← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30157

ترشيح التوشيح وتوضيح الترجيح

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (808 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قول أبي عاصم: «لا تباع». أما خيل الجندي وسلاحه، فقال ابن الأستاذ شارح «الوسيط»: «إنها ككتب الفقيه». وقال الشيخ الإمام ﵀: «لا تباع في الدّين إذا كان قد استعمله الإمام، ورزَقَه من بيت المال؛ لأنها كالمستحقة للجهاد»، قال: «وأما المتطوع الذي لا رزق له في الديوان، إذا لم يتعين عليه الجهاد؛ فيباع عليه». *مسألة: وأنه لو تبرع أجنبيٌّ بوفاء دين الميت وجب قبوله، ذكره في «باب التفليس» من «شرح المهذب»، بعد أن نقل تردُّد القاضي الحسين فيه (١). *مسألة: وأنه إذا اشترى ثوبًا وصبغا، فصبغه ثم أفلس، وزادت قيمة الثوب مصبوعًا على قيمته غير مصبوغ، لكن نقص عن قيمتهما، كما إذا كان الثوب يساوي عشرة، والصبغ خمسة، فصار يساوي اثني عشر: فإن كان النقص بسبب نقص صفة الصبغ لا غير، كما إذا كانت زنة الثوب خمسة أرطال، وزنة الصبغ رطلاً، وزنة الثوب مصبوغاً ستة = فلا يرجع بائع (٢) الصبغ إذا اختاره بغيره. وإن كان النقص بسبب نقص جزء من الصبغ، وذهابه في الثوب؛ كان لبائعه الرجوع في الدرهمين، والمضاربة بما بقي. وإن احتمل كونه بسبب نقصان الصفة أو نقصان جُزء؛ بنينا الأمر على أنه نقصان جزء.

стр. 387

وهذا شيء ذكر ابن الرّفعة أنه التحقيق، وقال الشيخ الإمام: «إنه جيد»، قال: «فليعتمد ويُنزل الخلاف عليه». وأراد بالخلاف قول الشيخ أبي حامد والماوردي: «إنَّ صاحب الثوب يرجع بماله وهو عشرة، وصاحب الصبغ إن اختار المضاربة بالثمن وإلا رجع فيه ناقصاً، فيعطى من الثمن درهمين، ولا شيء له غير ذلك». وهذا ظاهر كلام صاحب «التنبيه» (١). وقال في «المهذب» و «الشامل»: «إنَّ لصاحب الصبغ إذا رجع أن يضارب بما نقص» (٢). فنزّل الوالد الخلاف على هذا التحقيق. وأنا أقول وراءه فيما إذا كان النقص بسبب ذهاب جزء من الصبغ تحقيق آخر، فيقال: إن كان الذاهب قدْرًا معلومًا أخَذَ الدرهمين، وضارب بثلاثة أرباع الباقي بعد الربع من الثمن، فيقال مثلا: فيما إذا كانت زِنَةُ الثوب خمسة وقيمته عشرة، والصبغ رطلاً وقيمته خمسة، وزنة الثوب مصبوغا خمسة ونصفا، وقيمته اثنا عشر إذا اختار الصبغ؛ فقد أخذ نصف صبغه، وذلك حيث الصبغ مفرد درهمان ونصف، فليضارب بقيمة الصبغ؛ لأنه الجزء الفائت عليه، وهو درهمان ونصف لا ثلاثة. ولعل هذا مراد ابن الرفعة بقوله: «والمضاربة بما بقي» أي: بما بقي من قيمة الصبغ الذاهب، لا بما بقي من قيمة الصبغ مطلقا؛ لأنَّ ما في مقابلة نصف درهم نقصان وصف، وقد قرر أنه لا يضمن.

стр. 388

الحجر * مسألة (١): وأنَّ الولي لو باع مال المحجور، ثم فَسَقَ قبل انبرام البيع؛ لم يبطل البيع، ومراده بالانبرام انقضاء الخيار؛ فإنه قال: «ويثبت الخيار لمن بعده من الأولياء». *مسألة: وأنه يجوز للولي أن يشتري لليتيم العقار وإن لم يحصل من ريعه قدر كفايته إذا رأى ذلك مصلحةً، قال: «وللولي نظر خاص في الأمور الجزئية لا تحيط به قاعدة». وقال الماوردي (٢): «لا بُدَّ أن يحصل من ريعه قدر الكفاية». *مسألة وأنه يجوز إرسال الصبي في الحاجة بحيث يكون واسطةً في البيع والشراء، ونقل الكلام، والإيجاب والقبول، ويُقبل قوله في ذلك إذا حصلت الثقة به، ويكون العقد بين البالغين، والجوري أطلق جواز إرسال الصبي لشراء حاجة (٣). قال الشيخ الإمام: «والذي قاله بالتوجيه الذي ذكرناه ليس بعيداً، سواء أجوزنا المعاطاة فيكتفى بها والصبي متوسط، أم لم نجوزها ولكن وقع الإيجاب والقبول عند بلوغ الخبر كما يبيع من الغائب». وهذا الفرع إما أن يقال: إنَّ الشيخين سكتا عنه ولا يخلو عن نزاع، أو إنَّ

стр. 389

إطلاقهما يقتضي منعه (١). *مسألة: وأنَّ ذا العقل القليل إلا أنه (٢) لا يُخرجه عن التكليف، والمغمى عليه، والنائم = لا يُحجَر على واحد منهم، خلافًا للقاضي الحسين في النائم، ولصاحب «التتمة» في المغمى عليه، ومن له أدنى تمييز ولم يكمل عقله مع بلوغه (٣). *مسألة: وأن الابن إذا ادعى على أبيه أنه رشيد طالبًا فك حجره، وأنكر الأب؛ فالقول قوله من غير يمين، وقال: ينبغي القطع به، وهو قول أبي عاصم العبادي، وقال القاضي أبو سعد: «يحلّف» (٤). *مسألة: وأنا إذا قلنا: الإنبات علامة في حق الكفار على البلوغ؛ فهو علامة على أحد الأمرين: من الاحتلام، أو استكمال خمس عشرة سنةً لا بِعَينِه، ونقل عن الماوردي أنه علامة على الاحتلام نفسه، وعن المحاملي: أنه علامة على خمس عشرة سنة، وهو عكس ما نقله ابن الرفعة عنهما، ولعله سبق قلم (٥).

стр. 390

الصلح * مسألة (١): وأنَّ الصلح مندوب، وفاقًا لأبي الطيب بن سلمة، وخلافًا لابن أبي هريرة؛ حيث قال: «بل (٢) رخصة» (٣). *مسألة: وأنَّ صاحب العُلو والسُّفْل إذا باع العُلْوَ وحده، فليس للمشتري أن يبني عليه؛ لأنَّ الهواء حق لصاحب السُّفْل، وإنما خرج عنه البناء على الهيئة الموجودة حالة البيع، وهو أحد وجهين في «الحاوي» (٤). *مسألة: وأنه إذا صالح مِنْ ألفٍ في الذمة على خمسمئة معينة فسد، وهو رأي الإمام (٥)، وفيه وجه: أنه يصح، وللرافعي بحث يؤيده حذفه النووي في «الروضة»، فلم يصر له في المسألة ترجيح، وصار الخلاف بين الوالد والرافعي دونه (٦). فإن قلت: أليست عبارة النووي: «ولو صالح منه على خمسمئة معينة جرى الوجهان، ورأى الإمام الفساد هنا أظهر» (٧)، انتهى. وأشار بالوجهين إلى الوجهين في المصالحة من ألف في الذمة على خمسمئة فيها، والصحيح فيها الصحة، فاقتضى إجراء الوجهين أن يكون الصحيح كالصحيح؟

стр. 391

قلت: لا يلزم ذلك، بل غايته جريان الخلاف، وقد يختلف التصحيح، لا سيما وقد قال: «ورأى الإمام الفساد هنا أظهر»، وهذا يكاد يومئ إلى أن الراجح هنا ليس الراجح (١) هناك، فإن لم يكن فلا أقل من أنه ساكت عن الترجيح.

