بالهين، إنما هي دماء تُسفَك وتُسفَح، وأعراض تُهتك وتفضح، وأبضاعٌ تُحلَّل وتنكح، وصدور تضيق أو تُشرَح، وقلوب تُكسر أو تُجبر وتُفسح، وأموال يُباذل بها ويُسمح، ونظام وجودٍ يُفسد أو يُصلح، وأماناتٌ تُنزع أو تودع، ومقادير تُرفع أو تُوضع، وأعمال يشهد على الله أنها صالحة أو طالحة، وكرَّةٌ يحكم بأنها خاسرة أو رابحة، وأن ذلك كله في الحقيقة منسوب إلى الله، إليه يعزوه، وعنه يقوله، وعلى نفسه ينادي بأنه الشرع الذي جاء به عن الله رسوله ﷺ .
وهو القائل في مسألة أنَّ القاضي لا يُحلّف ولا يُطلب بيمين: «قد كنت أكاد أُمسك عن الفتيا في ذلك؛ خشية أن يداخلني فيه شيء؛ لكوني قاضياً، ثم لم أقدم حتى رأيتُ خطي بذلك من نحو أربعين سنة»، هذا أو ما يؤدي معناه، سمعناه منه وشاهدناه.
ولما أذن لي بالفتيا ناولني رقعة وقال: اكتب عليها، فلما أمسكت القلم قبض على يدي وقال: «أمسك؛ فإنك لا تدري أين يؤديك قلمك»، ثم قال: هكذا فعل معي شيخي لما أذِنَ لي، وقال لي شيخي: «هكذا فعل معي شيخي»، فهذا شأنه ﵀ في تحريه.
ثم أنا لا أقول: يُحجَر على من لم يصل إلى هذه الرتبة، فإنا نحسب أنَّ الزمان عقيم بها، ولن نقطع على الله، بل أقول: من وصل إلى عشر معشاره علما ودينا، فدونه ومقالبة (١) المتقدمين، والخوض معهم في بحار الفتيا، أما من لم يُدانِ هذا المقام بعشر المعشار - وهم غالب علماء وقتنا هذا - فتعساً لهم وضلالاً مبينا، ثم هوانا بهم إن حدثتهم أنفسهم باقتحام مخالفة الأولين من غير نظر متين، (٢) من ذي
стр. 107
قوة عند ذي العرش مكين، فليفهم الفاهم ما يُلقى إليه.
فإن قلت: حسبانك أنَّ الزمان بمثل أبيك عقيم، هل عليه دليل قويم، أو هو من وساوس الشيطان الرجيم، وتخرص على الغيب ذميم؟
قلت: بل هو ظن وهاجس أوقعه الله في النفس، إن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، وأما قولك: «تخرص على الغيب» فهل تعتقد أيها السائل أنَّ الزمان عقيم بمثل الشافعي وأبي حنيفة، بل بمثل الإمام، والغزالي، أو لا (١)؟
فإن قلت: لا أعتقد ذلك، بل يقرب عندي وجود مثلهم، فلا كلام لي مع من هذا مبلغ عقله (٢)، ولقد أعظم الفرية على الله جهول هذه مقالته.
وإن قلت: بل هذا بعيد، فالذي سوّغ لك استبعاده ثم لم تعتقده تخرُّصا على الغيب سوغ لي أنا أيضا مثله، ولستُ لا أنا ولا أنت بقائلين: إنَّ ذلك ممتنع على القدرة - معاذ الله - بل إنه أمر لم تَجْرِ به العادة.
فإن قلت: إنما سوغ لي استبعاد مثل أولئك لما مضى عليهم من الزمان المديد، ولم نجد مثلهم، فقسنا ما سيأتي على ما كان.
قلتُ: وهذا الرجل نحن على قطع بأنه لم يُخلق بعد الغزالي نظيره، لسنا من ذلك في شك، فنحن في الحقيقة قد اعتبرنا فيه كما اعتبرت أنت في الغزالي، فكما اعتقدت أنه لا يجيء للغزالي (٣) نظير؛ لأنه ما جاء له نظير منذ مات،
стр. 108
كذلك نعتقد نحن أنه لا يجيء لهذا نظير؛ لأنه ما جاء له نظير بعد موت الغزالي، ويعتضد هذا بحديث: «لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه»، رواه البخاري (١)، وعقد له بابا، وحديث: «لا تزداد الدنيا إلا إدبارا» (٢). وحديث: «إِنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعا» (٣)، وما دلت عليه الأدلة من تقارب الزمان، وظهور أوائل الجهل، واندراس كثير من العلوم، وأنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده دونه، وهكذا شاهدناه وأخبرنا مَشيخَتُنا أنهم هكذا شاهدوا ذاكرين أنَّ شيوخهم قالوا لهم مثل ما قالوا لنا.
فإن قلت: قف هنا فعليك اعتراض، أليس قد قلت: كلُّ زمان دون الزمان الذي قبله، وهذا مسجل عليك بنقصان درجة أبيك عن مشايخه فضلا عن أشياخ أشياخه إلى أن ينتهي الحال إلى الطبقة التالية لطبقة الغزالي.
قلت: نحن لم نقل: كلُّ عالم في زمان تأخَّر فهو دون كل عالم في زمان تقدمه، وهذا لا يقوله عاقل، وإنما قلنا: كلُّ زمانٍ فهو بجملته دون الزمان السابق قبله، وقد يكون في هذا الزمان عالم لم يكن مثله في العصر الذي قبله وإن كان ذلك العصر أرفع، إما لكثرة عدد العلماء فيه، وإن لم يكن فيهم واحد يقاوم هذا الآتي بعدهم فجملتهم يقاومونه ويربون (٤) عليه، إن لم يقاومه كلُّ فرد منهم (٥).
فلزماننا فخر على الأزمنة السابقة عليه (٦) زمنا زمنا (٧) إلى سنة خمس
стр. 109
وخمسمئة - وهي (١) التي مات فيها الغزالي - بوجود هذا الحبر، ولتلك الأزمنة فخر على هذا الزمان بكثرة العدد من العلماء فيها، فقد كان هذا غريبا في زمانه لا كغرابة عالم القرن قبله في زمانه، إذ كان عند ذاك من يدانيه، ولم يكن عند هذا من يدانيه، وقد اعتبرت الأزمنة بعد الغزالي فوجدتُ الأمر على ما أَصِفُ لك.
فإن قلت: مَنْ تعتقد أنه كان يداني ابن الرفعة في عصره؟
قلتُ: كلا والله، لم يكن له في عصره مُدَانٍ غير أنه كان فقيها، وليس تَضَلُّعُه (٢) في سائر العلوم كالفقه، وهذا الذي نَصِفُهُ كان قد خاض (٣) العلوم بأسرها، والعدول عن هذا الفصل أولى؛ لما فيه من نشر الموتى بغير سبب طائل، رضي الله عن أهل العلم أجمعين.
فإن قلت: قولكم: إنَّ الأحاديث إنما دلت على تفضيل الزمان السابق على الآتي بعده بجملته لا على تفضيل كلّ فردٍ في الزمان المتقدم على كل فرد في المتأخر = مردودٌ؛ لِما حُكِيَ أَنَّ بعض السلف - إما الحسن البصري أو غيره (٤) - ذُكِرَ له حديث الزبير بن عدي: أتينا أنس بن مالك، فشكونا إليه ما نلقى من الحَجاج، فقال: «اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم»، سمعته من نبيكم ﷺ ، وقيل له: كيف هذا، وقد جاء عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج؟ فقال: «لا بد للزمان أن يتنفس».
стр. 110
فقد فهم أنَّ المراد: كل فرد، وإلا فكان بسبيل من أن يقول: الحَجَّاج وإن كان ظالما، ففي زمانه من بقايا صحابة رسول الله ﷺ وجلتهم ما ليس في زمان عمر بن عبد العزيز، وإن كان إمامَ هُدًى، والمُفضّل زمانُ الحَجَّاج على زمان عمر (١)، لا نفس الحجاج على نفس عمر.
قلت: إنما قيل هذا في الحَجَّاج وعمر؛ لأن الحجاج كان أميرا ذا شوكة من جهة عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز كان خليفةً، وصلاح الخليفة والأمير صلاح الناس، وفسادهما فساد يسري في الناس، فزمان عمر - لما كان عليه عمر من الصلاح - خير من زمان الحجاج الذي كان فيه صَلْبُ عبد الله بن الزبير، وسم عبد الله بن عمر، وهلم جرا إلى قتل سعيد بن جبير، فلا والله ما الزمان كالزمان، ولا الخليفة كالأمير، وإن كان في زمن ذاك الأمير سادات ليسوا في هذا الزمان، فقد كانوا مقهورين غير مسموع منهم، ولا مشار عنده إليهم.
فإن قلت: إذا رأيتم مثله بعد أن لم يكن من قريب ثلاثمئة سنة، فقد يكون أيضا مثله وإن لم يكن الآن بعد نحو هذه المدة، فكما جاء هذا الرجل بعد هذه الفترة التي لم يخرج مثله، جاز أن يجيء أعلى درجةً منه بعد فترة تُقارِبُ هذه الفترة، أو تزيد عليها، أو تنقص عنها.
