← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 30153

وجوه إعجاز القرآن العظيم

خالد نواف الشوحة

Полный текст (272 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ [النمل: ٩٣]، وانظر كيف استقر المعنى بعد أن كان قلقاً … ) (١). فانظر إلى هذه النظرة الاستعلائية التي استحوذت على عقول بعض القائلين بالإعجاز العلمي -لا جميعهم- حيث صوروا لنا حيرة السلف وترددهم وقلة إدراكهم لمعاني الآيات بهذه الصورة، ثم انظر كيف أثبتوا شبهةً من أفسد الشبه؛ وهي بقاء الآيات أزماناً طويلة دون تفسير، وبقيت معطلة حتى جاء أرباب الإعجاز العلمي وفسروا معانيها وبينوا حقائقها. ٣٠) تفسيرهم الآيات القرآنية بما يخالف الشرع، ومن أمثلة ذلك تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ (أَطْوَارًا) (١٤)﴾ [نوح: ١٤] بنظرية النشوء والارتقاء، وهي من أبطل النظريات التي سارع العلماء إلى ردها: الكفار منهم قبل المؤمنين. ٣١) ومن صنيعهم أنهم يأتون بقضية علمية وحقيقة ثابتة، ثم يسقطونها على آية لا علاقة لها بها. وهنا قضية مهمة ينبغي التنبيه إليها، وهي أن صحة النظرية شيء وجعلَها مراداً من مرادات الآية شيء آخر، ولا يلزم من صحة النظرية إنزالها على الآيات القرآنية، وجعلها دليلاً من دلائل الإعجاز.

стр. 177

ومن الأمثلة على ذلك استدلالهم على أن القمر يأخذ ضوءه من الشمس من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ (الشَّمْسَ ضِيَاءً) وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥]. ومن قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ (فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا) وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ [الفرقان: ٦١]. قلت: على فرض أن تكون النظرية صحيحة، وأن القمر يأخذ ضوءه من الشمس فعلاً، فأين هذا في الآية؟ والجواب عن هذا التفريق ما يأتي: أولاً: إن القول بأن الضياء يطلق على ما كان مستنيرا بنفسه، والنور على ما أخذ ضوءه من غيره، لا دليل عليه من اللغة. ثانياً: كثير من العلماء على أن الضياء هو النور الذي يحصل معه نوع حرارة أو تسخين، بخلاف النور. يقول ابن رجب: (الضياء: هو النور الذي يحصل فيه نوع حرارة وإحراق، كضياء الشمس، بخلاف القمر، فإنه نور محض، فيه إشراق بغير إحراق) (١). ثالثاً: إن الناظر في الآيات والأحاديث الصحيحة ليجد أن النور هو مصدر الضوء، وليس العكس. يقول السهيلي: هذا البيت (٢) يوضح لك معنى النور ومعنى الضياء، وأن

стр. 178

الضياء هو المنتشر عن النور، وأن النور هو الأصل للضوء، ومنه مبدؤه، وعنه يصدر، وفي التنزيل: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]. وفيه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] لأن نور القمر لا ينتشر عنه من الضياء ما ينتشر من الشمس، [و] لا سيما في طرفي الشهر. وفي الصحيح: (الصلاة نور، والصبر ضياء) وذلك أن الصلاة هي عمود الإسلام، وهي ذكر وقرآن، وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، فالصبر عن المنكرات، والصبر على الطاعات: هو الضياء الصادر عن هذا النور، الذي هو القرآن والذكر. وفي أسماء الباري سبحانه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] ولا يجوز أن يكون الضياء من أسمائه سبحانه» (١). إن كلمة الضوء -إذن- لا تدل أبداً على أن الشيء المضيء هو الذي يكون ضوءه بنفسه، وأن ما أخذ نوره من غيره فهو منير. وليس هذا طعناً في النظرية العلمية ولا تصديقاً لها، ولكنه تحقيق بعدم جواز إسقاط النظرية العلمية على خصوص الآيات. ٣٢) صوّر بعض أرباب الإعجاز العلمي علماءَ الإسلام على أنهم أعداء للاختراعات والاكتشافات والنهضة العلمية والتجريبية، وهذا الأمر باطل من وجوه عديدة: أولاً: إن الناظر في كتب علمائنا المتقدمين يجد أنها مليئة زاخرة بالعلوم الكونية وعلوم الفلك وعلوم الأحياء الدقيقة ونحوها.

стр. 179

ثانياً: لم تخل كتب التفسير على مر العصور من بحث هذه العلوم. وخذ على ذلك كتاب «مفاتيح الغيب» للإمام الرازي ﵀. فإنه أسهب وأطال النفس في ذكر القضايا الكونية والعلوم الأرضية وعلوم الأحياء وأشار إلى أشياء كثيرة من علوم الرياضيات، حتى اتهم بأن في تفسيره كل شيء إلا التفسير. ثالثاً: إن علماء المسلمين من غير المفسرين قد أثبتوا براعتهم وتفننهم في هذه العلوم على مر العصور، ومن يتابع أخبار براءات الاختراعات والمكتشفات الحديثة فإنه يدرك ذلك حق الإدراك. رابعاً: إن كثيرا من المفسرين المتقدمين المقلين من ذكر هذه العلوم؛ حثوا عليها وحضوا المسلمين على تعلمها وتفهمها، وخاصة عند ذكرهم للآيات العامة التي تطلب من البشرية التدبر والتفكر والتأمل. ٣٣) لقد وضع بعض القائلين بالإعجاز العلمي مصيرهم بيد من لا يقيمون للقرآن ولا للسنة المطهرة وزناً، وبيد أولئك الذين يسعون جاهدين إلى تحريفهما والطعن فيهما، ولا عليك إلا أن تتصفح مقالات الإعجاز العلمي والكتابات حوله، وستجد أكثرها معلومات ونظريات أُخذت من مراكز غربية مدعومة، لا نأمن مكرهم وكيدهم، كالذي يسلم رقبته لعدوه. ٣٤) كثير من هؤلاء حصروا الدعوة إلى الله تعالى بالإعجاز العلمي، ومنهم من جعل هذه الطريقة أهم الطرق. وهذا الكلام غير صحيح، بل إني أرى أنها من أضعف الطرق، وأقلها إنتاجا لأسباب كثير منها:

стр. 180

أولاً: أنها موجهة إلى طبقة مخصصة هي الطبقة العلمية العليا. وليس الطبقة العليا كلها، بل هي للمهتمين بقضايا الإسلام والقرآن منهم. ثانياً: إن الأعداد التي تؤمن وتدخل الإسلام بسبب الإعجاز العلمي أعداد نادرة قليلة. ثالثاً: عدم ثقة غير المسلمين أنفسهم بالشركات والمؤسسات العلمية التي تصدر عنها الأبحاث والدراسات. رابعاً: كثرة الردود العلمية الصادرة من المؤسسات العلمية على الاكتشافات الصادرة من مؤسسات أخرى مما يقلل نسبة مصداقيتها عند الباحثين في هذه الشؤون. ٣٥) اختلاف منهج أرباب الإعجاز العلمي في التفسير عن منهج السلف، فالسلف عندما فسروا الآيات لم يقصروا تفسيرها على تفسيرهم لها، بل إنهم فتحوا المجال أمام غيرهم ليستنبطوا من القرآن معان جديدة، أما هؤلاء فإنهم خطّأوا كل من فسر بخلاف تفسيرهم، أو لمزوا تفسيره بشيء من ذلك وهمزوه. ٣٦) اقتحم هؤلاء حمى أسماء الله وصفاته وفسروها بما هو أفسد الفاسد وأبطل الباطل. كمن فسر الاستواء بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾ [فصلت: ١١]، بأنه رمز للسيطرة الكلية،

стр. 181

والقصد بإرادة الخلق والتكوين، والتسوية للكون بأرضه وسمائه. ومن ذلك تفسيرهم للعرش والكرسي بالكواكب السيارة (١). ٣٧) اقتحموا حمى الأمور الغيبية، ولم يأبهوا إلى أن النظر فيها محدد بمحددات كثيرة لا تخرج عن مقتضى ما أراده الله تعالى منا في فهمها واعتقادها، وأضرب على ذلك بعضاً من الأمثلة: المثال الأول: تفسير الدحو في قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٣]. يقول الدكتور زغلول النجار -حفظه الله-: (والدحو لغة: هو المد والبسط والإلقاء، وهو كناية عن الثورات البركانية العنيفة التي أخرج بها ربنا من جوف الأرض كلاًّ من غلافها الغازي والمائي والصخري وهذه كلها مراحل متتالية في تهيئة الأرض لاستقبال الحياة، وقد تمت بعد بناء السماوات السبع من الدخان الكوني الناتج عن عملية فتق الرتق والانفجار الكوني العظيم) (٢).

стр. 182

المثال الثاني: ادعاؤهم أن في قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾ [الواقعة: ٢٠ - ٢١] إخباراً عن إنفلونزا الطيور. توضيح ذلك: يزعمون أن الله تعالى أخبر عن لذائذ يوم القيامة، فلماذا ذكر الطيور دون غيرها؟ قالوا: إنه سيأتي على البشرية مرض، يقضي على الطيور، مما يجعل المؤمنين يتشوقون لها ويشتهونها، وسيعوضهم الله تعالى عنها يوم القيامة جزاء حرمانهم وبدل ما فقدوه في الدنيا. وأقول: لعمر الحق؛ إن هذا استدلال عجيب عجاب، والرد عليه من وجوه كثيرة، منها: أولاً: إن هذا ادعاء بلا علم، يتوقف أمره على الوحي، وأين الأدلة التي تثبت ادعاءهم؟ ثانياً: إن البشرية لم تعرف حتى اللحظة فقد الطيور، وفي أوج أزمة إنفلونزا الطيور كانت البلاد مليئة بالطيور ولم تسجل أي حالة انقراض. ثالثاً: لماذا لا يقال مثل هذا الكلام في الأمراض الأخرى التي حصلت مع غير الطيور مما يأكل منه المسلمون مثل البقر، وقد اجتاح هذا المرض البقر أكثر من مرة.

стр. 183

رابعاً: إن الاشتهاء لم يقتصر على الطيور فقط بل ورد في القرآن الكريم في أكثر من صنف من الأصناف، ومن ذلك: اللحم، الفواكه، وكل شيء تشتهيه النفس: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١]. ٣٨) اقتحموا باب معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، حيث فسروا كثيراً منها تفسيرات علمية -كما يسموها-، مبتعدين بها عن صفات المعجزات وشروطها وأركانها. وهذا لا يجوز بحال من الأحوال. وتوضيح ذلك بالأمثلة الآتية: المثال الأول: ما ادعوه من أن الذي شفى يعقوب ﵇ إنما هو العَرَق الذي في قميصه، مستدلين على ذلك بأمور طبية وتجارب عملية أثبتت أن جزءا من العرق ينفع في صنع قطرات تعالج مرض الإصابة بالمادة البيضاء. قلت: هذا الكلام مردود من وجوه كثيرة، منها: أولاً: إن ما حصل بين يوسف وأبيه ﵉ إنما هو معجزة من المعجزات، ولا يجوز أن يفسر بالطريقة التي فسرها به أرباب الإعجاز العلمي. ثانياً: ليس في الآية ما يدل على أن يوسف ﵇ أعطاهم القميص الذي يلبسه، ولربما أعطاهم قميصا آخر. ثالثاً: ليس في الآية دليل من قريب ولا من بعيد على أن القميص يحتوي على العرق.

стр. 184

رابعاً: على فرض أن القميص يحتوي على العرق: فكيف وصل العرق إلى عين يعقوب ﵇ بمجرد إلقاء القميص عليه. خامساً: وهل بقي القميص مبللاً بالعرق طيلة المسافة التي قطعها أبناء يوسف ﵇ بين مصر وفلسطين؟ وهل هذا يقبل مع ما عرف عن الأنبياء من تمام النظافة والطهارة، وإنّ وصفَ قميص يوسف ﵇ بهذه الصفة ينافي طهارة الأنبياء ونظافة وملابسهم. سادساً: وإذا كان العرق بهذا المفعول فلم لم يفعل الناس هذا بمن عمي عندهم؟ إن أرباب الإعجاز العلمي يتكلمون عن العرق عموماً. وهذا يلزمهم بأن كل عرق ينفع في شفاء هذا المرض، وهذا بين البطلان والفساد من جهة الواقع والطب. وليس هذا فقط، فإن هذا المثال على الإعجاز العلمي من أفسد الأمثلة وأبينها وأقربها إلى التكلف والتعسف وتحميل الآيات ما لا تحتمل. ٣٩) اقتحموا حمى الآيات التي تكلمت عن أحداث اليوم الآخر وما قاربه، وتوضيح ذلك بالأمثلة الآتية: المثال الأول: تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ (فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ)﴾ [الرحمن: ٣٧]. يقول بعض الباحثين: (لو تتبعت تفسيرها في معظم كتب التفاسير قبل نشر الصورة لما وجدت فيها ما يشفي غليلك، ذلك لأن في القرآن آيات لمّا تفسر، وإن انشقاق هذا

стр. 185

النجم يشبه وردة متألقة، بل إن صورة هذا النجم عند انفجاره هو تفسير هذه الآية، بشكل أو بآخر، هذا لون من ألوان الإعجاز) (١). الكاتب هنا يشير إلى صورة نشرتها إحدى وكالات الفضاء لانفجار نجم عظيم يسمى عين القط. قلت: إن هذا التفسير العلمي للآية غير علمي، بل هو مخالف لنص الآية مخالفة واضحة صريحة، وذلك من وجوه: أ- سباق الآيات يتكلم عن يوم القيامة: وذلك في قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ [الرحمن: ٣٣]. ب- لحاق الآية فيه نص على أن هذا الانشقاق يكون يوم القيامة وذلك قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ [الرحمن: ٣٩]. وهذا اليوم هو يوم القيامة. ج- جاء في القرآن الكريم آيات كثيرة تدل على أن هذا الانشقاق يكون يوم القيامة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ (وَقَعَتِ) الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)﴾ [الحاقة: ١٥ - ١٦].