стр. 392

الضمان * مسألة: وأنَّ مجرد الضمان لا يُثبت حقا للضامن على الأصيل. *مسألة: وأنهما إذا قالا: ضمنا ما لك على زيد؛ طولب كل منهما بجميعه، ذكر المسألة في «شرح المنهاج»، وله فيها ثلاثة (١) تصانيف مفردة صوب فيها تصحيح المتولي المطالبة بالكل، وردَّ كلام الماوردي، وصاحب «البحر»، وكلام ابن الرفعة أيضًا؛ حيث اقتضى مثله في: "رَهَنا العبد بالألف"، وقال: «لو وقف على «التتمة» لم يذكره». وجزم بتصحيح أنهما ضامنان للكل، وراهنان بالكل. ووافق في مسألة السفينة على أنَّ أحد الركبان إذا قال للآخر: "ألقِ متاعك في البحر وأنا وهم ضامنون" أنه يلزمه بحصته، وفرق بينه وبين الضمان والرهن. *مسألة وأنه إذا أبرأه من درهم إلى ألف، وهو لا يعرف ما له عنده؛ صح، وهو المنصوص في البويطي. قلت: وهي مسألة حسنة، فكثيرًا ما يجهل الإنسان كم له، أو كم عليه، ويحرص على البراءة، فطريقه على هذا: أن يذكر غايةً يتيقن أنه لا زائد عليها. وقد أشار في «البويطي» إلى هذه الحيلة (٢)، فقال: «ولو أنَّ رجلا حلل رجلا من كل شيء وجب له عليه، لم يبرأ حتى يبين، فإن لم يعرف قدره حلله.

стр. 393

من كذا إلى كذا» (١)، انتهى. فهذه حيلة تنفع أهل الورع والتقوى. *مسألة: وأن ضمان نفقة القريب يومه لا يصح. *مسألة: وأنَّ حقيقة الإبراء الإسقاط لا التمليك، والنووي قال في «باب الرجعة» (٢): «المختار أنه لا يُطلق ترجيح في أنَّ الإبراء إسقاط أو تمليك، والنذر هل يُسلك به مسلك واجب الشرع أو جائزه؟ والطلاق الرجعي هل يقطع النكاح ويزيل الملك؟ بل يختلف الراجح بحسب المسائل». وقد تكلمت على هذا، وضعفته في «الأشباه والنظائر» (٣)، ولهذه المسائل رابعة، وهي ما إذا نوى مع الفَرْضِيَّة ما ينافيها، ولا ينافي النافلة، فالفرض يبطل، وفي بقاء عموم النافلة قولان، قال: «إنَّ الترجيح يختلف فيهما بحسب الصور، ولا شك أن الصور الداخلة تحت أصلين في كلّ منهما شائبة من صاحبه يختلف الترجيح فيها بحسب كل جزئية». وليس لما ذُكر خصوصيَّة، بل هو جارٍ في مثل قولنا: الإقالة فسخ أو بيع؟ اللعان يمين أو شهادة؟ الحوالة استيفاء أو اعتياض؟ اليمين المردودة كالإقرار أو كالبينة؟ والمغلب في قاطع الطريق حق الخالق أو المخلوق؟ حجر الفلس حجر مرض أو سفه؟ الظهار طلاق أو يمين؟ ونحوها. ثم لا يمنع ذلك الترجيح في أصل القاعدة، ووقع في «الرافعي» في الإبراء من المجهول: «إن قلنا: إسقاط صح، وإن قلنا: تمليك لم يصح، وهو ظاهر

стр. 394

المذهب». وتبعه النووي وقال: «الأظهر» (١). والمراد: أن ظاهر المذهب أنَّ الإبراء عن المجهول لا يصح، لا أنَّ الإبراء تمليك، كما نبه عليه الوالد، فليس لهما في أنَّ الإبراء إسقاط أو تمليك ترجيح. مسألة: وأنه إذا كان له دين على اثنين، فقال: "أبرأتُ أحدكما "؛ لم يصح، وإن قلنا: الإبراء إسقاط، قال: «لأنَّ الإبهام كالجهالة». ولو قال قائل: إنَّ هذا مما خالف الشيخ الإمام فيه الشيخين لأصاب؛ لأنهما قالا بصحته على القول بالإسقاط، غير أنا ذكرناه في هذا الباب؛ لكونه فرعاً لخلاف مرسل. الحوالة مسألة: وأنَّ من له على رجلين ألف بالسويَّة، وكل منهما ضامن لصاحبه، فأحال عليهما؛ صح، سواء أطلق أم شَرَط مطالبة أيهما شاء.

стр. 395

الوكالة * مسألة: وأن تعيين الوكيل فيما لا غَرَضَ في كونه معيَّنا لا يُشترط، فيصح أن يوكل كلَّ أحدٍ في عتق عبده، أو تزويج جاريته من فلان، وأن تأذن المرأةُ لكلِّ عاقدٍ في البلد في تزويجها من زيد، وهذا فيما أحسبه موضع وفاق، وفي فتاوى ابن الصلاح ما يدلُّ عليه. وقول من أطلق اشتراط تعيين الوكيل محمول على ما في تعيينه فيه غرض كالبيع، وعليه يدلّ كلام النووي في (فتاويه)، وابن الرفعة في «الكفاية» (١)، فهذا إن شاء الله مما (٢) لا يختلفون فيه، بل من قال: «إن تعيين الوكيل شرط»، فمقصوده: الموضع الذي لتعيينه غرض، ولذلك مثلوا بالبيع. وأما ما لا غرض فيه - كما مُثَلَ، فلا يُشترط قطعًا (٣)، وإنما ذكرته في هذا الباب؛ لتبادر كثير من الأذهان إلى أنه موضع خلاف، بل أقول: إنه أيضًا ليس تقييدا للإطلاق؛ فإنهم ما أطلقوا إلا مع تمثيلهم بالبيع، فكأنهم قيدوا بغير صورة الغرض، وسَأُعِيدُ ذكر المسألة في آخر الباب إن شاء الله. *مسألة: وأنه إذا علق الوكالة على شرط، فوُجِدَ وتصرف الوكيل، وقلنا بصحة تصرفه، وهو الصحيح = فالتصرُّف جائز، وبه قال ابن الصباغ، وقال

стр. 396

الشيخ أبو حامد: «لا يجوز وإن نفذ» (١). *مسألة: وأنه لو قال: "وكلتك ببيع ما تُثمر نخلتي وتُنتج مواشي" لم يصح، وبه قطع الإمام، وقال المتولي: «يصح» (٢). *مسألة: وأنه إذا وكله أن يُبرئ نفسه لا يحتاج أن يبرئ في الحال، خلافًا للروياني (٣). *مسألة: وأنا إذا قلنا بصحة التوكيل في الإقرار، فصورته أن يقول: "موكلي مقر بكذا» (٤)، ولا يقول: "أقررتُ عنه بكذا"، خلافًا للبندنيجي، ولا: "جعلتُ موكلي مقرًا"، خلافًا لبعضهم (٥).