قلتُ: لسنا ننكر ذلك، ولكن لما رأينا غلبة الجهل، والقنوع (٢) بيسير من العلم، وقعود الزمان بأهله = ظننا ظنًا ولسنا بمستيقنين، وهو هاجس أوقعه الله في النفس، وستمضي المُدَد، ويطول الزمن، ويرتفع الحسد بموت الحاسد
стр. 111
والمحسود، والسائل والمجيب، ثم يأتي الله بأقوام ينظرون: هل جاء مثله أو لا؟ وهل هذا الخاطر حقٌّ أو باطل؟ ثم هذا كله خروج عما نحن بصدده.
ونحن قانعون ممن يتصدَّى للترجيح أن يَعْشُرَ هذا الرجل في علمه ودينه، ولسنا نستبعد مجيء مَنْ يَعْشُرُه على قُرب من الزمان، فمن جاء بهذه المثابة فليُرَبِّح، وإن لا يَعْشُرْه في علمه ودينه فلا ينبغي أن يُجعَل الدين ملعبةً لمن شَدَا يَسِيرًا من الفقه، أو يَسِيرًا من الحديث، فيُقدِم على الترجيح بذلك القدر اليسير، الذي لو عرضه على الراسخين لأبانوا له فساد ما ظنه.
فإن قلت: إني لأجد من نفسي - على قصورها - قوةً على الترجيح في فروع كثيرة، نظرًا أو استنباطاً، ثم نقلا واطلاعاً.
قلتُ: إنما تجد هذه القوة - إن وجدتها، وسلمت عن رؤية النفس - في فروع معدودة، ولست تستطيع أن تدعي وجدانها على حد سواء بالنسبة إلى مسائل الشريعة بأسرها، ولن يصل إلى ذلك إلا من تضلع بعلوم ثلاثة هي: الفقه، والحديث، وأصول الفقه، وشارك في علوم أُخر، ثم كان الغاية في صحة الذهن وجودة النظر، وتقدمت له ممارسة في العلوم، بحيث كسبه مرور الزمان على الممارسة ودوام النظر، مع كثرة الحاصل في العلوم التي ذكرناها = قوةً وجد بها من نفسه القدرة على استواء في مسائل الشريعة، وأنه بالمرصاد لكل حادثة تقع من غير ميز بين حادثة وحادثة، أنه أهل لكشف غوارها، وتبيين مذهب الشافعي فيها.
فإن قلت: الشيخان يتبعان فيما يرجحانه الأكثر، فإذا خالفهما الشيخ الإمام ﵀، وكان مدعياً أيضًا اتباع الأكثر؛ فقد اختلفا في النقل لا في البحث
стр. 112
والاستنباط، وكتب المذهب - والله الحمد - بين أيدينا، ولا يعجز كثير من فقهاء وقتنا (١) أن يكشف عن هذه المسائل، ويحيط علما يقينا بالجانب الذي عليه الأكثر.
قلتُ: دعويان (٢) ممنوعتان، لا الشيخان يتقيدان بالأكثر، ولا الشيخ الإمام يدعي إذا خالفهما أنهما خالفا الأكثر، إلا فيما لعلهما خالفا فيه الأكثر من غير تقيد منه أيضًا بالأكثر، وقد قال هو في كتاب «الطوالع المشرقة»: «إنهما لم يتقيَّدا بالأكثر»، ونقلنا نحن عنه ذلك في كتاب «التوشيح».
فإن قلت: قد قال الشيخ الإمام في «باب الرد بالعيب»، عند الكلام في تبعية الحمل: «إنَّ الرافعي عدَلَ عن طريقة البناء على أنه هل يقابل بقسط من الثمن؛ لأجل تصحيح الأكثرين التبعية»، والأمر كما قال، إذ قال الرافعي ما نصه: «وقضيَّة المأخذ الأول أن يكون الأصح اختصاص الرجوع بالأم؛ لأنَّ الأصح أنَّ الحمل يُعرف، وكذلك ذكر بعض شارحي «المفتاح»، إلا أنَّ الأكثرين مالوا إلى ترجيح القول الآخر، كما رجحه صاحب الكتاب، وذكروا أنه المنصوص، فليوجه بالمأخذ الثاني»، انتهى (٣).
وهذا يدلُّ على أنَّ الرافعي يتقيد بالأكثرين، وأن الشيخ الإمام يعرف منه هذا، فكيف ساغ له أن يقول في «الطوالع المشرقة»: «إنه لم يتقيد بالأكثر»؟
قلت: اعلم أني كثيرا ما كنت أسمع الشيخ الإمام يقول ما ذكره في الطوالع
стр. 113
المشرقة» من أنَّ الشيخين لم يتقيدا بالأكثر، ويحكي لنا مجلسه في ذلك مع ابن العطار تلميذ النووي، في سنة سبع وسبعمئة بدمشق، وقوله له:
- لِمَ اتَّبَعَ شيخُك ترجيح الأكثر؟
وقول ابن العطار في جوابه:
- لأن المذهب نقل، والنقل يُرجّح بالأكثر.
ثم ردَّ الشيخ الإمام عليه بما ذكره في كتاب «الطوالع»، وقوله:
- لا أتباعهما للأكثر بواقع، ولا هذا لو اتَّبَعَا الأكثر بجواب.
ثم الآن جدَّدتُ النظر، والذي يَرْجَحُ عندي: أنَّ الخلاف إن كان من الطرق فلا بأس بالترجيح بالأكثر؛ لأنَّ الطرق محض نقل، فلا يُستبعد أن يُرجح فيه بالكثرة كالرواية، وبهذا يندفع ترجيح طريقة البناء المذكورة في هذا السؤال؛ لأنَّ الأكثر - كما نقل الرافعي - على التبعية، لا سيما وقد ذكروا أنه المنصوص، فهذا نقل مجرد خالٍ عن التفقه، فهو رواية محضة، ومن ثم رجح ابن أبي عصرون الطريقة القاطعة بجواز رهن المدبر؛ لقول الغزالي: «إنَّ أكثر الأصحاب عليها»، وإن كان غير موافق على ذلك، مع كونه لم يتقيد بالأكثر.
وإن لم يكن من الطرق، فإن كان من المسائل المولدة بعد الأكثر، أو من بعضهم، ويُعنى بذلك: ما ليس للأكثر فيه كلام = فلا شك أنه لم يتقيد بالأكثر في ذلك واحد من الثلاثة، ولا غيرهم ممن سبقهم إلى التصدي للترجيح كابن أبي عصرون وغيره، وكيف يتخيَّل ذلك ولا أكثر؟! وكذلك المسائل التي تكلم الأكثرون فيها، غير أنه لا أكثر في أحد الطرفين، بل الطرفان متوازيان.
стр. 114
وأما المسائل التي تكلم الأقدمون من علمائنا فيها، وكان أكثرهم على جانب، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن لا يحيط الرافعي علما بذلك، فقد وقفنا له على مسائل رجح فيها ما نحن على قطع بأن الأكثر على خلافه، غير أنه لم يبلغه، بل ربما أُتي من خَلَلٍ في نسخة وقَفَ عليها، كما قال فيما إذا كان الزوج يُعاشر الرجعيَّةَ معاشرة الأزواج، وأن الراجح عدم انقضاء العِدَّة، ما نصه:
«ثم في الفرع فائدتان، إحداهما: قال الشيخ الفرّاء في «الفتاوى»: الذي عندي أنه لا رجعة للزوج بعد انقضاء الأقراء وإن لم تنقض العِدَّة؛ بسبب المفارقة أخذا بالاحتياط من الجانبين، كما لو وطئ الرجعية بعد مضي قُرْءين من وقت الطلاق، عليها أن تعتد بثلاثة أقراء من وقت الوطء، ولا تجوز الرجعة في القرء الثالث منها، وفي «فتاوى القفال» ما يوافق هذا»، انتهى (١).
وجرى عليه في «الشرح الصغير»، ولم يقتصر على نقله عن الفراء، بل نقله عن الأئمة، وفي (المحرر)، ونسبه إلى المعتبرين، وتبعه النووي في «المنهاج» فجزم به، وجعله متن المذهب، ولم يزد ابن الرفعة في المسألة على أن تفقه فيها فيما إذا كانت المعاشرة بالوطء؛ لأنَّا إن قلنا: يثبت له الرجعة في عِدَّة الغير إذا كانت عِدَّته منتظرةً؛ فظاهر، وإن قلنا: لا يثبت فذاك؛ لأجل تلبسها بعدة الغير، وهي مفقودة هنا.
واعلم أن الذي يقتضيه الفقه أنه يراجع ما دامت العِدَّة باقية، كما تفقهه ابن الرفعة، وهو المنقول أيضًا في «فتاوى القاضي الحسين» في «كتاب الطلاق»؛ إذ
стр. 115
هناك ما نصه: «ما دام الزوج يدخل عليها ويعاشرها، سواء أكان يطؤها أم لا، لا يُحكم بانقضاء عدتها حتى يجوز له أن يراجعها وإن مضت لها أقراء»، انتهى (١).
