← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 30153

وجوه إعجاز القرآن العظيم

خالد نواف الشوحة

Полный текст (272 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٢) شمولية التشريعات الإسلامية وعالميتها، حيث نظّمت التشريعات الإلهية حياة الإنسان في جميع جوانبها، فنظمت: أ- علاقة الإنسان بخالقه. ب- علاقة الإنسان مع نفسه. ج- علاقة الإنسان بغيره من أفراد نوعه، ذكراً كان أو أنثى، حاكماً أو محكوماً، على دينه أو على غير دينه. وهكذا. د- علاقة الإنسان بالمخلوقات من غير نوعه، حتى وصل الأمر إلى تنظيم علاقة الإنسان بالحيوانات والنباتات وجميع الكائنات الحية، فلا يجوز للإنسان أن يتصرف إلا وفق ما حددته له الشريعة، بما يتناسب مع المصلحتين العامة والخاصة. ٣) مرونة التشريعات الإسلامية، وصلاحها لكل زمان ومكان. فالتشريعات الإسلامية منها ما هو ثابت لا يتغير، وهو ما شرعه الله تعالى وهو يعلم أن الحال لا يصلح إلا بثباته. ومنها المتغير الذي يتناسب مع تطور الحياة واختلاف مفرداتها، وهذا مبني على أصول قابلة للاجتهاد وعلى استنطاق نصوص تلكم الأصول لتوليد الأحكام الشرعية التي تتناسب مع التغير والتطور. وهذا هو الذي يجعلها صالحة لكل زمان ومكان، ولكل ثابت أو متغير. وهذا أيضاً لا يخرج عن علم تعالى، وعلمه به لا يختلف عن علمه بالسابق، فهو بكل شيء عليم، وبكل تشريع من تشريعاته حكيم.

стр. 142

هذه السمات -وغيرها (١) - جعلت من التشريعات الإلهية تشريعات منقطعة النظير، وإن تفردها في ذلك لا يخفى على المنصفين من أرباب الحجا وأولي النهى. وأما الأمثلة على الإعجاز التشريعي في القرآن فهي -فيما أرى- آيات الأحكام الفقهية كلها لا استثناء منها، فكل حكم شرعي جاء به القرآن الكريم متصف بربانية المصدر والشمولية والكمال والاستمرارية وإقناع العقل وإشباع الوجدان وغيرها مما لم يجتمع في غير التشريعات الإسلامية. وإذا أردت أن تتأكد مما قلته لك آنفاً فلا عليك إلا أن تفتح كتاب الله تعالى (٢) وتختار من أحكامه ما يقع عليه بصرك، وإذا أردت أن يزداد يقينك بسمو التشريع الإسلامي وعلو كعبه على كل التشريعات الوضعية، فانظر إلى الأحكام الشرعية الخاصة بالمستضعفين في المجتمعات البشرية على مر العصور والدهور، كالمرأة، والأطفال، والأسرى، والموالي، وغيرهم ممن ظلمتهم التشريعات البشرية وانتهكت حقوقهم. فانظر كيف تعامل التشريع الإسلامي معهم، فأعطاهم حقوقهم كاملة بمنتهى العدل والإنصاف، وجعل لهم قيمتهم في المجتمع من غير ظلم ولا إجحاف، حتى أصبح المجتمع المسلم نسيجاً واحداً متوائماً متماسكاً متعاضداً لا فرق فيه بين فقير غني، ولا فضل فيه لعربي على عجمي.

стр. 143

المطلب الثاني الاعتراضات على الإعجاز التشريعي ذكرت في المطلب السابق شيئاً من البيان حول مفهوم الإعجاز التشريعي وطريقة العلماء في تكييفه وتأصيله، وسأذكر في هذا المطلب شيئاً من الاعتراضات على الإعجاز التشريعي، وأنبه إلى أن ما سأذكره متوجه إلى كون الإعجاز التشريعي وجهاً من وجوه الإعجاز أم ليس وجهاً، ولا يتعلق أي من هذه الاعتراضات بصفات التشريعات الإسلامية وسماتها وآثارها على المجتمعات البشرية، فهذا مما لا يخالف فيه صديق ولا عدو منصف. ومن هذه الاعتراضات: ١) إن الإعجاز التشريعي لا ينتظم آيات القرآن الكريم كلها، فإنه موجود في بعضها دون بعضها الآخر، وهذا يخالف شرط التحدي وما قرره العلماء في القدر المتحدى به. ٢) إن الإعجاز التشريعي ليس مقتصراً على القرآن الكريم وحده، بل إن كل ما في التشريعات التي جاء بها القرآن الكريم موجود في التشريعات التي جاءت بها السنة النبوية الصحيحة، وهذا يلزم منه إعجاز السنة النبوية، وهذا ينقض شرط الإعجاز وهو التفرد. ٣) إن الإعجاز التشريعي في السنة النبوية الصحيحة أظهر منه في القرآن الكريم وأبْيَن، من حيثيات كثيرة أذكر منها:

стр. 144

أ- عدد آيات الأحكام في الباب الفقهي الواحد، فهي في القرآن الكريم أقل بكثير من عدد الأحاديث الصحيحة. ب- ومن حيث التفصيلات أيضاً، فالأحكام الشرعية في السنة النبوية أكثر تفصيلاً وتفريعاً، وأما ما ورد في القرآن الكريم فيغلب عليه التأصيل والإجمال. ج- ومن حيث عدد الأحكام الفقهية التي زادت بها السنة على القرآن الكريم. ولهذا وجدنا من التزم بهذا اللازم الذي لا انفكاك عنه فقالوا بالإعجاز التشريعي في السنة النبوية. ٤) إن القول بالإعجاز التشريعي في القرآن الكريم يلزم منه القول بالإعجاز التشريعي في الكتب السماوية السابقة غير المحرفة، فهي مليئة بالأحكام الشرعية التي شرعها الله تعالى للأقوام الذين نزلت فيهم. ولعل معترضاً يعترض على هذا بوجهين: أولهما: إن تشريعات القرآن أكمل وأفضل من التشريعات الواردة في الكتب السماوية السابقة. قلت: قد بينت سابقاً أن هذا الكلام عار من الصحة، بل إن كل الشرائع الإلهية كاملة في زمانها ومكانها لا يفضلها غيرها.

стр. 145

ثانياً: إن الإعجاز التشريعي قد صيغ في القرآن الكريم بأفصح عبارة وأبلغ نظم وتركيب. وأقول: نحن لا ننكر أن آيات الأحكام -كغيرها- قد جاءت في فصاحتها وبلاغتها وبيانها بما يعجز عن الإتيان بمثله البشر وغير البشر، إلا أن هذا تقرير للإعجاز البياني لا الإعجاز التشريعي.

стр. 146

المبحث الرابع الإعجاز العلمي إن مسألة الإعجاز العلمي -بلا شك- من أشهر المسائل التي شغلت الباحثين المعاصرين في علم الإعجاز بعمومه؛ وذلك نتيجة التطور العلمي الذي صار سمة من سمات العصر الحديث وميزاته. ومن المعلوم أن الإعجاز العلمي انبثق عن مسألة مهمة هي التفسير العلمي. ولقد انقسم العلماء فيها إلى طوائف: طائفة منعت جوازه، وممن اشتهر القول عنه بالمنع الإمام الشاطبي (١)، ومن المعاصرين أمين الخولي، ومحمد حسين الذهبي، ومحمود شلتوت (٢). وطائفة ثانية: أجازت وقوعه ووجوده، ومنهم الغزالي والرازي ومحمد عبده وجمهور المعاصرين (٣). وثالثة أرادت التوفيق بين الطائفتين، وانتهى بها الأمر إلى أن الخلاف لفظي وليس معنوياً.