стр. 397

الإقرار * مسألة (١): وأنه لو استلحق عبد غيره، أو عتيقه لم يلحقه وإن كان بالغا وقد صدقه، والخلاف إنما هو في هذه الصورة، أما الصغير فلا يلحق قطعاً؛ محافظة على الولاء. *مسألة: وأنه لو قال: "غَصَبْتُ هذا العبد من زيد وغَصَبْتُه من عمرو "، كان كالمقرّ بغصبه لثان بعد أوَّل، فيُسلّم للأول. وهل يغرم للثاني؟ قولان. ولا يكون كالمقر بغصبه منهما حتى يكون بينهما، ولا غرم، بخلاف ما إذا قال: "غصبتُ هذا من زيد وعمرو"، فإنه مقر بغصبه منهما قطعاً، وعليه دفعه إليهما، ولا غرم. وفرق الشيخ الإمام بأنَّ "غصبتُ وغصبت" إقراران بغصبين مستقلين، بخلاف ما إذا عطف ولم يُعد العامل، والمسألتان ذكرهما الماوردي في «الحاوي»، وحكى الخلاف في الأولى مجردًا عن ترجيح (٢). قلت: وما أدري ما يقول فيما إذا لم يُعد العامل، ولكن أعاد حرف الجر، كما لو قال: "غصبته من زيد ومن عمرو، وقول سيبويه ﵀ في: "مررتُ بزيد وبعمرو" أنهما مروران يدلّ لأنهما غضبان. *مسألة: وأنه لو قال: "لي عليك ألف"، فقال في الجواب مستهزئا: "لك

стр. 398

علي ألف"، فالأقوى اتِّباعُ القرائن، وإن كان المتولي أطلق حكاية وجهين (١). *مسألة (٢): وأن من له مسطور على إنسان بألفين أقر بها، استوفى منها ألفًا، وادعى بالأخرى؛ فللشهود أن يشهدوا في تأديتهم على إقراره بالألفين، ولا يضرهم كونه إنما ادعى بنصفها، وذكر قول صاحب «البحر»: «لو ادعى بتسعة، فشهد له الشاهد على إقرار المدَّعَى عليه بعشرة، فالشهادة زائدة، فتبطل في الزيادة، وفي الباقي قولان» (٣). وقول ابن الرفعة: «إِنَّ فقهاء زمانه قالوا: الطريق أن يقول: أشهد على إقراره بكذا من جملة كذا، فيكون منبّها على صورة الحال» (٤). وقال الشيخ الإمام: كلُّ ذلك خبط وغفلةٌ صادرة عن معرفة بظاهر الفقه دون أسراره، وما الشهادة بالألفين شهادة قبل الاستشهاد، بل شهادة بما جرى مما ينفع في الحق المدَّعَى به، قال: وابن الرفعة فقيه النفس، والروياني قليل التحقيق وإن كان مُطَّلِعا. قلت: عبارة البحر (٥): «لو كانت الدعوى بألفٍ، فشهد له أحد الشاهدين بألف، وشهد الآخَرُ بألفين، هل يكون باقتصاره في الدعوى على ألف مكذِّبًا للشاهد له بالألفين؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، وعلى هذا تُرَدُّ شهادته في جميع

стр. 399

الألفين، ويبقى معه الشاهد بألف، فيحلف معه ويستحق، والثاني وهو الأصح: لا يكون مكذبًا؛ لجواز اقتصاره في الدعوى على بعض حقه، ولجواز أن يقبض من حقه ما لم يعلم الشاهد بقبضه، إلا أن يظهر في الدعوى تكذيب الشاهد، مثل أن يدَّعي ثمنَ عبده ألفًا، وشهد (١) بأنَّ ثمنه ألفان، فتُرَدُّ الشهادة؛ لتكذيبهما بالدعوى»، انتهى، ذكره في «باب الإقرار». وليس مقصوده مسألة فقهاء الزمان، ولا في كلامه ما يقتضي منع الشهادة بالإقرار بألفين، إنما الذي منعه على أحد الوجهين الشهادة بنفس الألفين، إما لكونه مكذبًا لها، أو لكونه شهد قبل أن يُستشهد فيها، وفرق بين الشهادة بالإقرار والشهادة بنفس الحق؛ فإن الإقرار ليس هو عين الحق، ولكنه طريق فيه، فتُسمع الشهادة به وإن وقعت الدعوى ببعضه. فليس في كلام «البحر» ما يمنع قول الوالد: «فللشاهد في مسألة الإقرار أن يشهد على إقراره بالألفين»؛ لأنه الذي جرى، وإن كان قد بَرِئ من بعضها أو لم يدع به، ولا يتعين ذلك، بل له أيضًا أن يشهد بألف؛ لأنَّ مَنْ أقر بألفين فقد أقر بألف. هذا هو الذي يظهر، وإن كان في قول الوالد ﵀: «إن المدعي لو سأله الشهادة بما ادعاه لم يلتفت إليه، بل يُعرِضُ عنه إلى أن يسأله سؤالا صحيحًا» = ما قد ينازع فيه، فليحمل على أنه لا يتعين على الشاهد أن يشهد بالإقرار بالقدر المدَّعَى، بل له أن يشهد بالألفين كما جرى. واعلم أنَّ (٢) قول الوالد أيضاً: «ليس الإقرار عين الحق، ولكنه طريق فيه»

стр. 400

= صحيح، وإن جوَّزنا لمن سمع الإقرار أن يشهد بالاستحقاق كما هو الصحيح؛ لأنَّ سماع الإقرار على هذا يغلب على ظنه الاستحقاق، فيسوغ له الشهادة به، فكما أنَّ الإقرار طريق إلى أن يُحكم (١) عليه بمقتضاه، كذلك هو طريق إلى أن يُشهد عليه بمقتضاه. العارية (٢) * مسألة (٣): وأنَّ المستعار المثليَّ يُضمن بمثله لا بقيمته، وإن قلنا بالصحيح، وهو اعتبار قيمة يوم التلف، وهو رأي ابن أبي عصرون، وقال الشيخ في «المهذب» وغيره من العراقيين: «إن اعتبرنا قيمة يوم التلف ضمن بالقيمة، وإن كان مثليًّا» (٤).

стр. 401

الغَصْبُ * مسألة: وأنه لو تلف المثلي المغصوب، وتراضيا على أخذ القيمة مع وجود المثل؛ جاز. *مسألة: وأنه إذا تعذر المثل فالواجب قيمة المثل، لا قيمة المغصوب كما صرح به في «التنبيه»؛ حيث قال: «ضَمِنَه بقيمة المثل» (١)، وحمل الشيخ الإمام كلام النووي عليه، فهو حينئذ مما اتفق فيه التصحيح، لكن كلام النووي غير صريح، والرافعي أرسل في المسألة حكاية وجهين عن أبي الطيب بن سلمة، ورجح ابن الرفعة أن الواجب قيمة المغصوب نفسه (٢)، وهو الذي يظهر لي ترجيحه خلافًا لوالدي، ولي على تدقيقه في تقرير ما رجحه كلام ذكرته في كتاب «الأشباه والنظائر». *مسألة: وأنه لو صار المتقوم مثليًّا، كمن غصب رطبا وقلنا: إنه متقوم، فصار تمرا وتلف عنده = فالأشبه قولُ البغوي: «إن كان الرطب أكثر قيمة لزمه قيمته، وإلا فالمثل» (٣). وقال العراقيون: «يضمن مثل التمر». واختار الغزالي أنه يتخيَّر بين مثل التمر وقيمة الرطب، ولو تغيَّر المتقوم إلى متقوم آخر ضمن أقصى القيم، أو المثلي إلى مثلي آخر كالسمسم يصير شيرجًا ضمن عند العراقيين والغزالي ما شاء المالك منهما (٤). وقال

