التركيب هو روح الفطرة اللغوية فيهم، وأنه لا سبيل إلى صرفه عن نفس أحد العرب أو اعتراض مساغه إلى هذه النفس، إذ هو وجه الكمال اللغوي الذي عرف أرواحهم واطلع على قلوبهم، بل هو السر الذي يفشي بينهم نفسه، وإن كتموه، ويظهر على ألسنتهم ويتبين في وجوههم وينتهي إلى حيث ينتهي الشعور والحس، فليس للخلابة أو المؤاربة وجه في نقض تأثيره وإزالته عن موضعه، ومن استقبل ذلك بكلامه أو أراده بأي حيلة، فقد استقبل رد النفوس عن أهوائها، وردع القلوب عن محبتها، وحاول معارضه أقوى ما في النفس بأضعف ما فيه شيء -فيما يعرفونه- لا يستقيم لامرئ من الناس ببيان ولا عصبية ولا هوى ولا شيء من هذه الفروع النفسية، وليس إلا أن ينقض الفطرة فيستقيم له، وما في نقض هذه الفطرة إلا أن يبدأ الخلق فيكون إلها، وهذا كما ترى فوق أن يسمى أو يعقل) (١).
ثالثاً: النظم هو المادة التي سيتحدث عنها الرافعي ولا غير، وليس اقتصاره في الكلام على النظم دليلاً على أنه ينكر وجوه الإعجاز الأخرى، ولعل السبب في ذلك أن الوجوه الأخرى لا يخالف الرافعي غيره في فهمها لفظاً ومعنى، ولا في تطبيقاتها على العموم، وإنما الوجه الذي يريد أن يقرر فيه شيئا جديداً هو النظم، مُلمحاً في ذلك إلى اعتراضه على مفهوم النظم عند المتقدمين، إما كلياً وإما جزئياً، وهو ما أرجحه في هذا المقام بدلالة التطبيقات التي أثرى من خلالها درسه الإعجازي تأصيلاً وتطبيقاً.
стр. 72
الفرع الثالث نظرية الرافعي في إعجاز القرآن الكريم
قسم الرافعي نظريته في الإعجاز وبناها على أركان ثلاثة، انطلق من خلالها في تقرير مفردات الإعجاز، وهي: الحروف وأصواتها، والكلمات وحروفها، والجمل وكلماتها. ولنبدأ بها تباعاً:
أولاً: الحروف وأصواتها
يقول الرافعي: (فإن طريقة النظم التي اتسقت بها ألفاظ القرآن، وتألفت لها حروف هذه الألفاظ، إنما هي طريقة يتوخى بها إلى أنواع من المنطق وصفات من اللهجة لم تكن على هذا الوجه من كلام العرب، ولكنها ظهرت فيه أول شيء على لسان النبي ﷺ ؛ فجعلت المسامع لا تنبو عن شيء من القرآن، ولا تلوي من دونه حجاب القلب، حتى لم يكن لمن يسمعه بد من الاسترسال إليه والتوفر على الإصغاء، لا يستمهله أمر من دونه وإن كان أمر العادة، ولا يستنسئه الشيطان وإن كانت طاعته عندهم عبادة) (١).
سمى الرافعي هذا الأمر بالموسيقى اللغوية، ثم بيّن أن هذا أحد معاني النظم الذي يريده وليس نظم السابقين، حيث يقول: (وهذا نوع من التأليف لم يكن منه في منطق أبلغ البلغاء وأفصح الفصحاء إلا الجمل القليلة) (٢).
стр. 73
وأرى أن هذه الجملة من كلام الرافعي من أهم ما ورد من كلامه حول موضوع البحث الأول من بحوث النظم عنده، ولكني سأقف فيما بعد كثيرا عند جملته: (إلا الجمل القليلة).
وقبل ذلك أذكر شيئاً من تفصيل نظرية الرافعي في إعجاز الأصوات، فأقول:
١. يرى الرافعي أن العرب: (لما قرئ عليهم القرآن، رأوا حروفه في كلماته، وكلماته في جمله، ألحانا لغوية رائعة؛ كأنها لائتلافها وتناسبها قطعة واحدة، قراءتها هي توقيعها فلم يفتهم هذا المعنى، وأنه أمر لا قبل لهم به، وكان ذلك أبين في عجزهم؛ حتى إن من عارضه منهم، كمسيلمة، جنح في خرافاته إلى ما حسبه نظما موسيقياً أو باباً منه وطوى عما وراء ذلك من التصرف في اللغة وأساليبها ومحاسنها ودقائق التركيب البياني، كأنه فطن إلى أن الصدمة الأولى للنفس العربية، وإنما هي في أوزان الكلمات وأجراس الحروف دون ما عداها؛ وليس يتفق ذلك في شيء من كلام العرب إلا أن يكون وزنا من الشعر أو السجع) (١).
يريد من هذا الكلام أن يبين قيمة الصوت عند العرب، عندما نزل عليهم القرآن الكريم، وأن القرآن الكريم قد تفرد بهذا الوجه دون غيره من أنواع الكلام.
وأتى على ذلك بمثال، وهو أننا لو جئنا بشيء من الكلام البليغ من غير القرآن ورتلناه ترتيل القرآن فستكون النتيجة كما يأتي:
стр. 74
أولاً: وجود الفارق الكبير بين هذه المقطوعة وبين القرآن الكريم.
ثانياً: شعور السامع بالنقص الكبير في كلام البلغاء وانحطاطه عن رتبة القرآن الكريم.
ثالثاً: ذهاب الترتيل بجمال هذه القطعة الأدبية ورونقها، على خلاف أثر الترتيل إذا كان القرآن مادته، وهو ما يسميه الرافعي إجمالاً: إعجاز النظم الموسيقي.
٢. يرى الرافعي أن: (الصوت هو مادة الانفعال النفسي، وأن هذا الانفعال بطبيعته إنما هو سبب في تنويع الصوت، بما يخرجه فيه مداً، أو غنة، أو ليناً، أو شدة، وبما يهيئ له من الحركات المختلفة في اضطرابه وتتابعه على مقادير تناسب ما في النفس من أصولها؛ ثم هو يجعل الصوت إلى الإيجاز والاجتماع؛ أو الإطناب والبسط؛ بمقدار ما يكسبه من الحدوة والارتفاع والاهتزاز وبعد المدى ونحوها، مما هو بلاغة الصوت في لغة الموسيقى) (١).
٣. استدل الرافعي على نظريته فيما يسميه «الاستهواء الصوتي» بفواصل الآيات، وكيف أنها جاءت على نسق بديع حيث يقول: (وما هذه الفواصل التي تنتهي بها آيات القرآن إلا صور تامة للأبعاد التي تنتهي بها جمل الموسيقى، وهي متفقة مع آياتها في قرار الصوت اتفاقا عجيباً يلائم نوع الصوت والوجه الذي يساق عليه بما ليس وراءه في العجب مذهب) (٢).
стр. 75
ومما يدخل في هذا المعنى أن القرآن الكريم: (لا يخلق على كثرة الرد وطول التكرار، ولا تمل منه الإعادة؛ وكلما أخذت فيه على وجه الصحيح فلم تخل بأدائه، رأيته غضا طريا، وجديدا مونقا، وصادفت من نفسك له نشاطا مستأنفا وحسا موفورا) (١) ..
