لَا نَوْمٌ يَأْخُذُهُ لَا رَوْمٌ يَنْفُذُهُ … وَلَا لَوْمٌ يَنْبِذُهُ لَا فَهْمٌ يَقُصِّيهِ
لَا فَوْقَ يَصْعَدُهُ لَا تَحْتَ يُبْعِدُهُ … وَلَا شَخْصٌ يُرْشِدُهُ لَا فِكْرٌ يُدْنِيهِ (١)
لَا دَهْرٌ يُخْلِفُهُ لَا سَيْرٌ يَسْبِقُهُ … وَلَا ضُرٌّ يَلْحَقُهُ لَا وِزْرٌ يَأْتِيهِ
سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، ربُّ الملائكةِ والرُّوح، عَدْلُهُ (٢) مشروح، فضله ممنوح، بابه مفتوح، ما أقربه في أعلى عُلُوِّهِ، وما أبعده في أدنى دُنُوِّهِ، له الملك والملكوت، والعِزَّةُ (٣) والجبروت، لا يهلك عليه إلا هالك، ولا يذهب عليه ذاهب ولا يفوت، وهو الحيُّ الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون، وليوم لا ريب فيه يُجمعون، «يُدني المؤمنَ، ويضع عليه كنفه، ويستره ويقول: أتعرف ذنب كذا، حتى إذا قرَّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» (٤).
هو الحقُّ المبين، ذو القوة المتين، والملك المكين، يُحْصَرُ (٥) الهارب، ولو طار لم يَفُتْهُ، يُمهِل الظالم، حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْهُ، يجمع العظام النَّخِرة، ويحشر الخلق أجمعين في الآخرة، يفرح بتوبة عبده ويقبلها، ويعفو عنه.
ما تردد في شيء تَرَدُّدُهُ في قَبْضِ رُوح عبده المؤمن، يكره الموت ويكره مساءَتَهُ، ولا بد له منه، إجابتُهُ للداعين سريعة، والملائكة في السماوات
стр. 72
والأرض له مطيعة، من واصله وصَلَه، مَنْ جادَلَه جدَلَه (١)، من جانبه قتله بالبعد والصدود، والنار ذاتِ الوَقُود، من تدانى منه وجده، من تباعد عنه فقده، من اعتصم به سدَّده، من أوى إليه أرشده، وأولاه فوق ما يتمناه، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.
والحمد لله ذي الجلال والإكرام، والعزة التي لا ترام، ربنا ورب كل شيء، غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، ذي الطول، لا إله إلا هو إليه المصير، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد (٢)، وهو على كل شيء قدير، والحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يُحب ربُّنا ويرضى، والحمد لله على كل حال، ونعوذ بالله من حال أهل النار.
سبحان الله عدد ما خلق، سبحان الله مثل ما خلق، سبحان الله عدد ما في السماء والأرض، سبحان الله ملء ما في الأرض والسماء، وسبحان الله عدد ما أحصى كتابه، وسبحان الله مِلْءَ ما أحصى كتابه، وسبحان الله عدد كل شيء، وسبحان الله مِلْءَ كل شيء، والحمد لله مثل ذلك، سبحان الله رضا نفسه، وزنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته، تعالى الله عما يقول المبطلون (٣) علوا كبيرا، وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه.
له الحجاب المنيع، والخَلق البديع، والحكم والتشريع، والحساب السريع، فاز العارفون، وجاز العابدون، وحاز الطائعون، وسُعِد المُوَفِّقُون، ورَشَد
стр. 73
المخلصون، وتعس المبطلون، وخسر الجاحدون، وندم العاصون، وهلك الكافرون، وخسئ الطاعنون، وضل المعطلون، وعمي المشبهون، وذلَّ لعزّه المتكبرون، وصغر لعظمته الشامخون، تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون (١).
فيا عجبًا كيف يُعصَى الإله … ولن أم كيف يجحده الجاحد
والله في كل تحريكة لك … وتسكينة في الورى شاهد
وفي كل شيء له آيةٌ … الله تدل على أنه واحد (٢)
وسبحان من لا يَبْلُغ الواصفون كُنّه عظمته، ولا يصل الحامدون (٣) إلى الإحاطة بحقيقته، ولا ينتهي المادحون إلى ذرَّةٍ من حقائق صفته، ولا يترقى العارفون إلى غير التراقي على مسامحته.
لو لم يحب المدح لم نتجاسر على التفوه بمدحته، ولو لم يرشدنا نبيه محمد ﷺ إلى حسن الثناء عليه لما أحسن اللسان أن يدور بشفته (٤)، عَزَّ جنابه أن يكون شَرَعَه لكل وارد، وفتح بابه فلم يدخله إلا من حسنت منه المصادر والموارد، واشتد عقابه، وما أوقعه إلا على حقيق به خليق بالشدائد، وكثر ثوابه فله الحمد بأنواع المحامد.
والصلاة والسلام على التمام والدوام، ما دامت الليالي والأيام، والسنين والأعوام، من غير انقطاع ولا انصرام على سيد الأنام، ومصباح الظلام، أفضل
стр. 74
الخلائق، والداعي إلى أرشد الطرائق، والمرشد إلى نهج الحقائق، النبي الأمي الموجود مكتوبًا في التوراة والإنجيل، محمد، أحمد، صاحب لواء الحمد الذي تحمده الأولون والآخرون، الحاشر، العاقب، الماحي، المقفي، نبي الرحمة، نبي التوبة، نبي الملاحم، الشاهد، المبشر (١)، النذير، الضحوك، القتال، المتوكل، الفاتح، الأمين، الخاتم، المصطفى، الرسول، النبي، الأمي، القثم (٢)، الذي أُنزل عليه القرآن، ودعا إلى خير الأديان، أول شافع وأول مشفّع، الطاهر المطهر، الوجيه القول، المقبوله (٣)، المبعوث بالحنيفية السمحة، الذي دنا فتدلى، فكان (٤) قاب قوسين أو أدنى.
المبعوث إلى الجن والإنس والخلق كافة، بالمعجزات الباهرات، والآيات البينات، انشقّ له القمر، وكلَّمَهُ الحَجَر، وأطاعه الشجر، وسبح الحصى في كفه، ونبع الماء من بين أصابعه، وحنَّ الجذع إليه، وسلَّمَ البعير عليه، وكلَّمَتْهُ الذراع، جاء والناس في عِوَج وشَكٍّ لا يعرفون اليقين، ونار فتن مؤججة في أقطار الأرضين، وعين عدوان ساهرة بين المعتدين، فشيّد عمود الدين، وبين المحجة البيضاء، وأقام الحجة الزهراء بالحق المبين.
وما استأثر الله بروحه الزكية حتى أكمل الله لنا الدين، ولم يُحوج إلى غير كتابه وسنته، وهدى به (٥) من يُحسن النظر في الخلق أجمعين، ثم جعل للمصيب
стр. 75
إذا اجتهد أجرين، وللمخطئ أجرًا، فإن لم يكن كلُّ مجتهد مصيب فلكل مجتهد نصيب من عطاء سيد المرسلين، وسبيل يصل بها إلى شفاعته يوم الدين.
فهو صاحب الشفاعة، أترونها للمؤمنين المتقين؟! لا، ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطّائين، فهو أعلى العالمين قدرًا، وأنفذهم نهيًا وأمرًا، والذي فتح الله به عيونًا عُميًا، وآذانا صُمَّا، بعد أن عمتها (١) الضلالة دهرا، والذي إذا كرعت العلماء من (٢) مناهل علمه قالوا: إن وجدناه لبحرًا، وإن شرعت الحكماء (٣) في التقاط كلامه علموا أنه الذي يقذف درا.
أرسله الله إلى قوم بدلوا نعمة الله كفرًا، فوصل لهم القول لعلهم يتقون أو يُحدث لهم ذكرًا، فدعاهم إلى الله سرا وجهرا، وصبر على أذاهم، وهو مع ذلك يرحمهم فيقول (٤): «اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون» (٥)، كأنه يقيم لهم عُذرا، يصفح عن مسيئهم، ويجزي بالحسنة عشرًا، ومن صلى عليه واحدةً صلى الله عليه عشرا.
كريم على ربه، جعلت له الأرض مسجدًا وطهورًا، وزويت له مشارقها ومغاربها، فبلغ ملك أمته ما زُوي له منها، وظهر دينه فيها ظهورا، وغفر الله له ما تقدَّم (٦) وما تأخر، ولم يترك الجد والتشمير، وقال: «أفلا أكون عبداً شكورا» (٧).
стр. 76
أفصح من نطق بالضاد، وأسمح من روى كل صاد، وكثر القليل فلا يقول: ما زاد إلا ما نقص، ولكن ما نقص إلا ما زاد، كان نبيًّا وإنَّ آدم لمنجدل في طينته، وختمت محامد إبراهيم بـ ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣]، فكان ذلك رِفعةً لأَبَوِيَّتِه، ولو كان موسى حيًّا لما وسعه إلا اتباع ملته، وإذا نزل عيسى فلا يحكم إلا بشريعته.
جبينه الأزهر، ووجهه الأنور، وحوضه الكوثر، ميمون نقيبة (١)، ولد مختونا، مختوم السُّرَّة، ساجدا الله، معتمداً على يديه، خمدت بمولده نار فارس، وانكسر إيوان كسرى، وغاضت بحيرة ساوة، وفاض وادي سماوة، وحرست السماء بالشهب من كل شيطان.