стр. 147

والحق أن هذه المسألة من أشهر المسائل التي تبين منهج علماء الإعجاز في النقد والتحقيق، وأستطيع أن ألخص منهجهم فيها بما يأتي: * طريقة مانعي التفسير العلمي في المنع، ومنهجهم في إثبات المنع، ونقدهم لأدلة المجيزين. * منهج من أجاز التفسير العلمي في إيراد الأدلة العامة والخاصة، ومناقشة أقوال المانعين. * منهج الموفّقين بين الفريقين، وهم الذين حققوا موطن الخلاف في المسألة وخرجوا بموقف وسط. * منهجهم في التفريق بين التفسير العلمي والإعجاز العلمي، وبيان العلاقة بينهما. * منهجم في وضع ضوابط وشروط لمن أراد أن يتجشم عناء البحث في هذه المسألة التي تطورت مفردات البحث فيها في العصر الحديث أكثر مما كان في العصور التي سبقت. * بيان أن القول بجواز التفسير لا يعني بالضرورة قبول مصطلح الإعجاز العلمي على عمومه، فليس كل من أجاز التفسير العلمي يلزمه القول بالإعجاز العلمي؛ إلا على بعض الاعتبارات كالنظر إلى أن ما كان ثمرة للإعجاز فهو إعجاز. وبناء على ما سبق وبالنظر إلى كل مفردات البحث في الإعجاز العلمي؛ فإنني أجد أن نقاط النقد التي توجهت إلى مبحث الإعجاز العلمي تعود إلى مسارين اثنين:

стр. 148

المسار الأول: نقد التفسير العلمي، وفيه اتجاهان: الاتجاه الأول: النقد الموجه إلى التفسير العلمي من حيث التأصيل والتقعيد. الاتجاه الثاني: النقد الموجه إلى التفسير العلمي من حيث التطبيق والتنفيذ. المسار الثاني: نقد الإعجاز العلمي، وفيه اتجاهان: الاتجاه الأول: النقد الموجه إلى الإعجاز العلمي من حيث التأصيل والتقعيد. الاتجاه الثاني: النقد الموجه إلى الإعجاز العلمي من حيث التطبيق والتنفيذ. وسيأتي الكلام على كل ذلك مفصلاً بإذن الله تعالى. المطلب الأول تعريف الإعجاز العلمي الباحث في المادة النظرية التي قدمت لتعريف مصطلح الإعجاز العلمي يجد أنها مبنية على موقف صاحب التعريف من وجود الإعجاز العلمي أو عدمه. ولذلك فإني سأذكر تعريفه أولاً عند أشهر القائلين به، ثم أذكر التعريف الذي ينبغي أن يكون -من وجهة نظري- بناء على معطيات مفردات مبحث الإعجاز العلمي.

стр. 149

يقول الدكتور زغلول النجار: (فالإعجاز العلمي يُقصد به هنا: إثبات سبق القرآن الكريم بالإشارة إلى حقيقة من حقائق الكون أو تفسير ظاهرة من ظواهره قبل وصول العلم المكتسب إليها بعدد متطاول من القرون، أما التفسير فهو محاولة بشرية لحسن فهم دلالة الآية القرآنية؛ إن أصاب فيها المفسر فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، والمعول عليه في ذلك هو نِيَّتُه، وهنا يجب التأكيد على أن الخطأ في التفسير ينسحب على المفسر ولا يمس جلال القرآن) (١). ويقول هو وغيره أيضاً:) قصد به سبق هذا الكتاب العزيز بالإشارة إلى عدد من حقائق الكون وظواهره، التي لم تتمكن العلوم المكتسبة من الوصول إلى فهم شيء منها إلا بعد قرون متطاولة من تنزل القرآن الكريم (٢). وتقول الأمانة العامة لهيئة الإعجاز العلمي في كتاب «الإعجاز العلمي تأصيلاً ومنهجاً»: (الإعجاز العلمي هو إخبار القرآن الكريم أو السُّنَّة النبوية بحقيقة أثبتها العلم التجريبي وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول، مما يظهر صدقه فيما أخبر به عن ربه (٣).

стр. 150

ويرى بعضهم أنه: (بذل الجهد واستفراغ الوسع لفهم الآيات المتعلقة بالآفاق والأنفس من خلال إخبار القران الكريم أو السنة النبوية بحقيقة أثبتها العلم التجريبي، وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية في زمن الرسول) (١). قلت: وفي هذه التعريفات قضايا: الأولى: بينت هذه التعريفات أن الإعجاز العلمي يقوم على أمرين؛ أولهما: سبق القرآن بالإشارة إلى القضية العلمية. وثانيهما: إثبات عدم إمكان إدراكها في زمن الرسول ﷺ . الثانية: بعض هذه التعريفات تصرح بأن هذا الأمر ليس محصوراً بالقرآن الكريم، بل يشاركه فيه غيره من كلام البشر هو كلام الرسول ﷺ (٢). وحتى ينتظم الكلام في بيان مواقف العلماء من الإعجاز العلمي تأصيلاً وتفريعاً؛ فإني خصصت مطلباً لاعتراضات العلماء والباحثين على قضايا الإعجاز العلمي من حيث إشكالية المصطلح والأمثلة والتطبيقات العلمية والعملية، وإليك هذه الاعتراضات.

стр. 151

المطلب الثاني اعتراضات على الإعجاز العلمي الناظر إلى المكتبة القرآنية اليوم سوف يجد كماً هائلاً من الإنتاج العلمي في قضية الإعجاز العلمي، وليس من التحقيق أبداً التغافل عن دراسة هذا الإنتاج دراسة نقدية حقيقية، تبين ما في هذا الكم الهائل من صواب وخطأ، وما فيه من إيجابيات وسلبيات، وما أثره على سير عجلة الدراسات القرآنية الحديثة. ومن خلال اطلاعي على الإنتاج العلمي لأرباب الإعجاز العلمي فإني سجل عدداً من الملحوظات العلمية والمنهجية؛ لتكون عوناً لكل من أحب أن يخوض غمار الإعجاز العلمي، تأصيلاً أو تطبيقاً، وقد حاولت الاختصار والإجمال قدر المستطاع (١)، وإليك شيئاً من هذه الملحوظات:

стр. 152

١) تحوير المعنى اللغوي لمصطلح الإعجاز والمعجزة، وادعاء أنها (السبق)، ليتناسب مع مفهوم الإعجاز العلمي بسبق القرآن في الإشارة إلى القضية العلمية (١). يقول زغلول النجار في تعريف الإعجاز العلمي: (سبق هذا الكتاب العزيز بالإشارة إلى عدد من حقائق الكون وظواهره التي لم يتمكن العلم الكسبي من الوصول إلى فهم شيء منها إلا بعد قرون متطاولة من تنَزُّل القرآن الكريم … وفي إثبات ذلك تأكيد أن القرآن الكريم هو كلام هذا الإله الخالق، وتصديق للنبي والرسول الخاتم ﷺ في نبوته ورسالته، وفي تبليغه عن ربه) (٢). ولا شك أن معنى السبق يختلف اختلافاً كلياً عن معنى الإعجاز، فالسبق هو المضي والتقدم، والإعجاز شيء آخر مختلف عن المضي والتقدم. ولعل أحدهم يقول: السبق هو علامة الإعجاز وثمرته. وأقول: إن الدليل يختلف عن المدلول، فالدليل شيء والمدلول شيء آخر، كما أن علامة الشيء ليست هي الشيء نفسه.

