لا تمنعه (١) أن يحتاط لنسبه، بخلاف ولاية المال، وهو احتمال لابن كج، به جزم الماوردي في «الحاوي»، والروياني في «البحر»، وقال ابن الرفعة: إنه المذهب (٢)، وذهب ابن المرزبان إلى خلافه، و به جزم ابن كج قبل أن يذكر احتماله (٣).
*مسألة: وأنه لو اختلطت محرَّمة بألفين من النساء الأجنبيات حرم الكل؛ لأن عدد الألفين ونحوه يمكن وال حصرهم في صعيد واحد، ونكاح غيرهنَّ والحالة هذه - متيسر جدًّا، وإنما الحِلُّ إذا بلغوا مبلغا لا يحصرهم وال عادةً ونحوه، ولعل هذا ليس مخالفةً لمن مثل غير المحصور بالألفين؛ لأنَّ لفظ الألفين إنما وقع تمثيلا، غير أنَّ الغزالي مثل به لما يُتَحقَّق الحِلُّ فيه، فمِن ثَمَّ جاء الخلاف (٤)
*مسألة: وأنَّ مَنْ وكل ابنته في أن توكل رجلا بتزويجها، ولم يقل: "عن نفسك"، بل قال: "عني"، أو أطلق؛ لم يصح، وهو قول المزني والقاضي الحسين، ورجح صاحب «الشامل»، والمتولي الصحة (٥).
*مسألة: وأنَّ المرأة إذا حضرت إلى الحاكم، وذكرت أنها لا ولي لها، وسألته أن يزوجها، فإن خشي إن لم يبادر إلى تزويجها فوات مصلحة بادر، وإلا توقف حتى يبحث عن حالها، وهو تفصيل بين خلافين مطلقين بين الشيخ أبي
стр. 422
الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر (١)، جعله (٢) الرافعي وجهين لأهل الأصول (٣).
ولم أرَ مَنْ صرَّح بلفظ الوجهين سواه، ولا يتجه؛ فإنَّ القاضي أبا بكر ليس من أصحابنا بالكلية، إنما هو مالكي المذهب، كذا نص عليه ابن السمعاني في «القواطع»، وهي فائدة؛ فإن حاله خفي على كثير من الناس، حتى قيل: كل طائفة تدعيه. والرافعي إنما أخذ المسألة من «النهاية»، وليس فيها تصريح بوجهين.
نعم، في المسألة خلافٌ في «طبقات العبادي»، قال الإصطخري وأبو زيد: تُجابُ، وهو قول الأشعري، ونصّ الشافعي في «الإملاء» على أنها لا تجاب حتى يشهد عدلان، وقد نقله الأصحاب.
وفي كلام إمام الحرمين (٤) عند الكلام في الإغماء ما يؤيد تفصيل الشيخ الإمام ﵀، حيث قال: «إنَّ القاضي يقول: ليس لكِ إِرْهاقِي إلى هذا الحد» (٥).
أما إذا قالت: "طلقني ثلاثًا " أو مات، فاقتصر ابن الرفعة على نقله عن الدبيلي قبول قولها بلا يمين، وفي «فتاوى البغوي» عن القاضي: لا يزوج إلا ببينة، لكن فرضه فيما إذا عينت الزوج، فحمل الشيخ الإمام الأول على المجهول، والثاني على المعين، ورفع الخلاف.
стр. 423
*مسألة: وأنه إذا ادعى كلُّ واحدٍ من الزوجين اللذين يدعيان نكاحها أنَّ نكاحه السابق، وأنَّ المرأة تعرف ذلك، وحلفت كما ينبغي = تحالف الرجلان حينئذ، وهو قول الإمام، وبه قطع الغزالي، وقال بعض الأصحاب: لا تحالف بين الزوجين (١).
*مسألة: وأنه يجوز للولي تزويج السفيه بمن يستغرق مهرها ماله إذا دعت حاجته إليه، أو رآه مصلحةً، وقلنا: إنه يزوجه بالمصلحة، وإلا فلا يجوز، والرافعي أطلق في جواز نكاحه شريفةً وجهين (٢).
*مسألة: وأن ناسخ التوراة القرآن لا الإنجيل، وللشافعي قول آخر: إنه الإنجيل، والقرآن ينسخ الإنجيل، قال الشافعي ﵁ (٣): «كل شريعة نسخت التي قبلها، فشريعة عيسى نسخت شريعة موسى ﵇، وشريعة محمد ﷺ نسخت سائر الشرائع». وهذا ما رجّحه صاحبا «الحاوي» و «البحر»، وتبعهما ابن الرفعة (٤).
