باب ما تخالف فيه الشيخان: النووي والوالد، -رحمهما الله -
وهو مسائل، في بعضها الرافعيُّ مساعدٌ للنوويِّ، ولعله الأكثر، وفي بعضها مُساعِدٌ للوالدِ، وهو كثير، وفي بعضها منفردٌ بنفسه برأي ثالث، وهو قليل، وسأبيِّنُ الكل إن شاء الله.
*مسألة: رجَّح الشيخ الإمام ﵀ أنه إن شهد طبيبان أنَّ الماءَ المُشَمَّسَ يورث البرَصَ كُرِهَ، وإلا فلا، وهذا عليه نصٌ للشافعي، ﵁، إذ قال في «المختصر» (١): «ولا أكره الماءَ المشمس إلا من جهة الطب؛ لكراهية عمر ﵁ لذلك، وقوله: إنه يورث البَرَص».
قال الشيخ الإمام: «متى شهد طبيبان أنه يورث البرص، أو طبيب واحد؛ تعيَّنَ القول بالكراهة أو التحريم».
قلتُ: أما شهادة طبيبين فوجهٌ مشهور، وأما الاكتفاء بطبيب واحد فهو مذهبه، وسيأتي في بابه؛ وكذلك الانتهاء إلى التحريم، ورجَّح الرافعيُّ والنووي مذهبًا أنه يُكرَهُ في البلاد الحارة والأواني المنطبعة، إلا النقدين.
*مسألة: وأنَّ المنيَّ ينقض الوضوء، وفاقًا لشيخه ابن الرفعة، وللرافعي في كتابه الكبير في الفقه المسمى بـ «المحمود»، الذي أشار إليه في كتاب الحيض
стр. 142
عند الكلام في المتحيرة، ومات ولم يتممه.
*مسألة: وأنَّ التدفُّق ليس علامةً للمني، وفاقاً لابن الصلاح، ذكره في «الرقم الإبريزي في شرح مختصر التبريزي».
*مسألة: وأنَّ الشعر على الجلد المدبوغ طاهر، إما لأنَّ الشعر طاهر، كما هي إحدى روايتي إبراهيم البلدي، وإما لأنه (١) يطهر بالدباغ، كما صححه ابن أبي عصرون وتردد بين الأمرين، ولا شك عنده في مخالفة الشيخين في أنه ينجس، ذكره في «مجموعه»، فإن وُجِدَ نص على خلافه غير معارض بنص آخر فهو من اختياراته الخارجة عن المذهب، ولا أحسب ما اختاره إلا منصوصاً (٢).
*مسألة: وأنَّ فضلات النبي ﷺ طاهرة، وهو رأي أبي جعفر الترمذي.
*مسألة: وأنَّ ما لا دم له سائل إن كان مما يعم كالذباب؛ فلا ينجس المائع، وإلا فينجس كالعقارب، وهو رأي صاحب (التقريب) (٣)، ورجح الشيخان الرافعي والنووي عدم التنجيس مطلقاً (٤).
стр. 143
*مسألة: وأنه إذا اختلط بالماء الكثير ماء مستعمل كان طهورًا، ولم يؤثر فيه قطعًا، إلا أن يخرج فيه وجه ضعيف من المستعمل إذا كُوثر حتى بلغ قلتين أنه لا يعود طهورًا، وقال: «إنَّ ما وقع في «الروضة» من أنَّ الصحيح أنَّ المستعمل يقدر مخالفًا = باطل قطعًا، أوقعه فيه كلام للرافعي مُوهم يتعين تأويله».
وهذا ذكرته أنا في الأرجوزة التي سميتها «الترجيح»، وجمعتُ فيها هذه المسائل، وإنما ذكرته لأنَّ من ينظر «الروضة» يحسب أنا أهملنا هذا، وأنه مما اختلف فيه النووي والوالد، والحقُّ أنَّ هذا ليس مما نحن فيه، بل هو مكان وقع على وجه الغلط، فلا يُعدُّ من المختلفات.
ولذلك قال الشيخ الإمام في كتاب (١) «الرقم الإبريزي في شرح مختصر التبريزي» - وقد نبه على هذا المكان فيه النووي: «لو تأمل ما يَرِدُ على هذه العبارة لم يقلها، ولو صح كلام النووي لكانت البرك التي في المدارس، والبيوت غيرُ الجارية ويكثر الاستعمال فيها = لا يجوز التوضؤ بشيء منها، وهذا لا يقوله النووي ولا غيره».
ولذلك قلت أنا في الأرجوزة:
فَرُدَّ مَا قَدْ نُقِلَا … للهِ وَالحَقُّ أَنَّهُمَا لَمْ يُنْقَلَا
وإنما عبارتهما موهمة، ولا ينبغي أن تُعَدَّ أماكن السهو وطغيان الأقلام من المختلفات، بل يُضرب عنها صفحًا.
*مسألة: وأنَّ العلة في عدم طهارة ما يُلقى في الخمر لقصد التخليل (٢):
стр. 144
تحريم التخليل، لا نجاسة المطروح، وهو قول الإمام (١)، واقتضى كلام الشيخين ترجيح الثاني، قال الشيخ الإمام في «شرح مختصر التبريزي»: «ولو قال قائل: كل منهما علة؛ لم يُبعد».
قلتُ: وهذا هو قضية إيراد الرافعي و «الروضة» في أول كلامهما، غير أنَّ الرافعي صرح بالخلاف في أنَّ العلة ماذا بعد أسطر.
*مسألة: وأنَّ شارب الخمر يتنجس باطنه ثم لا يمكن تطهيره أبدًا، وقد يُعَدُّ هذا خارجاً عن المذهب، وسنتكلم عليه في «الباب الثالث» إن شاء الله.
*مسألة: وأنَّ المموَّه بذهب أو فضَّةٍ حرام، وإن لم يحصل منه شيء بالعرْض على النار، ولم ينفصل منه شيء، قال: «والتمويه بما لا يحصل منه شيء بالعرْض أصعب من التمويه بما يحصل منه» (٢). ذكر ذلك في كتاب «تَنَزَّلُ السكينة»، وصحح النووي في «شرح المهذب» (٣) التحريم أيضا، إلا أنه جعل ما يتحصل منه شيء بالعرض على النار أشدَّ حرمةً مما لا يتحصل منه، هذا كلامه في كتاب (٤) الزكاة، وصحح - أعني النووي - في «باب الأواني» حِلَّ المموَّه (٥).
قال الشيخ الإمام: «فإما أن يجعل المحرَّم نفس التمويه، والمحلل استعماله بعد وقوعه، فلا يتناقض كلاماه، أو غير ذلك».
стр. 145
*مسألة: وأن تحلية الكعبة وسائر المساجد بالذهب والفضة حلال، قال: «والمنع منه في الكعبة شاد غريب في المذاهب كلها» (١). وأن تَحَلّي النساء بقلادة فيها نقد مثقوب حلال (٢)، ولم يره موضع خلاف، وسنعيد الفرع في مسائل الزكاة.
فصل (٣)
* مسألة: وأن الموجب للوضوء دخول الوقت، ذكره في «تفسيره» في آية النجوى، وذكره أيضًا في كتاب «كشف الغُمَّة»، ونقل فيهما جميعا أنَّ الشيخ أبا حامد ذكر أنه ظاهر المذهب ..
قلت: والشيخ أبو علي ذهب إلى أنه الحدث، وقيل: أحدهما بشرط الآخر، والنووي حكى أوجها (٤) في المسألة في (شرح مسلم)، في «باب وجوب الطهارة للصلاة» (٥)، ولم يذكر دخول الوقت، بل جعل موضعه القيام إلى الصلاة، فلعله عبر عنه به، ولم يذكر أحدهما بشرط الآخر، بل جعل موضعه ما قال: «إِنَّ الراجح (٦) عند أصحابنا من أنه يجب بالأمرين: الحَدَثِ والقيام إلى الصلاة».
