← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 30153

وجوه إعجاز القرآن العظيم

خالد نواف الشوحة

Полный текст (272 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

هـ- ومنهم من يعدها (٧) أحرف بناء على كتابتها: (الزكاة) مع اعتبار اللام حرفا لكونه مكتوباً، وباعتبار الحرف المشدد حرفين اثنين. وقس على هذا المثال عشرات الأمثلة التي خرقوا فيها هيبة القرآن وعظمته. ٩) الاعتماد في عد الكلمات على المكتوب شكلاً، وترك الشكل إذا لم يسعفهم والاعتماد على الأصل. مثال ذلك كلمة: (بئسما)، يعدونها أحياناً كلمة واحدة على اعتبار أنها كتبت على شكل كلمة واحدة، ولكن إذا احتاجوا لأن تكون هي ومثيلاتها كلمتين عدوها كلمتين اثنتين، على اعتبار أنها في الأصل كلمتان اثنتان. ومثل ذلك: كلمة (إنما) المكونة من (إن) و (ما)، وغيرها من الكلمات المركبة في كلمة واحدة شكلاً، وأصلها كلمتان. ١٠) اختلاف طريقتهم في معالجة الكلمات المبدوءة بهمزة وصل، فيعدون الهمزة حرفاً أحياناً، ولا يعدونها إذا اكتمل العدد دونها. ومن أشهر الأمثلة على ذلك: كلمة (بسم) أصلها: (باسم)، ولو تتبعت أبحاثهم لوجدت بعضهم يعتبرها بشكل وبعضهم الآخر يعتبرها بشكلها الآخر. ١١) لم يعتمدوا ترتيباً معينا للمصحف، فمنهم من اعتمد على ترتيب المصحف بالطريقة التي اعتمدها عثمان ﵁، ومنهم من اعتمد على ترتيب المصحف وفق ترتيب

стр. 212

النزول، ومنهم من اعتمد على ترتيب علي بن أبي طالب أو ابن مسعود أو غيرهم من الصحابة﴾. ١٢) ولو أننا افترضنا أنهم جميعاً اعتمدوا على الترتيب الذي رتبه عثمان ﵁، فهل اتفق العلماء على أن ترتيب السور ترتيب توقيفي لا يجوز خلافه، ثم هل يجوز لهم أن يدللوا بالمختلف فيه بين المسلمين أنفسهم على قضية خطيرة مثل إعجاز القرآن. ١٣) يخطئ كثير منهم في ذكر أعداد الكلمات، فتجدهم يقولون: إن هذه الكلمة وردت كذا مرة في القرآن الكريم، ثم إذا تتبعتها وجدتها إما أقل وإما أكثر، ولقد تتبع كثير من الباحثين أغلب ما ذكروه من أعداد ورود الكلمة في القرآن فوجدوه مغايراً تمام التغاير لما ذكروه، وإنني أحذر هؤلاء القوم من فعلتهم هذه، فإنها تلاعب بالقرآن الكريم بلا خلاف بين أهل العلم المعظمين لكتاب الله تعالى. ١٤) تناقضهم في اعتبار اشتقاقات الكلمة وعدم اعتبارها، فمنهم: أ- من يأخذ في عدد ورود الكلمة اشتقاقاً واحداً تاركاً الاشتقاقات الأخرى. ب- ومنهم من يأخذ أكثر من اشتقاق معتمداً في الانتقاء على العدد الذي يحتاجه. ج- ومنهم من يأخذ جميع الاشتقاقات في مثال، ولكنه إذا جاء إلى مثال آخر انتقى انتقاء.

стр. 213

ومثال ذلك: الذين قالوا إن كلمة: (يوم) وردت في القرآن الكريم (٣٦٥) مرة، ولم يعدوا معها: (يومئذ) و (يومكم) و (يومهم). ومثال آخر: يقولون إن الاستعاذة وردت (١١) مرة، معتبرين في ذلك على: (أعوذ) و (فاستعذ)، ولكنهم لم يعتمدوا: (يعوذون) و (أعيذها) و (معاذ)، وإذا بحثت عن سبب علمي أو لغوي مقنع لتسوّغ موقفهم فإنك لن تجد، وإنما هو التحكم الذي لا دليل عليه ولا مَقنَع فيه. ١٥) رميهم اللغة العربية وقواعدها وراء ظهورهم، فإن أهل العربية مجمعون على أن حروف المعاني كلمات، ولكنك تجد دعاة الإعجاز العلمي لا يعدونها كلمات في كثير من الأحايين، وأخص بالذكر هنا حرف الواو، فإنني لم أجد من يعتبرها كلمة منهم إلا العدد القليل النادر. ففي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢)﴾ [القدر: ٢]، تجد أكثرهم يعدون (وما) كلمة واحدة، ولا خلاف في أنهما كلمتان اثنتان. ١٦) عدم عدهم الضمائر المتصلة من الكلمات، ومنهم من يعد الضمير كلمة في مثال، ولا يعده في مثال آخر. ففي الآية السابقة: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢)﴾ [القدر: ٢]، نجدهم يعدون (أدراك) كلمة واحدة، متناسين أن الكاف مفعول به، وهي كلمة أخرى غير الفعل.

стр. 214

ومن ذلك أيضاً الضميران المتصلان المجروران في (فِيهَا) وفي (رَبِّهِمْ) في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)﴾ [القدر: ٤]، عدوا (فِيهَا) كلمة واحدة والصحيح أنها كلمتان، كما عدوا (رَبِّهِمْ) كلمة واحدة والصحيح أنها كلمتان، ولا شك أن هذا لا يجوز. والأمثلة على هذه القادح أكثر من أن تذكر، وإنني أرى أن بعض القوم قد تلاعبوا بكتاب الله تعالى أيما تلاعب، وعرضوه للطعن واللمز والتشكيك، بسبب جهلهم أو عنادهم وتجاهلهم. ١٧) إنهم اعتمدوا في استنباط المعاني المترتبة على ما سموه إعجازاً عددياً على القرآن الكريم وحده، دون نظر إلى ما ورد في السنة الصحيحة، ومن ذلك منهجهم في ترجيح كون ليلة القدر هي الليلة السابعة والعشرين، متناسين الأحاديث الثابتة التي تصرح بوجودها في غير هذه الليلة في بعض السنوات. ومن ذلك ما ورد في صحيح مسلم من رواية أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ : (وإني أريتها ليلة وتر، وأني أسجد صبيحتها في طين وماء، فأصبح من ليلة إحدى وعشرين وقد قام إلى الصبح، فمطرت السماء، فوكف المسجد، فأبصرت الطين والماء، فخرج حين فرغ من صلاة الصبح وجبينه وروثة أنفه فيهما الطين والماء، وإذا هي ليلة إحدى وعشرين من العشر الأواخر) (١).

