← Акыда

Акыда · id 30156

الإغاثة في شرح الأصول الثلاثة

أحمد القاضي

Полный текст (244 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ففي هذا شرف لأهل العلم. وقال تعالى ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إلي الرَّسُولِ وَإلي أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فأهل العلم لديهم الملكة والقدرة على الاستنباط ولذلك أثبت الله شهادتهم، فهذه أعظم شهادة في أعظم مشهود به من أعظم شاهد، وفي هذا شرف لأهل العلم لا يبلغه شرف؛ لأن الله تعالى قرنهم بذاته وملائكته. (أشهد)؛ أي: أقر وأعترف، كأنك لقوة يقينك بهذا الأمر القلبي تشاهده رأي العين، ولا ريب أن المشاهدة أعظم ما يكون في التحقيق، فلهذا عبر بالشهادة مع أنه أمر علمي. (إله)؛ أي: مألوه بمعنى معبود، فهو على وزن فعال بمعنى مفعول؛ كقولنا كتاب؛ أي: مكتوب. فراش؛ أي: مفروش. بساط؛ أي: مبسوط. غراس؛ أي: مغروس، وليس إله بمعنى آله أي فاعل فمعنى قولك لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله، هذا تفسير كلمة التوحيد. والإله: هو من تألهه القلوب محبة وتعظيمًا؛ أي تنجذب إليه، من الوله، وذلك أن الإله المستحق للعبادة سبحانه وبحمده هو الذي يستقطب القلوب ويجذبها محبة وتعظيمًا، لا يستحق هذا أحد سواه، وهناك آلهة سوى الله بدليل أن الله سماها آلهة فقال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ [الأنبياء: ٤٣] لكنها ليست آلهة بحق ولهذا قال يوسف ﵇: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [يوسف: ٤٠] إذن هي مجرد أسماء وعناوين، أما الإله الحق المستحق للعبادة وحده دون ما سواه فهو الله سبحانه، لا إله غيره، ولا رب سواه، وقد عدت شهادة واحدة مع تعدد المشهود به؛ لأنه لا يمكن أن تتحقق عبادة الله إلا بالإيمان برسوله ﷺ ولا يمكن أيضًا أن تتحقق شهادة أن محمدًا رسول الله إلا بالإيمان بالله.

стр. 107

ثم بين معناها بقوله: (وَمَعْنَاهَا: لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إلا اللهُ: ﴿لا إله﴾ نَافِيًا جَمِيعَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ ﴿إِلا اللهُ﴾ مُثْبِتًا الْعِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي مُلْكِهِ). وكلمة (لا)، هي النافية للجنس، فاسمها (إله)، وخبرها محذوف. تقديرها: لا إله حقٌ إلا الله؛ فمعنى الكلام: لا معبود بحق إلا الله . أما المعبودات المزعومة فكثيرة؛ فمن الناس من يعبد الشجر، ومنهم من يعبد الحجر، ومنهم من يعبد البقر، وأصناف المعبودات التي قد لا تخطر ببال!. قوله: (إلا اللهُ): فأثبت الألوهية له وحده سبحانه ف (لا إله)؛ أي: نافياً جميع ما يعبد من دون الله. قوله: (﴿إِلا اللهُ﴾ مُثْبِتًا الْعِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي مُلْكِهِ): وهذا تعليل حسن، فلما كان سبحانه لا شريك له في ملكه كان جديراً بأن يكون لا شريك له في عبادته، وتأملوا هذا المعنى العظيم الذي ذكره الله في سورة سبأ، لتروا عظمة القرآن، وقوة دلالته وحجته، يقول تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢] فالله تعالى نفى عنهم ابتداءً ملك ذرة في السماوات أو في الأرض. فربما قائل: لا يملكون استقلالاً لكن ربما يملكون مشاركة فيكون في ذلك مسوغاً لدعاء من دون الله فقال (وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ). فربما قال قائل لا يملكون استقلالاً ولا مشاركة، لكنهم بمنزلة الأعوان والخدم والحشم، الذين لا يستغني عنهم السلاطين، فيكون مسوغاً لعبادتهم ودعائهم من

стр. 108

دون الله، فقال: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢]؛ أي: معاون، فمحق الله جميع ما قد يتسلل إلي الذهن من احتمال صحة دعاء غير الله، لكن بقي شيء واحد ربما يتذرع به المشركون؛ بل قد تذرعوا به وهو: الشفاعة. قالوا سلمنا أنهم لا يملكون استقلالاً، ولا مشاركة، ولا معاونة، لكن لهم جاه ومنزلة عند الله تسوغ لنا أن نتخذهم وسائط كما هو الحال عند ملوك الدنيا يكون لهم وزاراء مقربون فإذا توسط الإنسان بهم بلغوه مراده. وهذا الاحتمال من أعظم أسباب الشرك، فقال الله تعالى معقباً: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] فإذا كانت الشفاعة لله جميعاً فمعنى ذلك أنها لا تطلب إلا من عنده وبإذنه، إذا كانت الشفاعة لا تنفع إلا بإذنه فهي ملكه، فما الفائدة أن تطلب ممن لا يملكها؟! الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند ملوك الدنيا، فملوك الدنيا يجيزون شفاعة فلان وعلان إما رغبة أو رهبة، لكن الله لا يستكثر بنا من قلة ولا يستعز بنا من ذلة، فكان تمكين بعض الأنبياء والصالحين من الشفاعة لإظهار فضلهم، لا أنهم يبادرن الله تعالى بذلك دون إذنه فلا بد من شرطين: إذن الله للشافع، ورضاه عن المشفوع له. فيا لهما من آيتين عظيمتين يمحقان الشرك من أصوله ويثبتان التوحيد؛ ولذا أردفهما الله تعالى بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: الملائكة الذين هم أقوى من يتصور دعاؤه من دون الله فحالهم مع ربهم ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]، فعن أبو هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (إِذَا قَضَى اللهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ فَإِذَا [فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ

стр. 109

قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا] لِلَّذِي قَالَ [الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (١)، إذا كان هذا حال هؤلاء الذين هم أقوى من نتصور من يمكن أن يدعى من دون الله فما بالك بمن دونهم، فهذا من عظيم دلائل القرآن ونفيه للشرك وإثباته للتوحيد. قوله: (وَتَفْسِيرُهَا: الَّذِي يُوَضِّحُهَا؛) أي: كلمة التوحيد. قال: (قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآء مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]). هذا النبي الكريم صدع بكلمة التوحيد بين ظهراني قومه، فخص وعم، فلم يختلف الأمر عنده بين قريب وبعيد. فعن أبي هريرة ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ، سَلِينِي بِمَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا» (٢). وكذلك كان جده إبراهيم ﵇ يقول لأبيه وقومه ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ وكلمة (براء) يسميها أهل اللغة صفة مشبهة وهي أبلغ من أن يقول إنني برئ مما تعبدون، كأنما صار هو ظرفًا للبراءة ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٧] هذا يدل على أن قومه كانوا يعبدون الله ويعبدون معه