стр. 153

ونحن لا ننكر أبداً وجود أمور في القرآن الكريم والسنة النبوية تدل على صدق الرسالة، ولكن هذا كله يدخل في باب دلائل النبوة، لا في باب إعجاز القرآن الكريم. ومن هنا ندرك أن نظرة المتقدمين أسلم وأعلم وأوفق بالمقام. ٢) التنصل من المعنى العقدي المقصود من إعجاز القرآن، فأين وجه التحدي فيما يذكرونه من أمثلة ونظريات؟ وتوضيح ذلك أن معجزات الرسول ﷺ أنواع: النوع الأول: ما جاء ولم يقترن بالتحدي، وليس التحدي مراداً من مراداته، وذلك مثل عشرات المعجزات التي وقعت في عصره ﷺ . النوع الثاني: ما جاء مقترناً بالتحدي مثل القرآن الكريم، وقد جاء التحدي به صراحة في أكثر من آية كما هو معلوم. وبناء على هذا فإن إعجاز القرآن الكريم نوع خاص من المعنى العام للمعجزة بمعناها العقدي المعروف كما أنبأت عنه كتب العقائد والأصول. ٣) عدم تفريقهم بين مقتضى مصطلح (الإعجاز) ومقتضى مصطلح (دلائل النبوة)؛ ليتخلصوا مما يمكن أن يعرقل طريقهم في تقرير الإعجاز العلمي. ٤) حاول بعض أرباب الإعجاز أن يجعلوا الإعجاز العلمي نوعاً جديداً من أنواع الإعجاز، على حين أنه أقرب ما يكون إلى الإعجاز الغيبي، بل هو نوع من أنواع الإعجاز

стр. 154

الغيبي، ولا تختلف أمثلته من حيث تقسيمها عن أمثلة الإعجاز الغيبي. ولا يختلف عنها إلا في كونه يدخل في العلم التجريبي الذي يصيب ويخطئ، بل إني أعده أضعف أنواع الإعجاز الغيبي وأهشها. ومما ذكره العلماء من أقسام الإعجاز الغيبي؛ ما أخبر به القرآن عن الغيب الماضي، ويشترك معه الإعجاز العلمي إذا كان هذا الغيب قضية علمية تجريبية، كتلك النظريات المتعلقة بالآثار والحضارات ونحوها. ويدخل أيضاً في القسم الثالث من أقسام الغيب وهو غيب المستقبل، فلا يعدو أن يكون إخباراً عن شيء في المستقبل. ولكن من خلال اطلاعي على كثير مما كتبه القائلون بالإعجاز العلمي؛ وجدت أنهم ينأون عن عدّه من أنواع الإعجاز الغيبي؛ لأن نظريتهم كلها قائمة على التجديد والحداثة والمعاصرة، وهذا لا يتناسب مع أنفتهم وكبريائهم العظيم في أنهم أتوا بما لم يأت به الأوائل، إلا ما رحم ربي. ٥) تقليلهم من شأن الإعجاز الغيبي، يقول الدكتور زغلول النجار: (ولم تعد قضايا الغيب المطلق من: بعث بعد الموت، وعرض أكبر أمام الله الخالق، وخلود في حياة قادمة؛ إما في الجنة أبداً، وإما في النار أبداً، وغيرها من قضايا الدين؛ لم تعد تحرك فيهم ساكناً) (١).

стр. 155

وفي هذا الكلام نظر من وجوه كثيرة: أولاً: إنه كلام مخالف للواقع تماماً، واقع الدول الكبرى كأوروبا وأمريكا، وواقع الدول الأخرى في الشرق والغرب. ولا أدري كيف صدر هذا الكلام من الدكتور حفظه الله؟! وحياة الناس دون استثناء قد امتلأت بالمذاهب الروحانية والأديان الغريبة ونظريات الأرواح والأشباح والسحر والكهانة ونحو ذلك مما لا يخفى على أحد. ثانياً: صوّر الدكتور -حفظه الله- الناسَ وكأنهم علماء، أو كأن النسبة الغالبة فيهم هي الفئة المشتغلة بالعلم والاكتشافات والاختراعات، وليس هذا الأمر صحيحاً أبداً. فإن الغالبية العظمى من الناس بعيدون كل البعد عن العلوم، وخاصة تلك العلوم الدقيقة التي هي مادة الإعجاز العلمي. ولولا قيام الدول على المراكز العلمية، واستئجارهم واستقطابهم باحثين بأعلى الرواتب وأعظم المميزات لما قامت للعلم قائمة. ولئن قلنا -تنزلاً-: إن بعض المجتمعات هي كما ذكر الدكتور، فما النسبة التي تمثلها هذه المجتمعات من العالم؟! ٦) ادعى كثير من أرباب الإعجاز العلمي ومُنظّريه بأن هذا العلم غاب عن العلماء المتقدمين في العصور الأولى. وأقول: هذا فيه رمي للأمة بالجهل، واتهام لها بعدم معرفة معاني آيات القرآن الكريم.

стр. 156

والأمثلة على مقولتهم هذه كثيرة، تصريحاً أو تلميحاً، ولكني أكتفي بما قاله عبد المجيد الزنداني عندما عرض لقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ [فصلت: ٥٣]. وقوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾ [سبأ: ٦]. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢]. يقول: (وقد تحقق وعد الله، وكان مما تحقق في عصرنا هذا -عصر العلوم الكونية- أنه كلما تقدمت الكشوف العلمية في ميدان من الميادين، كشفت للناس عن آيات الخلق الباهرة التي تزيد الناس إيماناً بربهم وخالقهم، وكشفت أيضاً عن معنى من المعاني، فإن القرآن قد تحدث بصراحة أو أشار إليه؛ وبقيت تلك الآية تؤول أو تفسر على غير معناها؛ لعدم معرفة السابقين بحقائق خلق الله، ودقائق ما أشارت إليه الآية، فكان هذا نوعاً من إعجاز القرآن، يظهر في عصر العلم الكوني يشهد بأن القرآن: كلام الله بما حوى من حقائق جهلها البشر جميعاً طوال قرون متعددة وأثبتها القرآن في آياته قبل أربعة عشر قرناً من الزمان، فكان ذلك شاهداً بأن هذا القرآن ليس من عند رجل أمي، أو من عند جيل من الأجيال البشرية لا يزال يعيش في جهل كبير، إنما هو من عند الذي خلق الكون وأحاط بكل شيء علماً وصدق الله القائل لنبيه: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾) (١).

стр. 157

قلت: هذا كلام صريح من الشيخ بأن الآية بقيت تؤول أو تفسر على غير معناها، وهذا كلام خطير واتهام بأن الأمة غفلت عن شيء من معاني القرآن الكريم مدة أربعة عشر قرناً أو يزيد. ولو تفحصنا نتاج المتقدمين وتفسيرهم لهذه الآيات لوجدنا أنه ما من آية من الآيات التي فيها إشارة فلكية أو كونية إلا وقد فسروها بالعلم بحسب الأدوات المتاحة لهم. وإذا أراد منظرو الإعجاز العلمي الأسلم والأحوط، فعليهم أن يعترفوا بصحة المعنى الذي ذكره المتقدمون، ثم إضافة المعنى المعاصر إليه معنىً متجدداً للنص القرآني على اعتبار أن القرآن الكريم حمال ذو وجوه (١). وهذا ضمن الشروط التي لا يصح التفسير العلمي للقرآن الكريم إلا بها. ٧) بعض القائلين بالإعجاز العلمي يدّعون أنهم أول من فهم الآية، وأن فهمها قد خفي على السابقين، ويكررون هذا في كتبهم ومقالاتهم. قلت: وهل يصح أن نقول: إن الآية بقيت مجهولة المعنى حتى القرن الرابع عشر -مثلاً- أو ما بعد القرن الرابع عشر؟ وأين نحن من قوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٥]، ومثلها كثير من الآيات التي توضح أن آيات القرآن الكريم معروفة المعنى غير مجهولة.