والمسألة مذكورة في «الرافعي في باب الوضوء»، وليست في «الروضة».
стр. 146
*مسألة: وأنَّ المُحْدِثَ حَدَثًا أصغر إذا انغمس في الماء، ولم يمكن تقدير ترتيب فيه = لم يصح وضوءه، وهذا يوافقه الرافعي فيه (١).
*مسألة: قال الشيخ الإمام: «وكذا إن أمكن إذا نوى رفع الجنابة (٢) عامدًا؛ لأنه متلاعب، والرافعي والنووي صححا الصحة والحالة هذه».
*مسألة: ومال إلى كراهة غسل الرأس بدل مسحه؛ لأنه سرف، وعزاه إلى الأكثرين، وصححا عدم الكراهة (٣).
*مسألة: وقال: «إن دعت حاجة إلى التنشيف في الوضوء فلا كراهة، ولا أولوية في تركه»، قال: «وليس للشافعي نص في مسألة التنشيف»، وأطلق الشيخان تصحيح استحباب ترك التنشيف، وقضيَّة كلامهما أنه لا فرق بين الحاجة وغيرها؛ إذ حكيا وجها بالكراهة في الصيف دون الشتاء، وهذا الوجه إنما مأخذه عذر البرد، كذا في «الرافعي» عن القاضي، وذلك هو الحاجة، وما زاد عليه ضرورة (٤).
مسألة: وأنَّ من به نجاسةٌ يغسلها ثم يغتسل إذا كان جنبًا، أو يتوضأ إذا كان مُحدثًا، ولا يهمل غسلها قبل غُسل الجنابة أو الوضوء؛ فإنَّ كلَّا منهما لا يُغني عن غسلها، وفاقًا للرافعي وخلافا للنووي (٥).
стр. 147
قال: «هذا هو الراجح؛ لأنَّ الماء قوَّتُه لرفع الحدث وإزالة الخَبَث على البدل، كما يقتضيه كلامهم في أنَّ المستعمل في الحدث هل يُستعمل في الخبث؟ وعند زوال النجاسة قد حُكم له بالاستعمال، فلو رَفَعَ الحدث فإما أن يُحكم بارتفاعه بعد زوال النجاسة وهو متعذر؛ لأنه صار مستعملاً، أو معه فكذلك لهذا المعنى؛ لأن الاستعمال معلول لكل منهما لا لهما، فلو حكمنا برفعه في تلك الحالة لكنا قد حكمنا بالطهارة بالماء المستعمل، كما في قوله لغير المدخول بها: "إن طلقتك فأنتِ طالق"، فإذا طلقها لا تقع المعلقة؛ لمصادفتها حال البينونة».
ولا يخفى أن صورة المسألة ما إذا كانت النجاسة لا تحول بين الماء والعضو، وكان الماء كثيرًا، أو قليلا ولكنه بحيث يزيلها لملاقاته إياها، فإن انتفى واحد من الأمرين فلا يكفي قطعاً؛ لأنَّ الماء لا يصل إلى العضو إلا مستعملا أو نجسا.
وقد وقع في «باب صفة الغسل» من «شرح مسلم» للنووي (١): «أَنَّ مِنْ شرطه أن يكون البدن طاهرًا من النجاسة»، فإن أراد طهارة كلّ جزء منه فهي موافقة لإيجاب غسل النجاسة قبل رفع الحدث، وإن أراد أن لا يكون مجموعه نجسا فهي مسألة حسنة إن سَلِمَ حُكمها، ويكون الخلاف في غسل النجاسة قبل رفع الحدث مخصوصًا بنجاسة بعض البدن، أما إذا كان كله متنجسا فلا بد من إزالة النجاسة قبل الغسل قطعاً؛ لأنَّ النجاسة حينئذ قد تحول بين الماء والعضو، وإن لم تحل فاغتفارها حينئذ مستبعد.
ولكن في هذا نظر، والأمر فيه دائر بين اختلاف كلامه أو زيادته، مسألة في
стр. 148
الموافقة عليها نظر، وقد وقع من النووي في هذا الباب من (شرح مسلم) موضعان؛ هذا أحدهما.
والثاني: قال: «ينبغي لمن اغتسل من إناء أن يتفطَّن لدقيقة، وهي أنه إذا استنجى وطهر محل الاستنجاء بالماء، يغسله بعده بنية غُسل الجنابة؛ لأنه ربما غفل عنه بعد … » (١) إلى آخر ما ذكره (٢)، فجزاه الله خيراً، لقد نبَّه على مهم، ولكن يلزم من ذلك أن يفوت المغتسل سنة وهي البداءة بأعالي البدن».
*مسألة: وأنَّ الغُسالة لا فرق فيها بين زيادة الوزن وعدمه، فإن انفصلت بلا تغيّر، وقد طهر المحل، ولو كانت أقل من قُلتين؛ فهي طاهرة وإن زاد وزنها؛ لأن علة الحكم بالطهارة - وهي أنَّ البلل الباقي في المحلّ بعض المنفصل، فكان له حكمه (٣) - علة (٤) موجودة مع زيادة الوزن، ونحن نقطع بأنَّ عين النجاسة إما في الماء وإما في الثوب، ولكن لا أثر لذلك، فليست زيادة الوزن ضائرةً لها.
стр. 149
التيمم
* مسألة: وأن ماسح الجبيرة إذا تيمم لفرض ثانٍ ولم يحدث، فإن كان جنبًا لم (١) يُعد الغسل، وإن كان محدثًا أعاد ما بعد عليله (٢)، وفاقًا للرافعي (٣)، وأما النووي فإنه رجّح أنَّ المحدث كالجنب، فلا يُعيد شيئًا من الغسل (٤)، ونَسَبَهُ إلى الأكثرين، ولم يُسلّم له الشيخ الإمام أنَّ الأكثرين على ما رجحه.
*مسألة: وأنَّ العاصي بسفره لا يتيمم؛ لأن سفر المعصية لا تتعلق به رخصة، فعليه أن يعود، لا سيما إذا أمكنه الرجوع والصلاة بالماء قبل خروج الوقت، وهو وجه لم يشتهر في المذهب، قال الشيخ الإمام: «هو غريب في النقل، قوي في المعنى، والراجح عند الشيخين أنه يلزمه أن يصلي بالتيمم ثم يعيد» (٥).
*مسألة: وأنَّ المتيمم إذا وضع ساتر الجرح على غير طهارة، وتعذَّرَ نزعه، وقلنا بالمذهب الصحيح عند الثلاثة، وهو أنه يقضي الصلاة = فكُلُّ فكل من الصلاتين فرض، والجمهور رجحوا أن الفرض الثانية، وهو رأي الشيخين، وهنا يعترف الشيخ الإمام بمخالفة الجمهور ولا يبالي (٦).
قلت: وهذا الخلاف لا جدوى له.
стр. 150
*مسألة: وأنه يُكتفى للتيمم بضربة واحدة كما صححه الرافعي (١)، قال في «شرح المنهاج»: «إنه الأصح دليلًا لا مذهبًا، وإنَّ الأصح مذهبًا ضربتان كما صحح النووي» (٢).