стр. 215

وفي رواية أخرى من حديث عبد الله بن أُنيسٍ ﵁ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «أُريتُ ليلةَ القَدْر، ثمَّ أُنسيتُها، وأَراني صُبحَها أسجُدُ في ماءٍ وطِينٍ»، قال: فمُطِرْنا ليلةَ ثلاثٍ وعِشرين، فصلَّى بنا رسولُ الله ﷺ فانصرَف، وإنَّ أثَرَ الماء والطِّين على جَبهته وأنفِه. قال: وكان عبد الله بن أُنيسٍ يقول: ثلاث وعِشرين (١). فأين هم من هذه الأحاديث الواضحة الصريحة في الدلالة على وقتها -في زمن النبي ﷺ على أقل تقدير-. ومن باب ذكر الشيء بشبيهه فإنني أرى أن كثيراً من الدراسات القرآنية المعاصرة -يا للأسف- بُنيت على الدليل القرآني فقط دون الرجوع إلى السنة الصحيحة، وهذا خطأ منهجي واضح الفساد، وخاصة في الدراسات الموضوعية والدراسات المصطلحية، فإنه لا يجوز بحال من الأحوال أن تقتصر الدراسة في هذين النمطين وغيرهما على الدليل القرآني بمعزل عن السنة، لأن النص القرآني وحده لا يكفي في اعتماد الحقائق الشرعية بمنظومة مفرداتها ومباحثها. ١٨) جهلهم بالمشترك اللفظي، فيعدون الكلمتين مختلفتي المعنى كلمة واحدة، دون أن يدققوا في أن الأولى تختلف عن الثانية، ومن ذلك أننا وجدنا منهم من يعد الدنيا في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ (بِالْعُدْوَةِ) الدُّنْيَا وَهُمْ (بِالْعُدْوَةِ) الْقُصْوَى﴾ [الأنفال: ٤٢]. وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا (السَّمَاءَ الدُّنْيَا) بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾ [الصافات: ٦]، مع كلمة (الدنيا)

стр. 216

التي هي قسيم الآخرة. قال ابن كثير: (﴿إِذْ أَنْتُمْ (بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا)﴾ أي: إذ أنتم نزول بعدوة الوادي الدنيا القريبة إلى المدينة) (١). فالكلام هنا عن منطقة من المناطق التي حل بها المسلمون يوم بدر. وكذلك كلمة الآخرة، عدوا منها (الآخرة) في قوله تعالى: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾ [ص: ٧]، ومن رجع إلى التفسير علم أن المراد بالملة الآخرة الملة النصرانية، أو دين قريش، أو نحو ذلك (٢).، مما لا علاقة له باليوم الآخر. ولا أملك هنا إلا أن أقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. ١٩) لا يعتمد أرباب الإعجاز العددي في عد المعاني إلا على اللفظ الذي يناسبُ عددُه العددَ الذي يريدون، ولا يأخذون بالألفاظ المترادفة -أقصد بها المتقاربة أو ما تعدد في الاسم للمسمى الواحد-. ومن ذلك: عندما عدوا الملائكة اقتصروا على ما ورد بلفظ: (الملائكة) وتركوا كل الكلمات التي هي بنفس المعنى، ولكنها جاءت بلفظ آخر أو وصف آخر ومما تركوه: أ- ما ورد على صيغة المثنى: (الملَكين)، (ملكين). ب- ما كان المراد منه الملائكة، ولكنه جاء باسم آخر مثل: (الصافات).

стр. 217

ج- ما جاء من أسماء الملائكة مصرحاً به مثل: جبريل وميكائيل ومالك. فكيف يصح في الأمانة العلمية أن نقول ورد ذكر الملائكة كذا مرة، ونحن لم نعد جبريل وميكائيل، ولم نعد موارد ذكرهم بغير خصوص اسم الملائكة. ٢٠) تناقضهم في عدّ الحروف المقطعة في فواتح السور، فتارة يعدون: (الم) ثلاثة أحرف، وتارة يعدونها تسعة أحرف على اعتبار أنها (ألف لام ميم). ويعدون: (حم) حرفين مرة، وخمسة أحرف (حا ميم) مرة أخرى. ٢١) إنهم غفلوا عن روح قضية الإعجاز وركنها، ألا وهو عجز الناس عن أن يأتوا بمثل وجه الإعجاز. وأنا أسأل هؤلاء: ألا يستطيع أحدنا أن يأتي بنص نثري، يذكر فيه الأشهر اثنتي عشرة مرة، والسنة ثلاث مئة وخمساً وخمسين مرة، وأن يذكر النبي ﷺ ثلاثاً وعشرين مرة، وأن يذكر زوجات النبي ﷺ إحدى عشرة مرة، وأن يذكر الخلفاء أربع مرات؟ وهكذا .. إنني أجزم بأن هذا يستطيعه أي مخلوق أخذ من علوم الأدب عشر معشارها. فكيف بأساطين الأدب وقامات النثر وزعماء القوافي.

стр. 218

وإذا كان الأمر مقدوراً للناس جميعا على اختلاف لغاتهم ولهجاتهم، وعلى تفاوت درجاتهم في الفصاحة والبلاغة، فأي إعجاز هذا الذي يستطيعه كل أحد؟ ثم أي تحد هذا الذي هو مقدور لكل أحد؟! هذه بعض الاعتراضات على صنيع أرباب الإعجاز العددي في نظريتهم، تأصيلاً وتمثيلاً، وعندي غيرها كثير، ولكن المقام لا يتسع، فأكتفي بدلالتها على غيرها، دلالة المثال على مثيله، وإلماحة النظير على نظيره. المطلب الخامس شروط قبول نظرية الإشارات العددية ذكرت فيما سبق أن النظرية العددية في الدرس القرآني في أكثر تطبيقاتها لا تصلح أن تكون نوعاً من أنواع إعجاز القرآن الكريم بحال من الأحوال. ولكن يبقى السؤال: أمن الممكن أن نقبل ما ادعي كونه إشارات أو اتفاقات عددية في القرآن الكريم؟ (١)

стр. 219

أقول: إنني لا أنفي عقلاً جواز وجود مثل هذه الإشارات، ولكني أشترط شروطاً لقبول هذه الإشارات القرآنية، وإليك بعضهاً: ١) موافقة جميع القراءات القرآنية المتواترة دون استثناء أي منها. ٢) موافقة رسم جميع أشكال الكلمة في المصحف الواحد. ٣) موافقة الرسم في جميع المصاحف العثمانية. ٤) اعتماد الكلمة القرآنية بجميع مرادفاتها. ٥) اعتماد جميع اشتقاقات الكلمة القرآنية، وعدم الاقتصار على اشتقاق دون اشتقاق آخر من غير سبب معتبر. ٦) اعتماد حروف المعاني كواو العطف وحروف الجر وغيرها من الكلمات وإدخالها في العدد. ٧) اعتماد الضمائر المتصلة على أنها كلمات، وعد كل ضمير منها كلمة، لأن هذا هو المعتبر في اللغة ولا يصح خلافه. ٨) اعتبار لام التعريف حرفاً، سواء أكانت هذه اللام لاماً ساكنة يصح تجريدها، مثل لام: الشمس، القمر. أو كانت لاماً ساكنة لا يصح تجريدها، مثل لام: (التي) (الذي) (الآن).

