إليه صاحب «التهذيب»، ووقع في «الشرح» و «الروضة» نقلا عن «التهذيب» تصحيح أنه يعود على عمرة فقط (١)، فصرح الوالد بالقطع بمخالفته، ذكره في «باب الوقف».
قلت: والذي في «التهذيب» هو ما قاله الوالد، وسقط على الرافعي شيء، فنقل عن «التهذيب» بحسب النسخة التي وقعت له، وهي غلط مر عليه وسكت، وإنما قال البغوي ذلك في "طالق" لا "طالقان"، والصور على ما تحرر لي ثلاث:
"أنتما طالقان إن شاء الله"، يعود الاستثناء إليهما جزما، وبذلك صرح صاحب «البحر» (٢).
و: "حفصة وعمرة طالقان إن شاء الله"، وهي مثلها، وبها صرح البغوي (٣) و مجلي، ولم أر الروياني ذكرها.
و: "حفصة وعمرة طالق إن شاء الله "، وبها أيضا صرح البغوي، وصحح أن حفصة لا تطلق، وصاحب «البحر»، وصحح أنها تطلق (٤)، ولم يحك عدم الطلاق (٥) إلا عن الحنفية وبعض أصحابنا، وما فعله أوفق لقواعد أصحابنا، فليكن المعتمد ما صححه من الطلاق، فهو الذي يظهر لي نقلا وتفقها، هذا في "طالق"، أما "طالقان" فلا وجه للخلاف فيها، إنما هو غلط في النسخ كما تبين لك.
стр. 317
مسألة: وأنَّ الطلقة المعلقة بصفة تقع مترتبة على الصفة، والأصح في أصل «الروضة» أنه يقع معها، وهو الخلاف في أنَّ العلة سابقة على المعلول أو مقارنة له، والشيخ الإمام يرى أنها سابقة، والرافعي - تبعا للإمام والغزالي - يَجْنَح إلى أنها مقارنة، وبه صرح النووي (١).
مسألة: وأنَّ التعليق إيقاع، والمجزوم به في «الرافعي» و «الروضة» تبعا للغزالي - أنه ليس بإيقاع (٢)، غير أنَّ هذا المجزوم به عند الشيخين وَهُمُ عند الشيخ الإمام، وهو قاطع بخلافه، وليس عنده من مسائل الخلاف في المذهب، وإنما هي هفوة أو عبارةٌ مُؤوَّلةٌ دعا إليها الاسترسال في الكلام، فلا ينبغي أن تُعَدَّ في هذا الباب (٣).
مسألة: وأنه لا بد للأول من ثانٍ، قرّر ذلك في تفسيره «الدر النظيم» في تفسير (٤) سورة الحشر، ومِن ثَمَّ رجّح أنه إذا قال: "إن كان أول ولد تلدينه من هذا الحمل ذكرًا فأنتِ طالق "، فولدت ذَكَرًا ولم تلد غيره = لا يقع الطلاق، وهو وجه ذكر النووي أنه شاد ضعيف مردود، وحكى الشيخ أبو علي في شرح الفروع اتفاق الأصحاب على خلافه (٥)، ولم يوافقهما الوالد على ذلك، بل نصره، وأطال القول (٦) فيه في الكتاب المذكور.
стр. 318
ووافق فيما إذا قال: "أول عبد يدخل الدار من عبيدي فهو حر"، فدخل واحد فقط، على أنه يُعتق، وهو أصح الوجهين عند الأصحاب، وقالوا في تعليله: إن شرط الأول أن لا يتقدمه غيره، وليس من شرطه أن يكون له ثان، فوافقهم الشيخ الإمام في الحكم وخالفهم في التعليل، وقال: «أول أَفعَلُ تفضيل لا بُدَّ له من مُفَضَّل عليه، لكن ليس من شرطه وجوده في الخارج، بل يكفي توقعه في الذهن، وقد كان دخول غيره متوقعًا، فصح وصف الداخل بالأولية وإن لم يدخل آخر».
وتظهر فائدة الخلاف بينهم فيما إذا قال: "أول عبد يدخل من عبيدي هؤلاء"، فماتوا إلا واحدًا، فدخل، فعلى مساق قولهم أنه (١) يعتق، وقال الشيخ الإمام في تفسير سورة الدخان: «الأقرب عدم العتق؛ للعلم بأنه لا شيء يُتوقع بعده منهم، والتسمية بالأول تعتمد التوقع».
стр. 319
الإيلاء
مسألة: وأنَّ مَنْ حلف لا يجامع، وقال: "مقصودي الاجتماع لا النيك"؛ فهو مُولٍ، لصراحة اللفظ، ولا يُديَّنُ، ذكره في حواشيه على نسخته (١) من «الرافعي»، ونقلته من خطّه، ورجح الشيخان أنه يُديَّنُ في ذلك (٢).
مسألة: وأنَّ القُربان والإتيان صريحان، فإذا حلف بهما كان موليًا، ولم يُديَّن، ورجح الشيخان أنَّ كلَّا من اللفظين كناية، وهو المنقول عن الجديد، وهذه صورة خط الشيخ الإمام في «حواشي الرافعي» عند قول الرافعي (٣): «لو قال: "أردتُ بالجماع الاجتماع، وبالوطء الوطء بالقدم" دين؛ لاحتماله: ينبغي في الجماع والقُربان والإتيان أن يكون موليا وإن فَسَّر بما ذكر؛ لأنَّ عدم الاجتماع، وعدم القُربان يلزم منه عدم الوطء، فعدم الوطء لازم على كلا التقديرين، فكيف نجعله حالفًا على ما هو أعم من الوطء ومستلزمه ولا نجعله موليًا؟! فليحرر ذلك، والله أعلم»، انتهى.
стр. 320
الظهار
مسألة: مال الشيخ الإمام ﵀ إلى أَنَّ الظِّهَار خَبَرٌ، كما قال الغزالي في «الوجيز» (١) في (٢) «الظهار»، ونقله الرافعي في «الطلاق» عن بعضهم ساكتا عليه = لا إنشاء، كما نصره الرافعي في «الظهار» (٣)، وذلك في مباحثة كانت بيني وبينه، وهذا شيء قد يُستنكر؛ لكونه يُحدِثُ حكم الظهار، وسأذكر تقريره في «باب العجائب والغرائب».
مسألة: وأنه (٤) إذا قال: "إن لم أتزوج عليك فأنتِ عليَّ كظهر أمي"، تبيَّن بموت كلُّ واحدٍ (٥) منهما بعد إمكان التزويج أنه كان مُظَاهِرًا قُبيل الموت، وفي لزوم الكفارة وحصول العَوْد وجهان.
قال ابن الحدَّاد (٦): «تلزمه الكفارة، ويصير عائدًا عَقِبَ صيرورته مُظَاهِرًا». وقال الجمهور: «لا كفارة عليه، والعَوْد إنما يحصل إذا أمسكها بعد الظهار مُدَّةً يمكنه الطلاق فيها فلم يُطلِّق، ولا ضرورة هنا إلى تقديم الظهار وتقدير العَوْد». هذه عبارة الرافعي (٧).
стр. 321
وزاد النووي في أصل «الروضة»: أنَّ هذا هو الصحيح (١). والحامل له على ذلك عزو الرافعي إياه إلى الجمهور، والحامل للرافعي في نسبته إلى الجمهور أنَّ الشيخ أبا علي قال في «شرح الفروع بعدما حكى كلام ابن الحداد ما نصه: «وأصحابنا قالوا: هذا غير صحيح، بل لا كفارة عليه؛ لأنا لا نحكم بالظهار ما لم يؤيس من التزويج، والزمان الذي لا يمكنه التزويج لا يمكنه أن يطلقها فيه، وإنما يصير عائدًا بأن يمسكها عقب الظهار مدَّةً يمكنه الطلاق فيها، ولا يتصف هو بذلك هاهنا عقب الظهار» (٢)، انتهى.
وما أظنه يعني بالأصحاب جملة أصحاب الشافعي؛ فإنَّ الفرع من مولدات ابن الحداد، والرافعي يعترف بذلك، وإنما يعني المتكلمين على الفروع من الخراسانيين؛ ولذلك عزاه القاضي أبو الطيب في شرح الفروع» إلى بعض أصحابنا فقط.
