الركن السادس: الإيمان بالقدر، ولا يتم إيمان امرئ بالقدر حتى يحقق أمورًا أربعة:
الأمر الأول: الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء، جملة وتفصيلًا، أزلًا وأبدا، ما كان وما يكون، وما سوف يكون، وما لم يكن كيف لو كان يكون، سواء ما تعلق بأفعاله سبحانه، أو ما تعلق بأفعال عباده، فيعتقد اعتقادًا جازمًا بأن الله لا تخفى عليه خافية، وأنه علم ما الناس عاملون، من خير وشر وطاعة ومعصية، كما علم أرزاقهم وآجالهم.
الأمر الثاني: الإيمان بكتابة الله تعالى لعلمه ذلك في اللوح المحفوظ، كما قال الله ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]، وكما قال سبحانه: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] الذي هو اللوح المحفوظ، وكما قال نبيه ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: (كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) (١)، فلا يتحرك متحرك ولا
стр. 142
يسكن ساكن إلا وقد كتبه الله تعالى قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة حتى العجز والكيس، حتى الصفات النوعية للناس من كون بعضهم فيه صفة العجز، وبعضهم فيه صفة الحزم، وفي الحديث (إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ. قَالَ رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ قَالَ اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ) (١).
الأمر الثالث: الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لا يكون شيء إلا بمشيئته.
الأمر الرابع: الإيمان بخلقه سبحانه لجميع الأشياء، ذواتها وصفاتها وحركاتها؛ فالله الخالق، وما سواه مخلوق، ليس العبد يخلق فعل نفسه، الله خالق كل شيء، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢].
الدليل على مسألة الإيمان في القرآن العظيم: لو نظرنا في القرآن العظيم؛ لوجدنا أن الله قد ذكر خمسة من الأركان مجتمعة في موضعين؛ فقال سبحانه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
ودليل القدر: قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وفي آية أخرى قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] وفي آخر سورة البقرة ذكر
стр. 143
أربعة منها: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، أما حديث جبريل؛ فقد جمع الستة.
الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الْشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ». قَالَ: فَمَضَى، فَلَبِثْنَا مَلِياًّ. فَقَالَ: «يَا عُمَرُ أَتَدْرُونَ مَنِ الْسَّائِلُ؟» قَلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ).
المرتبة الثالثة: الإحسان
المرتبة الثالثة هي الإحسان، وقد عرفها النبي ﷺ : (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) (١)، فالإحسان مرتبة أخص من الإيمان، ومعنى الإحسان في اللغة: الإتقان، (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ) (٢)، وقد فسرَّه النبي ﷺ بمرتبتين:
المرتبة الأولى: أن تعبد الله كأنك تراه.
المرتبة الثانية: فإن لم تكن تراه؛ فإنه يراك.
قال العلماء (٣): المرتبة الأولى: مرتبة الطلب، والمرتبة الثانية: مرتبة الهرب، ومرتبة الطلب أشرف من مرتبة الهرب.
فالأولى: أن تعبد الله تعالى وأنت تسعى إليه مشتاقاً إليه منجذباً إليه؛ فيكون أداؤك للطاعات والعبادات يحدوه حاد المحبة الرجاء.
فإن لم يصل الإنسان إلى هذه المرتبة العليا التي هي مرتبة العبادة: عبادة الفرِح المشتاق المنجذب إلى ربه ومعبوده؛ فإن دونها
стр. 146
وهي الثانية: أن يعبد الله بروح العبد المشفق الخائف من رقابة الله تعالى واطلاعه عليه، كما الموظف الذي يتقن عمله لعلمه أن رب العمل يطلع عليه، ولا شك أن كلًا من هاتين الحالين يثمران إحسان العمل فالذي يعبد الله كأنه يراه يتقنه ويحسنه ويكون هذا مصحوبًا بالشوق لله ، والذي يعبد الله وهو يشعر برقابته كذلك يتقنه؛ لأنه خائف من الله .
وبذلك تمت مراتب الدين الثلاثة.
قوله: (وَالْدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُمْ مُّحْسِنُونَ) [النحل: ١٢٨]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [الشعراء: ٢١٧ - ٢٢٠]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) [يونس: ٦١]).
هذه الأدلة الثلاثة من القرآن تدل الآيتان الأوليتان على معية الله تعالى لعبده المؤمن؛ وهذه معية خاصة، وتدل الآية الثالثة على شعور المؤمن بمعية الله ورقابته.
قوله: (وَالْدَّلِيلُ مِنَ الْسُّنَّةِ: «حَدِيثُ جِبْرِيلَ» الْمَشْهُورُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: (بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ الْنَّبِيِّ ﷺ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الْشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ الْسَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، فَجَلَسَ إِلَى الْنَّبِي ﷺ ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدٌ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ. قَالَ: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الْصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الْزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اِسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً». قَالَ: صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ. قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ
•قال المؤلف ﵀:
(الأَصْلُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ : وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَهَاشِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ، وَلَهُ مِنَ الِعُمُرِ ثَلاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، مِنْهَا أَرْبَعُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَثَلاثٌ وَعِشْرُون نَبِيًّا رَسُولا. نُبِّئَ ب ﴿اقْرَأ﴾، وَأُرْسِلَ ب ﴿الْمُدَّثِّرْ﴾، وَبَلَدُهُ مَكَّةُ، وهاجر إلى المدينة.
بَعَثَهُ اللهُ بِالنِّذَارَةِ عَنِ الشِّرْكِ، وَبالَدْعُوة إِلَى التَّوْحِيدِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٧]. وَمَعْنَى: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾: يُنْذِرُ عَنِ الشِّرْكِ، وَيَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾: أَيْ: عَظِّمْهُ بِالتَّوْحِيدِ. ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾: أَيْ: طَهِّرْ أَعْمَالَكَ عَنِ الشِّرْكِ. ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾: الرُّجْزَ: الأَصْنَامُ، وَهَجْرُهَا: تَرْكُهَا، وَالْبَرَاءَةُ مِنْهَا وَأَهْلُهَا).
الأصل الثالث
هذا هو الأصل الثالث العظيم من الأصول التي يسأل عنها الإنسان في قبره: وهو معرفة نبينا ﷺ ؛ فإن الملكين يسألان الميت في قبره: من هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا بد أن ينطوي قلب المؤمن على علم
стр. 149
بيّن عن شخص رسول الله ﷺ . ولا ريب أن لنبينا ﷺ منزلة عظيمة في قلوب المؤمنين فإنه المفتاح الذي فتح الله تعالى به أعينًا عميًا، وقلوبًا غلفًا، وآذانًا صمًا، امتن الله ببعثته على عباده فقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، فحري بنا أن نعرف طرفًا من سيرة نبينا ﷺ فذكر الشيخ بعض الجمل العامة المعرفة بنبينا ﷺ .