стр. 220

٩) اعتماد رأي واحد في كون البسملة من القرآن الكريم أو لا، واستصحابه في الأمثلة كلها دون استثناء. ١٠) اعتماد قول واحد في كون البسملة آية من السورة أو غير آية، وعدها من ضمن الآيات عند من يعدها آية. ١١) عد أحرف البسملة في جميع الأمثلة عند من يعتبر أنها من السورة. ١٢) عدم تجاهل الألفاظ الواردة في الحديث الشريف الصحيح في تكوين الحقائق الشرعية المستنبطة من التوافقات العددية -إن وجدت-. ١٣) اعتبار الحرف المشدد (المضعَف) حرفين اثنين، دونما خلاف موجود أصلاً. ١٤) عدم مخالفة أي عد للقرآن الكريم سواء أكان العد الكوفي، أو البصري، أو الشامي، أو غيرها. وإذا تم ترجيح عدٍّ معينٍ فلا بد من ذكر الدلائل القاطعة والبراهين الساطعة على أن هذا هو العد الصحيح وأن غيره من العد ليس بصحيح أبداً. والمسألة هنا ليست تقريبية ولا إرضائية ولا توفيقية، بل إن احتمال كون العد الآخر صحيحاً يبطل كل ما بني على العد الأول المستعمل في النظرية الإعجازية. ١٥) الاعتماد على منهجية واحدة في عدّ حروف فواتح السور، فمن عد (يس) حرفين، يجب أن يعد (حم) حرفين أيضاً، ومن عدها خمسة أحرف فيلتزم بعدّ الأحرف الأخرى مثلها في القرآن الكريم كله.

стр. 221

هذه بعض الشروط التي يجب وجودها في كل ما ادعي أنه إشارة قرآنية، وهي بإذن الله كافية لتقييم الأعمال التطبيقية في درس الإشارات العددية في القرآن الكريم، مع ظني أن تطبيقها سيهدم تسع أعشار تطبيقات الإعجاز العددي وأمثلته، ولعل النسبة أكبر وأكثر.

стр. 222

المبحث السادس الإعجاز التأثيري من أوجه الإعجاز التي ذكرها العلماء الإعجاز التأثيري، وقد اشتهر هذا القول عند المتقدمين عن الإمام الخطابي، حيث يقول: (قلت في إعجاز القرآن وجهاً آخر ذهب عنه الناس، فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ من آحادهم، وذلك صنيعه بالقلوب وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلاماً غير القرآن منظوماً ولا منثوراً، إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه، تستبشر به النفوس وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة قد عراها الوجيب والقلق، وتغشاها الخوف والفرق، تقشعر منه الجلود وتنزعج له القلوب، يحول بين النفس وبين مضمراتها وعقائدها الراسخة فيها؛ فكم من عدو للرسول ﷺ من رجال العرب وفتاكها أقبلوا يريدون اغتياله وقتله فسمعوا آيات من القرآن، فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الأول، وأن يركنوا إلى مسالمته، ويدخلوا في دينه، وصارت عداوتهم موالاة، وكفرهم إيماناً) (١). ويرى الدكتور عبد الكريم الخطيب أن كثيراً من المتقدمين لم يصرحوا بالإعجاز التأثيري، إلا أنهم ذكروا مادته وأدلته، وذكر منهم الجرجاني حيث كان يعرض كثيراً لتأثير القرآن الكريم في نفوس المخاطبين، ومن ذلك قوله: (ومن هذا الذي يرضى من

стр. 223

نفسه أن يزعم أن البرهان الذي بان لهم، والأمر الذي بهرهم، والهيبة التي ملأت صدورهم، والروعة التي دخلت عليهم فأزعجتهم حتى قالوا: «إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وأن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، إنما كان لشيء راعهم من مواقع حركاته، ومن ترتيب بينها وبين سكناته؟ أم لفواصل في أواخر آياته؟ من أين تليق هذه الصفة وهذا التشبيه بذلك؟) (١). وقد قال في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٠]، (ليس بخافٍ أن لتقديم «الشركاء» حسناً وروعةً ومأخذاً من القلوب، أنت لا تجد شيئاً منه إن أنت أخرت فقلت: «وجعلوا الجن شركاء الله»، وأنك ترى حالك حال من نقل عن الصورة المبهجة والمنظر الرائق والحسن الباهر، إلى الشيء الغفل الذي لا تحلى منه بكثير طائل، ولا تصير النفس به إلى حاصل. والسبب في أن كان ذلك كذلك، هو أن للتقديم فائدة شريفة ومعنى جليلاً لا سبيل إليه مع التأخير. بيانه، أنا وإن كنا نرى جملة المعنى ومحصوله أنهم جعلوا الجن شركاء وعبدوهم مع الله تعالى، وكان هذا المعنى يحصل مع التأخير حصوله مع التقديم، فإن تقديم «الشركاء» يفيد هذا المعنى، ويفيد معه معنى آخر، وهو أنه ما كان ينبغي أن يكون لله شريك، لا من الجن ولا غير الجن) (٢).

стр. 224

وممن قال به من المعاصرين الدكتور عبد الكريم الخطيب (١)، حيث قال: (وهذا الوجه من وجوه الإعجاز هو -فيما ترى- المعجزة القائمة في القرآن أبداً، الحاضرة في كل حين، وهي التي تسع الناس جميعاً، عالمهم وجاهلهم، عربيهم وأعجميهم، إنسهم وجنهم ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١)﴾ [الجن: ١] (٢). وقال: (إن كلمات القرآن التي كانت على فم الناس، كان لها رحلة إلى الملأ الأعلى من الأرض إلى السماء من أفواه الناس إلى عالم الروح، والحق والنور، وهناك في هذا العالم

стр. 225

-عالم الروح والحق والنور- عاشت تلك الكلمات دهراً طويلاً بين ملائكة، وولدان، وحور، فنفضت عليها هذه الحياة الجديدة روحاً من روحها، وجلالاً من جلالها، ونوراً من نورها، حتى إذا أذن لها الحكيم الخبير أن تعود أدراجها إلى الأرض وتلقى بأفواه الناس مرة أخرى، وتطرق أسماعهم، وتتصل بعقولهم وقلوبهم، لم ينكروا شيئاً من وجودها، وإن سرى إليهم من هذا الوجود ما يخطف الأبصار ويخلب الألباب، فالمؤمنون في شوق متجدد معه. وفي خير متصل منه، وفي عطاء موصول من ثمره، كلما مدوا أيديهم إليه قطفوا من أدبه أدباً عالياً، ومن علمه علماً نافعاً، ومن شريعته ديناً قيماً، وغير المؤمنين في عجب من أمره ودهش. يتناولونه بألسنة حداد، ويرمونه بسهام مسنونة، وبكيد عظيم. فما يصل إليه من كيدهم شيء) (١). وقد أشار الشيخ محمد الغزالي إلى أن طائفة لا تقبل هذا النوع ولا تتأثر بالقرآن الكريم، ويقول في ذلك: (والمنكرون من هذا النوع لا يطعنون في التأثير النفساني (٢). للقرآن الكريم، كما أن العميان لا يطعنون في قيمة الأشعة. ولذا يقول الله عزوجل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]) (٣). قلت: ومما يمكن أن يناقش به هذا الوجه ما يأتي:

стр. 226

١) أنه وجه غير منضبط؛ فليس له قواعد تضبطه، ولا ميزان للحكم عليه، ولا يخفى أن قضية إعجاز القرآن الكريم قضية غاية في الأهمية والخطورة، وعليها ينبني القول بمصدرية القرآن الكريم، ومن ثم القول بنبوة محمد ﷺ ، ولا يمكن أن يكون هذا الأمر قائماً على قضايا ذوقية لا حد لها ولا ضابط. ولذلك وجدنا كثيراً ممن ذكروا هذا الوجه يأتون بكلام السكاكي في أن من وجوه الإعجاز ما لا يدرك ولا يمكن وصفه، ويعقبون عليه كما فعل الخطيب في كلام السكاكي. ولكن ما ذكره يحتاج إلى شرح أكثر؛ فإن السكاكي لما قال هذا القول، فرّع عليه أمورًا كثيرة حول البلاغة والفصاحة، فإنه لم يكن يقصد مجرد الذوق، بل هو ذوق من نوع خاص ومصدر معين. ٢) إن من شروط الإعجاز أن يكون متحققاً في جميع أنواع المخاطبين وأجناسهم، فهو من قبيل الكليات الموجبة التي تنتقض بالجزئية السالبة، توضيح ذلك: أنا إذا قلنا بالإعجاز التأثيري، فإنه ينبغي أن يكون كل من يسمع القرآن الكريم متأثراً به، دون تخلف أي واحد من السامعين، كما نقول: إن أحداً من العوالم كلها لا يستطيع أن يأتي بمثل القرآن الكريم، وإنه من المعلوم أن بعض الناس لا يتأثرون بالقرآن الكريم عند سماعه، بل إن بعض الناس يمقته ولا يطيقه، كرهاً منه للإسلام ولنبي الإسلام محمد ﷺ ، وهذا يعكر على شرط الإعجاز. ٣) يشترط أن يكون الإعجاز في الكلام المعجز نفسه، لا في غيره ومن غيره، حتى ولو كان من آثاره، وقد سبق أن رفضنا الصرفة، لأن القول بها يؤول إلى كون الإعجاز في أمر خارج عنه، مع الفارق الكبير بين مصطلحي تأثير القرآن والصرفة، من حيث

стр. 227

المصدر والأثر، ثم من حيث آراء العلماء قبولاً ورداً، ولسنا بمعزل أبدًا عن آراء علمائنا وترجيحاتهم. ٤) إن مقتضى الإعجاز انتفاء وجود الوجه نفسه في غيره من الكلام، وإذا قلنا إن تأثير القرآن الكريم في النفوس إعجاز، لزم أن نصِفَ كل كلام يؤثر في النفوس بأنه كلام معجز، ونحن نشاهد -بما لا مجال فيه للشك أو الطعن- كم يتأثر الناس بكلام غيرهم من البشر، فيسمعون الكلمة الواحدة فتنقلب بها حياتهم، إما للأحسن أو للأسوأ. وعلى هذا فإنني أرى أن تأثير القرآن في النفوس مع اعترافنا بأنه من القضايا الكبيرة في القرآن الكريم، وأنه واقع لا محالة في نفوس السامعين، إلا أنه لا يرقى لأن يكون وجهاً إعجازياً عليه مدار إثبات الرسالة التي ينبثق عنها الإيمان بالله تعالى واتباع دينه وشرعه. وما بقي من إثبات تأثيره على النفوس فليس هذا محل خلاف، بل هو حق ثابت له قيمته وثمرته وآثاره.

стр. 228

المبحث السابع الآيات التي ذكر العلماء أن فيها عتاباً للنبي ﷺ ذكر الزرقاني هذا الوجه، ومثّل عليه بأمثلة كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١)﴾ [عبس: ١ - ١١]. ووجه هذا النوع من الإعجاز أن الرسول ﷺ كان يجتهد في بعض الأمور التي لم يكن قد نزل فيها قرآن، فينزل القرآن الكريم مبيناً لرسول الله ﷺ الأَوْلى الذي سيكون عليه التشريع، (ولا ريب أن العقل المنصف يحكم جازماً بأن هذا القرآن كلام الله وحده، ولو كان كلام محمد ما سجل على نفسه هذه الأخطاء وهذا العتاب يتلوهما الناس، بل ويتقربون إلى الله بتلاوتهما حتى يوم المآب) (١). وما ذكره الزرقاني من حكم العقل على المصدرية حق وصواب؛ إلا أن هذا الحق ينطبق عليه من الاعتراضات ما ينطبق على غيره من الوجوه السابقة، فإن آيات العتاب قليلة في كتاب الله تعالى، ولا تنتظم آيات القرآن الكريم كلها، وعليه فإن القول في هذا الوجه هو القول نفسه فيما تقدم من وجوه لم تنتظم آيات القرآن الكريم كلها.

стр. 229

المبحث الثامن الصرفة من أوجه الإعجاز التي انتقدها العلماء وردوها باعتبارها أمراً خارجاً عن القرآن الكريم الصرفة، وحاصل كلام القائلين بالصرفة يرجع إلى تفسيرات كثيرة أشهرها ثلاثة: التفسير الأول: (أن يريدوا بالصرفة أن الله تعالى سلب دواعيهم إلى المعارضة، مع أن أسباب توفر الدواعي في حقهم حاصلة من التقريع بالعجز، والاستنزال عن المراتب العالية، والتكليف بالانقياد والخضوع، ومخالفة الأهواء) (١).