стр. 110

غيره؛ ولهذا تبرأ من جميع معبوداتهم واستثنى خالقه وإلهه الذي فطره، وهذا إذا اعتبرنا الاستثناء متصلاً. أما إن قلنا الاستثناء منقطع فذلك يدل على أنهم لم يكونوا يعبدون الله فتبرأ من جميع معبوداتهم، ثم قال: إلا الذي فطرني؛ يعني: بل أعبد الذي فطرني، فعلامة الاستثناء المنقطع أن ترفع (إلا) وتضع مكانها (بل). والتوجيه الأول أولي وأرجح؛ فإن الأمم السابقة كانت تعبد الله لكنها تشرك معه غيره. معنى فطرني؛ أي: ابتدأ خلقي فمعنى ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] أي مبتدئ خلقهن. يقول ابن عباس ﵄: (كُنْتُ لَا أَدْرِي مَا فَاطِرُ السَّمَوَاتِ حَتَّى أتَانِي أَعْرَابِيَّانِ يَخْتَصِمَانِ فِي بِئْرٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فَطَرْتُهَا، أي ابْتَدَأْتُهَا) (١). فقول إبراهيم ﵇ ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ من أقوى دلائل التوحيد؛ لأنه يدل على أن الذي ابتدأ الخلق وأوجد مادته من العدم هو الحقيق بالعبادة، وبمثل ذا قال مؤمن القرية حينما جاء إلى قومه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٠ - ٢٢]، تجد أن كلام أهل الإيمان متشابه، وإلا فلا علاقة زمنية ولا جغرافية بين إبراهيم ﵇ ومؤمن القرية ﵀، لكن الإيمان واحد فيثمر ثمرات واحدة فقال ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، وفي الحديث القدسي قال الله : (يَا عِبَادِى كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِى أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِى كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ

стр. 111

أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِى أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِى كُلُّكُمْ عَارٍ إِلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِى أَكْسُكُمْ) (١)، فيجب أن نشعر بهذا الافتقار لله في مأكلنا ومشربنا، وفوق ذلك كله في هداية قلوبنا، فلهذا قال إبراهيم: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (وجعلها) مرجع الضمير إلى تلك الكلمة: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وهي كلمة التوحيد بمعنى لا إله إلا الله ﴿عَقِبِهِ﴾ يعني في ذريته ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يأوون إليها ويرجعون إليها عند الاختلاف، لكن منهم من هدى الله، ومنهم من ضل؛ لأن إبراهيم سأل ربه ذلك لكن الله بين أن منهم من يؤمن ومنهم يشرك. وقال تعالى ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]. قال: (وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]). توجيه رباني للنبي ﷺ في مخاطبة أهل الكتاب، وأهل الكتاب في الكتاب والسنة المراد بهم اليهود والنصارى، والمراد بالكتاب هو ما أنزل إليهم من ربهم فقد أنزل على موسى التوراة، وأنزل على عيسى الإنجيل، فهم يفترقون عن بقية الأمم بأنهم أهل كتاب، وإن كانوا قد حرفوه، وأما من ليسوا أهل كتاب فقد سماهم الله تعالى باسمين؛ سماهم تارة: المشركين، وتارة: الذين لا يعلمون، فقال تعالى: ﴿لَمْ

стр. 112

يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١]، وفي موضع آخر ﴿وقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١١٣] يريد بهم سبحانه من ليسوا يهوداً ولا نصارى. وفي مواضع فصل طوائفهم فسمى سبحانه الصابئة والمجوس. ونستنبط من هذا النداء أننا نحن أصحاب المبادرة إلى الحوار، وكلمة الحوار كلمة شاعت في العقود الأخيرة، والحوار هو المراجعة بين الطرفين، كما قال الله : ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف: ٣٧] وقال سبحانه ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١]. فالتحاور هو المراجعة في الكلام، فنستنبط من قول الله تعالى (تَعَالَوْا) أننا أصحاب المبادرة: لا ننتظر منهم أن يدعوننا بل نحن أصحاب المشروع الدعوي الإيماني التوحيدي، فحري بنا أن نبادئهم بالدعوة. ﴿إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٤]: (كلمة) نتفق نحن وإياكم عليها، هذه الكلمة لم يدعها الله تعالى لتفسير مفسر، ولا لقول فقيه فتولى سبحانه تفسيرها وبيانها. قوله: (﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ الله﴾ [آل عمران: ٦٤]): فإذا خاطبنا اليهود والنصارى فخطابنا يجب أن ينطلق من هذا المضمون، كما أمر الله نبيه، وكما امتثل نبيه لأمر ربه فحينما كتب إلى هرقل قال: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ، ﴿ويَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا

стр. 113

وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] (١). فكتب النبي ﷺ له هذه الآية بنصها؛ امتثالاً لأمر ربه، وهكذا صنع مع نصارى نجران وهكذا صنع مع اليهود في المدينة. كانت دعوة النبي ﷺ وحواره لأهل الكتاب تنطلق من هذه الآية ﴿أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾، لأن من لازم التوحيد نفي الشرك، وعدم اتخاذ الأرباب من دون الله؛ إذ أن القوم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، هذا هو مشروعنا وهذه هي دعوتنا التي نبادئ بها البشرية جميعاً، من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا، ليس لنا مشروع سواه فإن أبوا قال الله : ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]، فليس صواباً أن نبحث عن حل مشترك ولا أن نلتقي في منتصف الطريق، وأن نتنازل عن بعض عقائدنا وهم كذلك، ثم نصنع توليفة من دين مهجن! حاشا وكلا. الدين دين الله لسنا أوصياء عليه حتى نفصله على مقاس معين، يجب علينا أن نمتثل أمر ربنا وأن ندعو الناس جميعاً إلى دين الله الذي فيه سعادتهم ونجاتهم فإن هم استجابوا لذلك فحيهلا ومرحى، وإن أبوا فإنا نقول كما أمرنا ربنا ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، وعلى هذا سار أهل الإسلام من لدن النبي ﷺ عبر القرون يدعون إلى دين الإسلام واتباع محمد ﷺ .