نسب النبي ﷺ -
قوله: (وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ): هذا اسمه ونسبه؛ فهو محمد، وقيل: أنه هو أول من سُمي بهذا الاسم، وأسماء نبينا ﷺ أعلام وأوصاف، كما أن أسماء الله الحسنى أعلام وأوصاف.
فهي أعلام لدلالتها على شخص ذلك النبي الكريم، فإذا قيل: محمد أو قيل: أحمد، أو قيل: الحاشر، أو قيل: العاقب، أو غير ذلك من الأسماء التي ثبتت في السنة؛ فهي دالة على ذات النبي، وهي أيضًا أوصاف؛ أي: كل اسم منها يدل على وصف مميز يختلف عن الأوصاف الأخرى؛ فهو ﷺ محل للحمد؛ فهو محمود من الله ومن الناس لما جُبل عليه من العبادة العظيمة، والأخلاق الكريمة، والخلال الحميدة؛ بل هو أحمدهم؛ ولذلك كان من أسمائه أحمد، وهو الحاشر، وهو العاقب كما سمى نفسه ﷺ ، في حين أن أسماء الناس أعلام، ولا يلزم أن تكون أوصافاً، فربما سمي واحد من الناس صالحاً، وهو في الحقيقة طالح، وربما سمي أميناً، وهو من أسرق الناس، وربما سمي شجاعاً، وهو من أجبن الناس أما أسماء نبينا ﷺ ، فهي أعلام وأوصاف.
стр. 150
قوله: (عَبْدُ اللهِ): أبوه توفي وهو حمل؛ فلم يدرك أباه؛ فولد يتيمًا ﷺ ، وكذا أمه توفيت وهو صغير، ودفنت في الأبواء بين مكة والمدينة، فأبوي النبي ﷺ ماتا في الجاهلية، فعَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيْنَ أَبِي؟ قَالَ: (فِي النَّارِ)، فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: (إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ» (١)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، فَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ) (٢)، وهذا يدل على عظم أمر الدين والعقيدة قال الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٣، ١١٤]، فأعظم رابطة رابطة الإيمان، لا تقدم عليها رابطة نسب ولا عشيرة ولا أخوة ولا صداقة.
قوله: (عَبْدِ الْمُطَّلِبِ): أما عبد المطلب فجده، وهو أشرف العرب في زمانه، وهو الذي جدد حفر بئر زمزم؛ فكان وسيد قريش.
قوله: (وَهَاشِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ): هاشم جده، وهو من قريش، ولا ريب أن نسب نبينا ﷺ محفوظ معروف منقول إلى عدنان، وأما ما بعد عدنان؛ فإنه لا يثبت، ويكفي للإنسان أن يعرف هذا القدر من نسب النبي ﷺ : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم.
قوله: (وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ): قريش هي القبيلة العربية المقدمة
стр. 151
المفخمة التي مكنها الله تعالى من سدانة البيت، وقد كان البيت في يد قضاعة، فحاربهم قُصي بن كلاب، فظهر عليهم وتمكن من البيت وقسم الرفادة والسقاية ودار الندوة والحج واللواء بين أولاده؛ فكان من نصيب بني هاشم سقاية الحاج؛ فهذه القبيلة قبيلة عربية شريفة، وقد جاء الحديث عن وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» (١)؛ فهو خيار من خيار من خيار، بُعث في نسب من قومه، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وفي قراءة: ﴿مِنْ أَنْفَسَكُمْ﴾.
قوله: (وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الْصَّلَاةِ وَالْسَّلَامِ): وإسماعيل ﵇ نبي من أنبياء الله، وهو ابن خليل الرحمن إبراهيم. وهذه من حكمة الله البالغة؛ فإن الله أمر إبراهيم ﵇ أن يسكن بعض ذريته بواد غير ذي زرع؛ فاحتمل هاجر سُريته ومعها ابنها إسماعيل، ووضعهم في ذلك الوادي لأمر ادخره الله تعالى لهذه الأمة في آخر الزمان، وصار ﵊ يتردد بين مكة والشام، وكان الأنبياء من فرع إسحاق؛ فظلت النبوة في بني إسرائيل قرونًا متطاولة، ولم يكن في العرب أنبياء بعد إسماعيل ﵇ إلى أن بعث الله تعالى نبيه محمداً ﷺ ؛ فآلت النبوة إلى فرع إسماعيل وختمت بنبينا ﷺ .
стр. 152
هذا هو نسب نبينا ﷺ ، وهذه بيئته؛ فقد كان في مكة؛ أم القرى، ومحط أفئدة المؤمنين، ليس من العرب فقط؛ بل من العالمين، وهي مذكورة مشهورة في كتب أنبياء بني إسرائيل، ما من نبي إلا وحج البيت، ما من نبي من أنبياء الله إلا ويعلم أن لمكة مزية وفضلًا، وأنها محل البيت الحرام؛ لكن اليهود والنصارى أخفوا هذه الحقيقة، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِوَادِي الْأَزْرَقِ، فَقَالَ: «أَيُّ وَادٍ هَذَا؟» فَقَالُوا: هَذَا وَادِي الْأَزْرَقِ، قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى ﵇ هَابِطًا مِنَ الثَّنِيَّةِ، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَةِ»، ثُمَّ أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَى، فَقَالَ: «أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟» قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى، قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى ﵇ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ جَعْدَةٍ عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ وَهُوَ يُلَبِّي» (١)؛ وكان ﷺ في طريقه إلى الحج، وقد بلغ فج الروحاء؛ فقال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ، حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا» (٢)، وهذا يكون في آخر الزمان عندما ينزل عيسى بن مريم؛ فيحج بيت الله الحرام، وقد جاء في الحديث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «صَلَّى فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ سَبْعُونَ نَبِيًّا مِنْهُمْ مُوسَى» (٣)؛ فبعث الله نبيه في أخريات الزمان من العرب، وقد كان اليهود استوطنوا المدينة بناءً على معرفتهم بصفة مهاجره: وأنها في
стр. 153
أرض ذات نخل وحِرار؛ يأملون أن يبعث النبي الخاتم منهم، وكانوا يستفتحون على العرب إذا وقع بينهم وبينهم خصومة، يقولون للأوس والخزرج لقد أظلنا زمان نبي نقاتلكم معه؛ فيفتح علينا، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]، كل هذه الدلائل تدل على أن أهل الكتاب يعلمون أن لهذه البقعة ولمكة شرَّفها الله منزلة خاصة.