ثم أطلق في كتاب «الرقم الإبريزي» أنَّ الأصح ضربة واحدة، وقضية إطلاقه أن يكون عاد فصححه مذهبًا كما كان يُصحّحه دليلًا، غير أنه صرح في كتاب «الرقم» بأنَّ وجوب الضربتين هو المشهور المنصوص وقولُ الجمهور، وكذلك اعترف في «شرح المنهاج»، فلك أن لا تعدَّ هذا الترجيح من المذهب، لولا إطلاقه لفظ التصحيح عليه، وبكلّ حالٍ هو من الأماكن التي رجّح فيها الرافعيُّ ﵀ خلاف قول الأكثرين.
وبالجملة لستُ أثق بأنَّ الشيخ الإمام يقول بأنَّ وُجوب الضربتين راجح عنده مذهبًا؛ لاعترافه في الكتابين المذكورين بمخالفة النص والجمهور.
الحيض
* مسألة: وأنه لا يجوز الاستمتاع بالحائض إلا بما فوق الإزار، وهو قول الرافعي (٣)، واختار النووي (٤) مرَّةً أنه يباح ما عدا الوطء مطلقا، ومرَّةً أنه إنما يباح الورع يأمن الوطء، ولعلَّ النووي لا يعدُّ اختيارية هذين من المذهب؛ لاعترافه بأنَّ النص على خلافهما (٥).
стр. 151
الصلاة
* مسألة: وأنه يحرم على من افتتح الصلاة، وقد بَقِيَ من وقتها ما يَسَعُ جميعها أن يَمُدَّها حتى يخرج الوقت، وهذا وجه (١) حكاه في زيادة «الروضة» عن القاضي الحسين، قال الشيخ الإمام: «وهو ضعيف في النقل، قوي في المعنى، وقد صحح الشيخان أنه لا يكره، وحكيا وجها أنه يكره» (٢)، قال الشيخ الإمام: وينبغي أن يكون محل تصحيحهما الجواز إذا مدها بعد الركعة الأولى، أما إذا مد القراءة في الركعة الأولى حتى خرج الوقت فقد صيَّرها قضاء، والحكم بجوازه بعيد.
*مسألة: وأنَّ من أوقع ركعةً من الصلاة في الوقت حُكم ببقاء الوقت بالنسبة إليه.
وتحرير هذا: أنَّ المشايخ الثلاثة وإن توافقوا على أنَّ الصحيح أنَّ من أوقع ركعة في الوقت فكلُّها أداء؛ لأنَّ الركعة لما اشتملت على معظم أفعال الصلاة، وكان ما بعدها كالتكرير لها جعل تابعًا = فقد اختلفوا بعد ذلك، فظاهر كلام الشيخين أنَّ ما فضل عن الركعة خارج عن الوقت، وإن وُصِفَ بالأداء تبعا، قال الشيخ الإمام: «وهذا هو الذي يبتدر إلى الذهن من كلام الأصحاب» (٣).
وظاهر كلام الشيخ الإمام ترجيح أنه يُحكم ببقاء الوقت بالنسبة إليه، وتكون
стр. 152
العبادة كلُّها مَفعُولةً في الوقت، قال الشيخ الإمام: «وهذا هو الذي يدلُّ عليه كلام الشافعي»، وأطال في تقرير ذلك، ولا شنعة فيه فيقال: كيف يقال: بعضها خارج الوقت ولم يخرج؛ لأنَّ عنده أنَّ الشارع بقى الوقت بالنسبة إلى من أوقع ركعة فيه.
وينبغي أن يُبنى على هذا الخلاف: من أراد تأخير الصلاة إلى حد يخرج ما عدا الركعة عن الوقت إذا قلنا بما صححوه من أنَّ الكل أداء، فاللائق بهما أن يصححا تحريم ذلك؛ لأنه أخرج بعضها عن الوقت، وبهذا صرحا وجعلاه المذهب، وتردد الشيخ أبو محمد في ذلك، ولا وجه لتردُّده إلا على رأي الشيخ الإمام، فإنَّ الوقت باقٍ.
فإن قلت: أَفَيَقُول الشيخ الإمام بجواز التأخير بناءً على أصله؟
قلت: لا يلزمه ذلك، فإنه قد لا يبقى الوقت إلا في حق من لم يؤخر عمداً؛ لأنَّ هذا أمر حكمي، وقد قدمنا أنه يحرم المدُّ حتى يخرج الوقت لمن دخل والوقت مُتَّسِعُ، وإن كان قد كمل الركعة في الوقت.
*مسألة: وأنه يُعتبر للزوم الصلاة على من زال عذره من صبى وجنون وكفر وإغماء وحيض ونفاس = ما يسع زمن الطهارة زائدا على زمن التكبيرة أو الركعة، على الخلاف فيهما، مال إليه، ولم يصرح به، والحاصل أن الصحيح عند الثلاثة أنه يكتفى فيمن زال عذره أن يبقى من الوقت مقدار تكبيرة لا ركعة، ويجب الفرض بإدراكها من الوقت.
وهل يُعتبر مع القدر المذكور إدراك زمن الطهارة؟ فيه قولان، أظهرهما عندهما: لا يشترط، ومال هو إلى أنه يشترط (١).
стр. 153
*مسألة (١): وقال فيمن لم يدرك من أول (٢) الوقت قدر الفرض: «إنَّ كلام الأصحاب يقتضي أنه سقط الوجوب من ذمته بعد الثبوت بأول الوقت، وإن النووي صرح في شرح المهذب (٣): بأنه تبين عدم الوجوب، قال: والأصحاب جعلوا الوجوب بأول الوقت والاستقرار بالتمكن، كما في الزكاة».
*مسألة: وأنَّ العزم على فعل الصلاة لا يجب على من أخرها عن أول الوقت، وصحح النووي في «شرح المهذب» (٤) و «تحقيق المذهب» الوجوب، كما هو رأي القاضي أبي بكر بن الباقلاني في أصول الفقه.
*مسألة: وأن تأخير العشاء ما لم يخرج وقت الاختيار أفضل من تقديمها، وهو الجديد (٥)، قال: «ومحله إذا لم ينم من يخاف أن نومه يغلبه، فيُفوّت عليه الصلاة، فإن خاف فالتقديم أفضل، وقد قوَّى النووي هذا في تحقيق المذهب».
*مسألة: وأنَّ الإبراد للظهر لا يختص بالبلد الحار، بل شدة الحر كافية، ولو في أبرد البلاد (٦).
стр. 154
الأذان
* مسألة: وأن الأذان فرض كفاية، ورجح الشيخان أنه سنة (١).
*مسألة: وأن ترجمته للعاجز جائزة إن لم يقم به القادر، وقال النووي (٢): «لا يجوز أن يؤذن لجمع فيهم عربي».
*مسألة: وأن الإمامة أفضل من الأذان، وهو قول الرافعي (٣)، قال الشيخ الإمام: «والسلامة في تركها»، ومن تصانيفه: «طلب السلامة في ترك الإمامة».
*مسألة: وأن من جمع بين صلاتين جمع تأخير، وقدم الفائتة يؤذن لفريضة الوقت، ولا يسقط ذلك بالأذان للفائتة (٤)، وهو قول أبي الفرج السرخسي، قال الشيخ الإمام: «وفي كلام الشافعي في «البويطي» ما يشير إليه».
*مسألة: وأن الحائض والجنب لا يجيبان المؤذن، وهذا قد يستغرب؛ لجزم الرافعي والنووي بخلافه (٥)، وهو ظاهر، ولي في «التوشيح» عليه كلام.
*مسألة: وأن وقت الأذان الأول للصبح قبيل طلوع الفجر، قال: «وهو وقت السحر، ورجحه القاضي الحسين والمتولي والبغوي، ورجح النووي (٦) أنه
стр. 155
من نصف الليل، والرافعي (١) أنه في الشتاء من سُبعه الأخير، وفي الصيف من نصف سبعه».
