← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30157

ترشيح التوشيح وتوضيح الترجيح

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (808 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

والذي يظهر لي أن الصور ثلاث: إمداها: أن يبت شهادته وهو يستند إلى الاستفاضة، وهذا لا خلاف في قبوله، سواء أصرح مع البت بأن الاستفاضة مستنده أم لا. والثانية: أن يقتصر على الاستفاضة، فهذا هو (١) الذي لا يُقبل جزمًا؛ لأنه لم يشهد، وإنما ذكر حصول الاستفاضة، وقد يستفيض ما لا حقيقة له. وعلى هذا قول الرافعي في آخر «باب الدعاوى» نقلا عن القفال: «إِنَّ حَقَّ إجراء الماء في أرض الغير ونحوه لا يكفي في الشهادة عليه أن يقول الشهود: "رأينا ذلك سنين"، وإن كان ذلك مستند شهادتهم»، يعني: بل لا بد من بَت الشهادة، وكذلك قال في باب مستند علم الشاهد: لا يكفي أن يقول الشاهد: "سمعتُ الناس يقولون: إنه لفلان"، وكذلك في النسب، وإن كانت الشهادة مبنيةً عليه، بل يشترط أن يقول: أشهد أنه له، أو بأنه ابنه، قال: «لكن عن الشيخ أبي عاصم أنه لو شهد شاهدٌ بالملك، وآخَرُ أنه في يده مدةً طويلةً يتصرف فيه بلا منازع = تمت الشهادة، قال: وهذا على ما ذكره الشارح لكلامه مصير منه إلى الاكتفاء بذكر السبب، والظاهر الأول» (٢). قلت: وقد يقال: لم يكتف هذا الرجل بذكر السبب إلا في شاهد واحد انضم إلى مَنْ بَتَّ شهادته، فيتركب منهما الجزم بأنَّ المشهود به الملك؛ لأنَّ الثاني شهد بمستند الأول، فهما متعاضدان، فلا يؤخذ من هذا - مع كونه غير مُسَلَّم - الاكتفاء بذكر السبب مطلقا.

стр. 352

ونظيره: لو شهد ثلاثة بالزنا ووصفوه، وشهد الرابع ولم يصفه، ففيهم قول أنهم لا يُحدون؛ لمثل ما ذكرناه. وفي «الإشراف» للقاضي أبي سعد: «أنه لو شهد بأنَّ الشيء استفاض بين الناس لم يُرتّب على شهادته شيء؛ لأنَّ الشيء قد يستفيض بين الناس وهو يعلم خلافه» (١)، وهذا حق، وكلُّ هذه النقول إذا اقتصر على المستند، فلا شك في أنه مردود. الصورة الثالثة: أن يجمع بين ذكر السبب والشهادة، غير أنه لا يبت شهادته، بل يظهر منه التردد، وأن ذلك هو الحامل له على ذكر السبب، فَرُبَّ مَنْ يذكر مستنده تقويةً لما يشهد به، ورُبَّ مَنْ يذكره ارتيابًا وتأدية للأمانة فيما ينقله، فهذا يظهر أن لا تقبل، وأن يُحمل عليه كلام من دلَّ كلامه على أَنَّ ضَمَّ ذكر السبب إلى الشهادة مانع، فيقال: محله في الذكر لضرب من التشكيك، لا في الذكر للتقويةِ أو لمجرَّدِ حكاية الحال، وبهذا تجتمع أطراف الكلام، وهو الحق إن شاء الله تعالى. مسألة: وأن من شرط قبول الشهادة انتفاء الأغراض، بحيث يكون الشاهد ممن يملك نفسه عن اتباع هواه في الرضا والغضب، وهذه عبارته في كتاب «نور الربيع»: «لا بُدَّ عندي في العدالة من وصف لم يتعرضوا له، وهو الاعتدال عند انبعاث الأغراض، حتى يملك نفسه عن اتباع هواه، فإنَّ المتقي للكبائر والصغائر، الملازم لطاعة الله وللمروءة؛ قد يستمر على ذلك ما دام سالمًا من الهوى، فإذا غلبه هواه خرج عن الاعتدال، وانحل عصام التقوى فقال ما يهواه.

стр. 353

وانتفاء هذا الوصف هو المقصود من العَدْل، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، فكم من صالح لا شك في صلاحه من عصمته أن لا يجد، وفي نفسه أن لا يعصي، فإذا جرت عليه المقادير وغلب هواه؛ قامت نفسه، فانبعث منها ما لا يبقى معه صلاح. فلا بُدَّ أن يُمتحن الصالح حتى يُعرَف حاله في الرضا والغضب، وعند الأغراض، فإذا استوى كلامه فهو العدل، وإلا فليس بعدل وإن كان صالحا قبل حصول ما يُغَيّره، فالعدالة هيئة راسخة في النفس تحمل على الصدق في القول في الرضا والغضب، ويُعرف ذلك باجتناب الكبائر، وعدم الإصرار على الصغائر، وملازمة التقوى، والاعتدال عند انبعاث الأغراض، حتى يملك نفسه عن اتباع هواه، فقد رأيتُ مَنْ لا يُقدِم على ذنب فيما يعتقد، ثم يستر هواه على عقله، أعاذنا الله من ذلك. انتهى كلامه. وهو الحق الذي لا مرية فيه، ولا أعتقد فيه مخالفا وإن سكتوا عنه، فلعلهم (١) اكتفوا بلفظ العدل. وقد كنت أنا أقول: يشترط مع ذلك أن لا يكون متلبسا حال تأديته الشهادة بمعصية، وإن كانت صغيرةً تُغتفر لمن لا يتلبس بها حال الأداء؛ لأنَّ المعاصي من حيث هي منافية للعدالة، إلا أنَّا اغتفرنا الصغائر لقلة التصون عنها وعسره، وكون المسلم لا يسلم من الذنب الفَيْنَةَ بعد الفَيْنَةِ، وذلك لا يَقِلُّ ولا يَعسُر وقت الأداء، فلمنصب الشهادة أبهة تنافي المعاصي عنده كبيرها وصغيرها، ثم رأيتُ

стр. 354

أن هذا داخل في المروءة، فكأن من تلبس بالمعصية حال الأداء لا مروءة له. فإن قلت: وما ذلك على رد المتلبس بصغيرة حال الأداء؟ قلت: فروع عددتها في «الأشباه والنظائر»، منها قول القاضي الحسين: «إذا جلس شهود النكاح على حرير لم ينعقد بهم» (١)، فقد ظن بعض الناس أن ذلك لكونهم فسقة، وهو خطأ؛ لأنه ليس بكبيرة، وإنما ذلك لأنهم ظهر منهم في الحال ما يضعف الوثوق بهم. ولو ادعى على اثنين أنهما رهناه عبدهما، فزعم كل منهما أنه لم يرهن نصيبه، وإنما شريكه رهن، وشهد عليه، ففي قبول شهادته وجهان في «الرافعي» في «باب الاختلاف في الرهن»، رأي الشيخ أبي حامد عدم القبول، ووجهه عندي ما ذكرت، لا ما فهمه عنه الرافعي كما ذكرت في «الأشباه والنظائر» (٢). * مسألة: وأن الصبا لا ينافي العدالة، فرب صبي عدل، غير أنه ينافي قبول القول، فالبلوغ شرط لقبول قوله لا لعدالته، وظاهر كلام الشيخين وغيرهما أنه ينافي العدالة (٣)، وهو خلاف لفظي، والتحقيق ما قاله الشيخ الإمام. * مسألة: وأنه إذا رآه يستخدم صغيرا يأمره وينهاه؛ لا يجوز أن يشهد له بالملك - وإن سمعه يقول: "إنه ملكي" - ما لم يستفض ذلك، ذكره في «باب اللقيط»، وهو قول شيخه ابن الرفعة، والنووي صحح هناك أنه إن سمعه يقول: "هو ملكي" شهد له (٤).