стр. 402

البغوي (١): «إن كانت قيمة أحدهما أكثرَ غَرِمَ مثله، وإلا تخيَّر المالك». ولو صار المثلي متقوّما بأن غصب حنطة وطحنها، وتلف الدقيق عنده، أو جعله خبزا وأتلفه، وقلنا: لا مثل للدقيق والخبز = قال العراقيون: «يضمن المثل، وهو الحنطة». وقال البغوي: إن كان المتقوم أكثر قيمة غرمها، وإلا فالمثل. على حد قولهما في عكسه، وعن القاضي الحسين: «يَعْرَمُ أكثر القيم، وليس للمالك مطالبته بالمثل» (٢). عقد في شرح المنهاج فائدةً للفرعين الآخرين، وقبله بقليل عقد فرعًا للأولين، وقياس الشيخ الإمام في الكل المؤاخذة بالأغلظ الذي قال به البغوي في الثلاث، واتفقوا عليه في انتقال المتقوم متقوّما آخر. *مسألة وأنه لو غصب دارًا فنقضها وأتلف النقض؛ وجب عليه أجرة الدار من الغصب إلى الهدم، وأجرة العرصة من الغضب إلى الرد، وهذا قول الشيخ أبي حامد، ونقل الرافعي عنه وجهًا أنه يَعْرَمُ أجرة مثلها دارا إلى وقت الرد، وناقشه فيه الشيخ الإمام (٣). *مسألة: وأنه إذا قرَّب من الجامد نارًا، فأذابته وسال، أو نقله من الظل إلى الشمس حتى ذوبته؛ ضَمِنَ قطعا، وبه قطع الماوردي (٤). *مسألة وأنه لو وهب الغاصب المغصوب من الآكل عند تقديمه إليه،

стр. 403

ثم قال للمتهب: "أعلمتك أنه مغصوب، فلا رجوع لك علي بالغُرم بعد التغرير (١) "، فلا يسمع، خلافًا للماوردي، وهذا تفريع على أن الطاعم يرجع، والجديد الصحيح: قرار الضمان عليه (٢). الشفعة * مسألة (٣): وأنَّ الشفيع لا يحصل له الملك بالتملك والإشهاد، بل لا بد من الحكم أو الإقباض، أو أن يرضى بذمته. القراض * مسألة: وأنه لو قال: "تصرّف بالبيع والشراء" فهو قراض فاسد، لا إبضاع، وفي المسألة وجهان في «البحر» (٤). *مسألة: وأنه إذا قال للمديون: "اعزِلْ قدر حقي" فعزله، ثم قال: "قارضتك عليه" - وهذا لا يصح - فإذا اشترى في الذمة ونقده = فالشراء يقع له، وما جرى ليس بقراض فاسد ولا صحيح، وهو قول ابن سريج، والشيخ أبي حامد، ورجح البغوي أنه قراض فاسد، فله الأجرة والشراء للقراض، والربح لرب المال (٥).

стр. 404

المساقاة * مسألة (١): وأنَّ الحاكم إذا أذن للمالك أن يستأجر على عامل المساقاة، فإن قدر له الأجير والأجرة جاز، وإلا فلا، وفي المسألة وجهان، أطلقهما الأصحاب؛ أحدهما: المنع للتهمة، وأصحهما عند ابن الرفعة: الجواز (٢). مسألة: وأنَّ دعوى ربّ المال على العامل في المساقاة خيانةً مسموعةٌ، وفائدتها: أنه تُرفع يده. الإجارة * مسألة (٣): وأنه لا يصح استئجار مسلم ليبني كنيسةً ولو للصلاة، وفي المسألة وجهان في شرح ابن داود، قال الشيخ الإمام: «قالوا: إنَّ ظاهر النص الجواز مع الكراهة، قال (٤): «وعندي أنه يمتنع». وتقدَّم منه في باب الوقف» نحو ذلك فيما خالف فيه الشيخين كما قدمناه (٥). *مسألة: وأنه لو آجره الدار بأجرة معلومة، ثم أذن له في الصرف إلى العمارة، فاختلفا في قدر المصروف = فالقول قول المستأجر، وهو المذكور في «الشامل»، وبه قطع العبدري، واقتصر الشيخان على قولهما: «فقولان في أنَّ

стр. 405

القول قول من؟» (١). *مسألة: وأنه إذا باع العين المستأجرة، ثم فسخت الإجارة بعيب، أو عَرَضَ ما تنفسخ به؛ فمنفعة بقية المدة للمشتري، وفاقًا لابن الحداد، وخلافًا للشيخ أبي زيد وابن الرفعة (٢)، وكذا رجَّح الشيخ الإمام في المقابلة، وقدمناه فيما خالف فيه الشيخين؛ لأنهما خالفاه في المقابلة، وسكتا عن الترجيح في هذه المسألة (٣). *مسألة: وأنَّ الولي لو علَّم الصبي جميع القرآن، أو حرفة؛ فالأجرة في مال الصبي، خلافًا لمن قال: الحرفة والزائد على ما يؤدي به فرض الصلاة من القرآن على الولي. *مسألة: وأنه يجوز أن يستأجر الأشجار للاستغلال بها، ولنشر الثياب عليها، وربط الدواب، وبه جزم الشيخ أبو حامد، ونقله صاحب البحر عن أصحابنا (٤)، والرافعي اقتصر على قوله: «صحح بعضهم الصحة» (٥). *مسألة: وأنه لو استأجر على طحين صُبرة بصاع منها، فإن قال: «لتطحن ما وراء الصاع المجعول أجرةً»؛ صح، وبه صرَّح الماوردي والمتولي والبغوي (٦)، وإن قال: «لتطحن الكل» أو أطلق؛ بطل، وحيث يصح فلا تجب القسمة، وبه

стр. 406

صرح صاحب «التتمة» أيضاً، بل إن شاء طحن الكل والدقيق مشترك بينهما، والغزالي قال بعد اعترافه بأنه لا يدري قول الأصحاب في المسألة: «إنَّ الإجارة صحيحة، والقسمة واجبة» (١). *مسألة: وأنه إذا قال: "آجرتك الدار سنةً بأن تخط لي هذا السطر، أو تخيط لي هذا الثوب، أو تصرف لي هذه الدراهم في كذا؛ صح العقد والشرط، وهو قضية كلام الغزالي، وقيل: «يَفْسُدُ العقد»، وقيل: «يَفْسُدُ الشرط دون العقد» (٢). *مسألة (٣): وأنَّ الأرش الواجب في مسألة الخياط ما بين قيمته مقطوعاً قميصا ومقطوعاً قباء، وقال: «لا يتجه غيره؛ لأنَّ أصل القطع مأذون فيه، وصحح ابن أبي عصرون أن الواجب ما بين قيمته صحيحاً ومقطوعاً» (٤). الموات * مسألة: وأنه يثبت للذمي الارتفاق بالشوارع، كما يثبت للمسلم، وفي «المسألة وجهان»، وحاول شيخه ابن الرفعة إثبات وجه ثالث: أنه إنما يجوز بإذن الإمام إلحاقا بالموات على وجه أبي طاهر الزيادي فيه (٥). *مسألة: وأنَّ الذمي إذا أحيا في دار الإسلام على القول بمنعه، وهو المذهب، فنقل عين ماله، وبقي أثر عمارته، وأحيا المسلم تلك الأرض بغير إذن الإمام = جاز.

