١) قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١].
٢) قوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ [الشرح: ٢].
٣) قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ٤].
هذه مواطن ثلاثة تقدم فيها الجار والمجرور (لك، عنك، لك) على المسند (صدرك، وزرك، ذكرك)، وقد جاء التقديم ليؤدي رسائل كثيرة منها:
أولاً: بيان مكانة رسول الله ﷺ عند ربه سبحانه تعالى، يدل على هذا طريقة التعبير.
ثانياً: إدخال السرور على قلب رسول الله ﷺ ابتداءً.
ثالثاً: إدخال السرور على قلب رسول الله ﷺ مرة ثانية عند تعين المشروح على سبيل التشويق والترقب.
رابعاً: في الآية شيء من الخصوص، وخاصة عند من يرى أن في الآية إشارة إلى حادثة شق صدر رسول الله ﷺ الشريفة، فهذا الشرح لا نثبته لغير رسول الله ﷺ إلا بدليل، وكذلك القول في حط الوزر عنه ﷺ .
يقول الآلوسي: (وزيادة الجار والمجرور مع توسيطه بين الفعل ومفعوله؛ للإيذان من أول الأمر بأن الشرح من منافعه عليه -الصلاة والسلام- ومصالحه، مسارعة إلى
стр. 107
إدخال المسرة في قلبه الشريف ﷺ ، وتشويقا له ﷺ إلى ما يعقبه ليتمكن عنده وقت وروده فضل تمكن) (١).
ويقول ابن عاشور: (وفي ذكر الجار والمجرور قبل ذكر المشروح سلوك طريقة الإبهام للتشويق؛ فإنه لما ذكر فعل (نشرح) علم السامع أن ثم مشروحاً، فلما وقع قوله: (لك) قوي الإبهام فازداد التشويق، لأن (لك) يفيد معنى: شيئاً لأجلك، فلما وقع بعده قوله: (صدرك) تعين المشروح المترقب فتمكن في الذهن كمال تمكن) (٢).
الفرع الثالث التعريف والتنكير
المعرفة: كل اسم دل على شيء معين، بقرينة لفظية أو معنوية، وهي: العلَم، والأسماء الموصولة، والمعرفة بـ (أل)، وأسماء الإشارة، والضمائر، والمضافة إلى معرفة.
وأما النكرة فهي عكس المعرفة، وهي ما وضع ليدل على غير معين، كرجل وامرأة وفرس ونحو ذلك. والاسم لا يخرج عن هذين القسمين (٣).
стр. 108
ولقد جاء أسلوبا التعريف والتنكير في القرآن الكريم على طريقة غاية في الدقة، وأثريا الدرس الدلالي التفسيري، في جوانبه التاريخية، والاجتماعية والنفسية وغيرها. وأذكر شيئاً من لطائف ما ورد في القرآن الكريم وفرائده:
أولا: في المتشابه
مما يدل على علو بلاغة القرآن وإعجازه ما ورد من الأسماء منكّرا في موطن ومعرّفا في موطن آخر، ولنأخذ مثالا على ذلك ما ورد من تنكير كلمة (سلام) وتعريفها في سورة مريم.
الموضع الأول: قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ [مريم: ١٥].
الموضع الثاني: قوله : ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ [مريم: ٣٣].
ومما ذكره المفسرون في هذا المقام البديع الرفيع:
أولاً: إن اللفظ في الموضع الأول جاء منكّراً؛ لأنه من الله تعالى، وسلام منه كاف عن كل سلام، أما الثاني فهو من عيسى ﵇ (١).
стр. 109
ثانياً: إن التنكير أكمل من التعريف، فالتنكير يفيد الكمال والمبالغة والتمام، أما التعريف فلا يفيد إلا الماهية (١). وهذا قريب من الأول.
ثالثاً: (إدخال الألف واللام على (سلام) يشعر بذكر الله سبحانه. لأن السلام من أسمائه تعالى، ويشعر أيضاً بطلب معنى السلامة منه، لأنك متى ذكرت اسماً من أسمائه فقد تعرضت لطلب المعنى الذي اشتق ذلك الاسم منه أيضا. ويشعر أيضا -في بعض المواضع- بعموم التحية، وأنها غير مقصورة على المتكلم، فأنت ترى أنه ليس قولك: (سلام عليك). أي: (سلام مني)، بمنزلة قولك: السلام في العموم) (٢).
ولما كان المتكلم هو الله لم يكن النظم بحاجة إلى التعريف فجاء الكلمة بدونه.
رابعاً: إن هذا النظم جاء على نسق آيات كثيرة وردت في المقام نفسه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ [الصافات: ٧٩]، ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) [الصافات: ١٠٩]، ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠)﴾ [الصافات: ١٢٠]. وغيرها.
ثانيا: في غير المتشابه
من المعلوم أن طرق التعريف كثيرة، ولن آتي بأمثلة عليها كلها فالمقام يطول، ولكني سآخذ مثالاً على ذلك بإحدى طرائق التعريف التي يقل التمثيل بها في كتب المعنيين
стр. 110
بالبلاغة، وهو التعريف بالاسم الموصول في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١)﴾ [نوح: ٢١]، فلم يقل: اتبعوا سادتهم أو كبراءهم أو قادتهم أو نحو ذلك. وفي هذا من الرسائل الدعوية والتنبيهات التي تضيء الطريق أمام العبد؛ لتكون نظرته حقيقية في تعامله مع أقرب من يقابل أو يتعامل، ومعلوم أن شخصية سورة نوح قائمة على الدعوة، فهي موضوعها وعنوانها، ومن هذه الرسائل:
أولاً: أن يعرف الداعية أن ما يحصّله من المال والولد إنما هو نعمة من الله تعالى، لا حول له -أي: المخلوق- فيه ولا قوة. وفي التعبير بالموصول هنا توجيه للمدعوين بأن الأمر في الأموال والأولاد ليس كما يظنون، بل إن المال والولد قد يكونان نقمة على أهله إذا كانا صادَّين لهم عن الحق واتباع طريق الأنبياء.
ثانياً: أن يعرف الداعية أن هذه النعم قد تكون عائقاً له أمام قبول الدعوة وامتثالها. وأن يعلم الداعية أن أصحاب الأموال والأولاد أصحاب رأي متّبع وأنهم يؤثرون في المجتمع بسبب إمكانياتهم مقارنة باحتياجات أفراد المجتمع وتعدد طبقاته، قال ابن عاشور: (وأدمج في الصلة أنهم أهل أموال وأولاد إيماء إلى أن ذلك سبب نفاذ قولهم في قومهم وائتمار القوم بأمرهم: فأموالهم إذ أنفقوها لتأليف أتباعهم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٦]، وأولادهم أرهبوا بهم من يقاومهم) (١).