стр. 230

التفسير الثاني: أن يريدوا بالصرفة أن الله تعالى سلبهم العلوم التي لا بد منها في الإتيان بما يشاكل القرآن ويقاربه، ثم إن سلب العلوم يمكن تنزيله على وجهين، أحدهما أن يقال: إن تلك العلوم كانت حاصلة لهم على جهة الاستمرار، لكن الله تعالى أزالها عن أفئدتهم ومحاها عنهم، وثانيهما أن يقال: إن تلك العلوم ما كانت حاصلة لهم، خلا أن الله تعالى صرف دواعيهم من تجديدها، مخافة أن تحصل المعارضة. التفسير الثالث: أن يراد بالصرفة أن الله تعالى منعهم بالإلجاء على جهة القسر عن المعارضة، مع كونهم قادرين وسلب قواهم عن ذلك، فلأجل هذا لم تحصل من جهتهم المعارضة) (١). وقد نسب القول بالصرفة إلى عدد كبير من العلماء، منهم: النظام، والجاحظ (٢)، والرماني (٣). بل نسب القول به إلى بعض العلماء من غير المعتزلة كأبي الحسن

стр. 231

الأشعري (١)، وأبي إسحق الإسفراييني (٢)، والبيهقي (٣). وغيرهم نفر كثير من أهل السنة على اختلاف بينهم في أمرين: أولهما: الاختلاف في معنى الصرفة، ولا يخرج كلام أي منهم عما ذكره العلوي في الطراز -كما ذكرته سابقاً-. ثانيهما: الاختلاف في عد الصرفة وجهاً وحيداً للإعجاز، أم أنها وجه ضمن وجوه عديدة لإعجاز القرآن الكريم. ولعل أكثر من صرح بأن إعجاز القرآن الكريم قد يكون بأمر خارج عنه ابن سنان الخفاجي حيث قال: (ولا فرق بين القرآن وبين فصيح الكلام المختار في هذه القضية، ومتى رجع الإنسان إلى نفسه وكان معه أدنى معرفة بالتأليف المختار وجد في كلام العرب ما يضاهي القرآن في تأليفه. ولعل أبا الحسن يتخيل أن الإعجاز في القرآن لا يتم إلا بمثل هذه الدعوى الفاسدة، والأمر بحمد الله أظهر من أن يعضده بمثل هذا القول الذي ينفر عنه كل من علق من الأدب بشيء أو عرف من نقد الكلام طرفاً. وإذا عدنا إلى

стр. 232

التحقيق؛ وجدنا وجه إعجاز القرآن صرف العرب عن معارضته بأن سلبوا العلوم التي بها كانوا يتمكنون من المعارضة في وقت مرامهم ذلك) (١). ثم شرع ابن سنان في تدعيم ما ذهب إليه من كلامه المجمل والتفصيلي عن الألفاظ المؤلفة والمعاني، في كلام لا نشك في أنه يرجع على نظريته الإعجازية بالنقض والسلب، وليس كما قرره وصرح به في أن إعجاز القرآن الكريم بالصرفة، وأما ما ذكره من التشابه أو إمكانيته بين القرآن وغيره من كلام العرب، فهذا أيضاً أمر غير مقبول ولا يستقيم أبداً، إذا استشهدنا بشيء يسير من شهادات العرب الفصحاء الأقحاح الذين نزل القرآن فيهم، وحكموا بصريح العبارة ولمحها بانفراد القرآن بلاغةً وفصاحةً، لفظاً ومعنىً ونظماً. ولقد تصدى العلماء لهذا الرأي بالإبطال والإفساد. قال الباقلاني: (ومما يبطل ما ذكروه من القول بالصرفة؛ أنه لو كانت المعارضة ممكنة -وإنما منع منها الصرفة- لم يكن الكلام معجزاً، وإنما يكون المنع هو المعجز، فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه) (٢). وقال القرطبي: (وهذا فاسد؛ لأن إجماع الأمة قبل حدوث المخالف أن القرآن هو المعجز، فلو قلنا إن المنع والصرفة هو المعجز لخرج القرآن عن كونه معجزاً، وذلك

стр. 233

خلاف الإجماع، وإذ كان كذلك علم أن نفس القرآن هو المعجز، لأن فصاحته وبلاغته أمر خارق للعادة، إذ لم يوجد قط كلام على هذا الوجه، فلما لم يكن ذلك الكلام مألوفاً معتاداً منهم دل على أن المنع والصرفة لم يكن معجزاً) (١). قلت: كلام القرطبي هنا نص واضح وصريح على أن القول بالصرفة إثبات للإعجاز في أمر خارج عن القرآن. وقد بين الجرجاني شيئاً من لوازم القول بالصرفة الفاسدة؛ فما بني على الفاسد يلزم منه لوازم فاسدة، يقول ﵀: (يلزم عليه أن تكون العرب قد تراجعت حالها في البلاغة والبيان، وفي جودة النظم وشرف اللفظ، وأن يكونوا قد نقصوا في قرائحهم وأذهانهم، وعدموا الكثير مما كانوا يستطيعون، وأن تكون أشعارهم التي قالوها، والخطب التي قاموا بها، وكل كلام احتفلوا فيه، من بعد أن أوحى إلى النبي ﷺ ، وتحدوا إلى معارضه القرآن قاصرة عما سمع منهم من قبل ذلك القصور الشديد، وأن يكون قد ضاق عليهم في الجملة مجال قد كان يتسع لهم، ونضبت عنهم مواد قد كانت تعزر، وخذلتهم قوى قد كانوا يصولون بها، وأن تكون أشعار شعار النبي

стр. 234

ﷺ التي قالوها في مدحه ﵇ وفي الرد على المشركين ناقصة متقاصرة عن شعرهم في الجاهلية) (١). وبهذا يظهر أن العلماء يرفضون أن يكون إعجاز القرآن الكريم بأمر خارج عنه، لما يستلزمه من محذور إثبات معجزين في الظاهر، ولكنهما في الحقيقة أمر واحد هو غير القرآن؛ بما سيؤول إليه التأصيل العقلي والتقسيم المنطقي.

стр. 235

المبحث التاسع مظهر النبي ﷺ عند هبوط الوحي عليه ذكر الزرقاني هذا الوجه في مناهل العرفان، فقال: (وبيان ذلك أن النبي ﷺ كان في أول عهده بالوحي يتعجل في تلقفه ويحرك لسانه بالقرآن من قبل أن يفرغ أمين الوحي من إيحائه إليه؛ وذلك للإسراع بحفظه والحرص على استظهاره حتى يبلغه للناس كما أنزل، وكان ﷺ يجد من ذلك شدة على نفسه فوق الشدة العظمى التي يحسها من نزول الوحي عليه، حتى إن جبينه ليتفصد عرقاً في اليوم الشديد البرد، وحتى إن جسمه ليثقل بحيث يحس ثقله من بجواره، وحتى إن وجهه ليحمر، ويسمع له غطيط … ألا ترى في هذا كله نوراً يهدي إلى أن القرآن كلام الله وحده، ومحال أن يكون كلام محمد، وإلا لما احتاج إلى هذا العناء الذي كان يعانيه في نزول القرآن عليه، ولكان الهدوء والسكون والصمت أجدى في إنضاج الفكرة وانتقاء ألفاظها لديه، ولما كان ثمة من داع إلى أن يطمأن على حفظه وتبليغه وبيان معانيه) (١). قلت: هذا الوجه الذي ذكره الزرقاني ﵀ ليس فيه دليل على إعجاز القرآن الكريم، وذلك من وجوه:

стр. 236

الأول: ليس فيه دلالة على أن القرآن الكريم من عند الله تعالى. الثاني: غاية ما فيه تغير حالة النبي ﷺ عند نزول الوحي عليه، وهذه الحالة ليس من المستحيل أن تظهر على أحد غير النبي ﷺ ، بل إنه بمقدور كثير من الناس أن يتظاهروا بها. الثالث: إن الدلالة على كون الشيء من عند الله تعالى لا يعني أنه معجز، فالإعجاز أمر منضبط بقواعد وشروط وخصوصيات لا يشارك القرآنَ الكريمَ فيها كلامٌ غيره. الرابع: إثبات هذا القول وجهاً إعجازياً فيه نفي لكون القرآن الكريم معجزاً بذاته، وإثبات كونه معجزاً بأمر خارج عنه، فإن تغير حال النبي ﷺ ولا شك، أمر خارج عن القرآن الكريم لفظاً ومعنىً ونظماً. وقد قدمت سابقاً كلام القرطبي رحمه الله تعالى في أن الإعجاز يجب أن يكون لأمر في القرآن الكريم نفسه لا في غيره. ولا يمنع هذا من أن يكون هذا الأمر أحد دلائل نبوته ﷺ وبراهين صدقه، ولكن بتفصيل يختلف عما ذكره أصحاب هذا القول، بل بمحددات عقدية تليق أن تكون دلائل على مصدرية القرآن الكريم.

стр. 237

المبحث العاشر المباهلة المباهلة: هي الملاعنة، وهي الاجتماع من أجل الاجتهاد في الدعاء وإخلاصه بإنزال اللعنة على الكاذب، قال صاحب اللسان: (ومعنى المباهلة: أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء فيقولوا: لعنة الله على الظالم منا … وابتهل في الدعاء إذا اجتهد. ومبتهلاً أي مجتهداً في الدعاء. والابتهال: التضرع. والابتهال: الاجتهاد في الدعاء وإخلاصه لله . وفي التنزيل العزيز: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ [آل عمران: ٦١]؛ أي: يخلص ويجتهد كل منا في الدعاء واللعن على الكاذب منا) (١). ذكر الزرقاني في كتابه: «مناهل العرفان» وجوهاً لإعجاز القرآن الكريم، وذكر منها المباهلة، قال ﵀: (وذلك أن القرآن دعا إلى المباهلة، وهي مفاعلة من الابتهال والضراعة إلى الله بحرارة واجتهاد، فأبى المدعوون وهم النصارى من أهل نجران أن يستجيبوا لها، وخافوها ولاذوا بالفرار منها، مع أنها لا تكلفهم شيئا سوى أن يأتوا بأبنائهم ونسائهم ويأتي الرسول بأبنائه ونسائه، ثم يجتمع الجميع في مكان واحد يبتهلون إلى الله ويضرعون إليه بإخلاص وقوة أن ينزل لعنته وغضبه على من كان كاذبا من الفريقين) (٢).

стр. 238

قلت: وهذا الوجه -أيضاً- لا يستقيم أن يكون وجهاً من وجوه إعجاز القرآن الكريم؛ لأنه أمرٌ خارج عن القرآن الكريم، وإن دل على شيء -في قانون الدعوى والدليل- فإنما يدل على معرفة هذا القسم من النصارى خصوصاً بأن القرآن الكريم من عند الله تعالى. ولست أقول هذا إلا من باب التنزل، وإلا، فإن المباهلة لو افترضنا أنها حصلت، ولو افترضنا أن الله تعالى أوقع عليهم من العذاب ما أوقع، لكان بمقدورهم أن يدّعوا -كذباً- أن ما حصل لهم، ليس بسبب المباهلة، وإنما هو بسبب خارج عن المباهلة، كما يصيب جميع الناس دون مباهلة ولا عذاب ولا غيره. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن هؤلاء لو أقروا بأن ما حصل لهم كان بسبب المباهلة، لم يكن في ذلك دليل على أن القرآن الكريم معجز بنفسه، لاحتمال استجابة الدعاء من غير الأنبياء ﵈. ولذلك فإن أقصى ما يقال في المباهلة: إنها دلالة على تصديق من لم يقع عليه العذاب وتكذيب من وقع عليه العذاب، ولا علاقة لذلك بخصوص قضية إعجاز القرآن الكريم، وخاصة إذا عرفنا أن جمهور العلماء على أن

стр. 239

المباهلة ليست خاصة برسول الله ﷺ كما ذكر ذلك ابن القيم (١). وابن حجر (٢) وغيرهما، فكيف يكون المقدور لغير رسول الله ﷺ معجزاً؟ … إنه لا يصح أن يكون. والقول في المباهلة كالقول في سابقه، من صلاح كونه دليلاً من دلائل النبوة الكثيرة التي لا يشترط فيها ما يشترط في الإعجاز.

стр. 240

المبحث الحادي عشر إعجاز القرآن شيء لا يمكن التعبير عنه ذكر هذا القول أيضاً الزركشي في البرهان وجمع في ذلك نقولاً كثيرة عن العلماء، حيث قال: (التاسع: أنه شيء لا يمكن التعبير عنه، وهو اختيار السكاكي حيث قال في المفتاح: واعلم أن شأن الإعجاز عجيب يدرك ولا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة وكما يدرك طيب النغم العارض لهذا الصوت، ولا طريق إلى تحصيله لغير ذوي الفطر السليمة إلا بإتقان علمي المعاني والبيان والتمرن فيهما. وقال أبو حيان التوحيدي في البصائر: لم أسمع كلاماً ألصق بالقلب وأعلق بالنفس من فصل تكلم به بندار بن الحسين الفارسي -وكان بحراً في العلم- وقد سئل عن موضع الإعجاز من القرآن فقال: هذه مسألة فيها حيف على المفتى؛ وذلك أنه شبيه بقولك: ما موضع الإنسان من الإنسان. فليس للإنسان موضع من الإنسان، بل متى أشرت إلى جملته، فقد حققته ودللت على ذاته، كذلك القرآن لشرفه لا يشار إلى شيء منه إلا وكان ذلك المعنى آية في نفسه ومعجزة لمحاوله وهدى لقائله، وليس في طاقة البشر الإحاطة بأغراض الله في كلامه وأسراره في كتابه؛ فلذلك حارت العقول وتاهت البصائر عنده) (١). والذي يظهر أن في هذا الوجه الذي نقله الزركشي ﵀ نظراً كبيراً؛ وذلك أن إعجاز القرآن الكريم معركة كبيرة وتحدٍ عظيم، والناس في النبوة طرفان لا واسطة بينهما،