стр. 407

الوقف * مسألة: وأنه لو وقف على زيد، ثم عمرو، ثم بكر، ثم الفقراء، فمات عمرو قبل زيد، ثم مات زيد = رجع إلى بكر، وهو قول القاضي الحسين، وقال الماوردي: «لا حَقَّ لبكر؛ لأنه مرتب بعد عمرو» (١). *مسألة: وأنه إذا وقف شجرةً، أو بناءً لم يدخل المغرس والأساس، خلافًا للقفال (٢). *مسألة: وأنه لو قال: "وقفته ليُصرف من غلته كل شهر إلى فلان كذا" ولم يزد = صح، ويُحفظ الفاضل ويُرصد له (٣)؛ لاحتمال أن لا يُغلَّ في بعض الأشهر، فيُصرف له من ذلك الفاضل المُرصَد، وهذا على أن تكون "كل" منصوبة بـ "يُصرف "، وهو الظاهر، والرافعي أرسل في التصحيح حكاية وجهين. ثم - على الصحة - حكى في الفاضل أوجُها: الصرف لأقرب الناس إلى الواقف، والصرف إلى الفقراء، وبقاؤه ملكًا للواقف (٤)، وهذا الثالث لا يتجه؛ لأنه آيل إلى وقفه على نفسه، وأخشى أن يكون حصل وهم؛ فإنَّ القفال حكى الثلاثة في «الفتاوى» وقال: «الثالث: يبطل الوقف، ويُرَدُّ إلى الواقف». ولعلَّ هذا هو الظاهر في حكاية الوجه الثالث، ومن ثَمَّ في كلام الشيخ الإمام ما يُفهم

стр. 408

توقفه في إثبات الثالث على الصورة التي حكاها الرافعي. *مسألة: وأنه لو قال: "وقفته على جميع الناس"، أو: "جميع الخلق"؛ صح، وجزم الماوردي، وصاحب «البحر» بأنه لا يصح (١). ولو قال: "وقفته على كلّ شيءٍ" قال في «الحاوي» و «البحر»: «إنه لا يصح» (٢)، ونقله الشيخ الإمام عن «الحاوي» ولم يتكلّم عليه، إنما تكلّم على الصيغتين الأوليين، ورجح فيهما الصحة، وألحق بهما: "جميع المسلمين". فهو ذكر "جميع المسلمين" ولم يذكراها بالكلية (٣)، وما أظنهما يخالفان فيها، وهما ذكرا: "كل شيء"، وما أظنه يخالف؛ لأنه إفراط في التجهيل، وقد سكت عليها. ووقع في «شرح المنهاج» هنا ما نصه: «فرع: قال: "وقفته على من شئتُ "، أو: "فيما شئت"، فإن كان قد تعيَّن عند وقفه جاز وأُخِذَ ببيانه، وإلا كان باطلا، وهذا من الأصحاب يقتضي أنهم حملوا كلامه على الإقرار، أما إذا قصد الإنشاء فلا يؤخذ بالبيان، بل يسأل، فإن عين نُزِّل الوقف عليه، وإلا كان باطلا»، انتهى. وإن كان قد نقل المسألة من «الحاوي»، فعبارة «الحاوي»: «اعلم أن صحة الوقف ممن يجوز وقفه، ولما يجوز وقفه معتبرة بخمسة شروط، أحدها: أن يكون

стр. 409

معروف السُّبُلِ؛ ليُعرف مصرفه، فلو قال: "وقفته على ما شاء زيد"، كان باطلا، وهكذا لو قال: "وقفته فيما شاء الله"؛ كان باطلا؛ لأنه لا يعلم مشيئة الله فيه، فلو قال: "وقفته على من شئتُ "، أو: "فيما شئتُ"، فإن كان قد تعيَّن له ما شاءه ومن شاءه عند وقفه جاز وأُخِذ ببيانه، وإن لم يتعيَّن له لم يجز (١)». انتهى. وتابعه عليه صاحب «البحر»، إلا أنه لم يجزم به، ولا ذَكَرَ الأخذ بالبيان، فقال: «وقيل: صحة الوقف معتبرَةٌ بخمسة شروط، أحدها: أن يكون معروف السبل، فلو قال: "وقفته على ما شاء زيد"، أو: "على من شئتُ"، أو: "فيما شئتُ " ولم يعين؛ لا يجوز، وإن عين من شاءه عند وقفه جاز» (٢)، انتهى. فأما * مسألة: "في ما شاء الله" فقد تقدمت في الباب الأول، وأما "على من شئتُ فيما شئتُ، فالظاهر أنَّ مرادهما الإنشاء لا الإقرار، وقول صاحب «الحاوي»: «أُخِذَ ببيانه» كأنه لم يفرق بين البيان والتعيين، غير أنَّ موافقة الشيخ الإمام له في أنه يُسأل، فإن عَيَّنَ نُزِّل الوقف عليه؛ لا يظهر لي، بل الذي يظهر: أن الوقف باطل؛ لأنه لم يلاق معينا، وهو أولى بالبطلان من: "وقفته على أحدكما"، ولا قائل فيه بالصحة إلا احتمال عن الشيخ أبي محمد، وليس كالطلاق المبهم. ولعلَّ الحامل له على حمل الكلام على الإقرار: استشكال الصحة في الإنشاء، غير أنه لم يتمم استشكالها فيه، بل وافق على أنه إذا عين نُزِّل عليه، وأَقْصَى ما قد يوجه به أن يقال: إذا قال: "وقفته على من شئتُ"، ونوى بقلبه

стр. 410

زيداً، ثم عينه بلفظه؛ نُزِّل عليه. وهذا غير مسلم؛ فإنَّ نيَّة زيد دون التلفظ به لا تكفي في صيرورته موقوفًا عليه عند الوقف، والتلفظ به بعد لا يلتحق ويَقْلِبُ الباطل صحيحًا. واعلم أنَّ هذه المسألة غير مسألة الماوردي وغيره من (١) الأصحاب التي ذكرها الماوردي بعد ذلك؛ حيث قال في الكلام على قول الشافعي: «وإخراج من أخرج بصفة»: «إذا قال: "وقفتُ داري هذه على من شئتُ، على أن أُدخِلَ في الوقف من أشاء وأُخرج من أشاء" ففيه وجهان … » (٢)، إلى آخر كلامه، فإنَّ هذا فيما إذا عين الموقوف عليه، إلا أنه شَرَطَ أنه يخرجه ويبدل به من شاء. وكذلك قال الماوردي: «وإذا قيل بجوازه صح إن كان قد سمى فيه عند عقد الوقف قوما (٣)». قلت: والمذهب البطلان، وعلى الصحة إذا فعل ذلك مرَّةً فهل له الزيادة ما عاش أو لا مزيد (٤) على المرة؟ فيه وجهان، حكاهما الماوردي (٥)، وذكرهما الشيخ الإمام في الفروع المنثورة، ولم يذكرهما صاحب «البحر» عند ذكر المسألة مع كثرة استقصائه للحاوي.