стр. 111
فينبغي على الداعية أن يأخذ بالطرق الحكيمة والأساليب القويمة دعوة هؤلاء الأغنياء وأولئك الأتباع بما يتناسب مع حالتهم وطريقة عيشهم (١).
وفي السورة نفسها أيضاً من أمثلة التنكير ما يدل على بلاغة القرآن الكريم الكثير الكثير، ولنأخذ تنكير كلمة: ﴿وَقَارًا﴾ في خطاب نوح ﵇ لقومه، وذلك قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ [نوح: ١٣].
يقول أبو حيان في معنى هذه الآية: (الرجاء بمعنى الخوف، وبمعنى الأمل. قال أبو عبيدة وغيره: ﴿لَا تَرْجُونَ﴾: لا تخافون، قالوا: والوقار بمعنى العظمة والسلطان. والكلام على هذا وعيد وتخويف. وقيل: لا تأملون له توقيرا أي: تعظيما. قال الزمخشري: والمعنى ما لكم لا تكونون على حال ما يكون فيها تعظيم الله إياكم في دار الثواب) (٢).
والذي يظهر أن فائدة التنكير هنا أن نوحاً ﵇ أراد أن يقرر لقومه بأنهم لا يوقرون الله تعالى أي توقير. وسبب ذلك الردُّ عليهم، فإنهم كانوا يشركون مع الله تعالى عبادة الأصنام التي جعلوها رموزاً للتقوى والصلاح، ثم آل بهم الأمر إلى أن اتخذوها آلهة من دون الله تعالى أو مع الله تعالى، ولا شك أن من كان يفعل ذلك، فإنه ربما ظن أنه بهذه
стр. 112
الطريقة يوقر الله تعالى ويعظمه، فجاء الرد من نوح ﵇ بأنكم لا ترجون لله تعالى أي وقار وعظمة، وما تظنونه توقيراً واحتراماً هو عكس ذلك تماماً.
وفي هذا توجيه دعوي من نوح ﵇ إلى التزام ما أنزل الله تعالى على رسله من عقائد وشرائع كما يريدها الله تعالى، لا كما يظنها الناس، فليس كل من يدعي تعظيم الله تعالى أخطأ، وليس كل من عبد الله تعالى أصاب في عبادته، بل المحق المصيب هو من آمن بالله تعالى وعبَدَه كما أراد سبحانه، وكما شرع جل شأنه وسلطانه، فإن الدين ليس بالتشهي ولا بالتمني (١).
الفرع الرابع القصر
القصر -كما يرى أصحاب علم المعاني- هو: تخصيص شيء بشيء أو تخصيص أمر بآخر بطريق مخصوصة.
وهو قسمان: حقيقي وإضافي، وطرقه كثيرة، أشهرها:
١. القصر بالنفي والاستثناء، كقولنا: ما المتنبي إلا شاعر.
стр. 113
٢. القصر بالعطف بـ (لا)، أو (لكن)، أو (بل)، كقولنا: القادم زيد لا عمرو.
٣. القصر بـ (إنما)، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧].
٤. القصر بتقديم ما حقه التأخير، كقول الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].
ومن ضمن الأوجه التي يمثل بها العلماء على الإعجاز البياني أمثلة القصر؛ لما له من أهمية بالغة في تأدية المعنى القرآني على أكمل وجه وأبدعه، فلا يوجد في القرآن الكريم قصر إلّا وله رسالة يؤديها وينبئ بها. وإليك طرفاً من أمثلة هذا الأسلوب البلاغي البديع في كل مفرداته وتفصيلاته.
أولا: في المتشابه
مما ورد في القصر مما يلفت الأنظار تلكم الآيات التي تحدثت عن اتخاذ الآيات هزواً من قبل أعداء الدين. حيث جاء بعضها بأسلوب القصر، وجاء بعضها الآخر بدونه، ومن ذلك ما يأتي:
١. قال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾ [المائدة: ٥٨].
٢. قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)﴾ [الكهف: ٥٦].
стр. 114
٣. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ [الكهف: ١٠٦].
٤. قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦)﴾ [الأنبياء: ٣٦].
٥. وقال جل شأنه: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١].
مما يلحظ هنا أن الآيات الثلاث الأولى جاء فعل الاتخاذ فيها ضمن جمل غير مقصورة: ﴿اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾، ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي﴾، ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي﴾. أما الآيتان الرابعة والخامسة فقد جاء الاتخاذ فيها ضمن جملة مقصورة: ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾، ومثلها في الفرقان: ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾. فما نكتة ذلك وما رسالته؟
والجواب: أن الحديث في الآيتين الأخيرتين كان عن رسول الله ﷺ وحده، على حين أن الحديث في الآيات السابقة عن مجموعةٍ مما يعاديه أهل الباطل من الصلاة والرسل والآيات، وإن العقل ليتوقف باحثاً عن سر هذا القصر في هذه الجملة القرآنية على حين عدم وجود القصر مع أمور أخرى، كان رسول الله ﷺ جزءاً منها.
يقول الآلوسي: (﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: المشركون ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ أي: ما يتخذونك إلا مهزوا به، على معنى قصر معاملتهم معه ﷺ على اتخاذهم
стр. 115
إياه، عاملهم الله تعالى بعدله هزواً، لا على معنى قصر اتخاذهم على كونه هزوا، كما هو المتبادر، كأنه قيل: ما يفعلون بك إلا اتخاذك هزوا) (١).
وأقول: إن أحداث السيرة النبوية المشهورة وغير المشهورة كفيلة بالجواب عن سر هذا القصر، فعندما يكون الحديث عن علاقة المشركين برسول الله ﷺ ، يأتي القصر ليبن مدى الغيرة والحسد الذي وقع منهم تجاه رسول الله ﷺ ، حتى قال الله فيهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ [الزخرف: ٣١].
ولا يتسع المقام لذكر الروايات الصحيحة التي تدل على غيرة الكفار والمشركين وحسدهم لرسول الله ﷺ ، حتى لم يجدوا ما يقابلوا به تلك المكانة التي رفع اللهُ تعالى إليها رسولَه ﷺ إلا الاستهزاء، وكأنه ليس من معاملتهم له شيء إلا الاستهزاء، فهي أعظم ما يمكن أن يقابلوا به مكانة رسول الله ﷺ في واقع الأمر وحقيقته.
وفي هذا القصر فائدة أخرى، وهي التحذير من نيات المشركين وأفعالهم التي يقابلون بها رسول الله ﷺ ، وكأن الله تعالى يقول لنبيه وللمسلمين: إياكم أن تغتروا بما يفعله المشركون مع رسول الله مما ظاهره الخير والمنفعة والتقدير، بل إن أفعالهم مبطنة بالاستهزاء والاستقلال من مكانة رسول الله ﷺ .