стр. 114

انتقل المصنف للشق الثاني من الشهادة، وإنما كانا ركنًا واحدًا مع تعدد المشهود به؛ لأنه لا يمكن إثبات شهادة أن لا إله إلا الله إلا بإثبات شهادة أن محمداً رسول الله. لا يمكن أن نعبد الله ونحقق توحيد الألوهية إلا باتباع نبيه ﷺ فلا انفكاك بين شقي الشهادة، كذلك لا يكون الإنسان متبعاً لرسول الله ﷺ حقاً وصدقاً إلا وقد امتثل أعظم ما جاء به النبي ﷺ وهو توحيد رب العالمين فصارت الشهادتان ركنًا واحدًا لا ينفصل بعضه عن بعض. قوله: (وَدَلِيلُ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ؛ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]): إي والله! من أنفسكم؛ يعنى: من جنسكم، فلم ينزل الله تعالى ملكاً كما اقترح المقترحون قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الفرقان: ٢١] قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] لكن حكمة الله البالغة أن يكون النبي من جنس قومه يحس بما يحسون ويفعل بنفسه ما يأمرهم بفعله فلذلك كان من أنفسهم وفي قراءة من (أنفَسِكُم)، من النفاسة لكن القراءة المشهورة من أنفسكم. قوله: (﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾)؛ أي: يعز عليه ما يشق عليكم، ويعنتكم. قوله: (﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾)؛ أي: أنه شديد الشفقة ﷺ على أمته، فيحرص على دلالتهم على الخير، وعلى تجنيبهم الشر. وقد كان! فإنه ﷺ كما وصفه ربه: بقوله: (﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨])،

стр. 115

ففي قلبه من الشفقة على أمته ما لا تتسع له العبارات، ذو رأفة وذو رحمة. وفي هذا دلالة على جواز أن يسمى غير الله باسم من أسماء الله تعالى على اعتبار أن ما لله يليق به، وما للمخلوق يليق به. فنصِفُ النبي ﷺ بأنه رؤوف رحيم، مع أن الرؤوف من أسماء الله الحسنى والرحيم، ولا تعارض؛ لأن الرأفة والرحمة وسائر الصفات معنى مشترك، وهذا الاشتراك يكون مطلقًا في الأذهان، فإذا أضيف تخصص، فإذا قيل رحمة الله فهي رحمة تليق به، وإذا قيل رحمة الأم صارت رحمة معهودة. إذًا لا أشكال أن يطلق على المخلوق اسم أو وصف مما يسمى الله به أو يوصف به، على اعتبار أن ما لله يليق به، وأن له منه المثل الأعلى ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم: ٢٧]، وأن ما للمخلوق يليق به. فقد كان لنبينا ﷺ من الرأفة والرحمة بأمته أعلى ما يمكن أن نتصوره من البشر، وشواهد هذا كثيرة، وكتب السيرة زاخرة بكمال شفقة النبي ﷺ على أمته. ثم بين معنى الشهادة بقوله: (وَمَعْنَى شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ: طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، وَاجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ، وَأَنْ لَا يُعْبَدَ اللهُ إِلاَّ بِمَا شَرَعَ): كنت أود لو ابتدأ بأمر التصديق لكي تكون الطاعة والاجتناب على نسق. فلابد أن نصدقه فيما أخبر، ونطيب به نفسا ونقر به عيناً، ولا نعرضه على الاحتمالات، أو نقول هذا تحت محل بحث ونظر، لا يمكن أن يثبت إيمان إلا بأن يقطع الإنسان بصدق ما أخبر به النبي ﷺ .

стр. 116

ومثال ذلك: ما رواه ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ أُسْرِيَ بِي، وَأَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ، فَظِعْتُ بِأَمْرِي، وَعَرَفْتُ أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبِيَّ فَقَعَدَ مُعْتَزِلًا حَزِينًا، قَالَ: فَمَرَّ بِهِ عَدُوُّ اللهِ أَبُو جَهْلٍ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ كَالْمُسْتَهْزِئِ: هَلْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " نَعَمْ " قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: " إِنَّهُ أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ " قَالَ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: " إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ " قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟ قَالَ: " نَعَمْ " قَالَ: فَلَمْ يُرِه أَنَّهُ يُكَذِّبُهُ، مَخَافَةَ أَنْ يَجْحَدَهُ الْحَدِيثَ إِنْ دَعَا قَوْمَهُ إِلَيْهِ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ قَوْمَكَ تُحَدِّثُهُمْ مَا حَدَّثْتَنِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " نَعَمْ ". فَقَالَ: هَيَّا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ حَتَّى قَالَ: فَانْتَفَضَتْ إِلَيْهِ الْمَجَالِسُ، وَجَاءُوا حَتَّى جَلَسُوا إِلَيْهِمَا، قَالَ: حَدِّثْ قَوْمَكَ بِمَا حَدَّثْتَنِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنِّي أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ، قَالُوا: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالُوا: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟ " قَالَ: " نَعَمْ " قَالَ: فَمِنْ بَيْنِ مُصَفِّقٍ، وَمِنْ بَيْنِ وَاضِعٍ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، مُتَعَجِّبًا لِلكَذِبِ زَعَمَ قَالُوا: وَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ لَنَا الْمَسْجِدَ؟ وَفِي الْقَوْمِ مَنْ قَدْ سَافَرَ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَرَأَى الْمَسْجِدَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ، فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ "، قَالَ: " فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَا أَنْظُرُ حَتَّى وُضِعَ دُونَ دَارِ عِقَالٍ أَوْ عُقَيْلٍ فَنَعَتُّهُ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ "، قَالَ: " وَكَانَ مَعَ هَذَا نَعْتٌ لَمْ أَحْفَظْهُ " قَالَ: " فَقَالَ الْقَوْمُ: أَمَّا النَّعْتُ فَوَاللهِ لَقَدْ أَصَابَ) (١).

стр. 117

والشاهد من هذه القصة أن بعض هؤلاء القوم انفضوا من المجلس وذهبوا إلي أبي بكر ﵁ فعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أَصْبَحَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَارْتَدَّ نَاسٌ فَمَنْ كَانَ آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَسَمِعُوا بِذَلِكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ﵁، فَقَالُوا: هَلْ لَكَ إِلَى صَاحِبِكَ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: أَوَ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: لَئِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ، قَالُوا: أَوَ تُصَدِّقُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَجَاءَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنِّي لَأَصُدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ فِي غَدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ، فَلِذَلِكَ سُمَيَّ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ) (١). ومعنى ذلك انه يصدقه في خبر السماء فمن باب أولى أن يصدقه فيما دون ذلك. فلأجل ذلك سمى بالصديق، فالصديق هو المبالغ في التصديق يعنى الذي بلغ الغاية في التصديق. المثال الثاني: ما رواه الإمام البخاري عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (بَيْنَمَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْبُ، فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً فَطَلَبَهُ الرَّاعِي، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الذِّئْبُ فَقَالَ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْرِي؟ وَبَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا، فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَكَلَّمَتْهُ، فَقَالَتْ: إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا وَلَكِنِّي خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ " قَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَإِنِّي أُومِنُ بِذَلِكَ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ بْنُ