стр. 411

*مسألة: وأنه لا يجوز الغرس في أرض الوقف ما لم ينص الواقف على أنه ينتفع بها جميع الانتفاعات، إلا أن تكون حال الوقف مغروسة، ثم زال الغراس، فأراد إعادته، وكذلك البناء، ولا يبني ما كان مغروسا، ولا يغرس ما كان مبنيا. والضابط: أنه لا يغير الوقف عن هيئته التي كان عليها عندما أصدره الواقف، والقاضي الحسين أطلق احتمال وجهين في جواز غراس أرض الوقف، ويوافق ما رجحه الشيخ الإمام كلام ابن الرفعة (١). وقد ذكر قول الرافعي وغيره: «لو انهدم البناء، أو انقلعت الأشجار استغلت الأرض بالإجارة ممن يزرعها، ويُضرِبُ فيها خيامه، وتُبنى وتُغرس من غلتها»، فإنه - أعني: ابن الرفعة - قال: «ولا يجوز أن يؤجر ليبني فيها غير ما كانت عليه». ومن هنا يُعلم تحريم تحكير الأرض الموقوفة إذا انهدم البناء عليها ليبني المستحكرُ ما شاء (٢). *مسألة: وأنَّ الإمام إذا وقف أرضًا من بيت المال على معين من الناس؛ لم يصح، وهو المحكي عن الشيخ أبي حامد، قال ابن الرفعة: «والمحكي عن المذهب: الصحة، وبه أفتى ابن أبي عصرون»، وأنا أريتُ الشيخ الإمام من خط ابن الصلاح فتيا أسعد الميهني (٣)، وولد الشاشي، ومن معهما، فألحقه في

стр. 412

«شرح المنهاج» (١). وقيد المنع بالمعين؛ لأنه يوافق على جواز الوقف على العموم كما فعل عمر ﵁ في أرض السواد. *مسألة: وأنَّ الموقوف عليه لا يتناول من أجرة الوقف عن مدة يَبعُد بقاؤه فيها، ولكن عن مدة لا يَبعُد بقاؤه إن لم يكن الاستحقاق مشروطًا بشرط آخر، وإن كان مشروطاً بشرط آخر يوقف عليه. وقال ابن الرفعة: «إنه تُصرف عليه الأجرة، وإن احتمل عدم بقائه. وقال: نبَّهتُ على ذلك لأنَّ بعض مَنْ أدركتُ من القضاة الفضلاء (٢) كان يمنعه من التصرف في كلّ الأجرة، ولا يصرفها له جملةً؛ خشية انتقالها لغيره»، وأطال فيه في «باب الإجارة» (٣). والمسألة في «فتاوى القفال»؛ فإنَّ فيها: «لو وقف على أولاده، ثم نسلهم، ثم الفقراء، فأُوجِرَ عشر سنين مثلا، وأخذ الأجرة = لم يجز للقيم أن يعجل لهم الأجرة، وإنما يعطي بقدر ما مضى من الزمان، فإنْ دَفَعَ أكثر فمات الآخِذُ فعلى القيم الضمان» (٤)، وهذا يؤيد ما فعله بعض القضاة، وينازع ابن الرفعة والوالد، إلا أن يُرَدَّ إلى ما قاله الوالد بتأويل. *مسألة: وأن للورع مراتب؛ أدناها الإسلام، وأعلاها: ما دلّ عليه

стр. 413

حديث «دع ما يريبك» (١)، وفيما بينهما مراتب لا تختفي ولا تنحصر، سمعتُ ذلك منه، وبينه وبين الشيخ شمس الدين ابن عدلان في المسألة مناظرة ذكرتها في «الطبقات الكبرى» في «ترجمة ابن عدلان»، وأظنه كان يحكي ما نصره نصاً (٢). وللشيخ عز الدين ابن عبد السلام في أواخر «شجرة المعارف» كلام على الورع لا مزيد على (٣) حسنه، وذكر فيه: «أنَّ الاحتياط - وهو ارتكاب كلّ ما قيل بوجوبه، واجتناب كلّ ما قيل بتحريمه، وارتكاب كل مصلحة موهومة، واجتناب كل مفسدة موهومة - أقصى مراتب الورع». فجعل للورع مراتب، كما فعل الشيخ الإمام. فإن قلت: قد قال الرافعي في صفة الأئمة: «إنه ليس المراد من الورع مجرد العدالة، بل ما يزيد عليه من العفة، وحسن السيرة» (٤). قلت: ذاك الورع المشار إليه في ذلك الباب، لا مطلق الورع. * مسألة: وأنَّ وقف المشاع مسجدًا صحيح، ويحرم المكث فيه، وبهما أفتى ابن الصلاح (٥)، غير أنه أوجب قسمته بعد ذلك، وخالفه الشيخ الإمامُ وقال: «إنه مخالف للمذهب المعروف، وإنَّ القسمة لا تجوز»، وذكر فتيا القاضي

стр. 414

البارزي بجواز المكث، فقال: «إنها غير صحيحة، والخلاف في مسألة الورع، وفي وقف المشاع مسجدا ليس وجوها مصرحاً بها بين الأصحاب، فما من حقها أن تُذكر في باب الخلاف المرسل، غير أنا ذكرناهما لخروج الخلاف فيها من كلام الأئمة وإن لم يكن مصرّحًا به، وللتنبيه على ما هو من جنسه مما تردد فيه نظر حذاق المتأخرين، ومثله كثير يخرج عن حد الحصر (١). *مسألة: وأنَّ من شغل مسجدًا بمتاعه، ومنع الناس من الصلاة فيه؛ وجبت عليه الأجرة، وصرفت في مصالح المسجد، وهو ما حكاه ابن الرفعة عن التتمة» (٢)، وحكى أنَّ القاضي ابن رزين قال: «تُصرف لمصالح المسلمين»، هذا كلامه في باب الوقف، وقال الشيخ الإمام في «باب الغصب»: «لم أر في (التتمة) إلا أنها لمصالح المسلمين». قلت: وهذا يوافق قول ابن رزين، وكل هذا بناءً على وجوب أصل الأجرة بشَغل المسجد، وهو المجزوم به في الروضة، وحكى القاضي الحسين في باب إحياء الموات وجها أنها لا تجب (٣)، قال: «إذ لا تجوز إجارته، ولا قيمة لمنفعته».

стр. 415

الهبة * مسألة: وأنَّ الهبة للجهة العامة - كاللقطاء والمساكين - صحيحة، ذكره في بابي «الوقف» و «اللقيط»، وهو ما ذكره الغزالي في «الوجيز» (١)، وقال الرافعي في «الشرح الكبير» (٢): «إنه يُستبعد»، وتردَّد فيه في «الشرح الصغير»، وحذفه النووي من «الروضة» وأصاب؛ فإنَّ المسألة إنما وقعت في «الوجيز» استطرادًا غير مقصودة لنفسها، ولا هي في «الوسيط»، ولم يتكلّم فيها عن قصد إلا الرافعي؛ فإنه وجه بحثه إليها، ثم حاول ابن الرفعة التصحيح كما اختاره الوالد، غير أنه أوماً إلى أنَّ منقول المذهب خلافه، وهو منازع في ذلك. الوصية * مسألة: وأنه إذا أوصى إلى الله تعالى وإلى زيد، كانت وصية (٣) إلى زيد يستقل بها، والرافعي قال (٤): «القياس: مجيء وجهين، أحدهما: هذا، والثاني: أنَّ الوصاية إلى زيد وإلى الحاكم». قال الشيخ الإمام: «والصواب الأول، سواء عطف بالواو، أو بـ "ثم"، وذكر الله في هذا ليس إلا للبركة، ولأنه المستعان في كل شيء، وليس كما إذا أوصى الله ولزيد؛ فإنَّ ذلك يُحتمل أن يُقصد فيه سبيل الله، فيترجح فيه أن يكون لزيد النصف فقط» (٥).