ثانياً: الكلمات وحروفها
ذكرت آنفاً كلاماً للرافعي في ظاهرة الحروف وأصواتها، وسأذكر شيئاً من كلامه حول الجزء الثاني من نظريته، وهو الكلمات وحروفها، وملخصه ما يأتي:
١) تكلم الرافعي على العلاقة الدقيقة بين المعنى ولفظه بما يصدر عنه من صوت الحروف فيه.
٢) بين الرافعي مكانة الكلمة القرآنية ووضعها في محلها اللائق بها، بعد بيان دقة الحروف فيها.
٣) بيّنَ الرافعي التناسب البديع بين أصوات الحروف، حتى إن الحروف -كما يرى- لتكون ثقيلة، حتى إذا استعملت في القرآن الكريم رأيت: (لها شأناً عجيباً، ورأيت أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقاً في اللسان، واكتنفتها بضروب من النغم الموسيقي حتى إذا خرجت فيه كانت أعذب شيء وأرقه، وجاءت متمكنة في موضعها، وكانت لهذا الموضع أولى الحركات بالخفة والروعة) (٢).
стр. 76
٤) يقسم الرافعي الأصوات إلى ثلاثة (١):
الصوت الأول: صوت النفس، وهو الصوت الموسيقي الذي يكون من تأليف النغم بالحروف ومخارجها وحركاتها ومواقع ذلك من تركيب الكلام ونظمه على طريقة متساوقة وعلى نضد متساو، بحيث تكون الكلمة كأنها خطوة للمعنى في سبيله إلى النفس، إن وقف عندها هذا المعنى قطع به.
الصوت الثاني: صوت العقل، وهو الصوت المعنوي الذي يكون من لطائف التركيب في جملة الكلام، ومن الوجوه البيانية التي يداور بها المعنى، لا يخطئ طريق النفس من أي الجهات انتحى إليها.
الصوت الثالث: صوت الحس، وهو أبلغهن شأنا، لا يكون إلا من دقة التصور المعنوي، والإبداع في تلوين الخطاب، ومجاذبة النفس مرة وموادعتها مرة، واستيلائه على محضها بما يورد عليها من وجوه البيان، أو يسوق إليها من طرائف المعاني، يدعها من موافقته والإيثار له كأنها هي التي تريده وكأنها هي التي تحاول أن يتصل أثرها بالكلام، إذ يكون قد استحوذ عليها وانفرد منها بالهوى والاستجابة. وعلى مقدار ما يكون في الكلام البليغ من هذا الصوت، يكون فيه من روح البلاغة) (٢).
стр. 77
الأمثلة التطبيقية
ذكرت في مقدمة كلامي على الرافعي بأنه كان قليل الأمثلة على ما ينظر له ويؤسس، ولذلك سأقتصر هنا على شيء من الأمثلة المشهورة التي ذكرها في هذا المقام.
المثال الأول: الثقل الظاهر في كلمة (النُّذُر) في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ (بَطْشَتَنَا) فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦)﴾ [القمر: ٣٦].
رد الرافعي على هذا الادعاء المتوهم من الثقل في كلمة النذر بأن أموراً كثيرة تعاضدت لتقلل من ثقل هذه الكلمة، حتى بدت كغيرها من الكلمات الخفيفة السهلة على اللسان ومن ذلك:
١) القلقلة في (لَقَدْ)، و (بَطْشَتَنَا).
٢) الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو (فَتَمَارَوْا) مع الفصل بالمد، كأنها تمهيد لخفة التتابع في الفتحات إذا هي جرت على اللسان، ليكون ثقل الضمة عليه مستخفاً بعد.
٣) الراء من (فَتَمَارَوْا) فإنها ما جاءت إلا مساندة لراء (النُّذُر)، حتى إذا انتهى اللسان إلى هذه انتهى إليها من مثلها، فلا تجف عليه ولا تغلظ ولا تنبو فيه.
٤) الغنة التي سبقت الطاء في نون (أَنْذَرَهُمْ) وفي ميمها، وللغنة الأخرى التي سبقت الذال في (النذر).
стр. 78
وهل سيبقى شيء من الثقل بعد هذه العوامل التي مهدت للثقل في (النُّذُر) وساعدنها على أن تنظم سلك السهولة والسلاسة.
المثال الثاني: الكلمات كثيرة الحروف، ومنها:
الكلمة الأولى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ) فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥].
يرى الرافعي أنها جاءت في غاية العذوبة، والذي جعلها كذلك ما يأتي:
١) تنوع مخارج الحروف.
٢) (نظم حركاتها، فإنها بذلك صارت في النطق كأنها أربع كلمات؛ إذ تنطق على أربعة مقاطع) (١).
الكلمة الثانية: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ﴾، في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ (فَسَيَكْفِيكَهُمُ) اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾ [البقرة: ١٣٧].
وقد ساعد في تسهيلها على اللسان ما يأتي:
١) انقسامها إلى ثلاثة مقاطع.
стр. 79
٢) تكرر حرف الياء.
٣) المد الذي توسط بين الكافين.
وقد سحب كلامه في كون المد يخفف من طول الكلمة أو ثقلها أنه وجد في الكلمات التي ليس أصلها عربياً كـ (إبراهيم) و (إسماعيل) و (طالوت) و (جالوت) ونحوها حيث تخللها المد وكأنها كلمتان اثنتان.
الكلمة الثالثة: كلمة ﴿ضِيزَى﴾ في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ (ضِيزَى) (٢٢)﴾ [النجم: ٢٢].
فرغم ما يمكن أن يدعى من غرابتها إلا أن: (حسنها في نظم الكلام من أغرب الحسن وأعجبه؛ ولو أدرت اللغة عليها ما صلح لهذا الموضع غيرها) (١).
وملخص كلامه حول هذه المفردة ما يأتي:
١) (السورة التي هي منها وهي سورة النجم، مفصلة كلها على الياء؛ فجاءت الكلمة فاصلة من الفواصل) (٢).
٢) أن الكلمة جاءت في: (معرض الإنكار على العرب؛ إذ وردت في ذكر الأصنام وزعمهم في قسمة الأولاد، فإنهم جعلوا الملائكة والأصنام بنات لله مع أولادهم البنات
стр. 80
فقال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾. فكانت غرابة اللفظ أشد الأشياء ملاءمة لغرابة هذه القسمة التي أنكرها) (١).
٣) أنها جاءت على مقطعين: مقطع ثقيل، وهو: (ضيـ)، ومقطع خفيف، وهو: (زى).
٤) أنها جاءت بعد غنتين: خفيفة حادة بعد: (إذاً) وثقيلة متفشية بعد: (قسمةٌ).
٥) (أن الكلمة التي جمعت المعاني الأربعة على غرابتها، إنما هي أربعة أحرف أيضاً) (٢).
قلت: لعل الرافعي يعني بالمعاني الأربعة تلك المعاني الآنفة التي أيد بها نظريته في تأكيد وقوع كلمة: ﴿ضِيزَى﴾ في مكان يزيل غرابتها.