واعلم أنَّ رأي الشيخ الإمام (٣) هو قول ابن الحداد، ونقلتُ من خطه في حواشي الرافعي ما نصه: الصواب ما قاله ابن الحداد؛ فإنَّ الظهار يقع باليأس من التزوج، وهو يحصل إذا بقي زمان لا يسع إيجاب النكاح وقبوله، وهو أوسع من زمان النطق بحروف الطلاق، هذا بناء على المذهب في أنَّ اليأس معتبر، وإن كان للبحث فيه مجالٌ من جهة أنَّ المعلق عليه العدم لا اليأس من الوجود، والله أعلم، انتهى.
وقد صوَّب القاضي أبو الطيب قول ابن الحداد أيضًا، وقال عن قول من
стр. 322
قال: «لا يصير عائدًا، ولا يلزمه الكفارة»: «هذا ليس بصحيح عندي، وإنما كان عائدًا؛ لأنه كان يمكنه إيقاع الطلاق عقب إيقاع الظهار بلفظة معلَّقة بالشرط بأن يقول: "أنتِ عليَّ كظهر أمي، وأنتِ طالقٌ عَقِيبَه إن لم أتزوج عليكِ"، فإذا لم يفعل وظاهر منها على وجه لا يمكنه إيقاع الطلاق عقيبه، ويكون ممسكًا؛ كان بمنزلة الممسك باختياره، والتارك للطلاق عَقِيبَه باختياره، فلزمته (١) الكفارة»، انتهى، وهو منزع عجيب.
النفقات
مسألة: وأنه إذا سلَّم زوجته نفقة شهرٍ أو أيام، وقلنا: إنها لا تملك منها إلا نفقة يوم واحد = فكلما استهل يوم ملكت مقدار نفقته، وبه صرح ابن الرفعة، ووقع في «الرافعي» و «الروضة» أنها إنما تملك نفقة كل يوم بمضيه (٢).
مسألة: وأنَّ نفقة القريب لا تستقر في الذمة بفرض القاضي، وله فيه تصنيف مستقل، استبعد فيه أن يكون في المسألة خلافٌ بالكلية.
стр. 323
الجراح
مسألة: وأنَّ الطريقة المفرقة بين (١) الجارح والمثقل بين العمد وغيره هي الراجحة، قال: «وهي التي يدلُّ عليها نصه في «الأم»»، ذكره في كتاب «التحبير المذهب في تحرير المذهب».
مسألة: وأنه على هذه الطريقة لا يُشترط في كون الجرح عمدًا أن يُعلَم حصول الموت به، بل يكفي كونه بصفة السريان، وإليه الإشارة بقول الغزالي: «كل جُرح سار ذي غور» (٢).
وعبارة الإمام والرافعي والنووي (٣): «العلم بحصول الموت منه»، قال الشيخ الإمام: «وهي أخص من الأولى؛ فإنَّ الجرح قد يتحقق فيه أنه مما يسري ويُشَكُّ هل وصلت السراية إلى الموت أو لا؟ ومقتضى اعتبار العلم أنه لا يجب القصاص».
قال: «ولا جائز أن يفسر العلم هنا بالظن الحاصل من حوالة الموت على السبب الظاهر، فإنَّ هذا المعنى حاصل في شبه العمد، بل المراد به الاعتقاد المستفاد من علامات زائدة على وجود الجراحة يقوى إضافة الموت إليها، ومقتضى عبارة الغزالي وجوب القصاص؛ فإنَّا تحقَّقنا السبب، وهو كون الجرح بصفة السريان، ووقوع الموت بعده، والشكٍّ في حصول مانع يمنع من إضافة
стр. 324
السبب لا يقدح».
قال الشيخ الإمام: «وهذا أقرب؛ فإنَّ الأصح فيما لو جرحه بقطع يد أو غيره فمات، فقال الجاني: «حَزُّ آخَرَ رقبته»، أو: «شرب سمًا مُوحِيًا، فليس علي قصاص النفس»، وقال الولي: «بل مات بسراية جرحك» = أنَّ القول قول الولي، وبه قطع بعضُهم».
وذلك يدل على أن مجرد الجرح الساري بالقُوَّة سبب، ومن يقول: القولُ قول الجاني، لا ينفي ذلك، فإنَّ المسألة من مسائل تقابل الأصلين، والتعارض كافٍ في عدم قبول قول الولي، لا أن السبب الموجب للقصاص لم يثبت.
مسألة وأنَّ من ضرب كوع شخص بعضًا فتورم، ودام الألم حتى مات، فاحتمال القصاص قائم، ولم يجزم به؛ لأنه نقل عن النص عدم القصاص، لكنه مال إليه، وفي كلام الرافعي والنووي في غرز الإبرة ما يشير إليه، ولكنهما نقلا عدم الوجوب في أول الجراح عن الغزالي، ولم يتعقباه بنكير، واستدلا عليه بحديث مخرَّج في «سنن أبي داود» و «النسائي»، إلا أنه مختلف في إسناده (١)، وقال ابن الرفعة: «ما ذكره الغزالي لم أره منقولا».
ومسائل الجراح هذه كلها من كتاب تحبير المذهب، وهذا الكتاب مبسوط جدًّا، كان شَرَعَ فيه من أول (الصلاة) ومن أول «الجراح» شرحًا على «المنهاج قبل كتاب الابتهاج»، وعرضه على أستاذه الباجي، فقال له فيما حكى لي عنه: هذا يَصْلُح على (الوسيط) لا على «المنهاج»، ففترت همته عنه،
стр. 325
وعدل إلى كتاب «الابتهاج»، وكان سنه لما صنَّف «التحبير المذهب» دون الثلاثين، أحسبه ابن خمس وعشرين سنة.
مسألة: وأنَّ قاتل الموقوف لا يُقتص منه، ذكره في «باب الوقف»، والرافعي قال (١): «إن قلنا: الملك للموقوف عليه أو للواقف؛ فلهما القصاص أو الله، فهو كعبد بيت المال، والظاهرُ وجوب القصاص». قال الشيخ الإمام: «قوله: «فالظاهر» كأنه تفقه لا نقل، وقد سبقه إليه المتولي، والصحيح خلافه، وهو ما ذكر الماوردي، ويوافقه إطلاق القاضي أبي الطيب، والقاضي الحسين، وابن الصباغ» (٢).
مسألة: وأنه إذا خلف زوجة حاملاً وأخاً لأب وعبداً، فجنى العبد عليها، فأسقطت = فسقط من حقّ كلّ واحدٍ من الغُرة ما يقابل ملكه؛ لأنه لا يثبت للإنسان على ملكه حق، فكيفية السقوط أنه يسقط من حقها من الغُرة ربعه؛ لأنه المقابل لملكها، ومن حقه ثلاثة أرباعه، يبقى له عليها سدس الغرة، ولها عليه نصف سدسها، والواجب في الفداء أقلُّ الأمرين، ورُبما لا تَفِي حَصَّتُها بأرشها، وتفي حصته بأرشه، فإذا سلَّمَتْ تعطّل عليه ما زاد، ولم يتعطل عليها.
مثاله: الغرة ستون، وقيمة العبد عشرون، وسلما؛ ضاع عليه خمسة، وصار له خمسة، ولها خمسة عشر، وهذه طريقة الغزالي ذكرها في «الوسيط» (٣)، قال الشيخ الإمام في كتاب «منية الباحث»: «وهي الصحيحة».
стр. 326
وطريقة الإمام، والرافعي، والنووي (١) أنه يسقط نصيب الأخ كله؛ لأنه أقل من ملكه، ومن نصيب الأم ما يقابل ملكها وهو الربع، ويبقى لها نصف سدس الغُرَّة ترجع به على الأصح على قياس الفداء، فيدفع إليها العم نصف سدس الغرة.
مسألة: وأنه لو قال في مسألة السفينة: "ألقِ متاعك وعلي ضمانه"، وقال الآخر مثل ذلك قبل الإلقاء، فإن قصد الملقي عند الإلقاء جوابهما تَقَسَّط عليهما، أو جواب الثاني فعليه وحده، ويُبطل استدعاء الأول، أو الأول فعليه وحده، والثاني حكمه حكم من ضمن ما لم يجب، وقال في كتاب «عقود الجُمان»: «إنه يجب حمل كلام الرافعي والنووي على بعض هذا».
قلت: وليس في كلامهما تصريح بمخالفة هذا، وإنما أطلقا إطلاقًا قد ينازع في بعضه.