стр. 118

الخَطَّابِ ﵄ (١) هذان هما! حكم عليهما النبي ﷺ غيابيا بأنهما يصدقان خبره! وكثير من الناس يدعى (العقلاني) فإذا جاءه حديث بالأسانيد الجياد قالوا لابد من إخضاعه للعقل والنظر والتأويل، مثال ذلك حديث: (إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالأُخْرَى شِفَاءً) (٢). فيزعم بعض العصرانيين والعقلانيين أن هذا الحديث ينفي قواعد الطب الحديث فلا ينبغي تصديقه! أين الإيمان إذاً؟! الإيمان بالغبطة في خبر الله ورسوله، وقبوله قبولا مطلقا، وإلا صار الانقياد للعقل، وليس الانقياد للنص. فيجب تعظيم النصوص وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، إذا جاء الخبر عن الله أو عن رسوله ﷺ فلا تجعل بإزائهما شيئا؛ ولهذا قال العلماء القياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار. قوله: (طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ)؛ أي: امتثال ما أمر به النبي صلى الله علية وسلم؛ فإن هذا هو مقتضى الشهادة، وما يأمر به النبي صلى الله علية وسلم على ضربين: إما على سبيل الإلزام، وإما على سبيل الاستحباب. فما كان على سبيل الإلزام فإن الفقهاء والأصوليين يسمونه واجباً وما كان على سبيل الاستحباب يسمونه مندوباً فإذا جاءك أمر رسول الله ﷺ فليكن همك أن تمتثل، ولا تقل أواجب هو أم سنة؟ كما يسأل كثير من الناس الآن كأنما المسألة مماكسة. إذا جاءك الأمر فاقبله ثم بعد ذلك إن عجزت عنه أو شق عليك فانظر هل هو على سبيل الإلزام أو على سبيل الاستحباب؟.

стр. 119

قوله: (وَاجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ): فما نهى عنه النبي ﷺ وزجر عنه فالواجب في حقنا اجتنابه وهذا المنهي عنه أيضا عند الأصوليين والفقهاء: إما أن يقع على سبيل الإلزام بالترك، أو على سبيل الكراهية، فالأول يسمونه محرما، والآخر يسمونه مكروها، فما نهى عنه النبي ﷺ سواء نهى تحريم أو كراهة فالذي ينبغي لنا أن نجتنبه ولا نماكس ولا نستفصل وقد جاء في الحديث الصحيح ( … فإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (١). قوله: (وَأَنْ لَا يُعْبَدَ اللهُ إِلاَّ بِمَا شَرَعَ): قد يقول لا بأس ببعض الإضافات التي أدخلها وأتعبد لله بها، كلا، الدين ليس مزاد علنيًا، ليس لأحد أن يزيد عليه أو ينقص، إن زدت على هذا الدين فقد وقعت في البدعة؛ لأن في هذا تهمة مبطنة للنبي ﷺ أنه قد قصر في البلاغ وأن ثم أمورا مستحسنة كان ينبغي أن يدل الأمة عليها ولم يفعل. هذا معنى أن تتعبد لله بأمر لم يشرعه النبي ﷺ ؛ ولذا قال نبينا ﷺ (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ) (٢)، وفي لفظ: (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) (٣) وقد ضل كثير من المسلمين في باب الاتباع وظنوا أن بوسعهم أن يحدثوا في الدين ما تزينه عقلوهم ويستحسنه رأيهم، وهذا بدعة.

стр. 120

و البدعة -كما عرفها الإمام الشاطبي ﵀ هي: "طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه" (١). قوله تضاهي الشريعة؛ أي: صفتها وصورتها مثل الأمور المشروعة.

стр. 121

•قال المؤلف ﵀: (وَدَلِيلُ الْصَّلَاةِ وَالْزَّكَاةِ، وَتَفْسِيرُ الْتَّوْحِيدِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) [البينة: ٥]. وَدَلِيلُ الْصِّيَامِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. وَدَلِيلُ الْحَجِّ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيِتِ مَنِ اِسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]). الركن الثاني بعد أن ذكر الشيخ ﵀ دليل الشهادتين أتبع ذلك باقي أركان الإسلام قوله: (وَمَا أُمِرُوا): مرجع الضمير في قوله ﴿أُمِرُوا﴾، إلى أهل الكتاب؛ لأنه قال قبلها ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] فدل ذلك على عظم هذه الثلاثة: التوحيد في قوله: (إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ)؛ أي: مائلين عن الشرك إلي التوحيد. والصلاة في قوله: (وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ): فما أعظم أمر الصلاة؛ حيث جعلها الله تعالى رديف التوحيد.

стр. 122

والصلاة في اللغة: الدعاء. ولهذا قال الأعشى: تقول بُنْيتي وقد قَرَّبْتُ مرتحلاً … يا ربِّ جَنِّبْ أبي الأَوْصابَ والوَجَعَا علَيكِ مثلُ الذي صَلّيتِ، فاغتَمضي … نَوماً، فإنّ لجَنبِ المرءِ مُضطجعَا (١) قوله: عليك مثل الذي صليت؛ أي: مثل الذي دعوت. أما في الاصطلاح فإن الصلاة عبارة عن: عبادة ذات أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم" (٢). وبسط ذلك في كتب الفقه. لكن تأملوا أن الله تعالى لم يأمر بالصلاة وحسب، بل أمر بإقامة الصلاة بقوله: (وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ)؛ أي: يؤدونها على وجه الاستقامة؛ بشرائطها، وأركانها، وواجباتها، وسننها. الركن الثالث قوله: (وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ): معنى الزكاة في اللغة: الطهارة والنماء، قال تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقال تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]؛ أي: زكى نفسها و طهرها. أما في الاصطلاح فهي: التعبد لله بإخراج حق واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة - وهم مصارف الزكاة الثمانية- في وقت مخصوص (٣).

стр. 123

وأمر الزكاة عظيم؛ فإن الله تعالى دائما يقرن الصلاة بالزكاة؛ ولهذا حارب أبو بكر الصديق المرتدين لما فرقوا بين الصلاة والزكاة وقال: (وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ؛ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ. وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ) (١)، وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١] وقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فهذا يدل على أن عصمة المال والدم، مقرون بالتوحيد وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. قوله: (وَدَلِيلُ الْصِّيَامِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: ١٨٣]). الركن الرابع قوله: (كُتِبَ)؛ أي: فرض. (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) في هذا إيناس لهذه الأمة، أنكم لستم وحدكم كلفتم بهذه العبادة، بل قد سبق هذا لمن كان قبلكم من الأمم، وحتى يكون في ذلك حافز لهم. ثم بين ثمرة الصيام وفائدته بقوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)؛ ولذا قال نبينا ﷺ : (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) (٢). الصوم في اللغة: الإمساك، كما قالت مريم ﵂ ﴿إِنِّي نَذَرْتُ