حبيب الله وصفيه، الشفيع المشفّع، الشريف النفس والأصل والمحتد، عُرضت عليه كنوز الأرض فأباها، وقنع بأن يشبع يوما ويجوع يوماً، وعَبَدَ الله حتى تورمت قدماه، مع كونه أقرب الخلق وأوفرهم عنده حظا وقسماً، وهو الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، والمعلن الحق بالحق، والدامغ جيشات الأباطيل، حمل فاضطلع بأمر الله، مستوفزاً في مرضاته، لغير نكل في قدم، ولا وهن في عزم، داعياً لوحي الله، حافظاً لعهده، ماضياً على نفاذ أمره، حتى أورى قبسا لقابس، آلاء الله تصل بأهله أسبابه به هديت القلوب بعد خوضات الفتن والإثم، موضحات الأعلام، ونائرات الأحكام، ومنيرات الإسلام، فهو أمين الله المأمون، وخازن علمه المخزون، وشهيده يوم الدين، وبعثته نعمة، ورسوله بالحق رحمة (٢)، من نسي الصلاة عليه خطئ طريق الجنة، ومن سلّم عليه سلّم.
стр. 77
الله عليه، ومن صلى عليه واحدةً صلى الله عليه عشرًا، فصلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين كلما ذكره الذاكرون، وكلما غفل عن ذكره الغافلون.
ثم الداعي إلى كتابة هذه الأوراق التي سميتها: «ترشيح التوشيح، وترجيح التصحيح» أني لما انتهيت من تصنيف كتاب «توشيح التصحيح وحجاج المنهاج» الذي التزمت فيه ذكر ما يحضرني من ترجيحات الشيخ الإمام الوالد تغمده الله برحمته ورضوانه، وجمعني معه في فسيح جنانه، وكان ذلك الكتاب مقصورًا على مسائل «التنبيه» و «المنهاج» التي وقع في الترجيح فيها خلاف بين الأئمة الثلاثة: الرافعي، والنووي، والوالدُ، ﵃ = عن (١) لي أن أعقد له ختامًا ثلاثة أبواب:
الباب الأول: في سرد المسائل التي خالف فيها الشيخ الإمام الرافعي ﵀، والشيخ الزاهد أبا زكريا النووي ﵁، سواء كان النووي موافقا للرافعي أم مخالفًا، وأبين رأي الرافعي في تلك المسألة أيضًا، فربما كان مع أحدهما، وربما كان في جانب منفرد، وذلك قليل.
وهذا الباب سبق (٢) أكثره في «التوشيح»، ولكنا أردنا أن نعيده سردًا مضموماً إليه ما لعله لم يسبق، وأذكر في هذا الباب ما تحصل عندي من ذلك، وقد يشد (٣) عني من ترجيحات الوالد بعض الصُّور، فإنَّ ترجيحاته لا يحيط بها كتاب، بل هي مفرقة في تصانيفه، والغالب عليها «شرح المنهاج» و «شرح
стр. 78
المهذب»، وليس الفقه فيهما بكماله؛ لأنهما لم يتما.
والباب الثاني: في مسائل حكى فيها الشيخان - الرافعي والنووي - أو غيرهما الخلاف مرسلًا بدون ترجيح، رجح فيه الشيخ الإمام، وربما رجح فيه الرافعي أيضا، وذلك في مسائل معدودة، أهملها النووي في «الروضة» مع كونها في «الرافعي»، أو رجَّح فيها الرافعي في «الشرح الصغير»؛ فإنَّ النووي لم يقف عليه.
والباب الثالث: فيما اختاره لنفسه مذهبًا، وارتضاه رأيا واجتهادا، مع اعترافه بخروجه عن مذهب الشافعي ﵁.
وهذا الباب يقل جدواه بالنسبة إلى المتقيدين بمذهب الشافعي، الواقفين مع التقليد الذين قلدوه، مع وقوفهم على قول المزني في أول «مختصره»: «هذا مختصر اختصرته من علم الشافعي، ومن معنى قَوْلِهِ مع إعلاميه نهيه عن تقليده وتقليد غيره؛ لينظر فيه لنفسه ويحتاط لدينه» (١)، فما نظر الكثير منهم لنفسه ولا احتاط لدينه، بل جمد على التقليد جمودًا، ولسنا هنا لإشباع الكلام مع هؤلاء.
وأما البابان الأولان فقد تكرر مني أن حاجة الشافعية إليهما شديدة، وضرورة المذهبية لديهما عتيدة، فإني لا أشك أن متابعته فيما خالف فيه الشيخين - الرافعي والنووي - متعينة، فما ظنك بترجيحه حيث لا ترجيح لهما، فينبغي تلقي هذين البابين بكلتا اليدين، والعض عليهما بالنواجذ.
فإني لست أشك أنه لا يجوز لأحدٍ من نَقَلَةِ زماننا مخالفته؛ لأنه إمام عظيم القدر، رفيع المحل، مُطَّلِعُ على نصوص الشافعي، وكلام الأصحاب، ومآخذ
стр. 79
الرافعي والنووي، وسائرِ حَمَلَةِ (١) المذهب، قادر على الترجيح، ندرة الزمان ذكاء وفطنة، وحفظاً ودينا، وورعاً وتحرياً.
فمن لم تنته رتبته إلى رتبته، وحسبه من الفتيا النقل المحض = حق عليه أن يتقيد بما قاله، وأما من هو من أهل النظر والترجيح، والبصر والمعرفة، فذاك مُحَالٌ على نظرِهِ لا على فتيا واحد من هؤلاء.
فإن قلت: أَتَأخُرُه عن زمان الشيخين مع قدرته على الترجيح هو الموجب لاتباعه، أم شيء غير ذلك؟ إن قلتم: غير ذلك، فبينوه، وإلا فهذا يلزمكم فيمن يتأخّر عنه، فهل تنطقون فيمن يجيء بعده بأنه يتبع ويُترك له قوله، كما تُرِك قول الشيخين له؟
قلت: ليس شيئاً غير ذلك، ونحن نقول فيمن يتأخر بعده ما قاله الإمام والغزالي، وقد سلكنا (٢) هذا المسلك في تقليد الشافعي ﵁ فيمن يتأخر بعده، إن بلغ أحد رتبته فيما ذكرناه كان اتباعه متعيّنا، ولا نتحاشى من ذلك، والله قادر أن يخلق أمثاله، غير أنا لم نجد إلى الآن من يدانيه فضلا عن أن يشابهه، فإن ولدت النساء مثله فهلموا إليه معاشر إخواني، وتدبّروا قوله.
فإن قلت: لقد عظمتم أمر والدكم هذا الذي تلقبونه الشيخ الإمام، وأعرضتم عن غيره صفحا، وكدتم تُطرونه مدحاً، وتعقدون له لواء بين المذاهب، وترفعون له رايةً تخفق على المشارق والمغارب، وتدعون الجَفَلَى (٣) إليه (٤)،
стр. 80
وتدعون خلاف قوله، غير ناظرين إليه (١)، بحيث خَشِينا عليكم غائلة (٢) الإطراء، وطرقنا إليكم سوء الظن، لولا جانب المسامحة والإغضاء، وجوزنا عليكم كل عصبية أمدتها عروق البعضية، ودعتها حمية الجاهلية، وما رأينا تلميذا فعل مع أستاذه في هذه الأعصار المتأخرة ما فعلتم أنتم في حق أبيكم، وقد أنذرناكم الوقيعة - بهذا السبب - فيكم.
قلتُ: تمهل قليلا، واسمع لما أقوله وإن كان عليك ثقيلا، واعلم أني أخاف على نفسي، وأخشى أن يكون لميل الولد إلى والده، والتلميذ إلى أستاذه، والمعتقد في معتقده مدخلاً داخلني في بعض ما أصف الشيخ الإمام ﵀ به (٣).
ولقد اتفق لي من تعظيمه نحو ذلك في حياته، فأنكره علي، وذلك الإزجار (٤) من موجبات خوفي على نفسي، فإني كنتُ قد تخلَّفتُ عنه ليلةً من الليالي، وبات هو في بيته، وبتُّ أنا في المدرسة (٥) لأمر اقتضى ذلك، كان مني فيه ما يكون من تدلّل الولد على أبيه، ثم لعظيم اعتقادي فيه، وخشيتي من تشوش خاطره علي، أدركتُ نفسي في أثناء الليل برسالة كتبتها إليه، من جملتها: «إني أعتقد أنك في رتبة سفيان الثوري، ومحمد بن إدريس الشافعي وأمثالهما، وإني أعتقد أنك من الأولياء»، في كلماتٍ كثيرة ذكرتها، وقلتُ في آخرها: «أشتهي
стр. 81
منكم الجواب فيما فضل من (١) هذه الأوراق؛ ليكون حجةً لي (٢) عليكم يوم القيامة، وسجلا يشهد برضاكم عني، ودعائكم لي».
فكتب لي الجواب، وهو عندي بخطه ﵀، وها أنا أنقل منه ما يتعلق بغرضي هنا، قال ﵀:
«الحمد لله، وقفت على هذه الفضائل التي (٣) رسمها الولد، والفوائد التي فاتت العدد، ولا يصل إليها أحد، وحلت في قلبي (٤) حلول الزلال على الكبد، وريح الصبا على الجسد، فحمدت الله وشكرته، إذ جعل نجلي يأتي منه مثل ذلك، وإني مقصر عما هنالك، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ولا يهلك على الله إلا هالك، ولقد سلكت في إرسالك هذه الرسالة أحسن المسالك، وعلوت فيها أدبا، واتخذت من كل فنّ سببًا، ولم تُبقِ شيئًا، والمجيب (٥) وإن كان أبا، حتى قضى من حسنها وما قضى عجبا.