والحق أن هذا الكلام فيه نظر كبير؛ للأمور الآتية:
أولاً: ما قدمه الرافعي ادعاء منه ﵀ بأن المعاني الأربعة التي جاء بها صحيحة ولا نزاع فيها، وادعاء منه أيضاً بأن عدد المعاني لا يزيد عن أربعة، فكيف سيفعل لو جاء أحد بمعنى خامس يؤيد وقوع الكلمة موقعها الصحيح على النسق الذي يقبله القلب والعقل واللسان.
стр. 81
ثانيا: إن ما ذكره في النقطة الثانية من أن غرابة الكلمة جاءت وفق غرابة الأقوال والأفعال الشنيعة التي ارتكبوها. أقول: إن هذا إثبات واضح وصريح منه بغرابة الكلمة، وهذا ليس بصحيح، بل إن الكلمة ليست غريبة أبداً، في عصر من نزلت فيهم الكلمة على أقل تقدير، وإذا كانت غريبة على قوم فلا يعني هذا إثبات غرابتها المطلقة.
ثالثا: إن قوله بالتناسب بين جرس الكلمة وغرابتها وبين الفعل الذي تدل عليه غير صحيح، لأنه يلزم منه أن المواضع التي جاءت الأفعال فيها بشعة وجاء التعبير عنها بمفردات خفيفة معروفة غير مستغربة ينافي البلاغة، وكيف يفعل في المواضع التي كانت أفعال الخلق فيها أبشع وأفظع مما جاء في هذا الموضع، وجاء التعبير عنها بألفاظ يرى هو ﵀ وغيره أنها ليست غريبة ولا ثقيلة.
رابعاً: انه ذكر بأن لفظ كلمة: ﴿ضِيزَى﴾ غريب. وهذا مناف تمام المنافاة للمعاني التي ذكرها في كونها خفيفة لطيفة من كونها اشتملت على غنتين، وجاءت مقسومة على مقطعين ونحو ذلك من الكلام الذي نظّر به في تأييد نظريته الصوتية.
وأقتصر في الجواب عن كلامه بهذه الإلماحات الخفيفة، فليس المقام مقام الرد التفصيلي، فنظريته ﵀ كلها تحتاج إلى تحقيق أكثر وتقييم وتقويم أوسع (١).
ثالثاً: الجمل وكلماتها
ثم تكلم الرافعي عن فرع نظريته الثالث، وإجمال هذا الفرع بما يأتي:
стр. 82
١) يرى الرافعي أن الجملة هي مظهر الكلام وأنها الصورة النفسية للتأليف الطبيعي، إذ يحيل بها الإنسان هذه المادة المخلوقة في الطبيعة إلى معان تصورها في نفسه. أو تصفها حتى ترى النفس هذه المادة المصورة وتحسها.
٢) كما يرى أن القرآن الكريم كله كأنه صورة واحدة من الكمال، وإن اختلفت أجزاؤها في جهات التركيب ومواضيع التأليف وألوان التصوير، وأغراض الكلام.
٣) ويرى -أيضاً- أن العرب أوجدوا اللغة مفردات فانية، وأما القرآن فقد أوجدها تراكيب خالدة.
٤) ويرى أنه ليس للعربية إلا معجم تركيب واحد هو القرآن الكريم، مع وجود معجمات كثيرة تجمع مفرداتها وأبنيتها.
٥) يقسم الرافعي الكلام إلى طبقات متفاوتة، يظهر من خلال هذه الطبقات علو طبقة القرآن الكريم على سائر الطبقات، وهي:
أ- الكلام الطبيعي: وهو أن يركب الكلام على أصل من التركيب لا يتأدى بالمعاني إلى أبعد من مظاهر الحس، وهذا الكلام لا يزيد من فضيلة المتكلم أكثر مما تزيد الحواس نفسها في هذا المتكلم من فضيلة الإنسانية.
ب- الكلام النفسي الذي يضيف إلى صفة المتكلم صفة البلاغة ويرتفع به عن أن يكون إنسانا من الجنس إلى أن يكون -بفضيلة البلاغة- مادة إنسانية لجنس الإنسان. ويجب أن تكون صفة هذا الكلام في أوضاعه ومعانيه إذا خرج: (وكأنه تصرف من
стр. 83
الحواس في أنواع الإدراك ودرجاته كتصرف النظر في اكتناه الجمال وإدراك معانيه؛ أو السمع في استبانة الأصوات وحس نغماتها، إلى ما يشبه ذلك من صنع سائر الحواس في كمالها العصبي) (١).
ج- (الكلام الذي يبين البليغ ويفرده من قومه ويجعله مهوى قلوبهم وصمت أبصارهم، إذ يكون في نفسه من هذه القوة البيانية ما يجعله خليقا أن يعتده التاريخ أحد المجامع النفيسة في الأرض) (٢). وهذا هو كلام البلغاء والشعراء والأنبياء، وهو في الطبقة العليا من هذا النوع.
د- الكلام المعجز. وأتركك مع الرافعي في وصفه لهذا الكلام حيث يقول: (فإذا بعد الكلام وأمعن حتى يكون بدقائق تركيبه وطرف تصويره كأنما يفيض النفس على الحواس إفاضة، ويترك هذا الإنسان من الإحساس به كأنه قلب كله، ثم يبلغ من ذلك إلى أن يكون روح لغة كاملة وبيان أمة برفتها، لا يحيله الزمن عن موضعه، ولا يقلبه عن جهته، وإلى أن يجعل البلغاء على تفاوتهم فيما بينهم، وعلى اختلاف عصورهم وأسبابهم المتلاحقة، وكأنهم معه طبقة واحدة وفي طوق واحد من العجز؛ يعنيهم طلبه، ويعنتهم إدراكه ويعرفون تركيبه ثم لا يجدون له مأتى من النفس ولا وجها من القدرة فذلك هو الكلام المعجز) (٣).
стр. 84
إن القرآن هو معجزة الطبيعة الكلامية التي لم تعرف البشرية مثلها، وما انعقد إجماعها يوماً من الأيام على غير القرآن، ولن يزول هذا الإجماع ما بقي في الأرض لفظ من العرب.
(وإنما اطرد ذلك للقرآن من جهة تركيبه الذي انتظم أسباب الإعجاز من الصوت في الحرف، إلى الحرف في الكلمة، إلى الكلمة في الجملة، حتى يكون الأمر مقدراً على تركيب الحواس النفسية في الإنسان تقديراً يطابق وضعها وقواها وتصرفها، وذلك إيجاد خلقي لا قبل للناس به ولم يتهيأ إلا في هذه العربية عن طريق المعجزة التي لا تكون معجزة حتى تخرق العادة، وتفوت المألوف، وتعجز الطوق) (١).
هذا ملخص ما ذكره الرافعي في جزء نظريته الثالث، ولا يتسع المقام للتفصيل في شرح مقالته، والنظر في دقة تقسيماته، فلهذا موطن آخر بإذن الله تعالى.
الفرع الرابع مقارنة بين نظم عبد القاهر ونظم الرافعي
من خلال ما تقدم أجدني مضطراً لبيان الفروق بين نظرية النظم عند عبد القاهر وعند الرافعي -رحمهما الله تعالى- فأقول:
стр. 85
١) إن الرافعي لم يحصر فكرة النظم في توخي معاني النحو وقواعده، كما فعل عبد القاهر، وقد نص عبد القاهر على هذا حيث قال: (اعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك، فلا تخل بشيء منها) (١).