стр. 124

لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] وتقول العرب صامت الأرض عليه أي: أمسكته. وقال الشاعر: خيلٌ صِيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ … تحتَ العَجاجِ وخيلٌ تَعْلِكُ اللُّجُما (١) خيلُ صيامٌ؛ أي: ممسكه عن الجريان. وأما تعريف الصيام اصطلاحا فهو: التعبد لله بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلي غروب الشمس (٢). قوله: (وَدَلِيلُ الْحَجِّ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: (ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيِتِ مَنِ اِسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ) [آل عمران: ٩٧]). الركن الخامس وأما الحج فهو خامس الأركان، وهو لغة: القصد. واصطلاحاً هو: التعبد لله تعالى بقصد مكة لعمل مخصوص في زمن مخصوص. وقد ختم الله تعالى الأمر به بقوله: ﴿مَنِ اِسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾، مع أن الاستطاعة مطلوبة في كل عبادة؛ لكن لما كان أمر الحج شاقاً من الناحية البدنية والمالية، نوه الله تعالى بذكر الاستطاعة، ثم ختم الآية بقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾، وقد قال بعض السلف أن من ترك الحج مع قدرته عليه يكون كافرا ويروى في هذا آثار عن عمر ﵁، وعن علي ﵁. والصحيح أن هذه الأركان الخمسة فرائض مكتوبة، وأن الإنسان لا

стр. 125

يكفر بترك شيئا منها إلا الشهادتين، والصلاة؛ أما الشهادتان فإجماع، ولا شك. وأما الصلاة فقد اختلف العلماء في هذا، وذهب الإمام أحمد ﵀ وجمعٌ من السلف إلى أن تارك الصلاة ولو تكاسلا و تهاونا كافر كفرا مخرجاً عن الملة. وذهب الأئمة الثلاثة إلى أنه كافر كفرا أصغر. والراجح في هذا هو ما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀ بأدلة مبسوطة في كتب الفقه. وأما الزكاة فقد قال بعض العلماء أن تاركها يكفر؛ لأن الله قرنها بها في آية براءة ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فمن لم يكن كذلك فليس أخا لنا في الدين، وهذا لاشك أنه استنباط قوى، إلا أنه يشكل عليه حديث مانع الزكاة الذي فيه: (مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّى مِنْهَا حَقَّهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحَ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِىَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ) (١)، فدل ذلك على أن مانع الزكاة لا يكفر بذلك. وأما الصوم والحج فلا يكفر من تركهما.

стр. 126

•قال المؤلف ﵀: (الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: الإِيمَانُ، وَهُوَ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلاهَا قَوْلُ لا إله إِلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإِيمَانِ. وَأَرْكَانُهُ سِتَّةٌ: كما في الحديث: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) (١). وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الأَرْكَانِ السِّتَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. ودليل القدر: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]). المرتبة الثانية: الإيمان لما فرغ المؤلف ﵀ من المرتبة الأولى من مراتب الدين: وهي الإسلام؛ ثنى بما ثنى به نبينا ﷺ وجبريل في الحديث المشهور، وهو الإيمان، والإيمان إذا ذكر قد يراد به الإيمان الذي بمعنى الدين كله، وقد يراد به الإيمان الذي هو الأعمال الباطنة، فإذا ذكر الإيمان مع الإسلام في نص واحد فإن الإسلام يعني الشرائع الظاهرة، والإيمان

стр. 127

يعني العقائد الباطنة، وإذا ذكر كل منهما في نص مستقل؛ فإن كل منهما يدل على الدين كله، إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا؛ أي: إذا اجتمعا في نص واحد فإن الإسلام يعني الشرائع الظاهرة والإيمان العقائد الباطنة كما في حديث جبريل، فقد فسر النبي ﷺ فيه الإسلام بأنه أركان الإسلام الخمسة التي هي شرائع ظاهرة: النطق بالشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان وحج البيت، وفسر الإيمان بالعقائد الباطنة فقال: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) (١)، أما إذا ذكر الإسلام منفردًا؛ فإنه يتضمن الإيمان؛ لأنه يعني الدين كله كما قال الله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وإذا ذكر الإيمان منفردًا؛ فإنه يدل على الدين كله المتضمن للإسلام، ولأجل ذا فإن الشيخ ﵀ لما أراد أن يعرف المرتبة الثانية الإيمان ذكر التعريف العام والتعريف الخاص. قوله: (الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: الإِيمَانُ، وَهُوَ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلاهَا قَوْلُ لا إله إِلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإِيمَانِ). كما قال النبي ﷺ ثم بعد ذلك عدد أركانه. والإيمان في اللغة: معناه التصديق؛ لكنه تصديق مقرون بائتمان وإقرار وانقياد وإذعان؛ فهو ليس تصديقًا مجردًا، فالإيمان في اللغة: التصديق المقترن بالإقرار والإذعان. وأما معناه في الاصطلاح؛ فهو قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، وهذا هو معنى قول العلماء: الإيمان قول وعمل؛ فالإيمان له حقيقة مركبة من القول والعمل، ليس الإيمان مجرد القول،

стр. 128

ولا مجرد العمل؛ بل الإيمان قول وعمل؛ ولهذا أخبر النبي ﷺ بأن له شعبًا كثيرة قال: (فَأَعْلاهَا قَوْلُ لا إله إِلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإِيمَانِ) (١)، فلا يتم إيمان امرئ مسلم إلا بأن يعتقد بجنانه، ويتلفظ بلسانه، ويعمل بأركانه، فالقلب يتعلق به قول وعمل، واللسان يتعلق به قول وعمل، والجوارح يتعلق بها عمل. وبيان ذلك: قول القلب: المراد به اعتقاده، يعني ما ينعقد عليه القلب من العلوم الصحيحة والمعارف الصائبة؛ كأن تعتقد أن الله تعالى واحد لا شريك له، أرسل رسلًا، وأنزل كتبًا، وجعل يومًا آخر وجنة ونارًا، هذه عقيدة قلب، وهذا قول القلب. عمل القلب: هو ما يتحرك به القلب من النيات والإرادات؛ كالمحبة، والخوف، والرجاء. ففرق بين قول القلب وعمله: فقول القلب: هو الاعتقاد، وعمل القلب: هو ما ينبض به القلب من العبادات القلبية؛ كالمحبة، والخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والاستعانة وغيرها. قول اللسان: المقصود به: الإعلان بالشهادتين؛ فلا نحكم بإسلام أحد حتى يلفظ بلسانه: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. عمل اللسان: ما زاد على ذلك: من التلاوة، والدعاء، والذكر،

стр. 129

والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، والقول الحسن، وعموم الكلم الطيب. أعمال الجوارح: ما تقوم به الجوارح من حركات تعبدية: كالقيام، والركوع، والسجود في الصلاة، وكالوقوف بعرفة، ورمي الجمار، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة في الحج. فلا يكون إيمان إلا بالقول والعمل؛ قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، بهذا تتم منظومة الإيمان، فلو قال إنسان: أنا قد صدقت بأن الله حق، ووعده حق، والنبيون حق، والجنة والنار حق، لكن لا عمل؛ لن أفعل الطاعات، ولن أجتنب المحرمات مطلقًا، فلا نثبت له إيمانًا؛ لأن الإيمان حقيقته مركبة من قول وعمل، فلا بد من القول والعمل معًا؛ لكن هذا لا يلزم أن يأتي بجميع أعمال الجوارح؛ فإذا كان في القلب عقيدة فلا بد أن تثمر عملًا. فقوله: (أعلاها قَوْلُ لا إله إِلا اللهُ): تشمل اعتقاد القلب؛ ونطق اللسان. وقوله: (وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ): هذا عمل جوارح. وقوله: (وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإِيمَانِ): هذا عمل القلب. وبهذا يتبين لنا أن الإيمان يشمل الدين كله بهذا الاعتبار. أما التعريف الخاص للإيمان؛ فإنه العقائد القلبية التي فسرها النبي ﷺ في حديث جبريل بقوله: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) (١). وهذه العقائد القلبية: هي شجرة الإيمان التي قال الله عنها: ﴿أَلَمْ تَرَ