فكأنها وكأن رقة لفظها … وله ذكرى حبيب فوق كل حبيب
ما منكم (٦) إلا صريع عندها (٧) … و لَشِعرُها يزهو بكلِّ نَسِيبٍ.
فأفديك من ولد بما أجد، وأعيذك بالواحد الأحد من شر ما يرد».
стр. 82
إلى أن قال:
«وأما العلم فأنا عنه بمعزل، ولا يعجبني من الولد أن يظن أني منه بمنزل، فضلا عن أن يذكر سفيان الثوري، وابن إدريس، هيهات، اشتهيت أن أسلم من إبليس، فالولد لا يرجع يتفوه بمثل ذلك، أخاف أن يقال لي: أنت بهذا.
وأما الدين فوالله أكبر مُنايَ أن أموت مسلما، وإياك ثم إياك أن تقول هذه الكلمة: الولاية، بعد هذا، أو تتخيلها بذهنك، فأين نحن وتلك المرتبة، فلا تغلط، ففيه مفسدتان: أُخروية من جهة الله تعالى، أخاف من المؤاخذة لي ولك بها، ودنيوية؛ لأن الناس ينتقدون دون ذلك».
إلى أن قال:
«فخذ فيما ينفع، وتعوذ بالله من علم لا ينفع، ودعاء لا يُسمع، وأنت ما تعلم أنَّ الإطراء يضر القائل والمقول فيه، فشفقتك على نفسك وعلى والدك أن لا تذكر بعد اليوم شيئًا من هذا، بل تسأل الله لكما الصفح وترك المؤاخذة، وأن يسترنا في الدارين، ويزيدنا من فضله كما يشاء .
وأما رضاي فكلُّ أحدٍ يعلم بطبيعة البشرية منزلة الولد من الوالد، ولي من ذلك - إن شاء الله - أعظم شاهد، وأنا في غاية الرضا والحنو».
إلى أن قال: - وهو مما أعتده من مكاشفاته -:
«والوالد إذا كان حيًّا يمكنه أن يتلقَّى عن الولد بعض ما ينوبه، وإذا مات احتاج الولد يتلقى كل ما ينوبه، فالولد يغتنم حياة والده ويرمي كله عليه، ويُفرغ
стр. 83
باله بقدر إمكانه (١) لما ينفعه فيما سيأتي، فمصيره يتعب، ولا يُعجل لنفسه التعب الآن، والفكرة فيما لا ينفع».
إلى أن قال - بعد نصائح علَّمَنِيها، وحثني على اعتمادها:
«فاجتهد فيما ينفعك، والله يبارك فيك ويكون في عونك، وأنا كنت أطلب أجيء إليك بكرة، فجيد (٢) الذي سيرت (٣) إليَّ هذا، حتى عرفت طيبة خاطرك، فما يصل الإنسان إلى مصالح دنياه وآخرته إلا بطيب خلقه، وحسن خُلقه، واعتدال مزاجه، والشيطان يستفز الإنسان حال غضبه، يُخرج منه ما ليس بجيد، ولا سيما عند من لا يرحمه، فأعيذك بالله من شياطين الإنس والجن، وأسأل الله أن يكون في عونك، ويعلي قدرك، ويزيدك ولا ينقصك، ويعطيك ولا يخزيك (٤)، ويهبك من موارد فضله، إنه هو الوهاب إن شاء الله تعالى».
انتهى ما أردتُ نقله من جوابه، وفيه زائد عما احتجت إليه هنا، ذكرته لأنه يحلو لي سماعه.
يُرَبِّحُنِي إِلَيْهِ الْوَجْدُ حَتَّى … أَمِيلَ مِنَ الْيَمِينِ إِلَى الشِّمَالُ
وَيَأْخُذُنِي لِذِكْرَاهُ اهْتِزَازُ … و كَمَا نَشِطَ الْأَسِيرُ مِنَ الْعِقَالْ
ولاشتماله على دعائه لي، وأنا أرجو بركة دعائه، فما أحببتُ حَذفه، ولم أكن شبهته بسفيان والشافعي حتى شبهه قبلي شيخنا الذهبي - وهو من أقرانه
стр. 84
بسفيان، ومالك، ويحيى بن معين، وقال فيما أنشدنيه (١) لنفسه:
تَقِيَّ الدِّينِ يَا قَاضِي الْمَمَالِكُ … وَمَنْ نَحْنُ الْعَبِيدُ وَأَنْتَ مَالِكْ
إلى أن قال:
وَكَابْنِ مَعِينِ فِي حِفْظٍ وَنَقْدٍ (٢) … وَفِي الْفُتْيَا كَسُفْيَانِ وَمَالِكْ
وَفَخْرُ الدِّينِ فِي جَدَلٍ وَبَحْثٍ … وَفِي النَّحْوِ الْمُبَرِّدُ وَابْنُ مَالِكُ (٣)
في أبياتٍ أُخَرَ.
وقد وقف ﵀ على ترجمته في كتابي «الطبقات الوسطى»، وقولي فيه بعدما وصفته ببعض ما أعتقد فيه:
وَمَا عَلَيَّ إِذَا مَا قُلْتُ مَعْتَقَدِي … دَعِ الْحَسُودَ يَظُنُّ السُّوءَ عُدْوَانَا
هَذَا الَّذِي تَعْرِفُ الْأَمْلَاكُ سِيرَتَهُ … إِذَا ادْلَهَمَّ دُجَى لَمْ يُبْقِ سَهْرَانَا
هَذَا الَّذِي يَسْمَعُ الرَّحْمَنُ صَائِحَهُ … إِذَا بَكَى وَأَفَاضَ الدَّمْعَ أَلْوَانَا
هَذَا الَّذِي يَسْمَعُ الرَّحْمَنُ دَعْوَتَهُ … إِذَا تَقَارَبَ وَقْتُ الْفَجْرِ أَوْ حَانَا
هَذَا الَّذِي تَعْرِفُ الْغَبْرَاءُ جَبْهَتَهُ … مِنَ السُّجُودِ طَوَالَ اللَّيْلِ عِرْفَانَا
هَذَا الَّذِي لَمْ يُغَادِرُ سَيْلُ مَدْمَعِهِ … أَرْكَانَ شَيْبَتِهِ الْبَيْضَاءِ أَحْيَانَا
وَاللهِ وَاللهِ وَاللهِ الْعَظِيمِ وَمَنْ … أَقَامَهُ حُجَّةٌ فِي الْعَصْرِ بُرْهَانَا
стр. 85
وَحَافِظًا لِنظَامِ الشَّرْعِ يَنْصُرُهُ … وَنَصْرًا يُلَقِّيهِ مِنْ ذِي الْعَرْشِ غُفْرَانَا
كُلُّ الَّذِي قُلْتُ بَعْضُ مِنْ مَنَاقِبِهِ … مَا زِدْتُ إِلَّا لَعَلِّي زِدْتُ نُقْصَانَا (١)
فكتب ﵀ بخطه على حاشية كتابي:
عَبْدَ الْوَهَّابِ نَظَرْتَ إِلَى … وَرَمِ بَادٍ يَحْكِي مَنَا
وَشَغَافٌ بِي يَدْعُوكَ إِلَى … حُسْبَانِكَ فِي حَالِي حَسَنَا
يَا رَبِّ اغْفِرْ لِابْنِي فِيمَا … قَدْ خَطَّ وَقَالَ هَوَى وَخَنَا
والله إني في نفسي أحقر من أن أنتسب إلى واحد من غلمان واحد من المذكورين، ومن أنا في الغابرين؟! أسأل الله خاتمة حسنة بمنه وكرمه، وبمحمد ﷺ .
كتبه علي السبكي، في يوم السبت مُستهل جُمادى الآخرة سنة ثلاث وخمسين وسبع مائة، بظاهر دمشق.
هذا صورة خطه، ولو كان شيء مما وصفته به عنده غير صحيح لكان ورعه ودينه جديرا بأن يضرب عليه، وأن يأمرني بمحوه، أمرًا لا أستطيع معه مخالفته، بل لم يزد على ما أنشده من هضم النفس، وقد أنشده صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي ﵀:
يَا سَعْدَ هَذَا الشَّافِعِيِّ الَّذِي … بَلَغَهُ اللهُ تَعَالَى رِضَاهُ
يَكْفِيهِ يَوْمَ الْحَشْرِ أَنْ عُدَّ فِي … أَصْحَابِهِ السُّبْكِيُّ قَاضِي الْقُضَاهُ (٢)
стр. 86
وأنشده أيضا:
ثَلَاثَةٌ لَيْسَ لَهُمْ رَابِعٌ … لله فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَفِي النَّسْكِ
وَكُلُّهُمْ مُنْتَسِبْ لِلتَّقَى … له وَدَافِعُ لِلزَّيْعُ وَالْإِفْكِ
فَقُلْ إِذَا شِئْتَ ابْنُ تَيْمِيَّةٍ … وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَالسُّبْكِي (١)
فأقره على إنشاده، وكان من الورع بحيث لا يقرُّ على باطل، يعرف ذلك منه من عرفه، وكم سمع أبلغ من هذا المدح وسكت عليه، فلله در زمانه عصرًا، يُؤذن بفخارِهِ كلَّ عصر ظهرًا، لقد أخرج منه في هذا القرن (٢) الثامن فردا، أعيذه بالسبع المثاني، وبديعاً لا يقوم ببيان وصفه ما تقعده ألسنتنا وقلوبنا من الألفاظ والمعاني.