القبلة
* مسألة: وأنه يصح فعل الفريضة على الراحلة - وإن لم تكن واقفة - لعذر الوحل، كما دلّ عليه الحديث، وهذا قاله بحثًا، والأصحابُ لم يصرحوا بصورة الوحل، وإنما قالوا: لا يجوز إلا لضرورة، من خوف انقطاعه عن الرفقة، أو خوفه على نفسه أو ماله، فإن جُعل الخوف مؤذنا للخوف على المال فهو والشيخان متفقون، وإلا - وهو الظاهر - فهم مختلفون (٢).
*مسألة: وأن تعلم أدلة (٣) القبلة فرض عين على المسافر سفرًا يغلب الاشتباه فيه، وقال النووي (٤): «واجب على المسافر مطلقًا»، ولم يذكر هذا القيد لا هو ولا غيره، فلعله لم يَعْنِ بالمسافر إلَّا مَنْ يغلب عليه الاشتباه، لا كالحجيج الأعظم، فإنهم كأهل مدينة في الحقيقة ترحل وتقيم، ويكثر فيهم العارفون.
*مسألة: وأنَّ من يتبين في الصلاة الخطأ بالظن يستأنف، ولا ينحرف كمن يتبين بالقطع، وقالا: «ينحرف»، وصورة المسألة أن يبين الخطأ مقترنا بظهور الصواب، فإن لم يظهر له وجه الصواب استأنف لا محالة (٥).
стр. 156
صفة الصلاة
* مسألة (١): وأنَّ السنَّة في رفع اليدين في التكبير أن يرفع بلا تكبير ثم يكبر وهما قارتان، ثم يُرسلهما بعد فراغه، وصححه البغوي (٢)، وصحح الشيخان (٣) أنه يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، ولا استحباب في الانتهاء على ما في أصل «الروضة»، فإن فرغ مع التكبير قبل تمام الرفع، أو بالعكس؛ أتم الباقي، وإن فرغ منهما حط يديه ولم يستدم الرفع، وفي شرح المهذب صحح أنَّ انتهاءه مع انتهائه أيضًا (٤).
*مسألة: وأنه تُستحب قراءة السورة أو شيء من القرآن بعد (الفاتحة) في الثالثة والرابعة، وهو الجديد (٥).
*مسألة: وأنَّ مأموم الجهرية لا يقرأ غير «الفاتحة» ولو كان بعيدًا أو كان به صمم، وقال الشيخان في هاتين الحالتين: «يقرأ السورة» (٦).
*مسألة: وأنَّ الإمام لا يزيد في الاعتدال على قوله: «سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد»، إلا أن يكونوا محصورين راضين بالتطويل، قال: «هذا الذي قاله في «شرح المهذب» (٧)، وقد يترجح، والذي (٨) في «الرافعي» (٩)
стр. 157
و «الروضة» (١) و «تحقيق المذهب» أنه يزيد: «ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد»، قال: «وفي (مختصر المزني) إشارة إليه».
*مسألة: وأنَّ تربُّع مَنْ يُصلي قاعدًا في موضع قيامه أفضل من الافتراش نصا (٢) واحدا، نص عليه في «البويطي»، ورجح الشيخان أنَّ الافتراش أفضل (٣).
*مسألة: وأن النوع الذي يُسَنُّ من الإقعاء - وهو افتراش الرجلين، ووضع الأليتين على العقبين - إنما يُسنُّ بين السجدتين خاصةً، ويكره فيما عداهما، والنووي أطلق استحباب هذا الإقعاء (٤)، فاقتضى كلامه استحبابه في جلوس التحية وقت التشهدين، مع اعترافه بأن النص على استحبابه إنما هو في الجلوس بين السجدتين، والرافعي (٥) أطلق الكراهة، غير أنه صحح في تفسيره الهيئة المتفق على كراهتها، وجعل تفسيره بهذه الهيئة مرجوحا، فلا يلزم من كلامه جعلُ الإقعاء نوعين، فلا يؤخذ منه ترجيح في هذا الإقعاء، والحافظ البيهقي خص كراهة الإقعاء بالجلوس الأخير.
فهذا الإقعاء عند الشيخ الإمام لا يُستحب إلا بين السجدتين، ويكره فيما عداهما (٦)، وعند البيهقي أنه يُستحبُّ فيهما وفي التشهد الأول، ولا يكره إلا في الأخير، وعلى إطلاق النووي يُستحبُّ في الأربعة، ولا كلام للرافعي فيه.
стр. 158
وهذه المسألة ليست في كتاب «الترجيح» الذي ذكرت فيه هذه المسائل رَجَزًا؛ لأن عبارة «الروضة» غير مخلصة في المخالفة، فإنه قد يُرَدُّ إطلاقه إلى التقييد بما بين السجدتين، فيكون الاعتراض عليه لفظيًا، ولا يجعل مخالفةً صريحة، أما الإقعاء المتفق على كراهته بين الرافعي والنووي والشيخ الإمام فهو أن يجلس على وركيه ناصبًا ركبتيه.
قال الشيخ الإمام: «والورك أصل الفخذ لا كله، فمعنى الجلوس على وركيه ونصب ركبتيه: أن يُلصق أَلْيَيْهِ بالأرض، وينصب فخذيه وساقيه وركبتيه مرتفعاتٍ كهيئة المستوفز غير المطمئن».
*مسألة: وأنه يكفي في التشهد: «وأن محمدًا رسوله»، ولا تُشترط الإضافة إلى اسم الله مُظْهَرًا، بل يكفي مُضْمَرًا، وهو الذي نقله العراقيون، وسياق «الروضة» يقتضي ترجيحه، لكن في «المنهاج» من أصل «المحرر»، ومن زياداته أنه يُشترط ذكره مظهرًا، فيقول: «وأن محمدًا رسول الله»، فخرج في الاكتفاء بالإضمار وجهان، أصحهما عند الشيخ الإمام - ولعله الذي يظهر رجحانه من سياق «الروضة» -: الاكتفاء، وأصحهما في أصل «المنهاج» وزيادته: عدم الاكتفاء، فتأمله (١).
*مسألة: وأنَّ محلَّ الأقوال المحكية في القنوت فيما عدا الصبح في الاستحباب للنازلة، وفي الجواز لغيرها، وقال الرافعي في الجواز مطلقا، والنووي في الاستحباب مطلقا (٢).
стр. 159
مسألة: وأنه يستحبُّ في السلام أن يقول: «وبركاته» بعد «السلام عليكم ورحمة الله» في آخر التسليمتين، وحكى في المسألة ثلاثة أوجه في تصنيف له مستقل فيها، تضمنته فتاويه المجموعة، واعترف بأنَّ الذي رجحه وجه عندنا غير مشهور.
فصل جامع
مسألة: وقال: «إنَّ قول الشيخين فيمن قصر حتى فرغت مدة مسح الخف في صلاته ببطلانها = مُقيّد بما إذا لم يكن عالماً حين الدخول بالحال، فإن علم لم تنعقد».
وكذلك قال فيمن صلَّى مدافعاً للأخبثين: «إن علم أنَّ قوته لا تتماسك لم تنعقد، وإلا فتنعقد، ثم تبطل عند عدم التماسك». والرافعي قال فيمن صلى وهو يدافع الأخبثين: «إذا علم أنه لا يتماسك أنها تبطل»، وبه جزم النووي (١).
*مسألة: وقال: «إنَّ في تصحيح النووي صحة صلاة من وقف عُرياناً في خابية (٢)، وصلى على جنازة = نظرا» (٣).