стр. 186

د- لا يجوز أن نفسر الآية بمجرد صورة شاعت وانتشرت ولا نعرف مقدار مصداقيتها، ولعلها تكون مدبلجة أو مصممة بطريقة من طرق تصميم الصور الحديثة، وإن هذا الأمر أصبح مما لا يخفى على أحد. المثال الثاني: استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا (جَامِدَةً) وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ [النمل: ٨٨]. على دوران الأرض. قلت: وهذا التفسير أيضاً باطل من وجوه كثيرة، أهمها: أولاً: إن هذه الآية لا تتكلم عن زمن الدنيا القريب، بل هي من حيث الموضوع في أهوال يوم القيامة، وبالذات عند النفخ في الصور. ثانياً: سباق الآيات وسياقها يدلان على أنها ليست في الدنيا، وإنما في أهوال يوم القيامة، وذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾ [النمل: ٨٧]. ثالثاً: ما جاء في آيات أخرى مما يوضح المراد ويفسره، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾ [الواقعة: ٤ - ٦]. فانظر إلى دقة التعبير القرآني في إيضاح غرض الآية ورسالتها، فإن هذه الجبال التي كانت جامدة صلبة ثابتة بنفسها مثبتة للأرض، أصبحت اليوم هباء منبثاً.

стр. 187

المثال الثالث: ما ذكروه في اختيار الفضة معدناً للقوارير المستعملة يوم القيامة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦)﴾ [الإنسان: ١٥ - ١٦]. قالوا: لم يذكر الله تعالى هنا الذهب، ولكنه اختار الفضة لسبب مهم؛ وهو أن الفضة تقضي على الجراثيم الموجودة في الماء، فإن الذين يريدون أن يطهروا الماء إما أن يمروها بأنابيب من الفضة، وإما أن يضعوا معها قطعة من الفضة إذا لم يكن الإناء من فضة، وبمجرد تلامس الفضة مع الماء فإنها تطهر الجراثيم الموجودة فيها. قلت: وهذا التفسير باطل من وجوه: أولاً: نسي هؤلاء أن الآية تتكلم عن الآخرة. وهل يوجد في الجنة جراثيم؟ ثانياً: إن هذا مخالف للأدلة الكثيرة التي تبين أن الذهب موجود في الآخرة، بل قد جاء النص على وجود آنية من الذهب تصريحاً، وذلك في حديث عبد الله بن قيس أن رسول الله ﷺ قال: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما) (١). ففي تفسيرهم للآية مخالفة واضحة، ومصادمة صريحة لحديث رسول الله ﷺ (٢).

стр. 188

وهذا مثال مهم جدا يتضح فيه خطأ كل من يفسر القرآن الكريم بمعزل عن السنة، وليس فقط أرباب الإعجاز العلمي، بل كل من اعتمد على القرآن الكريم وحده فيما له تعلق بالسنة ضل وزاغ في تفسيره للقرآن الكريم. ٤٠) ومن الاعتراضات على أرباب الإعجاز العلمي أنهم يقدمون التأويل على الظاهر علماً أن أكثرهم اشترط عدم تقديم التأويل على الظاهر. ٤١) ومن عجيب أمرهم أنهم يخترعون تفسيراً للآية من نظرية علمية، ثم يقلبون الأمر، ويعكسون نظرية الدليل والمدلول، فيستدلون على صحة النظرية المشكوك فيها بالآية، وهذا من أعجب ما رأيته عندهم. وخذ مثالاً على ذلك صنيعهم عند قوله تعالى: (قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠]. حيث فسروا ما تقدم من النظم الكريم بنظرية (الانفجار الكوني العظيم) (١). ثم بعد أن فسروها بتفصيلات هذه النظرية، عكسوا الأمور واستدلوا على الدليل بالمدلول.

стр. 189

يقول قائلهم: «وهذا السبق القرآني بحقيقة الفتق بعد الرتق تجعلنا نرتقي بنظرية الانفجار الكوني العظيم إلى مقام الحقيقة، ونكون هنا قد انتصرنا بالقرآن للعلم المكتسب، وليس العكس، والسبب في لجوئنا إلى تلك النظرية لحسن فهم دلالة الآية القرآنية رقم (٣٠) من سورة الأنبياء (١) هو أن العلوم المكتسبة لا يمكن لها أن تتجاوز مرحلة التنظير في القضايا التي تخضع لحس الإنسان المباشر أو إدراكه المباشر من مثل قضايا الخلق والإفناء وإعادة الخلق خلق الحياة، وخلق الإنسان وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾ [الكهف: ٥١]» (٢). قلت: إني سائلٌ سؤالاً مهماً: إذا كان هؤلاء يشترطون ألا تفسر الآيات إلا بما هو ثابت لا شك فيه، فلِمَ يحتجون على النظرية بالقرآن الكريم، وهم قد فسروا الآية بها؟ إن هذا اعتراف ضمني منهم بأن نظريتهم التجريبية لم تثبت بعد، فاحتاجوا إلى أن يدللوا عليها بالقرآن الكريم.

стр. 190

٤٢) تفسيرهم للمفردات القرآنية على المعاني الجديدة المتولدة، ومن ذلك تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرحمن: ٣٣]. بأن القطر هو: (القطر الهندسي، وهو الخط الهندسي المنصِّف للدائرة أو الشكل البيضاوي) (١). يقول الدكتور مساعد الطيار: (ومن أوضح الأمثلة في أثر هذه المصطلحات على تفسير ألفاظ القرآن العربية بما اصطلح عليه علماء الفلك ما يَرِدُ من كون الشمس نجماً، والأرض كوكباً، وذلك لا تجده في آية قرآنية، ولا سُنَّة نبوية، ولا لغة عربية، فالشمس جرم غير النجم، والأرض جرم غير الكوكب، والقمر جرم غير هذه كلها، وإليك أدلة ذلك من القرآن. قال تعالى -في قصة مناظرة إبراهيم لقومه عبدة النجوم-: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ [الأنعام: ٧٦]، وقال فيها: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧)﴾ [الأنعام: ٧٧]، وقال فيها: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨)﴾ [الأنعام: ٧٨]، ففرق إبراهيم بين الكوكب والشمس والقمر.