стр. 355

مسألة: وأنه لا يحِلُّ لشافعي لعب الشطرنج مع من يعتقد تحريمه. مسألة: وأنَّ مَنْ كفَّر واحدًا من العشرة المشهود لهم بالجنّة ﵃، أو ممن بايع تحت الشجرة إلا صاحب الجمل الأحمر، أو أهل بدر = رجع عليه تكفيره وكَفَرَ (١)، قال: «وهذا أقوله في كل مقطوع بموته على الإيمان»، وتردَّدَ فيمن كفَّر عمر بن عبد العزيز، ومالكًا، والشافعي وأضرابهم، ومال إلى تكفير من يُكفِّرهم، قال: «ولا نعلم أحدًا كَفَّرَهُم، ولكن ضربنا هذا مثالًا»، قال: «وقولُ النووي (٢): إنَّ الصحيح أنَّ الخوارج لا يُكفّرون؛ لا أوافقه عليه، بل لا بد عندي من هذا التفصيل». مسألة: وأنَّ من قال للمولى: "أعتق عبدك عني على خمر"، فقال: "أعتقتُ"، لم يقع العتق، وهو قول القاضي الحسين، صوبه الوالد ﵀ في «حواشي الرافعي»، وجزم الرافعي، والنووي في «باب الظهار» أنه يقع (٣). مسألة: وأنه لو أعتق ثُلُثَ كلّ عبدٍ من عبيده، ولا مال له سواهم، واقتضى الحال الإخراج من الثلث = عتق ثلث كلّ كما أعتق، ولم تُحكّم القرعة في ثلثهم، وصحح الشيخان الإقراع وإعتاق ثلثهم لا ثُلُثَ كلهم (٤)، فهو يُعتق ثلُثَ كلّهم، والشيخان يعتقان كلَّ ثُلثهم، وهو يشقص، وهما يشخّصان. مسألة: وأنه يجوز الاعتياض عن نجوم الكتابة، ذكره في «باب الشفعة».

стр. 356

مسألة: وأن تدبير (١) الصبي المميز صحيح، قلته تخريجًا، ولم أسمعه منه، ولا صرح به. فهذا ما يحضرني (٢) مما خالف فيه النووي، ولعلّي لو أمعنت في الكشف لوجدت شيئًا كثيرًا غير ما ذكرت (٣). ولم أذكر ما قاله تخريجاً - وإن لزم منه مخالفة النووي ـ؛ لأنه تفقه لا نَقْل، وكان مقصدنا الاقتصار على تخالفهما (٤) في ترجيح المنقول. ومن أمثلة هذا (٥) قوله تخريجًا في أوائل «كتاب الفرائض»: «إنه يجوز لمن لا وارث له أن يوصي للأرحام (٦) بجميع ماله، وكذا من له وارث غير حائز بالفاضل، وإن زاد على الثلث. قلت: ويشاكله وصيَّةُ المستأمن بجميع ماله، وقد ذكر (٧) القاضيان: أبو سعد وشريح في «أدب القضاء» أنها صحيحة في الجميع، خلافًا لأبي علي الثقفي (٨) في الزائد على الثلث، وقدم القاضي أبو سعد قبله مما يشاكله قول ابن سريج في الموصي بعتق عبيد لا مال له سواهم إذا ماتوا: أنهم يعتقون.

стр. 357

تنبيه: وثَمَّ مسائل لم يخالف فيها الشيخين ولا وافقهما، بل توقف لتعارض النظر عنده، فلم يذكرها؛ لأنه لا قول له فيها في الحقيقة. منها (١): قوله وقد حكى القولين في رهن ما يُسرع إليه الفساد بمؤجل، مجردًا عن شرط البيع عند الإشراف أو عدمه، وذَكَرَ ترجيح الشيخين أنه يفسد، وقول الرافعي في «الشرح الصغير»: «إنَّ الأظهر عند الأكثرين أنه يصح» (٢) =: «لم يصحح القاضي أبو الطيب شيئًا من القولين، ولي فيه أُسوة، فإنَّ النظر بينهما متجاذب». ومنها: قوله في «الحلبيات»، وقد ذكر تصحيح النووي ثبوت الوقف، والعتق، والولاء بالاستفاضة =: «إنه متوقف في الترجيح في ذلك» (٣). ومنها: قوله، وقد حكى القولين فيما إذا استلحق اثنان صغيرًا، وأقاما بيّنتين متعارضتين، وقد ذكَرَ قولَ «المنهاج»: «أنهما يسقطان في الأظهر» =: «سقوطهما كتساقط بينتي الأملاك المتعارضتين عند أبي إسحاق، وهو الذي يظهر في بادئ الرأي أن يكون هو الراجح، ويُرجع إلى قول القائف، وقال ابن أبي هريرة: «لا يتساقطان، وتُرجَّح إحداهما بقول القائف»، وكلام الشافعي والأصحاب يقتضيه، لكنه لا يستمر، ويحتاج إلى تأويل» (٤).

стр. 358

فهذا منه تردُّدٌ في الترجيح، وقد ذكَرَ أنَّ الوجهين لا ترجيح بينهما عند الأصحاب، وظاهر عبارة النووي ترجيح قول أبي إسحاق. ومنها: الوجهان في كيفية تقبيل المحتضر للقبلة: أحدهما: يُضجَع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، كالموضوع في اللحد، قال: «وفي «الروضة» أنه الصحيح، وهو المنصوص» (١). والثاني: يُلقى على قفاه، وأخمصاه إلى القبلة، قال: «وذكر الإمام أنَّ عليه عملُ الناس»، ثم ذكر في مستند أصل التوجيه إلى القبلة على الجملة حديث البراء بن معرور، ثم قال: «قال الحاكم: ولا أعرف في المحتضر حديثًا غيره»، فأشار إلى التوقف في تصحيح (٢) واحد من الوجهين؛ لأنه لم يرد حديث في الكيفية، وكلّ من الكيفيتين محتمل، وقد مال الشيخ الفركاح إلى ما عليه العمل، وقال: «قد يضعف المحتضر عن أن يُلقى على جنبه»، ولا بأس بما قاله. ومنها: قوله: «ولو تسخَّر للصوم أو عزم في أول الليل أن يتسخَّرَ في آخره؛ ليقوى على الصوم، قال المتولي وصاحب «العدة»: لا يصح، وعن أبي العباس الروياني: لو قال: "أتسخَّر للصوم"، أو شَرِبَ (٣) لدفع العطش نهارًا، أو امتنع عن الأكل مخافة الفجر، كان ذلك نيَّةً للصوم»، قال الرافعي: «وهذا هو الحق إن خطر بباله الصوم بالصفات المعتبرة؛ لأنه إذا تسحر ليصوم فقد قصده» (٤)، انتهى.