بعثة النبي ﷺ -
قوله: (وَلَهُ مِنَ الِعُمُرِ ثَلاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، مِنْهَا أَرْبَعُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَثَلاثٌ وَعِشْرُون نَبِيًّا رَسُولا): هذا سن نبينا ﷺ ؛ ثلاث وستون سنة؛ أربعون سنة قبل البعثة؛ فإن الله لم ينزل عليه الوحي إلا بعد أن بلغ أشده؛ لأن الأربعين هي كمال الرجولة والقوة البدنية والعقلية؛ ولذا قال الله : ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥]؛ وقد كان نبينا ﷺ طوال هذه الأربعين سنة على أنبل الصفات، وأكرم الطباع، وكان مضرب المثل في قومه في الأمانة والصدق، حتى إنهم كانوا يلقبونه بالأمين، ولما تنازعوا عندما أعادوا بناء البيت من يضع الحجر في موضعه فَقَالُوا: "اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ حَكَمًا، قَالُوا: أَوَّلَ رَجُلٍ يَطْلُعُ مِنَ الْفَجِّ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالُوا: أَتَاكُمُ الْأَمِينُ، فَقَالُوا لَهُ، "فَوَضَعَهُ فِي ثَوْبٍ، ثُمَّ دَعَا بُطُونَهُمْ فَأَخَذُوا بِنَوَاحِيهِ مَعَهُ، فَوَضَعَهُ هُوَ ﷺ " (١)؛ وكان الناس يضعون أماناتهم
стр. 154
عنده؛ لما يعلمون من صدقه وحفظه، ولم يدع إلى حلف في الجاهلية -فيه نصرة للمظلوم وفكاك للعاني- إلا أجاب، وكان ﷺ ؛ لصحة فطرته وسلامة قلبه يتأمل ويبحث عن الحق؛ حتى إنه يتحنث - أي يتعبد- الليالي ذوات العدد في غار حراء قبل أن يأتيه الوحي؛ ويدرك أن ما عليه قومه باطل؛ ولهذا لم يسجد لصنم قط، ولم يشرب خمرًا قط في الجاهلية، إلى أن أذن الله تعالى بهذا الفتح العظيم؛ فلما أن بلغ الأربعين أتاه الوحي من الله ، فعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: (أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: " مَا أَنَا بِقَارِئٍ "، قَالَ: " فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ "فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ﵂، فَقَالَ: "زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي " فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا
стр. 155
الخَبَرَ: "لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي" فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ"، قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ) (١).
فتأمل حال هذه المرأة العاقلة حين قالت: والله لا يخزيك الله أبدًا؛ فاستدلت بهذه القرائن على أن الله تعالى لا يمكن أن يخذل من هذه صفته، وكانت واثقة مطمئنة، وأرادت أن تثبت ذلك بشهادة ورقة بن نوفل الذي كان عنده علم من الكتاب، فطمأنه وثبته ومكث النبي ﷺ ثلاثة عشر سنة في مكة يدعو إلى الله سرًا في بداية الأمر، وهذا من الحكمة في الدعوة أنه بدأ بالدعوة السرية؛ لكي يستكثر من الأتباع، ثم بعد أن آمن جملة من السابقين إلى الإسلام على رأسهم أبو بكر الصديق ﵁، جهر بالدعوة بعد أن دخل فيها عمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب ﵄؛ فخرج المسلمون صفين يطوفون بالبيت متحدين
стр. 156
قريشًا؛ فكانت الفترة المكية ثلاث عشرة سنة، ثم أذن الله لنبيه ﷺ بالهجرة؛ فهاجر إلى المدينة، وبقي فيها عشر سنين: هذا مجمل عمر نبينا ﷺ .
قوله: (نُبِّئَ ب ﴿اقْرَأ﴾): ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]؛ فكانت هذه الآيات إيذاناً بنبوته ﷺ .
قوله: (وَأُرْسِلَ ب ﴿الْمُدَّثِّرْ﴾)؛ أي: بعث إلى الناس لدعوتهم إلى الدخول في دين الله بآيات المدثر ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٧] والفرق بين النبي والرسول فيه أقوال أشهرها:
القول الأول: أن النبي: من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، والرسول: من أوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه، وهذا فرق واضح.
ويأتي على هذا التفريق استدراك مهم وهو: كيف يوحى إلى النبي بشرع ولا يأمره بتبليغه؟.
القول الثاني: أن الرسول: هو من أوحي إليه بشرع جديد وأُمر بتبليغه، والنبي: هو من أوحي إليه بشرع نبي قبله وأُمر بتجديده؛ أي: أن الرسول يوحى إليه بشريعة جديدة؛ كموسى، وعيسى، ومحمد عليهم صلوات الله وتسليمه، وأما النبي فهو يأتي تبعًا للرسول السابق، إذا اندرس العلم واحتاج الناس إلى الحكم بينهم في قضاياهم، فيبعث الله نبيًا؛ لكي يجدد ما اندرس من رسالة الرسول الذي قبله، ويمثلون لذلك بأنبياء بني اسرائيل؛ كيوشع بن نون، ومن يسمونهم في كتبهم؛ أرميا، أشعيا، وحزقيال.
стр. 157
لكن يرد على هذا التفريق استدراك: وهو أن الله سمى يوسف ﵇ رسولًا في كتابه مع أنه لم يوحَ إليه بشرع جديد؛ فإن مؤمن آل فرعون قد قال لقومه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر: ٣٤]؛ قد كان يوسف ﵇ رسولًا؛ مع أنه لم يوحَ إليه شرع جديد؛ بل كان يعمل بشريعة آبائه يعقوب وإسحاق وإبراهيم.
القول الثالث: أن الرسول: هو من بعث إلى قوم مخالفين لدعوتهم، سواء كان ذلك بشرع قديم أو بشرع جديد، وأن النبي: هو من بعث إلى قوم موافقين -أي مؤمنين- لتعلميهم والقضاء بينهم، وهذا أسلم التعريفات وأرجحها، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه "النبوات" (١).
قوله: (وَبَلَدُهُ مَكَّةُ): وهي أم القرى، ولها من الفضائل ما لا يخفى: يكفي أنها تضم المسجد الحرام الذي صلاة فيه بمائة ألف صلاة فيما عداه من المساجد.