стр. 191

وقال تعالى -في قصة رؤيا يوسف-: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ [يوسف: ٤]، ففرق يوسف بين الكواكب والشمس والقمر) (١). ومن ذلك تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)﴾ [الهمزة: ٧] بأنها الأشعة السينية أو ما يسمى ب: (أشعة إكس) والتي من خلالها يستطيع الأطباء تصوير ما في جوف الإنسان. قلت: وهذا التفسير باطل من وجوه كثيرة، منها: أ- إن أشعة إكس لها مجال محدد للتصوير لا تتعداه، والقلب بالذات له أنظمة أخرى لتصويره غير أشعة إكس. ب- سياق الآيات هنا لا يقبل أبداً أن يكون المراد منه (أشعة إكس)، بل المراد هنا جهنم، والسورة لتخويف العاصين الذين تصدر ذكر مقدمة السورة. ج- إن قوله تعالى: (إنها عليهم مؤصدة) لا يستقيم مع أشعة إكس، وأين إحكام الإغلاق في الأشعة السينية.

стр. 192

د- إن أشعة إكس يتصور فيها المؤمن والكافر والعابد والعاصي، ولا مزية لأحد على الآخر. هـ- أين النبذ في التصوير بالأشعة السينية؟ هذه بعض الردود على هذا المثال الذي نسب إلى العلم، والعلم منه براء، ولست أُبالغ إن قلت: إن أغلب أمثلة الإعجاز العلمي ليست أحسنَ ولا أفضل حالا من هذا المثال. ومن ذلك تفسيرهم الميزان في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧)﴾ [الرحمن: ٧] بقانون الجذب بين الكواكب واتزانها الذي اكتشفه نيوتن. وأخيراً: هذه بعض الاعتراضات على الجهود المبذولة في الإعجاز العلمي تأصيلاً وتفريعاً وتمثيلاً، وثمة اعتراضات أخرى غير التي ذكرت، ولكني سأكتفي بها، ففيها اختصار ودلالة على المقصود دلالة الفكرة على سميّاتها، ودلالة النظرة على أُخيّاتها.

стр. 193

المبحث الخامس الإعجاز العددي من أشهر وجوه الإعجاز التي راجت وانتشرت في العصر الحديث الإعجاز العددي، وقد ألفت فيه الكتب والمقالات والأبحاث، وانتشر الكلام فيه على الشبكات الإلكترونية، وله مواقع خاصة يتابعها مئات الآلاف، وهو موضع نظر في كل مفرداته، تأصيلاً وتفريعاً وتمثيلاً، قبولاً ورداً. المطلب الأول تعريف الإعجاز العددي اعتاد الباحثون على أن يعرفوا المصطلحات الشرعية بالطريقة التقليدية بتعريف المصطلح لغة ثم بتعريفه في اصطلاح خصوص أهل الفن. ولا شك أن هذه الطريقة هي الطريقة المثلى لحد المصطلحات وتمييزها، ولكني سأعمد إلى الشائع من النَتَاج التطبيقي في الدرس الإعجازي العملي للأسباب الآتية: الأول: إن معنى جزأي المصطلح (الإعجاز العددي) مشهور معروف.

стр. 194

الثاني: إنه لا بد من التمييز بين التعريف الحقيقي والتعريف الافتراضي للمصطلح، باعتبار الخلاف في وجود الإعجاز العددي وعدمه. الثالث: ضبابية مصطلح الإعجاز العددي، باعتبار الخلاف في مادته وأمثلته. ولذلك فإني سأعرفه بحسب واقع من يراه وجهاً من وجوه الإعجاز أولاً، ثم أذكر تعريفه الذي أراه على افتراض صحته وجهاً من وجوه الإعجاز. أولاً: تعريف الإعجاز العددي ضمن واقع دراسات المشتغلين به: من خلال تتبعي واستقرائي لمادة الإعجاز العددي عند القائلين به، وبالنظر إلى مباحثهم ومفردات التأليف فيه عندهم، من التعريف والتمثيل والتنظير والتطبيق، وجدت أن الإعجاز العددي عندهم هو: كل توافق رقمي موجود في القرآن الكريم، سواء كان التوافق بين مواطن الورود في القرآن، أو لمعنى في ذات الكلمة القرآنية مع مفهومها ومقتضاها. ومن أمثلة النوع الأول: إقامة المقارنات بين الكلمات القرآنية مثل عدد مرات ورود كلمتي الدنيا والآخرة، وعدد مرات ورود كلمتي الجنة والنار وهكذا. ومن أمثلة النوع الثاني: تناسب عدد مرات ورود كلمة مع واقع وجودها في الحقيقة وواقع الأمر، ومن ذلك: ما ذكروه من أن كلمة (شهر) وردت في القرآن الكريم اثنتي

стр. 195

عشرة مرة، علماً أن عدد الأشهر اثنا عشر شهراً، وأن كلمة (يوم) وردت في القرآن الكريم (٣٦٥) مرة، بما يتوافق مع عدد أيام السنة الشمسية (٣٦٥) يوماً. وهكذا. ثانياً: التعريف الصحيح على اعتبار أنه وجه معتمد، أو (ما يجب أن يكون تعريف الإعجاز ليكون وجهاً من وجوه الإعجاز). فأقول: هو إعجاز القرآنِ الخلقَ أن يأتوا بمثل الإشارات العددية والتوافقات الرقمية التي جاء بها القرآن الكريم. وقد اخترت هذا التعريف، لما يأتي: ١) هذا التعريف يشتمل على معنى المعجزة، وهي مناط التحدي وأساسه الأعظم. ٢) لأن فيه إشارة إلى مادة الإعجاز العددي وهي الأرقام. ٣) لأن هذا التعريف يشترط عدم وجود هذا الأمر في غير القرآن الكريم. ٤) ولأن عدم إمكانية الإتيان بمقتضى مادة الإعجاز التي وقع بها التحدي. وهذا التعريف الثاني مدخل عظيم ودقيق للقارئ في دراسة الإنتاج العلمي في الإعجاز العددي، فلا بد أن يستصحب التعريفين في خلده حال قراءته لأمثلة الإعجاز العددي.

стр. 196

المطلب الثاني حركة التأليف في الإعجاز العددي امتدت حركة التأليف في الإعجاز العددي وتنوعت بحسب المرحلة الزمنية فكانت على النحو الآتي: المرحلة الأولى: الكلام على مفردات الإعجاز العددي في كتب التفسير وعلوم القرآن عموماً وكتب إعجاز القرآن الكريم. وأنوّه هنا؛ إلى أن أقل كتب (التراث الإسلامي) عناية بالإعجاز العددي وذكراً له هي الكتب الخاصة بالإعجاز، وليس السبب في ذلك الجهل بالإعجاز العددي، كما يدعي بعض المعاصرين من أن الإعجاز العددي هو إنتاج عصري حديث لا علاقة للأقدمين به. ولكن السبب أن المتقدمين كانوا أغزر علماً، وأكثر تحقيقاً، وأشد تعظيماً لكتاب الله تعالى. كما أن التحدي بالإعجاز العددي لا يماثل التحدي ببلاغة القرآن وبيانه ونظمه ولا بإخباره عن المغيبات، بل ولا يقاربه، ولذلك أعرضوا عنه ولم يولوه عنايتهم. وأدلل على ذلك أن كتب القدامى قد امتلأت وعنيت أشد العناية بتعداد كل ما في القرآن الكريم من علوم تتعلق بالعد والعدد، ومما هو موجود في كتبهم مما له تعلق بالأعداد: ١) عدد سور القرآن الكريم، ولا يخفى على المتخصصين الخلاف في كون القرآن الكريم أربع عشرة سورة أم ثلاث عشرة سورة، وتحقيقات العلماء في ذلك.