مسألة: وأنهما إذا قالا: "ألقِ متاعك وكل منا ضامن لكله (٢) على سبيل الاستقلال؛ فسد الضمان، صرح به في كتاب «نثر الجُمان»، وهو ملخص من كتاب «العقود»، وهذه المسألة أيضًا لم يصرح الشيخان بخلافها، وإنما كلامهما مطلق، وقد صرح الشيخ الإمام بأنه لم يجدها منقولة (٣).
مسألة: وأنَّ الكَلبَ غيرَ الكَلب وغيرَ العقور لا يجوز قتله، وهو ما صححه النووي في «شرح المهذب» و «شرح مسلم» (٤)، وسأتكلم عليه مَبْسُوطًاً في «باب مذهب الشيخ الإمام».
стр. 327
الردة
مسألة: وأن استتابة المرتد غير واجبة بل مستحبَّة.
مسألة: وأنه يجوز أن يُغتال بالسيف قبل أن يستتاب (١)
الجهاد
مسألة: وأنه لو تلاقى رجلان، وسلَّم كل منهما على صاحبه، وقضت (٢) القرينة بأنَّ أحدهما مبتدئ والآخر مجيب، بأن ترتب السلامان، أو لم يكن حال أحدهما حال مبتدئ، أو (٣) ظهر قصد ذلك = حَصَلَ الجواب، ذكره في تفسير (٤) الذاريات.
والرافعي سكت على قول صاحب «التتمة»: «لا يحصل الجواب وإن ترتب السلامان»، زاد النووي أنَّ القاضي الحسين قال ذلك أيضا، وأن الشاشي أنكره،
стр. 328
وقال: «هذا يصلح للجواب، فإن كان أحدهما بعد الآخر كان جوابًا، وإن كانا دفعةً لم يكن (١)»، قال النووي: «وهو تفصيل حسن ينبغي أن يُجزم به» (٢).
قلت: وهو قريب من قول الشيخ الإمام؛ فلذلك لم أذكره في «المنظومة»، غير أن الشيخ الإمام لا يشترط ترتب السلامين في حصول الجواب، بل يكفي عنده قيام القرينة وإن لم يترتبا، وقد تقدم من النووي قبل ذلك بنحو سَطْر أَنَّ المجيب لو قال: «سلام عليكم» كان جوابًا، قال الشيخ الإمام في «التفسير»: «ولا أعرف فيه خلافًا بين الأصحاب، فمتى دلّت القرينة على قصد الجواب تعين».
مسألة: وأنَّ الجهاد كان (٣) فرض عين على عهد رسول الله ﷺ ، ولكن في غزوة يخرج هو بنفسه ﷺ فيها، فإن لم يخرج بنفسه فهو مستمر على فرض الكفاية، سمعتُ ذلك شفاهاً، وهو توسّط بين وجهين مطلقين، أرجحهما عند الشيخين أنه فرض كفاية (٤).
مسألة وأنَّ طاعة الوالدين تجب في ارتكاب الشبهات، وفي ترك المستحبات، إن لم يكن ذلك منهما على الدوام، فإن كان على الدوام لم يجب، ولم يذكر الشيخان ارتكاب الشبهات، واقتضى كلامهما في المستحب أن للأبوين المنع منه، وصرحا به في حج التطوع، ولم يُفضّلا بين أن يكون المنع على الدوام أم لا (٥).
مسألة: وأنه لا يجوز للولد السفر في تعلّم ما هو فرض كفاية، ولا في تجارة، وإن كان الأمن غالبًا - إذا منعه أحد الوالدين.
стр. 329
عقد الذمة
مسألة (١): وأنَّ الكنائس لا يُعاد شيء منها إذا انهدم، قل أو جل، وذكر أنَّ الأمة أجمعت على أنا لا نأذن في الإعادة، وإنما الخلاف في أنَّا هل نمكن؟
ومن ثُمَّ اقتصر في باب نكاح المشركات عند حكاية قول التخيير فيما إذا ترافع إلينا ذميان على أنَّ الحاكم يتخير إن شاء حكم وإن شاء أعرض، ولم يتبع الرافعي في قوله: «نردُّهم إلى حاكمهم» (٢)، فإن في العبارة تساهلا، وسبقه
القاضي الحسين إلى مثلها فقال: يأمر حاكمهم بأن يقضي بينهم. وهذا محمول على أنَّ إعراضه مع العلم بأنهم لا يبقون على النزاع آيل إلى تمكين حاكمهم من الحكم، لا أنا نأذن للكافر في الحكم بما لعله باطل، وبذلك صرح ابن أبي هريرة في «تعليقه (٣)» فقال: «إِنَّا لا نردهم، ولكنا نمنعهم من التظالم»، يعني: فإذا زال ذلك بالترافع إلى حاكمهم كففنا عنهم، وهذا هو الصواب في العبارة، ومن ثَمَّ قال الشيخ الإمام في «باب الوقف»: «أما تنفيذ حكم حاكمهم فأعوذ بالله أن يكون في الشريعة، بل غايةُ الأمر الإعراض»، ثم قال: «لا يَحِكُ في قلبك أنَّ أحدًا من العلماء يقول: إنا ننفذ أحكامهم».
مسألة: وأن معنى الإعادةِ: الإعادة بتلك الآلة نفسها كما هو ظاهر لفظ الإعادة، وذكر أنه لم يقل أحد: يعاد بآلة أخرى.
стр. 330
مسألة: وأنَّ الخلاف في التمكين إذا انهدمت أو انهدم بعضُها واحد، قال: «وبه صرح الشيخ أبو حامد وغيره»، ذكر ذلك كله في كتاب «كشف الدسائس في تبقية الكنائس»، وجزم الشيخان بأنه لا منع من عمارتها إذا استرَمَّت، أي: انهدم بعضُها، وحكيا في الإعادة إذا انهدم كلُّها وجهين، وصححا الجواز (١).
وإذا علمت أنَّ الترميم إصلاحُ مُتشعث (٢) لا تجديد بناء؛ ظَهَرَ لكَ ضَعْفُ سؤال ابن الرفعة على قولهم في «باب العارية»: «إذا لم يختر المعير خصلةً من الخصال، وقلنا: يُعرض القاضي عنهما؛ جاز دخول المستعير لمرمة الجدار على الأصح»؛ لأنه قال: «في تجويز الترميم ضرر بالمعير؛ لأنه قد يَعِنُّ له التملك، أو النقض مع غرامة الأرش» (٣)، ففهم أنَّ الترميم بناء جديد، وإنما هو حفظ للأصل أن ينهدم فقط (٤).
مسألة: وأنَّ الذمي إذا سب رسول الله ﷺ ، أو ذكر الله، أو القرآن بسوء = انتقض عهده وإن لم يُشرط عليه في العقد، قال: «ويُقتل قطعًا، سواء قلنا: ينتقض عهده أم لم قُلْ».
مسألة: وأنه لا فرق بين أن يكون السوء الذي ذكره مما يعتقده ويتدين
به أو لا، وأن انتقاض العهد بذلك أقوى من انتقاضه بالزنا بمسلمة ونحوه، ووافق النووي على تفصيله في «المنهاج» - تبعا للرافعي - في الزنا بمسلمة ونحوه: بين أن شُرِطَ في العقد نفيه أو لا، وقال: «إطلاقه في «الروضة» تصحيح أنه ذلا ينتقض
стр. 331
في هذه الصورة ليس بجيد»، ذكر ذلك كله في كتاب «السيف المسلول» (١).
مسألة: وأنه إذا آمن الكافر للدخول إلى دار الإسلام للتجارة ثبت حكم الأمان لذلك المال الذي يدخل معه للتجارة؛ لأنها هي المقصودة دون غيره، ذكره في جواب أهل مدينة صفد، وقال: «إنه الذي يختاره»، والصحيح عند الشيخين (٢) أنه لا يثبت الأمان للمال حتى يصرح به، أطلقا ذلك إطلاقا، فخالفهما الشيخ الإمام بعدما حكى كلامهما، وفصل هذا التفصيل.
مسألة: وأنه يؤخذ في تضعيف الصدقة على نصارى العرب من مئة شاة ونصف شاة ثلاث شياه، ومن سبع ونصف من الإبل كذلك، ومن خمس وثلاثين من البقر تبيع ومسنة، سواء أقلنا: إنَّ ما دون النصاب يُضعف - وهو قول حكاه الرافعي، وتوقّف الشيخ الإمام في ثبوته - أو لا، وهو الصحيح عند المشايخ الثلاثة: الرافعي، والنووي، والشيخ الإمام.