وقد أيد عبد القاهر بأمثلة كثيرة، كتلك الفروق بين جمل: («زيد منطلق» و «زيد ينطلق»، و «ينطلق زيد» و «منطلق زيد»، و «زيد المنطلق» و «المنطلق زيد» و «زيد هو المنطلق»، و «زيد هو منطلق») (٢).
وكقولنا: («جاءني زيد مسرعا»، و «جاءني يسرع»، و «جاءني وهو مسرع أو وهو يسرع» و «جاءني قد أسرع» و «جاءني وقد أسرع») (٣).
٢) لقد كان بحث الرافعي أوضح في المرحلتين اللتين سبقتا في الترتيب المرحلة التي بحثها عبد القاهر، وهما: الحروف وأصواتها، والكلمات وحروفها، على حين أن عبد القاهر ركز أكثر على مرحلة ما سماه: الجمل وكلماتها.
فالعلاقة بين الحرف وصوته والكلمة وحروفها أخذت حيزاً كبيراً عند الرافعي، وهذا الذي تميز به عن كثير ممن سبقه من الذين حصروا النظم في المرحلة الثالثة -إن صح التعبير-.
стр. 86
ومن خلال قراءاتي لكتاب الرافعي في الإعجاز وكتبه الأخرى التي عرض فيها لنظريته في النظم شعرت بأن نظرية الرافعي جاءت رداً ذكياً على بعض نظريات السابقين، وكنت أشعر في كثير من المواطن أن الرافعي -أو كأنه- يوجه كلامه إلى عبد القاهر خصوصاً وكل من قال بقوله في النظم عموماً.
ولو رجعنا إلى الوراء لوجدنا من عبد القاهر نظرة استشرافية وإطلالة توقعية على المستقبل، حيث جاء في كلامه تصريح في أن النظم لا يجوز أن يكون في نحو ما ذكره الرافعي، يقول في ذلك: (ومما يجب إحكامه بعقب هذا الفصل، الفرق بين قولنا: «حروف منظومة»، و «كلم منظومة».
وذلك أن «نظم الحروف» هو تواليها في النطق، وليس نظمها بمقتضى عن معنى، ولا الناظم لها بمقتف في ذلك رسماً من العقل اقتضى أن يتحرى في نظمه لها ما تحراه. فلو أن واضع اللغة كان قد قال «ربض» مكان «ضرب»، لما كان في ذلك ما يؤدي إلى فساد، وأما «نظم الكلم» فليس الأمر فيه كذلك، لأنك تقتفي في نظمها آثار المعاني، وترتبها على حسب ترتب المعاني في النفس. فهو إذن نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، وليس هو «النظم» الذي معناه ضم الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق. ولذلك كان عندهم نظيراً للنسخ والتأليف والصياغة والبناء والوشي والتحبير وما أشبه ذلك، مما يوجب اعتبار الأجزاء بعضها مع بعض، حتى يكون لوضع كلٍّ حيث وضع علة تقتضي كونه هناك، وحتى لو وضع في مكان غيره لم يصلح) (١).
стр. 87
ولعمر الحق إن ما قاله عبد القاهر أظهر مما قاله الرافعي، ولو أردنا أن نضع نظرية الرافعي في ميزان النقد العلمي متجردين من عذوبة عبارته وبلاغة تراكيبه وجمال صياغته لوجدنا فيها أمورا كثيرة ليست مضطردة، ولا تنطبق على جميع آي القرآن الكريم، ولما استطعنا أن نستخرج منها مسلّمة نستدل بها في مقامٍ عنوانُه التحدي والمناظرة كالإعجاز، فضلاً عن أن كل ما ذكره من جماليات الصوت وجرسها تجده موجوداً في الكلام العربي من غير القرآن الكريم، وإن ادعى ﵀ عدم وجودها، إلا أنا لا نوافقه على ادعائه.
٣) ومما يختلف فيه الرافعي عن عبد القاهر أن تناوله لنظرية النظم كان مرتباً متناسقاً، على خلاف صنيع عبد القاهر، وهذه سمة كثير من المؤلفات المعاصرة، في الإعجاز وفي غيره، وهو أمر طبيعي يتناسب مع تأخر الرافعي الزمني الكبير عن عبد القاهر. ولذلك كان أغلب الهم عند عبد القاهر إثبات نظريته الخاصة بتفصيلاتها، معتمداً في ذلك على فكره ونظره تأصيلاً وتطبيقاً.
٤) يرى الرافعي أن الكلمة الواحدة من الجملة، أو الحرف الواحد من الكلمة قد يكون أبلغ في الإيحاء والتصوير من بعض التراكيب.
قلت: وهذا لا يسلم للرافعي بالصورة التي ذكرها، وإن سلم له فإنه لا يدخل في باب الإعجاز، فشرط الإعجاز عجز الناس عن أن يأتوا بمثله، وما ذكره الرافعي في الأصوات والحروف لا يختلف فيه القرآن عن غيره، بل إن القرآن الكريم جاء بلسان العرب، كلماتٍ وحروفاً وأصواتاً.
стр. 88
٥) ومما يجدر ذكره في هذا المقام أن الرافعي ﵀ في درسه الإعجازي هذا، لم يكن هو مخترع هذا النمط ولا مكتشفه الأول، ومن اطلع على كتب المتقدمين عرف أنهم أشاروا إلى ما بحثه الرافعي، وذكروا عليه أمثلة كثيرة، وخذ مثالاً على ذلك صنيع ابن سنان الخفاجي وغيره. مع اعترافنا بأن بحث المتقدمين -وإن لم يكن مرتباً منظماً- إلا أنه أقوى في مادته من بحث المعاصرين وأمكن وأمتن (١).
стр. 89
الفصل الثالث أشهر وجوه إعجاز القرآن الكريم
* المبحث الأول: الإعجاز البياني.
* المبحث الثاني: الإعجاز الغيبي.
* المبحث الثالث: الإعجاز التشريعي.
* المبحث الرابع: الإعجاز العلمي.
* المبحث الخامس: الإعجاز العددي
* المبحث السادس: الإعجاز التأثيري.
* المبحث السابع: الآيات التي فيها عتاب النبي ﷺ .
* المبحث الثامن: الصرفة.
* المبحث التاسع: مظهر النبي ﷺ عند هبوط الوحي عليه.
* المبحث العاشر: المباهلة.
* المبحث الحادي عشر: أن إعجاز القرآن شيء لا يمكن التعبير عنه.
* المبحث الثاني عشر: اشتمال القرآن الكريم على الفصاحة.
* المبحث الثالث عشر: اشتمال القرآن الكريم على الحِكَم البالغة.
* المبحث الرابع عشر: عدم الاختلاف والتناقض بين معانيه.
* المبحث الخامس عشر: عجز الرسول عن الإتيان ببدل له.
* المبحث السادس عشر: التحدي للكافة.
* المبحث السابع عشر: قياسه بكل معجزة.