стр. 158

يقول التابعي الجليل مجاهد): عرضت القرآن على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته ثلاث عرضات، أقف عند كل آية أسأله: فيم أنزلت؟ وفيم كانت؟) (١). ٨) القولُ بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم -وفق تأصيل القائلين به- يلزم منه القول بإعجاز الكتب السماوية السابقة، فما هو موجود في القرآن الكريم موجود في غيره من الكتب، فلا يجوز الكيل بمكيالين. ٩) القولُ بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم -وفق تأصيل القائلين به- يلزم منه القولُ بإعجاز السنة الشريفة، بل إن أمثلة السنة النبوية أكثر عدداً، وأشد وضوحاً، وأدل في المقصود على الإعجاز من الأمثلة التي ذكرت في القرآن الكريم (٢). ومن ذلك حديث: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب) (٣). ومن ذلك أيضاً حديث: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه؛ فإن في أحد جناحيه داءً، وفي الآخر دواء) (٤).

стр. 159

ولا مناص للقائلين بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم إلا أن يقولوا بالإعجاز العلمي في السنة النبوية، فإذا كانت العلة في وجود قضية علمية فهي موجودة في السنة، وإن كان السبق هو المعول عليه فهو موجود في السنة النبوية أيضاً. ولذلك وجدنا منهم من يثبت الإعجاز في السنة النبوية؛ لأنه لا خلاص له من هذا الإلزام، وبهذا لا يكون القرآن الكريم هو المعجز وحده، بل إن معه غيره ما هو معجز أيضاً. ١٠) أكثر الإنتاج المكتوب في الإعجاز خرج من غير المتخصصين بالتفسير، ولذلك وجدنا أكثره لا يصلح أن يكون تفسيراً علمياً، فضلاً عن أن نقبله إعجازاً قرآنياً. ومع تقديرنا لنوايا أصحاب هذه الفنون وتلكم العلوم، وحسن ظننا بحبهم لنشر القرآن الكريم والدعوة إلى الإسلام، إلا أن هذا لا يكفي لقبول ما جاءوا به ونشروه. ١١) انعكاس منهجية التفسير الصحيحة، فبدل أن يستنبطوا المعاني من الآية، عكسوا الأمر وأصبحوا يبحثون في القرآن الكريم عما يوافق نظرياتهم العلمية، ونتج عن هذا الأمر ذلكم الكمّ الهائل من التفسيرات الباطلة والمتكلفة للآيات الكريمة. يقول الدكتور الذهبي في معرض نقده لكثير مما ذكره طنطاوي جوهري في تفسيره الجواهر: (هذا .. وإنَّا لنجد المؤلف ﵀ يُفسِّر آيات القرآن تفسيراً علمياً يقوم على نظريات حديثة، وعلوم جديدة، لم يكن للعرب عهد بها من قبل، ولست أرى هذا

стр. 160

المسلك في التفسير إلا ضرباً من التكلف، إن لم يذهب بغرض القرآن، فلا أقل من أن يذهب بجلاله وجماله) (١). ١٢) تسمية هذا الإعجاز بالعلمي، وهي تسمية لا تتوافق مع مرادات اللغة من حيث التوصيف الحدي للمصطلح، وفيها محاكاة لمن أخرج العلوم الدينية والعلوم النظرية ومثيلاتها من مسمى: (العلمية)، وهم لا يقصدون بذلك إلا العلم التجريبي. وكأن العلم قاصر على العلوم المادية فقط. والصحيح أن أنواع الإعجاز الأخرى أقرب إلى هذه التسمية من هذا النوع من الإعجاز، بل إن الناظر في التطبيق العملي لهذا النوع من قبل أربابه وما يطرأ عليهم من تذبذب وتناقض في النظريات والأقوال والتأصيل والتمثيل، ليجد أنه أبعد من أن يكون قائماً على العلم، بل هو -في أكثر تطبيقاتهم- إعجاز تخميني تجريبي مشكوك فيه. إن مصطلح (العلم) أعظم وأرقى من أن يطلق على نظريات مشكوكة وقضايا غير ثابتة، ولا يكون الشيء علماً إلا إذا ثبت ووقر وتأكد.

стр. 161

وقد أصبح الأمر شيئاً عجيباً في هذا الزمن حيث أدخلوا نتاج الآخر كله أو جله مما يتعلق بالإعجاز العلمي في أكثر آيات القرآن الكريم، وجعلوا منها مرتعاً خصباً للتجارب العلمية والنظريات التجريبية (١). ١٣) يعتمد بعض القائلين بالإعجاز العلمي على أي نظرية ليدللوا بها على إعجاز القرآن الكريم العلمي. والمحققون منهم يشترطون في ذلك النظريات الثابتة، والسؤال هنا: من الذي يحكم على هذه النظريات بأنها ثابتة مسلّمة لا إشكال فيها أبداً؟ وخاصة ونحن نعلم أن كثيراً من النظريات التي ادعوا أنها مُسلّمات علمية اكتشفوا فيما بعد أنهم أخطأوا فيها. ١٤) استدلالهم على صحة الإعجاز العلمي بإسلام بعض الناس بسبب الإعجاز العلمي، وهذا الاستدلال غير صحيح، لأمور كثيرة، أهمها: أولاً: إن هذا استدلال على الإعجاز بشيء خارج عن القرآن الكريم، وليس بالقرآن الكريم نفسه. وما شنّع المتقدمون والمتأخرون على القائلين بالصرفة إلا لكونها أمراً خارجاً عن ماهية القرآن الكريم.

стр. 162

الثاني: إن بعض الناس يمتنعون عن الدخول في الإسلام بسبب نظرتهم العمياء لبعض أحكام الإسلام الصحيحة؛ فهل يجوز أن نحكم على هذه الأحكام بالبطلان؟ وخذ مثالاً على ذلك هجومهم الشرس على أحكام القصاص والحدود ولباس المرأة وميراثها وغير ذلك، فهل هذا يعني أن ردة فعلهم حاكم على هذه الأحكام؟ الثالث: إن بعضهم طعن في الإسلام بسبب بعض أمثلة الإعجاز العلمي التي اعتمدت على نظريات علمية ثبت مؤخراً أنها مغلوطة، وهذا ينقض أصل استدلالهم على صحة الإعجاز بسبب دخول الناس في الإسلام، فهذا لا يقبل، ولا يصلح للاستدلال إطلاقاً. ١٥) مخالفة كثير من أمثلة الإعجاز العلمي للمعروف من اللغة العربية؛ لأن الرجوع إلى اللغة يتناقض مع تكييف أرباب الإعجاز العلمي للنظرية التي يريدون حمل الآية عليها. ومن أمثلة ذلك: ما زعمه بعضهم من أن تاء (اتخذت) في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١] للأنثى. حيث يقول أحدهم: (الحقيقة الثانية: هي أن العلم كشف مؤخراً أن أنثى العنكبوت هي التي تنسج البيت وليس الذكر، وهي حقيقة بيولوجية لم تكن معلومة أيام نزول القرآن، وإذا ما لاحظنا الآية الكريمة: ﴿اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١]، وتاء التأنيث الساكنة دلالة على الأنثوية؛ أي: هي المسؤولة عن اتخاذ البيت وإدارة شؤونه) (١).