والذي في «الرافعي» و «الروضة» أنه إنما يؤخذ هكذا تفريعا على الضعيف، وردَّه الشيخ الإمام في كلام له مفرد على هذه المسألة، هو الآن في فتاويه المجموعة، صوب فيه كلام الإمام في «النهاية» الذي قال الرافعي: إنه تركه إما لخلل النسخة التي وقف عليها، أو لغيره، وأوضح فيه مراد الإمام (٣).
مسألة: وأنَّ قول الروياني (٤) فيما إذا ملك ثلاثين ونصفا: «إنه يُؤخذ منه جذعة»؛ تفريعا على الأخذ لما دون النصاب = بعيد، قال: «ولولا الأدب لقلتُ: إنه غلط من الروياني».
стр. 332
الأطعمة
مسألة (١): سمعتُ الشيخ الإمام ﵁ يقول: «سَلَبَ اللهُ الخمر منافِعَها رضي عندما حرمها، وما دلّ عليه القرآن من أنَّ فيها منافع للناس إنما هو قبل تحريمها، فلما نزل التحريم سلبها خالقها تلك المنافع».
ومن هنا نتدرج إلى خلافية بينه وبين الشيخين، فإنهما حرَّمَا التداوي بشرب الخمر، ولا يُعقل التداوي إلا عند المنفعة، والشيخ الإمام عنده: لا منفعة، فلا تداوي، فالخلاف بينهم قياس مركّب، فيقال: التداوي عند الثلاثة بالخمر حرام، أما عندهما؛ فلكونها محرَّمةً، فلا مبالاة بالمنفعة التي تضمنته، وأما عند الشيخ الإمام فلاستحالة صورة المسألة؛ إذ لا منفعة، فإنَّ الله لم يجعل شفاء الأمة فيما حرم عليها، والخلاف حينئذ لفظي.
ولو قال قائل: لا يُحرّم الشيخ الإمام التداوي بها؛ إذ لا تداوي؛ لأصاب لفظا، ونظير كلامه هذا قول بعض أصحابنا في شربها للعطش: «إنه محال؛ لأنها تزيد الظمأ والعطش، فلا يحصل مقصود الرّي»، ومحل الخلاف في التداوي بقليل الخمر، قاله الرافعي في باب حد الخمر نقلا عن صاحب «التهذيب»، والروياني (٢)، ثم قال بعده بنحو ورقة: «لو احتيج في قطع اليد المتآكلة - نعوذ بالله منه إلى أن يزال عقله، هل يجوز؟ خُرّج على الخلاف في التداوي بالخمر» (٣)، وهذا صريح في أنَّ الخلاف يَطرُقُ الكثير منه؛ لأنه الذي يزيل
стр. 333
العقل، وبه صرح القاضي الحسين (١).
وقد يقال: إزالة العقل لأجل قطع اليد ليس تداويًا بالخمر؛ فإنَّ المعقول من التداوي بها حصول منفعة منها في البدن، لا أن يزال العقل ليُنالَ غَرَض من الأغراض في البدن، وكان الثاني أولى بالحل، فإنه متحقق النجاح، فإنَّ المقصود به حينئذ زوال العقل، ولا شك في حصوله، فأشبه إساغة اللقمة بها، بخلاف ما يقصد من منفعة أخرى كائنة بمزاج الخمر.
وأما غيره من الأعيان النجسة فالذي جزم به في «الأطعمة» وفي حد الخمر جواز التداوي به، وأشار إلى الفرق في «كتاب الطلاق» حيث ذكر ذلك بحثًا لنفسه، وقال: «كأنَّ السبب فيه أنَّ الطبع يدعو إلى شرب الخمر، فيحتاج إلى المبالغة في المنع منه، بخلاف الأدوية، ويؤيده نقله قبل الفصل الثاني» من «باب الأطعمة» عن «البحر» حِلَّ التداوي بنباتٍ مُسكِرٍ لا بُدَّ منه (٢)، وأنا رأيته في «البحر» لكن نقلا عن «الحاوي»، وسكت عليه.
واعلم أن قول الرافعي في باب حد الخمر في التداوي بالخمر: «لا بُدَّ من خبر طبيب مسلم، أو خبرته في نفسه، ويُشترط أن لا يجد ما يقوم مقامها، ويُعتبر هذان الشرطان في تناول الأعيان النجسة (٣)، انتهى = ربما أفهم اعتبار الأعيان النجسة بالخمر.
قال في «البحر» (٤): وفي شرب الخمر للجوع وجهان»، قال: «وقيل:
стр. 334
لا يجوز للجوع أصلا، وإن جاز للعطش».
واعلم أن حق «باب الأطعمة» أن يُقدَّم في الترتيب على ما قبله، كما أنَّ حق «الفرائض» أن تُقدَّم على «الوديعة» و «الغنائم»، ولكنا تبعنا النظم، وكان النظم ونحن في الحبس، وليس بين أيدينا كتاب نتبع طريقه، ولا بأس؛ فقد قدم في «الروضة» «الجنائز» على «تارك الصلاة»، وعكس في «المنهاج»؛ اتباعًا لأصوله، ومثله كثير، وأمر الترتيب سهل.
فاعذُر فيما وجدته على غير ترتيب الأبواب ناظماً لمشكلات الفروع بظاهر بابه أعوان الظلمة موكَّلون، وفي باطنه قلب يرجُفُ كل يوم مرارًا، وقالبه على غير شيء مسجون.
النذر
مسألة: وأن نذر صوم الدهر باطل وإن قيل باستحبابه، قال: «إذ المستحبُّ فِعْلُه لا أن يلتزم»، ذكره في «كتاب الصيام»، وهو تحقيق جيد، وإن لزم منه مستحب لا يلزم بالنذر؛ فقد لزم من قول صاحب «التتمة» الذي سكت عليه الرافعي أن نذر عتق المرهون صحيح حرام يلزم بالنذر، إذ الإقدام على عتق المرهون حرام (١)، وسيكون لنا كلام على هذا الفرع إن شاء الله.
مسألة: وأنَّ نذرَ السفيه القُرَبَ المالية في ذمته إذا قلنا بأنَّ النذر سنَّةٌ؛ ينعقد، ثم يفي بنذره إذا رشَدَ، وإن قلنا: مكروه لا ينعقد، ذكره في «باب
стр. 335
الحجر»، والرافعي أطلق في باب النذر أنه لا يصح من السفيه نذر القُرب المالية (١).
مسألة: وأنَّ شَدَّ الرحال إلى غير المساجد الثلاثة إن كان على وجه تعظيمها فهو ممنوع، وإلا فلا، وهذا تفصيل بين إطلاق الشيخ أبي محمد المنع، وإطلاق الشيخ أبي علي وجماعات الجواز، والجواز هو ما رجحه النووي في (شرح مسلم) (٢).
مسألة: وأنَّ نذر فعل السنة الراتبة كالوتر، وسنة الفجر على الوجهين فيما إذا نذر استيعاب الرأس بالمسح حتى يكون الأصح عدم اللزوم، لا على الوجهين في نحو إقامة الفرائض في جماعة، حتى يكون الأصح اللزوم، ذكر هاتين المسألتين في كتاب «شفاء السقام في زيارة خير الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام».
الإمامة
مسألة: وأنَّ الإمام الفاسق لا يقضي ولا يُزوّج الأيامى، ولكن يأذن لمن يفعل ذلك مع بقائه على الإمامة وعدم انعزاله بالفسق، وسبقه إليه القاضي الحسين، ولا تتخرّج حكاية ابن عين الدولة مع الملك الكامل إلا عليه.
стр. 336
القضاء
مسألة: وأنَّ ولاية (١) المفضول مع وجود الفاضل لا تجوز (٢)، ثم توقَّف في هذا آخرًا ومال إلى الجواز، ومِن ثَمَّ لم أذكر هذا في النظم، وإنما عددته هنا لاحتمال أن يقف عليه في كلامه من لم يعرف رجوعه.
مسألة: وأن نقل الثبوت في البلد جائز، وإن قلنا بما صححه الشيخان من أن الثبوت ليس بحكم.