وأما قول السائل: «ما رأينا تلميذا في هذه الأعصار فعل في حق أستاذه ما فعلتم أنتم في حق أبيكم»، فإنه كلام جاهل بحال (٣) أبينا، فهل خلق الله في هذه الأعصار مثله حتى يقال لنا مثل هذا الكلام؟!
فإن قال: كم (٤) تبكي عظما رميمًا، ولا ينفك عزاؤك مقعدًا ومقيما، على مَنْ أُودع التراب من بضعة عشر عامًا، ومضى كما مضى من هو أجل منه، من العلماء الذين لا تستعمل (٥) في الثناء عليهم ألسنةً ولا أقلامًا، فهل ذلك إلا مجرد
стр. 87
غرض (١) نشر ذكره، وطي (٢) سواه طياً، وصرف أوقاتك (٣) فيه، وشغلك به عما يعنيك، ولن يغني عنك من الله شيئاً؟
فالجواب: أجل، إن عزائي فيه، وضيق عطني (٤) بالأسف عليه أوسع مما تصف وتشرح، مقيم مقعداً، لا ينفك يبرح ولا يبرح، وذكره ينشر من عظامي كل ميت، ويبعثني على أن أصفه بكلي، فلكل جارحة مني صوت صيت، وما أنا
- كما قلت أيها السائل - على ذي الرمة إلا كما قال ذو الرمة:
إِذَا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكُدْ … رَسِيسُ الهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ
فَلا [القُرْبُ] (٥) يُبْدِي مِنْ هَوَاهَا مَلَالَةً … وَلَا حُبُّهَا إِنْ تَنْزِحُ الدَّارُ يَنْزِحُ
إِذَا خَطَرَتْ مِنْ ذِكْرِ مَيَّةَ خَطْرَةٌ … عَلَى القَلْبِ كَادَتْ فِي فُؤَادِي تَجْرَحُ (٦)
وما أنا - إذا تذكرت تراباً ضم أعظمه، وقبراً شمل منه خير أهل زمانه وأعظمه، وانحدر مني دمع أكبره الدم وأعظمه - بقائل:
أَلا هَلْ أَخْبَرَ القَبْرُ سَائِلِيهِ … أَمْ قَدْ رَعَيْنَا بِزَائِرِيهِ
أَمْ هَلْ تَرَاهُ أَحَاطَ عِلْمًا … بِالجَسَدِ المُسْتَكِنِّ فِيهِ
لَو يَعْلَمُ القَبْرُ مَنْ يُوَارِي … لَتَاهَا عَلَى كُلِّ مَنْ يَلِيهِ
стр. 88
أَنْدُبُ مَنْ لَا يُحِيطُ مِنْهُ بِوَصْفِهِ … شَرْحُ وَاصِفِيهِ
يَا جَبَلًا كَانَ ذَا امْتِنَاعِ … وَرُكْنَ عِلْمِ لِأَمِلِيهِ
يَا نَخْلَةً طَلْعُهَا نَضِيدٌ … لَا يَقْرُبُ مِنْ كَفَّ مُجْتَنِيهِ
آمَنَكَ اللهُ كُلَّ رَوْعِ … ، وَكُلَّ مَا كُنْتَ تَتَّقِيهِ (١)
فلله قبر بمصر ولا قبر جُرجان، إنه لعزيز مصر، ولقد كادت الناس بعده تتساوى، فاليوم كل عزيز بعده هان، ورُبَّ داهية قام، والحرب بيننا على ساق، يُبدي عذله (٢)، فنمت عنه معرضاً لا ألوي عليه، ولا أقول له إلا ما قال شاعر عَصْرِنا (٣) مضمنًا:
وَرُبَّ عَذُولٍ لَسْتُ أَفْهَمُ قَوْلَهُ … وَإِنْ كُنْتُ عَيْنَ السَّامِعِ الْمُتَفَهِّمِ
فَإِنْ شَاءَ فَلْيَسْكُتْ وَإِنْ شَاءَ فَلْيَقُلْ … إِلَى حَيْثُ أَلْقَتْ رَحْلَهَا أُمُّ قَشْعَمِ
فأقل اللوم عاذل والعتابَن، ولا تهج العيونَ الذُّرَّفَنْ، واعلم بأنَّ اللوم إذا لاح من كلّ لاح فهو إن لم يُغرِ الأرواح، أهون على المحب من مرور الرياح.
وَهَانَ عَلَيَّ اللَّوْمُ فِي جَنْبِ حُبّهَا … وَ وَقَوْلُ الْأَعَادِي إِنَّهُ لَخَلِيعُ
أَصَمُّ إِذَا نُودِيتُ بِاسْمِي وَإِنَّنِي … إِذَا قِيلَ لِي يَا عَبْدَهَا لَسَمِيعُ (٤)
ولا تؤجج بذكراه في القلب نار أسف، ولا تُثخن جرحًا كلما قلت قد اندمل
стр. 89
أشرف به التذكار على التلف.
وَبَدَا لَهُ مِنْ بَعْدِ مَا انْدَمَلَ الْهَوَى … بَرْقٌ تَأَلَّقَ مَوهِنَا لَمَعَانُهُ
يَبْدُو كَحَاشِيَةِ الرِّدَاءِ وَدُونَهُ … و صَعْبُ الدُّرَا مُتَمَنِّعُ أَرْكَانُهُ (١)
فَبَدَا لِيَنْظُرَ كَيْفَ لَاحَ فَلَمْ يُطِقْ … نَظَرًا إِلَيْهِ وَرَدَّهُ أَشْجَانُهُ
فَالنَّارُ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ ضُلُوعُهُ … وَالْمَاءُ مَا سَمَحَتْ بِهِ أَجْفَانُهُ (٢)
إيها والله، إنَّ لي لقلبا يتأجج بذكر جنَّاتِ الشيخ الإمام نيرانه، وتتبرح تبرُّحَ الجاهلية الأولى محبته التي لا يضمرها كتمانه، وتتأرجُ ولا أَرَجَ النسيم نفحات شوقه التي إذا سكنها البعد تحرك بنسيمها جثمانه، وكم أحاول كتمان ما عندي، وترك التذكر لتلك الخلال الطاهرة التي كلما ذكرت تعيد الهم وتبدي، وأقول: سكونًا أيها النفس سكونًا، فإنَّ غيره لا يجدي.
وفي الدَّمعِ إِنْ كَذَبْتُ بالحُب شاهد … له يُبين ما أُخفي كَمَا بينَ البدر
أَمَا وَالَّذِي أَبْكَى وَأَضْحَكَ وَالَّذِي … أَمَاتَ وَأَحْيَا وَالَّذِي أَمْرُهُ الْأَمْرُ
إِذَا ذُكِرَتْ يَرْتَاحُ قَلْبِي لِذِكْرِهَا … و كَمَا انْتَفَضَ الْعُصْفُورُ بِلَّلَهُ الْقَطْرُ (٣)
أكتم حتى يقال: سكن الأمر، وأبثُ حتى يقال: ليس له صبر، وأتقلب حتى يقال: هل هو على الجمر؟
كَتَمْتُ الْهَوَى فِي الْقَلْبِ حَتَّى خَتَمْتُهُ … فَبَاحَتْ بِهِ الْعَيْنَانِ وَالْقَلْبُ مُطْرِقُ
стр. 90
وَمَنْ كَانَ ذَا عِشْقٍ وَإِنْ كَانَ جَاحِدًا … فَإِنَّ الْهَوَى فِي عَيْنِهِ حِينَ يَنْطِقُ
فما للجحود معنى، ولا للكتمان حاصل، بل يتعنى به من به يُعنى، فكيف يكتمه من اكتال منه بالمكيال الأوفى، ولم ير له وزنا.
لم يبق إلا نفس … خَافِتُ ومُقْلة إنسانُها باهت
ومُغرَمُ تُضرَمُ أَحشَاؤه … بالنَّارِ إلا أنه ساكِتُ
ذابَ فَمَا في الجسمِ مِنْ مَفصل … إلَّا وفيه سقَمْ ثَابِتُ
يرثي له الشامتُ ممَّا بِهِ … يا ويحَ مَنْ يرثي له الشَّامِتُ (١)
إن تكلم فهو متكلّم (٢)، وإن سكت فهو متألم.
فَإِنْ لَمْ أَزُرْهَا عَادَنِي الشَّوْقُ وَالْهَوَى … وَإِنْ زُرْتُهَا شَفَّ الْفُؤَادَ لِقَاؤُهَا
وَإِنْ قُلْتُ أَسْلُوهَا تَعَرَّضَ طَيْفُهَا … وَعَاوَدَ قَلْبِي مِنْ بُثَيْنَةَ دَاؤُهَا (٣)
إيها والله، لقد شَرِبتُ من حبّيه كأسًا بعد كأس.
شَرِبْتُ الْحُبَّ كَأْسًا بَعْدَ كَأْسٍ … فَمَا نَفِدَ الشَّرَابُ وَلَا رَوِيتُ (٤)
ولقيت من وجهه برهانا قام بالنص والقياس.
وَكَمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَجْهِ مَلِيحٍ … وَلَكِنْ مِثْلَ ذَلِكَ مَا لَقِيتُ
فكيف لا أُجري عليه طول السنين دموعاً، في وقوفها ساعةً ألفُ
стр. 91
بأس، وأُنشد:
أَيُّهَا الرَّاحِلُ عَنَّا لَا أَرَى … لِبِلَادٍ سِرْتَ عَنْهَا مِنْ خَلَفْ
وَلَدٌ فَارَقْتَهُ حَقٌّ لَهُ … أَنْ يُفِيضَ الدَّمْعَ وَجْدًا وَالْأَسَفْ
فَلَهُ اللهُ حَبًّا زادَنِي الله فيه … واعتقادًا لا شك يعتريه
ومَاءَ دَمعِ تَفَجَّرَ عيونا … فسقى الغَضَا (١) والساكنيه
ولا معنى لشكوى الشَّوقِ يومًا (٢) … إلى مَنْ لا يَزُولُ عَنِ العِيانِ
فإن قلت: كيف، وإنما تأسف على عظم رميم؟
قلتُ: بل على علم عظيم.
خَلِيلَيَّ لَوْ أَحْبَبْتُمَا لَعَلِمْتُمَا … مَكَانَ الْهَوَى مِنْ مُغْرَمِ الْقَلْبِ صَبِّهِ
تَذَكَّرَ وَالذِّكْرَى تَشُوقُ وَذُو الْهَوَى … يَتُوقُ وَمَنْ يَعْلَقُ بِهِ الْحُبُّ يُصْبِهِ
غَرَامٌ عَلَى يَأْسِ الْهَوَى وَرَجَائِهِ … وَحُبُّ عَلَى بُعْدِ الْمَزَارِ (٣) وَقُرْبِهِ (٤)
وأما قول السائل: إني لا أذكر من هو أجل منه من الماضين كما أذكره = فصحيح، غير أن المدد الحاصل لي منه ليس كالحاصل من غيره من العلماء، وأن من منحني فضلا وغيره فلا متشابهان ولا سواء، وما معرفتي لمن خالطته
стр. 92
الليل والنهار كثيره، وإن كان أجلُّ، ولا من أستغني عن التعريف به - لسبق الناس إلى التعريف به - كغيره، وإن كان دون ذلك المحل، أيولا ومن عَلِقَ به القلب حبا وإن قضى نحبا، كمن لم يكن بينهما معرفة، فَلَيْلُمُ ما شاء من شاء، فلستُ براجع لغير ذي نُصْفَة.
وَقَفَ الهَوى بي حيثُ أنتَ فَلَيسَ لي … هَوَى مُتَأَخَّرٌ عَنهُ وَلا مُتَقَدَّمُ
أجدُ المَلامَةَ في هَوَاكَ لَذِيذَةً … وَحُبًّا لِذِكْرِكَ فَلْيَلُمْنِي اللَّوَّمُ
وأما قوله: «لَنْ يغني عنك من الله شيئاً» فكلمة حق وضعت في غير موضعها، وإنا لنتخذه حناناً، ونرجو بحبه من الله جنة ورضوانا (١)، ونسأل الله أن يجمعه في الجنة وإيانا، وما السائل عارفاً بما حُيِّث عليه أضالُعُ المسؤول، ولا وافقاً على ما أضمره قلبه مما يعتقده الحق المقبول.
إِذَا شِئتُ أَنْ أُرضِيَ وَتُرْضِيَ وَتَمْلِكِي … وَلَكِ زمَامِي مَا عِشْنَا مَعاً وَعِنَانِيَا
أَلَا فَارْفُقِي الدُّنيَا بِعَيْنَيَّ وَاسْمَعِي … وَلَكِ بِإِذْنِي فِيْهَا وَأَنْطِقِي بِلِسَانِيَا (٢)
وإلا فالخلاف بيننا لا يبرح ولا يزول، وليس في المجادلة إلا كثرة الفضول، ولنمسك عن خطاب العدو المخذول، الجَهول العدول، فإن رجوعه بالملام والعذل غير مرجو ولا مأمول، وتشوِيشه على القلوب صعب، وإنما كلام العدا ضرب، وعذل عبيد السوء الجاهلين بلاء مبين، وبيننا وبينهم يوم القيامة ربُّ العالمين.
стр. 93
وَمِنَ الْبَلِيَّةِ عَزْلُ مَنْ لَا يَرْعَوِي له عَنْ جَهْلِهِ وَخِطَابُ مَنْ لَا يَفْهَمُ (١)
والكلام في هذا يطول، وربما كانت فيه مخالفةٌ لما أمرني به في هذا الجواب، ومن أحب أن يعرف (٢) ما أعتقده فيه فلينظر ترجمته من «الطبقات الكبرى» (٣).
ثم أنا مع ذلك كله أسأل الله تعالى وله الحمد، أن يصلي على نبيه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وأن يسلم عليهم، وأن يغفر لي ولأبي، ويجمعني معه في دار كرامته، على موائد رحمته، وبساط مسامحته، وما أبرئ نفسي من عيب وميل إلى جانبه، أخشى أن يجرها إلى إعطائه فوق حقه، ولكن كيف سبيلي وما حيلتي، واعتقادي فيه ما وصفت؟!
وأنا كلُّ مشكلة ترد عليَّ ولم أجد له فيها كلاما لا تنشرح نفسي (٤) للفتيا فيها، وأتحير كأني أخبط في ظلام، ولا أقدر أدفع عن نفسي ذلك، ولا حيلة لي فيه، بخلاف ما أجد فيها كلامه، وإن كنتُ ربما خالفته في وقت.
ولقد سألني سائل من أيام عن مسألة كنت سألته عنها، وكتب لي بخطه في ذيل سؤالي جوابًا أحفظ القدر المشترك منه، ولم أجد خطه، ثم هي مذكورة في كلامه في ثلاثة مواضع من «شرح المنهاج»، ومع هذا لم أجد نفسي تنشرح لكتابة شيء عليها من أجل فقدان ما كتبه، وتجويز أن يكون هناك شيء غاب عني.
стр. 94
هذا، وعندي أن من شروط الفتيا إذا وقعت حادثة، وبلغ المفتي أنَّ لِعالم أهل للنظر والمناظرة فيها كلاما؛ أن ينظر في كلامه، فلعله يجد هناك مساعًا لشيء غاب عنه، فلا أشك أنَّ هذا شرط من شروط الفتيا، لا أُجَوِّزُ لمفت أن يُفتي دونه متى جُوّز أن يكون في كلام ذاك المتكلم ما لعله يغيب عنه مما يجب اعتباره، ومن جوز أن يكون عند نازل في أخريات البلدة (١) أو أُخريات الإقليم كتاب أو سنة في حادثة وقعت له، ثم أخذ يُخَرِّجُها بذهنه، ولا يستفحص ما عند ذلك الرجل؛ فهو أَخْرَق، قليل الدين، كثير التهاون.
فإن قلت: اعتقادكم أنه لم يخلق الله في هذه الأعصار مثله، مع تجويزكم على نفسكم الميل الذي يجرُّ إلى غير الحق؛ مما لا يجتمعان.
قلتُ: الاعتقاد واقع لا محالة، لا سبيل لي إلى دفعه عني، والميل واقع لا محالة، لا حيلة لي في انصرافه مني، ولا استحالة في اجتماعهما، فرُبَّ معتقد أمرًا يجوز في أسبابه ما ليس بواقع، وهذا يجده الإنسان في الأمور الوجدانيات فضلا عن (٢) الاجتهاديات، فإنك تجد العطش من نفسك، وتجوز في أسبابه أموراً قد يكون بعضها هو الواقع دون بعض.
فإن قلت: إذا جوزت على نفسك مداخلة الميل المقتضي لخطا في الاعتقاد، فقد تطرق ذلك إلى شك في الاعتقاد، وهو مع الجزم لا يجتمع.
قلتُ: تجويز مداخلة الميل لا يلزم منه اعتقاد دخوله ولا ظنُّ دخوله في هذا الأمر بخصوصه، وإنما هو احتمال أرجو أن لا يكون داخل في هذا الكتاب (٣).
стр. 95
وبالجملة هذا الرجل كان من أحبار (١) هذه الأمة علما ودينا، فهما ونقلا، ورعا وتحريا، جبلا من الجبال في الذكاء وحسن التصرف، فتاحا لأبواب المباحث، معروفًا بتحقيق المشكلات وكشف عوارها، بحرا من البحار في حفظ الكتاب والسنة، وأقوال السلف، ومذاهب العلماء، قيّما بمذهب الشافعي، يكاد يأتي على نصوصه حفظاً، وعلى مقالات أصحابه المتقدمين والمتأخرين، متضلّعاً بكلّ علم، لا يُعرف علم بين الناس إلا وقد كان يقال: إنه فرد زمانه فيه، تقيًّا نقيًّا، ورِعًا متحريا، ذا همةٍ عليَّة، ونفس أبيَّةٍ في نصر الحق والدعوة إليه، وكلُّ هذا الذي نقوله لا يشك فيه معدود من الناس.
ومن بلغه أن لعالم من العلماء - وإن لم يصل إلى هذا المقام، فضلا عن الواصل إليه - كلاما في حادثة وقعت، وأقدم على الفتيا فيها من غير أن يتأمل مغزاه، ولا ينظر فيما قاله وما تمسك به = فهو جريء، هجوم، غير موثوق بدينه، ولا هو من طالبي الغايات، ومحبي التحقيقات في شيء.