بل كذلك هو في «فتاوى الشيخ الفراء» نفسه، وعزاه إلى أصحابنا فقال: «إذا كان يعاشر الرجعية معاشرة الأزواج؛ قال أصحابنا: لا نحكم بانقضاء العدة وإن مضت بها أقراء، وله الرجعة، والذي عندي أنه لا يُحكم بانقضاء العدة، ولكن بعد مضي الأقراء لا رجعة له بالاحتياط في الجانبين، كما لو وطئ الرجعية بعد مضي قُرء عليها، من وقت الوطء (٢) عليها أن تعتد بثلاثة أقراء، ثم في القرء الثالث لا يجوز له مراجعتها، وكما أن عند أبي حنيفة: الخلوة توجب العِدَّة ولا تُثبت الرجعة، وهذا لأن تحريم النكاح وإبقاء حكم العِدَّة من حيث إنه يبعد أن تكون امرأة على حكم فراش رجل يعاشرها معاشرة الأزواج، ثم تخرج وتتزوج في الحال، وتحريم الرجعة لحقيقة انقضاء العدة»، انتهى (٣).
وما أوقع الرافعي إلا أنه فيما يغلب على الظن وقعت له نسخة سقط منها: «وله الرجعة»، وصار اللفظ هكذا: «قال أصحابنا: لا يُحكم بانقضاء العدة وإن مضت بها أقراء، والذي عندي … » إلى آخره، وقد وجدتُ أنا نسختي (٤) على هذه الصورة التي وقعت للرافعي، ثم جمعتُ نسخًا كثيرة فوجدتُ الصواب ما
стр. 116
حكيته، وأصلحت نسختي عليه.
وأما «فتاوى القفال» فلم أكشف منها ذلك إلى الآن، وقد وقع له في هذا من الغلط على البغوي كما وقع له من الغلط عليه أيضًا في مسألة: "حفصة وعمرة طالقان إن شاء الله"، وسيأتي ذكرها في الباب الأول.
فهذا وما أشبهه ـــ وهو كثير - لا يمكن أن يكون واحد منهم فيه مع الأكثر، بل غايته أنه وقف على كلام لرجل لم ير سواه، فظنه المذهب.
وقد وقع نظيره للنووي والشيخ الإمام -رحمهما الله-، ففي زيادة «الروضة»: «وأما قدر الطريق فقل من تعرَّض لضبطه، وهو مهم جدًّا» إلى أن قال: «وإن كان بين أراض يريد أصحابها إحياءها، فإن اتفقوا على شيء فذاك، وإن اختلفوا فقدره سبع أذرع»، وهذا معنى ما ثبت في صحيحي «البخاري» و «مسلم» (١) عن أبي هريرة ﵁: قضى رسول الله ﷺ عند الاختلاف في الطريق أن يُجعل عرضه سبع أذرع، انتهى (٢). ذكره في «الصلح»، وتبعه الوالده ﵀ في «شرح المنهاج».
واعلم أن النووي اعتمد فيما ذكره على فتوى ابن الصلاح به، ومنقول المذهب أن المرجع في ذلك إلى الحاجة، به صرَّح الماوردي في «الحاوي»، والروياني في «البحر»، كلاهما في «باب القسمة»، وذكرا الحديث وقالا: «إنه محمول على عُرف المدينة، فإنَّ البلاد تختلف طرقها بحسب اختلافها، وقد يكون في بعض البلاد ما هو أقل من هذا، وقد يكون ما هو أكثر»، قالا: «وهذا في الطريق العامة، وأما الخاصة بين شريكين يتنازعان قدر الطريق، فالشافعي ﵁ يعتبر
стр. 117
الحاجة أيضاً ومَا جرت به العادة، وأبو حنيفة يُقدِّره بِمَا تسعه الحمول ولا يضيق بها» (١).
فانظر كيف عقدًا المسألة خلافية، ولم يذكرا فيها أنَّ أحدًا قال بتعميم الحديث في كُلِّ وَرْدٍ وصَدَرٍ، وقد تكلم الخطابي على الحديث في كتاب «معالم السنن» (٢)، وقال: «يشبه أن يكون على معنى الإرفاق والاستصلاح دون الحصر والتحديد».
وكذلك ذكر الروياني في «البحر» (٣)، والبغوي في «شرح السنة»، في «باب وضع الخشب على جدار الجار»، لكنه قال في آخر كلامه: «ويشبه أن يكون معناه: إذا بنى، أو قعد للبيع، بحيث يبقى للمارة من عرض الطريق سبعة أذرع فلا يُمْنَع؛ لأنَّ هذا القدر يزيل ضرر المارة، وكذلك في أراضي القرى التي تُزرع إذا خرجوا من حدود أراضيهم إلى ساحتهم لم يُمْنَعوا إذا تركوا للمارة سبعة أذرع»، انتهى (٤).
قلت: وهذا محمول على ما إذا زالت الحاجة بقدر سبعة أذرع كما هو الغالب، ولا يمكن أن يقال: لا يزاد على سبعة أذرع مع الحاجة إلى الزيادة، وعلى غير الشوارع، فأمَّا ما هو شارع مستمرُّ الطروق (٥) فلا يَحِلُّ لأحد أن ينقص منه بوجه، وقد تبيَّن بهذا كله أنَّه لم يقل أحد: إنَّه بمعنى الحصر الذي أفتى به ابن
стр. 118
الصلاح، وتبعه النووي والوالد، والظن بهم ﵏ أنهم لو رأوا ما قاله هؤلاء لما خالفوه، أو لذكروه ونبهوا عليه.
فإن قلت: الحديث قريب من حديث التقييد بالبلوغ إلى الكعبين في سقي الماء، وقد حكم جماهير أئمتنا بظاهره، وسَوَّغُوا حبس الأعلى إلى بلوغ الكعبين.
قلتُ: قد قال الماوردي: «ما التقدير ببلوغهما على عموم الأزمان والبلدان، بل هو متقدّر بالحاجة» (١)، وجزم به المتولي، وقال الوالد ﵀: «إنه قوي» (٢)، قال: «ولولا هيبة الحديث، وخوفي من سرعة تأويله وحمله = لكنتُ أختاره، لكني أستخير الله فيه حتى ينشرح صدري، ويقذف الله فيه نورا بمراد نبيه ﷺ » (٣).
يعني: يتبين له أنه ﷺ هل أراد التحديد بالكعبين، أو خرج على مقدار الحاجة في تلك الواقعة بخصوصها، فلم يجرِ على ظاهر اللفظ لما ذكرناه، وهذا في حديث الماء، وأما حديث الطريق فلم نَرَ مَنْ جرى على ظاهره، والظنُّ بمَن حاول ذلك أن يذكر خلاف المخالفين فيه ويدفعه، ثم لا يوجب له ذلك أن يكون هو المذهب.
فقد تبين أنَّ ما أفتوا به في قدر الطريق خلاف جادة المذهب، وأنهم أتوا جميعاً من فقدان نقل في المسألة، تجاوز الله عنا وعنهم، وأنَّ إقدامهم على الفتيا بمجرد ظاهر الحديث من غير بحث عنه فيه ما فيه، فإنه ليس ظاهره في قدر الطريق بأظهر منه في التقييد بالبلوغ إلى الجَدْر في حديث: اسق يا زبير حتى يبلغ الماء
стр. 119
الجَذْرَ» (١)، وقد خرجوا عنه وهم حالة فتياهم بالحديث في أوسع العذر.
وقد يُحمل كلامهم على ما إذا اندفعت الحاجة بسبعة أذرع، ولا يبقى على إطلاقه، ولن يدعي عاقل الإحاطة بجزئيات المذهب وكلياته، واستحضار كباره وصغاره في كل وردٍ وصَدَرٍ، ولا صاحب المذهب رضوان الله عليه.
وقد وقع لابن الصلاح أيضًا ثم للوالد بعده مسألة تخالفا الفتيا فيها، وصنف فيها الوالد مصنفًا مستقلًا، وظنَّ كلّ منهما أنها غير منقولة، وبيَّنتُ في كتاب «الأشباه والنظائر» في قاعدة: "نقض "القضاء" أنَّ الرافعي حكى في المسألة قولين من تخريج ابن سريج، وقلت: «فليعجب من حبرين كبيرين ترددت بينهما مسألة أمعنا النظر فيها، وأداراها في دروسهما، وتمهلا فيها أيامًا، وبين وفاتيهما أزيد من مئة سنة، وهي مسطورة في «الرافعي»، لم يقنع فيها بوجهين، بل حكى قولين خرجهما ابن سريج، فلهما دائران في الوجود نحو خمسمئة سنة» (٢)، وابنُ الصلاح أوسعُ عُذرًا من الوالد؛ لأنه لم ينظر «شرح الرافعي».
وهذا نظير ما كان يحكيه لنا الشيخ الإمام عن ابن الرفعة قال: دخلت عليه (٣)، فجرى بيني وبينه ذكر الطلاق في الذمة الذي (٤) يؤثر عن القاضي الحسين، فقال: عمري ما سمعتُ طلاقًا في الذمة، قال الشيخ الإمام: ولقد سمعه وكتبه مرارًا، وهو في (الرافعي وغيره، غير أنه لم يتذكره حالة المذاكرة.