стр. 90
مقدمة
سأذكر -بحول الله وقوته- في هذا الفصل أشهر وجوه الإعجاز، وكنت أود أن آتي على جميع وجوه إعجاز القرآن الكريم التي ذكرها العلماء وحللوها ونقدوها وميزوا بين ما يصح منها أن يكون وجهاً من وجوه إعجاز القرآن الكريم وما لا يصح، ولكني آثرت الاختصار والإيجاز، ففيما ذكرته -بإذن الله- غُنية عما لم أذكره؛ حيث إنني دللت بالمذكور على المتروك، دلالة المثال على مثيله، ودلالة النظير على نظيره.
ومن خلال استطلاعي لمناهج العلماء في عرضهم لوجوه الإعجاز -التي ذكرت- على أنها كذلك، وجدت أموراً مشتركة وأسباباً متحدة في رد كثير من وجوه الإعجاز أو قبولها أو نقد بعض مفرداتها؛ فعمدت أن أسردها مفصلة في البداية، ثم حاولت أن أجمع بين ما تشابه من الوجوه مع غيره في سبب رده ونقده، على طريقة الباحثين في علم النظائر والقرائن، وجعلت ذلك ذكراً فقط، ففي الشرح المتقدم مجال أرحب وأوسع لمن أراد الاستزادة والاستفصال.
стр. 91
المبحث الأول الإعجاز البياني في القرآن الكريم
قبل أن أخوض غمار هذا الوجه، أود أن أبين أن إعجاز القرآن البياني هو أشهر وجوه الإعجاز على الإطلاق، ويرجع ذلك إلى أسباب كثيرة أختار منها:
أولاً: إنه قول الغالبية العظمى من المحققين والمدققين في علوم إعجاز القرآن الكريم.
ثانياً: إنه ينتظم آيات القرآن الكريم كلها، على حين أن وجوه إعجاز القرآن الأخرى -أغلبها- لا تنتظم إلا عدداً من آيات القرآن. وجمهور العلماء على أن قدراً من القرآن الكريم هو أقل مقدار للتحدي، فبعدم انتظام الوجه الإعجازي لبعض ما وقع به التحدي ينتفي التحدي.
ثالثاً: إنه لا تنافي بين القول بالبيان وجهاً من وجوه الإعجاز، والقول بوجوه الإعجاز الأخرى، فالعلاقة بينها ليست علاقة تضاد ولا تناقض.
رابعاً: إن الذين قالوا بوجوه إعجازية أخرى -غير البياني- لم ينف أكثرهم انضمامها إلى الإعجاز البياني.
стр. 92
خامساً: إن إعجاز القرآن البياني هو أقل وجوه الإعجاز التي أثيرت حولها الشبه والإشكالات، خلافاً لغيره من وجوه الإعجاز، كالعلمي -مثلاً- أو التأثيري أو العددي ونحوها (١).
ولقد اختلفت مناهج العلماء في بحثهم لمسائل الإعجاز البياني، واخترت منها المنهج المتسلسل في الكلام على المفردة أولاً ثم ما جاء في التراكيب، ممثلاً على ذلك بمثال أو مثالين فقط، خشية الإطالة.
المطلب الأول المفردة القرآنية
الفرع الأول اختيار المفردة القرآنية
أخذت المفردة القرآنية حيزاً كبيراً في كتابات اللغويين -قديماً وحديثاً- بما يدل على علو شأنها ورفعة مكانتها في الدرس اللغوي، وكان لها دورها الواضح وأثرها البالغ في
стр. 93
التدليل على مفردات إعجاز القرآن الذي انطلق في كثير من قضاياه من الظاهرة اللغوية التكاملية بين المفردة من حيث هي مفردة، وبين التراكيب التي تمثل المفردةُ أحد أركانها القائمة عليها.
وإذا أردت أن تمثل على براعة القرآن الكريم في استعمال المفردة من حيث هي مفردة، فلا عليك إلا أن توقع بصرك على أي مفردة من مفرداته، ثم أن تُمعن بصيرتك وتحرك همتك في البحث عن دلائلها وبراهينها وشواهد بلاغتها.
انظر -مثلاً- إلى الكلمات التي تكونت منها الآية الرابعة من سورة النساء: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]، ومنها: ﴿وَآتُوا﴾، ﴿صَدُقَاتِهِنَّ﴾، ﴿نِحْلَةً﴾، ﴿طِبْنَ﴾، ﴿فَكُلُوهُ﴾، ﴿هَنِيئًا﴾، ﴿مَرِيئًا﴾. أقول: انظر كيف أدت كل كلمة من هذه الكلمات رسالة خالدة في منظومة العقد الاجتماعي الإسلامي الفريد؛ لتؤسس فكراً مبنياً على تكريم المرأة واحترامها وتقديرها، وأن القضية هنا ليست قضية مالية -فحسب-، وإنما هي إثبات شخصية وتأكيد هوية.
قال ابن عاشور: (وسميت الصدقات نحلة إبعاداً للصدقات عن أنواع الأعواض، وتقريباً بها إلى الهدية، إذ ليس الصداق عوضاً عن منافع المرأة عند التحقيق … ، ولكن الله جعله هدية واجبة على الأزواج إكراما لزوجاتهم) (١).
стр. 94
إن هذه المفردات كلها جاءت لتبين للعالم أجمع؛ كيف يتعامل الإسلام مع مال المرأة تمليكاً وتبرعاً وتصرفاً. ويكفينا في ذلك اختيار كلمة ﴿نِحْلَةً﴾ في التمليك، واختيار كلمة ﴿طِبْنَ﴾ في التبرع، فلم يقل أعطين أو وهبن أو سمحن، بل قال: ﴿طِبْنَ﴾ وهذا اللفظ يدل على كمال الرضا والقبول في إعطاء المهر أو التنازل عنه أو عن شيء منه. فالحكم إذن: لا يجوز للرجل أن يأخذ شيئا من مهر زوجته، إلا إذا تحقق طيبُ نفسها ورضاها التام بذلك.
يقول الزمخشري: (فإن وهبن لكم شيئاً من الصداق، وتجافت عنه نفوسهن طيبات غير مخبثات بما يضطرهن إلى الهبة من شكاسة أخلاقكم وسوء معاشرتكم. ﴿فَكُلُوهُ﴾ فأنفقوه. قالوا: فإن وهبت له ثم طلبت منه بعد الهبة، علم أنها لم تطب منه نفسا) (١).
ولو رجعنا إلى دلالة ﴿طِبْنَ﴾ في معجمات اللغة العربية لعرفنا قيمة استعمال المفردة القرآنية في سياقها.
يقول الآلوسي عند قوله تعالى: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ (هَنِيئًا مَرِيئًا) (٤)﴾: (ولا تأنفوا وتتكبروا عن ذلك، وهذا أيضا نوع من التربية؛ لما فيه من التخلية عن الكبر والأنفة والتحلية بالتواضع والشفقة) (٢).
стр. 95
وأخيراً أقول: إن هذا الباب أصل واسع، أمثلته كثيرة، تعدادها كل كلمات القرآن، فليس موضع إلا واختير له من مفردات اللغة العربية ما لو أدرت عجلة البحث على أن تجد غيرها ما وجدت.