стр. 359

وقد أحسن من حيثُ تبرأ عن الترجيح في المسألة؛ لما ستعرف، ومن حيث نقله عن المتولي؛ فإنها زيادة ليست في «الشرح» و «الروضة»، وقصر من حيث قوله: «صاحب العدَّة»، فإنَّ ذلك يوهم أنه الحسين بن محمد الطبري، فإن صاحب «العدة» إنما يُعنى به هو، وإنما هذا أبو المكارم الروياني، له كتاب اسمه «العدة»، وهو وكتابه غير مشهورين، وباسمه صرّح الرافعي، أما «العدَّة» المشهورة فليست هذه المسألة فيها بالكلية. ثم في المسألة مهم؛ فإنَّ ما قاله المتولي وأبو المكارم هو الذي ذكره (١) صاحب «البحر» فيه، وهذه عبارته: «لو قام في (٢) آخر الليل فقال: "أتسحر لأقوى على الصوم"؛ لا يكفي في النية بلا خلاف» (٣)، فقد توافق على عدم الاكتفاء المتولي، وتبعه الروياني كما رأيتَ، ونفى الخلاف، وتبعه ابن أخته أبو المكارم في «عدته» كما حكاه الرافعي، ولا يُعرف خلافه إلا عن أبي العباس الروياني. وفي النفس منه شيء؛ فإنَّ صاحب «البحر» ولد ولده، وكتابه من جوامع كتب المذهب، ولم يذكر هذا فيه، وأبو المكارم من أهل بيته، ولم يذكر هذا أيضًا، فمن الذي نقل هذا عن «النوادر»؟ وكيف خفي هذا على أقارب أبي العباس؟ والرافعي لم يجزم بنقله عن «النوادر»، بل عزاه إلى حكاية بعضهم، ولسنا على ثقة منه، إذ الغالب على الظن أنه لو كان لكان عند ابن ابنه منه علم، ولو كان لمَّا أغفل عنه كتابه (٤).

стр. 360

ثم قول الرافعي: «إنه الحق» غير مسلم، فإنه لا يلزم من تسخره ليصوم قصد إيقاع الصوم الذي هو النية، وإلى هذا أشار صاحب «التتمة» بقوله: «لأنه لم يوجد منه القصد إلى الشروع في العبادة» (١)، فقد تبين أن ما ادعى الرافعي أنه الحق، وسكت عليه النووي ثم الوالد مستدرك: نقلا - إذ لسنا على وثوق بأنه قيل به في المذهب - وعقلا؛ لما أبديت من المعنى. ومن العجب أن الرافعي - فيما يظهر - وقف على كتاب «البحر» في هذا المكان؛ لأنه نقل عنه قبل هذا بأسطر شيئا، ولم ينقل عنه هذا الفرع، واقتصاره في النقل هنا عن أبي المكارم ابن [أخته] (٢) يشبه اقتصاره فيما إذا قيل لرجل: "يا زيد"، فقال: "امرأة زيد طالق" = على أن شريحا الروياني نقل عن جده أنه يقع الطلاق، وقيل: لا يقع حتى يريد نفسه؛ لجواز أن يريد زيدا آخر، قال الرافعي: «وليجئ هذا الوجه فيما إذا قال: "فاطمة طالق"، واسم زوجته فاطمة»، قال: «ويشبه أن يكون هذا هو الأظهر» (٣). قلت: والمسألة مذكورة في «البحر»، ويغلب على الظن أنه حصل نقص فيما نقله الرافعي أو فيما نقله شريح؛ فإن الذي في «البحر» قبيل «باب الرجعة»: لو ناداه رجل فقال: "يا زيد"، فقال مجيبا له: "امرأة الزيد طالق"، وقع الطلاق، وإن قال: "امرأة زيد طالق"، لم يقع إلا أن يريد نفسه، وفرق بأنه لما عرفه (٤)

стр. 361

بالألف واللام في الأوّل كان إيقاعاً أو إقراراً، يعني: لأنَّ اللام للعهد، وفي الثاني نَكِرةً فاقتضى زيداً واحداً، فكان الرُّجوع إليه واجباً في تعيينه» (١)، انتهى مُلَخَّصاً. فقد جَزَمَ في الصّورة التي اقتصر الرّافعيُّ على ذكرها بالمراجعة (٢)، ولعلَّ ما نقله عن شريح عن جده إنّما هو في الصورة الأولى، ولا يخفى أنّ دُخول اللام على المعرفة ودعوى أنَّ زيداً عند عدم دُخولها نَكِرةٌ كلاهما ناء عن لسان العرب، فإنّهم لا يُدخلون اللام على الأعلام، ولا يعقلون عَلَماً نَكِرةً، ويؤوِّلون نحو: رَأَيْتُ الْوَلِيدَ بْنَ الْيَزِيدِ … .................................. (٣) ونحو: عَلَا زَيْدُنَا يَوْمَ النَّقَا رَأْسَ زَيْدِكُمْ … .................................. (٤) فإن قلت: ما الذي يترجّح عندك؟ قلت: إن كان الاسم ممّا عُرِفَ أنّه يُغضبه ـــ جامداً كان أو مُشتقاً ـــ فلا يقع طلاقه جَزْماً، وهذا كمن يقال له: "يا جاهل"، فيقول: "امرأة الجاهل طالق"، فإنه لم يقصد إلا أني لست بالجاهل، وإلا فيقع، ولا بأس عندي (٥) بتنزيل الخلاف على الحالتين. ومنها: هل يجوز للابس الخفّ أن يُجدّد الوُضوء قبل الحدث؟ توقّف

стр. 362

الشيخ الإمام في ذلك، وهي مسألة مليحة، وقال ابن الرفعة في «الكفاية» (١): «لا شك أنه مكروه»، وجزم النووي في «شرح المهذب» بأنه مستحب (٢)، واقتضى قول الرافعي ما نصه: «لنا: أن وقت جواز المسح يدخل بالحدث» (٣) = أنه لا يجوز.

стр. 363

بَابٌ الخلاف المرسل هذا الباب نذكر فيه مسائل اختلف فيها الأصحاب خلافاً حكاه النووي من غير أن يُبيِّن الصحيح منه، فبينه الشيخ الإمام، أو لم يحكه ألبتة، فحكاه الشيخ الإمام، وبين الراجح عنده منه، وهذا الباب عظيم الفائدة، ولكن مسائله أقلُّ من الباب قبله، وأنا أذكر ما يحضرني منها. الطهارة مسألة (١): فمنها: نبيذ التمر ونحوه مما فيه ماء، إذا انقلب بنفسه خلا؛ قال القاضي أبو الطيب: «لا يطهر»، ونقله عن الأصحاب، وهو المشهور (٢)، وقال الشيخ الإمام في كتاب «الرقم الإبريزي» وفي «الرهن» من «شرح المهذب»: «ينبغي أن يكون فيه وجهان، أصحهما الطهارة». ومنها: لو ولغ كلب في إناء فيه ماء أقل من قلتين؛ تنجس الماء والإناء معا، فإن صُبَّ عليه ماءً حتى بلغ به قلتين فصاعدًا؛ طهر الماء وبقي الإناء نجساً بحاله، وهو ماء طاهر في وعاء نجس. وهذا أول فروع ابن الحداد (٣)، وهذه مقالته، وعليها الجمهور، وفي

стр. 364

المسألة وجوه قد أحسن بسطها الشيخ أبو علي في «شرح الفروع»، وكنتُ أنا أُلقي فروع ابن الحداد (١) دروساً في حياة الشيخ الإمام، فلما درست هذا الفرع عرضته عليه فصوّب ابن الحداد، وسماعي منه أنه يندر غلط ابن الحداد، وأنَّ أكثر فروعه هو فيها مُصيب، وهذا الفرع غير مصرح به في «الرافعي»، وإن كان يُخرج من كلامه، وكذا الذي قبله.

стр. 365

الصلاة * مسألة (١): ورجح أنَّ أعلى الكمال في تسبيح المنفرد راكعًا لا حدَّ له، فليزد ما شاء، وقيل: أعلاه إحدى عشرة تسبيحة، قال: «وكذلك الزيادة في الدعاء». قلت: ولا فرق بين الركوع والسجود. *مسألة: وأنه لا يباع المسكن والخادم في ستر العورة، وهو قول ابن القطَّان، ووقع في «شرح المنهاج» عزوه لابن كج، وهو سبق قلم، إنما قال ابن كج باللزوم، وغلط ابن القطان في عدمه، وقد ذكره الشيخ الإمام في «باب التفليس» من «شرح المهذب» على الصواب، وقال: «تَغْلِيطُ ابن كج لابن القطَّان لا يظهر»، قال: «ومسألة العاري تشبه الحج، والخادم والمسكن لا يباعان فيه»، والمسألة في «الرافعي» و «الروضة» في «الظهار»، وفي شرحَيِ «المنهاج» و «المهذّب» في «التفليس» (٢).