стр. 120
وربما (١) وقع للنووي الكثير من ذكر خلاف المذهب عند اختصاره لكلام الرافعي، لا عن قصد، بل عن سبق قلم، كما قال في «باب التفليس»: «إنَّ المشهور حلول الدين بالجنون» (٢)، وفي «باب الغصب»: «إنَّ المشتري لا يرجع بقيمة الولد» (٣)، والذي في «الرافعي» عكس ذلك، وكذلك هو في «المنهاج»، وما قاله النووي في «الروضة» إلا عن سبق قَلَمٍ.
وهذان المكانان يردان في الباب الأول من هذا المجموع للتنبيه عليهما، لا لأنَّ النووي يخالف فيهما، فأنا على قطع بأنه غير مخالف فيهما، ولو خالف لبيَّنَ ذلك، وإنما وقع من طغيان القلم، كما وقع له في (٤) الشفعة فيما إذا عين الشفيع قدرًا، وقال المشتري: نسيتُ قدْرَ الثمن، فإنه قال: «إنه كالنكول»، والذي في «الرافعي» أنه على رأي كالنكول، يعني: والصحيح خلافه، نبه عليه الوالد أيضا، ومثله تحلي النساء بالنقود المثقوبة، وسيأتي (٥).
فهذا وأمثاله (٦) لا ينبغي إدخاله في هذا الكتاب، وإنما ذكرنا منه ما ذكرنا تنبيها على غيره، ولئلا يُغتر به، ومثله كثير، وليس في شيء مما نحن فيه.
ومثله في «الرافعي» قوله: «لو حلف لا يأكل السويق، فمائه (٧) في الماء
стр. 121
وشربه؛ حنث» (١)، والذي في «الروضة» أنه لا يحنث، وكذا هو في «النهاية»، وهو الصواب (٢)، وما في «الرافعي» محمول على سبق قلم، فأصلحه النووي، وجعله من الأصل؛ لعلمه أنَّ الرافعي غير مخالف فيه وإن طغى القلم.
وصنيعنا ذلك مع النووي كصنيع النووي مع الرافعي فيما ذكرناه، وكحذفه ما في «الرافعي» من أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن قتل الوزغ، فقد أصاب، وسيأتي التنبيه على هذا، وتبيين أنه ﷺ أمر بقتله.
وربما توهم النووي في مكان لا ترجيح للرافعي فيه أنه (٣) رجح، وفي مكان رجح فيه أنه لم يُرجح، فيرجح هو، ويكون الأمر بخلاف ما توهم، كما سيأتي في استيفاء الراهن ما يطلق له من المنافع بنفسه، فإنَّ الرافعي رجح أن له ذلك مطلقا، سواء كان ثقةً أم لم يكن، وتوهم النووي أنه لم يرجح شيئًا، فقال: «قلت: المذهب الجواز مطلقا، وفي المسألة طريقان، إحداهما: الفرق بين الثقة وغيره، والثانية: إجراء القولين، لم يرجح الرافعي منهما شيئًا».
وتوهم النووي أنه رجح طريقة إجراء القولين، وجعل قوله: ويُشبه أن يكون هذا أظهر إشارة إليها، وإنما هو إشارة إلى جواز الاستيفاء مطلقا الذي جعله هو المذهب.
الضرب الثاني: أن يحيط علما بأنَّ الأكثر على مقالة ثم يذهب إلى خلافها، فهذا قليلا ما رأيت الرافعي يفعله، ثم إذا فعله فقليلا ما رأيته يأتي بلفظ: "الصحيح"
стр. 122
في مقابلتهم، بل لم أر ذلك (١)، فهذا صنيع الرافعي ﵀، وسأذكر بعض ذلك تنبيها على ما عداه.
وأما النووي ﵀ فلا ضابط له في هذا، بل ربما أتى بلفظ: "الصحيح" مع اعترافه بأنَّ الأكثر على خلافه، لا سيما إذا اعتضد بنص للشافعي.
وأما الشيخ الإمام فبعيد أن تلفظ شفتاه فيما يرجحه هو بلفظ: "الصحيح"، لم أرَ له ذلك إلا في نادرٍ من المسائل، سواء أكان ما رجحه عليه الأكثر أم لم يكن، ثم هو ينادي أنه لا يخرج عما يقتضيه نظره في المذهب واجتهاده فيما يتكلم فيه مذهبًا عن قاعدة إمامه، وما دلت عليه نصوصه، غير متقيد بالكثير ولا بالأكثر في ورد ولا صدر.
وبالجملة أقرب الثلاثة إلى التقيد بالأكثر الرافعي، وهو مع ذلك غير متقيد، غير أنه عند مخالفتهم يأتي بأسهل العبارات، ولم أره يذكر لفظ: "الصحيح" مع الاعتراف بمخالفة الأكثر في واحدة من المسائل.
فإن قلت: قد قال في «باب سجود السهو»: «الجلوس بين السجدتين ركن طويل أو قصير؟ وجهان؛ أحدهما طويل، حكاه إمام الحرمين عن ابن سريج والجمهور، والثاني: قصير، حكاه عن الشيخ أبي علي، وهذا هو الذي ذكره الشيخ أبو محمد في «الفروق»، وتابعه صاحب «التهذيب» وغيره، وهو الأصح»، انتهى (٢). فقد جعل الأصح مقابل قول الجمهور.
قلت: فرق بين "الأصح " و "الصحيح"، ثم إنما جعله الأصح حتى أشار إلى
стр. 123
عدم موافقة الإمام في دعواه أنَّ الجمهور على أنها طويلة، بدليل قوله: «وهذا هو الذي ذكره الشيخ أبو محمد … » إلى آخره، وبدليل أنه قدم في صفة الصلاة الجزم بأنه قصير، وأنه قال في «الشرح الصغير»: «إنَّ هذا الوجه هو الأصح الأقوى»، وأُراه أشار بـ «الأصح» إلى رجحانه نقلا، وبـ «الأقوى» إلى رجحانه في نظره، كما قال في كتاب النفقات في الإعسار بالمسكن: «إنَّ الأصح ثبوت الخيار» إلى أن قال: «وهو أوجه» (١)، فجمع بين كونه أصح وأوجه؛ لما ذكرناه فيما نظن (٢).
فإن قلت: كيف يخالف الإمام في نقله عن الجمهور وهو أمر نقلي، والإمام ثقة؟
قلتُ: قد يقع الوهم في النقل من أثبت الثقات، وكم من مكان (٣) تخالف الناقلون فيه، وللرافعي مع الإمام من ذلك شيء كثير، ويكفيك قول الإمام في الفرع المنقول عن القاضي في نكاح المشركات: «والأصحاب كلهم على مخالفته، وهو هفوة منه … » (٤) إلى آخر ما ذكره، ثم اقتضى كلام الرافعي أن الأمر في النقل عن الأصحاب على خلاف ما قال، وقد حفظ الرافعي في (٥) التفليس اللسان استعمالا للأدب في نحو ذلك.
فإن قلت: ما حال الرافعي إذا أطلق: "الأصح"، أيعني به الأصح نقلاً أم نظراً؟
стр. 124
قلت: إنما يعني - فيما أحسب - الأصح نقلا، ثم الغالب أن نظره يوافق ما رجحه نقلاً، وربما صرح فضم إلى الأصح نحو ما أسمعناك من الألفاظ، وربما اكتفى بذكر الأصح وتبرأ عن عهدة النظر، وربما خالف فأتى بنحو ما داناه (١) أيضا من الألفاظ.
فإن قلت: أله قدوة في إطلاق الأصح مع كونه لا يراه راجحاً في نظره؟
قلتُ: الباز الأشهب، عَلَمُ المذهب، أبو العباس ابن سريج، ألا تراه صحح رواية الربيع: أن السيد إذا كاتب عبده المجنون، ونقد المال المسمى؛ أنه يعتق، ويثبت التراجع بالقيمة، وصحح أبو إسحاق رواية المزني أنه لا يثبت التراجع، قال المحققون من أئمتنا - منهم إمام الحرمين (٢) -: لم يصحح أبو العباس ما رواه الربيع فقها ولكن نقلاً؛ لأنه رآه أوثق في النقل، مع علو قدر المزني، وما استرابوا في ميل منقول الربيع عن قاعدة المذهب (٣)، وأنَّ القياس منقول المزني.
فإن قلت: قد قال الرافعي في أوائل صلاة الجماعة في إمامة الرجل بالنساء: «لكن لا يجوز أن يخلو بهنَّ» (٤)، مع قوله في أواخر العدد: «إنّ الحكاية عن الأصحاب جواز خلو رجل بامرأتين ونسوة إذا كن ثقات» (٥)، فمنعه في صلاة الجماعة مع اعترافه في العدد بأن الأصحاب على الجواز مخالفة للأصحاب قاطبةً، فضلاً عن أكثرهم.