*مسألة: ورجح أنَّ من دخل المسجد في وقت الكراهة ليصلي التحية؛ لا يكره له التحية، قال: «وإنما المكروه الدخول بهذا القصد (٤)»، قال: وكذلك من أخر الفائتة ليقضيها وقت الكراهة، المكروه له أن يؤخر لا أن يقضي، والشيخان
стр. 160
صححا في تأخير التحية لذلك الكراهة، وجزما في أثناء التعليل بكراهة تأخير الفائتة لتقضى هذا الوقت، وهو خلاف ما جزم به إمام الحرمين، وعبارته في «النهاية» (١): «وإذا جرينا على طريقة الأصحاب، فلو قصد الحصول في المسجد في هذه الأوقات لا عن وفاق، فيقيم التحية من غير كراهة، كما لو قصد تأخير قضاء فائتة إلى هذا الوقت»، انتهى.
*مسألة: وأن وقت صلاة العيد ووقت الضحى من ارتفاع الشمس لا من طلوعها، خلافا للنووي فيهما، وللرافعي في العيد (٢).
*مسألة: وأن العبرة في الاقتداء باعتقاد الإمام لا المأموم، وهو رأي القفال، فلو اقتدى شافعي بحنفي مس فرجه صح، أو اقتصد فلا، عكس ما يقوله الشيخان، هذا اختياره مذهبا، وسيأتي اختياره دليلا (٣).
*مسألة: وأن من سها في صلاته، وسلم ساهيا قبل أن يسجد للسهو، ولم يطل الفصل = لم يصر عائدا إذا سجد، بل القياس أحد وجهين:
إما أن يقال: إن هذا السلام غير محلل؛ لحصوله عن سهو، فليسلم مرة أخرى عقيب (٤) سجود السهو إن أحب فعله، أو مجردا عنه إن لم يحب، وهذا قول إمام الحرمين.
وإما أن يقال: إنه محلل، ثم إذا سجد لا يصير عائدا، وهذا ما ذكر البغوي
стр. 161
في «التهذيب» أنه المذهب (١).
ولم يرجح الوالد شيئًا من هذين الوجهين، وأنا أعذره في ذلك؛ فإنَّ صاحب «التهذيب» يلزمه سجود بعد السلام، ولا قائل به في الجديد.
والإمام وإن دقَّق (٢) نظره حيث قال: «السلام سهوًا لا يُعتد به، فهو باقٍ في صلاته»، فيُمكن أن يقال في جوابه: هو لم يَسْهُ مُسَلَّمًا، وإنما سلَّمَ ساهيًا أنه سها، فالسهو في السهو لا في السلام، فما أتى بالسلام إلا عامدًا، غير أنه ناس أنه سها، فليم سلامه على الصحة، والأصحاب يلزمهم عود إلى الصلاة بعد التحلل، ولا يكاد يُعقل، فالمسألة مشكلة.
*مسألة: وأنَّ التنحنح في الصلاة لا يُبطلها، وهو ما عزاه ابن أبي هريرة إلى النص (٣).
*مسألة وعلى البطلان، فإذا تنحنح إمامه فالصحيح أنه لا يفارقه المأموم؛ حملا على العُذر، قال الشيخ الإمام: «هذا إذا كان العذر محتملا».
*مسألة: وأنَّ النسيان عذر في الكلام وإن كثر، وخالف الشيخين والجمهور في صورة الكثرة (٤).
*مسألة: وأَنَّ مَنْ وَصَل الوتر نواه إلى تسع، وقال الشيخان (٥): «إلى إحدى عشرة».
стр. 162
ومن فصل قال النووي: «ينوي بالأشفاع الوتر، كالأخيرة»، وقال الشيخ الإمام: «ينوي (١) قيام الليل ولا ينوي الوتر إلا بالأخيرة»، وزعم أنه لا وتر إلا الأخيرة (٢)، والحديث معه.
*مسألة: وأن من لا يحسن «الفاتحة» ولا شيئا من القرآن يأتي بالذكر، وما الدعاء مجزئا له، ولا مغنيا عن الذكر إذا قدر (٣).
*مسألة: وأن الجماعة فرض كفاية على المقيمين والمسافرين، خلافا للرافعي حيث قال: «سنة مطلقا»، وللنووي حيث قال: «فرض كفاية على غير المسافرين» (٤).
*مسألة: وفي كلام الوالد ما يؤخذ منه ميله إلى أنها فرض عين (٥)
*مسألة: وأن معتاد الجماعة إذا تركها لعذر؛ يحصل له أجرها، ونقل صاحب «البحر» (٦) فيه عن القفال: أن تاركها لعذر إذا كانت مقصودة لولا العذر يحصل له فضيلتها، ونقله ابن الرفعة في «الكفاية» عن «تلخيص الروياني»، واستشهد له بحديث، والروياني إنما عزاه في «البحر» إلى القفال، فلعله جرى عليه في «التلخيص».
стр. 163
وهذا أبلغ من قول الوالد من وجه؛ لأنه يقتضي حصولها لقاصدها وإن لم يكن معتادها، ودونه من وجه؛ لأنه يشترط في حصولها أن يكون قصده لولا العُذر، والوالد يكتفي بالعادة السابقة وإن لم يحصل قصد عند التخلّف، وحديث: «إذا مرض العبد يقول الله لملائكته: اكتبوا لعبدي ما كنتما تكتبان في صحته من أعمال الخير» (١) يدلُّ على ما قاله الوالد.
وقد ذكر الروياني الحديث في أوائل (٢) الباب، وأطلق النووي في «شرح المهذب» قوله: «إن تاركها لعذر لا يحصل له أجرها»، فإن جُعِلَ شاملا للصورتين وهو ظاهر كلامه - حصل في المسألة ثلاثة آراء.
*مسألة: وأنَّ من أحرم بأكثر من ركعة ولم يُعيّن عددًا يريده؛ لا يزيد على تشهدين.
*مسألة: وأنه يُكره للإمام إذا أحس بداخل وهو راكع، أو في التشهد الأخير = أن ينتظره، والنووي قال (٣): «يُستحب»، وقال الرافعي (٤): (جائز) فقط، إن لم يفرّق بين داخل وداخل.
*مسألة: وأنَّ البصير أولى بإمامة الصلاة من الأعمى، وهو رأي صاحب «التنبيه» (٥)، وقطع به الماوردي (٦)، وذكر نصا للشافعي ظاهر الدلالة عليه، وقال
стр. 164
الشيخان: «هما سواء» (١). وأشار إلى أنه المنصوص، وأن عليه عامة الأصحاب.
*مسألة: وأن المستعير أولى من المعير، وهو الذي رجع إليه القفال، واقتصر عليه البغوي، وقال الشيخان: «بل المعير أولى» (٢).
*مسألة: وأن العبد الفقيه أولى من الحر غير الفقيه، فويح الجهل، وصححا أنهما سواء، كقولهما في الأعمى والبصير (٣).
*مسألة: وأن من صلى وحده ثم أدرك جماعة فصلاها معهم، وقلنا بالجديد، وهو أن الفرض الأولى = ينوي إعادة المفروض، وقال الرافعي: «ينوي الفرض» (٤)، وقد ينزل على ما قاله الشيخ الإمام، فلا يكون بينهما خلاف، وقال النووي (٥): «لا يتعرض للفرضية، بل ينوي المغرب أو الظهر مثلا».
*مسألة: وأن مساواة المأموم للإمام في الموقف لا تكره، وإن كان الأحب تخلفه قليلا، خلافا للنووي حيث قال في «شرح المهذب» (٦): «تكره المساواة».
*مسألة: وأن الشرط في الموقف في البناءين - كصحن وصفة - تواصل المناكب إن كان بناء المأموم يمين الإمام أو يساره، فيجب اتصال صف من أحد
стр. 165
البناءين إلى الآخر، ولا يضر فرجة لا تسع واقفًا، وإن كان خلف بناء الإمام اشترط أن لا يكون بين آخر صف بناء الإمام وأول صف بناء المأموم أكثر من ثلاثة أذرع.