стр. 163

ولا شك أن هذا مخالف للمشهور في اللغة العربية، والصواب في ذلك أن (العنكبوت) قد تؤنث وقد تذكر، ولا دلالة في تأنيثها على أن المقصود الأنثى، ولا في تذكيرها على أن المقصود الذكر. يقول السمين الحلبي: (قوله: ﴿الْعَنْكَبُوتِ﴾: معروف. ونونه أصلية، والواو والتاء مزيدتان، بدليل قولهم في الجمع: عناكب، وفي التصغير عنيكب. ويذكر ويؤنث فمن التأنيث: قوله: «اتخذت». ومن التذكير قوله: على هطالهم منهم بيوت … كأن العنكبوت هو ابتناها وهذا مطرد في أسماء الأجناس، تذكر وتؤنث) (١). والشاهد هنا قوله: (وهذا مطرد في أسماء الأجناس، تذكر وتؤنث)، إذن فالتأنيث هنا ليس للدلالة على أن أنثى العنكبوت هي التي تتخذ البيت وتصنعه. ومما هو معلوم أيضاً أن أسماء الأجناس إذا ذكرت فإنما تذكر حملاً على الجنس، وإذا أنثت فإنما تؤنث حملاً على الجماعة. ولو سلمنا أن القرآن الكريم أراد التأنيث الحقيقي وأن الأنثى هي التي تبني بيتها، أقول: لو سلمنا بذلك، فأين وجه الإعجاز؟ وهل من الإعجاز أن يخبر القرآن الكريم بأن الأنثى هي التي تبني بيتها لا الذكر؟

стр. 164

إن هذا الأمر يستطيع معرفته والإخبار عنه أي باحث في علم الكائنات الحية. وأقول: أيضاً: هل جاء القرآن الكريم بهذا السياق العظيم، والقضايا الخطيرة من أجل أن يخبرنا بأن الأنثى هي التي تبني البيت لا الذكر؟ إن هذا -والله- لشي عجاب. ١٦) عدم اعتبارهم قاعدة السياق في تفسير الآيات تفسيراً علمياً. فالمهم عندهم القضية العلمية التي أشار إليها النص، دون نظر إلى السياق الذي جاءت فيه، ودون نظر إلى مراد الآية وجو النص. ومن أمثلة ذلك تفسير بعضهم (الوهن) في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [العنكبوت: ٤١]، بأنه الوهن الاجتماعي وأنه الاختلاف والشقاق الحاصل في بيت العنكبوت سواء بين الذكر والأنثى، أم بين الأولاد فيما بينهم. قلت: إن هذا التفسير يخالف السياق مخالفة تامة، ويبعد بمعنى الآية عن مرادها الذي جاءت من أجله. فإن الآيات سيقت للدلالة على وهن وضعف اتخاذ الكفار أولياء من دون الله تعالى، فإن هذه العلاقة تشبه في ضعفها ووهنها ضعف بيت العنكبوت، فإن بيته لا يحميه أبداً، وكذلك أولئك الذين اتخذهم الكفار أولياء من دون الله، لن يستطيعوا حمايتهم كما لا يستطيع بيت العنكبوت أن يحميه.

стр. 165

وهذا المعنى ظاهر تمام الظهور، فإن الآية لا تتكلم أبداً عن علاقة الكفار بعضهم مع بعض، ولا علاقة لهذا بسياق الآية، ولذلك فإن تفسير السلف أدق وأصح، ولو قلنا: إن هذا التفسير المعاصر ليس بصحيح، ويخالف الآية سياقاً ومعنىً لم يكن كلامنا بعيداً. وأما ما ذكره أصحاب هذا القول من أن خيط العنكبوت قوي، وأنه يستخدم في صناعات قوية، فهذا لا يدخل في تفسير الآية من وجوه: أولاً: الآية تكلمت عن بيت العنكبوت بالجملة، وليس عن المادة التي خلق منها خيط العنكبوت. ثانياً: الواقع يثبت ضعف خيط العنكبوت في بيت العنكبوت، فإنك تستطيع أن تقطعه بمجرد النفخ عليه. ثالثاً: إن تحليل خيط العنكبوت واستخراج المواد الصلبة منه لا يدخل في معنى الآية، لا لغة ولا عرفاً ولا شرعاً ولا حتى في العلم التجريبي؛ فإن عناصر الطبيعة ومكونات الأشياء تكون بصفات خاصة، ثم إذا اتحدت؛ شكّلت مواد جديدة وعناصر جديدة لا تأخذ حكم عناصرها التي تكونت منها. وخذ مثالاً على ذلك ملح الطعام، فإنه يتكون من مادتين ضارتين حارقتين يحرم على الإنسان أن يتناول أياً منهما على سبيل الانفراد للضرر الحاصل منهما، ولكنهما إذا اجتمعتا كوّنتا مادة جديدة يجوز تناولها واستعمالها (١).

стр. 166

١٧) يُغفل بعضُ أرباب الإعجاز العلمي الحكمة التي جاءت من أجلها الآيات، ويعدلون عنها إلى إثبات نظريات علمية من أجل إثبات أن القرآن الكريم معجز، ولا يدرون أنهم بذلك يذهبون برونق الآيات ودلالات السياق. ١٨) كثير من المتكلمين في المعجزات يرون أن المعجزات جاءت وفق ما برع به كل قوم، والسؤال الذي أطرحه هنا بناء على هذا الرأي: هل العرب آنذاك بما يسميه المعاصرون علوماً تجريبية؟ (١). ١٩) جعل أرباب الإعجاز العلمي القرآنَ كتاباً متخصصاً في العلوم، ونظروا إليه كلٌّ من زاويته التي درسها واهتم بها: فالأطباء يرونه كتاب طب، والفيزيائيون يرونه كتاب فيزياء، وأهل الرياضيات يرونه كتاب جبر وحساب وهكذا. والصواب أن القرآن الكريم كتاب هداية وإعجاز، وما جاء فيه من قضايا في هذه العلوم؛ إنما جاء ليخدم هذين المقصدين، على قلة أو ندرة في تلك العلوم على التحقيق. ٢٠) ومما يلح على بعض المشتغلين بالإعجاز العلمي منهجهم في انتقاء المعاني اللغوية واختيار بعضها في تفسير الآيات على حساب أصول التفسير الأخرى، فتجدهم يختارون من المعاني اللغوية ما يتناسب مع النظرية التي يريدون أن يقرروها. وكان هذا سبباً في جرأة كثير من الناس على النأي بالآيات عن معانيها العربية الصحيحة، وتفسيرها بمعان أخرى للكلمة وجدوها في المعجمات دون نظر إلى قواعد التفسير الصحيحة.