стр. 130

كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٤ - ٢٥]، ومن أحسن التقاسيم التي مرت عليّ في بيان شجرة الإيمان تقسيم شيخنا ﵀ محمد بن صالح العثيمين لهذه المسألة: شجرة الإيمان: ويتفرع منها ستة فروع، وكل فرع من هذه الفروع الستة يتفرع منه أربعة أغصان، وبهذا سيخرج معنا في النهاية أربعة وعشرون غصنًا، وكل هذا من باب تقريب العلم؛ لأن النبي ﷺ قال: (الإيمان أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) (١)؛ فهذه ستة أركان. الركن الأول: الإيمان بالله: لا يتم إيمان امرئ بالله حتى يؤمن بأربعة أشياء: أولًا: الإيمان بوجوده سبحانه؛ وهو الاعتقاد الجازم بوجود الله ، وهذا أمر فطري، ولا ينازع في هذا الأمر إلا الملاحدة المنكرون لوجود الله . ثانيًا: الإيمان بربوبيته: وهو الاعتقاد الجازم بأن الله هو الخالق المالك المدبر وينازع في هذا: منكرو الربوبية: كفرعون الذي قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]، وكالنمرود الذي قال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. ثالثًا: الإيمان بألوهيته: وهو الاعتقاد الجازم بأن الله المستحق للعبادة وحده دون ما سواه، وينازع في هذا: المشركون الذين يصرفون شيئًا من أنواع العبادة لغير الله.

стр. 131

رابعًا: الإيمان بأسمائه وصفاته، وهو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى له الأسماء الحسنى والصفات العلى، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وينازع في هذا: صنفان من الناس: المعطلة: الذين ينكرون أسماء الله وصفاته، كلها أو بعضها. والممثلة: الذين يثبتونها على وجه يماثل المخلوقين. أما أهل السنة؛ فإنهم يثبتون إثباتًا بلا تمثيل، وينزهون الله تنزيهًا بلا تعطيل. الركن الثاني: الإيمان بالملائكة، ولا يتم إيمان امرئ بالملائكة حتى يؤمن بأربعة أمور: الأمر الأول: الإيمان بوجود الملائكة، وأنهم خلق حقيقي، خلقهم الله تعالى من نور، وينازع في هذا: الماديون الذين لا يؤمنون إلا بالمحسوسات ولا يؤمنون بالمغيبات، أو الذين يزعمون بأن الملائكة قوى معنوية وليست أجسامًا حقيقية. الأمر الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم، ومن لم نعلم اسمه فإننا نؤمن به إجمالًا، من علمنا اسمه منهم مثل: جبريل، ميكائيل، إسرافيل، ملك الموت، منكر، نكير؛ فهؤلاء نؤمن بهم بأسمائهم، ومن لم نعلم اسمه منهم فإننا نؤمن به إجمالًا؛ لأن ملائكة الله كثر لا يحصيهم عد، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]؛ وقد أخبر النبي ﷺ (رُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ) (١)، يعني لا تأتيهم النوبة مرة أخرى وهذا يدل على

стр. 132

كثرتهم، وقال النبي ﷺ : (إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلاَّ وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الفُرُشِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللهِ) (١)، والأطيط: هو الصوت الذي يُسمع حينما يثقل الرحل بالراكب، فيسمع للسيور والجلد صوت بسبب الثقل. الأمر الثالث: الإيمان بما علمنا من صفاتهم، ذلك أن الملائكة عالم غيبي لم نره بأعيننا؛ لكن الله تعالى أخبرنا عن بعض صفاتهم؛ فقال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر: ١] وأخبر النبي ﷺ أنه رأى جبريل وله ستمائة جناح (٢)، كل جناح قد سد الأفق؛ لعظم خلقه ﵊، وقال في حديث آخر: (أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ) (٣).

стр. 133

الأمر الرابع: الإيمان بما علمنا من وظائفهم وأعمالهم، وقد أخبرنا الله عن عبادة مشتركة بين جميع الملائكة: وهي الاجتهاد في العبادة، فقال: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩، ٢٠]، فقد ألهموا التسبيح وأعطاهم الله القوة على عبادته، كما قالوا: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]، فهذا دأبهم وهذا عملهم؛ فنفوسهم زكية ليس فيها نزعة إلى الشر مطلقًا؛ فالتسبيح وظيفتهم المشتركة، لكن لهم وظائف متخصصة كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦]، وقال الله تعالى ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ١ - ٥]، هذه طوائف من الملائكة مكلفة بأعمال معينة. ومن أعمالهم: كتابة الأعمال: فقد أخبر الله تعالى أنهم ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧، ١٨] عمل ملك الموت الذي يقبض الأرواح. ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١] عمل الملك الذي يتسور على الجنين في بطن أمه؛ فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد؟

стр. 134

المعقبات: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]. وأشرف أعمالهم: أمانة الوحي، وهذه مهمة جبريل: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤]. عمل ميكائيل: وهو إنزال القطر من السماء، وإنبات الأرض. عمل إسرافيل: وهو النفخ في الصور؛ فتعود الأرواح إلى الأجساد التي كانت تعمرها في الدنيا. وبالجملة فملائكة الرحمن قد أسندت إليهم مهام متعددة متنوعة متخصصة؛ فنؤمن بما صح به الخبر. الركن الثالث: الإيمان بالكتب، ولا يتم إيمان امرئ بالكتب حتى يحقق أمورًا أربعة: الأمر الأول: الإيمان بأنها منزلة من عند الله حقًا: هذه الكتب ليست كلام آدمي؛ بل هي وحي يوحى أنزله الله تعالى على أنبيائه، فهذه أعظم خصيصة لها. الأمر الثاني: الإيمان بما علمنا اسمه منها باسمه، وما لم نعلم اسمه فإننا نؤمن به إجمالًا، فالذي نعلمه من كتب الله: التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن، وصحف إبراهيم، وصحف موسى على خلاف؛ هل صحف موسى هي التوراة، أو سواها؟ فما علمنا اسمه آمنا به باسمه، لا نسميه كما تسميه النصارى واليهود: العهد القديم، والعهد الجديد، بل التوراة والإنجيل. الأمر الثالث: الإيمان بما صح من أخبارها، وهذه مسألة مهمة، وذلك أن كتب الله قد امتدت إليها يد التحريف سوى القرآن، فما