стр. 116
وإني أرى أن هذه اللطيفة المفادة من الاستثناء لا تقل أهمية عن سابقاتها، بل هي الأهم لخفائها ودقة مسلكها، وأما ما يصرحون به من الاستهزاء لشخص الرسول ﷺ قولاً أو فعلاً؛ فهذا مما لا يخفى عليه ولا على صحابته الكرام، والله تعالى أعلم.
ثانيا: في غير المتشابه
ومن بلاغة القصر ما جاء من كلام نوح ﵇ في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (٢٤)﴾ [نوح: ٢٤] وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾ [نوح: ٢٨].
فانظر هنا كيف دل القصر على حالة الغضب التي وصل إليها نوح ﵇، وفي هذا من التوجيهات الدعوية ما يأتي:
١. إن الدعاة إلى تعالى إنما هم بشر، يعتريهم من الغضب والفرح وغيرهما ما يعتري البشر، وها هو نوح ﵇ قد وصل به الغضب إلى مرحلة دعا على قومه بأن لا يزيدهم الله تعالى إلا ضلالاً. وفي هذا توجيه للمجتمعات بأن الدعاة إذا انتابهم الغضب واشتد بهم الحنق على قومهم، فإن هذا لا يقلل من مقام الداعية ولا من شأنه، فإنما هو إنسان يفرح ويغضب، بل إن غضبه هنا ليس من أجل دنيا ولا مال، بل هو من أجل الدعوة، والرغبة في إيصالها للآخرين.
وفي المراد من الضلال هنا أقوال كثيرة أشهرها:
стр. 117
أولا: (الضلال في ترويج مكرهم ومصالح دنياهم فيكون ذلك دعاء عليهم بعدم تيسير أمورهم) (١).
ثانياً: (الضلال بمعنى الهلاك كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)﴾ [القمر: ٤٧]، وهو مأخوذ من الضلال في الطريق لأن من ضل فيها هلك فيكون المعنى أهْلِكْهم) (٢).
ثالثاً: (هو على ظاهره أعني الضلال في الدين والدعاء بزيادته) (٣).
والذي يظهر أن هذا القول الأخير لا دليل عليه، أما القولان الأولان فإنهما مما يحتمله لفظ الآية، ومما لا محذور فيه ولا اعتراض، وهو ما رجحه جمهور المفسرين (٤).
٢. إن هذا الدعاء من نوح ﵇ ناجم من حرقته على الدعوة وحبه للهداية، وهذا الذي أوصله إلى حالة من الغضب بحيث يدعو على قومه بألا يزيدهم الله تعالى إلا شيئاً واحداً فقط هو الضلال، ولا غير.
٣. كما نلحظ أن الآيات التي تكلمت على قصة نوح ﵇ ليس فيها ما ينهاه عن فعله -أي: هذا الدعاء- مما يدل على جوازه.
стр. 118
٤. أن يعرف الداعية أن الدعوة لا تبقى على حال واحدة فقط، بل إنها تتغير وتصعب وتشتد صعوبتها إلى درجة كبيرة، وعندها فلا ينبغي للداعية أن يمل من دعوته، ولا أن يتوقف، بل يستمر فيها معتمداً على الله تعالى في هداية من شاء إلى ما يشاء (١).
الفرع الخامس الفصل والوصل
الوصل: عطف بعض الجمل على بعض. والفصل: ترك العطف (٢). وفي أهمية هذا الأسلوب يقول القزويني: (وتمييز موضع أحدهما من موضع الآخر على ما تقتضيه البلاغة فن منها عظيم الخطر، صعب المسلك، دقيق المأخذ، لا يعرفه على وجهه، ولا يحيط علمًا بكنهه، إلا من أوتي في فهم كلام العرب طبعًا سليمًا، ورزق في إدراك أسراره ذوقًا صحيحًا، ولهذا قصر بعض العلماء البلاغة على معرفة الفصل من الوصل، وما قصرها عليه؛ لأن الأمر كذلك، إنما حاول بذلك التنبيه على مزيد غموضه وأن أحدًا لا يكمل فيه إلا كمل) (٣).
стр. 119
وأكتفي بهذا الكلام لهذا الإمام العلم في اللغة والبلاغة، وأشرع في ذكر شيء من بلاغة القرآن الكريم في استعمال أسلوب الوصل والفصل.
أولا: في المتشابه
يذكر علماؤنا أمثلة كثيرة في هذا المقام، ومن أمثلة ذلك بلاغة الوصل والفصل في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧)﴾ [ق: ٢١ - ٢٧].
انظر كيف جاء الوصل في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣)﴾ ثم انظر إلى بلاغة الفصل في قوله: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧)﴾.
يقول الزمخشري: (فإن قلت: لم أخليت هذه الجملة عن الواو وأدخلت على الأولى؟ قلت: لأنها استؤنفت كما تستأنف الجمل الواقعة في حكاية التقاول كما رأيت في حكاية المقاولة بين موسى وفرعون. فإن قلت، فأين التقاول هاهنا؟ قلت: لما قال قرينه هذا ما لدي عتيد وتبعه قوله: (قال قرينه ربنا ما أطغيته) وتلاه: (لا تختصموا لدي): علم أن ثم مقاولة من الكافر، لكنها طرحت لما يدل عليها، كأنه قال: رب هو أطغاني، فقال قرينه: ربنا ما أطغيته. وأما الجملة الأولى فواجب عطفها للدلالة على الجمع بين معناها ومعنى ما قبلها في الحصول، أعنى مجيء كل نفس مع الملكين) (١).
стр. 120
وأتركك مع ابن الزبير مجيباً عما يمكن أن يختلج النفس من تغاير التعبير بين الموطنين حيث يقول: (والجواب عن ذلك: أن الآية معطوفة على ما قبلها من آيات هي إخبارٌ عما يلقاه الإنسان المتقدم ذكره من الأهوال والشدائد في المواقف الأخروية وما بين يديها، أولها قوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩]، ثم قال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)﴾ [ق: ٢٠ - ٢١]، ثم قال: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣)﴾ [ق: ٢٣]، فهذه إخبارات عن شدائد، بعضها تلو بعض، فطابق ذلك ورود بعضها معطوفاً على بعض. وأما قوله: (قال قرينه ربنا ما أطغيته) فهو إخبار مبتدأ مستأنف معرف بتبرئ قرينه من جملة ما تأبطه واجترحه، ولا طريق لعطف ذلك على ما قبله، إنما هو استئناف إخبار، فورد كل من الآيتين على ما يجب ويناسب) (١).
فانظر كيف أدى الوصل في الآية رسالته في وعظ الإنسان وتبصيره، وسواء أفسرنا القرين هنا بالسائق الشهيد أو الشيطان الكافر أو حتى بالصديق من الإنس؛ فإن مجرد كلامه في ذلك الموطن وفي ذلك الموقف سيكون أحد الشدائد التي يواجهها، ولن ينفعه إلا عمله الصالح وإيمانه السديد.
ثانيا: في غير المتشابه
وأما في غير المتشابه فانظر إلى بلاغة الفصل بين قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥)﴾ [نوح: ٥]. وما قبلها.