стр. 167

٢١) إيهام أرباب الإعجاز العلمي بأن ما يفسرون به القرآن الكريم قطعيٌّ لا شك فيه ولا ريب، وتوضيح ذلك أنهم يشترطون في تفسير الآيات أن يكون التفسير مبنياً على المسلمات العلمية وليس على النظريات التجريبية، وهذا يوهم القارئين بأن ما جاءوا به مسلّم لا شك فيه. هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ فإنهم يعدون هذا إعجازاً، وهذا يعطي قدسية أكثر لنظرياتهم العلمية وتفسيراتهم المعاصرة. ٢٢) اعتمد القائلون بالإعجاز العلمي في تقسيم المعلومة إلى نظرية أو حقيقة -غالباً- على مراكز البحث والدراسات الغربية، فكانوا تبعاً لما تقرره مراكز البحث الغربية، فإن عدوها نظرية صدّقوا، وإن جعلوها حقيقة صدّقوا، ثم إذا عادوا برأيهم وأنكروا الحقيقة العلمية أو أبطلوها، عاد أرباب الإعجاز العلمي وعدلوا عنها، بعد تورطهم في تفسير آيات القرآن الكريم بها. وأقول: أي انهزامية أعظم من هذا وأكبر؟ وإن تذبذب مراكز الدراسات العالمية في أبحاثهم ونتائجهم قد أوقع أرباب الإعجاز العلمي الذين سلّموا لهؤلاء في مزالق كبيرة وكثيرة كانوا بغنى عنها لو أنهم اعتمدوا على المراكز العلمية الموثوقة. ٢٣) كثير من هؤلاء يدخل إلى تفسير القرآن الكريم وفي رأسه نظرية يريد أن يثبتها، فإذا وجد من الآيات ما هو قريب من نظريته جعله كالظَّفَر، وبدأ يفسر الآيات على وفق نظريته. وهذا منهج كثير من أهل البدع الذين اعتقدوا في أنفسهم معان معينة، ثم أسقطوا النصوص عليها وأوّلوها. ٢٤) انطلق بعضهم من منطلق غريب؛ وهو أن لكل عصر وجهاً إعجازياً مختلفاً، يقول الدكتور محمد حسن هيتو: (والقرآن أُنزل معجزة لكل زمان وجيل ومكان، ولم

стр. 168

يكن إعجازه قاصراً على الجيل الأول -كما بينّا سابقاً- ولذلك كان لا بد لهذا الجيل المعاصر أن يجد في القرآن المعجزة، ولئن فاته الوقوف عليها عن طريق اللغة، فلن يفوته الوقوف عليها عن طريق العلوم المعاصرة. كما أن أهل الأجيال القادمة سوف يجدون فيه الإعجاز، ولكن لا ندري كيف سيكون ذلك. ربما كان عن بعض الطرق التي نعرفها اليوم، وربما كان عن بعض الطرق التي سيعرفها إنسان المستقبل، وهي خافية علينا الآن. ولا يجوز لأي إنسان أن يمنع مثل هذا ما دام خاضعاً للضوابط العلمية السابقة التي ذكرناها من قوانين الشرع وقواعد اللغة) (١). قلت: انظر إلى قوله: (ولذلك كان لا بد لهذا الجيل المعاصر أن يجد في القرآن المعجزة). * وهل يشترط أن تكون المعجزة شيئاً جديداً؟ * ثم، ألا يجوز أن نكتفي بالمعجزات التي اتفق عليها العلماء؟ * وهل انتهت مدة وجوه الإعجاز التي ذكرها العلماء السابقون؟ كل هذه الأسئلة يبين الجوابُ عنها ضعفَ هذا التنظير الذي بنى بعضهم عليه أساساً لماهية المعجزة وحقيقة الإعجاز. ٢٥) ومما يؤخذ على بعض أرباب الإعجاز العلمي نظرتهم للإعجاز البياني، فتجدهم يقللون من الاعتماد عليه -تصريحاً أو تلميحاً- في التحدي والإعجاز، في مقابل

стр. 169

تقديس الإعجاز العلمي، وتعظيم كونه الوجه الإعجازي الأعظم والأولى. يقول الدكتور زغلول النجار: (ومع تسليمنا بالإعجاز البياني للقرآن الكريم، وبأنه المجال الذي نزل كتاب الله يتحدى به العرب، وهم في قمة من أعلى الفصاحة والبلاغة والقدرة على البيان، أن يأتوا بشيء من مثله، إلا أن البيان يبقى إطاراً لمحتوى، والمحتوى أهم من الإطار) (١). قلت: لعمر الحق إن الدكتور الجليل لم يوفق في عبارته هذه، بل إنه أبعد النجعة، ووصف الإعجاز البياني بغير حقيقته، ولست أدري إن كانت هذه النظرة للإعجاز البياني هي نفسها نظرة غيره من المشتغلين بالإعجاز العلمي، أقول: إن كان الأمر كهذا الخبر فإنها طامة في الدرس الإعجازي العظيم القدر والمكانة. * وهل يصح أن يصف الدكتور الفاضل البيان إطاراً؟ * وإن جاز لنا أن نسمي شيئاً من القرآن الكريم محتوى، فإنه البيان. * وأي شيء وقفت له جهابذة الأقوام إجلالاً وإكباراً كالبيان؟ * وهل أسس علماء العقيدة واستنبطوا أركانها وشروطها إلا من البيان؟ * وهل يأخذ الفقهاء أحكامهم إلا من البيان؟

стр. 170

* وهل أقام علماء الأخلاق منظومتهم الأخلاقية واستخلصوا دقائق علمهم إلا من البيان؟ لا أدري كيف فهم الدكتور زغلول حقيقة البيان؟ إن كلامه ليس من الممكن إلا أن يفهم على ظاهره، بأن البيان صورة لا حقيقة، وعرض لا جوهر. وهذا فيه مخالفة واضحة لمفهوم الإعجاز البياني القائم على اللفظ والمعنى والنظم. والذي حوى كل مقاصد القرآن الكريم عقيدة وفقهاً وسلوكاً، هدايةً وإعجازاً. ٢٦) ومما يدل على انهزاميتهم أنك تجدهم دائما يؤيدون كلامهم بكلام علماء غربيين لا علاقة لهم بالتفسير، يبتغون بذلك محاكاة الناس في تصديقهم لما جاء في علوم الغرب دون العرب والمسلمين، ولو قرأت في كتبهم لوجدت أن أسماء الأعلام الأجنبية وأسماء المنظمات العالمية وأسماء الشركات والمؤسسات التي تعنى بالعلوم التجريبية تتردد في سطور أبحاثهم وكتبهم أكثر من أسماء علماء الإسلام ومفكريهم ومفسريهم. يقول محمد بن جابر محمود: (يذكر إدقر دبليو سبنسر (Edgar W.Spencer) في كتابه (مدخل إلى تركيب الأرض): (أنه كلما زاد ضغط الماء داخل الحجارة فإنها تكون أضعف وأكثر قابلية للتكسر (Brittle)، ويشترط سبنسر لهذا التأثير … ) (١).