стр. 241

فإنه لا يجوز أبداً أن تتحدى الناس بشيء لا حد له ولا ضابط، ولو أن إنساناً أتى بكلام آخر وادعى فيه ما ادعى دون أن يأتي على ذلك بدليل، فأنى يكون الحكم عليهما؟ وكيف نحكم لأحدهما بالإعجاز والغلبة دون محكّمات ومرجحات. إن أمر الإعجاز أكبر بكثير من أن يكون مطلقاً دون قيد، وأكبر من أن يكون أمرا لا يمكن التعبير عنه. ولكني أقول تعقيباً على ما قاله الزركشي: إن ما نقله الزركشي عن بندار بن الحسن الفارسي يجعلني أنظر إلى كلامه من زاوية أخرى، وذلك أن مضمون كلامه الإشارة إلى عموم إعجاز القرآن في القرآن، وليس أنه أمر لا يمكن التعبير عنه بالصورة التي قد يفهم من ظاهرها غياب الضوابط والحدود والشروط، فيقول في ذلك: (هذه مسألة فيها حيف على المفتي، وذلك أنه شبيه بقولك ما موضع الإنسان من الإنسان، فليس للإنسان موضع من الإنسان بل متى أشرت إلى جملته فقد حققته ودللت على ذاته) (١). وكأنه يريد أنك لا تطلب الإعجاز في أي شيء من القرآن إلا وجدته في ذلك الشيء منه. فلا يخلو من إعجاز في كله وأجزائه، حاله في ذلك حال من سئل عن الإنسان فأشار بيده إلى جزء منه، فإنه لم يخالف الحقيقة، بل إنه يصيبها إذا أشار إلى أي جزء منه، لتحقق الإنسانية في كل ما يمكن أن يشار إليه منه. وإنني إذ أقول ذلك؛ فإني أذكره اعتذاراً للزركشي وبياناً لحقيقة تعبيره الذي صَدّر به هذا الوجه، وقد ساعدني على ذلك أمران:

стр. 242

أولهما: ما ذكرته آنفاً من نقله عن بندار الفارسي. وثانيهما: ما رجحه الزركشي واعتمده من وجوه الإعجاز المنضبطة بمجموعة كبيرة من الضوابط والأوصاف، والتي مثّل عليها بأمثلة كثيرة تجعلني ألجأ إلى هذا النظر. وبناءً على ما سبق فإن ما ذكره الرافعي في كتابه: «إعجاز القرآن والبلاغة النبوية» لا يبتعد كثيراً عن منهج الزركشي ومن نحا نحوه في التعبير عن إعجاز القرآن الكريم بعدم الإحاطة، مع فارق ليس بالبعيد بين القولين، وأتركك مع عبارة الرافعي حتى تدرك ذلكم التقارب الواضح بين الكلامين حيث يقول: (أما الذي عندنا في وجه إعجاز القرآن، وما حققناه بعد البحث، وانتهينا إليه بالتأمل وتصفح الآراء وإطالة الفكر وإنضاج الروية، وما استخرجناه من القرآن نفسه في نظمه ووجه تركيبه واطراد أسلوبه؛ ثم ما تعاطيناه لذلك من التنظير والمقابلة، واكتناه الروح التاريخية في أوضاع الإنسان وآثاره وما نتج لنا من تتبع كلام البلغاء في الأغراض التي يقصَد إليها، والجهات التي يعمل عليها، وفي رد وجوه البلاغة إلى أسرار الوضع اللغوي التي مرجعها إلى الإبانة عن حياة المعنى بتركيب حي من الألفاظ يطابق سنن الحياة في دقة التأليف وإحكام الوضع وجمال التصوير وشدة الملاءمة، حتى يكون أصغر شيء فيه كأكبر شيء فيه - نقول إن الذي ظهر لنا بعد كل ذلك واستقر معنا، أن القرآن معجز بالمعنى الذي يُفهم من لفظ الإعجاز على إطلاقه، حين ينفى الإمكان بالعجز عن غير الممكن، فهو أمر لا تبلغ منه الفطرة الإنسانية مبلغاً وليس إلى ذلك مأتى ولا جهة؛ وإنَّما هو أثر كغيره من الآثار الإلهية، يشاركها في إعجاز الصنعة وهيئة الوضع، وينفرد عنها بان له مادة من الألفاظ

стр. 243

كأنها مفرغة إفراغاً من ذوْب تلك المواد كلها. وما نظنه إلا الصورة الروحية للإنسان، إذا كان الإنسان في تركيبه هو الصورة الروحية للعالم كله) (١). ثم إنه بعد ذكره لهذا الكلام شرع في ذكر وجوه الإعجاز التي يظهر لكل قارئ أنها وجوه متمايزة مختلفة، وهي (٢): ١) إعجاز القرآن الكريم في تاريخه دون سائر الكتب. ٢) إعجاز القرآن الكريم في أثره الإنساني. ٣) إعجاز القرآن الكريم في حقائقه. ثم شرع بذكر خطته التي طبقها وصرح فيها بأن إعجاز القرآن الكريم أمر منضبط يمكن التعبير عنه والتحدي بما يكون من ذلك سبيلاً إلى إشهار المعارضة وإثبات الضعف بعد المعاجزة.

стр. 244

المبحث الثاني عشر اشتمال القرآن الكريم على الحِكَم البالغة المبحث الثالث عشر عدم الاختلاف والتناقض بين معانيه ومما قيل في إعجاز القرآن الكريم أنه معجز لاشتماله على الحكم البالغة، ولعدم الاختلاف في حقائقه وانتفاء التناقض بين معانيه، يقول الزرقاني: (ويلاحظ كذلك أن الاشتمال على الحكم البالغة وعدم الاختلاف والتناقض بين معانيه، لا يصلح واحد منها أن يكون وجهاً من وجوه الإعجاز؛ لأنهما لا يخرجان عن حدود الطاقة، بل كثيراً ما نجد كلام الناس مشتملاً على حكم، وسليماً من التناقض والاختلاف) (١). قلت: وما رد به الزرقاني هذين الوجهين صحيح لا غبار عليه ولا فيه، بل هو منهج صحيح في رد ما قيل إنه إعجاز، والقاعدة التي بُني الرد عليها هي اشتمال كلام الناس على الحكم البالغة، وخلو بعض الكلام غير الإلهي من التناقض والاختلاف، وما كان

стр. 245

موجوداً في غير القرآن لم يصح أبداً أن يكون وجهاً من وجوه إعجازه، فالإعجاز قائم على تفرد القرآن وخصوصيته دون أدنى شركة أو ملابسة. المبحث الرابع عشر اشتمال القرآن الكريم على الفصاحة وحدها ويقول الزرقاني أيضاً: (وبعضهم جعل وجه الإعجاز في القرآن هو الفصاحة وحدها، وذلك غير سديد أيضاً؛ لأن مجرد الفصاحة دون مراعاة لمقتضى الحال أمر لا يخرج بالكلام عن المعهود في مقدور البشر فكثيراً ما يكون الكلام البشري فصيحاً، لكن تعوزه الخصائص والنكات الزائدة التي هي مناط بلاغته في أقل درجاته فضلاً عن إعجازه) (١). قلت: وما ذكره الزرقاني -رحمه الله تعالى- حق، فإن هذه الأمور كلها موجودة في كلام البشر، وما كان شأنه كذلك، فإننا نجزم بعدم صحة كونه وجهاً من وجوه إعجاز القرآن الكريم. ونحن نعلم أن من شرط الإعجاز عدم قدرة المعجَزين عن الإتيان بالمثل، فوجود المثل -ولا شك- خرق للإعجاز.