стр. 121
قال ابن عاشور: (جرد فعل (قال) هنا، من العاطف لأنه حكاية جواب نوح عن قول الله له: ﴿أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ [نوح: ١]، عومل معاملة الجواب الذي يتلقى به الأمر على الفور على طريقة المحاورات التي تقدمت في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ في سورة البقرة [٣٠] تنبيها على مبادرة نوح بإبلاغ الرسالة إلى قومه وتمام حرصه في ذلك كما أفاده قوله: ﴿لَيْلًا وَنَهَارًا (٥)﴾، وحصول يأسه منهم، فجعل مراجعته ربه بعد مهلة مستفادة من قوله: ﴿لَيْلًا وَنَهَارًا (٥)﴾ بمنزلة المراجعة في المقام الواحد بين المتحاورين) (١)(٢).
ثم انظر إلى بديع ما جاء في أسلوب الوصل من معان دعوية وتوجيهات بلاغية في السورة نفسها، ذلكم الوصل من قول نوح ﵇ في قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)﴾ [نوح: ٣]، فقد عطف: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ على: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، وعطف: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ عليه أيضاً.
ولا شك أن العطف هنا سدرة البلاغة ومنتهى الفصاحة، فقد جمع نوح ﵇ في هذه المتعاطفات الثلاثة الدعوة كلها، فدعا أولاً إلى عبادة الله تعالى، ثم دعا إلى ترك المحرمات وكل ما من شأنه أن يغضب الله تعالى، وهذا هو مقتضى الأمر بالتقوى لأنها تحمل في ثنايا
стр. 122
معناها البعد عن الشيء والحذر منه، ثم جاء العطف الأخير بالأمر بطاعة نوح نفسه على طريقة الوصل بحرف الواو.
ولربما يظنن ظان أن الوصل هنا جاء لاشتراك الجمل الثلاث في كونها إنشاء طلبياً؛ وهذا -وإن كان صحيحاً من حيث الصنعة-؛ إلا أن وراء هذا الوصل من المعاني التي ينبغي على المخاطبين والمدعوين أن يعلموها ما وراءه؛ وتوضيحها فيما يأتي:
أولاً: إن نوحاً ﵇ أراد أن يبين لقومه أن طاعته هي عين العبادة والتقوى، وأنه لا يمكن أن تستقيم عبادة الله تعالى بمعزل عن طاعة رسله، فمن أطاع الرسل يكون قد أطاع الله تعالى.
ثانياً: إن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يختلف دينهم وأحكامهم عن شريعة خالقهم، وكيف يكون ذلك وهم المبلغون عن الله والدّاعون إليه. وفي هذا رسالة كبيرة وعظيمة إلى الذين يتشدقون الآن ويدّعون أنهم لا حاجة لهم بما جاء في سنة النبي ﷺ بحجة أنهم مكتفون بما ورد في القرآن الكريم. فلا أوضح ولا أصرح من هذا الأمر الذي جاء به نوح ﵇ في الدعوة إلى طاعته ﵇ عاطفاً ذلك بطريقة تثبت أن طاعة الأنبياء والرسل هي ركن ركين وأساس قويم لصحة الإيمان وثبوت الإسلام.
وفيما سبق يقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢]. قال الشنقيطي: (صرح تعالى في هذه الآية الكريمة: أن اتباع نبيه موجبٌ لمحبته -جل وعلا- ذلك المتبع، وذلك يدل على أن طاعة رسوله ﷺ هي عين طاعته تعالى، وصرح بهذا المدلول في قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ
стр. 123
اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (١).
وقال أيضاً: (يؤخذ من هذه الآية الكريمة أن علامة المحبة الصادقة لله ورسوله ﷺ هي اتباعه ﷺ ، فالذي يخالفه ويدعي أنه يحبه فهو كاذب مفتر؛ إذ لو كان محبا له لأطاعه، ومن المعلوم عند العامة أن المحبة تستجلب الطاعة) (٢)(٣). فانظر إلى هذه المعاني العقدية والدعوية التي أفادها أسلوب الوصل في هذه الآية الكريمة.
стр. 124
الفرع السادس الإيجاز والإطناب والمساواة
يقول الخطيب: (المقبول من طرق التعبير عن المعنى هو تأدية أصل المراد بلفظ مساو له، أو ناقص عنه واف، أو زائد عليه لفائدة) (١).
فالأول هو المساواة، والثاني هو الإيجاز، والثالث هو الإطناب. وسأورد في هذا المطلب شيئاً من الأمثلة على الإيجاز مكتفياً بذلك خشية الإطالة، وللخلاف الكبير في الأمثلة التي مثّل بها البلاغيون على المساواة والإطناب قبولاً ورداً، تأصيلاً وتطبيقاً، وإليكها:
المثال الأول: إيجاز الحذف الوارد في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ [المدثر: ٣٩ - ٤٣].
يقول الزمخشري: (فإن قلت: كيف طابق قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ وهو سؤال للمجرمين: قوله ﴿يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١)﴾ وهو سؤال عنهم؟ وإنما كان يتطابق ذلك لو قيل: يتساءلون المجرمين ما سلككم. قلت: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ ليس ببيان للتساؤل
стр. 125
عنهم، وإنما هو حكاية قول المسئولين عنهم، لأن المسئولين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين، فيقولون: قلنا لهم ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين؛ إلا أن الكلام جيء به على الحذف والاختصار، كما هو نهج التنزيل في غرابة نظمه) (١).
ويقول ابن عاشور: (ومعنى ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ يجوز أن يكون على ظاهر صيغة التفاعل للدلالة على صدور الفعل من جانبين، أي يسأل أصحاب اليمين بعضهم بعضا عن شأن المجرمين، وتكون جملة ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢)﴾ بيانا لجملة ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾. وضمير الخطاب في قوله: ﴿سَلَكَكُمْ﴾ يؤذن بمحذوف والتقدير: فيسألون المجرمين ما سلككم في سقر، وليس التفاتاً، أو يقول بعض المسئولين لأصحابهم جوابا لسائليهم قلنا لهم: ما سلككم في سقر) (٢).
المثال الثاني: الإيجاز في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ (هَاتُوا) بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة: ١١١].
قال ابن عاشور: (فأو هاهنا للتوزيع، وهو ضرب من التقسيم الذي هو من فروع كونها لأحد الشيئين؛ وذلك أنه إيجاز مركب من إيجاز الحذف؛ لحذف المستثنى منه، ولجمع القولين في فعل واحد، وهو (قالو). ومن إيجاز القصر؛ لأن هذا الحذف لما لم يعتمد فيه على مجرد القرينة المحوجة لتقدير، وإنما دل على المحذوف من القولين بجلب
стр. 126
حرف أو كانت (أو) تعبيراً عن المحذوف بأقل عبارة فينبغي أن يعد قسما ثالثاً من أقسام الإيجاز وهو إيجاز حذف وقصر معاً) (١).