стр. 416

*مسألة: وأنه إذا قال: "أوصيتُ إليكَ في أمر أطفالي"، أو: "أقمتك مقامي في أمر أطفالي"، كان له الحفظ والتصرف، وهو ما ذكر الرافعي أن صاحب «التتمة» قال: «إنه المذهب، وجعله في متن الروضة» الأصح لذلك (١). فالأولى أن لا يُدخل هذا في هذا الباب؛ فإنه والنووي متوافقان فيه، ولكني نظمته في الحبس ولا كتاب عندي، فتخبط عليَّ الحفظ. *مسألة: وأنه إذا أوصى ببناء كنيسة للمارة لا يصح، وتقدم في «الوقف» في باب التنازع، ولم يذكراها في «الوصية». *مسألة: وأنه إذا أوصى بمنفعة عبد الإنسان وبرقبته لآخر، فقبل الموصى له بالرقبة، ورد الموصى له بالمنفعة = عادت للورثة لا إلى الموصى له بالرقبة، وهو ما رجحه شيخه ابن الرفعة، وجزم به فيما إذا نص على أنَّ الرقبة مسلوبة المنفعة، وقال عند الإطلاق: «هو محتمل» (٢). *مسألة: وأنه إذا قال: "إن كان في بطنِكِ ذكر فقد أوصيت له بألف، وإن كان أنثى فبمئة"، فولدت ذكرين وأنثيين اشترك الذكران في الألف، والأنثيان في المئة، وقيل: «للورثة دفع الألف إلى أيّ الذكرين شاؤوا»، والمئة إلى أي الجاريتين شاؤوا. وقيل: «يوقف الألف بين الذكرين، والمئة بين الجاريتين؛ حتى يقع الصلح بعد البلوغ»، والأوجه عن ابن سريج ﵀ (٣).

стр. 417

*مسألة: وأنه لو قال: "ضع ثلث مالي في نفسك"، جاز له أخذه لنفسه، خلافًا للجرجاني صاحب «المعاياة». *مسألة: وأنه لو أوصى لرجل بشيء، وقال: "سميتُ الرجلَ لوصيتي"، فاختلفا في التعيين، وحلف كل منهما مع شاهده، أي (١): الذي عينه، فالقول بأنَّ المال يُقسم بينهما (٢) مشكل، وهي مسألة القاضي أبي سعد التي حكى فيها في «شرح أدب القضاء» لأبي عاصم قولين، أحدهما: القسمة، والثاني: أن الوصية تبطل، وقد حكاهما الرافعي في آخر «باب الوصية» مجرَّدَين عن ترجيح، وتبعه النووي (٣). *مسألة: وأنه إذا أوصى له بإبل لزمه قبول الفصيل وابن المخاض، خلافًا لصاحب «التتمة» (٤). *مسألة: وأنه إذا أوصى لمن ينتفع بالكلاب بكلب مما يُوصى به، لم يلزم الوارث أن يعطيه الكلب الذي يختص بالانتفاع به، بل له أن يعطيه أي الكلاب شاء، قال: «هذا هو الأوفق لإطلاق الشافعي والأصحاب» (٥). *مسألة: وأنه في هذه الصورة لو لم يكن الموصى له صاحب حرث ولا صيد ولا ماشية؛ صحت الوصية.

стр. 418

قال: «هذا هو الأوفق لكلام الشافعي والأصحاب (١)، بل وإطلاق جميع الأمة، فلا مانع من (٢) أن يوصى بالشيء لمن لا ينتفع بنفسه به» (٣). *مسألة: وأنه إذا أوصى بدار فانهدمت في حياة الموصي مع بقاء الاسم؛ لم تبق الوصية في النقض المنفصل، بخلاف المتصل، وهو ما عزاه ابن الرفعة إلى النص والجمهور (٤). *مسألة: وأنَّ الأضحية عن الغير بغير إذنه لا تصح (٥)، وهو ما في «التهذيب» (٦)، قال الشيخ الإمام: «إلا في صورة واحدة، وهي تضحية الإمام عن المسلمين من بيت المال، فتلك تجوز، وتُستثنى عن الأضحية عن الغير بلا إذن». قلت: وقولي في «المنظومة» في هذه الصورة: «إِذَا مَا يُفْعِمُ (٧)» قيد لا بُدَّ منه، فلا يضحي (٨) إلا إذا امتلأ بيت المال، أما وبالناس (٩) ضرورة أحق من الأضحية فلا.

стр. 419

الولاء * مسألة (١): وأنَّ الولاء يثبت في حياة المعتق لعصبته، وهو قول ابن المنذر، وقال القاضي الحسين: لا يثبت إلا بعده، ويتخرج عليهما لو مات المعتق والمعتق حي كافر، وله ابن مسلم؛ فميراثه - على الأول - للابن المسلم، وبه صرح ابن المنذر، وهو قضيَّةُ كلام الرافعي والنووي، وعلى الثاني: لبيت المال، وبه صرّح القاضي الحسين، ويمكن أن يقال: إنَّ هذا مما توافق فيه المشايخ الثلاثة؛ لأنه قضيَّة كلامهما (٢). *مسألة: وأنه إذا قال: "أعطوا زيدًا في كلّ سنة درهما "، وقلنا: بأنه يصح في كل السنين، وهو ما صححه الشيخ الإمام، ولم يكن هناك وصيَّةٌ أخرى = وقف تصرُّف الوارث فيما بقي بعد الدرهم الأول، وقيل: يَنفُذُ تصرفه؛ لأنَّا لا نعلم استحقاق الموصى له في المستقبل. والوجهان أرسلهما المشايخ الثلاثة - الرافعي، والنووي، والوالد - في «باب الوصية» من غير ترجيح (٣)، لكن رجح الوالد الأول في أواخر «باب الوقف»، وهناك حرّر المسألة، كما أنه حرّر مسألة "أعطوه كل سنة دينارًا" في «الفتاوى»، وصحح فيها الصحة، ولم يحررها في «شرح المنهاج»، بل جرئ على ما في «الرافعي»، والمعتمد عنه في هذه المسألة ما في «الفتاوى» (٤).

стр. 420

الوديعة * مسألة (١): وأنَّ من نوى عند أخذ الوديعة الخيانة فيها ضمنها، وهذا هو الذي رجحه الرافعي في باب الوديعة حيث قال: «قد حكيتُ في «اللقطة» أنه على وجهين»، قال: «والظاهر أنه يضمن». وذكر الوجهين أيضا في «باب اللقطة»، لكن مجردين عن ترجيح، وحذف النووي المسألة من «الروضة» في البابين؛ لأنها وقعت في باب اللقطة في غير مظنتها، فكأنه أحب تأخيرها إلى مظنتها، ثم في مظنتها باب «الوديعة» لم يَرَها إلا في أثناء الاستدلال، فأغفلها (٢). النكاح وأنه لو قال أبو الطفلة لأبي الطفل: "زوَّجت ابنتي من ابنك"، فقال: "قبلت التزويج"؛ صح النكاح، ذكره في الفتاوى وغيرها، وحكى الخلاف فيه قولين (٣). *مسألة: وأنَّ عداوة المجبر للمجبرة لا تمنع ولاية الإجبار؛ لأن العداوة