стр. 366

الجنائز * مسألة: وأنَّ زائر الميت يُسلّم عليه كما يُسلّم على الحي، قال: «وليس بصحيح قول القاضي الحسين وتلميذه صاحب «التتمة»: إنَّ المستحب له أن يقول: وعليكم السلام دار قوم مؤمنين، ولا يقول: السلام عليكم، قالا: لأنهم ليسوا أهلا للخطاب»، قال: «وهو مخالف للحديث الصحيح» (١). قلت: ولعلهما استندا إلى حديث أبي جَزْء (٢) الهُجَيْمِي: أتيتُ رسول الله ﷺ فقلت: عليك السلام يا رسول الله، فقال: «لا تقل: عليك السلام؛ فإنَّ عليك السلام تحيَّةُ الموتى». أخرجه الترمذي وصححه (٣). *مسألة: وأَنَّ رَشَ القبر بماءٍ يسير من ماء الورد، إذا قصد به حضور الملائكة ومجيئها للطيب؛ لا يُكرَه، وأطلق صاحب «التتمة» أنَّ رشه بماء الورد مكروه (٤)، لكنه علله بالإسراف والإضاعة، فليحمل كلامه على الكثير منه، ولا يكون بينهما خلاف (٥).

стр. 367

الزكاة * مسألة: وأنه ينبغي أن يقال في الماشية إذا أُسيمت في كلاً مملوك: إن لم يكن للكلأ قيمة، أو كانت قيمةً تافهةً لا يُعَدُّ مثلها كلفةً في مقابلة نمائها = وجبت الزكاة، وإلا فالأظهر عدم الوجوب، والمنقول في المسألة وجهان مطلقان في «البيان» (١) تطلَّبَ النووي فيهما التصحيح فلم يجده. *مسألة: وأنَّ قول الشافعي ﵁ على سبيل الوجوب لا الاستحباب في الساعي يقبل الهدية على تركِ حق أو دفع ظُلم: «عليه ردها»، وإن قبلها لشكر إنعام كان منه قال الشافعي: «كانت في الصدقات، لا يسعه عندي غيره إلا أن يكافئه بقدرها فيسعه تمولها». وقال الروياني: «هذا عند أصحابنا على الاستحباب والاحتياط» (٢). فخالفه الوالد ﵀، ذكره قبيل «باب زكاة النبات». *مسألة: وأنَّ من تأخرت عليه زكاة عصيانا، ثم مرض ولا مال له؛ فيقترض ويوفيها؛ لأنه عصى بتأخيرها، فإذا وجد مَنْ يُقرضه ويرضى بذمته تعيَّنَ ذلك طريقا للتوبة، وهذا حكاه العبادي عن شاذان بن إبراهيم، وخالفه العبادي فقال: «ينبغي أن ينوي أنه يؤدي الزكاة إن قدر، ولا يقترض لأنه دين» (٣).

стр. 368

الصوم * مسألة: وأنَّ عدلاً واحدًا لو أخبر بطلوع الفجر في رمضان وجب اعتماده والإمساك (١)، ولا يُشترط اثنان؛ لقوله ﷺ : «حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم» (٢). وقال الروياني: «يحتمل وجهين» (٣). *مسألة: وأنه يجب الاعتماد على خبره أيضًا في غروب الشمس، ويجوز الفطر، وقال الروياني (٤): «لا بد من اثنين كهلال شوال». *مسألة: وأنَّ من عليه عشرة أيام من رمضان فلم يقضها حتى بقي بينه وبين رمضان خمسة أيام، لم يلزمه الفدية في الحال، ولكن بعد مجيء رمضان، وفي «الرافعي» في المسألة وجهان، أطال عليهما الكلام في «شرح المنهاج» (٥). *مسألة: وأنَّ قول القاضي الحسين: «ينبغي للصائم حفظ أصبعه حالة الاستنجاء من مسربته لئلا يدخل أدنى شيء من رأس أنملته فيبطل صومه» = ظاهر فيما إذا وصل إلى المكان المجوّف، قال: «أما أول المسربة المنطبق فلا يسمى جوفًا، فينبغي أن لا يُفطر بالوصول إليه» (٦).

стр. 369

ووقع في كلام القاضي هنا شيء نقله عنه الشيخ الإمام ساكتا عليه، وينبغي التنبيه عليه، فإنَّ القاضي قال: «ينبغي أن يتغوط بالليل ويبول بالنهار» (١)، فإن أراد أنه يُستحَبُّ تأخيرُ غائط احتيج إليه نهارا ليقع ليلا، فلا شك في بطلانه، وهو في البول أشَدُّ بطلانا؛ فإنَّ الشريعة لا تكلف المحتاج إليه تأخيره، ولا في تأخيره وتقديمه ما في الغائط من المحذور المذكور، فلعله لم يُرد بالنهار التقييد، بل جاء ذكره لمقابلة الليل، والمراد: أنَّ البول لا يتقيد، بل أي وقت كان فهو سائغ، وأما التغوط فليحمل كلام القاضي فيه على أن اتفاقه في الليل خير من اتفاقه في النهار، لا على أنا نأمر أحدا بمضرة في بدنه. الاعتكاف * مسألة (٢): وأن من أجنب بما لا يُبطل اعتكافه من احتلام، أو جماع ناسيًا ونحوهما، ولم يبادر إلى الغُسل، ومكث مع القدرة على الغسل (٣) = بطل اعتكافه، وقال المتولي، والروياني: «المذهب أنه (٤) لا يبطل» (٥).

стр. 370

الحج * مسألة (١): وأنَّ المُحرِم يُستحبُّ له إذا توضأ أن يخلل لحيته ما لم يخف خوفًا قريبًا من تساقط الشعر، وأطلق المتولي عدم التخليل (٢). *مسألة: وأنه لا يُقضى الحج من تركة من مات مرتدًّا، وهو أحد احتمالين حكاهما عن الروياني في «شرح المنهاج» من غير ترجيح، ثم رجح في «الحلبيات» ما ذكرناه (٣). *مسألة: وأنه لو نفر في يوم النفر الأول قبل أن يرمي، ولم يتذكر إلا في الثالث قبل غروب شمسه = وجب العود ما لم تنقض أيام التشريق، قال: «هذا هو الذي يستقيم على المذهب، وحكى الماوردي أربعة أقوال غيره» (٤).

стр. 371

البيع * مسألة: وأنه لو باع على صورة العُمرى والرقبى فقال: "ملكتكها بعشرة عمرك" = لم يصح، وهو قول ابن سُرَيج وأبي علي الطبري، وقال ابن كج: «لا يَبعُد عندي جوازه تفريعاً على الجديد»، ووافقه ابن خيران، حكى الرافعي الخلاف في «باب الهبة» (١). *مسألة: وأنَّ الإقدام على العقود الفاسدة حرام متى قصد تحقيق المعنى الشرعي، أو التلاعب به، وإن قصد تلاعب يجوز - كملاعبة الزوجة ونحوه - فليس بحرام، قال: «وليس هو بعقد على الحقيقة، إنما العقد ما قصد به تحقيق معناه، فلا حرج إذا أطلقنا قولنا: الإقدام على العقود الفاسدة حرام». ذكره في مواضع منها في «كتاب النكاح» عند الجمع بين الأختين، ومن ثَمَّ أطلق في «باب القرض» من «تكملة شرح المهذب» تحريمه، وما ذهب إليه هو رأي الغزالي، وابن الرفعة (٢). *مسألة: وأنا إذا جوزنا تبايع الغائبين بالكتابة، فتبايع حاضران بها صح، وفي المسألة وجهان: هنا، وفي «النكاح»، فقال هنا: «ينبغي أن يكون أصحهما الصحة»، وفي (النكاح): «ينبغي أن يكون أصحهما البطلان»، ولا تناقض منه فيه؛ لأنَّ الصحيح بطلان النكاح بالكتابة، وصحة البيع. *مسألة: وأن امتناع بيع المبيع قبل قبضه إنما هو تعبد، ومستنده الخبر.