المثال الثالث: ومن أمثلة إيجاز القصر قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ في قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (وَأَحْسِنُوا) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
تفكر قليلاً في معنى هذه الكلمة، وسترى عجباً عجاباً مما حوته من أصول الإحسان وفروعه، وعناوينه ومفرداته، فالإحسان قاعدة من القواعد التي ينبني عليها الإسلام، قاعدة عامة لا تتخلف ولا تنتقض، فهي علاقة المخلوق مع خالقه، وعلاقة المخلوق مع نفسه وخاصته، وعلاقته مع المخلوق المساوي له في جنسه أو في نوعه، بل وعلاقته مع المخلوق الذي لا يساويه لا في جنسه ولا في نوعه كالعوالم الأخرى. وقد جاءت نصوص الشريعة مبثوثة تعاليمها، متفرقة إرشاداتها، في آيات القرآن الكريم، وأحاديث الهادي الأمين، وكأن هذه الكلمة: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ جاءت لتنبه كل من يسمعها وتحثه أن يبحث عن مفرداتها وأشكال تطبيقها، حتى تكون سمته العامة وصفته اللازمة المتلازمة.
وأكتفي بهذا القدر من أمثلة الإعجاز البياني، مؤكداً على أن أمثلته -عند التحقيق والتدقيق- هي كل كلمات القرآن في تراكيبها وأساليب نظمها، فليس ثمة كلمة إلا
стр. 127
واشتملت على دور تؤديه في خدمة مقاصد القرآن من الهداية والإعجاز، وهذا هو الذي استوقف أساطين اللغة وعباقرة البيان، فاعترفوا للقرآن بما لم يكونوا راغبين بالاعتراف به سراً، بله تصريحاً وعلناً وتأكيداً.
стр. 128
المبحث الثاني الإعجاز الغيبي
قبل أن أبدأ بعرض منهج العلماء في نقد هذا الوجه من هذه الجهة أقول: إن مصطلح الإعجاز الغيبي -من خلال استعراض كلام الباحثين في هذا الشأن- يطلق على أنواع ثلاثة:
الأول: غيب الماضي، وهو الإعجاز بـ (ما تضمن من إخباره عن قصص الأولين وسائر المتقدمين حكاية من شاهدها وحضرها) (١).
الثاني: غيب الحاضر، ومنه: (إخباره (٢) عن الضمائر من غير أن يظهر ذلك منهم بقول أو فعل كقوله: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)﴾ [آل عمران: ١١٢]، وكإخباره عن اليهود أنهم لا يتمنون الموت أبداً) (٣).
стр. 129
ومن غيب الحاضر إخباره عما في غير الضمائر من الحوادث الغائبة عن مجموعة الخطاب، وهو ما يسمى بالغيب النسبي، وليس الأمر محصوراً بما في الضمائر كما يفهم من كلام الزركشي ﵀.
الثالث: غيب المستقبل، وهو إخبار القرآن الكريم عن أمور مستقبلية لا مجال للعقل أن يدرك حصولها بتوقيتها.
وممن أورد هذا القول؛ البيهقي في الاعتقاد (١). والقاضي عياض في الشفا (٢)، والباقلاني في إعجاز القرآن (٣)، والزرقاني في مناهل العرفان (٤)، وغيرهم نفرٌ كثيرٌ.
وقد اتجهت كلمة العلماء في نقد هذا الوجه -عموما- إلى جهات أربع:
الجهة الأولى: الذين رفضوه كلياً؛ لأنه لا ينتظم آيات القرآن الكريم كلها، وعدّه بعضهم من دلائل النبوة -فقط-، على اعتبار أنه برهان صادق على أن القرآن الكريم من عند غير رسول الله ﷺ .
وأبين هنا أن هؤلاء قسموا ما عدّه العلماء وجوهاً إعجازية إلى قسمين اثنين:
стр. 130
أولهما: ما انتظم آيات القرآن الكريم كلها، كالإعجاز البياني وغيره، فسموه إعجازاً.
ثانيهما: ما كان في بعض القرآن دون بعضه الآخر، فسموه دلائل النبوة، وأضافوه إلى ما ثبت عن النبي ﷺ من معجزات أخر غير القرآن الكريم، كنبع الماء من بين أصابعه الشريفة، وتكثير الطعام وتسليم الشجر والحجر عليه. ومنه أخبار الغيب التي في القرآن الكريم.
ومن العلماء من سمى القسم الثاني إعجازاً، وعدَّ ما يدخل فيها من وجوه إعجاز القرآن الكريم على اعتبار أن ثمرة الإعجاز هي الدلالة على النبوة وتصديقها (١).
الجهة الثانية: من رفضه منفرداً، وقبله إذا كان مقارناً لوجه من وجوه الإعجاز التي انتظمت جميع آيات القرآن الكريم.
يقول الخطابي: (وزعمت طائفة أن إعجازه إنما هو فيما يتضمنه من الإخبار عن الكوائن في مستقبل الزمان نحو قوله سبحانه: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤]، وكقوله سبحانه: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الفتح: ١٦]، ونحوهما من الأخبار التي صدقت أقوالها مواقع أكوانها. قلت: ولا يشك في أن هذا وما أشبهه من أخباره نوع من أنواع إعجازه، ولكنه ليس بالأمر العام الموجود في كل سورة من سور القرآن، وقد جعل سبحانه في صفة كل سورة أن تكون معجزة بنفسها لا يقدر
стр. 131
أحد من الخلق أن يأتي بمثلها، فقال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ [البقرة: ٢٣] من غير تعيين، فدل على أن المعنى فيه غير ما ذهبوا إليه) (١).
وذكر ابن عطية في محرره شيئاً آخر في تأصيل المسألة، حيث قال عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ [البقرة: ٢٣]: (واختلف المتأولون على من يعود الضمير في قوله (مثله). فقال جمهور العلماء: هو عائد على القرآن ثم اختلفوا. فقال الأكثر: من مثل نظمه ورصفه وفصاحة معانيه التي يعرفونها ولا يعجزهم إلا التأليف الذي خص به القرآن، وبه وقع الإعجاز على قول حذاق أهل النظر. وقال بعضهم: من مثله في غيوبه وصدقه وقدمه، فالتحدي عند هؤلاء وقع بالقدم، والأول أبين و (من) على هذا القول زائدة، أو لبيان الجنس، وعلى القول الأول هي للتبعيض، أو لبيان الجنس. وقالت فرقة: الضمير في قوله: (من مثله) عائد على محمد ﷺ ، ثم اختلفوا. فقالت طائفة: من أمي صادق مثله. وقالت طائفة: من ساحر أو كاهن أو شاعر مثله. على زعمكم أيها المشركون) (٢).