стр. 171

ولو أردت ذكر الأمثلة على استشهاداتهم بهؤلاء لاحتاج ذلك مني مئات الصفحات، بل أكثر. فانظر كيف يستشهدون على النص القرآني وتفسيره وإثبات إعجازه بأقوام لا نعلم دينهم، ولا عقيدتهم، وهل هم علماء بالفعل كما يقولون؟ وإن هذا الذي ذكرته لا يخالف قاعدتنا في أخذ الحكمة والعلم حيثما وجدا، فنحن نأخذ بالحكمة أينما وجدت، ولكن بشرط أن نثبت أولاً بأنها حكمة. ٢٧) محاولتهم التقليل من شأن قواعد التفسير، ولم يقتصروا في ذلك على نوع واحد من القواعد التفسيرية أو الترجيحية، بل إن نتاجهم طال القواعد المتعلقة بالنصوص الشرعية وقواعد اللغة والسياق والقراءات القرآنية، ومن تلك القواعد قاعدة التفسير بالمتبادر للذهن الذي يفهمه كل أحد، في مقابل تقديس التفسير الذي لا يعرفه إلا المتخصصون في فن من الفنون الأخرى. وأضرب على ذلك بعضاً من الأمثلة: المثال الأول: تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ (الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ) نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾ [يس: ٨٠]، بما عرف أخيراً من عملية التمثيل الضوئي التي تتم في الورق الأخضر، حيث تنتج لنا هذه العملية الأكسجين الذي نوقد به النار العادية والنار التي في أجسامنا، وتقضي على ثاني أكسيد الكربون. وهم بهذا التفسير يبتعدون عن المعنى المتبادر للذهن، والذي يعرفه جميع من يسمع الآية من المقصود بالشجر الأخضر الذي توقد منه النار.

стр. 172

ومن ذلك تقليلهم من شأن تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ [الحج: ٧٣] بالمتبادر الذي يراه كل أحد على التفسير المبني على شرح كيفية عمل الجهاز الهضمي للذباب. وعلى فرض صحة ما ذكروه في الجانب الإحيائي للذباب؛ إلا أنه لا يجوز التقليل من شأن التفسير المتبادر للذهن والذي فهمه من نزلت عليهم الآية. المثال الثاني: تفسيرهم السقف على غير المتبادر للذهن وعلى غير الموافق للغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ (سُقُفًا) مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣)﴾ [الزخرف: ٣٣]. حيث فسروها بسفن الفضاء، وبألواح الطاقة الشمسية، وهذا كله من اختراعات القرون المتأخرة، وليس في لفظ الآية ولا في سياقها ما يدل عليه، بل هو لعب بكتاب الله تعالى ونأي بتفسير القرآن الكريم عن مساره السليم. ومما يدل على عدم صحة تفسيرهم، أن جَعْل السقف والمعارج المذكورة في هذه الآية متوجه إلى الذين يكفرون بالرحمن، وذلك لكراهة أن يكون الناس أمة واحدة متفقة على الكفر. ولو أنه أعطى الكافرين ومنع المؤمنين لرغب الناس في أن يكونوا كافرين ميلا إلى الدنيا، ولذلك جعل من الفريقين الغني والفقير. يقول الشوكاني: (أي: لولا كراهتنا لكون جميع الناس أمة واحدة متفقة على الكفر، لأعطينا زخارف الدنيا كلها للكفار.

стр. 173

ولكننا لعلمنا بشدة ميل القلوب إلى زهرة الحياة الدنيا وحبها لها، لو أعطينا ذلك كله للكفار لحملت الرغبة في الدنيا جميع الناس على أن يكونوا كفاراً، فجعلنا في كل من الكافرين والمؤمنين غنيا وفقيرا، وأشركنا بينهم في الحياة الدنيا) (١). فنقول لهؤلاء: إن الآية نص في افتراض جعل هذه الأمور للذين يكفرون بالرحمن، وأما ما ذكروه من سفن الفضاء والطاقة الشمسية فيشترك فيها الكافر والمؤمن، وهذا وحده كاف في إبطال هذا التفسير للآية الكريمة. ٢٨) إنهم لم يدركوا معنى اختلاف التنوع في التفسير وما فائدته، حتى إذا جاءوا بتفسير مقبول للآية لا يتناقض مع تفسير السابقين عرّضوا بهم واتّهموهم بالجهل وعدم الدقة. وأضرب على ذلك مثالاً تفسير قوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ (بَنَانَهُ) (٤)﴾ [القيامة: ٤]. فأقول: ذكر السابقون من المفسرين أن المراد بهذه الآية أن الله تعالى قادر على أن يجعل بنان الإنسان كبنان البعير، أو أنه تعالى قادر على أن يعيد البنان مرة أخرى بعد أن تبلى. وجاء المعاصرون وذكروا لهذه الآية معنى جديداً -على حد قولهم- بأن الله قادر على أن يسوي بصمة الأصابع ويجعلها بصمة واحدة. وفي هذا أقول:

стр. 174

أولاً: ما المانع من أن تحمل الآية على المعاني الثلاثة كلها؟ إنه قد ثبت في القرآن الكريم وفي السنة النبوية أن الله تعالى قدير قادر على كل شيء. فهو قادر على تسوية البنان بكل معنى يحتمله لفظ الآية. وليس ثمة مانع من ذلك، بما أن الآية تحتمل ذلك. ثانياً: إن اكتشافَ معنى جديدٍ للآية، لا يخالف منهج المفسرين القدامى، فهم الذين بينوا لنا أن اللفظ القرآني حمال ذو وجوه، ولهذا كانت نظرة المفسرين السابقين أوسع أفقاً وأكثر علماً. ثالثا: عند التحقيق في كثير من تفسيرات السابقين من المفسرين تجد أنها أدق وأوفق لمعنى الآية من تفسيرات أرباب الإعجاز العلمي، ولنأخذ مثالاً هذه الآية. فإن تفسير السلف -عند التحقيق- أقرب إلى معنى الآية الصحيح الذي يتناسب مع السياق واللغة، فلو رجعنا إلى معنى البنان في اللغة لوجدنا أنها الأصابع أو أطراف الأصابع، وأما البصمة فهي فقط في جهة من جلد الأصبع الداخلي، وفرق كبير بين تسوية طرف الأصبع وبين غطاء الأصبع من جهة واحدة فقط، هي الجهة الداخلية، ولذلك فإن أحداً لا يستطيع أن يفسر قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ (بَنَانٍ) (١٢)﴾ [الأنفال: ١٢]. بمكان البصمة، فتفسير السلف هنا أقرب من حيث معاني اللغة، وأقرب من حيث استعمال القرآن للمفردة القرآنية، وهذا هو الذي يتناسق ويتناسب مع القواعد التفسيرية والترجيحية.

стр. 175

وهذا دليل على خطأ من وصف تفسير المتأخرين بأنه أدق من تفسير المتقدمين، بل الأمر على العكس تماماً. ٢٩) ومن أشنع ما وقع من بعضهم إنكارهم على السلف تفسيرهم الآيات على غير طريقتهم المعاصرة، وكيف يجوز الإنكار عليهم بأنهم لم يفسروا القرآن بالعلوم الحديثة المعاصرة، وهل السلف يعلمون الغيب ويعلمون الدراسات المعاصرة القائمة على العلوم الفيزيائية والكيمائية ونحوها؟ بل إنهم اتهموا السلف بالجهل وعدم معرفة تفسير الآيات، قال بعضهم: (وبقيت تلك الآية تؤول أو تفسر على غير معناها لعدم معرفة السابقين بحقائق خلق الله، ودقائق ما أشارت إليه الآية) (١). ويقول غيره: (ولم يتيسر للمفسرين الإحاطة بتفاصيل الأسرار التي ألمحت إليها الآية؛ لأنها كانت غائبة عن مشاهدتهم، وتعددت أقوالهم في تفسير معانيها الخفية) (٢). ثم قال: (فانظر كيف حارت العقول الكبيرة عدة قرون، بعد نزول القرآن الكريم، في فهم الدقائق والأسرار، وكيف جاء العلم مبيناً لتلك الأسرار، وصدق الله القائل:

стр. 176

﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ [النمل: ٩٣]، وانظر كيف استقر المعنى بعد أن كان قلقاً … ) (١). فانظر إلى هذه النظرة الاستعلائية التي استحوذت على عقول بعض القائلين بالإعجاز العلمي -لا جميعهم- حيث صوروا لنا حيرة السلف وترددهم وقلة إدراكهم لمعاني الآيات بهذه الصورة، ثم انظر كيف أثبتوا شبهةً من أفسد الشبه؛ وهي بقاء الآيات أزماناً طويلة دون تفسير، وبقيت معطلة حتى جاء أرباب الإعجاز العلمي وفسروا معانيها وبينوا حقائقها. ٣٠) تفسيرهم الآيات القرآنية بما يخالف الشرع، ومن أمثلة ذلك تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ (أَطْوَارًا) (١٤)﴾ [نوح: ١٤] بنظرية النشوء والارتقاء، وهي من أبطل النظريات التي سارع العلماء إلى ردها: الكفار منهم قبل المؤمنين. ٣١) ومن صنيعهم أنهم يأتون بقضية علمية وحقيقة ثابتة، ثم يسقطونها على آية لا علاقة لها بها. وهنا قضية مهمة ينبغي التنبيه إليها، وهي أن صحة النظرية شيء وجعلَها مراداً من مرادات الآية شيء آخر، ولا يلزم من صحة النظرية إنزالها على الآيات القرآنية، وجعلها دليلاً من دلائل الإعجاز.

стр. 177

ومن الأمثلة على ذلك استدلالهم على أن القمر يأخذ ضوءه من الشمس من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ (الشَّمْسَ ضِيَاءً) وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥]. ومن قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ (فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا) وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ [الفرقان: ٦١]. قلت: على فرض أن تكون النظرية صحيحة، وأن القمر يأخذ ضوءه من الشمس فعلاً، فأين هذا في الآية؟ والجواب عن هذا التفريق ما يأتي: أولاً: إن القول بأن الضياء يطلق على ما كان مستنيرا بنفسه، والنور على ما أخذ ضوءه من غيره، لا دليل عليه من اللغة. ثانياً: كثير من العلماء على أن الضياء هو النور الذي يحصل معه نوع حرارة أو تسخين، بخلاف النور. يقول ابن رجب: (الضياء: هو النور الذي يحصل فيه نوع حرارة وإحراق، كضياء الشمس، بخلاف القمر، فإنه نور محض، فيه إشراق بغير إحراق) (١). ثالثاً: إن الناظر في الآيات والأحاديث الصحيحة ليجد أن النور هو مصدر الضوء، وليس العكس. يقول السهيلي: هذا البيت (٢) يوضح لك معنى النور ومعنى الضياء، وأن

стр. 178

الضياء هو المنتشر عن النور، وأن النور هو الأصل للضوء، ومنه مبدؤه، وعنه يصدر، وفي التنزيل: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]. وفيه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] لأن نور القمر لا ينتشر عنه من الضياء ما ينتشر من الشمس، [و] لا سيما في طرفي الشهر. وفي الصحيح: (الصلاة نور، والصبر ضياء) وذلك أن الصلاة هي عمود الإسلام، وهي ذكر وقرآن، وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، فالصبر عن المنكرات، والصبر على الطاعات: هو الضياء الصادر عن هذا النور، الذي هو القرآن والذكر. وفي أسماء الباري سبحانه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] ولا يجوز أن يكون الضياء من أسمائه سبحانه» (١). إن كلمة الضوء -إذن- لا تدل أبداً على أن الشيء المضيء هو الذي يكون ضوءه بنفسه، وأن ما أخذ نوره من غيره فهو منير. وليس هذا طعناً في النظرية العلمية ولا تصديقاً لها، ولكنه تحقيق بعدم جواز إسقاط النظرية العلمية على خصوص الآيات. ٣٢) صوّر بعض أرباب الإعجاز العلمي علماءَ الإسلام على أنهم أعداء للاختراعات والاكتشافات والنهضة العلمية والتجريبية، وهذا الأمر باطل من وجوه عديدة: أولاً: إن الناظر في كتب علمائنا المتقدمين يجد أنها مليئة زاخرة بالعلوم الكونية وعلوم الفلك وعلوم الأحياء الدقيقة ونحوها.

стр. 179

ثانياً: لم تخل كتب التفسير على مر العصور من بحث هذه العلوم. وخذ على ذلك كتاب «مفاتيح الغيب» للإمام الرازي ﵀. فإنه أسهب وأطال النفس في ذكر القضايا الكونية والعلوم الأرضية وعلوم الأحياء وأشار إلى أشياء كثيرة من علوم الرياضيات، حتى اتهم بأن في تفسيره كل شيء إلا التفسير. ثالثاً: إن علماء المسلمين من غير المفسرين قد أثبتوا براعتهم وتفننهم في هذه العلوم على مر العصور، ومن يتابع أخبار براءات الاختراعات والمكتشفات الحديثة فإنه يدرك ذلك حق الإدراك. رابعاً: إن كثيرا من المفسرين المتقدمين المقلين من ذكر هذه العلوم؛ حثوا عليها وحضوا المسلمين على تعلمها وتفهمها، وخاصة عند ذكرهم للآيات العامة التي تطلب من البشرية التدبر والتفكر والتأمل. ٣٣) لقد وضع بعض القائلين بالإعجاز العلمي مصيرهم بيد من لا يقيمون للقرآن ولا للسنة المطهرة وزناً، وبيد أولئك الذين يسعون جاهدين إلى تحريفهما والطعن فيهما، ولا عليك إلا أن تتصفح مقالات الإعجاز العلمي والكتابات حوله، وستجد أكثرها معلومات ونظريات أُخذت من مراكز غربية مدعومة، لا نأمن مكرهم وكيدهم، كالذي يسلم رقبته لعدوه. ٣٤) كثير من هؤلاء حصروا الدعوة إلى الله تعالى بالإعجاز العلمي، ومنهم من جعل هذه الطريقة أهم الطرق. وهذا الكلام غير صحيح، بل إني أرى أنها من أضعف الطرق، وأقلها إنتاجا لأسباب كثير منها:

стр. 180

أولاً: أنها موجهة إلى طبقة مخصصة هي الطبقة العلمية العليا. وليس الطبقة العليا كلها، بل هي للمهتمين بقضايا الإسلام والقرآن منهم. ثانياً: إن الأعداد التي تؤمن وتدخل الإسلام بسبب الإعجاز العلمي أعداد نادرة قليلة. ثالثاً: عدم ثقة غير المسلمين أنفسهم بالشركات والمؤسسات العلمية التي تصدر عنها الأبحاث والدراسات. رابعاً: كثرة الردود العلمية الصادرة من المؤسسات العلمية على الاكتشافات الصادرة من مؤسسات أخرى مما يقلل نسبة مصداقيتها عند الباحثين في هذه الشؤون. ٣٥) اختلاف منهج أرباب الإعجاز العلمي في التفسير عن منهج السلف، فالسلف عندما فسروا الآيات لم يقصروا تفسيرها على تفسيرهم لها، بل إنهم فتحوا المجال أمام غيرهم ليستنبطوا من القرآن معان جديدة، أما هؤلاء فإنهم خطّأوا كل من فسر بخلاف تفسيرهم، أو لمزوا تفسيره بشيء من ذلك وهمزوه. ٣٦) اقتحم هؤلاء حمى أسماء الله وصفاته وفسروها بما هو أفسد الفاسد وأبطل الباطل. كمن فسر الاستواء بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾ [فصلت: ١١]، بأنه رمز للسيطرة الكلية،
следующие страницы →