стр. 372

الوارد فيه (١)، وهذا ما أشار الرافعي إلى اختياره، وارتضاه الإمام (٢)، وحكى الرافعي اختلافا للأصحاب في أنه هل يُعلَّل بضعف الملك أو بتوالي الضمان، وحذف النووي في «الروضة» ذلك كله، وفي «شرح المهذب» حكى اختلاف الأصحاب في العلتين، ولم يذكر كونه تعبدًا بالكليَّة، وإنما قال: «دليله الحديث، واختلف في تعليله»، وذكر الخلاف مجردًا عن ترجيح، وقد تكلمت عليه مبسوطا في الأشباه والنظائر (٣)، وذكره الشيخ الإمام في «باب الرهن» من «شرح المهذب». *مسألة: وأنه إذا وهب المبيع أو رهنه قبل القبض - وذلك صحيح عنده، خلافًا لهما كما تقدم - فإن قال للمتهب أو المرتهن: "اقبض"؛ صح، وإذا قبض تم البيع والهبة أو الرهن بعده، وهو رأي صاحب «التهذيب» (٤)، وهو الذي استقر عليه رأي الشيخ الإمام في «شرح المهذب»، ذكَرَه في «باب الرهن» وإن كان فَصَّل في «شرح المنهاج» تفصيلا، فقد رجع عنه في «شرح المهذب»، و «شرح المهذب» في هذا المكان بعد (شرح المنهاج) فيه. وقال الماوردي (٥): «لا يكفي في البيع وما بعده، ولكن إن قصد قبضه للمشتري صح، واستأنف قبضا للهبة والرهن، ولا يجوز أن يأذن له في قبضه لنفسه من نفسه، وإن قصد قبضه لنفسه لم يصح للبيع ولا للهبة أو الرهن».

стр. 373

*مسألة: وأن الصدقة به قبل القبض إذا اتصلت بالقبض وكانت بإذن البائع، أو حيث لم يبق له حق الحبس، أو تلفت في يد المتصدق عليه = فهي كالوقف، وأطلق الماوردي أنَّ الصدقة كالوقف (١)، قال الشيخ الإمام: «وإباحةُ الطعام للفقراء (٢) كالصدقة». قلت: فأفهم قوله: «كالصدقة» اختصاص مسألة الماوردي بالصدقة على الفقراء، وهو محتمل، ويحتمل أن يقال: إذا كان من أصلنا جواز (٣) الصدقة على الغني؛ فلا فرق، فهي كالوقف عليه، فينبغي أن تُطلق إباحة الطعام، فإنَّ إطعام الطعام من حيث هو قُربةٌ كالهبة والرهن، كذا ذكر هنا. *مسألة: وأنَّ التفرقة بين والدة وولدها في الرد بالعيب حرام، وأنكر دعوى شيخه ابن الرفعة أنَّ المذهب الجواز (٤)، وصورتها: أن تحمل عنده ثم يعلم بالعيب قبل سن التفريق. *مسألة: وأنه يكفي في بيع القطن في العدل رؤية أعلاه كقَوصَرَةِ التمر، ولا يشترط رؤية جميعه، وهو ما قال الصيمري: «إنه الأشبه» (٥). *مسألة: وأنه يجوز الاعتياض عن ثمن المبيع المؤجل إن كان نقدًا، وكذا إن كان طعاما وباعه بغير طعام وتقابضا وفاقًا للقاضي الحسين فيهما، قال الشيخ الإمام: «وهو المنصوص»، قال: «والنقد ينبغي أن يكون كالطعام»، وجوز

стр. 374

الشيخ أبو حامد الاعتياض عن ثمن المبيع المؤجل مطلقا، ومنعه الماوردي، ووقع لابن الرفعة أنَّ كلام القاضي مفروض في الطعام بالطعام من جنسه، وليس كذلك، نبه عليه الوالد ﵀. *مسألة: وأنه لو اشترى مبيعاً لم يره جُملةً ورآه تفصيلا، كما لو رأى أرضا وطينا واجرا بني بهما فيها حمَّامٌ، اشترى الحمَّام ولم يره = لم يصح، وهو أحد احتمالي الروياني (١). *مسألة: وأنَّ البائع إذا قبض الثمن عما في الذمة، ثم رُدَّ عليه المبيع والثمن باق في يده؛ تعيَّنَ ردُّه بعينه للمشتري، ولم يجز له إبداله، ذكره في مواضع منها في كتاب الزكاة في مسألة كراء الدار، وفي «باب الرد بالعيب»، وفي هذا الباب ذكر الرافعي المسألة. *مسألة: وأنَّ المقبوض بالبيع الفاسد إذا تَلِفَ وكان مثليًّا يُضمن بمثله، وصحح الماوردي أنه يُضمن بالقيمة (٢)، وهو قضيَّةُ إطلاق الأكثر، وكذا المقبوض بالسوم والتحالف بعد هلاك المبيع، وكلّ عقد مفسوخ، وسنذكر المسألة مبسوطةً في خاتمة هذا الباب إن شاء الله. *مسألة: وأنه إذا باع صاعين بصاعين من تمر، وكلّ منهما مشتمل على صغار وكبار غير متميز بعضُه عن بعض = صح، وفي المسألة وجهان: أحدهما: إن ظهرت الصغار من الكبار للناظر من غير تأمل لم يصح، وإلا صح.

стр. 375

والثاني: إن كان بين أحد العوضين تفاوت لم يصح. قال الشيخ الإمام: «الوجهان ضعيفان، والصواب الصحة مطلقا، أما إذا ميَّز وباع صاعًا من الصغار وصاعًا من الكبار بصاع من الصغار وصاع من الكبار، فالحكم كما لو باع درهما ودينارا بدرهم ودينار، وهما من ضرب واحد». *مسألة: وأنهما إذا اختلفا في عين المبيع، والثمن في الذمة تحالفا، وهو الذي قال الرافعي في «الشرح الصغير»: «إنه الأظهر»، واقتصر في «الكبير» بعد حكاية الوجهين على أن كلا منهما رجحه مرجحون (١). *مسألة: وأنه إذا فُسِخَ العقد بعد التحالف ارتفع باطنا كما يرتفع ظاهرًا من المحقِّ أو الحاكم دون غيرهما، وفي المسألة أوجه، ثالثها: إن كان البائع صادقا ارتفع؛ لتعذر الثمن، فيرتفع ليصل إلى حقه كالمفلس، وإن كان كاذبًا فلا؛ لتمكنه بالصدق من حقه، قال الشيخ الإمام: «المختار أنه يرتفع باطنا وإن قلنا بالانفساخ، وإن قلنا بالفسخ دون الانفساخ ــ وهو الصحيح ــ نفَذ باطنًا من المحق أو الحاكم دون غيرهما». قلت: والأرجح عنده - كما تقدَّم - أنَّ الفاسخ هو الحاكم، فحينئذ يرتفع باطنا، غير أنَّ الحاكم إنما بنى على تحالفهما، وبتقدير صدق المشتري لا يكون الحكم حقًا فلينظر، أو يُخرَّج على أنَّ حكم الحاكم عند الاشتباه يزيل ما في نفس الأمر، وليس ذلك رأيا له. *مسألة: وأنَّ البيع إذا فُسِخ بالتحالف، وكانت العين مستأجرةً، فهي