الفرع الثاني الاسم والفعل
ومن بيان القرآن وإعجازه أنه يستعمل الاسم في الآية ثم يستعمل الفعل في الآية المشابهة؛ لنكتة بلاغية ولطيفة بيانية، تتوافق مع السياق، وتتناظم مع السباق واللحاق، ففي قوله تعالى: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي (وَأَنْصَحُ) لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢)﴾ [الأعراف: ٦٢] استعمل الفعل: ﴿وَأَنْصَحُ﴾، وأما في قوله تعالى: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ (نَاصِحٌ) أَمِينٌ (٦٨)﴾ [الأعراف: ٦٨]، فقد استعمل الاسم: ﴿نَاصِحٌ﴾. فلماذا هذا الاختلاف والتنويع بين الاسمية والفعلية في الاستعمال.
والجواب عن ذلك أن (أنصح لكم) جاءت على لسان نوح ﵇ رداً على ما اتهمه به قومه من الضلال الذي هو فعل يفعله الضال، وشأن الفعل أن يتجدد ويتعدد، أما
стр. 96
السفاهة فهي صفة من صفات النفس الثابتة، فجاء جواب هود ﵇ بما يدل على الثبات، رداً على التهمة التي يشعر لفظها بالثبات، فقال: ﴿نَاصِحٌ﴾ (١).
وقال ابن عاشور: (فنوح قال ما يدل على أنه غير مقلع عن النصح للوجه الذي تقدم، وهود قال ما يدل على أن نصحه لهم وصف ثابت فيه متمكن منه، وأن ما زعموه سفاهة هو نصح) (٢). وما قلته ليس بعيداً عما ذكره ابن عاشور ﵀ آنفاً، بل يؤيده ويقرره.
الفرع الثالث بلاغة الحرف في القرآن الكريم
ومن بديع ما جاء في القرآن الكريم في استعمال الحرف تنوع النظم في التعدية بالباء واللام، وأضرب على ذلك مثالاً؛ التنوع الذي ذكر في الآيات الآتية:
١) قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ (آمَنْتُمْ بِهِ) قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣)﴾ [الأعراف: ١٢٣].
٢) قوله تعالى: ﴿قَالَ (آمَنْتُمْ لَهُ) قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١].
стр. 97
٣) قوله تعالى: ﴿قَالَ (آمَنْتُمْ لَهُ) قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩)﴾ [الشعراء: ٤٩].
ومن كلام المفسرين في توجيه هذه الآية أن الضمير في: (به) يعود على الله تعالى، وفي: (له) يعود على موسى ﵇. وإما أن يكون الضميران كلاهما عائدين إلى موسى ﵇، فتكون الآية الأولى كقولنا: آمن بالرسول، ويكون المعنى في الآيتين الأخريين: آمنتم من أجله وأجل ما أتى به من الآيات.
أو أن يكون المعدى بالباء دالاً على التصديق، والمعدى باللام دالاً على الانقياد والإذعان، يقول ابن الزبير: (الباء في قوله: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ واللام في ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ محتاج إلى كل واحدة منهما من حيث إن التصديق والانقياد معنيان يحتاج إليهما، والباء تحرز التصديق واللام تحرز الانقياد والإذعان، فبدئ بالباء المعطية معنى التصديق وهي أخص بالمقصود من اللام، فاقتضى الترتيب تقديمها، ثم أعقب في السورتين بعد باللام حتى كأن قد قيل لهم أصدقتموه منقادين له في دعائه إياكم إلى الإيمان بما جاء من عند الله فحصل المقصود على أكمل ما يمكن. والله أعلم) (١). فاللام هنا أفادت اللفظ معنى الاتباع على طريقة التضمين.
فانظر إلى هذا الكم الكبير من المعاني التي أفادها تنوع استعمال القرآن الكريم للحرف.
стр. 98
المطلب الثاني التركيب والنظم
تكلمت فيما تقدم عن شيء من بلاغة القرآن الكريم في استعمال المفردة القرآنية من حيث هي مفردة، وتكلمت عن شيء من أحوال كنهها وحقيقتها، وسأتمم ذلك بالكلام عن الكلمة القرآنية مركبة مع مثيلاتها في النظم القرآني المعجز، مقتصراً في كلامي هنا على الفسطاط الذي قام عليه بيت الإعجاز من مباحث علم المعاني، ملمحاً إلى أن هذا البيت لم يقم على اللفظ وحده، ولا على المعنى وحده، ولا على النظم وحده، بل كان لكل ركن من هذه الأركان مكانه ووظيفته وغايته.
الفرع الأول الحذف والذكر
من أعظم أساليب اللغة العربية وأبدعها أسلوب الحذف والذكر، وهو باب (دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر؛ فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة؛ وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن؛ وهذه جملة قد تنكرها حتى تخبر، وتدفعها حتى تنظر) (١).
стр. 99
ولقد تصدر القرآن الكريم في بيانه ودقة ألفاظه ومعانيه اللسان العربي، ووصل في ذلك إلى درجة لا يستطيع كلام أن يماثله ولا أن يقترب منه أو يدانيه.
والحذف في مجمله ثلاثة أقسام، أولها حذف المسند إليه. وثانيها: حذف المسند. وثالثها: حذف ما عداهما. والذكر مثله. وإليك شيئاً من أمثلة القرآن الكريم على الحذف والذكر تبياناً وتطبيقاً لهذا الملحظ الإعجازي البديع.
أولاً: في المتشابه (١)
ومن أمثلة هذا الباب ما جاء من حذف كلمة: (رغداً). فجاء التصريح بها في قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾ [البقرة: ٣٥]، ولكنها حذفت في قوله تعالى: ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾ [الأعراف: ١٩]. فما السبب؟
إن المقام في الآية الأولى مقام تعظيم حيث تقدم النداءَ إسنادُ الفعل إلى الله تعالى: ﴿وَقُلْنَا﴾، على خلاف آية آل عمران، فناسب هذا زيادة الإكرام والإنعام، فجيء بكلمة: ﴿رَغَدًا﴾ لتناسب الكرم والتوسعة للعظمة.
стр. 100
ويقول الإسكافي: (لما أسند الفعل إلى نفسه تعالى كان اللفظ بالأشرف الأكرم، فذكر معه الإنعام الأجسم، وهو أن يأكلوا رغداً، ولما لم يسند الفعل في سورة الأعراف إلى نفسه لم يكن مثل الفعل الذي في سورة البقرة، فلم يذكر معه ما ذكر فيها من الإكرام الأوفر، وإذا تقدم اسم المنعم الكريم اقتضى ذكر نعمته الكريمة) (١).
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المقام في سياق آية البقرة وسباقها يسير في موضوع واحد، هو ذكر النعم التي أنعم الله تعالى بها على خلقه، من جعله في الأرض خليفة، على الرغم مما يعلمه فيهم، ومن تعليمه لآدم الأسماء كلها، فناسب زيادة بيان لنعمة الأكل من الجنة، فقال: ﴿رَغَدًا﴾.
ثانيا: في غير المتشابه:
وأما في غير المتشابه فالأمثلة أكثر، وأمثّل على ذلك بما ورد في سورة التكاثر، فقد اشتملت السورة على عدد من مواطن الحذف، ومنها (٢):
الموضع الأول: حذف الملهى عنه، في قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ [التكاثر: ١].
