائدة المنافية لمقتضى عقد النكاح لا تبطل العقد. والقائلون بذلك: ابن قدامة، والبهوتي، وغيرهما (٢).
سبب الاتفاق: أن الشرط الزائد المنافي لمقتضى العقد لا يتأثر به العقد؛ فيبطل الشرط ويصح العقد.
الأدلة:
استدلوا على ذلك من المعقول:
• أن الشروط تعود إلى معنى زائد في العقد، لا يشترط ذكره، ولا يضر الجهل به، فلم يبطله (٣).
• أن النكاح يصح مع الجهل بالعوض، فجاز أن ينعقد مع الشرط الفاسد كالعتق (٤).
стр. 669
المطلب الثاني: المسألة المبنية الأولى: حكم شرط الصداق المحرم.
اتفق فقهاء الحنابلة أن شرط الصداق المحرم لا يبطل العقد. والقائلون بذلك: الحجاوي، والبهوتي، وابن قدامة، والرحيباني، وغيرهم (١).
سبب الاتفاق: أن الشرط الفاسد لا يتأثر به العقد؛ فيبطل الشرط ويصح العقد.
الأدلة:
استدلوا على ذلك من المعقول:
• أن العقد لا يفسد بجهالة العوض، فلا يفسد بتحريمه كالخلع (٢).
• أن فساد العوض لا يزيد على عدمه، ولو عدم كان العقد صحيحًا، فكذلك إذا فسد (٣).
• أن النكاح يصح مع الجهل بالعوض؛ فجاز أن ينعقد مع الشرط الفاسد كالعتق (٤).
стр. 670
المطلب الثالث: المسألة المبنية الثانية: حكم العتق بالشرط الفاسد.
اتفق فقهاء الحنابلة أن العتق يصح مع الشرط الفاسد، والقائلون بذلك: البهوتي، وابن قدامة، والرحيباني، وابن المنجى، وغيرهم (١).
سبب الاتفاق: أن الشرط الفاسد لا يتأثر به العقد؛ فيبطل الشرط ويصح العتق.
الأدلة:
استدلوا على ذلك من المعقول:
• أن العتق يقع مع وجود الشرط الفاسد (٢).
• أن الشروط تعود إلى معنى زائد في العقد، لا يشترط ذكره، ولا يضر الجهل به، فلم يبطله (٣).
• أن الشرط باطلٌ؛ لأنه ينافي مقتضى العقد (٤).