стр. 421

لا تمنعه (١) أن يحتاط لنسبه، بخلاف ولاية المال، وهو احتمال لابن كج، به جزم الماوردي في «الحاوي»، والروياني في «البحر»، وقال ابن الرفعة: إنه المذهب (٢)، وذهب ابن المرزبان إلى خلافه، و به جزم ابن كج قبل أن يذكر احتماله (٣). *مسألة: وأنه لو اختلطت محرَّمة بألفين من النساء الأجنبيات حرم الكل؛ لأن عدد الألفين ونحوه يمكن وال حصرهم في صعيد واحد، ونكاح غيرهنَّ والحالة هذه - متيسر جدًّا، وإنما الحِلُّ إذا بلغوا مبلغا لا يحصرهم وال عادةً ونحوه، ولعل هذا ليس مخالفةً لمن مثل غير المحصور بالألفين؛ لأنَّ لفظ الألفين إنما وقع تمثيلا، غير أنَّ الغزالي مثل به لما يُتَحقَّق الحِلُّ فيه، فمِن ثَمَّ جاء الخلاف (٤) *مسألة: وأنَّ مَنْ وكل ابنته في أن توكل رجلا بتزويجها، ولم يقل: "عن نفسك"، بل قال: "عني"، أو أطلق؛ لم يصح، وهو قول المزني والقاضي الحسين، ورجح صاحب «الشامل»، والمتولي الصحة (٥). *مسألة: وأنَّ المرأة إذا حضرت إلى الحاكم، وذكرت أنها لا ولي لها، وسألته أن يزوجها، فإن خشي إن لم يبادر إلى تزويجها فوات مصلحة بادر، وإلا توقف حتى يبحث عن حالها، وهو تفصيل بين خلافين مطلقين بين الشيخ أبي

стр. 422

الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر (١)، جعله (٢) الرافعي وجهين لأهل الأصول (٣). ولم أرَ مَنْ صرَّح بلفظ الوجهين سواه، ولا يتجه؛ فإنَّ القاضي أبا بكر ليس من أصحابنا بالكلية، إنما هو مالكي المذهب، كذا نص عليه ابن السمعاني في «القواطع»، وهي فائدة؛ فإن حاله خفي على كثير من الناس، حتى قيل: كل طائفة تدعيه. والرافعي إنما أخذ المسألة من «النهاية»، وليس فيها تصريح بوجهين. نعم، في المسألة خلافٌ في «طبقات العبادي»، قال الإصطخري وأبو زيد: تُجابُ، وهو قول الأشعري، ونصّ الشافعي في «الإملاء» على أنها لا تجاب حتى يشهد عدلان، وقد نقله الأصحاب. وفي كلام إمام الحرمين (٤) عند الكلام في الإغماء ما يؤيد تفصيل الشيخ الإمام ﵀، حيث قال: «إنَّ القاضي يقول: ليس لكِ إِرْهاقِي إلى هذا الحد» (٥). أما إذا قالت: "طلقني ثلاثًا " أو مات، فاقتصر ابن الرفعة على نقله عن الدبيلي قبول قولها بلا يمين، وفي «فتاوى البغوي» عن القاضي: لا يزوج إلا ببينة، لكن فرضه فيما إذا عينت الزوج، فحمل الشيخ الإمام الأول على المجهول، والثاني على المعين، ورفع الخلاف.

стр. 423

*مسألة: وأنه إذا ادعى كلُّ واحدٍ من الزوجين اللذين يدعيان نكاحها أنَّ نكاحه السابق، وأنَّ المرأة تعرف ذلك، وحلفت كما ينبغي = تحالف الرجلان حينئذ، وهو قول الإمام، وبه قطع الغزالي، وقال بعض الأصحاب: لا تحالف بين الزوجين (١). *مسألة: وأنه يجوز للولي تزويج السفيه بمن يستغرق مهرها ماله إذا دعت حاجته إليه، أو رآه مصلحةً، وقلنا: إنه يزوجه بالمصلحة، وإلا فلا يجوز، والرافعي أطلق في جواز نكاحه شريفةً وجهين (٢). *مسألة: وأن ناسخ التوراة القرآن لا الإنجيل، وللشافعي قول آخر: إنه الإنجيل، والقرآن ينسخ الإنجيل، قال الشافعي ﵁ (٣): «كل شريعة نسخت التي قبلها، فشريعة عيسى نسخت شريعة موسى ﵇، وشريعة محمد ﷺ نسخت سائر الشرائع». وهذا ما رجّحه صاحبا «الحاوي» و «البحر»، وتبعهما ابن الرفعة (٤). وذكر أنَّ في تصحيح الشيخين منع نكاح المتهود بين نبينا ﷺ وعيسى ﵇، وقول الرافعي: «ومن قال بالثاني يزعم أنا لا ندري كيف نسخ شريعة عيسى الشريعة موسى» (٥) = إرشادا إليه.

стр. 424

*مسألة: وعلى ما رجحه الوالد: لا يمتنع نكاحهنَّ على المسلم. فإن قلت: أيلزم الشيخ الإمام ما نقله صاحب «البحر» عن المزني ﵀: «أنَّ من دخل في اليهودية بعد بعثة عيسى ﵇ يُقَر» (١)، وهذا مما غلط الأصحاب فيه المزني وقالوا: لا يُقر؟ قلت: لا يلزمه قول المزني؛ لأنَّ عيسى ﵇ جاء بإحلال بعض ما حُرّم، وإن كان ما جاء به منسوبًا إلى شريعة موسى، كما أنه منسوب إلى شريعته هو، كما حققه الوالد ﵀ في «الشرح»، فإذا عانده واحد فيما جاء به وصد عنه؛ لم يكن على اليهودية؛ لأنَّ من اليهودية اتباع عيسى فيما جاء به من نسخ وغيره. فإن قلت: ومن اليهودية والنصرانية وكلّ ملَّةٍ: اتباع المصطفى ﷺ ؛ إذ ذلك من موجب كل شريعة، فمَن صَدَّ عنه فهو كافر بموسى وعيسى ﵉، فينبغي أن لا يُقَرَّ وإن كان متأصلا في يهوديته أو نصرانيته، إسرائيلا عريق النسب. قلت: لا شك فيما ذكرتَ مِنْ أنَّ هذا كافر بموسى وعيسى ﵉، وما على وجه الأرض اليوم يهودي أو نصراني إلا وهو كافر بهما؛ لكفره برسول الله ﷺ الذي من موجب شرعهما الإيمان به، غير أنَّ هذ النوع من الكفر لا يؤثر في تحريم المناكحة، كما نبه عليه الإمام في (النهاية)، ولي كلام طويل على نكاح الكتابيات ذكرته في كتابي «منع الموانع».

стр. 425

الصداق * مسألة: وأنَّ المهر في مقابلة الحِلَّ المستفاد بالعقد، لا في مقابلة الوطأة الأولى، ولا جميع الوطآت، كما هما وجهان. *مسألة: وأنه لو قال: "علمها بحرف نافع"، فعلمها بغيره، رجعت على الزوج بقدر التفاوت بين أجرة التعليم بالحرف المشروط والحرف الآخر، فإن لم يكن هناك تفاوت لم ترجع بشيء، وفي المسألة قول آخر: أنها ترجع بأجرة المثل. الخلع * مسألة: وأنه لو قال: "إن أبرأتني من صداقكِ فأنتِ طالق"، فأبرأته وهما يعلمانه = وقع بائنا، وبه أفتى القاضي وغيره، وهي المسألة التي أنكر ابن أبي الدم كونها منقولةً، وفيها آراء للأصحاب، هذا أرجحها (١). *مسألة: أما إذا كان مجهولاً، فلا يقع الطلاق أصلا؛ لأن البراءة لم تحصل، هذا هو الصواب، وبه أفتى الشيخ الإمام فيمن قال لزوجته: "إن أبرأتني مما تستحق النساء على الرجال فأنتِ طالق"، فقالت: "أبرأتك". والصورتان فيما إذا كان الالتماس من جهته. *مسألة: أما إذا قالت: "إن طلقتني فأنت بريء"، أو "فقد أبرأتك من صداقي"، ففي أوائل الباب الرابع من «الخلع» في «الرافعي» أنه يقع رجعيا،
следующие страницы →