مسألة: وأنَّ الثبوت حكم إذا كان ثبوتًا للمسبب، بخلاف ما إذا كان ثبوتًا للسبب، فإذا أُثبت أنَّ لزيد على عمرو ألفًا كان حكمًا بها، وإن أُثبت أنَّ زيدًا باع عمرًا دارًا بألف لم يكن حكمًا بالألف، قال: «ورجوع الشاهد بعد الثبوت وقبل الحكم لم أره منقولاً، والذي أختاره في القسم الثاني - يعني: إثبات الحق - أنه كالرجوع بعد الحكم، فلا يمنع الحكم، وفيما إذا أثبت السبب يمنع»، قال: «وفيه احتمال»، كذا ذكره في بعض مجاميعه بخطه.
وقال في «كتاب الأدلة» وفي «كتاب العلم المنشور»: «أنا أختار أنَّ الثبوت حكم بقبول البينة، وليس حكمًا بالحق المشهود به إذا كان مختلفا فيه، فلا يمتنع على من لا يراه نقضه، بل الممتنع عليه النظر في حال البينة، فيكتفي به؛ لأنه
стр. 337
حكم بقبولها»، قال: «ولا يضر رجوع البينة بعد الثبوت فيما يظهر لنا، وإن لم نجده منقولاً»، انتهى ملخصاً.
وهو كالأول، وتحرر منه: أنَّ الثبوت حكم بقبول البينة مطلقا، سواء أكان ثبوتًا للسبب أم المسبّب، وليس حكما بالحق المشهود به، إلا إذا أثبت المسبب نفسه، وما ذكره من رجوع البينة بعد الثبوت وقبل الحكم مسألة مليحة.
مسألة: وأنَّ الحكم بالموجب صحيح، ومعناه الصحة مَصُونٌ عن النقض، كالحكم بالصحة، وإن كان أَحَطَّ رُتبةً منه، قال: «فإنَّ الحكم بالصحة يستدعي ثلاثة أشياء: أهلية المتصرف، وصحة صيغته، وكون تصرفه في محله، والحكم بالموجب يستدعي الأولين فقط».
وله فيه مصنفات منها «القول الموعِب في القضاء بالموجب».
مسألة: وأن ما لا يُنقض من أحكام المخالفين يجوز تنفيذه إن كان مما استقرت المذاهب عليه، ولم يكن عند الحاكم دليل على خطئه، إما لقصوره عن الاجتهاد حيث يجوز لمثله أن يكون حاكماً، وإما لقوة الاختلاف وتقارب المآخذ عنده.
ولا يجوز تنفيذه إذا قوي نظر القاضي ولم يكن المذهب مستقرا، كأكثر ما يحدث من الوقائع وما يختلف الحكام فيه من حال الشهود والمتخاصمين وما بأيديهما من الحجج، بل يجب الإعراض عنه وإن لم يُنقض.
وهذا تفصيل بين وجهين مطلقين للأصحاب، أحدهما: أنه يُنفذ مطلقا، وعليه العمل، وصححه الشيخان (١)، والثاني: يُعرض عنه، وهو منصوص
стр. 338
الشافعي، وكان الشيخ الإمام يميل إليه، ولكن استقر رأيه أخيرًا على هذا التفصيل، ذكره في «الفتاوى» وغيرها.
مسألة: وأن للقاضي أن يضم إلى الوصي غيرَه بمجرد الريبة وتوهُّمِ الخيانة وإن لم يثبت عليه خلل، قال: «والظاهر من كلام الرافعي والأصحاب خلافه».
قلت: وفي «الرافعي» وجهان في المشكوك في عدالته هل تُرفع يده (١)؟ وقد ذكر الشيخ الإمام في «باب المساقاة» أنه لم يجد مسألة الريبة منقولةً.
قلت: ومسألة الريبة غير مسألة الشك، والمرتاب أضعف من الشاك، فلا يلزم من عدم الرفع بالريبة عدمُه بالشك، فالمرتاب به لا تُرفع يده، بل يضم إليه غيره، والمشكوك فيه في رفع يده هذا الخلاف، وأدنى الأحوال أن يُضم إليه غيره، والمشكوك لا يجوز نصبه ابتداءً، والمرتاب به جوز الشيخ الإمام تخريج نصبه على وجهين (٢)، ثم يضم إليه غيره ابتداء، كما يضمه دواما.
مسألة: وأنَّ القاضي لا تُسمع عليه بيّنة (٣)، ولا يُطلب بيمين أبدًا (٤) فيما يتعلق بالقضاء، بخلاف ما يتعلّق بخاصة نفسه، قال ﵀ في «الحلبيات» (٥): «وتوقفتُ في كتابة هذا، وخشيت أن يداخلني شيء لكوني قاضياً، حتى رأيتُ
стр. 339
بخطِّي من نحو أربعين سنة قولي بذلك». جزاه الله عن دينه وتحريه خيرًا، وجمعنا وإياه في دار كرامته.
مسألة: وأنَّ القاضي المعزول لا يحلف، وهو رأي الإصطخري، واستحسنه الرافعي، وهو الأصح في متن «الروضة» في الطرف الثاني من «الباب الثالث» من «كتاب الدعاوى» (١).
مسألة: وأنَّ الحاكم يُسأل عن حُجته، ويطالب بمستنده إذا نقض حكمًا تقدمه، قال في «كتاب النظر المَعِيني»: «إنما لا يجب عليه بيان السبب إذا لم يكن حكمه نقضًا لحكم قبله، فإن كان فالوجه القطع بأنه لا يُقبل حتى يبين السبب» (٢).
قلت: وهذا في الحقيقة تقييد لقول الشيخين وغيرهما من الأصحاب: «إِنَّ الحاكم لا يُسأل عن حجّة، بل لو قال على سبيل الحكم: "نساء البلد طوالق" قُبل منه» (٣).
مسألة: وأنه إذا اشترى عينًا، وأُخِذت منه أو من المشترى منه، أو المتهب بحجة مطلقة = لا يرجع على البائع حتى تصرّح البينة بأنه مَلَكَه ملكًا مُستندًا إلى ما قبل البيع.
مسألة: وأنه إذا استعدى على حاضر في البلد وقعت الإجارة على عينه،
стр. 340
وكان حضوره مجلس الحكم يعطل حق المستأجر = لم يحضره حتى تنقضي مدة الإجارة.
مسألة: وأنه إذا ادعى الوصي لليتيم على وصي ليتيم بمال في تركة مورث ذلك اليتيم، وأقام البينة = لم يوقف الحكم إلى أن يبلغ المدعى له فيحلف، بل يحكم الآن بما قامت به البينة، ويؤخذ الدين للصبي الذي ثبت له، وفي «الرافعي» و «الروضة» تخريج إيقاف الحكم على الوجهين في أن التحليف واجب أو مستحب؟ والمذهب أنه واجب (١).
قال الشيخ الإمام: ف «من يطالع ذلك يعتقد أن المذهب أنه ينتظر ويؤخر الحكم»، قال: وليس كذلك، بل إن أمكن القاضي أخذ كفيل به حتى إذا بلغ يحلف فهو إحتياط، وإلا فلا يحلف، قال: «وهكذا أقول في الدعوى لصبي على بالغ حاضر أو غائب: إنه يحكم ولا يؤخر الحق».
وأطال الكلام على ذلك في كلام له أفرده على هذه المسألة.
مسألة: وأن القاضي حيث قبل هدية يحرم عليه قبولها؛ توضع في بيت المال، ولا ترد إلى صاحبها، وهو ما ذكر صاحب «البيان» أنه المذهب (٢).
مسألة وأنه حيث قلنا بكراهة القبول لا يملكها المهدى إليه، والأكثر على أنه يملكها، ذكره في كتاب «فصل المقال في هدايا العمال» (٣).
مسألة: وأنه يجب على القاضي قبض الدين الحال المقر به لغائب غير
стр. 341
وارث، أو يأذن لمن يقبضه إذا طلب المديون منه قبضه، وهو قضية جواب القفال؛ لأنه وإن أطلق في المسألة حكاية وجهين في «فتاويه» فقد جزم فيها بأنَّ للحاكم إيجار دار الغائب؛ لأنَّ المنافع تفوت، وصرّح بأنه نائب عن الغياب نيابةً شرعيةً لا تنتقض تصرفاته فيها عليهم إذا حضروا، وهو ما صرح به الوالد، ونقله عن الأكثرين في منازعة له مع ابن الصباغ.