فإن قلت: يا هذا، الشيخ الإمام أعرفُ منك بنفسه، وقد قال لك فيما حكيت (٢) لنا: أنا عن العلم بمعزل، وأنه أحقر في نفسه من أن يُنسب إلى غلمان واحد من المذكورين = في «الطبقات»، ونهاك أن تُطريه (٣)، وحذرك وعنفك، وشيخك هو القائل لك في أجوبة سؤالات سألته عنها، فذكرت أنت أنَّ جواب ابن عبد السلام في مسألة ذكرتها عنه إقناعي: «الأدب مع الشيخ عز الدين:
стр. 96
الاقتصار على جوابه». وهو المقصر نفسه في خطبة تكملة «شرح المهذب» عن مقام النووي، المنادي عليها بالقصور والعجز عن الإتيان بمثل شرحه، وهو المنكر على شاعر العصر ابن نباتة قوله فيه:
وأين الدقيق من الجليل … وأين العلامي من الخزرجي
فأغلظ له القول حيث عرض بنقصان درجة القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز، وهو العلامي، وشيخ الإسلام ابن دقيق العيد = عن درجته، وهو - أعني الشيخ الإمام (١) - الخزرجي، فما هذا الأمر العظيم الذي تذكر أنت؟!
قلتُ: ما أجهل هذا السائل، وما أبعده عن فهم مقاصد العلماء وما يفعلونه من هضم أنفسهم تارة، وبيان محلّها إرشادا للخلق تارةً أخرى، ولا يخفى على ذي لب أنَّ هذا شأن أهل الورع والتقوى، لا يرون أنفسهم شيئًا، وإذا أحبوا جمع الناس على الهدى، وإرشادهم إلى الصواب بإعلامهم ما هو الحق في نفس الأمر؛ عرفوهم مقامهم؛ ليقتدي بهم الخلق، ويأخذوا عنهم العلم، ويحملوه إلى المكلفين، لا فخرا ورياءً وسمعة.
وكذلك إذا أرادوا تربية التلميذ وتعليمه هضم النفس، وترك تزكيتها؛ تزكيةً لها = علموه بطرق التعليم التي منها هضمهم أنفسهم بمحضر منه، ونَهْيُهم إياه عن إطرائه إياهم، والشريعة طافحة بمثل هذا، وقد قال سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم - تارةً: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (٢)؛ ليبين الشرع، ويعرّف الخَلقَ ما هو الواقع من سيادته لولد آدم،
стр. 97
لا للفخر كما نبه عليه ﷺ .
وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: «لا تفضلوني على يونس بن متى» (١)؛ ليبين ما ينبغي من عدم التعرض إلى الميز بين مقامات الكبار من قبل الأنفس، وإليه الإشارة إن شاء الله بقوله ﵇: «لا تفضلوني»، ولم يقل: لستُ فاضلا.
وقد أشكل الحديث على كثير من الناس، وحاولوا الجواب عنه بأمور مقبولة، وأمور مردودة، ولو تأملوا لفظة: «تفضلوني» لانزاح الإشكال، فالمنهي أنا نحن نُقدّم على التفضيل من قِبل أنفسنا، لا أنَّا نعتقد ما هو الواقع من تفضيل ربه إياه على يونس وغير يونس من الأنبياء والملائكة، عليهم أجمعين سلام الله ورحمته، فهذا الجواب عن أصل التفضيل.
وأما تخصيص يونس ﵇ بالذكر من بين سائر الأنبياء ﵈، فللناس فيه كلام كثير لسنا له الآن، ومقصدنا أنَّ ما ذكره الشيخ الإمام من هضمه لنفسه؛ دينا وتورعًا، وتعليمًا لولده وتربية، لا يدل على غير ذلك، وهو القائل في كتاب «عقود الجمان في عقود الرهن والضمان» (٢) - بعد ذكر مباحث قررها - ما نصه، ومن خطه نقلته: «وهذا الكلام أعلى (٣) وأبهى من أن نقوله لغالب أبناء الزمان، المشمرين عن ساق الجد في الاشتغال، فضلًا عن غيرهم، وإنما نُعطي العلم حقه من
стр. 98
الكلام، ولعلَّ حُيًّا (١) يندر وجوده يقع منه بموقع، وينتفع به، ويتنبه به على أمثاله من فتح مُرتَجِ العلوم، واستدراج (٢) نتائج الفهوم، ونعلم أن أكثر من نراه يتكلم في العلم أجنبي عنه وإن اتسم بسمته، وتحلَّى ظاهره بصفته، وهم في ذلك كما قال القائل:
وَكُلٌّ يَدَّعُونَ وِصَالَ لَيْلَى … وَلَيْلَى لَا تُقِرُّ لَهُمْ بِذَاكَا»، انتهى.
وله مثله وأبلغ منه كثير، وهو السامع قول ابن فضل الله في «تاريخه»: «إنه مثل التابعين إن لم يكن منهم»، وأنا لا أدعي ولا هو يدعي مقام واحد من أدنى التابعين، كلا والله، وإنما الكلام محمول على أنه بين أهل زمانه وأمثال زمانه بالنسبة إليهم كتابعي بينهم.
وهو المفتتح درسه في الشامية البرانية بقوله تعالى: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] مشيرًا إلى أنَّ الباب قد سُدَّ بعده، فلن يصل أحدٌ إلى مقامه، إما لاطلاع أطلعه الله عليه، أو لغير ذلك.
وهو الناطق عندما تكلم في أصول الفقه في مسألة الاشتقاق، وقد خطأ الأرموي (٣) صاحب «التحصيل» في شيء فهمه عن الإمام: «أين علم سراج الدين من علمي، وأين فهمه من فهمي؟» ثم رأيته ضرب على هذا بعدما كتبه بخطه، فما أدري هل ضرب عليه إعظامًا لنفسه أن يقيسها بسراج الدين، فبون عظيم بين
стр. 99
النفسين، أو هضماً واحتقارًا تأدُّبًا وتورُّعًا! كلُّ من الأمرين عندي محتمل، قد (١) كان يعتقد أبلغ من الأول، ويفعل أبلغ من الثاني.
وبلغه مرَّةً أن بعض المعاندين انتقد عليه ما يكتبه الموقعون في الإسجالات من الألقاب، ومنها: أوحد المجتهدين، وهي لفظة لم تُكتب إلا له وللشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، ومما بلغ الشيخ الإمام عنه أنه قال: لو اشتهيت لتكلمتُ، يعني بما يؤذي الوالد، فكتب إليه رسالةً وقال: كتبتها لتبلغه فينتفع في دينه ودنياه إن شاء الله، أو تقوم الحجة عليه، أولها: «ربنا لا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا»، وفيها ومن خطه نقلت:
«إنَّ الله يعلم مني أني لا أقصد أذى مخلوق، ولا أجد في قلبي بغضًا لأحد، وإذا توقعت من أحد أنه يؤذيني أقصد الله أن يدفعه عني بما يشاء، ولقد إني أتعجب من قول الفقهاء: إنَّ العدو هو الذي يفرح بمساءة عدوه، ويُساء بمسرتّه، وأقول في نفسي: كيف يتفق هذا، وإنَّ الشخص يسوءه مسرَّة غيره، ويسره مساءته من حيث هي؟! فإني لا أجد ذلك في نفسي لأحد، وأتعجب إن كان يقع ذلك لأحد، نعم، قد يتفق إذا كان لا يحصل للإنسان خير أو لا يندفع عنه شر إلا بها، فيحصل له ذلك ليتوصل به إلى خيره أو دفع ضُره، أما من حيث هو فلا، ولا بد من تحقيق هذا، فإنَّ العداوة قد ورد بها القرآن».
ثم أطال في الكلام على ما ورد من لفظ العداوة، والحب في الله، والبغض في الله في الكتاب والسنة، ثم قال:
«وأما قوله: إنه لو اشتهى تكلم، فإن كان الذي يتكلم به هو الشرع - واجبًا
стр. 100
أو مندوبًا - فلا ينبغي أن يوقفه على شهوته، وإن كان مباحًا فهو بحسب نيته، وإن كان غير ذلك فنعوذ بالله منه، والقاضي لا يتكلم بالشهوة، وإنما يتكلم بلسان الشرع، فلسانه لسان الشرع، وقلمه قلم الشرع، فينبغي أن يصون قلم الشرع ولسانه عما لا يُرضيه.
وأما ذكره الألقاب في الإسجالات فوالله إني غير راض بشيء منها، لكني لا أغير شيئًا فعله غيري، والألقاب ليست مني، ولا هي داخل فيما يُشهد به عليَّ، وإنما المشهود به عليَّ: القاضي ما بعد قوله: إنه، وكُل الألقاب من الكاتب (١)، نعم، إذا كانت حراما ينبغي للقاضي أن ينكرها».
إلى أن قال:
«وهذه الألقاب التي تُكتب لي كان الشيخ عَلَمُ الدين البرزالي (٢) هو الذي كتب نسختها، وأعطاها للموقعين اعتمدوها، ولم أكن أشرتُ له بشيء من ذلك، لكنه هو الذي تصرف فيها». انتهى ما أردتُ نقله من هذه الرسالة، وقد عُرف المقصود منه.
وقد قرأها ﵀ علي، وقلتُ له: إنه ليس في كلام الفقهاء ما يقتضي أن يكون من شرط العَدُوِّ أن يكره مسرَّة عدوه ويحب مساءته من حيث هي، بل هذا القدر كافٍ، وإن كان إنما يفعل ذلك لتوقعه اندفاع شرّه أو حصوله بذلك.