стр. 197

٢) عدد آيات القرآن الكريم كاملاً. ٣) عدد آيات كل سورة بعينها، وتحقيق الخلاف في الآيات المختلف في كونها آية أو آيتين، كالخلاف في عد قوله تعالى: (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم). ٤) عدد كلمات القرآن الكريم. ٥) عدد كلمات كل سورة. ٦) عدد كلمات كل آية. ٧) عدد أحرف القرآن الكريم كاملاً. ٨) عدد أحرف السورة الواحدة. ٩) عدد أحرف الآية الواحدة من السورة. ١٠) عدد ورود الكلمة الواحدة في القرآن الكريم. ١١) عدد ورود الكلمة الواحدة في السورة الواحدة. ١٢) عدد مواطن ورود الكلمة الواحدة برسم معين، وورودها برسم آخر، ومن ذلك ما ذكره أبو عمرو الداني في المقنع، ضمن أمثلة كثيرة تدل على المقصود، وأقتطع من كلامه ما يأتي (١):

стр. 198

* قال: (حدثنا محمد بن أحمد قال حدثنا محمد بن القسم النحوي قال: وكل ما في كتاب الله من ذكر «الرحمة» فهو بالهاء -يعني في الرسم- إلا سبعة أحرف: في البقرة ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ وفي الأعراف ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ وفي هود ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ﴾ وفي مريم ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ وفي الروم ﴿إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ الي آثار رحمت الله» وفي الزخرف ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ وفيها ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾»). * وقال: (كل ما في كتاب الله من ذكر «النعمة» فهو بالهاء إلا أحد عشر حرفا) وعدّها. * وقال: (وكل ما في كتاب الله من ذكر «السنة» فهو بالهاء إلا خمسة أحرف) وعدها. * وقال: (قال ابن الأنباري وكل ما في كتاب الله من ذكر «اللعنة» فهو بالهاء إلّا حرفين) وعدهما. * وقال: (وكل ما في كتاب الله من ذكر «المعصية» فهو بالهاء إلا حرفين) وعدهما. ومن أنواع ذلك أيضاً ورود الكلمة (أو الكلمتين) متصلة في مواضع، ومنفصلة في مواضع أخرى، ومن ذلك:

стр. 199

* كلمة: (إنما) رسمت متصلة في القرآن الكريم كله، إلا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام: ١٣٤]. * كلمة: (فيما) رسمت متصلة في القرآن الكريم كله، إلا في أحد عشر موضعا. * كلمة: (بئسما) رسمت مفترقة في القرآن الكريم كله، إلا في ثلاثة مواضع. والأمثلة على ذلك أكثر من أن تذكر، بما يبطل قول المعاصرين من أنهم اكتشفوا علماً غفل عنه الأقدمون. المرحلة الثانية: مرحلة تأليف كتب مستقلة في موضوع الإعجاز العددي، وليس هذا موجوداً بالمعنى المصطلحي إلا في العصر الحاضر، وقد ذهب التأليف في هذه المرحلة إلى اتجاهين: الاتجاه الأول: الكتب التي أيدت بشدة عَدَّ الإعجاز العددي وجهاً من وجوه إعجاز القرآن الكريم، وأذكر منها. ١) كتاب: (معجزة الرقم (١٩) مقدمات تنتظر النتائج)، لبسام جرار. ٢) كتاب: (الإعجاز العددي للقرآن الكريم)، لعبد الرزاق نوفل. ٣) كتاب: (إشراقات الرقم سبعة في القرآن الكريم)، لعبد الدائم الكحيل.

стр. 200

٤) كتاب: (الكشوف في الإعجاز القرآني وعلم الحروف)، لأحمد بدر يعقوب غريب. الاتجاه الثاني: الذين ردوا على أرباب الإعجاز العددي، وبينوا حقيقة مذهبهم، وحققوا أمثلة القائلين به، ودققوها وبينوا عوارها، ومن ذلك: ١ - كتاب: (رسم المصحف والإعجاز العددي)، لأشرف عبد الرزاق قطنة. ٢ - كتاب: (ما يسمى الإعجاز العددي في القرآن تكلف واضح وتعسف بيِّن) لعمر عبد الله الحلبي. وغيره من الأبحاث والمؤلفات التي اتخذت من الإعجاز العددي موقفاً رافضاً. المطلب الثالث مناقشة أدلة تأصيل الإعجاز العددي عند القائلين به الأصل أن يأتي ترتيب هذا المطلب في المطالب المتقدمة لمبحث الإعجاز العددي، ولكني أرجأته لما فيه من تطبيق عملي وبيانٍ لمنهج أرباب الإعجاز العددي في طريقة عملهم في التمثيل العلمي لنظرية الإعجاز. وأبدأ بذكر الأدلة التي ذكرها أرباب الإعجاز العددي، وكررها أكثر من كتب في ذلك مؤيدين نظريتهم بها ومنها: الأثر الأول: ما أخرجه أبو نعيم في الحلية من طريق محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب جلس في رهط من أصحاب رسول الله ﷺ من

стр. 201

المهاجرين، فذكروا ليلة القدر، فتكلم منهم من سمع فيها بشيء مما سمع، فتراجع القوم فيها الكلام. فقال عمر: ما لك يا ابن عباس صامت لا تتكلم. تكلم ولا يمنعك الحداثة، قال ابن عباس: فقلت يا أمير المؤمنين: إن الله تعالى وتر يحب الوتر، فجعل أيام الدنيا تدور على سبع، وخلق الإنسان من سبع، وجعل فوقنا سماوات سبعاً، وخلق تحتنا أرضين سبعاً، وأعطى من المثاني سبعاً، ونهى في كتابه عن نكاح الأقربين عن سبع، وقسم الميراث في كتابه على سبع، ونقع في السجود من أجسادنا على سبع، وطاف رسول الله ﷺ بالكعبة سبعاً، وبين الصفا والمروة سبعاً، ورمي الجمار بسبع لإقامة ذكر الله في كتابه. فأراها في السبع الأواخر من شهر رمضان والله أعلم. قال: فتعجب عمر، وقال: والله ما وافقني فيها أحد إلا هذا الغلام الذي لم تستو شئون رأسه. إن رسول الله ﷺ قال: التمسوها في العشر الأواخر ثم قال: يا هؤلاء من يؤديني في هذا كأداء ابن عباس (١). وللجواب عن هذا الاستدلال أقول: ١) هذا الأثر ضعفه كثير من أهل العلم، ومنهم ابن رجب في كتابه: (لطائف المعارف). ٢) على فرض صحته، فإنه لا يدل على الإعجاز العددي من قريب ولا من بعيد، فأين تحقيق الاستدلال على خصوص الإعجاز العددي.