стр. 132
وقال في موطن آخر: (والتحدي في هذه الآية وقع بجهتي الإعجاز اللتين في القرآن: إحداهما: النظم والرصف والإيجاز والجزالة، كل ذلك في التعريف بالحقائق، والأخرى: المعاني من الغيب لما مضى ولما يستقبل، وحين تحداهم بعشر مفتريات إنما تحداهم بالنظم وحده.
قال القاضي أبو محمد: هكذا قول جماعة من المتكلمين، وفيه عندي نظر، وكيف يجيء التحدي بمماثلة في الغيوب رداً على قولهم (افتراه)، وما وقع التحدي في الآيتين هذه وآية العشر السور إلا بالنظم والرصف والإيجاز في التعريف بالحقائق، وما ألزموا قط إتياناً بغيب، لأن التحدي بالإعلام بالغيوب كقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)﴾ [الروم: ٣]، وكقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧]، ونحو ذلك من غيوب القرآن فبين أن البشر مقصر عن ذلك) (١).
وقال الزركشي: (ورُد هذا القول بأنه يستلزم أن الآيات التي لا خبر فيها بذلك لا إعجاز فيها. وهو باطل، فقد جعل الله كل سورة معجزة بنفسها) (٢).
قلت: اعتمد من اعترض على هذا الوجه من الإعجاز على أن التحدي وقع بكل جزء من أجزاء القرآن الكريم -وفق القدر المتحدى به-، فكيف يصح الإخبار بالغيب وجهاً للإعجاز مع أنه غير موجود في مواطن من القرآن الكريم وقع بها التحدي؟
стр. 133
الجهة الثالثة: إن هذا الوجه لا يسلم إلا في تحدي المؤمنين فقط، أما الكفرة فلا يستقيم تحديهم به.
قال ابن عطية في المحرر الوجيز: (وقال قوم: إن التحدي وقع بما في كتاب الله تعالى من الأنباء الصادقة، والغيوب المسرودة) (١).
ذكر ابن عطية هذا الوجه للإعجاز ثم كرّ عليه بالنقض والتعقيب، راداً له، بحجة أنه لا يستقيم لِتَحدي إلا من كان مؤمناً مقراً بنبوة محمد ﷺ وقال في ذلك: (وهذان القولان (٢) إنما يرى العجز فيهما من قد تقررت الشريعة ونبوة محمد ﷺ في نفسه. وأما من هو في ظلمة كفره فإنما يتحدى فيما يبين له بينه وبين نفسه عجزه عنه، وأن البشر لا يأتي بمثله ويتحقق مجيئه من قبل المتحدي) (٣).
الجهة الرابعة: الذين رفضوه لأن بعض أنواعه لم يتحقق للجميع، وهذا -كما يقولون- أمر مناف للإعجاز الذي لا يتحقق إلا بعجز المتحدّين جميعاً عن الإتيان بمثله. ومن ذلك:
أولاً: أخبار الغيب القريبة الوقوع من تاريخ النزول، ونقصد بذلك الأخبار التي تحققت في زمن رسول الله ﷺ .
стр. 134
كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)﴾ [الفتح: ١٦]. وقوله -جل شأنه- في أهل بدر: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ [القمر: ٤٥]. وقوله -عز سلطانه-: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الروم: ١ - ٥].
ثانياً: أخبار الغيب البعيدة الوقوع من تاريخ النزول، ونقصد بها ما لم يتحقق إلا بعد موت رسول الله ﷺ ، ومنها التي لم تتحقق حتى الآن.
ومن ذلك أشراط الساعة التي ذكرت في القرآن الكريم كنزول المسيح ﵇ والدابة التي تكلم الناس، وغير ذلك مما صرح به القرآن الكريم.
يقول محمد الشريف: (كثير ممن سمع بأخبار الغيب المستقبلة مات قبل أن تقع هذه الأخبار وتتحقق، وأعني بتلك الأخبار أخبار الغيب القريب الذي تحقق في زمان النبي ﷺ ، وأخبار المستقبل البعيد لم تتحقق حتى الآن، فكيف يقع الإعجاز بالتحدي بشيء لم يتأكد وقوعه، ولم يره المعاند الجاحد بعد، فينقطع دونه ويعجز، وإنما يقع التحدي بأمر
стр. 135
يقع أمام أنظار الجاحدين ويلقى على أسماعهم، لا على أمر موعود بتحققه، لم يره ولن يدركه كثير منهم فيعرفوا صدقه من كذبه) (١).
ذكر الباحث هذا الكلام من باب النقد، ولكنه رجع، وقَبِلَه وجهاً من وجوه الإعجاز لأمرين:
أولهما: (أن الإعجاز فيها ليس إعجازاً كلياً، وإنما ينحصر في آيات الغيوب فقط) (٢).
ثانيهما: ما ذكره من أن (الإعجاز قائم بأخبار الغيب الماضية والحاضرة، وهذا كاف للتصديق بالمستقبلة منها، والإيمان بأنها معجزة، وينضم إلى ذلك أنواع الإعجاز المتفق عليها في القرآن كالإعجاز بنظم القرآن وفصاحة ألفاظه وجزالة معانيه، وينضم إلى ذلك أيضاً ما رآه الجاحدون المنكرون من معجزات حسية كثيرة جرت على يديه الشريفتين ﷺ فمن لم يسلم بذلك كله فإنه لن يسلم بإعجاز الأخبار الغيبية المستقبلة، حتى لو أدركها ورآها، فأخبار الغيب المستقبلة معجزة بدليل خارجي لا ذاتي) (٣).
قلت: ومع وجاهة بعض ما ذكره الباحث الكريم إلا أن في مجمل ما قاله نظراً من وجوه متعددة، ومنها:
стр. 136
١) أن الجمع بين الأخبار الماضية وأخبار المستقبلة غير صحيح، فإننا وإن سلمنا إطلاق الغيب على أخبار الأمم السابقة، إلا أن دلالة كل منهما على الإعجاز مختلفة، فدلالة أخبار الغيب السابقة على الإعجاز (١) بإثبات صدقها ودقتها؛ لأنها وقعت وانتهى وقوعها، أما دلالة الغيب المستقبل على الإعجاز يكون بوقوعها.
٢) أننا لا نسلم كون الإخبار بأحوال الأمم السابقة وجهاً من وجوه الإعجاز، وذلك لاحتمال تحققها في غير كلام الله تعالى، فليس من المعجز أن يتحدث أحد من البشر عن أحوال الأمم الماضية، كما هو في كلام الأنبياء عمن سبقهم.
٣) لا تلازم بين التصديق بأخبار الأمم الماضية وأخبار الغيب المستقبلة من حيث إن التصديق بالماضي يستلزم التصديق بالمستقبل واعتباره وجهاً من وجوه الإعجاز، وغايته استلزام التصديق دون إثبات العجز، وبين الأمرين بون شاسع وفرق كبير، هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ فإن هذا -إن صح- فإنه لا يصلح إلا للذين أقروا وآمنوا، وأما من لم يؤمن فإنه لا يستبعد عقلاً صدق أي مخبر بأخباره حتى وإن طال زمنها، دون أن يكون ذلك الإخبار معجزاً قاهراً في التحدي والمعارضة.