وقد هاجر النبي ﷺ -إلى المدينة بعد أن مكث بمكة ثلاثة عشر سنة يدعو الناس بكل ما وسعه من أنواع الدعوة؛ بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وقد لاقى النبي ﷺ وأصحابه في هذه الفترة المكية من العنت والمشقة الشيء العظيم، حتى إن النبي ﷺ إرفاقًا بأصحابه دعاهم إلى الخروج إلى الحبشة؛ لكي يأمنوا على أنفسهم وعلى دينهم؛ فخرج إلى الحبشة من خرج في هجرتين معروفتين، وبقي نبينا ﷺ
стр. 158
يدعو أهل مكة ويصبر منهم على الأذى حتى كان يلقى منهم الأذى العظيم، فعن عائشة ﵂ أنها قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ : (هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ، قَالَ: " لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ العَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ، ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) (١)، ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]؛ فكان ما تمنى النبي ﷺ ، وكان لا يدخر وسعًا في عرض دعوته؛ فكان يخرج إلى الموسم كل سنة ويعرض نفسه على القبائل، فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَوْقِفِ، فَقَالَ: «أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ، فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي» (٢)، وكان عمه أبو لهب يتبعه ويقول: هذا
стр. 159
مجنون قريش؛ ينفرهم ويحذرهم منه، حتى لقي النبي ﷺ نفرًا من الأوس والخزرج فعرض عليهم دعوته؛ فقبلوا ورغبوا ورحبوا وواعدوه الموسم القادم، فلما كانت السنة التي تليها جاؤوا وعددهم سبعون؛ فواعدوا النبي ﷺ في العقبة، وبايعوه بيعة العقبة، فعن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، ثُمَّ تَتَابَعَ الْقَوْمُ، فَلَمَّا بَايَعَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَرَخَ الشَّيْطَانُ مِنْ رَأْسِ الْعَقَبَةِ بِأَبْعَدِ صَوْتٍ سَمِعْتُهُ قَطُّ: يَا أَهْلَ الْجُبَاجِبِ - وَالْجُبَاجِبُ: الْمَنَازِلُ - هَلْ لَكُمْ فِي مُذَمَّمٍ وَالصُّبَاةُ مَعَهُ؟ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى حَرْبِكُمْ قَالَ عَلِيٌّ يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ مَا يَقُولُهُ عَدُوُّ اللهِ مُحَمَّدٌ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " هَذَا أَزَبُّ الْعَقَبَةِ هَذَا ابْنُ أَزْيَبَ، اسْمَعْ أَيْ عَدُوَّ اللهِ أَمَا وَاللهِ، لَأَفْرُغَنَّ لَكَ " ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " ارْفَعُوا إِلَى رِحَالِكُمْ " قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَئِنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنَّ عَلَى أَهْلِ مِنًى غَدًا بِأَسْيَافِنَا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَمْ أُؤمَرْ بِذَلِكَ … " الحديث (١).
ثم انفضوا، وصار الصحابة من الأوس والخزرج من الأنصار يتحدثون ويقولون: هذا رسول الله ﷺ في جبال مكة خائفًا شريدًا، وعرضوا عليه أن ينتقل وأن يهاجر إليهم؛ فكان ينتظر الإذن من الله تعالى حتى أذن الله تعالى له بالهجرة كما سيأتي.
قوله: (بَعَثَهُ اللهُ بِالنِّذَارَةِ عَنِ الشِّرْكِ): النذارة: هي الإعلان المصحوب بالتخويف، ولا شك أن الرسل مبشرين ومنذرين؛ فالله تعالى بعث نبيه بالنذارة من الشرك؛ فعَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ
стр. 160
مَثَلِي وَمَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمَهُ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ، فَالنَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَدْلَجُوا فَانْطَلَقُوا عَلَى مُهْلَتِهِمْ، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ " (١)، والنذير العريان عند العرب في الجاهلية: هو الذي يأتي محذرًا للقوم حتى يشق ثيابه ويتعرى؛ ليشعرهم بالجد، وقال ﷺ : «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟» قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا، قَالَ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» (٢) هذا امتثال لأمر الله في قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]؛ فقام على الصفا وأنذر عشيرته، وعم وخص: يا معشر قريش، يا عباس بن عبد المطلب، يا صفية عمة رسول الله، يا فاطمة بنت رسول الله؛ فعمَّ وخص؛ كما سبق بيانه.
قوله: (وَيَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ): الدعوة إلى التوحيد بشارة في مقابل النذارة؛ لأن الدعوة إلى التوحيد يحصل بها البشرى والأنس واجتماع القلب والهم على عبادة الله الواحد القهار.
قوله: (وَالْدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٦]): يعني المتدثر بهذه الأغطية التي أردت أن تسكن بها،
стр. 161
﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢]: وهذا أمر له بالقيام حسًا ومعنى: القيام من رقدته وضجعته، والقيام بأمر الدعوة أيضًا، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٣ - ٧]: فسر المصنف ﵀ هذه المفردات.
قوله: (وَمَعْنَى: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾: يُنْذِرُ عَنِ الشِّرْكِ، وَيَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ)؛ لأن هاتين قضيتان متلازمتان، لا يمكن أن يتحقق التوحيد إلا بالبراءة من الشرك، ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، لا بد منهما معًا.
قوله: (﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾: أَيْ: عَظِّمْهُ بِالتَّوْحِيدِ): أعظم ما عظم الله تعالى به التوحيد؛ ولذلك كان أفضل الكلام لا إله إلا الله، " … وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (١).
قوله: (﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾؛ أَيْ: طَهِّرْ أَعْمَالَكَ عَنِ الشِّرْكِ): فسر الشيخ ﵀ الثياب هاهنا بالأعمال، وهذا أحد التفسيرين؛ أي: طهر أعمالك من الشرك، وإنما سمى الأعمال ثيابًا؛ لملابستها للإنسان، واستدل العلماء أيضًا بهذه الآية على اشتراط طهارة الثوب من النجس في باب الطهارة في الفقه، ولا مانع من حمل الآية على المعنيين: يعني على الطهارة المعنوية من الشرك، وعلى الطهارة الحسية من النجاسات، ولا شك أن المعنى بالطهارة المعنوية أقرب للسياق والمقام
стр. 162
لكن لا يمنع أن يحتمل المعنى الآخر (١).
قوله: (﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾: الرُّجْزَ: الأَصْنَامُ): ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]؛ فالرجز: هي الأصنام.
قوله: (وَهَجْرُهَا: تَرْكُهَا، وَالْبَرَاءَةُ مِنْهَا وَأَهْلِهَا): فهجرها يكون بتركها والتخلي عنها والبراءة منها، وكذلك أيضًا هجر أهلها: وهم المشركون، والبراءة منهم، والتخلي عنهم؛ فإن هذا من أصول الإيمان، كما قال الله : ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، هكذا الإيمان فيصل بين الحق والباطل، بين الشرك والتوحيد.