стр. 376

كالآبق، وبه قال القاضي الحسين، لا كالمرهون، وهو احتمال للإمام (١). *مسألة: وأنَّ دَين تجارة المأذون إذا حُجر عليه يؤدى من الأكساب المتجددة بعد الحجر، وهو الأصح عند الإمام، وصحح البغوي خلافه (٢). *مسألة: وأنه إذا حدث عند المشتري عيب، ثم اطلع على عيب قديم؛ يَضُمُّ (٣) إلى الحادِثِ الأرش ورَدَّ المبيع، فالأرش أقيم مقام الفائت، ووَرَدَ الردُّ عليهما، وملكهما بالرد، واختار إمام الحرمين أنه رَدَّ المبيع وحده، وغرمَ الأرش عما في ذمته من بدل الفائت المضمون، فمَلَكَ البائع المبيع بالرد، والأرش بالقبض عما في الذمة. هذا مع موافقة الإمام على أنَّ المشتري لو طلب الرد وبقاء الأرش في ذمته لم يلزم البائع إجابته (٤)، قال الشيخ الإمام: «والأرش المردود يغرمه المشتري، ويسترجع جميع الثمن فيما يظهر على التقديرين». *مسألة: وأنه لو وجب الأرش بزواج العبد، أو الأمة المبيعة وامتناع البائع، فقال الزوج قبل الدخول: «إن ردَّكِ المشتري بعيب فأنتِ طالق»، ثم ظهر العيب = فلا رَدَّ؛ لمقارنة العيب الرد، وقال والد الروياني: «الأظهر عندي أنَّ له الرد» (٥)، وقد تقدمت في الباب الأول لسكوت الشيخين فيها على قول الروياني، كذا قالا، وإنما هو والده (٦).

стр. 377

*مسألة: وأنه إذا باع عبداً، وأحال بثمنه، ثم اتفق البيعان على أنه حر، وكذبهما المحتال، ولا بينة، فحلفاه على نفي العلم، ثم أخذ المال من المشتري لبقاء الحوالة في حقه = لم يرجع المشتري على البائع وفاقاً للبندنيجي، وسليم، والبغوي (١)، وخلافاً للشيخ أبي حامد، وابن كج (٢) وابن الرفعة (٣). *مسألة: وأنَّ قرض العقار لا يجوز، وهو قول الماوردي، وجوزه المتولي في شِقص من دار؛ لأنه من حيث إنه مشاع في تلك الدار مثلي، وسكت عليه في «الروضة» (٤). *مسألة: وأنه يجوز قرض المنافع، وبه صرّح المتولي، ومنعه القاضي الحسين، نقله عنه في زيادة «الروضة» ساكتا عليه (٥). *مسألة: وأنه يجوز قرض الخبز، وهو رأي الرافعي في «الشرح الصغير»، وإليه صَغْوُ النووي أيضاً (٦). *مسألة: وأنه يجوز السَّلَم في ماء الورد، وقال صاحب «البحر»: «إنه الذي عليه عامة الأصحاب» (٧). *مسألة: وأنه يجوز السلم في المنافع، وعزاه إلى النص، واقتصر في

стр. 378

«الروضة» على عزوه إلى الروياني ساكتًا عليه (١)، ونقل الشيخ الإمام عن «فتاوى القاضي» المنع، قال: «وهو خلاف النص». قلت: وعجيب أنَّ النووي نقل عن «فتاوى القاضي» منع قرض المنافع، ولم ينقل عنه في السَّلَم فيها شيئًا، مع كونهما في موضع واحد من كتاب واحد، على أني لم أر في نسختي لواحدة من المسألتين ذكرًا، والشيخ الإمام نقل عنه فيهما المنع، غير أني رأيت بخطه على حاشية «شرح المنهاج» أنه بعد ذلك رأى في «باب الغصب» من «تعليقة القاضي» أنه سُئل عن قرض المنفعة بأن يقول: «أقرضتُكَ منفعة داري هذه شهرًا»، قال: «لا يجوز؛ لأن ما لا يجوز السلم فيه لا يجوز قرضه، والسَّلَم لا يجوز في المنافع؛ لأنه لا بد فيه من التعيين، والتعيين يُبْطِلُ السَّلَم، فيُبْطِلُ القرض». قال الشيخ الإمام: «وهذه العلة لا تطرد في كل المنافع؛ لجواز السلم في تعليم القرآن ونحوه، فلعل إطلاقه المنع محمول على هذا، ثم بعد حمله عليه يمكن أن ينازع فيه بقول المتولي في قرضِ جُزء من دار». *مسألة: وأنا إذا جوزنا السَّلَم في الدراهم والدنانير وهو الأصح؛ فأرجح الوجهين: أنه يجب وصفها، ولا يكفي الإطلاق. *مسألة: وأنه لو اشترى ثوبين وأراد بيع أحدهما مرابحةً، وكذا سائر ما يتقسط الثمن عليهما بالقيمة = خَبَّرَ بلفظ القيام ورأس المال، وهو قول القاضي الحسين والماوردي والمتولي (٢). وعند القاضي أبي الطيب: أنه يُخبّر بلفظ الشراء أيضًا، وهو بعيد.

стр. 379

الرهن وأن الراهن إذا اعترف أنه مرهون بعشرين، ثم ادعى أنه مرهون بعشرة بعد عشرة، وقلنا بالجديد الصحيح: أنه لا يجوز أن يرهنه المرهون عنده بدين آخر، ونازعه المرتهن فقال: "بل فسخنا واستأنفنا رهنا بعشرين" = فالقول قول المرتهن، وإليه ميل الصيدلاني، وقال الروياني: «إنه الأقوى؛ لاعتضاد جانبه بإقرار صاحبه». وصحح البغوي أنَّ القول للراهن (١). *مسألة: ورتب عليه، فقال: «لو شهد شاهدان أنه رهن بألف ثم بألفين، لم يُحكم بأنه رهن بألفين ما لم يُصرِّحا بأنَّ الثاني كان بعد فسخ الأول»، قال الشيخ الإمام: «والوجه عندنا تخريجها (٢) على دعوى الصحة والفساد، فمن صدق مدعي الفساد - وهو اختيار البغوي - يناسبه التوقف حتى يصرّح (٣) الشاهدان، ومَن صدَّق مدعي الصحة يناسبه أن يحكم بأنها رهن بألفين» (٤). *مسألة: وأنه إذا رهَنَ الجاني عمدًا، وقلنا: يصح فيه ولا يصح في موجب المال، فعفا على مال = كان كجناية تصدر من المرهون، وهو قضية كلام القاضي الحسين. ولا يبطل الرهن من أصله، خلافًا للشيخ أبي محمد (٥). *مسألة: وأنه إذا رهن ما يتسارع إليه الفساد، وسكت عن الإذن في بيعه

стр. 380

عند إشرافه على الفساد، أو طلب المرتهن بيعه فامتنع الراهن، فهو كالتالف بآفة سماوية. قال: «وإن طلب الراهن البيع فامتنع المرتهن، فلا يضمنه المرتهن إلا إذا كان في يده بعد المطالبة بالبيع». وسكت النووي في «زيادة الروضة» على قول صاحب «التتمة»: «إنه في الصورتين الأولتين من ضمان الراهن، وعلى إطلاقه في الصورة الثالثة أن المرتهن يضمن إذا امتنع من البيع بعد طلب الراهن (١). *مسألة: وأنَّ قبض المشاع إذا رهن وهو مما لا يُنقل (٢) = بالتخلية وحضور الشريك؛ لأن يده حائلة، وهو قول المحاملي، والماوردي (٣)، وقال صاحب «البيان»: «يصح، وإن لم يحضر الشريك (٤)». *مسألة وأنَّ الطريقة الجازمة بأنَّ ما جوزناه للراهن من الانتفاع بالمرتهن، فيجوز له استيفاؤه بنفسه، إذا كان ثقةً يُؤمن جحوده قولا واحدا، ولا يجوز بنفسه إذا لم يكن = هي (٥) الأظهر، فيُحمل النص على الجواز في «الأم» (٦) على الصورة الأولى، وعلى المنع في القديم على الثانية (٧).