مسألة (١): وأنه يجب عليه أيضًا قبض العين المغصوبة لغائب إذا طلب الغاصب دفعها، وبه جزم القفال في «فتاويه» (٢)، قال الشيخ الإمام ﵀: «وإذا لم يطلب فأولى بالوجوب».
مسألة: وأنه يجب عليه قبض دين غير الكتابة إذا لم يكن به رهن ولا ضمين، وأحضره بعد المحِلِّ في غيبة المستحق، كما يجب عليه دين الكتابة قطعًا، وكما إذا كان به رهن أو كفيل، قال: «وأما إذا أحضره قبل المحل فالأظهر الوجوب أيضًا، ويحتمل عدم الوجوب»، ذكر هذه المسائل في كتاب «السهم الصائب في قبض دين الغائب» (٣).
مسألة: وأن من وجبت عليه يمين لا يجوز أن يفتديها بمال، ونقل النووي عن البويطي الجواز ورضيه (٤)، قال الوالد ﵀: «التجويز من قول أبي يعقوب وليس من قول الشافعي».
مسألة: وأنَّ السيد يحلف إذا ادعت أمته الاستيلاد؛ لِيُمنع من بيعها
стр. 342
وتعتق بالموت، قال: «وقول الرافعي، والنووي، وابن الرفعة: «لا يحلف» محمول على ما إذا كانت المنازعة لإثبات النسب» (١).
* مسألة: وأنه يصح دعوى الشفيع بحق الشفعة وإن لم يعين الثمن ولم يدع علم المشتري، ذكره بحثا في «باب الشفعة»، قال: «ومقتضى جزم الرافعي، والنووي أنها لا تصح» (٢).
قلت: وبعدم الصحة صرح القاضي أبو سعد صاحب «الإشراف»، ويظهر سماعها بطريق الأولى إذا ادعى علم المشتري، وهو وجه رجح الشيخان خلافه.
* مسألة: وأن من ادعى على سفيه بدين معاملة قبل الحجر؛ سمعت (٣) دعواه مطلقا لتقام (٤) البينة، وهذا هو الذي ذكره الشيخان في «باب دعوى الدم»، وقال الوالد: «إنه المعتمد»، غير أنهما في «باب الحجر» قالا: «إن لم يقم البينة وقلنا: اليمين المردودة كالإقرار، وهو الصحيح = لا تسمع» (٥). قال الوالد: «وهي طريقة، والصحيح السماع، وإنما التفصيل المذكور في التحليف»، ذكره في «باب الحجر».
* مسألة: وأن حكم الحاكم في المسائل الاجتهادية لا يغير الحكم باطنا، فلا تحل شفعة الجوار لشافعي حكم له بها حنفي، والرافعي قال: «ميل الأكثرين إلى الحل باطنا»، واعلم أن المسألة مهمة جدا، وليس لواحد من المشايخ الثلاثة
стр. 343
فيها تصريح بتصحيح في كتبهم المشهورة، وغاية ما يُؤخذ من الرافعي ميله إلى الحِل، وتبعه النووي (١)، ومن الشيخ الإمام في «شرح المنهاج» ميله إلى التحريم، وصرح به في كتاب «العلم المنشور».
وقد ذكر الرافعي المسألة في كتاب الشفعة، وفي «كتاب القضاء»، وفي «باب الدعاوى»، وفي باب دعوى الدم والقسامة، وفي «كتاب موجبات الضمان»، وقال في «باب القسامة»: «ميل الأئمة إلى ثبوت الحل باطنًا»، وقال في أثناء «باب الدعاوى»: «ميل الأكثرين إلى الحِلَّ باطنًا» (٢)، وفي كلامه في موجبات الضمان ما يدل على ميله إلى التحريم.
وعزا الشيخ الإمام تصحيحَ الحِلَّ في «باب الشفعة» إلى أكثر الفقهاء (٣)، والتحريم إلى الأصوليين، وقد تكلمت على المسألة مبسوطا جيدا إن شاء الله في «الأشباه والنظائر» (٤) في قاعدة نقض القضاء.
مسألة وأنه لا يحِلُّ لشافعي طلب شُفعة الجوار مثلا من حنفي، وإن قلنا: يحِلُّ له بقضائه باطنا (٥)، وقال الرافعي: «الصحيح حِلٌّ الطلب حينئذ»، كذا
стр. 344
لفظه: «الصحيح»، وهي لفظة نادرة من الرافعي، وتبعه عليها النووي (١).
مسألة: وأنَّ الحكم ببيع الوقف المنهدم أو عودِهِ لورثة الواقف يُنقض، وقد تقدم.
مسألة: وأنَّ القاضي لا ينعزل بالإغماء، ورأيتُ صاحب «البحر» قد صرَّح بذلك فقال ما نصه: «لو أُغمي عليه - يعني القاضي - لم يؤثر في ولايته؛ لأنه مرض»، ثم قال: «وفيه وجه بعيد أنه ينعزل به، وليس بشيء» (٢)، وهذا الوجه الذي ذكر أنه بعيد ليس بشيء هو المجزوم به في «الرافعي» و «الروضة» (٣).
والقول بعدم انعزاله به وجه محكيٌّ في «الوكالة»، وفي «الحَكَمَين في الشَّقاق»، وقد حكاه الرافعي فيه، وقدمناه، ولم يحكه في القاضي، فيحتمل أن يقال: القاضي أولى بأن لا ينعزل به؛ فإنَّ الروياني صرح في «البحر» بأنَّ القضاء أقوى من الوكالة وأولى بعدم الانعزال، وهو ظاهر.
وبه صرح الشيخ الإمام في (٤) «النكاح» فقال: «ولاية النكاح قوية، فلا يزيلها اليسير من الإغماء»، ثم قال: «ويُتَنَبَّه من هذا أيضا إلى أنه لا ينبغي أن يُلحق بالوكالة غيرها من الولايات التي هي أقوى رتبةً منها، كولاية القضاء،
стр. 345
والإمامة العظمى ونحوهما».
ويُحتمل (١) أن يُعكس، وفيه بعد.
وبكل حال الإغماء لا يعزل - عند الشيخ الإمام - متوليا عن ولايته مطلقا.
مسألة: وأن قول الأصحاب فيما لو شهد شاهدان أنه سرق ثوبًا قيمته عشرة، وآخران أن قيمته عشرون: (يلزمه الأقل) = مأخذه أنه المتيقن، والزائد مشكوك، فلا يلزم بالشك، وعلى هذا يتعارضان في الزائد، قال: «وينبغي أن يقال: إن وقع التعارض قبل الحكم فلا يُحكَم، أو بعده فلا ينقض، والضابط دائما أنا لا نفعل بالشك، فحيث تحققنا أقدمنا، وحيث شككنا أحجمنا».
والذي في «الرافعي» و «الروضة» في آخر «الدعاوى»: أنَّ مأخذه: أنَّ التي شهدت بالأقل لعلها اطلعت على عيب (٢)، قال الشيخ الإمام: «وهذا لو تحقق كان يقتضي القطع بالحكم بأنَّ القيمة هي الأقل»، وعلى هذا سواء حصل التعارض قبل الحكم أو بعده لا اعتبار بالزائد، بل الأقل هو القيمة، ويجوز البيع بها حيث يجوز بالقيمة، وهو ما إذا كان للحاجة، أو للمصلحة الناجزة في البيع، ولا ينقض.
مسألة: وأنَّ من باع عبدًا ثم أقام البينة بأنه حُر، أو أقامها المتبايعان بعدما أحال بثمنه = سُمِعت البينة، ولا يمنع من ذلك تكذيبهما لها بعقد البيع؛ فإنه تكذيب ضمني، نعم؛ إن كان قد صرح واحد منهما عند عقد البيع أنه عبد (٣).
стр. 346
لم يصح منه إقامة البينة.
وكذلك لو ادعى بعد البيع أنه وقف، وهو المنصوص، وقد ذكر المسألة في الصلح وفي «الحوالة» وفي «الضمان» وفي الغصب وغيره، وقال في «الضمان»: «رأيتُ من الحكام، وأكابر الفقهاء مَنْ يَغلط في ذلك، ويُلزم الناس بمقتضى عقود بياعات تصدر منهم، ولم يَقُم على ذلك دليل من كتاب ولا سنة، ولا قياس».