стр. 101
وأقول الآن: هذا أيضًا لا يفعله إلا خسيس الهمة، ولا ينبغي لمسلم أن يكره مسلمًا وإن توقع شرَّه، وأنه لا يندفع إلا بضرره، فهو غالط، فالله قادر على دفعه بأمور تخرج عن حد الحصر لا تنحصر، فينبغي أن يكون سؤاله لله، وتعلق قلبه بأنَّ الله يدفع عنه شره بما شاء في خير وعافية بلا محنة، فإن ذلك قد يحصل بانقلاب العدو صديقًا، أو بعوارض تعرض للعبد (١) وتمنعه عن أذى عدوه، وإن لم يتأذ هو، ثم هذا خارج عما نحن بصدده، فلنعد إلى المقصود فأقول:
وبلغني أنه توجه مرَّةً إلى خزانة المدرسة الفاضلية بالقاهرة، وطلب من الخازن أن يُعيره شيئًا من الكتب، فامتنع عليه، فانزعج الشيخ الإمام وقال: «هذه الكتب تحتاج إلى أنَّ مثلي يحررها، ولا يحتاج مثلي إليها»، أو ما يقارب هذه العبارة، فتوجّه الخازن إلى الشيخ قطب الدين السنباطي (٢) مدرسها (٣)، وكان إن لم يُعدَّ في رتبة مشايخ الوالد، فما هو من أقرانه، بل بين مشايخه وأقرانه، وكان من جلة الفقهاء المحققين، فقال الشيخ قطب الدين للخازن: دع الرجل، فما رأى مثل نفسه.
ولو عددنا ثناء مشايخه وأقرانه عليه لطال الخطاب، وقد أوردنا منه كثيرًا في «الطبقات الكبرى»، ولم يختلف أهل عصره في أنه عالم ذلك العصر، وأنَّ للزمان آمادًا لم يسمح بمثله.
стр. 102
وقال لي الشيخ الإمام العلامة الورع الزاهد شهاب الدين أحمد بن النقيب الشافعي صاحب «مختصر الكفاية» وغيرها من المصنفات في الفقه: «جلستُ بمكة بين طائفة من العلماء، وقعدنا نقول: لو قدر الله بعد الأئمة الأربعة في هذا الزمان مجتهداً عارفًا بمذاهبهم أجمعين، يركّب لنفسه مذهبًا من الأربعة بعد اعتبار هذه المذاهب المختلفة كلها = لازدان (١) الزمان به، وانقاد الناس، فاتفق رأينا على (٢) أن هذه الرتبة لا تعدو الشيخ تقي الدين السبكي، ولا ينتهي لها سواه، ولا معنى للتطويل في هذا المعنى، وعلو قدر الشيخ الإمام علمًا ودينا مما لا يخفى على ذي بصيرة.
وَقَدْ ظَهَرْتَ فَمَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ … إِلَّا عَلَى أَحَدٍ (٣) لَا يَعْرِفُ الْقَمَرَا
وأما إنكاره على ابن نباتة، فأنا أعرفه، وكنتُ حاضره، وإنما أنكر قوله: وأين فلان وفلان منه؛ لأنها في معنى الغيبة لهما والتنقيص، وما كان مزاجه يحمل الغيبة ولا التنقيص لأحد، لا سيما مثل هذين، وقد كان شديد التعظيم لهما، أما القاضي تاج الدين فكان يقول: إنه من قضاة العدل، وأما شيخ الإسلام ابن دقيق العيد فكان من تعظيمه وتبجيله إلى حد يطول شرحه، فما أعجبه أن يُمدَح مدحا يتضمَّن الغض من هذين الكبيرين.
وأما قضية سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام فما كان مني إلا أني سألته أنَّ المنقول عن الشافعي تعميم المفرد المعرَّف، وأنه لم يوقع الثلاث على من حلف بالطلاق، وأنَّ القرافي سأل ابن عبد السلام عن ذلك، فأجابه بأنها
стр. 103
يمين يُراعى فيها العُرف، فقلت: هل ثَمَّ غير هذا الجواب الإقناعي؟ فقال: لا مزيد على جواب الشيخ عز الدين، ومن يجسر يزيد عليه؟! وقد يقال: إنَّ الطلاق حقيقته واحدة، إلى آخر ما ذكره من ذلك الجواب المطرب الذي يعلم سامعه إذا تدبّره أنه هو الجواب، وأنه لم يقصد بما ذكره قبله إلا التأدب مع الشيخ عز الدين، وتعليم ولده الأدب مع العلماء، وقد كان الشيخ الإمام كثير الإجلال للشيخ عز الدين، وكان يحب تعليمي اتِّباعَ (١) الخير، فأراد أن يُنبت لحمي ودمي على الأدب مع الشيخ عز الدين، واعتقاد علو قدره، أنا قاطع بذلك.
وأما اعترافه في «تكملة شرح المهذب» بالقصور عن مقام الشيخ محيي الدين النووي ﵁، فما زال ﵀ الكثير الأدب معه، والمحبة فيه والاعتقاد، قال لي مرات: «ما اجتمع بعد التابعين المجموع الذي اجتمع في النووي، والتيسير الذي يُسر له».
ورافق مرَّةً في مسيره - وهو راكب على بغلة - شيخا ماشيًا، فتحادثا، فوقع في كلام ذلك الشيخ أنه رأى النووي، ففي الحال نزل عن بغلته، وقبل يد ذلك الشيخ العامي الجلف، وسأله الدعاء، ثم دعاه إلى أن يُردفه خلفه، وقال: «لا أركب وعين رأت وجه النووي تمشي بين يدي أبدا».
ولقد سكن دار الحديث الأشرفية، وكان يخرج في الليل يتهجد تجاه الأثر الشريف، ويُمرّغ خدَّه على الأرض فوق البساط الذي يقال: إنه من زمان الواقف، ويقال: إنَّ النووي كان يُدرّس عليه، وأنشدني لنفسه في ذلك:
وَفِي دَارِ الْحَدِيثِ لَطِيفُ مَعْنَى … عَلَى بُسُطٍ لَهَا أَصْبُو وَآوِي
стр. 104
عَسَى أَنِّي أَمَسُّ بِحُرِّ وَجْهِي … مَكَانًا مَسَّهُ قَدَمُ النَّوَاوِي
فهذه حاله معه، وكان ﵀ كثير الأدب مع الماضين والقيام بحقهم، عفيف اللسان، طاهر القول، كثير التعظيم لهم بظاهره وباطنه، حافظا للأدب معهم، وهذا شأن العلماء مع أكابرهم، وبذلك حُفِظُوا، وبورك في أعمارهم وعلومهم، وعليه مضوا كراما مشكورين، رزقنا الله اقتفاء آثارهم الصالحة.
ثم ليت شعري، من ذكر هؤلاء الذين سبقوا الوالد في الزمان، وليس كلامنا إلا مع من عاصره ومن جاء بعده، فالذي نعتقده ولا نتحاشى من ذكره، ونعتقد المخالف فيه جهولًا أنه كان بالنسبة إلى علماء زمانه كالنجم بالنسبة إلى سكان الأرض، والذين جاؤوا بعد زمانه دون الذين كانوا في زمانه بكثير، فقد كان زمانه الذي كان فيه مشحونا بالعلماء في أصناف العلوم، ما من صاحب فن منهم إلا وهو معترف بأنه لا يدرك له غبارا في ذلك الفن.
فإن قلت: قولكم: «ليس الكلام إلا مع من عاصره أو جاء بعده»، يعود بالنقض على قولكم: «إِنَّ ترجيحه مُقدَّم على ترجيح الشيخين: الرافعي والنووي»؛ فإنهما قبله، وقد قضيتم بأنَّ الحق المبين: اتباعه ومخالفتهما لمن لم يكن من أهل النظر والبصر.
قلت: لتأخر زمانه عنهما، ونظره في مآخذهما، وقدرته على الترجيح كما بيناه، وهي قاعدة مطردة في كل متأخر شارك المتقدم في القدرة على الاستنباط والترجيح، إذا نظر فيما نظر فيه المتقدم، وأحاط بما ذكره في المسألة، ثم أقدم على مخالفته، فيكون إذا كان بهذه الصفة أولى منه بالاتباع، وفي نحو هذا قال إمام الحرمين - وقد عيَّن تقدم الشافعي على السابقين من المجتهدين -: «هذا
стр. 105
واضح (١) في الحِرَف والصناعات، فضلًا عن مسائل (٢) العلوم» (٣). كذا قال، وهو حق لا مراء فيه.
فإن قلت: أتطردون هذا في كل متأخر؟
قلت: كلا والله، لا يُفتح هذا الباب لكل متأخر يَنعِقُ كما يَنعِقُ الحمار، ويتشبع بما لم يُعط، ويزعم - وقد شدَا طَرَفًا يسيرًا من العلم، حَسِبَهُ لِحُبِّهِ في نفسه جانبًا عظيما - أنه أهل لهذا المنصب الرفيع، إنما نقول هذا فيمن صفته ما وصفناه، فهذا الرجل الذي نَصِفُهُ كان من العلم نقلا وتفقها، ومن الدين المتين تحريا وتورعا، ومن الإعراض عن محبَّة أن يقال، ومن إعظام مخالفة السالفين (٤) وتهويل أمرها = على جانب يعرفه من يعرف حاله.
ثم كان من التحري في ألفاظه بحيث لا أعرف له نظيرا في زمانه، وكان إذا مر بمسألة قد تقدم له فيها اختيار لا يستجيز أن يقول: هي المختار عندي، إن لم يجدد نظرًا جديدًا، بل يقول فيما هذا شأنه مما لم يجدد فيه نظرًا جديدًا: «وهذا قد اخترته فيما مضى»، أو «في المكان الفلاني».