стр. 125
قلتُ: إنما مَنَعَ في صلاة الجماعة خلو الرجل بالواحدة من النساء، وقوله: («بهنَّ») يعني: بجنسهنَّ، أما الثنتان فصاعداً فلم يمنعه، وهو الذي نُقل في العدد عن الأصحاب جوازه، وهو المعتمد، فإنَّ ذلك ليس بِخُلُو ألبتة، إذ لا يقال لمن كان بين نسوة أو امرأتين: إنه مختل بهن (١).
فإن قلت: قد ذكر أنَّ الأكثرين قالوا فيمن مات وخلف ألفًا، فادعى عليه إنسان بألف، وادعى آخر أنه أوصى له بثلث ماله، وصدقهما الوارث معا: إنَّ المال يُقسم بينهما أرباعًا، وأنَّ الصيدلاني قال: «يُقدَّم صاحب الدين، وتسقط الوصية»، قال: «وهو الحق»، وقال النووي: «إنه الصواب»، ذكراه في «باب الإقرار»، ولعلَّ لفظ "الحق" المقابل للباطل والضلال، أبلغ من لفظ: "الصحيح" المقابل للفاسد.
قلتُ: إنما عبّر بلفظ الحق؛ لأنه قضيَّة (٢) قواعد الأكثرين، وقولهم: إِنَّ الدين يُقدَّم في غير هذه المسألة، وإن كان لمنازع أن ينازعه ويقول: لا نسلّم أَنَّ الوارث يصدق على الموصى له، بل ينبغي أن يأخذ صاحب الدين ما وراء الثلث، ويُوقف أمر الثلث، أو تقع فيه القسمة، وهذا شيء قد يُحَدُّ (٣) إليه النظر، والأظهر تقدم صاحب الدين، وقواعد الأكثر تدلُّ له، فما نحن على ثقة من مخالفتهم (٤)، وإن وقع في هذه العبارة فقد يقع في أثناء الكلام ما لو تأمله قائله لما قاله.
стр. 126
ومثله قال في باب الحجر (١) في الخنثى المشكل يوجد منه أحد الأمرين: من المني والحيض، أو يُمني ويحيض من الفرج: «جواب عامة الأصحاب أن لا يُحكم ببلوغه، وقال الإمام - وهو الحق - ينبغي أن يحكم به» (٢).
وبالجملة فقد تبين لك أنه لا يتقيد بالجمهور، غير أنه عند مخالفتهم قلَّما يأتي بلفظ "الأصح "، أو "الصحيح "؛ تأدبا معهم ﵀، فإنه كان طاهر اللسان.
وهذه مسائل أُخر (٣) أشار فيها إلى مخالفة الأكثر: منها: قال في «المحرر» فيما إذا دَمِيَ سلاحُ المحارب وهو في صلاته، واحتاج إلى إمساكه: «إنه يمسكه، ولا قضاء في الأقيس»، مع قوله في (الشرح) (٤): (إنَّ الإمام حكى عن الأصحاب أنه يقضي)، ثم أشار - أعني الرافعي - في «الشرح» وفاقًا للإمام إلى أنَّ الأقيس نفي القضاء، والأشهر وجوبه، ووافقه كل من النووي والشيخ الإمام.
أما الشيخ الإمام فقال: «الأمر كما ذكره من أنَّ الأقيس عَدَمُ القضاء، لكن الأشهر وجوبه»، وأما النووي فقال: «إنَّ ظاهر كلام الأصحاب القطع بوجوب القضاء» (٥)، فانظر كيف صرحا بمخالفة الأكثر والأشهر، إلا أن الأكثرية والأشهريَّة ليست مصرحاً بها في كلام الرافعي إلا حكاية عن الإمام، فليتأمل كلامه.
стр. 127
ومنها: إذا قالت: طلقني ثلاثاً بألف، فقال: أنت طالق واحدةً بألف، وثنتين مجاناً، قال الرافعي (١): «فالذي نقله الفوراني، وحكي عن القاضي الحسين والصيدلاني وغيرهما: أنَّ الأولى تقع بثلث الألف ولا تقع الأخريان»، وقال الإمام (٢): «القياس الحقُّ أن لا تقع الأولى وتقع الأخريان رجعيتين». قال الرافعي (٣): «وهو حسن متوجه، والأول بعيد». لكن الرافعي لم يعترف بأنَّ الأكثر على الأول، بل قال: إن الغزالي وغيره تابعوا الإمام، وبتقدير اعترافه فلم يصحح، وإنما استحسن واستبعد (٤).
ومنها: قال (٥) في «الشرح الصغير» (٦): «إنَّ أظهر القولين عند أكثرهم أن ولد المدبرة مدبَّر، مع أنَّ الذي صححه في «المحرر» أنه قن مملوك للسيد، وقال الوالد في «باب الرهن» من «شرح المهذب»: «إنه المختار»، وقال النووي (٧): إنه الأظهر»، غير أنه نسبه إلى الأكثرين.
ومنها: قال (٨) في «كتاب الكفارات» (٩): «إنَّ الشيخ الكبير يجزئ في كفارة الظهار، إلا أن يعجز عن العمل والكسب». قال: «وفي «التجربة» للروياني: أنَّ
стр. 128
الأصحاب قالوا: يجزئ الشيخ الكبير، ومنعه القفال إذا عجز عن العمل، وهو الأصح. قال الرافعي: «وفي هذا إثبات خلافٍ في الشيخ العاجز».
قلت: ومخالفة منك للأكثر؛ لأنه إذا ثبت أن الأصحاب قالوا: يجزئ العاجز، وخالفهم القفال، وذهبت أنت إلى تصحيحه = كنتَ مصرّحًا بمخالفة الأكثر.
وقد رأيتُ ما نقله عن «التجربة» فيها، وهذا نصه في «باب الظهار»: «مسألة: الشيخ الكبير يجوز عتقه، ذكره أصحابنا، وقال القفال: إن عجز عن الكسب والعمل لا يجوز، وهذا أصح (١)»، انتهى.
وأنا أقول: إنما هذا من القفال تقييد لما أطلقه الأصحاب، فلا تصريح عنهم بهذه الحالة، وقوله: «أصح» يعني: أنه حُرّر وقيد في موضع الإطلاق فكان لفظه أصح، ولا يلزم منه مخالفة لهم في موضع القيد، ويوضحه أنه قال في «البحر» ما نصه: «قال أصحابنا: والشيخ الكبير إن كان يُرجى عمله يجوز، فإن كان عاجزًا عن الكسب والعمل لا يجوز» (٢)، انتهى. فقد نقل مقالة القفال عن الأصحاب، فدل أنه نزل إطلاقهم عليها، وإلا لتعارض نقلاه، فما هنا مخالفة للأكثر ولا للأقل، نعم، الرافعي منازع في مباحثته حيث قال: «وفي هذا إثبات خلاف في الشيخ العاجز»، فقد تبين أنه ليس فيه ما يقتضي ذلك.
ومنها: إذا اشترى شاة وجعلها أضحية، ثم وجد بها عيباً؛ رجع على البائع بالأرش، وأكثرهم على أنه يصرفه إلى جهة الأضحية، والأقوى: أنه يكون له.
стр. 129
قاله الرافعي في باب الضحايا (١).
ومنها: في «باب المسابقة»: «لا يضر اختلاف النوع، فيجوز بين فرس عربي وعجمي وتركي، وعن أبي إسحاق: أنه إذا تباعد النوعان كالعتيق والهجين من الخيل، أو النجيب والبختي من الإبل؛ لم يجز»، قال الرافعي: «وهذا ما ينبغي أن يُرجَّح وإن كان الأول أشهر؛ لأنه إذا تحقق التخلف، فأي فرق بين أن يكون لضعف أو عارض، أو لرداءة نوع» (٢).
هذا كلامه في «الشرح الكبير»، وليس فيه أن الأول عليه الأكثر، بل أنه أشهر، ولا يلزم من الشهرة أن يكون عليها الأكثر، ولا جزم بترجيحه جزمًا، بل ذكر ذلك بحثًا، ولم يستمر عليه في «الشرح الصغير»، بل قال: «وتجوز المسابقة على الفرس العربي والعجمي، وعلى العربي والتركي، وقيل: إذا تباعد النوعان كالعتيق والهجين لم تجز»، انتهى مختصرًا.
والنووي فَهِمَ أنَّ الأشهر عليه الأكثر فقال (٣): «قول الأكثرين محمول على ما إذا لم يقطع بسبق العتيق والنجيب، فقول أبي إسحاق ضعيف إن لم يرد به هذا، فإن أراده ارتفع الخلاف».
وقد تباعدت به وبابن الرفعة الأنحاء، فإنه فهم أنَّ المسألة فيما إذا لم يتحقق سبق العتيق أو النجيب، وابنُ الرفعة فهم من قول الرافعي: «لأنه إذا تحقق
стр. 130
التخلف … » إلى آخره، أنَّ الرافعي فهم أنَّ المسألة في أعم من ذلك، فقال: «وهذا منه - يعني الرافعي - مؤذن بجريان الخلاف مع تحقق التخلف، وهذا لم أظفر به».