стр. 202

٣) ثمة فرق بين الرقمين: (سبعة) و (سبعة وعشرين)، والاستدلال بالرقم (سبعة) على الرقم (سبعة وعشرين) ليس له مسوغ، فليس هو هو. وليس هو من مضاعفاته أيضاً. والأولى أن يكون الجواب بالرقمين (٢١) أو (٢٨)، فهذان الرقمان هما أولى الأرقام بالرقم (٧) بعد العشرين. ٤) ليس ثمة علاقة بين ليلة القدر وبين أن تكون السماوات خلقت سبعاً، ومثلها الأرضون، ومثله كل ما ذكر في الأثر. ولم لا تكون ليلةُ القدر ليلةَ الثالث والعشرين، على اعتبار أن هذه المدة هي مدة نبوة محمد ﷺ ؟ ولم لا تكون ليلةُ القدر ليلةَ السادس والعشرين -على القول بأنها في ليلة زوجية- على اعتبار أن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام؟ ٥) لو كان الاستدلال الوارد في الأثر صحيحاً، لكان الخلاف في كل مسألة شرعية يؤول إلى الرقم سبعة، بدلالة خلق السماوات والأرض سبعاً سبعاً. وإذا قلنا: إن هذا في مسألة دون أخرى. فما الضابط في اعتماده دليلاً في هذه المسألة دون غيرها؟؟

стр. 203

إن لفظ الوتر يشمل الأرقام من (١) إلى (٩) بعد العشرين، ولا دليل على الاستدلال به -إجمالاً- على رقم دون آخر. ٦) إن المحرمات من النساء أكثر من سبع، فلو جمعنا المحرمات بالنسب والمحرمات بالمصاهرة، والمحرمات بالرضاع، لكان العدد عندنا أكثر من ذلك بكثير. بل إن المحرمات بالنسب فقط أكثر من سبع، فالبنت محرمة، وكذلك ابنتها، والأم وأمها، وهكذا. الأثر الثاني: أثر ابن عباس الذي فيه أنه عد ليلة القدر ليلة السابع والعشرين، على اعتبار أن كلمة (هي) هي الكلمة السابعة والعشرين ضمن ترتيب الكلمات السورة. قلت: وهذا الكلام غير صحيح، ولبيان عدم صحته أورد الجدول الآتي، وقد بينت فيه ترتيب كل كلمة من كلمات السورة، حتى لا يكون الرد مجملاً مبهماً.

стр. 204

جدول بترتيب كلمات سورة القدر

стр. 205

بعد هذا الجدول يتبين لنا ما يأتي: ١) إذا عددنا البسملة من السورة كانت كلمة: (هي) في الترتيب: (٤١). ٢) إذا لم نعد البسملة من السورة كانت كلمة: (هي) في الترتيب: (٣٥). ٣) لا تكون كلمة (هي) في الترتيب الكلمة السابعة والعشرين إلا بالشروط الآتية: أ- عدم اعتبار البسملة من السورة. ب- عد (إنّا) كلمة واحدة، والصحيح أنها كلمتان: (إن)، و (الضمير المتصل: (الألف) العائد على الله . ج- عد: (أنزلناه) كلمة واحدة، وهذا مخالف للمعلوم الواضح من اللغة، فكلمة أنزلناه، مكونة من فعل وفاعل ومفعول به، فهي ثلاث كلمات وليست كلمة واحدة. د- عد (وما) كلمة واحدة، والصحيح أنها كلمتان: (واو العطف)، و (ما). هـ- عد (أدراك) كلمة واحدة، والصحيح أنها كلمتان: (أدرى)، و (ضمير المخاطب (الكاف». هذا إذا أغفلنا الضمير المستتر (الفاعل)، وإذا احتسبناه صارت (أدراك) ثلاث كلمات. و- عد (والروح) كلمة واحدة، والصحيح أنها كلمتان: (واو العطف)، و (الروح). ز- عد (بإذن) كلمة واحدة، والصحيح أنها كلمتان: (باء الجر)، و (إذن).

стр. 206

ح- عد (ربهم) كلمة واحدة، والصحيح أنها كلمتان: (رب)، و (الضمير المتصل: هم). ليس من المعقول -أبداً- أن نتغافل عما اتفق عليه علماء النحو والبلاغة واللغة عموماً في طريقة عدهم للكلمات مقابل عد لا أساس له في اللغة، فالمبتدئ الغر يعلم أن: (والروح) كلمتان لا كلمة. فالواو حرف والروح اسم. المطلب الرابع اعتراضات العلماء والمحققين على الإعجاز العددي تأصيلاً وتطبيقاً قدمت سابقاً أن الإعجاز العددي من أكثر أنواع الإعجاز التي اختلف في قبولها، وقد سبرت كماً كبيراً من إنتاج القائلين به، وسجلت عليه مجموعة من الاعتراضات التي تقف عقبة كؤوداً في طريق القائلين به، وأجملها في النقاط الآتية (١):

стр. 207

١) اعتماد بعضهم على قراءة واحدة دون النظر إلى القراءات الأخرى، ونحن نعلم أن القراءات المتواترة تمثل القرآن الكريم، كما هو معلوم في بدهيات التفسير، فإنه لا يجوز الاعتماد على قراءة واحدة حال وجود قراءات أخرى من الممكن أن تضيف معنى آخر للقراءة الأولى. وإن كثيراً من هؤلاء -يا للأسف- يتناسون القراءات الأخرى؛ لأنها لا تتوافق مع ما يريدونه من العدد. وأضرب على ذلك مثالاً قراءة: (مالك) في قوله تعالى: (مالك يوم الدين) فإنها قرئت: (مالك) كما هو عند عاصم وغيره، وقرئت: (مَلِك) عند غيرهم، ونحن نعلم الفرق الدقيق بين القراءتين. والشاهد: أن أرباب الإعجاز العددي إذا أرادوا العدد (أربعة) اعتمدوا قراءة: (مالك)، وإذا كان لا يتناسب معهم إلا العدد (ثلاثة) اعتمدوا قراءة: (ملك)؛ لأنها ثلاثة أحرف. ومثال آخر: قوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. قرأها ابن كثير بزيادة (من) وجر (تحتها)، وقرأها الباقون بحذف (من) ونصب (تحتها). فالفرق هنا ليس بعدد الحروف فقط، بل هو بالكلمات أيضا، فثمة زيادة كلمة كاملة هي: (من) لأنها من حروف المعاني، وهي من الكلمات. فلا يجوز لهم أن يعتمدوا قراءة ويهملوا القراءة الأخرى. ففي هذا نفي لكل مثال اعتمد على عدد كلمات سورة التوبة وكذلك حروفها، للاختلاف في إثبات (من) وعدم إثباتها.