стр. 101
فقد طوى ذكر الملهى عنه، وقد ذكر ابن عاشور أنه القرآن والتدبر فيه (١)، قلت: ما ذكره صحيح، والأصح منه أن نقول بعموم المُلهَى عنه، وأنه شامل لكل ما يتقرب فيه إليه تعالى، ومنه ما ذكره ابن عاشور وغيره من المفسرين من أنه القرآن أو التدبر فيه، وهذه هي نكتة طَويِ ذكرِ المُلهَى عنه حتى تذهب النفس في تقديره كل مذهب. ولنكتة أخرى ذكرها البقاعي وهي التعظيم، يقول البقاعي: «لتعظيمه، والدلالة على أنه ليس غيره مما يؤسف على اللهو عنه» (٢).
فانظر -رحمك الله- إلى هذه الآية العظيمة، ثم انظر إلى أسلوب الحذف؛ كيف يؤدي دروساً كبيرة ورسائل بليغة في موعظة اللاهين وتنبيههم إلى غفلتهم عن شرائع الله ودينه، فحذف المُلهى عنه والمُلهى به. ولهذا قال شيخ الصناعتين عبد القاهر الجرجاني: «ما من اسم حُذِفَ في الحالة التي يَنْبَغي أن يُحْذَفَ فيها إلاَّ وحَذْفُهُ أحْسَنُ من ذِكْره» (٣).
ولعل في هذا الحذف درساً يتناسب مع واقع الإنسان وحقيقة أمره، فيسأل نفسه: هل لهوت حقاً؟ وما الذي ألهاني؟ وعن أي شيء لهوت؟ فيبقى في محاسبةٍ لنفسه ومُراجعةٍ ومُسائَلة، حتى يعرف ذنبه، ويتيقن خطأه، فيكون ذلك سبيلاً إلى أن يؤوب إلى الله ويرجع عن لهوه وغفلته.
стр. 102
الموضع الثاني: حذف مفعول (تعلمون) في قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ [التكاثر: ٣ - ٤].
اختلف المفسرون في مفعول: (تعلمون) على وجهتين:
الأولى: تعيينه، وممن عينه الطبري حيث قال: (سوف تعلمون إذا زرتم المقابر، أيها الذين ألهاهم التكاثر، غِبَّ فعلكم، واشتغالكم بالتكاثر في الدنيا عن طاعة الله ربكم) (١). والزمخشري حيث قال: (سوف تعلمون الخطأ فيما أنتم عليه إذا عاينتم ما قُدّامكُم من هول لقاء الله) (٢).
الثانية: ترك تعيينه حتى تذهب النفس فيه كل مذهب، وهو الراجح هنا؛ لأن الله ترك تعيينه، وهذا مقصد جليل من مقاصد القرآن العظيمة في ترك تعيين المبهم أو تفسير المجمل أو تقييد المطلق ونحو ذلك. ولا أقصد بهذا الترجيح تخطئة الذين عينوه؛ لأنهم -في ظني- لم يقصدوا بتعيينه قصر الصواب على ما عينوه، وما ذكروه إنما هو من قبيل المثال لا الاستقصاء، وخلافهم هذا هو اختلاف تنوع لا تضاد (٣).
وفي هذا الحذف فوائد كثيرة، منها:
стр. 103
أولاً: زيادة التهديد والوعيد، لأن حذف المفعول يجعل النفس تذهب في تقديره كل مذهب.
ثانياً: استيعاب أكبر قدر ممكن من المعنى في أوجز لفظ (معنى كثير في لفظ قليل)، ويدل على ذلك أن الإنسان لن يقتصر علمه على شيء واحد أو شيئين فقط، بل سيحصل له العلم بأشياء كثيرة مختلفة، فلو ذكر المفعول لاقتصر المعنى عليه ولم يتعد غيره.
ثالثاً: بيان الترابط المعنوي بين آيات القرآن الكريم بعضها مع بعض، وبين آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي ﷺ ، حيث ذكر في بعضها ما لم يذكر في الآخر، وما حذف منهما استطعنا أن نأخذه من آيات أو أحاديث أخرى.
الموضع الثالث: حذف جواب الشرط في قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾ [التكاثر: ٥] (١).
فانظر -رحمك الله- إلى هذه الرسائل المتناظمة في مبانيها والمتعانقة في معانيها كيف أداها حذف جواب الشرط هنا، ومنها التهديد والوعيد على من فعل ذلك الفعل؛ فإنكم يا من التهيتم بالتكاثر لو كنتم تعلمون ذلك ما التهيتم عن المهمة التي خلقكم من أجلها، ولما شغلكم التكاثر، وإنكم لو كنتم تعلمون ذلك لتبين لكم فظيع حالكم وعظيم التهائكم (٢).
стр. 104
الفرع الثاني التقديم والتأخير
من المعلوم أن الكلام العربي يأتي وفق نظام محدد منتظم في ترتيب الكلمات والحروف -عمومها وخصوصها-، وقد نص أهل اللغة على هذا الترتيب الذي يجب أن يتبع، وأنه لا يجوز الخروج عنه إلا لنكتة أو فائدة يريدها المتكلم من خطابه. وإن القرآن الكريم هو الكتاب الذي حفظ اللهُ به العربيةَ، جاء في أبدع تركيب عرفته اللغة العربية، بله اللغات كلها، ولقد اشتمل القرآن الكريم على أمثلة من أسلوب التقديم والتأخير، جاءت لفوائد نفيسة، وفرائد لطيفة، تجزم معها أنه تنزيل من حكيم حميد، فما أخّر القرآن كلمة إلا لغاية، ولا قدّم أخرى إلا لحكمة، بما يشدَهُ العقول ويشد النفوس والقلوب، وأتركك مع هذه الأمثلة التي تبين سمو القرآن الكريم وعلو شأنه في استعمال العربية.
أولاً: في المتشابه
من الأمثلة على ذلك ما ورد من تقديم الإبداء على الإخفاء وعكسه في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة: ٢٨٤]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ [آل عمران: ٢٩].
стр. 105
إن سياق آية البقرة يدور على الجزاء والثواب والعقاب وهذه مفردات المحاسبة، وإن الأصل في الجزاء أن يكون على الأعمال الظاهرة، فتقدم الإبداء على الإخفاء.
لكن لما كان الكلام على علم الله تعالى بأفعال المخلوقين استوى في ذلك الإخفاء والإبداء، فكله بالنسبة لله تعالى واحد، فتقدم الإخفاء على الإبداء لأنه أسبق، ولأن علم المخفي في نظر المخلوقين أبلغ، مع استوائهما في حق الله تعالى، فليس علم المبدى بأهون على الله تعالى من علم المخفي.
قال الآلوسي: (وأما تقديم الإبداء على الإخفاء على عكس ما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩] فلما قيل: إن المعلق -بما في أنفسهم- هنا المحاسبة والأصل فيها الأعمال البادية، وأما العلم فتعلقه بها كتعلقه بالأعمال الخافية ولا يختلف الحال عليه تعالى بين الأشياء البارزة والكامنة بل لا كامن بالنسبة إليه سبحانه، خلا أن مرتبة الإخفاء متقدمة على مرتبة الإبداء ما من شيء يبدو إلا وهو أو مباديه قبل ذلك مضمر في النفس فتعلق علمه تعالى بحالته الأولى متقدم على تعلق علمه بحالته الثانية) (١).