ومنها: إذا نقص الوكيل بالاختلاع عن المقدَّر فالنص أنه لا يقع، وإن نقص عن مهر المثل عند الإطلاق فالنص أنه يقع، ومن الأصحاب من قرَّر النصين، ومنهم من نقل وخرج.
قال الرافعي (١): «واتفق الناقلون على أنَّ الأصح من القولين فيما إذا نقص عن المقدر: عدم وقوع الطلاق، فأما إذا نقص عن مهر المثل في صورة الإطلاق، فكذلك رجح صاحب «التهذيب» عدم الوقوع، وكأنه أقوى توجيها، لكن العراقيين والقاضي الروياني وغيرهم رجحوا الوقوع»، انتهى.
فلم يزد عند مخالفة هؤلاء على أن قال: «كأنه أقوى توجيها»، مع كونه لم يَنقُل عن الأكثر، وإنما أوماً إلى أن الأكثر عليه، وهو الذي رجحه في «المحرر»، ورجحه النووي في «المنهاج»، والوالد في «شرحه»، غير أنَّ النووي جعل في متن الروضة الأظهر بقاء النصين، وذلك مدخول، وسيأتي هذا الفرع في الباب الأول لأجل ذلك.
ومنها: [استخلاف] (٢) القاضي في أمرٍ خاص، كتحليفٍ وسماع بَيِّنَةٍ، قال الرافعي (٣): «منهم من جعله على الخلاف» يعني: في الاستخلاف في أمر عام، قال: «وهو قضيَّة إطلاق الأكثر، وعن القفال القطع بجوازه؛ لأنَّ القاضي
стр. 131
لا يستغني عنه، وهو جار مجرى التوكيل»، انتهى.
وهذا التعليل إن كان من الرافعي تأييدا لمقالة القفال؛ ففيه إشعار بترجيحها على ما ذكر أنه قضيَّة إطلاق الأكثر، غير أنه لم يصرح بأنه قول (١) الأكثر، ولا بترجيح مقالة القفال، وقد حَذَفَ في «الروضة» قوله: «وهو جارٍ مجرى التوكيل»، واقتصر على احتجاجه بالضرورة، ونِعْمَ ما فَعَل، فلا يجري هذا مجرى التوكيل، وليس في أفعال القاضي على وجه القضاء ما يجري مجرى الوكالة.
ووددت لو رجح جواز الاستخلاف في التحليف دون سماع البيّنة، فإنها من منصب القضاء، وبهذا جرت عادة الحكام، فلم نرهم يستخلفون في سماعها، ورأيناهم يستخلفون في التحليف.
ومنها: إذا كان العلو لواحد والسفل لآخر، وتنازعا المرقى الداخل المنقول، فنقل (٢) الرافعي (٣) عن ابن كج عن الأكثرين: أنه لصاحب العلو، وعن ابن خيران: أنه لصاحب السفل، قال: «وهو الوجه». وليس في نقله عن ابن كج اعتراف بموافقته في النقل عن الأكثر، ولا في قوله: «وهو الوجه» غير مجرد إيماء إلى الترجيح، وقد نوزع في ذلك، وسيأتي في «الباب الأول».
ومنها: تجويز النظر إلى الأجنبية، ذكر أنَّ أكثر الأصحاب - سيما المتقدمين - عليه، وقال في «المحرر»: «الأولى التحريم».
ومنها: إذا رهن ما يتسارع إليه الفساد بدين مؤجل؛ رجح في «المحرر»
стр. 132
فساده، وهو ما رجّحه النووي (١)، وقال في «الشرح الصغير»: «إنَّ الصحة أظهر عند الأكثرين»، وقال في «الشرح الكبير» (٢): «إنَّ ميل من سوى العراقيين إليه»، وهو الموافق للنص في المختصر» (٣).
ومنها: إذا بيعت العين المستعارة للرهن فيه بأكثر من القيمة، وقلنا: سبيله سبيل العارية؛ قال الرافعي (٤): «ذهب الأكثرون إلى أنه لا يرجع إلا بالقيمة؛ لأنَّ العارية بها تُضمن، وقال القاضي أبو الطيب: يرجع بما بيع؛ لأنه ثمن ملكه، وقد صرف إلى دين الراهن، وهذا أحسن، واختاره ابن الصباغ والإمام والروياني»، انتهى.
فانظر كيف يُعبّر عند مخالفته الأكثر تارةً بـ «الأحسن»، وتارةً بـ «الأولى»، وتارةً «كأنه أقوى»، وتارةً «ينبغي أن يُرَجَّح»، وأمثال هذه العبارات الخفيفة، فهو أحق الثلاثة عندي بالتقيد بالأكثرين، ﵀.
فإن قلت: أتمنعون اعتماد الأكثر وقد نص الأصوليون على أنه من المرجحات، وصرّح ابن الصلاح - وتبعه النووي - بأن من ليس أهلا للتخريج (٥) إذا وجد خلافًا اعتمد ما صححه الأكثر والأعلم والأورع؟
قلتُ: لسنا نمنع كونه من المرجحات، بل نحن جازمون في مكان لا يظهر
стр. 133
فيه بين المقالتين تفاوت أنَّ اتباع الأكثر أولى، وإنما نمنع تقيد من هو أهل للترجيح به، مع قدرته على الترجيح بالاعتبار والنظر، وبذلك صرح أيضا (١) ابن الصلاح والنووي وغيرهما، فقالوا فيمن هو أهل أن يتعرف الأرجح من النصوص والمآخذ والقواعد، فإن فقد ذلك نقله عن الأصحاب الموصوفين بهذه الصفة.
وأما إذا تعارض قول الأكثر والأقل عند غير متأهل، والأكثر متقدمون، والأقل متأخرون = فهذا عندنا موضع النظر، والأرجح عندي في حق من ليس بأهل: اعتماد المتأخّرِ إن عُلِمَ أنه اطلع على مقالة المتقدم ومأخذه وموافقة الأكثر له ثم خالفه، فإنه - إن شاء الله - إنما خالفه والحالة هذه لمُقْتَض أقوى من الاعتضاد بالأكثر.
فإن قلت: لم حجرتم على العامي ومن يفتي بالمنقول أن يتعدى ترجيح المتأخّرِ، ومِن ثَمَّ قلتم: يُقدَّم ترجيح الشيخ الإمام على ترجيح النووي لتأخره، وترجيح النووي على ترجيح الرافعي، وترجيح الرافعي على صاحب «التهذيب»، وهلم جرا؟!
هذا مساق قولكم، وقد يقال: بل الأعلم أولى، والأقدَمُ غالبًا أَعْلَمُ، فهلا نظرتم ترجيحات الشيخ أبي حامد، والقفال، والقاضي أبي الطيب، والشيخ أبي علي، والقاضي الحسين، وهذه الطبقة التي لم يخلق الله تعالى بعدها أفقه نفسا منها، ولا أقعد بمذهب الشافعي!
قلتُ: اعلم أنَّ المتقدمين لم يكن شوقهم إلى الترجيح من الخلاف، ولا اعتنوا ببيان الصحيح، وسبب ذلك أنَّ العلم كان كثيرًا، وكان كُلٌّ عند الفتيا يفتي بما يؤدي إليه نظره، وقد يؤدي نظره اليوم إلى خلاف ما أدى إليه أمس، فما كان
стр. 134
الأمر عندهم مستقرا على شيء؛ لتضلّعهم بالعلم، فمن ثَمَّ ما كان المصنفون يكلونهم إلى تصحيحاتهم، بل يشتغلون عن الترجيح (١) بذكر المآخذ، وفتح أبواب الاستنباط والمباحث، من غير اعتناء بما هو الأرجح، إنما كُلُّ ينظر لنفسه، فلما قل العلم، وأشرف على التبدُّد، واحتيج إلى ضَرْب من التقليد، وأن الفقيه يتبع من هو أفقه منه وإن تشاركا في أصل النظر = اعتني بالراجح.
فإن قلت: قد ألفينا للشيخ أبي علي تصحيحات، وكثرت تصحيحات صاحب «التنبيه»، ولو تتبع متتبع تصحيحات المتقدمين لألفى منها الكثير.
قلت: صحيح، غير أنَّ التصحيح لم يكن مقصودهم الأعظم، ولا مرادهم الأهم، ولن تستطيع أن تقول: إن أكثر ما يحكون من الخلاف مذكور فيه التصحيح (٢)، وما نجد من ذلك فلا يكاد يبلغ العشر، والفوراني وإن كان التزم في «إبانته» التصحيح فما استوعب ولا كاد، ولا على كل ما صحح الاعتماد (٣)، وما اعتنى به إلا من بعد هؤلاء، ممن قصر نظرًا في نفسه عمَّن تقدمه، فاعتنى صاحب «التهذيب» بذلك شيئًا كثيرًا، ثم تصدى قاضي القضاة أبو سعد بن أبي عصرون لذلك، فصحح الكثير من الخلاف، وسمعت الوالد ﵀ يقول: «كان الناس - شاما - ومصرا وعراقا - لا يُفتون إلا بترجيحه، ولم يزالوا كذلك حتى ظهر كتاب الرافعي».