وذكر أنَّ في تصحيح الشيخين منع نكاح المتهود بين نبينا ﷺ وعيسى ﵇، وقول الرافعي: «ومن قال بالثاني يزعم أنا لا ندري كيف نسخ شريعة عيسى الشريعة موسى» (٥) = إرشادا إليه.
стр. 424
*مسألة: وعلى ما رجحه الوالد: لا يمتنع نكاحهنَّ على المسلم.
فإن قلت: أيلزم الشيخ الإمام ما نقله صاحب «البحر» عن المزني ﵀: «أنَّ من دخل في اليهودية بعد بعثة عيسى ﵇ يُقَر» (١)، وهذا مما غلط الأصحاب فيه المزني وقالوا: لا يُقر؟
قلت: لا يلزمه قول المزني؛ لأنَّ عيسى ﵇ جاء بإحلال بعض ما حُرّم، وإن كان ما جاء به منسوبًا إلى شريعة موسى، كما أنه منسوب إلى شريعته هو، كما حققه الوالد ﵀ في «الشرح»، فإذا عانده واحد فيما جاء به وصد عنه؛ لم يكن على اليهودية؛ لأنَّ من اليهودية اتباع عيسى فيما جاء به من نسخ وغيره.
فإن قلت: ومن اليهودية والنصرانية وكلّ ملَّةٍ: اتباع المصطفى ﷺ ؛ إذ ذلك من موجب كل شريعة، فمَن صَدَّ عنه فهو كافر بموسى وعيسى ﵉، فينبغي أن لا يُقَرَّ وإن كان متأصلا في يهوديته أو نصرانيته، إسرائيلا عريق النسب.
قلت: لا شك فيما ذكرتَ مِنْ أنَّ هذا كافر بموسى وعيسى ﵉، وما على وجه الأرض اليوم يهودي أو نصراني إلا وهو كافر بهما؛ لكفره برسول الله ﷺ الذي من موجب شرعهما الإيمان به، غير أنَّ هذ النوع من الكفر لا يؤثر في تحريم المناكحة، كما نبه عليه الإمام في (النهاية)، ولي كلام طويل على نكاح الكتابيات ذكرته في كتابي «منع الموانع».
стр. 425
الصداق
* مسألة: وأنَّ المهر في مقابلة الحِلَّ المستفاد بالعقد، لا في مقابلة الوطأة الأولى، ولا جميع الوطآت، كما هما وجهان.
*مسألة: وأنه لو قال: "علمها بحرف نافع"، فعلمها بغيره، رجعت على الزوج بقدر التفاوت بين أجرة التعليم بالحرف المشروط والحرف الآخر، فإن لم يكن هناك تفاوت لم ترجع بشيء، وفي المسألة قول آخر: أنها ترجع بأجرة المثل.
الخلع
* مسألة: وأنه لو قال: "إن أبرأتني من صداقكِ فأنتِ طالق"، فأبرأته وهما يعلمانه = وقع بائنا، وبه أفتى القاضي وغيره، وهي المسألة التي أنكر ابن أبي الدم كونها منقولةً، وفيها آراء للأصحاب، هذا أرجحها (١).
*مسألة: أما إذا كان مجهولاً، فلا يقع الطلاق أصلا؛ لأن البراءة لم تحصل، هذا هو الصواب، وبه أفتى الشيخ الإمام فيمن قال لزوجته: "إن أبرأتني مما تستحق النساء على الرجال فأنتِ طالق"، فقالت: "أبرأتك". والصورتان فيما إذا كان الالتماس من جهته.
*مسألة: أما إذا قالت: "إن طلقتني فأنت بريء"، أو "فقد أبرأتك من صداقي"، ففي أوائل الباب الرابع من «الخلع» في «الرافعي» أنه يقع رجعيا،
стр. 426
وللرافعي فيه بحثٌ ذكره النووي في «الروضة»: يتضمن وقوعه بائناً، ويؤيده ما نقله الرافعي أيضاً في أواخر «الخلع» عن «فتاوى القاضي الحسين» أنها لو قالت: "إن طلقتني أبرأتك عن الصداق" أو: "فأنت منه بريء"، فطلق؛ لا يحصل الإبراء؛ لأنَّ تعليق الإبراء لا يصح، ولكن عليها مهرُ المثل؛ لأنه لم يطلق مجاناً بل بالإبراء، وأيده الشيخ الإمام بمنقولات أُخر، ثم قال: «ليكن المعتمد أنه بائن» (١).