٤) وأما أن يكون الإخبار بالغيب وجهاً من وجوه الإعجاز لانضمامه إلى غيره من المعجزات الحسية، فإن هذا غير مقبول؛ لأن المعجزة لا تكون كذلك إلا إذا تحقق فيها شرط الإعجاز بنفسها دون أن تكون مقترنة في ذلك إلى غيرها متوقفة عليها.
стр. 137
وأضيفُ إلى ما سبق: أن الاعتراض على أخبار الغيب القريبة والبعيدة وجهاً من وجوه الإعجاز اعتراض صحيح، وذلك أن الإعجاز لا انتظار فيه من جهته، وكيف تعجز الآيات التي تكلمت عن انتصار المسلمين على الكفار في معركة بدر وانتصار الروم على الفرس خلال بضع سنين، أقول: كيف يكون هذا معجزاً لمن لم يشاهد هذا الأمر بعينه واقعاً كما أخبر به القرآن الكريم.
وهل يجوز أن يكون إعجاز القرآن الكريم إعجازاً مؤجلاً إلى وقت محدد لا يكون معجزاً إلا فيه أو بعده؟
إن هذا الاعتراض هو الذي ألجأ القائلين بهذه الوجه أن يقيدوا طريقة إعجازه بزمنٍ معينٍ هو زمن الوقوع، وبشرطٍ معينٍ هو اقترانه بغيره من وجوه الإعجاز العامة التي تنتظم القرآن الكريم كله، أو بصفة معينة هي خصوصية وجوده في الآيات التي ورد فيها، كل ذلك للخروج من هذه الاعتراضات الكثيرة التي تعكر اعتباره وجهاً من وجوه الإعجاز.
وأستطيع أن أضيف إلى هذا الوجه وجهاً آخر هو الإعجاز التأثيري، فإنه لا يتحقق في جميع السامعين، وقد علمنا أن شرط الإعجاز ألا يتخلف في فرد من أفراد المعجَزين. وسيأتي الكلام على نحو هذا مفصلاً ومطولاً بإذن الله تعالى.
стр. 138
المبحث الثالث الإعجاز التشريعي
المطلب الأول مفهوم الإعجاز التشريعي وأمثلته
من خلال النظر فيما كتب عن الإعجاز التشريعي من حيث المفهوم، يظهر لنا أن الذين عرفوه يكادون يجمعون على تعريف واحد من حيث المضمون، وإن اختلفت بعض عباراتهم في ذلك، وهو: عجز الخلائق عن الإتيان بمثل ما جاء به القرآن الكريم من تشريعات.
وبهذا العجز تثبت دعوى محمد ﷺ بالنبوة، وأنه مرسل من عند الله تعالى، الذي شرع هذه الشرائع، وأنزلها على النبي محمد ﷺ ليطبقها الناس في شؤون حياتهم.
ويزيد الأمر تأكيداً وتقريراً أن تطبيق هذه التشريعات سيؤدي حتماً إلى استقامة حياة البشر.
ومما يقرر ذلك أيضاً أن الواقع يثبت أنه لم ينجح قانون بشري على مر الزمان والمكان في تقويم حياة البشر، بما يضمن الحق والعدل لجميع أفراد المجتمع. وإن هذا لم يتحقق إلا في القانون الإلهي الذي شرعه الله تعالى.
стр. 139
ومما يقرر علو التشريعات الإسلامية، ما اتصفت به من صفات فاقت بها كل التشريعات الوضعية، التي عانت منها المجتمعات البشرية أشد المعاناة.
وقبل أن أذكر شيئاً من صفات التشريع الإسلامي أود أن أنبه إلى أن بعض الكُتّاب -ومنهم علماء كبار أجلاء- إذا ذكروا خصائص التشريعات في الإسلام، قارنوها مع التشريعات التي جاء بها الأنبياء والرسل ﵈ في الرسالات السابقة، مفضلين ما جاء به نبينا محمد ﷺ عليها.
وأقول: إن هذا -لعمر الحق- لا يجوز، فإن الشرائع -وأقصد خصوص الأحكام الشرعية- التي جاء بها الرسل قبل بعثة محمد ﷺ شرائع كاملة تتناسب أشد المناسبة وأكملها مع القوم الذين نزلت فيهم، والزمان الذي شرعت فيه.
وتفضيل شريعة محمد ﷺ على الشرائع السابقة يلزم منه وصفها بالنقص، وهذا مزلق زلقت فيه أقدام كثير ممن قارنوا بين الشرائع ولم ينتبهوا إلى لوازم المقارنة.
والصواب في ذلك أن كل شريعة كانت هي الأكمل في زمنها، والأفضل في وقتها، وإن أي شريعة أخرى لا تتناسب في ذلك الوقت إلا الشريعة التي اختارها الله تعالى لهم، حتى ولو كانت شريعة محمد ﷺ . فهي لا تصلح إلا للزمان الذي اختارها الله تعالى لتكون فيه (١). وكل ما ورد في ذلك من آثار مجاب عنه بما يتفق مع هذه القضية المهمة التي فيها رفع القدح عن الشرائع السابقة.
стр. 140
فالشريعة التي جاء بها إبراهيم ﵇ هي أكمل الشرائع في وقته ولقومه، ولا يصلح غيرها بدلا منها، والشريعة التي جاء بها موسى ﵇ هي أكمل الشرائع في وقته ولقومه، ولا يصلح غيرها بدلا منها. والشريعة التي جاء بها محمد ﷺ هي أكمل الشرائع في وقته ولمن بعث لهم، ولا يصلح غيرها بدلا منها. وهكذا.
ثم إن مقارنة شريعة محمد ﷺ مع الشرائع التي جاء بها الأنبياء الآخرون على النحو المشهور عند بعض الكاتبين غير مقبول في حقيقة الأمر وواقعه، والسبب في ذلك أن شريعة محمد ﷺ جاءت لكل الناس ولتبقى إلى يوم القيامة، وأما الشرائع السابقة فإنها جاءت لأقوام معينين ولأزمان خاصة.
فالحق أن المقارنة غير ممكنة ولا متسقة على هذا الوجه إلا مع اتفاق أركان ثلاثة هي الزمان والمكان والقوم الذين جاءت الشريعة من أجلهم، وأما إذا اختل ركن من هذه الأركان فإن المقارنة لا تكون صحيحة.
وأعود إلى سمات التشريعات الإسلامية، وأذكر منها على سبيل التمثيل لا الحصر:
١) ربانية المصدر، ولا أقصد هنا مجرد الوصف، بل أقصد ما يترتب على هذه السمة من محاسن تكمن في أنه لا أعلم بالمخلوق من خالقه، فهو المتفرد في تشريع ما يعلم أنه ينفعه وما تستقيم به حياته.