عِشْرِينَ، ثُمَّ مِثْلَهُ فَجَعَلَ عَشْرًا، فَأَتَيْتُ مُوسَى، فَقَالَ: مِثْلَهُ، فَجَعَلَهَا خَمْسًا، فَأَتَيْتُ مُوسَى فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: جَعَلَهَا خَمْسًا، فَقَالَ مِثْلَهُ، قُلْتُ: سَلَّمْتُ بِخَيْرٍ، فَنُودِيَ إِنِّي قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي، وَأَجْزِي الحَسَنَةَ عَشْرًا" (١)، ونزل النبي ﷺ بهذه الصلوات الخمس.
قوله: (وَفُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَواتُ الْخَمْسُ، وَصَلَّى فِي مَكَّةَ ثَلاثَ سِنِينَ): هذه الصلوات الخمس لم تفرض إلا في آخر ثلاث سنوات في مكة. وعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: «فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا، رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الحَضَرِ» (٢)، والذي يظهر -والله أعلم- أنه أيضًا لم تكن فرضت الجماعة، وإنما فرضت الجماعة والصلاة الرباعية بعد أن هاجر النبي ﷺ إلى المدينة؛ لأن الآذان الذي هو نداء للجماعة لم يشرع إلا بعد الهجرة.
قوله: (وَبَعْدَهَا أُمِرَ بالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَالْهِجْرَةُ الانْتِقَالُ مِنْ بَلَدِ الشِّرْكِ إِلَى بَلَدِ الإِسْلامِ.)؛ أي: بعد هذه السنوات الثلات عشرة، أُمر بالهجرة إلى المدينة، والنبي ﷺ لا يخرج عن أمر ربه، لا يمكن أن يهاجر إلا بإذنه؛ فأذن الله تعالى له بالهجرة، وكان قد شرع في إرسال أصحابه إلى المدينة، وصاروا يصلون إلى المدينة أرسالًا يخرجون خفية إلا عمر بن الخطاب ﵁؛ فإنه قام في قريش وقال: من أراد أن تثكله أمه فليلقني في بطن هذا الوادي؛ فلم يلحقه أحد، أما نبينا ﷺ فقد شعر أبو بكر الصديق ﵁ بنية رسول الله ﷺ في الهجرة؛ فأعد راحليتن
стр. 167
وأعلفهما وأعدهما لهذه المناسبة؛ فعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: (لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، إِلَّا يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ، فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الخُرُوجِ إِلَى المَدِينَةِ، لَمْ يَرُعْنَا إِلَّا وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا، فَخُبِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لِأَمْرٍ حَدَثَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: «أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ، يَعْنِي عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ، قَالَ: «أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الخُرُوجِ». قَالَ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الصُّحْبَةَ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ، فَخُذْ إِحْدَاهُمَا، قَالَ: «قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ» (١).
قَالَتْ: فَوَاَللَّهِ مَا شَعُرْتُ قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنْ الْفَرَحِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَبْكِي يَوْمئِذٍ" (٢) كيف لا يبكي؟!، وهو سيصحب محمد بن عبد الله ﷺ ، ويكون له هذا الفخر العظيم إلى يوم القيامة.
وفي قوله «قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ» دليل أنه في أمور الطاعات والقرب ينبغي أن يبذل الإنسان من ماله، وألا يعتمد على أعطيات الآخرين قدر المستطاع، وكذا صنع النبي ﷺ في بناء المسجد بعد أن هاجر.
والمهم أنهما ركبا هاتين الناقتين وخرجا من الباب الخلفي؛ لأن أعين قريش كانت ترصدهما، وقد شعرت قريش فعلًا أن النبي ﷺ على وشك الخروج، وأعدت للأمر عدة؛ فاجتمعوا في دار الندوة، وتشاوروا فيما بينهم حتى استقر رأيهم على أن ينتدبوا من كل قبيلة من قبائل قريش
стр. 168
فتى جلدًا شابًا معه سيف ويحيط ببيت رسول الله ﷺ ، فإذا هم بالخروج ضربوه ضربة رجل واحد فتفرق دمه في القبائل، لكن الله تعالى أنجاه قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩]، وخرج النبي ﷺ من بين ظهرانيهم، وأوى وصاحبه إلى غار يقال له: "غار ثور"، وباتا فيه ثلاثة أيام حتى ينقطع الطلب، وجعلت قريش لمن يأتي بالنبي ﷺ وصاحبه مائة من الإبل- وهو عرض مغرٍ-، يتمناه كل عربي إذ الإبل هي أنفس أموال العرب، ولكن الله سلم؛ فظل رسول الله ﷺ من حين خروجه إلى أن بلغ المدينة عشرة أيام حتى بلغ المدينة يوم اثنين، وكان في هجرته ﷺ يكمن نهارًا ويسير ليلًا، وبذل أبو بكر الصديق ﵁ من ضروب الفداء والرعاية بنبينا ﷺ ، ما بلغه هذه الدرجة؛ أن كان أفضل هذه الأمة بعد نبيها، ومما جرى له أنهما دخلا غارًا في أثناء مسيرهما فقال؛ أبو بكر للنبي ﷺ : امكث يا رسول الله حتى أستحث لك الغار حتى لا يكون فيه سبع أو حية أو غير ذلك؛ فدخل ﵁ حتى إذا استوثق دعا النبي ﷺ أن يدخل، وجعل النبي ﷺ رأسه الشريفة على فخذ أبي بكر، وجعل أبو بكر الصديق ﵁ يتلمس الغار؛ فوجد فيه حجرين؛ فخشي أن يخرج منهما شيء يؤذي رسول الله ﷺ ؛ فألقمهما عقبيه، فخرجت عقرب من أحد هذين الجحرين وجعلت تلسغ عقب أبي بكر الصديق وهو يتألم ولا يبدي حراكًا حتى جعلت دموعه تنهمر من عينيه؛ فلم يُرع النبي ﷺ إلا ودموعه تسقط على وجهه الشريف؛ فقام النبي ﷺ ؛ فقال: مالك فقال: عقرب يا رسول كرهت أن أوقظك؛ فمسح النبي ﷺ على عقبه حتى برئ؛ فكانت له هذه المنقبة العظيمة ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ
стр. 169
تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠]؛ فحصلت الهجرة التي ذكر (١)؛ ولهذا لما تحدث أناس في زمن عمر بن الخطاب ﵁ -وربما فضله بعضهم على أبي بكر- قال: والله ما يساوي آل الخطاب ليلة من ليالي أبي بكر، رضي اللهم عنهم أجمعين.