فإن قلت: فهذه مخالفة للشيخين؛ لنقلهما أوائل الباب أنه رجعي، فلم لا جعلتها في «باب التنازع»؟
قلت: بحث الرافعي مع نقله أخيرًا، وموافقة النووي له في الموضعين = أوجب التوقف في عزو ترجيح إليهما في المسألة، وفي «التتمة» قبل «باب الصلح» ما يقتضي صحة تعليق الإبراء فيما نحن فيه وإن قلنا: تعليق الإبراء لا يصح.
الطلاق
* مسألة (٢): وأنَّ ذا الزوجة الواحدة إذا قال: "كلُّ امرأة لي غيرك طالق" لا يقع عليه الطلاق (٣)، ذكره في «باب الإقرار»، وسأذكره مبسوطاً منقولاً، قال: أما لو قدَّم "طالقاً" على "غيرك" فيقع (٤).
стр. 427
الظهار
* مسألة: وأنَّ المظاهر لو عجز عن كمال العتق وعن الصيام، ولكن قدر على عتق بعض الرقبة = لم يُعتق (١)، وكان كالعاجز عن كلّها، ذكره في تفسير سورة المجادلة، ومن الأصحاب من قال: «يُخرج الميسور»، ثم اختلفوا أيبرأ أم يبقى الفاضل في ذمته (٢)؟
العاقلة
* مسألة: وأنا إذا ضربنا في العاقلة على المعتق شيئًا، فبقي شيء؛ ضربناه على عصباته في حياته، وسيأتي ما في هذه المسألة إن شاء الله.
الردة
* مسألة (٣): وأنَّ المرتدَّ إذا قال بعد تحقق القتل: «عرضت لي شبهة فأزيلوها»؛ ناظرناه وأزحنا شبهته، ما لم يظهر منه التسويف والمماطلة، وهذا هو الذي نقله صاحب «البحر» عن نص الشافعي.
قال في «البحر»: «إنَّ الشافعي قال في المرتدين: إن ذكروا شُبهة دخلت عليهم فارقوا لها الإسلام دُعُوا إلى المناظرة عليها، ونظر فيها إمام المسلمين، فإن كان عالما بالدين والحجج ناظرهم على شبهتهم حتى يزيلها بالحجج والبراهين،
стр. 428
وبين لهم أن دين الله الإسلام، وأن أهله من أهل الحق، فإن لم يكن الإمام موضعاً لمناظرتهم اختار من علماء المسلمين من يناظرهم عليها حتى يبين لهم بطلانها، فإن أبوا إلا المقام على الردة قيل لهم: قد وجب على البالغين منكم القتل، فاستسلموا له، فإن امتنعوا قاتلهم حتى يُسلموا أو يأتي القتل عليهم» (١)، انتهى.
وهو ما صححه الشيخ قطب الدين السنباطي (٢)، وتبعه تلميذه صاحب «التنجيز»، ثم قال صاحب «البحر»: «وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يناظر؟ فيه وجهان، أحدهما يناظر؛ لأنه الإنصاف، والثاني: لا يناظر؛ لأنَّ الحق هو الإسلام، فلا معنى لحجته علينا، وهذا خلاف النص» (٣)، انتهى.
ومن أجله قال الرافعي: «إنَّ الروياني حكى الأول عن النص، واستبعد الخلاف فيه (٤). ورجح الغزالي الوجه الثاني (٥)، وعليه جرى صاحب التمييز» القاضي شرف الدين ابن البارزي، وهو وجه بعيد جدا، فكيف تُزهق روحاً على الكفر، وترديها في النار مع التمكن من عودها إلى الإسلام بإزالة الشبهة، إنَّ هذا لبعيد عن الشريعة، ولعل محله ما إذا ظهر منه التسويف.
стр. 429
غير أن الوالد ﵀ قال في كتاب «السيف المسلول» (١): «محلُّ الخلاف إذا لم يظهر التسويف، فإن ظهر لم نناظره قطعا».