ثانيا: في غير المتشابه
إن القرآن الكريم مليء بشواهد التقديم والتأخير، وسأقتصر هنا على ذكر شيء من الأمثلة الواردة في سورة الشرح، وقد ورد ذلك في أكثر من مثال، ومنها:
стр. 106
١) قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ [الشرح: ١].
٢) قوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢)﴾ [الشرح: ٢].
٣) قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح: ٤].
هذه مواطن ثلاثة تقدم فيها الجار والمجرور (لك، عنك، لك) على المسند (صدرك، وزرك، ذكرك)، وقد جاء التقديم ليؤدي رسائل كثيرة منها:
أولاً: بيان مكانة رسول الله ﷺ عند ربه سبحانه تعالى، يدل على هذا طريقة التعبير.
ثانياً: إدخال السرور على قلب رسول الله ﷺ ابتداءً.
ثالثاً: إدخال السرور على قلب رسول الله ﷺ مرة ثانية عند تعين المشروح على سبيل التشويق والترقب.
رابعاً: في الآية شيء من الخصوص، وخاصة عند من يرى أن في الآية إشارة إلى حادثة شق صدر رسول الله ﷺ الشريفة، فهذا الشرح لا نثبته لغير رسول الله ﷺ إلا بدليل، وكذلك القول في حط الوزر عنه ﷺ .
يقول الآلوسي: (وزيادة الجار والمجرور مع توسيطه بين الفعل ومفعوله؛ للإيذان من أول الأمر بأن الشرح من منافعه عليه -الصلاة والسلام- ومصالحه، مسارعة إلى
стр. 107
إدخال المسرة في قلبه الشريف ﷺ ، وتشويقا له ﷺ إلى ما يعقبه ليتمكن عنده وقت وروده فضل تمكن) (١).
ويقول ابن عاشور: (وفي ذكر الجار والمجرور قبل ذكر المشروح سلوك طريقة الإبهام للتشويق؛ فإنه لما ذكر فعل (نشرح) علم السامع أن ثم مشروحاً، فلما وقع قوله: (لك) قوي الإبهام فازداد التشويق، لأن (لك) يفيد معنى: شيئاً لأجلك، فلما وقع بعده قوله: (صدرك) تعين المشروح المترقب فتمكن في الذهن كمال تمكن) (٢).
الفرع الثالث التعريف والتنكير
المعرفة: كل اسم دل على شيء معين، بقرينة لفظية أو معنوية، وهي: العلَم، والأسماء الموصولة، والمعرفة بـ (أل)، وأسماء الإشارة، والضمائر، والمضافة إلى معرفة.
وأما النكرة فهي عكس المعرفة، وهي ما وضع ليدل على غير معين، كرجل وامرأة وفرس ونحو ذلك. والاسم لا يخرج عن هذين القسمين (٣).
стр. 108
ولقد جاء أسلوبا التعريف والتنكير في القرآن الكريم على طريقة غاية في الدقة، وأثريا الدرس الدلالي التفسيري، في جوانبه التاريخية، والاجتماعية والنفسية وغيرها. وأذكر شيئاً من لطائف ما ورد في القرآن الكريم وفرائده:
أولا: في المتشابه
مما يدل على علو بلاغة القرآن وإعجازه ما ورد من الأسماء منكّرا في موطن ومعرّفا في موطن آخر، ولنأخذ مثالا على ذلك ما ورد من تنكير كلمة (سلام) وتعريفها في سورة مريم.
الموضع الأول: قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ [مريم: ١٥].
الموضع الثاني: قوله : ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ [مريم: ٣٣].
ومما ذكره المفسرون في هذا المقام البديع الرفيع:
أولاً: إن اللفظ في الموضع الأول جاء منكّراً؛ لأنه من الله تعالى، وسلام منه كاف عن كل سلام، أما الثاني فهو من عيسى ﵇ (١).
стр. 109
ثانياً: إن التنكير أكمل من التعريف، فالتنكير يفيد الكمال والمبالغة والتمام، أما التعريف فلا يفيد إلا الماهية (١). وهذا قريب من الأول.
ثالثاً: (إدخال الألف واللام على (سلام) يشعر بذكر الله سبحانه. لأن السلام من أسمائه تعالى، ويشعر أيضاً بطلب معنى السلامة منه، لأنك متى ذكرت اسماً من أسمائه فقد تعرضت لطلب المعنى الذي اشتق ذلك الاسم منه أيضا. ويشعر أيضا -في بعض المواضع- بعموم التحية، وأنها غير مقصورة على المتكلم، فأنت ترى أنه ليس قولك: (سلام عليك). أي: (سلام مني)، بمنزلة قولك: السلام في العموم) (٢).
ولما كان المتكلم هو الله لم يكن النظم بحاجة إلى التعريف فجاء الكلمة بدونه.
رابعاً: إن هذا النظم جاء على نسق آيات كثيرة وردت في المقام نفسه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ [الصافات: ٧٩]، ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) [الصافات: ١٠٩]، ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠)﴾ [الصافات: ١٢٠]. وغيرها.
ثانيا: في غير المتشابه
من المعلوم أن طرق التعريف كثيرة، ولن آتي بأمثلة عليها كلها فالمقام يطول، ولكني سآخذ مثالاً على ذلك بإحدى طرائق التعريف التي يقل التمثيل بها في كتب المعنيين
стр. 110
بالبلاغة، وهو التعريف بالاسم الموصول في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١)﴾ [نوح: ٢١]، فلم يقل: اتبعوا سادتهم أو كبراءهم أو قادتهم أو نحو ذلك. وفي هذا من الرسائل الدعوية والتنبيهات التي تضيء الطريق أمام العبد؛ لتكون نظرته حقيقية في تعامله مع أقرب من يقابل أو يتعامل، ومعلوم أن شخصية سورة نوح قائمة على الدعوة، فهي موضوعها وعنوانها، ومن هذه الرسائل:
أولاً: أن يعرف الداعية أن ما يحصّله من المال والولد إنما هو نعمة من الله تعالى، لا حول له -أي: المخلوق- فيه ولا قوة. وفي التعبير بالموصول هنا توجيه للمدعوين بأن الأمر في الأموال والأولاد ليس كما يظنون، بل إن المال والولد قد يكونان نقمة على أهله إذا كانا صادَّين لهم عن الحق واتباع طريق الأنبياء.
ثانياً: أن يعرف الداعية أن هذه النعم قد تكون عائقاً له أمام قبول الدعوة وامتثالها. وأن يعلم الداعية أن أصحاب الأموال والأولاد أصحاب رأي متّبع وأنهم يؤثرون في المجتمع بسبب إمكانياتهم مقارنة باحتياجات أفراد المجتمع وتعدد طبقاته، قال ابن عاشور: (وأدمج في الصلة أنهم أهل أموال وأولاد إيماء إلى أن ذلك سبب نفاذ قولهم في قومهم وائتمار القوم بأمرهم: فأموالهم إذ أنفقوها لتأليف أتباعهم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٦]، وأولادهم أرهبوا بهم من يقاومهم) (١).