فنبينا ﷺ هاجر من مكة إلى المدينة لما أذن الله تعالى له بالهجرة، فوصل المدينة يوم اثنين، وَسَمِعَ المُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ مَخْرَجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ، فَكَانُوا [ص: ٦١] يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَى الحَرَّةِ، فَيَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ، فَانْقَلَبُوا يَوْمًا بَعْدَ مَا أَطَالُوا انْتِظَارَهُمْ، فَلَمَّا أَوَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ، أَوْفَى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِهِمْ، لِأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مُبَيَّضِينَ يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ، فَلَمْ يَمْلِكِ اليَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعَاشِرَ العَرَبِ، هَذَا جَدُّكُمُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ، فَثَارَ المُسْلِمُونَ إِلَى السِّلَاحِ، فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِظَهْرِ الحَرَّةِ، فَعَدَلَ بِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ، حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَامِتًا، فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنَ الأَنْصَارِ - مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَيِّي أَبَا بَكْرٍ، حَتَّى أَصَابَتِ الشَّمْسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ، فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ " (٢).
وهذه شهادة أنطق الله تعالى بها ذلك اليهودي فقد قال: هَذَا جَدُّكُمُ؛ يعني: حظكم وعزكم وشرفكم- الذي تنتظرون.
стр. 170
ثم إن نبينا ﷺ سار مع الناس حتى أتى قباء ونزل فيها ما شاء الله، ثم بعد ذلك توجه إلى المدينة وصار بطون الأنصار يتلقونه، كل يأخذ بناقته يريد أن ينزل عنده ويرحبون به ويقولون: "هاهنا المنعة" ويرغبونه في النزول عندهم، وكان ﷺ -يقول: (دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ) (١)، حتى أتت ناقته إلى موضع مسجده فبركت فلم ينزل عنها ﷺ ، ثم قامت فمشت إلى موضع ثم رجعت إلى موضعها الأول فبركت وتحلحلت وألقت بجرانها، فنزل النبي ﷺ وقال: (هذا المنزل إن شاء الله)، فقد أمرت الناقة بتحديد موضع مسجده ﷺ ، وَكَانَ مِرْبَدًا لِلتَّمْرِ، لِسُهَيْلٍ وَسَهْلٍ غُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي حَجْرِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ: «هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ المَنْزِلُ». ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الغُلَامَيْنِ فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ، لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالَا: لَا، بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً حَتَّى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا، ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا، وَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ فِي بُنْيَانِهِ وَيَقُولُ، وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ: " هَذَا الحِمَالُ لَا حِمَالَ خَيْبَرْ، هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخِرَهْ، فَارْحَمِ الأَنْصَارَ، وَالمُهَاجِرَهْ " (٢).
وبقي إبان ذلك في بيت أبي أيوب الأنصاري في تفاصيل معلومة من السيرة (٣).
والهجرة مفرق طريق في تاريخ الإسلام ولهذا عظمها الصحابة رضوان الله عليهم، فلما أراد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن
стр. 171
يجعل تأريخًا للمسلمين جمع الصحابة وشاورهم ثم استقر رأيهم على أن يؤرخوا بالهجرة؛ لأن هجرة النبي ﷺ هي الإيذان بقيام الدولة المسلمة بجميع عناصرها وأركانها، فلم يكن التقويم مبنيًا لا على البعثة ولا على المولد النبوي وإنما كان مبنيًا على هجرة النبي ﷺ إلى المدينة؛ لعظم ذاك الحدث، وكان، مقدم النبي ﷺ ، يومًا مشهودًا فرح به المسلمون غاية الفرح.
قوله: (وَالْهِجْرَةُ فَرِيضَةٌ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ): الهجر الترك، والهجرة بالمعنى الخاص هي: الانتقال من مكة إلى المدينة، وهي التي يعلق عليها الفضل العظيم، وهذا النوع من الهجرة انقطع بفتح مكة، وصارت دار إسلام وانقطعت هذه المنقبة، فمن هاجر من مكة إلى المدينة قبل فتح مكة، فهو من المهاجرين؛ فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ - فَتْحِ مَكَّةَ - «لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» (١)، ومنزلة المهاجرين منزلة علِّية رفيعة، وهي منقبة عظيمة لأهلها، ألا ترون أن الله تعالى إذا ذكر المهاجرين والأنصار؛ قدَّم المهاجرين، قال الله تعالى في سورة الحشر: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]، ثم ثَنى فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩]؛ يعني: الأنصار، ثم ثلث فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] يريد التابعين، وقال في موضع آخر: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وكلا الفريقين على منزلة عظيمة لكن المهاجرين على وجه العموم أفضل من الأنصار، أما الهجرة العامة فلم تنقطع فهي فريضة باقية
стр. 172
فحيث ما وجد بلد شرك وبلد إسلام؛ صار لزامًا على من يعيش في بلد الشرك أن ينتقل إلى بلد الإسلام؛ لتحقيق المقاصد التي ذكرنا من تكثير سواد المسلمين وتقويتهم، والنأي بدينه عن الفتن.
والهجرة صارت فريضة على كل مؤمن دخل في دين الإسلام وكان قادرًا على أن يهاجر إلى رسول الله ﷺ ؛ لما في ذلك من تقوية المؤمنين وتكثير سوادهم ونصرهم وموالاتهم؛ وينهى عن الرجوع إلى بلده أو باديته، وكان ينهى عن تعرب المهاجر: وهو أن يعود إلى باديته بعد أن أسلم، فصار الناس يتقاطرون إلى مدينة رسول الله ﷺ ، وصار الأنصار رضوان الله عليهم يتلقون هؤلاء المهاجرين ويرحبون بهم ويقاسمونهم أموالهم وضياعهم كما جرى في وقائع مشهورة، فكان بالمدينة: الأنصار وهم الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبل، وهم مسلمة الأوس والخزرج، والمهاجرون الذين قدموا من مكة ومن بقية قبائل العرب، ثم مازال أمر الإسلام يقوى ويشتد إلى أن بلغ ما بلغ ولله الحمد.
قوله: (مِنْ بَلَدِ الشِّرْكِ إِلَى بلد الإِسْلامِ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ): هذه الهجرة بالمعنى العام؛ كما عرفها المصنف: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهي بهذا التعريف باقية إلى يوم القيامة لا يمكن أن تنقطع، ما دام ثمَّ بلد شرك وبلد إسلام، فإن هذه الشريعة باقية لا تنقطع. وبلد الإسلام: هو الذي تكون فيه أعلام الإسلام وشرائعه في الأعم الأغلب ظاهرة، وأما بلد الشرك: فهو الذي لا تظهر فيه شعائر الإسلام في الأعم الأغلب، وشعائر الإسلام: هي الأذان، وصلاة الجماعة، والجُمع، والأعياد … إلى غير لك من المظاهر الإسلامية، وهذا التعريف هو أوسع تعريف يمكن أن نطبقه في هذا العصر وقد كان يطلق الجامع لأهل الإسلام الذي ينضوي الناس تحت إمام واحد، ويقاتلون تحت راية واحدة.