وأقول: ينبغي أن يكون محلُّ الخلاف إذا ظهر التسويف وكان التأخير زمنًا لا يطول كالساعة والساعتين؛ لأنا نرجو رجوعه على الجملة، وينبغي أن يتقدر بمدة الاستتابة، أما إذا لم يظهر التسويف فينبغي المناظرة قطعًا، لا سيما إذا ظهر أن مراده الاسترشاد والاستبصار (٢).
وقد علل ابن أبي هريرة والقاضي الحسين وغيرهما من قدماء أصحابنا القول بوجوب استتابة المرتد ثلاثًا بأنه قد يَعْرِضُ له شبهة، فأُمهل هذا القدر ليتروى فيها، قالوا: وقُدّرت بالثلاث؛ لأنها أول حدّ الكثرة وآخر حدّ القلة (٣).
هذا كلامهم، وهو يدلُّ على أن التأخير لرجاء الإسلام حق، فالصور عندي ثلاث: ظهور التسويف، وينبغي أن لا يمهل إلا مدة الاستتابة، ويُجعل محلُّ الوجهين فيها.
وعدم ظهوره، وينبغي أن يناظر إما قطعاً وإما على الصحيح، فلستُ على ثقة بأنه محل خلاف (٤).
وظهور قصد الاسترشاد، وهو أخصُّ من عدم ظهور التسويف؛ فإنَّ عدم
стр. 430
ظهور التسويف أعم من ظهور عدم التسويف.
وينبغي القطع بإرشاده وإمهاله مدة الإرشاد.
وما ذكرته في الإمهال المدَّةَ القريبة يوضحه أني رأيتُ أبا علي ابن أبي هريرة حكى في «تعليقته» الإجماع على: أنه لو قال: «إني جائع - أو عطشان - فأمهلوني حتى أناظركم»، أو كان الإمام في شغل من أمر الصلاة = جاز أن يُترك الساعة والساعتين لهذه العوارض، ولم يبادر إلى قتله، ولم يجز أن يترك الشهر والشهرين. هذا لفظه.
والروياني حكى في «البحر» عن أبي إسحاق: «أنه لو قال: "أنا جائع فأطعموني ثم ناظروني"، أو كان الإمام مشغولاً بما هو أهم منه = تأنينا به». كذا لفظ «البحر» (١)، أو كان الإمام مشغولاً فيُمهل في صورتين ما إذا كان الإمام مشغولاً، وما إذا قال: "أنا جائع فأطعموني ثم ناظروني»، وفي «الرافعي»: «عن أبي إسحاق: لو قال: أنا جائع فأطعموني ثم ناظروني، وكان الإمام مشغولاً بما هو أهم منه = تأنينا به» (٢).
فكأنه سقط من النساخ لفظ الألف قبل الواو في قوله: «وكان الإمام مشغولاً»، وإنما المراد: "أو كان الإمام مشغولاً "؛ لأنه كذلك في «البحر»، والرافعي إنما حكى ذلك عن «البحر»، فإنه قال: وحكى الروياني الأول عن النص، واستبعد الخلاف فيه، وعن أبي إسحاق. وساق هذا، فقوله: «وعن أبي إسحاق» معطوف على محكي الروياني عن النص، فالروياني حكى الأمرين،
стр. 431
وقد دل على ما حكاه الروياني كلام ابن أبي هريرة، بل نقل فيه الإجماع، فصار إمهال مدة قريبة للمناظرة - لا سيما إذا بان طلب الاسترشاد - إما مجمعاً عليه، وإما الصحيح من المذهب.
ووقع في «الروضة» أنَّ الأصح عند الغزالي المناظرة (١)، وأن حكاية الروياني عن النص عدمها، وهو سبق قلم، وينبغي أن يكتب موضع الأول في «الروضة»: الثاني، وموضع الثاني: الأول؛ ليستقيم على ما في (٢) الرافعي وعلى ما هو الواقع.
ورأيتُ في كتاب «القواطع» للإمام الكبير أبي المظفّر ابن السمعاني من أئمة أصحابنا في أوائل «باب القياس» بعد الكلام على أول واجب على المكلف ما نصه: «ولو قال الكافر: "أمهلوني لأنظر وأبحث"، فإنه لا يُمهل ولا يُنظَر، ولكن يقال له: أسلم في الحال وإلا فأنت معروض على السيف، ولا أعرف في هذا خلافاً بين الفقهاء، وقد نص عليه ابن سريج» (٣)، انتهى.