*مسألة: وأنَّ من اقتدى في مكان من المسجد، وبنى عليه بناءً لا باب له، بمن في بقية (١) المسجد = صحت قدوته.
قال: «وهو الذي يظهر القطع به»، وقال في قول الشيخين (٢): «والبناءان في المسجد لا بد أن يكون باب أحدهما نافذا إلى الآخر»: «لم أره لغير الرافعي»، قال: «وهو محمول على أن العادة كذلك، بخلاف ما إذا كان الباب (٣) يُفتح إلى خارج المسجد، فإنه يُعدُّ مسجدًا مستقلا».
قلت: وهذا ذكره في جواب عن مسألتين (٤) أرسل شيخنا نجم الدين الأصفوني (٥) من سأله عنهما (٦) في سنة ثمان وثلاثين وسبعمئة.
قلت: وليس في كلام الرافعي ما ينازع فيما ذكره، فإنَّ الرافعي إنما تكلم في بناءين في مسجد لهما باب، فاشترط أن يكون باب أحدهما نافذا إلى الآخر، أما بناء لا باب له أصلا فلم يشمله لفظ الرافعي، فلا مخالفة بينهم، ومن ثَمَّ لم أذكر هذا في «المنظومة».
стр. 166
*مسألة: وأنَّ الجندي التابع لأمير في غزو إذا نوى إقامة أو سفراً لم تُعتبر نيته - وهو كالعبد والزوجة ــ إذا لم يعرف مقصد الأمير.
*مسألة: وأنَّ إمام المسافر إذا بان محدثاً مقيما أتم، وإن لم يسبق تبيُّن الإقامة، خلافاً لهما فيما إذا سبق.
*مسألة: وأنَّ من نوى الإقامة لنجاز ما يرجو كل ساعةٍ نَجازَهُ؛ قصر تسعة عشر يوماً (١)، وقال الشيخان: «بل ثمانية عشر» (٢).
*مسألة: وأنه إذا جمع بالمطر لم يُشترط كون المطر موجوداً أَوَّلَ الأُولى، بل يكفي وجوده في أثنائها (٣).
стр. 167
الجمعة
* مسألة: وأنَّ السعي إلى الجمعة واجب أول النداء، وهذا فرع لم يفصح به الأصحاب، وإنما الشيخ الإمام استخرجه استنباطاً، فلك أن تَعُدَّه من مسائله التي أداه إليها اجتهاده المُطْلَقُ؛ لكونه إنما استنبط ذلك من القرآن لا من أصول الشافعي ﵁، ولك أن تَعُدَّه من مسائل المذهب التي أداه إليها اجتهاده المُقَيَّدُ؛ لأن أصول الشافعي لا تأباه.
وقد كان الشيخ الإمام جُمِعَ له الاجتهادان: المُطْلَقُ والمُقَيَّدُ، يتيقن ذلك مَنْ عرف محله من العلم، لكن على هذا ليس مما خالف فيه الشيخين، ولا مما وافقهما، إذ لا تصريح لهما بالمسألة.
*مسألة: وأنه ليس كلُّ ما كان عُذرًا في ترك الجماعة يكون عُذرا في ترك (١) الجمعة، بل ينبغي أنَّ كلَّ ما ساوت مشقته مشقة المرض يكون عذراً؛ قياسًا على المرض المنصوص، وما لا فلا.
*مسألة: وأنه لا يجوز في بلدٍ واحدٍ، وإن عظم وكثرت مساجده، واتسعت محاله، وفرض احتياج أهله فيه إلى جمعتين = أَكْثَرُ من جمعة واحدة، وكاد يدعي اتفاق الأمة عليه قبل محدثات البدع، ونازَعَ في تحققِ الحاجة، ثم قال على تسليمها: «يصلي أهلها الظهر، لا يُجَمِّعون وعَدَّ من عظائم الدين، وجرائم المبتدعين جمعتين في بلد، وصنف في ذلك مصنفات، أجمعها كتاب الاعتصام بالواحد الأحد من إقامة جمعتين في بلد».
стр. 168
*مسألة: وأنَّ المزحوم إذا لم يمكنه السجود حتى ركع الإمام، وقلنا بالأظهر: أنه يركع معه، فسجد على نظم نفسه؛ جاهلًا، ثم سجد ثانيًا = حُسِب له، وهو الذي في «المنهاج»، لكن في «الروضة» و «شرح المهذب» خلافه (١).
*مسألة: وأنَّ تصحيحهما قول أبي إسحاق: أنَّ المقيم غير (٢) المستوطن لا تنعقد به الجمعة = لم يتضح عليه دليل، ومال إلى قول ابن أبي هريرة أنها تنعقد به (٣).
*مسألة: وأنَّ الوجه تخصيص الخلاف في أنَّ الكلام وقت الخطبة هل يحرم لمن عدا الأربعين؟ أما الأربعون فحَظَرَ عليهم الكلام، وأوجب السماع جزمًا، وهذه طريقة الغزالي، واستبعدها الرافعي، وتبعه النووي (٤).
وأن الساعات في التبكير إلى الجمعة معتبرة بالزمان، لكن لا الزمان الذي يعتبره أهل التقويم، ويختلف شتاءً وصيفًا، بل باثنتي عشرة ساعةً، لا يختلف شتاءً ولا صيفًا، فيعتبر بهذه النسبة، وهو قول القاضي الحسين.
ويدل له حديث: «يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة» (٥)، وهو قول القاضي
стр. 169
الحسين، وفي كلام الإمام ما يقتضي أنَّ القائل بأنها الساعات المقسومة (١) على الليل والنهار، يعتبرها اعتبار أهل التقويم، ومن ثَمَّ غلطه بأنَّ الساعة الخامسة في اليوم الشاتي تقع قريبةً من العصر، وجرى عليه الرافعي فقال (٢): «ليس المراد الساعات المقسومة على الزمان»، وقد تبين (٣) أنَّ المراد: ساعات الزمان، لكن زمان هو اثنتا عشرة ساعةً لا يختلف.
مسألة: وأنَّ المريض إذا حضر إلى الجمعة ولو قبل دخول وقتها، ولم يشق عليه الانتظار؛ حرم عليه الانصراف، وإن شقَّ ولو بعد الإقامة؛ جاز إذا كان قبل الإحرام.
стр. 170
الخوف
* مسألة: وأنَّ الصفّ المؤخَّر في صلاة عُسفان (١) يحرس في الركعة الأولى، ويسجد المقدم، وعليه الشيخ أبو حامد وجماعة؛ لصحة الحديث فيه، وأكثر الخراسانيين على عكسه، وعليه (٢) النص، ورجح النووي جواز كل من الأمرين (٣).
*مسألة: وكذلك الخلاف في التقدم والتأخر، ويمكن أن يجعل هذا مما خرج فيه عن مذهب الشافعي؛ لأنه صرح في كتاب «طليعة الفتح والنصر في صلاة الخوف والقصر» بأنَّ المنصوص خلافه، لكنه قال: «إنَّ قوله: «إذا صح الحديث فهو مذهبي» مُستَنَدُ مَنْ جَعَلَ هذه الكيفية مذهبه»، غير أنَّ في كلامه في كتاب: «معنى قول الإمام المطلبي: إذا صح الحديث فهو مذهبي» ما ينازع في صحة هذا المستند.