стр. 173
وغير المسلمين أربعة أصناف: حربيون، و معاهدون، و ذميون، و مستأمِنون.
والمقصود بالذميين: اليهود والنصارى، الذين رضوا أن يبذلوا الجزية للمسلمين ويساكنوهم، ويبقوا على دينهم، قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وهم وأهل الذمة في ذمة أهل الإسلام؛ بمعنى: أنهم يحفظون حقوقهم ودماءهم وأموالهم وأعراضهم ولا يحل انتهاك شيء منها، ولكنهم خاضعون للسلطة الإسلامية، ويبذلون جزية سنوية، ولا وجود في العصور الأخيرة لهذا الأمر، فمنذ انتهاء الدولة العثمانية ذهب واضمحل.
والمستأمنون: هم الذين يدخلون بلاد الإسلام بأمان، كما دل عليه قول الله : ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦]، فلا يحل لأحد أن يتعرض له حتى يُرد إلى مأمنه، ولكنه يُدعى كما قال الله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللّهِ﴾ [التوبة: ٦]، ويرد إلى مأمنه ولا يُقسر على الدخول في الإسلام.
والمعاهدون هم: من بينهم وبين أهل الإسلام عهد وميثاق، وهذه الصيغة هي الصيغة الغالبة الآن في علاقات الدول الإسلامية مع غير الدول الإسلامية، فحينما يقع اعتراف متبادل بين دولتين أو أكثر، فهو يعني نوع معاهدة بحيث إذا انتقل أحد من أهل تلك البلاد إلى البلاد الإسلامية أو العكس، فإنه يدخل بالعهد، ويكون معاهدًا، ويسمونها الآن (بالفيزا)، فإذا حصل على (الفيزا) فمعنى ذلك أنه حصل على عهد؛ فلا
стр. 174
يحل التعرض له ولا يجوز خفر ذمة أهل الإسلام بقتله أو إيذائه أو ظلمه؛ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» (١).
والحربيون: هم من وقع بينهم و بين أهل الإسلام الذين تضمهم دولة واحدة وسلطان واحد حرب وقتال، فكل فريق يحاول أن ينال من الفريق الآخر؛ فلا عهد للحربي ولا ذمة له بل هو حلال الدم والمال.
قوله: (وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وساءت مَصِيرًا * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩])،
هذا دليل على وجوب الهجرة، وعلى أن من ترك الهجرة مع القدرة عليها، فقد أتى كبيرة يستحق بها النار، إلا من استثنى الله تعالى.
قوله: (قال تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٨، ٩٩]).
واستدل المصنف ﵀ على وجوب الهجرة بهذه الآية، فقولهم: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾؛ يعني: فتنا عن ديننا واستضعفنا، فتجيبهم الملائكة: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾؛ أي: أنه كان يسعكم أن تنتقلوا وتهاجروا، قوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وساءت مَصِيرًا﴾: ثم استثنى الله تعالى غير القادر فقال: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء
стр. 175
وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾، وهذا من سعة دين الله وسماحة الشريعة أن المكره لا شيء عليه، وقد كان أقوام في مكة يرسفون في الأغلال والقيود يحال بينهم وبين الهجرة، كما جرى ذلك لأبي جندل ولأبي بصير وغيرهما من الصحابة فهؤلاء معفو عنهم.
وهذا أيضًا ينقلنا إلى النظر في حال من كان مقيماً في بلدان أخرى من بلاد الكفر هل يلزمه أن ينتقل إلى بلاد الإسلام؟
فنقول: إذا كان يمكنه أن ينتقل إلى بلد الإسلام؛ فإنه يجب عليه لزامًا أن ينتقل، أما إذا كان لا يمكنه؛ فهو معذور، ويمكن أن نتصور هذا في العقود الأخيرة بحال المسلمين في بعض البلاد الغربية أو الشرقية، فمن تمكن من النقلة إلى بلاد الإسلام والعيش بين ظهراني المسلمين، كان ذلك لزامًا عليه؛ لأن عيشه بين الكفار يثلم دينه، وقد جاء في الحديث: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ» (١)، فإن كانت الأنظمة تمنع ذلك والدول المسلمة لا تسمح بالإقامة؛ فهو معذور، وقد ارتفع عنه الحرج؛ لقول الله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩].
هل يجوز للمسلم أن يدع بلاد الإسلام، ويقصد بلاد الكفر ليقيم فيها إقامة مؤقتة أو دائمة؟ فنقول: أما الإقامة الدائمة فلا، وأما الإقامة
стр. 176
المؤقتة فهي أهون، ولكنها لا تجوز إلا بشروط ثلاثة ذكرها شيخنا ﵀ (١):
الشرط الأول: أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات؛ لأن القاصد إلى بلاد الكفار يطرأ على عقله من الشبهات، ويرد عليه من الأفكار المضلة ما قد يزلزل دينه وعقيدته، لا سيما إذا كانت بلادًا متطورة متقدمة من الناحية التكنولوجيه والمدنية؛ فقد يقع في قلبه زيغ -والعياذ بالله- فلا بد أن يكون عنده علم ثابت يدفع به الشبهات.
الشرط الثاني: أن يكون عنده ورع يدفع عنه الشهوات؛ لأن بلاد الكفار على مر الأعصار بلاد فجور وتحلل وتساهل، بخلاف بلاد أهل الإسلام ففيها من رعاية الأخلاق والمحافظة على الآداب ما ليس في غيرها.
الشرط الثالث: أن يكون لديه حاجة: كطلب علم أو طلب تجارة؛ فإن الفقهاء نصوا على أن طلب التجارة مما يبيح السفر إلى بلاد الكفار، وأن ذلك من الضرب المباح في الأرض، أو بغرض الدعوة إلى الله ؛ فهذا مقصد صحيح، أو لطلب علاج لا يجد مثله في بلاده؛ فهذه حاجات صحيحة.
والسياحة لا تعد من الحاجة؛ لأن السياحة بالمفهوم المعاصر: تستلزم غالباً غشيان الأماكن والمواضع التي تكثر فيها المنكرات والفساد، وفي المتنزهات التي يقصدها الناس على اختلاف أحوالهم ورداءة طباعهم وعاداتهم؛ فيقع البصر على مناظر مؤذية وعورات مغلظة وغير ذلك؛ ولذلك فإن السياحة ليست من الحاجة التي تبيح أن يحمل الإنسان نفسه وحريمه ويذهب إلى بلاد الكفر والعهر.