وقد يقول قائل: هذا تأييد لما رجحه الغزالي، ولكن جوابه أنَّ هذا في طلب الإمهال للنظر والبحث، وكأنَّ زمانه أوسع، أما طلب حَلَّ الشبهة فشيء آخر، ثم إنَّ هذا في الكافر الحربي لا المرتد، فتأمل ذلك.
ومسألة الكافر مليحة، يُحتمل أنَّ الحربي إذا قال وقد وقع في القبضة: "ارفعوا عني السيف مدة ما تناظرونني"؛ نرفعه ونناظره، ويُحتمل أن يقال: بل لا نسعفه، ويُحتمل أن يكون على الخلاف في المرتد.
стр. 432
السير
* مسألة (١): وأنَّ المجيب في السلام لو قال: "وعليكم" كان جوابًا للعطف، ذكره في تفسيره في سورة والذاريات، وقال إمام الحرمين (٢): «الرأي عندنا أنه لا يكون جوابًا، فإنه ليس فيه تعرض للسلام».
ومن غرائب المسائل: لو قال المجيب: "سلام" ولم يتلفظ بقوله: "عليكم"، قال الشيخ الإمام: «الأولى الاكتفاء به، ولم أر من ذكره»، ولو قال: "عليكم سلام"، قال الشيخ الإمام: «لم أره منقولا»، قال: «والأولى أن لا يجعل ردا»، قال: «وبه صرح الشهيلي (٣) من غير أصحابنا»، لكنه احتج بعلَّةٍ ضعفها الشيخ الإمام، وذكر علَّةً غيرها.
الذمة
* مسألة (٤): وأنَّ الذمي إذا بنى دارا عاليةً على بناء المسلم، ثم باعها لمسلم؛ لم يسقط حكم الهدم إن (٥) صححنا البيع، ووافق فيه شيخه ابن الرفعة، ولستُ بموافق لهما على ذلك، وقد أفتى ابن الصلاح في كافر علا بناءه على مسلم، فقام المسلم ورفع بناء نفسه حتى ارتفع على ما علاه الكافر = بأن حق الهدم يسقط، وهو يؤيد السقوط فيما نحن فيه، وأراه الأرجح (٦).
стр. 433
واعلم أن ابن الرفعة استنبط الهدم من نص (١) الشافعي على أنَّ الخمر التي تجب إراقتها إذا خللت بصنعة آدمي لا يسقط وجوب الإراقة، بل يدام (٢) وجوب الإراقة، قال: «وما ذاك إلا نظرًا لاستحقاق الإزالة (٣) قبل ذلك» (٤).
قال الشيخ الإمام: «وهو استنباط جيد»، قال: «ولا يَرِدُ عليه أنَّ العلة تحريمُ التخليل، بخلاف البيع؛ لأنَّا نقول: إنَّ التحريم خاص بمن تعاطى التخليل»، قال: «وأيضا فإنَّ المشتري يحِلُّ محَلَّ البائع، فمتى استحق الهدم على البائع استُحِقَّ على المشتري، ولا يقال: إنَّ العلَّةَ زالت وهي ملك الكافر؛ لأنَّا نقول: لو كان الملك علَّةً لا متنع إبقاء ما اشتراه من مسلم، وإنما العلة بناء الكافر؛ لِما فيه من غيظ المسلمين، ولا يرد إذا أسلم وهي على ملكه بعد البناء؛ لأنَّ الإسلام يجُبُّ ما قبله، ولأجل عدم التنفير عن الإسلام»، انتهى. ذكره في «باب الغصب».
وقد يقال على استنباط ابن الرفعة: لو أنَّ عِليَّة الإراقة بعد زوال الخمرية وجوبها قبل ذلك، ولا مدخل للتخليل؛ لوجبت الإراقة فيما إذا تخللت بنفسها، لكن هذا ضعيف، فإنها إذا تخللت بنفسها طهرت، محترمة كانت أو غير محترمة، والطاهر لا يُراق، إنما الكلام في النجس.
стр. 434
الهدنة
* مسألة: وإن شُرِطَ رَدُّ النساء إذا جئن إلينا من دار الحرب مسلمات؛ كان مشروعًا، ولذلك شرطه رسول الله ﷺ ، ثم نسخه الله، ولم يكن هناك إيهام من رسول الله ﷺ ، ولا إطلاق لفظ عام وإرادة (١) الخاص، بل شرطه حيث كان الشرع يبيح اشتراطه، ثم لم يستمر على الشرط؛ لارتفاع الحكم بالنسخ، وهو وجه عزاه الرافعي إلى «البحر»، وهو في «الحاوي» أيضا (٢)، ويتخرج عليه (٣) عدم غُرم المهر - وعدم الغُرْم هو ما رجحه الشيخان - وغير ذلك من المسائل.