стр. 381

والطريقة الأخرى: إجراء القولين، ولم يرجّح الرافعي من الطريقين شيئًا، وقوله: «ويُشبه أن يكون هذا أظهر» مراده به: القول بأنّ له الاستيفاء، لا ترجيح طريقة القولين، على خلاف ما فهم النووي، وليس هذا من النووي بترجيح صريح، وإلا لعددناه في الباب الأول، إنّما هو وهم في الاختصار (١). *مسألة (٢): وأنا إذا قلنا: ولد المرهونة ليس بمرهون، وولد الوديعة ليس بمودَع؛ فليس للمرتهن والمودع إمساكه، وهو أحد وجهين حكاهما صاحب «البحر» (٣)، وذكرهما الشيخ الإمام في «كتاب (٤) الرهن» من «شرح المهذب».

стр. 382

التفليس * مسألة (١): وأنَّ الحجر على المفلس يلاقي ماله لا نفسه، فنفسه لا اختلال (٢) فيها، وفي المسألة وجهان حكاهما ابن الرفعة، وقضيَّةُ بحث الرافعي حيث قال (٣): «فليفسر (٤) المفلس بالذي ليس له مال يفي بديونه؛ لِيَنظُمَ من لا مال له أصلا = أن يكون مختاراً لملاقاة الحجر نفس المفلس، وقد ضعفه ابن الرفعة والوالد (٥)، وقال ابن الرفعة: إنه مخالف لنص الشافعي وللقياس»، ذكر الوالد ذلك في أول «باب التفليس» من «شرح المهذب». ويؤيدهما: أن للمفلس أن ينكح بلا إذن، وقد قال ابن الرفعة في «النكاح»: «إنَّ ذلك يُضعف القول بملاقاته لنفسه، ولا شك فيه». *مسألة: وأنَّ الحاكم يكتفي في بيع ما يُسنَدُ إلى (٦) المفلس من المال باليد، ولا يحتاج إلى ثبوتِ مِلكه عنده، قال: «فحصت عن هذه المسألة، وتحصلت (٧) فيها على وجهين، أصحهما هذا، وهو قول أبي عاصم».

стр. 383

قلت: ونظير المسألة: إذا طلب الشركاء من القاضي القسمة، ولم يقيموا بيّنةً تشهد بملكهم؛ هل يجيبهم؟ فيه طريقان مشهوران، قال النووي (١): (المذهب: أنه لا يجيبهم). قلت: وقد يُفرَّق بينه وبين البيع على المفلس حيث كان الصحيح فيه البيع. *مسألة: وأن حجر الفلس حجرُ مرض، لا حجر سفه ولا رهن، وهي أقوال ثلاثة، ثالثها من استنباطاته وتخريجاته. *مسألة: وأنَّ استيلاد المفلس مع ذلك غير نافذ، وإن كان استيلاد المريض نافذا، قال: «لأنه ليس كحجر المرض من كل الوجوه، فلا ينفذ إلا موقوفا إلى أن يقضي الدين، فإن قضى فنافذ، وإلا فغير نافذ». ذكره في «شرح المهذب». وهو ما ذكره شيخه ابن الرفعة في (الكفاية) (٢)، لكنه في «المطلب» رجح أنه نافذ، وعزاه إلى «خلاصة الغزالي»، وقال: «إنه أولى مما ذكره في «الكفاية»». *مسألة: وأنَّ الوالد لا يُحبس في حق الولد، وقد صحّحه في «الروضة» في «كتاب الشهادات»، وذكر أنَّ الإمام قال: إنه الذي عليه معظم أئمتنا (٣). *مسألة وأن المريض، والمخدّرة، وابن السبيل يُحبسون، قال: «ويُشترط أن يكون للمريض في الحبس من يخدمه». *مسألة: وأنَّ المحبوس لا يُمنع من زوجته، كما لا تُمنع هي إذا حبست منه على الصحيح. وقال الروياني: (يُمنَع المحبوس زوجته)، وتبعه ابن الرفعة (٤).

стр. 384

*مسألة: وأنَّ الدين الحال إن لزم بعدوان لزم أداؤه على الفور من غير طلب؛ كذا يدلُّ اختياره عليه وصغوه إليه، وكأنه يعني بالعدوان الواجب لا باختيار صاحب الحق، كما سأذكره إن شاء الله. وإنما قلتُ: إِنَّ صَغْوَه إلى هذا التفصيل؛ لأنه ﵀ قال في «باب التفليس» بعدما ذكر كثيرًا من كلام الأصحاب في ذلك: اعلم أنَّ الوجوب تارةً يُطلق بمعنى: الثبوت في الذمة، ولا شك أنَّ هذا المعنى حاصل قبل الطلب وبعده، سواء أكان الدين حالاً أم مؤجلا، على موسر أو معسر، ويُطلق تارةً بمعنى: وجوب الأداء، وهو اصطلاح الأصوليين، وبهذا المعنى لا يثبت في المؤجل ولا في الحال على المعسر، ويحسن التردُّد فيه على الموسر: هل يتوقف على الطلب أو لا؟ وللتردد اتجاه، سواء أكان سببه عدوانًا أم لا، كما ترددنا في وجوب قضاء الصلاة على الفور، وإن كان سببها عدوانًا، أعني: فاتت بغير عذر، وقياس ما قيل هناك: أن يكون الأصح هنا أنه إن لزمه بعدوان وجب على الفور، وإلا فلا. قلت: مسألة وفاء الدين الحال من غير طلب اضطرب فيها كلام الأصحاب، ويجتمع فيها من كلام الإمام في «النهاية»، وابن السمعاني في «القواطع»، والروياني في «البحر» خلافٌ وتفصيل، وما ذكره الشيخ الإمام حسن، وإن كان قد ينازع في تسمية المؤجل، والدين على معسر دينًا، ولكن الصواب فيهما أنه دين. ثم يشهد لهذا التفصيل قول الرافعي في «باب الحجر»: «إنَّ الولي يوفي ما على الصبي من الديون»، قال: «وأروش الجنايات وإن لم تُطلب، ونفقة

стр. 385

القريب بعد الطلب» (١)، فإيجاب وفاء الأروش وإن لم تُطلب دليل على أنَّ الحال الثابت بغير رضا صاحبه بعدوان يجب أداؤه من غير طلبه، فإن أرش الجناية بهذه الصفة، كذا نبه عليه الشيخ الإمام ﵀ في «باب الحجر». وعلى هذا، فهو وهما متوافقون على التصحيح في المسألة، ولكن الشيخان لم يفصحا بالمسألة إفصاحاً، وقول الشيخ الإمام: «إن أرش الجناية لا يكون إلا بهذه الصفة يعني: لا يكون إلا عن عدوان. فإن قلت: قد يكون عن جناية الخطأ. قلت: الخطأ لا يخرجها عن أن توصف بالعدوان، ألا ترى أن كلامه في جناية الصبي، ولا إثم فيها، فالعدوان هنا بمعنى الضمان لا بمعنى الإثم، وإليه الإشارة بقوله في الصلاة»: «إنَّ معنى كونها عدوانًا فواتها بلا عذر». نعم، لك أن تقول: إذا لم تكن معصيةً فلا وجه للفور في أرش الجناية، واللائق بأصله أن يُفرّق بين الواجب عن معصية، والواجب لا عن معصية (٢). *مسألة: وأن كتب الفقيه تباع في دينه، وفي حَجَّه، ذكره (٣) في (الحلبيات) (٤)، وهو قول القاضي الحسين (٥)، وسكت في «شرح المنهاج» على