стр. 177
فلا بد من تحقق هذه الشروط الثلاثة لجواز السفر إلى بلاد الكفر، وذلك أن أعظم ما ينبغي للإنسان أن يحفظه: دينه؛ لأنه أعظم المقاصد، والأمور نسبية فالنبي ﷺ أذِن لأصحابه أن يهاجروا من مكة إلى الحبشة مع أن الحبشة في ذلك الوقت ليست دار إسلام؛ لكنهم كانوا في مكة يتعرضون للفتنة في الدين وللأذى البدني والمعنوي حتى كان الحجر يوضع على صدر بلال وينوء به ويقول: أحد أحد، وكان يؤتى بأسياخ الحديد فتوضع على ظهر خباب بن الأرت؛ فلا يطفؤها إلا ماء ظهره، وكان عمار بن ياسر يغمس رأسه في الماء (١)، "فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا يُصِيبُ أَصْحَابَهُ مِنْ الْبَلَاءِ، وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْعَافِيَةِ، بِمَكَانِهِ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ الْبَلَاءِ، قَالَ لَهُمْ: لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَإِنَّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ، حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فَرَجًا" (٢)، فهذا أخف الشرين، فلما بوأ الله تعالى للمؤمنين المدينة فلا يحكم بها إلا بدين الله والآمر الناهي فيها رسول الله ﷺ ؛ كان لزامًا على كل مؤمن أن يهاجر إلى المدينة رجعوا من الحبشة، أما من قصد بلاد الكفر لأجل السكنى والرفاهية والتوسع في أمور الدنيا والتنعم؛ فهذا قد خاطر بدينه ونفسه وعياله وأقامهم في موضع ينسلخون من دينهم؛ فهذا لا يحل، وقد رأيت بعيني رأسي من المسلمين الذين ابتلوا بالسكنى بين ظهراني الكفار في أوروبا وأمريكا من يبكي بكاءً مرًا وهو يرى ذريته ينسلخون من الدين أمام عينه، ولا يملك عليهم قوامة ولا ولاية؛ لأن الأنظمة المدنية لتلك الدول تمنعه من أن يقوم عليهم أو يأمرهم أو ينهاهم، فما أن تبلغ الفتاة
стр. 178
ثماني عشرة سنة، فلها أن تصاحب من تشاء، ولها أن تبيت مع من تشاء، ولها أن تتخذ صديقًا … إلى غير ذلك من الموبقات، يرى ذلك بأم عينيه ولا يحرك ساكنًا، فلا شك أن تعريض الإنسان ذريته لهذه المخاطر لأجل لعاعة من الدنيا مجازفة عظيمة وتعريض للنفس لكبائر هو في عافية منها، فبلاد الإسلام مهما بلغت من التخلف خير له؛ فإن الإنسان في بلاد الإسلام يقرع سمعه الآذان، ويسمع القرآن، ويجد أهل الإسلام، فالمقام فيها ليس كالمقام بين ظهراني الكافرين.
قوله: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ قَالَ الْبُغَوِيُّ ﵀: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فِي المُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِمَكَّةَ ولَمْ يُهَاجِرُوا، نَادَاهُمُ اللهُ بِاسْمِ الإِيمَانِ): استدل المصنف أيضًا بهذه الآية على الهجرة. فالله تعالى ناداهم باسم الإيمان، قال: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾، هذا يُفهم بأن من شرط الإيمان أن يهاجر الإنسان من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وأن هذا مقتضى العبودية ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾.
والبغوي إمام مفسر مشهور، وتفسيره جرى -ولله الحمد- على التفسير بالمأثور، فهو من تفاسير أهل السنة، ولعل الشيخ نقل كلام البغوي بمعناه لا بحروفه؛ فإن الذي في التفسير غير مطابق لهذا اللفظ، فكأن الشيخ ﵀ نقله بمعناه.
قوله: (وَالدَّلِيلُ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ : (لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) (١):
стр. 179
الحديث يدل على أن أمر الهجرة باق إلى أن تطلع الشمس من مغربها، وعلق التوبة بطلوع الشمس من مغربها؛ لأنه بعد طلوع الشمس من مغربها يوصد باب التوبة؛ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] فإذا طلعت الشمس من مغربها فلا توبة، وإذا غرغرت الروح في الحلقوم فلا توبة.
стр. 180
•قال المؤلف ﵀:
(فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي الْمَدِينَةِ أُمِرَ بِبَقِيَّةِ شَرَائِعِ الإِسْلامِ، مِثلِ: الزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ، وَالأَذَانِ، وَالْجِهَادِ، وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِعِ الإِسْلامِ، أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ، وَتُوُفِّيَ - صَلاة اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ - وَدِينُهُ بَاقٍ).
قوله: (فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي الْمَدِينَةِ أُمِرَ بِبَقِيَّةِ شَرَائِعِ الإِسْلامِ): ما استقر نبينا ﷺ بالمدينة، وأوى إليه أصحابه؛ صارت شرائع الإسلام تترى وتتوالى؛ لأن البيئة صارت مناسبة لإقامة بقية أركان الدين.
قوله: (مِثلِ: الزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ، وَالأَذَانِ، وَالْجِهَادِ، وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِعِ الإِسْلامِ): فشُرعت الزكاة، وشُرع الصوم، وقد تقدم معنا أن الصلاة قد شُرعت قبل الهجرة بثلاث سنين، وقد كانت مشروعية الزكاة والصوم في السنة الثانية من الهجرة، ولكن الزكاة كأمر عام قد نزلت فيها آيات في مكة: كقول الله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤]، لكن تفاصيلها بأنصبائها وشروطها وغير ذلك إنما حصلت في المدينة؛ فلذلك كان النبي ﷺ يبعث السُعاة؛ ليقبضوا الزكوات من بهيمة الأنعام ومن الخارج من الأرض من الحبوب والثمار وفق مقادير معينة جاء تفصيلها في المدينة، وأما الصوم فإنما فُرض في السنة الثانية من الهجرة، وصام النبي ﷺ تسع رمضانات إجماعًا، وقد كان الجهاد متدرجًا، فلم يفرض الجهاد دفعة واحدة، وإنما كان في بداية الأمر قد أُذن لهم في دفع الصائل وقتال الذين يقاتلونهم، ثم بعد ذلك توسع الأمر حتى نزلت آية السيف؛ فكانت إيذانًا بالجهاد في سبيل الله وإدخال الناس في دين الله