стр. 141
٢) شمولية التشريعات الإسلامية وعالميتها، حيث نظّمت التشريعات الإلهية حياة الإنسان في جميع جوانبها، فنظمت:
أ- علاقة الإنسان بخالقه.
ب- علاقة الإنسان مع نفسه.
ج- علاقة الإنسان بغيره من أفراد نوعه، ذكراً كان أو أنثى، حاكماً أو محكوماً، على دينه أو على غير دينه. وهكذا.
د- علاقة الإنسان بالمخلوقات من غير نوعه، حتى وصل الأمر إلى تنظيم علاقة الإنسان بالحيوانات والنباتات وجميع الكائنات الحية، فلا يجوز للإنسان أن يتصرف إلا وفق ما حددته له الشريعة، بما يتناسب مع المصلحتين العامة والخاصة.
٣) مرونة التشريعات الإسلامية، وصلاحها لكل زمان ومكان. فالتشريعات الإسلامية منها ما هو ثابت لا يتغير، وهو ما شرعه الله تعالى وهو يعلم أن الحال لا يصلح إلا بثباته. ومنها المتغير الذي يتناسب مع تطور الحياة واختلاف مفرداتها، وهذا مبني على أصول قابلة للاجتهاد وعلى استنطاق نصوص تلكم الأصول لتوليد الأحكام الشرعية التي تتناسب مع التغير والتطور. وهذا هو الذي يجعلها صالحة لكل زمان ومكان، ولكل ثابت أو متغير. وهذا أيضاً لا يخرج عن علم تعالى، وعلمه به لا يختلف عن علمه بالسابق، فهو بكل شيء عليم، وبكل تشريع من تشريعاته حكيم.
стр. 142
هذه السمات -وغيرها (١) - جعلت من التشريعات الإلهية تشريعات منقطعة النظير، وإن تفردها في ذلك لا يخفى على المنصفين من أرباب الحجا وأولي النهى.
وأما الأمثلة على الإعجاز التشريعي في القرآن فهي -فيما أرى- آيات الأحكام الفقهية كلها لا استثناء منها، فكل حكم شرعي جاء به القرآن الكريم متصف بربانية المصدر والشمولية والكمال والاستمرارية وإقناع العقل وإشباع الوجدان وغيرها مما لم يجتمع في غير التشريعات الإسلامية.
وإذا أردت أن تتأكد مما قلته لك آنفاً فلا عليك إلا أن تفتح كتاب الله تعالى (٢) وتختار من أحكامه ما يقع عليه بصرك، وإذا أردت أن يزداد يقينك بسمو التشريع الإسلامي وعلو كعبه على كل التشريعات الوضعية، فانظر إلى الأحكام الشرعية الخاصة بالمستضعفين في المجتمعات البشرية على مر العصور والدهور، كالمرأة، والأطفال، والأسرى، والموالي، وغيرهم ممن ظلمتهم التشريعات البشرية وانتهكت حقوقهم. فانظر كيف تعامل التشريع الإسلامي معهم، فأعطاهم حقوقهم كاملة بمنتهى العدل والإنصاف، وجعل لهم قيمتهم في المجتمع من غير ظلم ولا إجحاف، حتى أصبح المجتمع المسلم نسيجاً واحداً متوائماً متماسكاً متعاضداً لا فرق فيه بين فقير غني، ولا فضل فيه لعربي على عجمي.
стр. 143
المطلب الثاني الاعتراضات على الإعجاز التشريعي
ذكرت في المطلب السابق شيئاً من البيان حول مفهوم الإعجاز التشريعي وطريقة العلماء في تكييفه وتأصيله، وسأذكر في هذا المطلب شيئاً من الاعتراضات على الإعجاز التشريعي، وأنبه إلى أن ما سأذكره متوجه إلى كون الإعجاز التشريعي وجهاً من وجوه الإعجاز أم ليس وجهاً، ولا يتعلق أي من هذه الاعتراضات بصفات التشريعات الإسلامية وسماتها وآثارها على المجتمعات البشرية، فهذا مما لا يخالف فيه صديق ولا عدو منصف.
ومن هذه الاعتراضات:
١) إن الإعجاز التشريعي لا ينتظم آيات القرآن الكريم كلها، فإنه موجود في بعضها دون بعضها الآخر، وهذا يخالف شرط التحدي وما قرره العلماء في القدر المتحدى به.
٢) إن الإعجاز التشريعي ليس مقتصراً على القرآن الكريم وحده، بل إن كل ما في التشريعات التي جاء بها القرآن الكريم موجود في التشريعات التي جاءت بها السنة النبوية الصحيحة، وهذا يلزم منه إعجاز السنة النبوية، وهذا ينقض شرط الإعجاز وهو التفرد.
٣) إن الإعجاز التشريعي في السنة النبوية الصحيحة أظهر منه في القرآن الكريم وأبْيَن، من حيثيات كثيرة أذكر منها:
стр. 144
أ- عدد آيات الأحكام في الباب الفقهي الواحد، فهي في القرآن الكريم أقل بكثير من عدد الأحاديث الصحيحة.
ب- ومن حيث التفصيلات أيضاً، فالأحكام الشرعية في السنة النبوية أكثر تفصيلاً وتفريعاً، وأما ما ورد في القرآن الكريم فيغلب عليه التأصيل والإجمال.
ج- ومن حيث عدد الأحكام الفقهية التي زادت بها السنة على القرآن الكريم.
ولهذا وجدنا من التزم بهذا اللازم الذي لا انفكاك عنه فقالوا بالإعجاز التشريعي في السنة النبوية.
٤) إن القول بالإعجاز التشريعي في القرآن الكريم يلزم منه القول بالإعجاز التشريعي في الكتب السماوية السابقة غير المحرفة، فهي مليئة بالأحكام الشرعية التي شرعها الله تعالى للأقوام الذين نزلت فيهم.
ولعل معترضاً يعترض على هذا بوجهين:
أولهما: إن تشريعات القرآن أكمل وأفضل من التشريعات الواردة في الكتب السماوية السابقة.
قلت: قد بينت سابقاً أن هذا الكلام عار من الصحة، بل إن كل الشرائع الإلهية كاملة في زمانها ومكانها لا يفضلها غيرها.
стр. 145
ثانياً: إن الإعجاز التشريعي قد صيغ في القرآن الكريم بأفصح عبارة وأبلغ نظم وتركيب.
وأقول: نحن لا ننكر أن آيات الأحكام -كغيرها- قد جاءت في فصاحتها وبلاغتها وبيانها بما يعجز عن الإتيان بمثله البشر وغير البشر، إلا أن هذا تقرير للإعجاز البياني لا الإعجاز التشريعي.