стр. 208

وقس على ذلك جميع القراءات القرآنية التي تختلف الآية فيها من قراءة إلى قراءة أخرى من حيث عدد حروفها أو عدد كلماتها. ٢) تناسوا اختلاف العلماء في عدّ آيات القرآن الكريم عموماً، وعدّ آي السورة الواحدة خصوصاً، علماً أن هذا الأمر معروف مشهور في كتب التفسير وكتب علوم القرآن الكريم. والأسوأ من ذلك أن بعضهم يعتمد العد الشامي -مثلاً- في مثال، ثم إذا لم يناسبه هذا العد في مثال آخر، تركه واعتمد غيره كالعد الكوفي أو البصري أو نحو ذلك. ٣) تجاهلوا اختلاف العلماء والقراء والمفسرين والفقهاء في عد البسملة من القرآن الكريم أو عدم عدّها، فمنهم من يعدها آية مستقلة من القرآن الكريم وليست من السور، ومنهم من يعدها آية أو بعض آية من كل سورة سوى سورة التوبة، ومنهم من يعدها آية من الفاتحة فقط، ومنهم من لا يعدها آية من القرآن مطلقاً. وإذا نظرنا إلى صنيع أرباب الإعجاز العددي وجدناهم لا يلتزمون قولا واحدا من هذه الأقوال، بل يأخذون من ذلك ما يوافق فكرتهم. علماً أن هذا الاختلاف بين الأقوال يتعدى إلى تغير واضح واختلاف أوضح في عد الآيات وعددها، ومن ذلك: أ- الاختلاف في عدد آيات السورة. فمن عدها آية مستقلة زاد عنده عدد آيات السورة آية واحدة. ب- الاختلاف في عدد كلمات السورة. فمن عدها آية مستقلة من السورة، أو جزء آية، زاد عنده عدد كلمات السورة بقدر عدد كلمات البسملة.

стр. 209

ج- الاختلاف في عدد أحرف السورة. فمن عدها آية مستقلة من السورة، أو جزء آية، زاد عنده عدد أحرف السورة بعدد أحرف البسملة. د- الاختلاف في عدد أحرف الآية الأولى عند من يرى أن البسملة جزء من الآية الأولى. وهذا الأمر من أكثر الاعتراضات نقضاً لأمثلة الإعجاز العددي، فإن أغلب أمثلتهم مبنية على عدد الآيات في السورة الواحدة أو عدد الكلمات. ٤) إن عدم اعتمادهم قولاً واحداً فيما سبق في البسملة ونحوها يوقعهم في تناقض ظاهر، فمنهم من بنى إعجازاً قرآنياً معتمداً على عد البسملة من السورة، ومنهم من بنى إعجازاً قرآنياً معتمداً على عدم عدها من السورة، والقول بأحد المثالين ناقض -بلا شك- للمثال الآخر. ٥) ومن أسوأ ما وجدته عند بعضهم: أنه يعتمد في عد كلمات السورة على قراءة عاصم، ولكنه لا يعد معها كلمات البسملة، علماً أنها عند عاصم آية. وهذا -والله- تلاعب واضح بالقرآن الكريم لا يجوز. ٦) اعتمد أكثرهم على الرسم العثماني للمصحف، على اعتبار أنه توقيفي، والحقيقة أن خلافاً كبيراً بين أهل العلم في كونه توقيفياً أو اجتهادياً (١)، فكيف يبنون قضية عظيمة كالإعجاز القرآني على رسم مختلف في كونه اجتهادياً أو توقيفياً.

стр. 210

٧) وعلى فرض أن الرسم العثماني توقيفي (١)، فإنهم لم يأخذوا بجميع المرسوم في المصاحف العثمانية كلها. وأقول: إن من رأى أن الرسم العثماني توقيفي، ثم بنى عليه شيئاً من أمور الإعجاز؛ فإنه يلزمه أن يلتزم بكل ما رسم في المصاحف العثمانية كلها، على اعتبار أنها كلها توقيفية. وما أبعد أرباب الإعجاز العددي ودعاته عن هذا التحقيق العلمي الذي يعكر صفو نظريتهم. ٨) تذبذب أرباب الإعجاز العددي في عد الأحرف في الكلمات التي تقرأ على غير الرسم، وأذكر لك مثالاً واحداً يبين اختلافهم في عد الأحرف في الكلمة الواحدة، وهو كلمة (الزكاة). أ- منهم من يعدها (٨) أحرف بناء على كتابتها في بعض المواطن: (الزكاوة) مع اعتبار المشدد حرفين. ب- ومنهم يعدها (٧) أحرف بناء على كتابتها: (الزكاوة) مع عدم اعتبار المشدد حرفين. ج- ومنهم من يعدها (٥) أحرف بناء على ظاهر كتابتها: (الزكاة) مع عدم اعتبار اللام لأنها غير منطوقة، وباعتبار الحرف المشدد حرفاً واحداً. د- ومنهم من يعدها (٦) أحرف بناء على كتابتها: (الزكاة) مع عدم اعتبار اللام لأنها غير منطوقة، وباعتبار الحرف المشدد حرفين اثنين.

стр. 211

هـ- ومنهم من يعدها (٧) أحرف بناء على كتابتها: (الزكاة) مع اعتبار اللام حرفا لكونه مكتوباً، وباعتبار الحرف المشدد حرفين اثنين. وقس على هذا المثال عشرات الأمثلة التي خرقوا فيها هيبة القرآن وعظمته. ٩) الاعتماد في عد الكلمات على المكتوب شكلاً، وترك الشكل إذا لم يسعفهم والاعتماد على الأصل. مثال ذلك كلمة: (بئسما)، يعدونها أحياناً كلمة واحدة على اعتبار أنها كتبت على شكل كلمة واحدة، ولكن إذا احتاجوا لأن تكون هي ومثيلاتها كلمتين عدوها كلمتين اثنتين، على اعتبار أنها في الأصل كلمتان اثنتان. ومثل ذلك: كلمة (إنما) المكونة من (إن) و (ما)، وغيرها من الكلمات المركبة في كلمة واحدة شكلاً، وأصلها كلمتان. ١٠) اختلاف طريقتهم في معالجة الكلمات المبدوءة بهمزة وصل، فيعدون الهمزة حرفاً أحياناً، ولا يعدونها إذا اكتمل العدد دونها. ومن أشهر الأمثلة على ذلك: كلمة (بسم) أصلها: (باسم)، ولو تتبعت أبحاثهم لوجدت بعضهم يعتبرها بشكل وبعضهم الآخر يعتبرها بشكلها الآخر. ١١) لم يعتمدوا ترتيباً معينا للمصحف، فمنهم من اعتمد على ترتيب المصحف بالطريقة التي اعتمدها عثمان ﵁، ومنهم من اعتمد على ترتيب المصحف وفق ترتيب