стр. 135

صح من أخبار الكتب الماضية وثبت فإننا نؤمن به، وما لا فلا، ونحن نعلم أن الله تعالى قد حفظ القرآن العظيم فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، أما ما تقدمه من الكتب؛ فقد أخبر الله تعالى عن أهل ذلك الكتاب ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾؛ فتوعدهم؛ فقال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. [البقرة: ٧٩]. وموقفنا من الإسرائيليات -وهي المأثور من كتب أهل الكتاب في التوراة وفي الإنجيل- لا يخلو من ثلاثة أحوال: الحال الأولى: أن تكون موافقة لما جاء في كتابنا؛ فنؤمن به ونصدقه؛ لأن كتابنا يشهد له، فمثلًا: جاء في التوراة: ذكر الطوفان، وخروج موسى ﵇ بقومه من مصر، وانشقاق البحر؛ فموقفنا من هذه الأخبار: أن نؤمن بها ونصدق؛ لأن كتابنا جاء مؤيدًا لها مصدقًا لها، وإن كان لا يلزمنا الإيمان بالتفاصيل التي يذكرونها؛ لكن نؤمن بأصل القضية. الحالة الثانية: أن تكون مخالفة لما جاء في كتابنا؛ فنرده ونرفضه ونعلم أنه مما حرفوه وكتبوه بأيديهم؛ فمثلًا: جاء في كتبهم -والعياذ بالله- أن لوطًا ﵇ شرب الخمر وزنى بابنتيه - وحاشاه ﷺ . الحال الثالثة: أن لا يكون في كتابنا ما يصدقه وما يكذبه؛ فحينئذٍ لا نصدق ولا نكذب ونقول: آمنا بما أنزل الله من كتاب، وهذا كثير جدًا وغالبه لا طائل من ورائه؛ كأن يختلفوا في اسم الكلب الذي تبع أهل الكهف، وصفته، ولونه … وما إلى ذلك؛ فهذا مما لا حاجة لنا به، ولكننا لا نصدق ولا نكذب، والمنهج في هذا النوع: هو جواز

стр. 136

الرواية والتحديث به؛ لقول النبي ﷺ : (وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ) (١)، ولكن لا نقطع بثبوته ولا بنفيه كما في الحديث: (مَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ فَإِنْ كَانَ بَاطِلاً لَمْ تُصَدِّقُوهُ وَإِنْ كَانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُ) (٢). فمنهج السلامة أن لا نتسرع بتصديق ولا تكذيب، أما ما شهد كتابنا بصحته؛ فإنا نؤمن به لثبوت ذلك في كتابنا، وما شهد كتابنا ببطلانه؛ فإننا نرفضه لأن كتابنا شهد بنقضه. الأمر الرابع: هو العمل بالشرع المنزل إلينا في كتابنا؛ لأن القرآن العظيم ناسخ للكتب السابقة مهيمن عليها، وذلك أن الله تعالى في سورة المائدة -لما ذكر التوراة ثم ذكر الإنجيل- قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]، ومعنى مهيمنًا عليه: أي حاكمًا وقاضيًا وناسخًا؛ فلا يجوز لأحد أن يعمل بشريعة التوراة ولا بشريعة الإنجيل؛ لكن إن أقر شرعنا ما جاء في التوراة أو الإنجيل فإننا نعمل به؛ لإقرار شرعنا له، مثال ذلك: قوله تعالى عن التوراة ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] فهذا مكتوب في التوراة وأقره شرعنا وزاد عليه ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥].

стр. 137

الركن الرابع: الإيمان بالرسل، ولا يتم إيمان امرئ بالرسل حتى يحقق أمورًا أربعة: الأمر الأول: الإيمان بأن رسالتهم من عند الله حقًا، يعني وقعت اصطفاءً واختياراً من الله ، وأن النبوة لا تحصل بالرياضة والمجاهدة -كما زعم ذلك زنادقة الصوفية-؛ تسمو النفس وتصل إلى مرتبة النبوة! بل النبوة والرسالة اصطفاء من الله ، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وذم الله تعالى المشركين أن قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣١، ٣٢]. الأمر الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه من رسل الله باسمه، ومن لم نعلم اسمه؛ فإننا نؤمن به إجمالًا، ورسل الله كثر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقد ورد من أسماء الأنبياء والمرسلين في القرآن العظيم خمسة وعشرون نبيًا رسولًا؛ فهؤلاء نؤمن بهم بأسمائهم، أما من لا نعلم اسمه منهم؛ فإننا نؤمن بأن الله تعالى قد بعث في كل أمة رسولاً وكفى؛ فإذا مرت بنا بعض الأسماء التي في كتب أهل الكتاب مثل أشعياء، أرميا، حزقيال … إلى غير ذلك؛ فإننا لا نقطع بذلك؛ لكن نؤمن أن الله تعالى بعث رسلًا كثرًا إلى أقوامهم. الأمر الثالث: تصديق ما صح من أخبارهم، لا يوجد سند متصل إلى نبي من أنبياء الله إلا إلى رسول الله ﷺ ؛ فإن هذه الأمة قد مَنَّ الله

стр. 138

تعالى بها عليها بالرواية بالأسانيد المتصلة إلى رسول الله ﷺ ، ولا تجد هذا في الأمم الأخرى، قد درست أسانيدها لكن ربما حدثنا نبينا بشيء من ذلك: كقوله ﷺ : (إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ) (١)، فضلاً عما تضمنه القرآن من أخبارهم. الأمر الرابع: العمل بشريعة من بُعث إلينا منهم، وهو نبينا محمد ﷺ ؛ فنحن وجميع البشر مأمورون باتباع شريعة محمد ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]؛ فلا يسعُ أحدًا بعد بعثة محمد ﷺ إلا أن يتبعه، وتعجب حينما تجد من الناس؛ بل من بعض من ينتسب إلى الإسلام من يسوغ لليهودي وللنصراني أن يبقى على يهوديته أو نصرانيته ويقول كل يعبد الله كما يشاء! أين هذا من قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) (٢). الركن الخامس: الإيمان باليوم الآخر، ولا يتم إيمان امرئ باليوم الآخر حتى يحقق أمورًا أربعة: الأمر الأول: الإيمان بما يكون في القبر؛ قال شيخ الإسلام: " ومن

стр. 139

الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت: فيؤمنون بفتنة القبر وبعذاب القبر وبنعيمه) (١). والذي يكون في القبر أمران: الأمر الأول: فتنة القبر: والمراد بها سؤال الملكين للميت عن دينه وربه ونبيه؛ لأن الفتنة معناها في اللغة: الاختبار، كما يقال: فتن الصائغ الذهب إذا أدخل الذهب المشوب بالمعادن الأخرى في النار؛ فلا يبقى إلا الذهب الخالص، وقد قال النبي ﷺ : (وَإِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ قَرِيبًا، أَوْ مِثْلَ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ … ) (٢). الأمر الثاني: نعيم القبر أوعذابه: وذلك أن المؤمن ينعم في قبره إلى أن تقوم الساعة، والكافر يعذب في قبره إلى أن تقوم الساعة. الأمر الثاني: الإيمان بالبعث: وهو الاعتقاد الجازم بأن الله تعالى يخرج الناس من قبورهم يوم القيامة حفاة: غير منتعلين، عراة: غير مكتسين، غُرلًا: غير مختونين، بُهمًا: ليس معهم شيء، وهو بعث جسماني لا كما يدعي بعض الملاحدة أنه بعث روحاني؛ بل هو بعث بالروح والبدن معًا، ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ (٧) مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر ٦ - ٨]. الأمر الثالث: الإيمان بالحساب: وهو الاعتقاد الجازم أن الله يحاسب الناس يوم القيامة.