قلتُ: ولمَّا أحب الرافعي - الذي هو سيد المصنفين - جمع شمل هذا المذهب، وما جاء إلا وقد فقد الناس أصحاب الوجوه = اعتنى ببيان الراجح اعتناء
стр. 135
تاما، ثم زاد عليه النووي زيادةً جيدة، وكان قصدهما -رحمهما الله- إرشاد الخلق، والإتيان بما يناسب الزمان، فإنَّ العلم وإن لم يُعدَم بالكلية فقد قل، وصار المفتون نقلةً عن الكتب في الحقيقة، فبينا لهم الراجح نقلا ونظرًا عندهما.
فبان بهذا أنَّ اعتناء المتأخرين - وإن قصرت مراتبهم عن المتقدمين - بإبانة التصحيح (١) أَكْثَرُ، فكان لذلك اتباعهم أولى، ولذلك لا نقول في ترجيحات ابن الرفعة ما نقوله في ترجيحات هؤلاء الثلاثة؛ لأنه ﵀ وإن كان جَبَلَ فِقْهِ إلا أن شوقه الأعظم إلى ما كان عليه المتقدمون، فلم يُعنَ غالبًا ببيان الراجح من الخلاف، ولم يشتغل بذلك إلا قليلا، وكانت نفسه عنده أرفع من هذا المقام، ثم لم يكن عنده من علم الحديث ما كان عند النووي، ولا ما كان عند الشيخ الإمام، فإنه وإن اعتنى بمتون الأحاديث عند تصنيفه فلم يكن مثلهما فيه، والسلام.
حكى لي الوالد ﵀ أن ابن الرفعة كان يحضر إلى مجلس الحافظ الدمياطي في كثير من الأحايين للاستفادة منه، قال: «وبينا نحن في درس الظاهرية بين يدي الدمياطي إذا بالفقيه - يعني شيخه ابن الرفعة - قد أقبل، فأجله الحاضرون، وقام الدمياطي منتصبا، فجلس الفقيه أمامه بين يديه كالتلميذ، وكان الشيخ الدمياطي في المحراب، فأشار إليه الدمياطي أن يأتي إلى جانبه، فأبى وقال: بل أستقبل القبلتين، فاستحسن ذلك منه».
قال: «وكان حضوره ليسأله عما يقع له في الحديث، فلم يكن يكتب ما يُشكل عليه منه حتى يحضر من مصر إلى القاهرة، ويسترشد الدمياطي». وهذا دليل علمه ودينه وتحريه، وواضح أنه لم يكن في الحديث مثل هؤلاء، وفي هذا كفاية.
стр. 136
ولسنا هنا للتفضيل بين أئمة الزمان، وحظ (١) المكان، أنَّ قصور الناس (٢) عن العلم أوجَبَ أن يُقيم الله تعالى لهم مَنْ يُبَيِّنُ الراجح ليقفوا عنده، فأقام هؤلاء الثلاثة المتأخرين، وهم: الرافعي، والنووي، والشيخ الإمام، وما في المتأخرين إن شاء الله - أفقه منهم، إلا أن يكون ابن الرفعة، وقد ذكرنا أن شوقه لم يكن إلى هذا النوع.
ولسنا نقول: إنه أفقه منهم، ولا نقول أيضًا (٣): إنهم أفقه منه، فإنَّا أقل من التفضيل بينهم، ولكن نقول: إنَّ شوقه لم يكن إلى نحو الترجيح.
وهم أربعة: كان النووي شوقه إلى الترجيح غالبًا على شوقه إلى التفقه والتخريج، وكان ابن الرفعة بالعكس، وأما الرافعي والشيخ الإمام فشوقهما - كما تراه في كلامهما - إلى الأمرين جميعاً، ثم الغالب على الرافعي شوقه إلى الترجيح، وأما الشيخ الإمام ﵀ فلا نستطيع أن نقول: إنَّ أحد الأمرين يغلب فيه على الآخر، كما لم يستطع أحدٌ في عصره أن يقول: إنَّ علما يغلب فيه على علم.
وهذه الأمور التي فصلتها فيهم لا يستطيع فَطِنٌ فَهِمْ إذا تأمل (٤) مصنفاتهم أن يجحد منها شيئًا، ولم نجالس منهم غير الشيخ الإمام، فرضي الله عنه، وجزاه عن شريعة الإسلام خيرا، وجمعني وإياه وسائر محبيه في دار كرامته، على موائد رحمته، ببركة نبيه (٥) سيدنا محمد المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 137
فإني لم أَرْوَ مِنْ ماء مُحَيَّاه، مع كثرة مخالطتي له الليل والنهار، ولم أقدر أيامه حقَّ قَدْرِها، مع ملازمتي له صباح مساء، ولم أُعْطِ أنفاسه الطاهرة حق إعطائها، مع اجتماعي معه في وقتي اليقظة والمنام، وإن خوفي من مؤاخذة الله إياي بالتقصير في الأخذ عنه، والفتور عن كثير من خدمته، مع كوني لا أعرف ولدًا لازم أباه كملازمتي له = أَكْثَرُ أو مِثْلُ أو قَرِيبٌ من خوفي على نفسي أن يكون الميل استفزها من حيث لا تشعر في مدحه، وقادها من حيث لا تحسب إلى الإطناب في ذكره.
وقد أخذ القول من هذا الفصل غايته، واستوفى نهايته، فلنمسك عنان الكلام، ونقول ما قال الأول:
أَبَى الْقَلْبُ إِلَّا أُمَّ عَمْرٍو فَأَصْبَحَتْ … صَفِيَّتَهُ إِنْ زَارَهَا أَوْ تَجَنَّبَا
عَدُوٌّ لِمَنْ عَادَتْ وَسِلْمٌ لِسِلْمِهَا … وَمَنْ قَرَّبَتْ لَيْلَى أَحَبَّ وَقَرَّبَا (١)
اللهم صل على سيدنا، وعلى آله وصحبه وسلم، اللهم ارزقني حبك، وحبّ من ينفعني حبه عندك، اللهم ما رزقتني مما أحِبُّ فاجعله قوَّةً لي فيما تحب، اللهم وما زَوَيْتَ عني مما أحب فاجعله فراغا فيما تحب.
اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكلُّ ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرتُ، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخّر، وأنت على كل شيء قدير.
اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك، اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سُبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا
стр. 138
الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا، وأبصارنا، وقلوبنا، وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمك، مثنين بها، قائليها (١)، وأتمها علينا.
اللهم إنك أخذت بقلبي وناصيتي، فلم تملكني منهما شيئًا، فكما فعلت ذلك بهما فاهدني إلى سواء السبيل، اللهم إنَّ عزيمتك عزيمة لا ترد، وقولك قول لا يكذب، فأمر طاعتك فلتدخل في كلّ شيء مني أبدا ما بقيتُ، اللهم إنَّ عزيمتك عزيمة لا ترد، وقولك قول لا يُكذب، فأَمر معاصيك فلتخرج من كلّ شيء مني، ثم حَرّم عليها الدخول في كلِّ شيءٍ مني أبدًا ما أبقيتني يا أرحم الراحمين (٢)!
اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يُستجاب لها، اللهم إني أعوذ بك من الشيطان، من همزه، ونفثه، ونفخه.
وصلى الله على سيدنا محمد عودًا على بَدْءٍ، والحمد لله أولا وآخرا.
واعلموا معاشر إخواني، جمَعَ الله قلوبنا على تقواه، ورزقنا فعل
стр. 139
الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأعاذنا من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق، وهدانا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم = أني كنتُ قد نظمتُ وأنا في السجن أرجوزة تشتمل على الأبواب الثلاثة التي ذكرتها، وقد خشيت أن يعترض عليَّ معترض في مبالغتي في ذكر ترجيحات الوالد وتقديمها، فذكرت ما ذكرت في هذا المصنف جوابًا عن اعتراضه، وبدأتُ بالخطبة على النحو الذي أبصرت؛ لمعنى اقتضى ذلك أيضا، وذكرتُ من معترضاتي على الوالد، وسأذكر في آخر الكتاب أيضًا منه؛ ليُعلم أنا إن شاء الله لا نحابي في دين الله أحدا، ولو حابينا لحابينا الوالد، ونقول كما قال إمامنا الشافعي ﵁: «يقولون نحابي، ولو حابينا لحابينا الزهري» (١).
ولما كانت تلك الأرجوزة حيث أنا مسجون مهموم، قليل الكتب أو عديمها، إنما تملي علي حافظتي فأكتب، وأنا ذاكر تلك المسائل - وما لعلي كنتُ أغفلته - في هذه الأوراق سردًا ليستفاد نثرا كما استفيد نظما، ويكون في الحقيقة كتوضيح لذلك النظم المسمى بـ «الترجيح»، فلعلي أبسُطُ هنا في بعض المسائل الكلامَ بسطًا يسيرًا مع المحافظة على الاختصار، وأذكر أيضا من الفوائد المهمات، ومحاسن التتمات، وعظائم التنبيهات، ونفائس المسائل الواقعات = أبوابًا هي في نفسها مقصودات، وغرائب وعجائب نَشُوقُ إليها الأنفس الزاكيات، ومباحث تأخذ بقلوب طالب التحقيقات، وأمورًا بكتاب الرافعي متعلقات، كما سترى ذلك على وجه بديع منثور، أعلى وأحسن من زهر الربيع مبددًا، يميل كذا وكذا محمولا وموضوعاً، يجده قوم مفرَّقًا، وآخرون مجموعاً، ليس عرضةً لكل معترِض ناقد، ولا شرعَةً لكلِّ منتهل وارد، ولا سبيلا يسلكها كلُّ مَنْ يروم.