*مسألة: وأنَّ الحراسة تكون في الركوع حيث تدعو الحاجة إليه، وذلك فيما عدا صلاة عُسفان، وقال النووي (٤): «المذهب أنه لا حراسة في الركوع، ويركع الجميع»، وذكر بأنَّ القول بأن بعضهم يحرس ولا يركع وجه شاد منكر، قال الشيخ الإمام: فإن أراد في صلاة عُسفان فصحيح، وإن أراد مطلقا فممنوع، بل
стр. 171
الصواب القول به إذا دعت الحاجة إليه.
*مسألة: وأنَّ مقدار ما يحِلُّ التطريز به أو التطريف من الحرير أربع أصابع، وهو رأي النووي في التطريز، وقال في متن (الروضة) (١): «يُرجع في التطريف إلى العادة». وقال الرافعي (٢) في «المحرر»: «يُرجَع فيهما إلى العادة»، فلكل رأي يخالف رأي صاحبيه.
الاستسقاء
* مسألة: وأنَّ إخراج البهائم في صلاة الاستسقاء على ظاهر النص لا يُستحب ولا يُكره، وصحح الشيخان استحبابه (٣)، وقيل: «يكره».
*مسألة: وأنه ليس من آداب الدعاء أن يذكر في نفسه ما عمله من صالح فيجعله شافعاً، ذكره في كلامه على حديث الغار، والشيخان جزما بأنه من الأدب (٤)، وقال الإمام في «النهاية» (٥): «إنَّ الصيدلاني حكاه عن النص»، وذكر قضيَّة (٦) الغار، والشيخ الإمام شكك على الاستدلال بالحديث، وقال: «ليس في قولهم: «إن كنتُ فعلتُ» (٧) إلا الشك في أنه هل وقع خالصا».
стр. 172
الجنائز
* مسألة: وأنَّ السِّدرَ يُستحبُّ في غُسل الميت إلى أن يحصل النقاء، ولا يختص استحبابه بالغسلة الأولى، وقال الشيخان (١): «يستحب في (٢) الأولى السدر». قال الشيخ الإمام: «تخصيص الأولى لا وجه له».
قلت: وقد لا يجعل بينهم خلاف، ويقال: إنما خُصصت الأولى بالذكر لحصول النقاء بها غالبا.
*مسألة: وأنَّ الورثة إذا اتفقوا على المضايقة في الكفن وقالوا: لا نكفنه إلا في ثوب واحد = تعين، وجاز لهم ذلك، وهو قول صاحب «التهذيب» (٣)، وقال النووي (٤): «الأقيس قول صاحب التتمة» أنه على الخلاف فيما لو تنازعوا، والصحيح أنه يكفن حينئذ في ثلاثة.
*مسألة: وأنَّ السِّقط الذي لم يظهر بعد خروجه أمارة تدلُّ على الحياة، فالضابط في غُسله والصلاة عليه: التخليق والتصوير، قال: «وقدره مبلغ اثنتين وأربعين ليلةً، فإن لم يبلغها لم يُصلّ عليه، وكذا إن بلغها في أظهر القولين؛ لعدم تيقن الحياة؛ ولذلك لا يرث، فلا تجب الصلاة عليه، بل ولا تجوز ما لم تظهر أمارة الحياة».
стр. 173
والشيخان قالا: «ضابطه بلوغ النفخ لا التخليق»، قالا: «وقدره أربعة أشهر، فلا يصلى عليه قبل بلوغها، وكذا بعده في الأظهر إن لم تظهر أمارة الحياة» (١).
فاختلافهم إنما هو في التعبير عن الحالتين، مع اتفاقهم على الصلاة إذا ظهرت أمارة الحياة.
قال الشيخ الإمام: «لا شك أنَّ النفخ والتصوير بعد أربعين بشهادة حديث: إذا مَرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها مَلَكًا فصوَّرها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها وعظامها»، الحديث. رواه مسلم (٢)، قال: «والوجود يشهد له، فينبغي أن تكون هذه المدة هي الضابط، قال: وأما نفخ الروح فلم يقم عندنا دليل يقتضي (٣) الجزم بأنه قبل الأربعة أشهر، ولا المنع منه، والإمكان حاصل بحصول الخلق والتصوير، هذا حكم الصلاة عليه».
*مسألة: وأما الغُسل فمتى صُلِّي عليه غُسل، وإن لم يُصَلَّ فالراجح - وهو منصوص «الأم» - أنه يُغسل.
*مسألة: وأما الكفن فجعله الشيخان تابعاً للغسل (٤)، وقال الإمام والغزالي (٥): «إنه تابع للصلاة»، ولم يرجح الشيخ الإمام هنا شيئًا، واتفقوا على وجوب المواراة بخرقة، فسرها الرافعي بما يكون على غير هيئة التكفين، وسنذكر ما فيه.
стр. 174
*مسألة: وأنَّ هذا الكفن الواجب للمواراة هو خرقة ساترة من غير أن تكون مُحيطة به إحاطة الكفن، وقال النووي (١) - تبعاً للشيخ عز الدين بن عبد السلام -: «معناه ثوب»، وجعلا تمام الكفن ثلاثة أثواب، قال الشيخ الإمام: «وفيه نظر؛ لأنَّ الثلاثة أثواب لا تجب».
*مسألة: وأنَّ الإعلام بموت الميت المُجرَّد الصلاة من غير ذكر شيء من المناقب حسن مستحب، وما سواه مكروه، قال (٢): «وقد ينتهي إلى التحريم» (٣).
*مسألة: وأنَّ الفاتحة تتعيَّن في التكبيرة الأولى من تكبيرات الجنازة، وصححه النووي في كتاب «التبيان» (٤).
*مسألة: وأنه لا يُصلّى على عضو إلا إذا انفصل في الموت، إما معه أو بعده، أما إذا انفصل وصاحبه حيٌّ، فلا يصلى عليه وإن مات صاحبه بعد ذلك، وأطلق الشيخان (٥) تصحيح أنه يصلى عليه إذا عُلم موتُ صاحبه، وقال الشيخ الإمام: «ينبغي أن يُحمل على هذا».
قلت: فإن حمل فلا خلاف بينهم في الترجيح، وإلا - وهو الأظهر؛ إذ في المسألة ثلاثة أوجه، ثلاثة جمعها هو في «شرح المنهاج» - فالمخالفة موجودة.
стр. 175
*مسألة: وأن إدخال اثنين ابتداءً في القبر للدفن من نوع واحد - كرجلين أو امرأتين - جائز مع الكراهة، وعن السرخسي أنه لا يجوز، قال الشيخ الإمام: «وتبعه في شرح المهذب، وفي عبارة غيره ما يُفهمه»، انتهى.
قلت: عبارة «شرح المهذب (١): «لا يجوز أن يُدفن رجلان ولا امرأتان في قبرٍ واحدٍ من غير ضرورة، هكذا صرح بأنه لا يجوز السرخسي، وعبارة الأكثرين: لا يُدفن اثنان في قبر، وصرّح جماعة بأنه يُستحب أن لا يدفن اثنان في قبر»، انتهى. وليست صريحةً في أنه يوافق السرخسي على عدم الجواز، وإنما صدرها وتقديم مقالته يفهم ذلك، وقد أطلق في الروضة» (٢) - تبعا للرافعي - أنَّ المستحبَّ حال الاختيار أن يُدفن كلُّ ميت في قبر.
وكل هذا في الابتداء، أما في الدوام فلا يجوز إدخال ميت على ميت حتى يبلى الأول، بحيث لا يبقى منه شيء، لا لحم ولا عظم، ويصير ترابًا.
*مسألة: وأنه يُستحب أن يُنتظر بالصلاة على الميت حضور أربعين نفساً، أو مئة نفس إن ارتجي حضورهم قريبًا، وأطلق الشيخان (٣) أنه لا تؤخر الصلاة الزيادة المصلين.