стр. 140

والحساب نوعان: حساب المؤمنين وحساب الكافرين: فأما حساب المؤمنين؛ فهو على نوعين أيضًا: أحدهما العرض، والثاني المناقشة: فالعرض يكون لمن سبقت له من الله الحسنى ممن أراد الله كرامته، ويدل عليه حديث عبد الله بن عمر ﵄: (إِنَّ اللهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ) (١)، فما أسعده! وما أهنأه! فقد زُحزح عن النار وفاز. أما المناقشة: فهي التي تكون لعصاة الموحدين الذين ارتكبوا كبائر لم يشأ الله تعالى أن يغفرها؛ بل أراد أن يعذبهم عليها بقدرها ثم يؤولون إلى الجنة. والدليل على هذا التقسيم: أن النبي ﷺ قال يومًا: (لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ إِلَّا هَلَكَ قَالَتْ عائشة قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ أَلَيْسَ يَقُولُ اللهُ (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) قَالَ ذَاكَ الْعَرْضُ يُعْرَضُونَ وَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَك) (٢)، يعني من يُدقق معه في المحاسبة؛ دليل على أنه سيعذب بذنبه -أجارنا الله وإياكم-. أما حساب الكافرين؛ فليس حساب من توزن حسناته وسيئاته؛ لأنه لا حسنات لهم أصلًا، وإنما يقررون بذنوبهم؛ فيعترفون بها على رؤوس الأشهاد ثم يلقى بهم في النار. الأمر الرابع: الإيمان بالجنة والنار: أن الجنة حق، وأن النار حق، فالجنة هي الدار التي أعدها الله لأهل كرامته، والنار هي الدار التي أعدها الله لأهل مهانته، وأن في الجنة من صنوف النعيم الحسي والمعنوي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأن في النار من صنوف العذاب الحسي والمعنوي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر -أجارنا الله وإياكم-.

стр. 141

الركن السادس: الإيمان بالقدر، ولا يتم إيمان امرئ بالقدر حتى يحقق أمورًا أربعة: الأمر الأول: الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء، جملة وتفصيلًا، أزلًا وأبدا، ما كان وما يكون، وما سوف يكون، وما لم يكن كيف لو كان يكون، سواء ما تعلق بأفعاله سبحانه، أو ما تعلق بأفعال عباده، فيعتقد اعتقادًا جازمًا بأن الله لا تخفى عليه خافية، وأنه علم ما الناس عاملون، من خير وشر وطاعة ومعصية، كما علم أرزاقهم وآجالهم. الأمر الثاني: الإيمان بكتابة الله تعالى لعلمه ذلك في اللوح المحفوظ، كما قال الله ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]، وكما قال سبحانه: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] الذي هو اللوح المحفوظ، وكما قال نبيه ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: (كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) (١)، فلا يتحرك متحرك ولا

стр. 142

يسكن ساكن إلا وقد كتبه الله تعالى قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة حتى العجز والكيس، حتى الصفات النوعية للناس من كون بعضهم فيه صفة العجز، وبعضهم فيه صفة الحزم، وفي الحديث (إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ. قَالَ رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ قَالَ اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ) (١). الأمر الثالث: الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لا يكون شيء إلا بمشيئته. الأمر الرابع: الإيمان بخلقه سبحانه لجميع الأشياء، ذواتها وصفاتها وحركاتها؛ فالله الخالق، وما سواه مخلوق، ليس العبد يخلق فعل نفسه، الله خالق كل شيء، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. الدليل على مسألة الإيمان في القرآن العظيم: لو نظرنا في القرآن العظيم؛ لوجدنا أن الله قد ذكر خمسة من الأركان مجتمعة في موضعين؛ فقال سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. ودليل القدر: قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وفي آية أخرى قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] وفي آخر سورة البقرة ذكر

стр. 143

أربعة منها: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، أما حديث جبريل؛ فقد جمع الستة.

стр. 144

•قال المؤلف ﵀: (الْمَرْتَبَةُ الْثَّالِثَةُ: الْإِحْسَانُ رُكْنٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ: (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ). وَالْدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُمْ مُّحْسِنُونَ) [النحل: ١٢٨]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [الشعراء: ٢١٧ - ٢٢٠]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) [يونس: ٦١]. وَالْدَّلِيلُ مِنَ الْسُّنَّةِ: «حَدِيثُ جِبْرِيلَ» الْمَشْهُورُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ?قَالَ: (بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ الْنَّبِيِّ • إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الْشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ الْسَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، فَجَلَسَ إِلَى الْنَّبِي•، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَا لَ: يَا مُحَمَّدٌ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ. قَالَ: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الْصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الْزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اِسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً». قَالَ: صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ. قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ». قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ. قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْسَّاعَةِ. قَالَ: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ الْسَّائِلِ». قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا. قَالَ: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى

стр. 145

الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الْشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ». قَالَ: فَمَضَى، فَلَبِثْنَا مَلِياًّ. فَقَالَ: «يَا عُمَرُ أَتَدْرُونَ مَنِ الْسَّائِلُ؟» قَلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ). المرتبة الثالثة: الإحسان المرتبة الثالثة هي الإحسان، وقد عرفها النبي ﷺ : (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) (١)، فالإحسان مرتبة أخص من الإيمان، ومعنى الإحسان في اللغة: الإتقان، (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ) (٢)، وقد فسرَّه النبي ﷺ بمرتبتين: المرتبة الأولى: أن تعبد الله كأنك تراه. المرتبة الثانية: فإن لم تكن تراه؛ فإنه يراك. قال العلماء (٣): المرتبة الأولى: مرتبة الطلب، والمرتبة الثانية: مرتبة الهرب، ومرتبة الطلب أشرف من مرتبة الهرب. فالأولى: أن تعبد الله تعالى وأنت تسعى إليه مشتاقاً إليه منجذباً إليه؛ فيكون أداؤك للطاعات والعبادات يحدوه حاد المحبة الرجاء. فإن لم يصل الإنسان إلى هذه المرتبة العليا التي هي مرتبة العبادة: عبادة الفرِح المشتاق المنجذب إلى ربه ومعبوده؛ فإن دونها
следующие страницы →