стр. 386

قول أبي عاصم: «لا تباع». أما خيل الجندي وسلاحه، فقال ابن الأستاذ شارح «الوسيط»: «إنها ككتب الفقيه». وقال الشيخ الإمام ﵀: «لا تباع في الدّين إذا كان قد استعمله الإمام، ورزَقَه من بيت المال؛ لأنها كالمستحقة للجهاد»، قال: «وأما المتطوع الذي لا رزق له في الديوان، إذا لم يتعين عليه الجهاد؛ فيباع عليه». *مسألة: وأنه لو تبرع أجنبيٌّ بوفاء دين الميت وجب قبوله، ذكره في «باب التفليس» من «شرح المهذب»، بعد أن نقل تردُّد القاضي الحسين فيه (١). *مسألة: وأنه إذا اشترى ثوبًا وصبغا، فصبغه ثم أفلس، وزادت قيمة الثوب مصبوعًا على قيمته غير مصبوغ، لكن نقص عن قيمتهما، كما إذا كان الثوب يساوي عشرة، والصبغ خمسة، فصار يساوي اثني عشر: فإن كان النقص بسبب نقص صفة الصبغ لا غير، كما إذا كانت زنة الثوب خمسة أرطال، وزنة الصبغ رطلاً، وزنة الثوب مصبوغاً ستة = فلا يرجع بائع (٢) الصبغ إذا اختاره بغيره. وإن كان النقص بسبب نقص جزء من الصبغ، وذهابه في الثوب؛ كان لبائعه الرجوع في الدرهمين، والمضاربة بما بقي. وإن احتمل كونه بسبب نقصان الصفة أو نقصان جُزء؛ بنينا الأمر على أنه نقصان جزء.

стр. 387

وهذا شيء ذكر ابن الرّفعة أنه التحقيق، وقال الشيخ الإمام: «إنه جيد»، قال: «فليعتمد ويُنزل الخلاف عليه». وأراد بالخلاف قول الشيخ أبي حامد والماوردي: «إنَّ صاحب الثوب يرجع بماله وهو عشرة، وصاحب الصبغ إن اختار المضاربة بالثمن وإلا رجع فيه ناقصاً، فيعطى من الثمن درهمين، ولا شيء له غير ذلك». وهذا ظاهر كلام صاحب «التنبيه» (١). وقال في «المهذب» و «الشامل»: «إنَّ لصاحب الصبغ إذا رجع أن يضارب بما نقص» (٢). فنزّل الوالد الخلاف على هذا التحقيق. وأنا أقول وراءه فيما إذا كان النقص بسبب ذهاب جزء من الصبغ تحقيق آخر، فيقال: إن كان الذاهب قدْرًا معلومًا أخَذَ الدرهمين، وضارب بثلاثة أرباع الباقي بعد الربع من الثمن، فيقال مثلا: فيما إذا كانت زِنَةُ الثوب خمسة وقيمته عشرة، والصبغ رطلاً وقيمته خمسة، وزنة الثوب مصبوغا خمسة ونصفا، وقيمته اثنا عشر إذا اختار الصبغ؛ فقد أخذ نصف صبغه، وذلك حيث الصبغ مفرد درهمان ونصف، فليضارب بقيمة الصبغ؛ لأنه الجزء الفائت عليه، وهو درهمان ونصف لا ثلاثة. ولعل هذا مراد ابن الرفعة بقوله: «والمضاربة بما بقي» أي: بما بقي من قيمة الصبغ الذاهب، لا بما بقي من قيمة الصبغ مطلقا؛ لأنَّ ما في مقابلة نصف درهم نقصان وصف، وقد قرر أنه لا يضمن.

стр. 388

الحجر * مسألة (١): وأنَّ الولي لو باع مال المحجور، ثم فَسَقَ قبل انبرام البيع؛ لم يبطل البيع، ومراده بالانبرام انقضاء الخيار؛ فإنه قال: «ويثبت الخيار لمن بعده من الأولياء». *مسألة: وأنه يجوز للولي أن يشتري لليتيم العقار وإن لم يحصل من ريعه قدر كفايته إذا رأى ذلك مصلحةً، قال: «وللولي نظر خاص في الأمور الجزئية لا تحيط به قاعدة». وقال الماوردي (٢): «لا بُدَّ أن يحصل من ريعه قدر الكفاية». *مسألة وأنه يجوز إرسال الصبي في الحاجة بحيث يكون واسطةً في البيع والشراء، ونقل الكلام، والإيجاب والقبول، ويُقبل قوله في ذلك إذا حصلت الثقة به، ويكون العقد بين البالغين، والجوري أطلق جواز إرسال الصبي لشراء حاجة (٣). قال الشيخ الإمام: «والذي قاله بالتوجيه الذي ذكرناه ليس بعيداً، سواء أجوزنا المعاطاة فيكتفى بها والصبي متوسط، أم لم نجوزها ولكن وقع الإيجاب والقبول عند بلوغ الخبر كما يبيع من الغائب». وهذا الفرع إما أن يقال: إنَّ الشيخين سكتا عنه ولا يخلو عن نزاع، أو إنَّ

стр. 389

إطلاقهما يقتضي منعه (١). *مسألة: وأنَّ ذا العقل القليل إلا أنه (٢) لا يُخرجه عن التكليف، والمغمى عليه، والنائم = لا يُحجَر على واحد منهم، خلافًا للقاضي الحسين في النائم، ولصاحب «التتمة» في المغمى عليه، ومن له أدنى تمييز ولم يكمل عقله مع بلوغه (٣). *مسألة: وأن الابن إذا ادعى على أبيه أنه رشيد طالبًا فك حجره، وأنكر الأب؛ فالقول قوله من غير يمين، وقال: ينبغي القطع به، وهو قول أبي عاصم العبادي، وقال القاضي أبو سعد: «يحلّف» (٤). *مسألة: وأنا إذا قلنا: الإنبات علامة في حق الكفار على البلوغ؛ فهو علامة على أحد الأمرين: من الاحتلام، أو استكمال خمس عشرة سنةً لا بِعَينِه، ونقل عن الماوردي أنه علامة على الاحتلام نفسه، وعن المحاملي: أنه علامة على خمس عشرة سنة، وهو عكس ما نقله ابن الرفعة عنهما، ولعله سبق قلم (٥).

стр. 390

الصلح * مسألة (١): وأنَّ الصلح مندوب، وفاقًا لأبي الطيب بن سلمة، وخلافًا لابن أبي هريرة؛ حيث قال: «بل (٢) رخصة» (٣). *مسألة: وأنَّ صاحب العُلو والسُّفْل إذا باع العُلْوَ وحده، فليس للمشتري أن يبني عليه؛ لأنَّ الهواء حق لصاحب السُّفْل، وإنما خرج عنه البناء على الهيئة الموجودة حالة البيع، وهو أحد وجهين في «الحاوي» (٤). *مسألة: وأنه إذا صالح مِنْ ألفٍ في الذمة على خمسمئة معينة فسد، وهو رأي الإمام (٥)، وفيه وجه: أنه يصح، وللرافعي بحث يؤيده حذفه النووي في «الروضة»، فلم يصر له في المسألة ترجيح، وصار الخلاف بين الوالد والرافعي دونه (٦). فإن قلت: أليست عبارة النووي: «ولو صالح منه على خمسمئة معينة جرى الوجهان، ورأى الإمام الفساد هنا أظهر» (٧)، انتهى. وأشار بالوجهين إلى الوجهين في المصالحة من ألف في الذمة على خمسمئة فيها، والصحيح فيها الصحة، فاقتضى إجراء الوجهين أن يكون الصحيح كالصحيح؟
следующие страницы →