ثم كان رجلا عاقلاً ثبتًا، محاسبًا لنفسه على الفلتة واللفتة، غير محبّ للسمعة، أبعد الناس عن ذلك، يتحقق هذا منه المخالطون له، عارفًا بأن القول في الدين، والإقدام على مخالفة ما استقرت عليه فتوى الأكثرين من سنين ليس
стр. 106
بالهين، إنما هي دماء تُسفَك وتُسفَح، وأعراض تُهتك وتفضح، وأبضاعٌ تُحلَّل وتنكح، وصدور تضيق أو تُشرَح، وقلوب تُكسر أو تُجبر وتُفسح، وأموال يُباذل بها ويُسمح، ونظام وجودٍ يُفسد أو يُصلح، وأماناتٌ تُنزع أو تودع، ومقادير تُرفع أو تُوضع، وأعمال يشهد على الله أنها صالحة أو طالحة، وكرَّةٌ يحكم بأنها خاسرة أو رابحة، وأن ذلك كله في الحقيقة منسوب إلى الله، إليه يعزوه، وعنه يقوله، وعلى نفسه ينادي بأنه الشرع الذي جاء به عن الله رسوله ﷺ .
وهو القائل في مسألة أنَّ القاضي لا يُحلّف ولا يُطلب بيمين: «قد كنت أكاد أُمسك عن الفتيا في ذلك؛ خشية أن يداخلني فيه شيء؛ لكوني قاضياً، ثم لم أقدم حتى رأيتُ خطي بذلك من نحو أربعين سنة»، هذا أو ما يؤدي معناه، سمعناه منه وشاهدناه.
ولما أذن لي بالفتيا ناولني رقعة وقال: اكتب عليها، فلما أمسكت القلم قبض على يدي وقال: «أمسك؛ فإنك لا تدري أين يؤديك قلمك»، ثم قال: هكذا فعل معي شيخي لما أذِنَ لي، وقال لي شيخي: «هكذا فعل معي شيخي»، فهذا شأنه ﵀ في تحريه.
ثم أنا لا أقول: يُحجَر على من لم يصل إلى هذه الرتبة، فإنا نحسب أنَّ الزمان عقيم بها، ولن نقطع على الله، بل أقول: من وصل إلى عشر معشاره علما ودينا، فدونه ومقالبة (١) المتقدمين، والخوض معهم في بحار الفتيا، أما من لم يُدانِ هذا المقام بعشر المعشار - وهم غالب علماء وقتنا هذا - فتعساً لهم وضلالاً مبينا، ثم هوانا بهم إن حدثتهم أنفسهم باقتحام مخالفة الأولين من غير نظر متين، (٢) من ذي
стр. 107
قوة عند ذي العرش مكين، فليفهم الفاهم ما يُلقى إليه.
فإن قلت: حسبانك أنَّ الزمان بمثل أبيك عقيم، هل عليه دليل قويم، أو هو من وساوس الشيطان الرجيم، وتخرص على الغيب ذميم؟
قلت: بل هو ظن وهاجس أوقعه الله في النفس، إن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، وأما قولك: «تخرص على الغيب» فهل تعتقد أيها السائل أنَّ الزمان عقيم بمثل الشافعي وأبي حنيفة، بل بمثل الإمام، والغزالي، أو لا (١)؟
فإن قلت: لا أعتقد ذلك، بل يقرب عندي وجود مثلهم، فلا كلام لي مع من هذا مبلغ عقله (٢)، ولقد أعظم الفرية على الله جهول هذه مقالته.
وإن قلت: بل هذا بعيد، فالذي سوّغ لك استبعاده ثم لم تعتقده تخرُّصا على الغيب سوغ لي أنا أيضا مثله، ولستُ لا أنا ولا أنت بقائلين: إنَّ ذلك ممتنع على القدرة - معاذ الله - بل إنه أمر لم تَجْرِ به العادة.
فإن قلت: إنما سوغ لي استبعاد مثل أولئك لما مضى عليهم من الزمان المديد، ولم نجد مثلهم، فقسنا ما سيأتي على ما كان.
قلتُ: وهذا الرجل نحن على قطع بأنه لم يُخلق بعد الغزالي نظيره، لسنا من ذلك في شك، فنحن في الحقيقة قد اعتبرنا فيه كما اعتبرت أنت في الغزالي، فكما اعتقدت أنه لا يجيء للغزالي (٣) نظير؛ لأنه ما جاء له نظير منذ مات،
стр. 108
كذلك نعتقد نحن أنه لا يجيء لهذا نظير؛ لأنه ما جاء له نظير بعد موت الغزالي، ويعتضد هذا بحديث: «لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه»، رواه البخاري (١)، وعقد له بابا، وحديث: «لا تزداد الدنيا إلا إدبارا» (٢). وحديث: «إِنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعا» (٣)، وما دلت عليه الأدلة من تقارب الزمان، وظهور أوائل الجهل، واندراس كثير من العلوم، وأنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده دونه، وهكذا شاهدناه وأخبرنا مَشيخَتُنا أنهم هكذا شاهدوا ذاكرين أنَّ شيوخهم قالوا لهم مثل ما قالوا لنا.
فإن قلت: قف هنا فعليك اعتراض، أليس قد قلت: كلُّ زمان دون الزمان الذي قبله، وهذا مسجل عليك بنقصان درجة أبيك عن مشايخه فضلا عن أشياخ أشياخه إلى أن ينتهي الحال إلى الطبقة التالية لطبقة الغزالي.
قلت: نحن لم نقل: كلُّ عالم في زمان تأخَّر فهو دون كل عالم في زمان تقدمه، وهذا لا يقوله عاقل، وإنما قلنا: كلُّ زمانٍ فهو بجملته دون الزمان السابق قبله، وقد يكون في هذا الزمان عالم لم يكن مثله في العصر الذي قبله وإن كان ذلك العصر أرفع، إما لكثرة عدد العلماء فيه، وإن لم يكن فيهم واحد يقاوم هذا الآتي بعدهم فجملتهم يقاومونه ويربون (٤) عليه، إن لم يقاومه كلُّ فرد منهم (٥).
فلزماننا فخر على الأزمنة السابقة عليه (٦) زمنا زمنا (٧) إلى سنة خمس
стр. 109
وخمسمئة - وهي (١) التي مات فيها الغزالي - بوجود هذا الحبر، ولتلك الأزمنة فخر على هذا الزمان بكثرة العدد من العلماء فيها، فقد كان هذا غريبا في زمانه لا كغرابة عالم القرن قبله في زمانه، إذ كان عند ذاك من يدانيه، ولم يكن عند هذا من يدانيه، وقد اعتبرت الأزمنة بعد الغزالي فوجدتُ الأمر على ما أَصِفُ لك.
فإن قلت: مَنْ تعتقد أنه كان يداني ابن الرفعة في عصره؟
قلتُ: كلا والله، لم يكن له في عصره مُدَانٍ غير أنه كان فقيها، وليس تَضَلُّعُه (٢) في سائر العلوم كالفقه، وهذا الذي نَصِفُهُ كان قد خاض (٣) العلوم بأسرها، والعدول عن هذا الفصل أولى؛ لما فيه من نشر الموتى بغير سبب طائل، رضي الله عن أهل العلم أجمعين.
فإن قلت: قولكم: إنَّ الأحاديث إنما دلت على تفضيل الزمان السابق على الآتي بعده بجملته لا على تفضيل كلّ فردٍ في الزمان المتقدم على كل فرد في المتأخر = مردودٌ؛ لِما حُكِيَ أَنَّ بعض السلف - إما الحسن البصري أو غيره (٤) - ذُكِرَ له حديث الزبير بن عدي: أتينا أنس بن مالك، فشكونا إليه ما نلقى من الحَجاج، فقال: «اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم»، سمعته من نبيكم ﷺ ، وقيل له: كيف هذا، وقد جاء عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج؟ فقال: «لا بد للزمان أن يتنفس».
стр. 110
فقد فهم أنَّ المراد: كل فرد، وإلا فكان بسبيل من أن يقول: الحَجَّاج وإن كان ظالما، ففي زمانه من بقايا صحابة رسول الله ﷺ وجلتهم ما ليس في زمان عمر بن عبد العزيز، وإن كان إمامَ هُدًى، والمُفضّل زمانُ الحَجَّاج على زمان عمر (١)، لا نفس الحجاج على نفس عمر.
قلت: إنما قيل هذا في الحَجَّاج وعمر؛ لأن الحجاج كان أميرا ذا شوكة من جهة عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز كان خليفةً، وصلاح الخليفة والأمير صلاح الناس، وفسادهما فساد يسري في الناس، فزمان عمر - لما كان عليه عمر من الصلاح - خير من زمان الحجاج الذي كان فيه صَلْبُ عبد الله بن الزبير، وسم عبد الله بن عمر، وهلم جرا إلى قتل سعيد بن جبير، فلا والله ما الزمان كالزمان، ولا الخليفة كالأمير، وإن كان في زمن ذاك الأمير سادات ليسوا في هذا الزمان، فقد كانوا مقهورين غير مسموع منهم، ولا مشار عنده إليهم.
فإن قلت: إذا رأيتم مثله بعد أن لم يكن من قريب ثلاثمئة سنة، فقد يكون أيضا مثله وإن لم يكن الآن بعد نحو هذه المدة، فكما جاء هذا الرجل بعد هذه الفترة التي لم يخرج مثله، جاز أن يجيء أعلى درجةً منه بعد فترة تُقارِبُ هذه الفترة، أو تزيد عليها، أو تنقص عنها.
قلتُ: لسنا ننكر ذلك، ولكن لما رأينا غلبة الجهل، والقنوع (٢) بيسير من العلم، وقعود الزمان بأهله = ظننا ظنًا ولسنا بمستيقنين، وهو هاجس أوقعه الله في النفس، وستمضي المُدَد، ويطول الزمن، ويرتفع الحسد بموت الحاسد