стр. 212

النزول، ومنهم من اعتمد على ترتيب علي بن أبي طالب أو ابن مسعود أو غيرهم من الصحابة﴾. ١٢) ولو أننا افترضنا أنهم جميعاً اعتمدوا على الترتيب الذي رتبه عثمان ﵁، فهل اتفق العلماء على أن ترتيب السور ترتيب توقيفي لا يجوز خلافه، ثم هل يجوز لهم أن يدللوا بالمختلف فيه بين المسلمين أنفسهم على قضية خطيرة مثل إعجاز القرآن. ١٣) يخطئ كثير منهم في ذكر أعداد الكلمات، فتجدهم يقولون: إن هذه الكلمة وردت كذا مرة في القرآن الكريم، ثم إذا تتبعتها وجدتها إما أقل وإما أكثر، ولقد تتبع كثير من الباحثين أغلب ما ذكروه من أعداد ورود الكلمة في القرآن فوجدوه مغايراً تمام التغاير لما ذكروه، وإنني أحذر هؤلاء القوم من فعلتهم هذه، فإنها تلاعب بالقرآن الكريم بلا خلاف بين أهل العلم المعظمين لكتاب الله تعالى. ١٤) تناقضهم في اعتبار اشتقاقات الكلمة وعدم اعتبارها، فمنهم: أ- من يأخذ في عدد ورود الكلمة اشتقاقاً واحداً تاركاً الاشتقاقات الأخرى. ب- ومنهم من يأخذ أكثر من اشتقاق معتمداً في الانتقاء على العدد الذي يحتاجه. ج- ومنهم من يأخذ جميع الاشتقاقات في مثال، ولكنه إذا جاء إلى مثال آخر انتقى انتقاء.

стр. 213

ومثال ذلك: الذين قالوا إن كلمة: (يوم) وردت في القرآن الكريم (٣٦٥) مرة، ولم يعدوا معها: (يومئذ) و (يومكم) و (يومهم). ومثال آخر: يقولون إن الاستعاذة وردت (١١) مرة، معتبرين في ذلك على: (أعوذ) و (فاستعذ)، ولكنهم لم يعتمدوا: (يعوذون) و (أعيذها) و (معاذ)، وإذا بحثت عن سبب علمي أو لغوي مقنع لتسوّغ موقفهم فإنك لن تجد، وإنما هو التحكم الذي لا دليل عليه ولا مَقنَع فيه. ١٥) رميهم اللغة العربية وقواعدها وراء ظهورهم، فإن أهل العربية مجمعون على أن حروف المعاني كلمات، ولكنك تجد دعاة الإعجاز العلمي لا يعدونها كلمات في كثير من الأحايين، وأخص بالذكر هنا حرف الواو، فإنني لم أجد من يعتبرها كلمة منهم إلا العدد القليل النادر. ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢)﴾ [القدر: ٢]، تجد أكثرهم يعدون (وما) كلمة واحدة، ولا خلاف في أنهما كلمتان اثنتان. ١٦) عدم عدهم الضمائر المتصلة من الكلمات، ومنهم من يعد الضمير كلمة في مثال، ولا يعده في مثال آخر. ففي الآية السابقة: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢)﴾ [القدر: ٢]، نجدهم يعدون (أدراك) كلمة واحدة، متناسين أن الكاف مفعول به، وهي كلمة أخرى غير الفعل.

стр. 214

ومن ذلك أيضاً الضميران المتصلان المجروران في (فِيهَا) وفي (رَبِّهِمْ) في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)﴾ [القدر: ٤]، عدوا (فِيهَا) كلمة واحدة والصحيح أنها كلمتان، كما عدوا (رَبِّهِمْ) كلمة واحدة والصحيح أنها كلمتان، ولا شك أن هذا لا يجوز. والأمثلة على هذه القادح أكثر من أن تذكر، وإنني أرى أن بعض القوم قد تلاعبوا بكتاب الله تعالى أيما تلاعب، وعرضوه للطعن واللمز والتشكيك، بسبب جهلهم أو عنادهم وتجاهلهم. ١٧) إنهم اعتمدوا في استنباط المعاني المترتبة على ما سموه إعجازاً عددياً على القرآن الكريم وحده، دون نظر إلى ما ورد في السنة الصحيحة، ومن ذلك منهجهم في ترجيح كون ليلة القدر هي الليلة السابعة والعشرين، متناسين الأحاديث الثابتة التي تصرح بوجودها في غير هذه الليلة في بعض السنوات. ومن ذلك ما ورد في صحيح مسلم من رواية أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ : (وإني أريتها ليلة وتر، وأني أسجد صبيحتها في طين وماء، فأصبح من ليلة إحدى وعشرين وقد قام إلى الصبح، فمطرت السماء، فوكف المسجد، فأبصرت الطين والماء، فخرج حين فرغ من صلاة الصبح وجبينه وروثة أنفه فيهما الطين والماء، وإذا هي ليلة إحدى وعشرين من العشر الأواخر) (١).

стр. 215

وفي رواية أخرى من حديث عبد الله بن أُنيسٍ ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «أُريتُ ليلةَ القَدْر، ثمَّ أُنسيتُها، وأَراني صُبحَها أسجُدُ في ماءٍ وطِينٍ»، قال: فمُطِرْنا ليلةَ ثلاثٍ وعِشرين، فصلَّى بنا رسولُ الله ﷺ فانصرَف، وإنَّ أثَرَ الماء والطِّين على جَبهته وأنفِه. قال: وكان عبد الله بن أُنيسٍ يقول: ثلاث وعِشرين (١). فأين هم من هذه الأحاديث الواضحة الصريحة في الدلالة على وقتها -في زمن النبي ﷺ على أقل تقدير-. ومن باب ذكر الشيء بشبيهه فإنني أرى أن كثيراً من الدراسات القرآنية المعاصرة -يا للأسف- بُنيت على الدليل القرآني فقط دون الرجوع إلى السنة الصحيحة، وهذا خطأ منهجي واضح الفساد، وخاصة في الدراسات الموضوعية والدراسات المصطلحية، فإنه لا يجوز بحال من الأحوال أن تقتصر الدراسة في هذين النمطين وغيرهما على الدليل القرآني بمعزل عن السنة، لأن النص القرآني وحده لا يكفي في اعتماد الحقائق الشرعية بمنظومة مفرداتها ومباحثها. ١٨) جهلهم بالمشترك اللفظي، فيعدون الكلمتين مختلفتي المعنى كلمة واحدة، دون أن يدققوا في أن الأولى تختلف عن الثانية، ومن ذلك أننا وجدنا منهم من يعد الدنيا في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ (بِالْعُدْوَةِ) الدُّنْيَا وَهُمْ (بِالْعُدْوَةِ) الْقُصْوَى﴾ [الأنفال: ٤٢]. وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا (السَّمَاءَ الدُّنْيَا) بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾ [الصافات: ٦]، مع كلمة (الدنيا)
следующие страницы →