قلت: ويؤيده قول الروياني فيمن باع شيئًا ثم ادعى أنه لم يكن ملكه: «إنه إن لم يقل عند البيع: "هو ملكي"، سُمِعت دعواه، عزاه إلى النص، وهو عزو صحيح، فقد نقله الشيخ أبو حامد أيضًا في كتاب الغصب عن النص، وفي «الروضة» في «باب الدعاوى»: أنَّ القفال حكى عن العراقيين فيمن يدعي بعد البيع أنَّ المبيع موقوف أنه تُسمَعُ بينته.
وفي «الإشراف» للقاضي أبي سعد، و أدب القضاء» لشريح: "هذا العبد لفلان"، ثم ادعى الشراء منه، يعني ولم يمض زمان يحتمله = لم يصح؛ للمضادة، وعن ابن سريج الصحة، فإن مضى زمان يحتمل فيجوز؛ ذكره القفال، أما لو ادعى متصلا بالإقرار نحو: "هو له، وقد اشتريته منه" فيسمع.
ولو قال: "هو له، لا حق لي فيه"، ثم أقام بينةً على الشراء، قال العبادي: لا يُقبل حتى يدعي أنه اشتراه منه بعد الإقرار، قال: وعندي يقبل إذا كان بعد احتمال تلقي الملك منه (١).
стр. 347
القسمة
مسألة: وأنه يصح قسمة الحديقة القابلة لقسمة التعديل المساقى عليها قبل انقضاء مدة المساقاة، ويُجبر الممتنع، ولا يُشترط رضا العامل، قال: «ولكن يحذر من الربا بأن تجري القسمة بعد وجود الثمرة، وتقع في كلّ من النصيبين فيصير بيع نخل ورطب بمثله»، وهو باطل من قاعدة مد عجوة.
وبناه على أصله أنه يجوز بيع الأشجار المساقى عليها، والرافعي شبهه ببيع المستأجر، ونقل فيه تفصيلا عن صاحب «التهذيب» استحسنه النووي، وأما ابن الرفعة فألحقه ببيع الثوب عند القصار الأجير على قصارته (١)، والشيخ الإمام رحمة الله عليه وعليهم أجمعين - ردَّ كلامهم أجمعين، واختار الصحة والقسمة، ثم وجد ذلك منصوصا في «البويطي».
وأملى علي فيه تصنيفا علقته بين يديه بإملائه، أنا (٢) أكتب وهو يملي من حفظه، وهذا شأنه في كل ما كان يمليه، يملي وليس بين يديه كتاب ينظر فيه، وكان صنف في المسألة مصنفًا قديما، ثم اكتفى فيها بما أملاه علي، وسماه: الرياض الأنيقة في قسمة الحديقة.
مسألة: وأن قسمة الرُّطَب والعنب على الشجر ممتنعة، وإن قلنا: القسمة في ذلك إفراز، وهو ما رجحه المحاملي وقال: «إنه المنصوص»،
стр. 348
والبغوي وغيرهما (١).
• مسألة: وأن قسمة الرد إذا ظهر فيها غبن كثير، وكانت بالتراضي، وجرت بلفظ القسمة = تُرَدُّ؛ لاقتضاء لفظ القسمة التعادل، وهو مقتضى كلام الإمام والغزالي (٢)، قال الشيخ الإمام في (الفتاوى) (٣): «وهو عندي قوي، وهو مما أستخير الله فيه»، قال: «ولم أجسر على الفتيا به حتى أتروى فيه إن شاء الله»، قال: «والذي يظهر من كلام الأصحاب أنه لا رَدَّ».
• مسألة: وأنَّ الملك لا يُقسم عن الوقف وإن قلنا: القسمة إفراز.
стр. 349
الشَّهادات
مسألة: وأنَّ الشَّهادة بالرِدّة لا تُقبل مُطلقةً، بل لا بُدَّ من التفصيل والبيان، وهو قول القفّال، والماوردي وغيرهما (١).
مسألة: وأنه تُقبل شهادةُ مَنْ قال: "أشهد أني رأيتُ الهلال" وإن أُخبر عن فعل نفسه، ذكره في «الحلبيات» (٢).
مسألة: وأنَّ مَنْ بَتَّ شهادته (٣) ثم قال: "مُستندي الاستفاضة"؛ تُقبل شهادته، ولا يقدح ذلك فيها، قال: «وقد غَلِط ابن أبي الدم في هذه المسألة (٤) حيث قال: «ذِكْرُ الاستفاضة يمنع القبول»، وأوقعه في ذلك كلامٌ للغزالي ﵀»، قال: «وقد بين الإمام في «النهاية» المسألة (٥)، وكلامُ الغزالي تبعه عليه الرافعي، والنووي فقالا: «لو صرَّح في شهادته أنه يعتمد الاستصحاب فوجهان، حكى في «الوسيط» عن الأصحاب أنه لا يُقبل، وعن القاضي الحسين القبول»» (٦).
قال الشيخ الإمام في «الفتاوى» (٧): «ومحلُّها - كما بينه الإمام - إذا لم
стр. 350
يجزم الشاهد في الحال بأن يقول: "أشهد أنه ملكه أمس"، واستصحب ذلك إلى الآن، أو نحو هذا، أما إذا قال: "أشهد أنه ملكه الآن، ومستندي الاستصحاب" فلم لا تقبل؟، قال: «نعم، إن فرض أن الشاهد أتى بذلك على صورة المرتاب في شهادته، وظهر للحاكم منه ذلك، كان كما لو تردد في الشهادة بعد أدائها وقبل الحكم» (١).
قال: «وقد تبع ابن الرفعة ابن أبي الدم فنقل كلامه في «الكفاية»، ثم أتى به في «شرح الوسيط كالمفروغ منه، فلا تغتر به»، قال: «وليتحقق أن ذلك لا يقدح في الشهادة، ولا خلاف فيه»، قال: «وكذلك إذا شهد بالرضاع وقال: مستندي وضع الثدي، وحركة الفم، وقرائن حالية أفادتني العلم»؛ تقبل منه» (٢).
قلت: ولا يعارض هذا قول الرافعي في «باب الرضاع» (٣): «إنه لا يكفي عند أداء الشهادة بالرضاع حكاية القرائن وإن كانت مستند علمه»؛ لأن الذي لم يكتف به الرافعي هو الاقتصار على ذكر القرائن، أما إذا جمع بين ذكرها وثبت شهادته معها - وهو ما صوره الوالد - فلا شك في قبوله حينئذ (٤).
ويؤيد كلامه قول الرافعي في الشاهد بالجرح: «إنه هل يشترط التعرض لسبب رؤية الجرح أو سماعه؟ قال قائلون: نعم، فلا بد أن يقول: "رأيته يزني"، أو: "سمعته يقذف» "، قال الرافعي: «وعلى هذا القياس: "استفاض عندي» (٥).
стр. 351
والذي يظهر لي أن الصور ثلاث:
إمداها: أن يبت شهادته وهو يستند إلى الاستفاضة، وهذا لا خلاف في قبوله، سواء أصرح مع البت بأن الاستفاضة مستنده أم لا.
والثانية: أن يقتصر على الاستفاضة، فهذا هو (١) الذي لا يُقبل جزمًا؛ لأنه لم يشهد، وإنما ذكر حصول الاستفاضة، وقد يستفيض ما لا حقيقة له.
وعلى هذا قول الرافعي في آخر «باب الدعاوى» نقلا عن القفال: «إِنَّ حَقَّ إجراء الماء في أرض الغير ونحوه لا يكفي في الشهادة عليه أن يقول الشهود: "رأينا ذلك سنين"، وإن كان ذلك مستند شهادتهم»، يعني: بل لا بد من بَت الشهادة، وكذلك قال في باب مستند علم الشاهد: لا يكفي أن يقول الشاهد: "سمعتُ الناس يقولون: إنه لفلان"، وكذلك في النسب، وإن كانت الشهادة مبنيةً عليه، بل يشترط أن يقول: أشهد أنه له، أو بأنه ابنه، قال: «لكن عن الشيخ أبي عاصم أنه لو شهد شاهدٌ بالملك، وآخَرُ أنه في يده مدةً طويلةً يتصرف فيه بلا منازع = تمت الشهادة، قال: وهذا على ما ذكره الشارح لكلامه مصير منه إلى الاكتفاء بذكر السبب، والظاهر الأول» (٢).