стр. 246

ولكن هذا لا يمنع من أن تكون من مجموعة الدلائل على صدق رسالة نبينا محمد ﷺ ، وهي تضاف إلى عموم صفات ما اشتمل عليه القرآن الكريم من هدايات السماء الصادقة وبراهينها الساطعة. المبحث الخامس عشر عجز الرسول ﷺ عن الإتيان ببدل له ومما ذكر من وجوه الإعجاز عجز الرسول ﷺ عن الإتيان ببدل له، يقول الزرقاني: (وذلك أن أعداء الإسلام طلبوا النبي ﷺ أن يأتي بقرآن غير هذا القرآن أو أن يبدله، فلم يفعل. وما ذاك إلا لأن القرآن ليس كلامه، بل هو خارج عن طوقه، آت من فوقه، ولو كان كلامه لاستطاع أن يأتي بغيره وأن يبدله حين اقترحوا عليه، وحينئذ يكتسب أنصاراً إلى أنصاره ويضم أعواناً إلى أعوانه ويكون ذلك أروج لدعوته التي يحرص على نجاحها، لكنه أعلن عجزه عن إجابة هذه المقترحات وأبدى مخاوفه إن هو أقدم على هذا الذي سألوه وتنصل من نسبة القرآن إليه مع أنه الفخر كل الفخر، وألقمهم حجراً في أفواههم بتلك الحجة التي أقامها عليهم، وهي أنه نشأ فيهم لا يعرف ولا يعرفون عنه ذلك الذي جاء به وهو القرآن) (١).

стр. 247

واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾ [يونس: ١٥ - ١٦]. قلت: وما ذكره الزرقاني ﵀ فيه نظر من وجوه: الأول: قول الزرقاني ﵀: (عجز الرسول عن الإتيان ببدل له) فيه نظر؛ وذلك أن هذا التعبير قد يوهم -إلى حد ما- المحاولة من الرسول ﷺ ، وأنا أجزم بأن الزرقاني لا يريد هذا الظاهر، والأولى البعد عن هذا التعبير. الثاني: إن عجز الرسول ﷺ وغيره عن الإتيان بمثل القرآن (١)، هو ثمرة الإعجاز ونتيجته، وليس هو الإعجاز. الثالث: إن عجز الرسول ﷺ لا يدل على الإعجاز، لأن شرط الإعجاز هو عجز المخاطبين جميعاً، وليس عجز فرد من أفرادهم مهما بلغ هذا الفرد من العظمة وعلو الشأن. الرابع: لقائل أن يقول: إن رسول الله ﷺ أخبر بعجزه عن الإتيان بمثل القرآن الكريم لإنفاذ دعوته وتسيير أمر رسالته.

стр. 248

والناظر في الآيات الكريمات التي استشهد بها الزرقاني، يجد أنها لا تنتج المدلول، يقول القاسمي: (أي ليس ذلك إلي، إنما أنا مبلغ عن الله تعالى. قيل: إنما اكتفى بالجواب عن التبديل، للإيذان بأن استحالة ما اقترحوه أولا، من الظهور بحيث لا حاجة إلى بيانها. وأن التصدي لذلك، مع كونه ضائعا، ربما يعد من قبيل المجاراة مع السفهاء، إذ لا يصدر مثل ذلك الاقتراح عن العقلاء. ولأن ما يدل على استحالة الثاني يدل على استحالة الأول بالطريق الأولى، فهو جواب عن الأمرين بحسب المآل والحقيقة وقوله: إن عصيت ربي أي بالتبديل والنسخ من عند نفسي) (١). وللعلم، فقد ذكر الزرقاني وجها آخر لا يختلف كثيراً في نقده عن هذا الوجه، فقال: (الوجه الثالث عشر: الآيات التي تجرد الرسول من نسبته إليه) (٢). ولا يخفى أن هذا الأمر لا يصلح أن يكون وجهاً من وجوه الإعجاز، فإنه لا يحمل من مقتضى الإعجاز شيئاً من ماهيته وما صدقه، من حيث تحقق الشروط وانتفاء الموانع، وتحقيق مقتضى التحدي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الإعجاز لا يصح أن يقع في أمر من مقدورات البشر، فإن أي إنسان يستطيع أن يقول قولاً عن غيره ثم يُضمّن قوله هذا براءته من أن يكون له، ولا يدل هذا بحال من الأحوال على أن كلامه معجز، بل لا يدل إلا على أمر

стр. 249

واحد فقط، هو نفي نسبة الكلام عن المتكلم، وإثباته لغيره، هذا إن سلمنا -في منطق أهل البحث والمناظرة- صحة هذه النسبة عموماً. نقول ذلك في ميزان العموم، ونحن نوقن بأن رسول الله ﷺ أصدق الصادقين في نسبة القرآن الكريم إلى الله تعالى. ولكن -والحق يقال- أن هذا وإن كان صالحاً لنا نحن المسلمين المؤمنين بصدق رسول الله ﷺ إلى أنه لا يصدق على غير المسلمين لاختلاف الدين والعقيدة. المبحث السادس عشر التحدي للكافة ذكر هذا الوجه الرماني في النكت، قال: (وجوه إعجاز القرآن تظهر من سبع جهات: ترك المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة، والتحدي للكافة، … ) (١). وقال في موضع آخر من رسالته: (وأما التحدي للكافة فهو أظهر في أنهم لا يجوز أن يتركوا المعارضة مع توفر الدواعي إلا للعجز عنها) (٢). والصحيح أنه لا يصلح أن يكون وجهاً من وجوه إعجاز القرآن الكريم، للأمور الآتية:

стр. 250

أولاً: التحدي يختلف عن الإعجاز، فالتحدي هو إعلان المواجهة دون إثبات الإعجاز أو نفيه. ثانياً: الإعجاز مرحلة زمنية لا تتناظم مع مرحلية التحدي، وإن كانت تتقاطع معها في بعض جزئياتها. ثالثاً: عجز الخلائق ليس ناتجاً عن التحدي، وإنما هو ناتج عن الإعجاز. رابعاً: التحدي -عموماً- مصطلح يخلو من تحديد مادة الإعجاز، ويشترط في الوجه الإعجازي أن تكون له مادة معروفة منضبطة. المبحث السابع عشر قياسه بكل معجزة عن هذا الوجه يقول الرماني: (وأما قياسه بكل معجزة فإنه يظهر إعجازه من هذه الجهة؛ إذ كان سبيل فلق البحر وقلب العصا حية وما جرى هذا المجرى في ذلك سبيلاً واحداً في الإعجاز، إذا خرج عن العادة وقعد الخلق فيه عن المعارضة) (١). قلت: وهذا القول لا يصلح أن يكون وجهاً من وجوه الإعجاز، لما يأتي:
следующие страницы →