قال الشيخ الإمام: «وليس في كلام الشافعي والأصحاب ما يقتضي ذلك»، وليس معنى قول الشيخ الإمام: «يُنتظر حضور أربعين أو مئة» التردد، بل إن تيسر عن قريب حضور المئة فهو أولى؛ لما في «صحيح مسلم» من قوله ﷺ : «ما من
стр. 176
ميت تصلي عليه أُمَّةٌ من المسلمين يبلغون مئة كلُّهم يشفعون له إلا شُفعوا فيه» (١). وفي ابن ماجه: «من صلى عليه مئة من المسلمين غُفر له» (٢)
وإن لم يتيسر المئة انتظر أربعون إن تيسروا قريبًا؛ لما في «صحيح مسلم» أيضا: عن كريب، عن ابن عباس ﵄: أنه مات له ابن، فقال: يا كُريب، انظر ما اجتمع له من الناس، قال: فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا له، فأخبرته، قال: تقول: هم أربعون؟ قلت: نعم، قال: أخرجوه؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه» (٣).
وفي «مسند أحمد» من حديث الحكم بن فَرُّوخ، عن أبي المليح، عن عبد الله بن قرط عن ميمونة ﵂ زوج النبي ﷺ ، رفعته: «ما من مسلم يصلي عليه أُمَّةٌ من الناس إلا شُفعوا فيه»، قال: فسألت أبا المليح عن الأُمَّةِ، فقال: أربعون (٤).
قلت: وينبغي أن يَصفُّوا ثلاثة صفوف، ففي «سنن أبي داود» و «مسند أحمد»: «ما من مؤمن - وفي لفظ: مسلم - يموت، فيصلي عليه ثلاثة صفوف؛ إلا وجبت» (٥)، وفي لفظ أحمد: (غُفر له) (٦)، وكان راوي الحديث - وهو مالك بن هبيرة السكوني الصحابي - يتحرى إذا قلَّ أهل الجنازة أن يجعلهم ثلاثة صفوف.
стр. 177
*مسألة: وأن البكاء على الميت بعد موته إن كان لرقة وخشية من عذاب الله فلا يكره، ولا يكون خلاف الأولى، وإن كان لجزع وعدم تسليم فيكره أو يحرم، والنووي أطلق أنه بعد الموت خلاف الأولى (١).
*مسألة: وأن نقل الميت إلى بلد آخر قبل الدفن إن أوجب تغيرا حرام، ولو كان إلى مكة أو المدينة أو القدس، وإن لم يوجب تغيرا مكروه، إلا إلى الأماكن الثلاثة فإنه يختار.
стр. 178
الزكاة
* مسألة: وأنه لا يؤخذ من صغار الإبل والبقر صغيرة بل كبيرة بالقسط مطلقا (١)، ولا من الذكور منهما ذكر، إلا التبيع في البقر.
*مسألة: وأنَّ من ضمن الزكاة - لتأخيرها بعد التمكن ونحوه - فمعنى الضمان إيجاب ما كان قبل التلف، فإذا تلف خَمس من الإبل فالواجب عليه شاة لا قيمتها، ورَدَّ على من أوجب القيمة، وإيجاب القيمة هو قضية ما في «الشرح» و «الروضة».
*مسألة: وأنَّ من عجَّل الزكاة إذا ثبت له الاسترداد والمعجل تالف يجب ضمانه بالمثل، مثليًّا كان أو متقوّما، وهو وجه (٢)، وجزم الرافعي بأنَّ المتقوّم يضمن بالقيمة (٣).
*مسألة: وأنه إذا اجتمع زكاةٌ ودَينُ آدمي، وكان المال موجودًا؛ فالزكاة مقدمة بلا خلاف، على القول بأنَّ تعلقها تعلق شركة، أو رهن، أو جناية، قال: «ومحل الخلاف في تقديمها على دين الآدمي إنما هو فيما إذا تلف المال بعد الوجوب والتمكن»، وسبقه إلى ذلك القاضي الحسين.
*مسألة: وأنا إذا فرَّعنا على الأصح - وهو أنه لا يُعجل زكاة عامين - فعُجِّل؛ فإن مُيّز واجب كلَّ سَنةٍ فما يقع لسنة مجزئ، وإن لم يميز قال: «فيتجه أن
стр. 179
لا يُجزئ عن السنة الأولى»، وقد أطلق الشيخان - تبعا للإمام وغيره - أنَّ ما يقع لسنة مجزى (١).
*مسألة: وأنَّ من عليه زكاة، وقد استعجل منه ما لم يقع الموقع؛ لا يجوز للإمام أن يحسبه له عن زكاته المفروضة، بل يأخذه منه ثم يعطيه عن جهة الزكاة؛ لأنَّ الزكاة تحتاج إلى دفع ونية، والرافعي والنووي قالا (٢): «إنَّ للإمام أن يحسبه عن (٣) المفروضة ويقع قصاصا»، وصريح كلام الماوردي يرد عليهما ويؤيد قول الشيخ الإمام.
وما أظرف قولنا في «المنظومة» هنا:
وَقَالَ بِالْقِصَاصِ فِي الزَّكَاةِ … لله يَحْيَى أَخُو الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ
*مسألة: وأنَّ من اجتمع فيه وصفا استحقاقٍ، وقلنا بالصحيح - وهو أنه لا يُعطى إلا بواحد - وكان فقيرا غارما، فأخذ بالغُرم، وأخذ منه الدائن، وبقي فقيرا = فالأوجه المنع من إعطائه من تلك الزكاة بعد ذلك، وفي زوائد «الروضة» أنَّ نَصْرًا (٤) قال: «لا بُدَّ من إعطائه من سهم الفقراء؛ لأنه الآن محتاج»، وسكت عليه النووي.
*مسألة: وأنه إذا اتفق فرضان في نصاب موجودان في ماله بصفة الإجزاء، وقلنا بوجوب الأغبط - وهو الصحيح؛ فالقياس أن لا يجزئ العدول إلى غيره
стр. 180
مطلقاً، والشيخان صحّحا الإجزاء إن كان بغير تقصير (١).
*مسألة: ومال إلى أنَّ الاختيار في الجبران في الصعود والنزول إلى الساعي لا إلى المالك، وقال: «إنه منصوص «الأم»، ومرجّح العراقيين» (٢).
*مسألة: وأنه يجوز للنساء التحلي بالدراهم والدنانير التي تُنقب وتجعل في القلادة، وما وقع في «الروضة» (٣) من أنَّ الأصح التحريم خلل في اللفظ (٤)، فإنه وضع التحريم موضع منع الزكاة، كما نبهنا عليه في «التوشيح».
*مسألة: ورجح أنه إذا باع في أثناء الحول نقدا بنقد، أو سائمة بسائمة بقصد التجارة؛ لم ينقطع الحول، وتجب الزكاة، وهي طريق الإصطخري التي نسب أبا العباس ابن سريج في مخالفتها في النقد إلى خرق الإجماع، والرافعي والنووي تبعا طريق ابن سريج حيث قال بانقطاع الحول، وقال: بشروا الصيارفة (٥)
*مسألة: وأنه إذا اشترى عرضاً من الثياب أو غيرها يساوي مئةً، وعجل زكاة مئتين، وحال الحول وهو يساوي مئتين = لا يجزئه التعجيل.
*مسألة: وأنه إذا تعذرت زكاة العين، فلم يمكن إيجابها فيما إذا اجتمعت مع التجارة؛ لنقصان الماشية المشتراة للتجارة عن قدر النصاب، ثم بلغت بالنتاج في أثناء الحول نصابًا، ولم تبلغ بالقيمة نصابًا في آخر الحول = فينتقل إلى زكاة