стр. 140
ولكن تأخذ الأذهان (١) منه … على قدر القرائح والفهوم (٢)
وسميت هذه الأوراق: «ترشيح التوشيح، وتوضيح الترجيح»، فأقول (٣):
الحمد لله المستحق للحمد والثناء، والصلاة على سيدنا محمد خاتم الأنبياء، وعلى آله وأصحابه الأصفياء، ربَّنا إنك تعلم ما نخفي وما تعلن، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء.
стр. 141
باب ما تخالف فيه الشيخان: النووي والوالد، -رحمهما الله -
وهو مسائل، في بعضها الرافعيُّ مساعدٌ للنوويِّ، ولعله الأكثر، وفي بعضها مُساعِدٌ للوالدِ، وهو كثير، وفي بعضها منفردٌ بنفسه برأي ثالث، وهو قليل، وسأبيِّنُ الكل إن شاء الله.
*مسألة: رجَّح الشيخ الإمام ﵀ أنه إن شهد طبيبان أنَّ الماءَ المُشَمَّسَ يورث البرَصَ كُرِهَ، وإلا فلا، وهذا عليه نصٌ للشافعي، ﵁، إذ قال في «المختصر» (١): «ولا أكره الماءَ المشمس إلا من جهة الطب؛ لكراهية عمر ﵁ لذلك، وقوله: إنه يورث البَرَص».
قال الشيخ الإمام: «متى شهد طبيبان أنه يورث البرص، أو طبيب واحد؛ تعيَّنَ القول بالكراهة أو التحريم».
قلتُ: أما شهادة طبيبين فوجهٌ مشهور، وأما الاكتفاء بطبيب واحد فهو مذهبه، وسيأتي في بابه؛ وكذلك الانتهاء إلى التحريم، ورجَّح الرافعيُّ والنووي مذهبًا أنه يُكرَهُ في البلاد الحارة والأواني المنطبعة، إلا النقدين.
*مسألة: وأنَّ المنيَّ ينقض الوضوء، وفاقًا لشيخه ابن الرفعة، وللرافعي في كتابه الكبير في الفقه المسمى بـ «المحمود»، الذي أشار إليه في كتاب الحيض
стр. 142
عند الكلام في المتحيرة، ومات ولم يتممه.
*مسألة: وأنَّ التدفُّق ليس علامةً للمني، وفاقاً لابن الصلاح، ذكره في «الرقم الإبريزي في شرح مختصر التبريزي».
*مسألة: وأنَّ الشعر على الجلد المدبوغ طاهر، إما لأنَّ الشعر طاهر، كما هي إحدى روايتي إبراهيم البلدي، وإما لأنه (١) يطهر بالدباغ، كما صححه ابن أبي عصرون وتردد بين الأمرين، ولا شك عنده في مخالفة الشيخين في أنه ينجس، ذكره في «مجموعه»، فإن وُجِدَ نص على خلافه غير معارض بنص آخر فهو من اختياراته الخارجة عن المذهب، ولا أحسب ما اختاره إلا منصوصاً (٢).
*مسألة: وأنَّ فضلات النبي ﷺ طاهرة، وهو رأي أبي جعفر الترمذي.
*مسألة: وأنَّ ما لا دم له سائل إن كان مما يعم كالذباب؛ فلا ينجس المائع، وإلا فينجس كالعقارب، وهو رأي صاحب (التقريب) (٣)، ورجح الشيخان الرافعي والنووي عدم التنجيس مطلقاً (٤).
стр. 143
*مسألة: وأنه إذا اختلط بالماء الكثير ماء مستعمل كان طهورًا، ولم يؤثر فيه قطعًا، إلا أن يخرج فيه وجه ضعيف من المستعمل إذا كُوثر حتى بلغ قلتين أنه لا يعود طهورًا، وقال: «إنَّ ما وقع في «الروضة» من أنَّ الصحيح أنَّ المستعمل يقدر مخالفًا = باطل قطعًا، أوقعه فيه كلام للرافعي مُوهم يتعين تأويله».
وهذا ذكرته أنا في الأرجوزة التي سميتها «الترجيح»، وجمعتُ فيها هذه المسائل، وإنما ذكرته لأنَّ من ينظر «الروضة» يحسب أنا أهملنا هذا، وأنه مما اختلف فيه النووي والوالد، والحقُّ أنَّ هذا ليس مما نحن فيه، بل هو مكان وقع على وجه الغلط، فلا يُعدُّ من المختلفات.
ولذلك قال الشيخ الإمام في كتاب (١) «الرقم الإبريزي في شرح مختصر التبريزي» - وقد نبه على هذا المكان فيه النووي: «لو تأمل ما يَرِدُ على هذه العبارة لم يقلها، ولو صح كلام النووي لكانت البرك التي في المدارس، والبيوت غيرُ الجارية ويكثر الاستعمال فيها = لا يجوز التوضؤ بشيء منها، وهذا لا يقوله النووي ولا غيره».
ولذلك قلت أنا في الأرجوزة:
فَرُدَّ مَا قَدْ نُقِلَا … للهِ وَالحَقُّ أَنَّهُمَا لَمْ يُنْقَلَا
وإنما عبارتهما موهمة، ولا ينبغي أن تُعَدَّ أماكن السهو وطغيان الأقلام من المختلفات، بل يُضرب عنها صفحًا.
*مسألة: وأنَّ العلة في عدم طهارة ما يُلقى في الخمر لقصد التخليل (٢):
стр. 144
تحريم التخليل، لا نجاسة المطروح، وهو قول الإمام (١)، واقتضى كلام الشيخين ترجيح الثاني، قال الشيخ الإمام في «شرح مختصر التبريزي»: «ولو قال قائل: كل منهما علة؛ لم يُبعد».
قلتُ: وهذا هو قضية إيراد الرافعي و «الروضة» في أول كلامهما، غير أنَّ الرافعي صرح بالخلاف في أنَّ العلة ماذا بعد أسطر.
*مسألة: وأنَّ شارب الخمر يتنجس باطنه ثم لا يمكن تطهيره أبدًا، وقد يُعَدُّ هذا خارجاً عن المذهب، وسنتكلم عليه في «الباب الثالث» إن شاء الله.
*مسألة: وأنَّ المموَّه بذهب أو فضَّةٍ حرام، وإن لم يحصل منه شيء بالعرْض على النار، ولم ينفصل منه شيء، قال: «والتمويه بما لا يحصل منه شيء بالعرْض أصعب من التمويه بما يحصل منه» (٢). ذكر ذلك في كتاب «تَنَزَّلُ السكينة»، وصحح النووي في «شرح المهذب» (٣) التحريم أيضا، إلا أنه جعل ما يتحصل منه شيء بالعرض على النار أشدَّ حرمةً مما لا يتحصل منه، هذا كلامه في كتاب (٤) الزكاة، وصحح - أعني النووي - في «باب الأواني» حِلَّ المموَّه (٥).
قال الشيخ الإمام: «فإما أن يجعل المحرَّم نفس التمويه، والمحلل استعماله بعد وقوعه، فلا يتناقض كلاماه، أو غير ذلك».
стр. 145
*مسألة: وأن تحلية الكعبة وسائر المساجد بالذهب والفضة حلال، قال: «والمنع منه في الكعبة شاد غريب في المذاهب كلها» (١). وأن تَحَلّي النساء بقلادة فيها نقد مثقوب حلال (٢)، ولم يره موضع خلاف، وسنعيد الفرع في مسائل الزكاة.
فصل (٣)
* مسألة: وأن الموجب للوضوء دخول الوقت، ذكره في «تفسيره» في آية النجوى، وذكره أيضًا في كتاب «كشف الغُمَّة»، ونقل فيهما جميعا أنَّ الشيخ أبا حامد ذكر أنه ظاهر المذهب ..
قلت: والشيخ أبو علي ذهب إلى أنه الحدث، وقيل: أحدهما بشرط الآخر، والنووي حكى أوجها (٤) في المسألة في (شرح مسلم)، في «باب وجوب الطهارة للصلاة» (٥)، ولم يذكر دخول الوقت، بل جعل موضعه القيام إلى الصلاة، فلعله عبر عنه به، ولم يذكر أحدهما بشرط الآخر، بل جعل موضعه ما قال: «إِنَّ الراجح (٦) عند أصحابنا من أنه يجب بالأمرين: الحَدَثِ والقيام إلى الصلاة».
والمسألة مذكورة في «الرافعي في باب الوضوء»، وليست في «الروضة».