قلت: وقد يقال: لم يكتف هذا الرجل بذكر السبب إلا في شاهد واحد انضم إلى مَنْ بَتَّ شهادته، فيتركب منهما الجزم بأنَّ المشهود به الملك؛ لأنَّ الثاني شهد بمستند الأول، فهما متعاضدان، فلا يؤخذ من هذا - مع كونه غير مُسَلَّم - الاكتفاء بذكر السبب مطلقا.
стр. 352
ونظيره: لو شهد ثلاثة بالزنا ووصفوه، وشهد الرابع ولم يصفه، ففيهم قول أنهم لا يُحدون؛ لمثل ما ذكرناه.
وفي «الإشراف» للقاضي أبي سعد: «أنه لو شهد بأنَّ الشيء استفاض بين الناس لم يُرتّب على شهادته شيء؛ لأنَّ الشيء قد يستفيض بين الناس وهو يعلم خلافه» (١)، وهذا حق، وكلُّ هذه النقول إذا اقتصر على المستند، فلا شك في أنه مردود.
الصورة الثالثة: أن يجمع بين ذكر السبب والشهادة، غير أنه لا يبت شهادته، بل يظهر منه التردد، وأن ذلك هو الحامل له على ذكر السبب، فَرُبَّ مَنْ يذكر مستنده تقويةً لما يشهد به، ورُبَّ مَنْ يذكره ارتيابًا وتأدية للأمانة فيما ينقله، فهذا يظهر أن لا تقبل، وأن يُحمل عليه كلام من دلَّ كلامه على أَنَّ ضَمَّ ذكر السبب إلى الشهادة مانع، فيقال: محله في الذكر لضرب من التشكيك، لا في الذكر للتقويةِ أو لمجرَّدِ حكاية الحال، وبهذا تجتمع أطراف الكلام، وهو الحق إن شاء الله تعالى.
مسألة: وأن من شرط قبول الشهادة انتفاء الأغراض، بحيث يكون الشاهد ممن يملك نفسه عن اتباع هواه في الرضا والغضب، وهذه عبارته في كتاب «نور الربيع»: «لا بُدَّ عندي في العدالة من وصف لم يتعرضوا له، وهو الاعتدال عند انبعاث الأغراض، حتى يملك نفسه عن اتباع هواه، فإنَّ المتقي للكبائر والصغائر، الملازم لطاعة الله وللمروءة؛ قد يستمر على ذلك ما دام سالمًا من الهوى، فإذا غلبه هواه خرج عن الاعتدال، وانحل عصام التقوى فقال ما يهواه.
стр. 353
وانتفاء هذا الوصف هو المقصود من العَدْل، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، فكم من صالح لا شك في صلاحه من عصمته أن لا يجد، وفي نفسه أن لا يعصي، فإذا جرت عليه المقادير وغلب هواه؛ قامت نفسه، فانبعث منها ما لا يبقى معه صلاح.
فلا بُدَّ أن يُمتحن الصالح حتى يُعرَف حاله في الرضا والغضب، وعند الأغراض، فإذا استوى كلامه فهو العدل، وإلا فليس بعدل وإن كان صالحا قبل حصول ما يُغَيّره، فالعدالة هيئة راسخة في النفس تحمل على الصدق في القول في الرضا والغضب، ويُعرف ذلك باجتناب الكبائر، وعدم الإصرار على الصغائر، وملازمة التقوى، والاعتدال عند انبعاث الأغراض، حتى يملك نفسه عن اتباع هواه، فقد رأيتُ مَنْ لا يُقدِم على ذنب فيما يعتقد، ثم يستر هواه على عقله، أعاذنا الله من ذلك. انتهى كلامه.
وهو الحق الذي لا مرية فيه، ولا أعتقد فيه مخالفا وإن سكتوا عنه، فلعلهم (١) اكتفوا بلفظ العدل.
وقد كنت أنا أقول: يشترط مع ذلك أن لا يكون متلبسا حال تأديته الشهادة بمعصية، وإن كانت صغيرةً تُغتفر لمن لا يتلبس بها حال الأداء؛ لأنَّ المعاصي من حيث هي منافية للعدالة، إلا أنَّا اغتفرنا الصغائر لقلة التصون عنها وعسره، وكون المسلم لا يسلم من الذنب الفَيْنَةَ بعد الفَيْنَةِ، وذلك لا يَقِلُّ ولا يَعسُر وقت الأداء، فلمنصب الشهادة أبهة تنافي المعاصي عنده كبيرها وصغيرها، ثم رأيتُ
стр. 354
أن هذا داخل في المروءة، فكأن من تلبس بالمعصية حال الأداء لا مروءة له.
فإن قلت: وما ذلك على رد المتلبس بصغيرة حال الأداء؟
قلت: فروع عددتها في «الأشباه والنظائر»، منها قول القاضي الحسين: «إذا جلس شهود النكاح على حرير لم ينعقد بهم» (١)، فقد ظن بعض الناس أن ذلك لكونهم فسقة، وهو خطأ؛ لأنه ليس بكبيرة، وإنما ذلك لأنهم ظهر منهم في الحال ما يضعف الوثوق بهم.
ولو ادعى على اثنين أنهما رهناه عبدهما، فزعم كل منهما أنه لم يرهن نصيبه، وإنما شريكه رهن، وشهد عليه، ففي قبول شهادته وجهان في «الرافعي» في «باب الاختلاف في الرهن»، رأي الشيخ أبي حامد عدم القبول، ووجهه عندي ما ذكرت، لا ما فهمه عنه الرافعي كما ذكرت في «الأشباه والنظائر» (٢).
* مسألة: وأن الصبا لا ينافي العدالة، فرب صبي عدل، غير أنه ينافي قبول القول، فالبلوغ شرط لقبول قوله لا لعدالته، وظاهر كلام الشيخين وغيرهما أنه ينافي العدالة (٣)، وهو خلاف لفظي، والتحقيق ما قاله الشيخ الإمام.
* مسألة: وأنه إذا رآه يستخدم صغيرا يأمره وينهاه؛ لا يجوز أن يشهد له بالملك - وإن سمعه يقول: "إنه ملكي" - ما لم يستفض ذلك، ذكره في «باب اللقيط»، وهو قول شيخه ابن الرفعة، والنووي صحح هناك أنه إن سمعه يقول: "هو ملكي" شهد له (٤).
стр. 355
مسألة: وأنه لا يحِلُّ لشافعي لعب الشطرنج مع من يعتقد تحريمه.
مسألة: وأنَّ مَنْ كفَّر واحدًا من العشرة المشهود لهم بالجنّة ﵃، أو ممن بايع تحت الشجرة إلا صاحب الجمل الأحمر، أو أهل بدر = رجع عليه تكفيره وكَفَرَ (١)، قال: «وهذا أقوله في كل مقطوع بموته على الإيمان»، وتردَّدَ فيمن كفَّر عمر بن عبد العزيز، ومالكًا، والشافعي وأضرابهم، ومال إلى تكفير من يُكفِّرهم، قال: «ولا نعلم أحدًا كَفَّرَهُم، ولكن ضربنا هذا مثالًا»، قال: «وقولُ النووي (٢): إنَّ الصحيح أنَّ الخوارج لا يُكفّرون؛ لا أوافقه عليه، بل لا بد عندي من هذا التفصيل».
مسألة: وأنَّ من قال للمولى: "أعتق عبدك عني على خمر"، فقال: "أعتقتُ"، لم يقع العتق، وهو قول القاضي الحسين، صوبه الوالد ﵀ في «حواشي الرافعي»، وجزم الرافعي، والنووي في «باب الظهار» أنه يقع (٣).
مسألة: وأنه لو أعتق ثُلُثَ كلّ عبدٍ من عبيده، ولا مال له سواهم، واقتضى الحال الإخراج من الثلث = عتق ثلث كلّ كما أعتق، ولم تُحكّم القرعة في ثلثهم، وصحح الشيخان الإقراع وإعتاق ثلثهم لا ثُلُثَ كلهم (٤)، فهو يُعتق ثلُثَ كلّهم، والشيخان يعتقان كلَّ ثُلثهم، وهو يشقص، وهما يشخّصان.
مسألة: وأنه يجوز الاعتياض عن نجوم الكتابة، ذكره في «باب الشفعة».