الأطعمة
* مسألة: وأنه يُندَبُ قتل الوزغ، ذكَرَه في «باب محرمات الإحرام» بعد أن نقل عن القاضي أبي الطيب كراهة قتله.
قلت: ولعل كلام القاضي هذا أصل قول الرافعي في «باب الأطعمة» عند ذكر المستخبثات ما نصه: «ومنها ما نهى عن قتله كالوزغ» (٤)، ولكن (٥) هذا محمول على الوهم؛ ولذلك حذفه النووي من «الروضة»، ونِعْمَ ما فعل، فقد صح في «صحيح مسلم»: «أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقًا» (٦)،
стр. 435
وفي «الصحيحين» من حديث أم شريك ﵂: «أنَّ رسول الله ﷺ أمرها - أو: أمر - بقتل الأوزاغ» (١).
وأما ما في «الصحيحين» من قول عائشة ﵂: «إن رسول الله ﷺ قال للوزغ: «الفويسق»، ولم أسمعه أمر بقتله» (٢)؛ فلا يلزم منه النهي، بل ولا عدم سماع غيرها، وقد ثبت سماع غيرها للأمر بقتله، فينبغي وجوبه، وقد أخرج أبو حاتم في «صحيحه» حديثها من غير هذه الزيادة، وهي قولها: «ولم أسمعه يأمر (٣) بقتله».
*مسألة: وأنه إذا اشتبهت شاتُهُ أو حَمامُهُ بشاة غيره أو حمامه؛ فله أكل واحدة بالاجتهاد ذكره في كتاب «الرقم الإبريزي»، وهو قول القاضي الحسين (٤) وصاحب «التهذيب» (٥)، قال الرافعي (٦): «والذي حكاه الروياني أنه ليس له أكل واحدة منها حتى يصالح ذلك الغير، أو يُقاسمه»، وإليه الإشارة بقولي:
وَحَرَّمَ الشهيدُ ذا في بحره
والشهيدُ الرويانيُّ قُتِلَ يومَ الجمعة ظلما.
стр. 436
النذر
* مسألة: وأنه إذا نذر زيارة القبور لزمه، ويفي بزيارة ما شاء من قبور المسلمين، فإن عين قبر رسول الله ﷺ لزمه أيضًا، وادعى هنا إجماع المسلمين، وإن عين واحدًا من آحاد المسلمين غير نبي لم يلزمه، ذكره في كتابه «شفاء السقام».
الزنا والسرقة
* مسألة (١): وأنَّ مَنْ أقرَّ بالزنا، ثم شُهد به عليه، ثم رجع عن الإقرار = لم يُحَدَّ، وبه قال ابن المرزبان، ونقله الرافعي عن أبي إسحاق (٢)، قال الشيخ الإمام: «والقياس في القطع مثله».
*مسألة: وأنه كذلك في عكسه، فإذا قامت بينة بالزنا، فَسُئل فصدق الشهود، ثم رجع = سقط الحد، ونقله القاضي الحسين عن أبي إسحاق، وليست هذه الصورة في «الرافعي»، قال: «والسرقة كالزنا».
والحاصل: أنه لا حكم للبيّنة مع الإقرار، سبقها أم لحقها (٣)، وجمع صاحب «البحر» فيما إذا اجتمعا على الزنا ثلاثة أوجه، ثالثها عن الماوردي: إن كان الإقرار سابقا كان الوجوب به وسقط بالرجوع، وإن تقدمت الشهادة كان
стр. 437
الوجوب بها ولم يسقط بالرجوع، وادعى أن الوجوب بأسبقهما (١).
والشيخ الإمام ذكر المسائل في مصنّف له في هرب السارق، نصر فيه أنَّ هروبه يمنع من استيفاء القطع ولا يُسقطه، فإن قُطِعَ وقع الموقع كما هو أصح الوجهين في نظيره من الزنا، وهو في السرقة غير منقول، ولم يذكر الوالد ما ذكرناه عن «البحر».
ومما يُشاكل ما نحن فيه: أنَّ الروياني ذكر لنفسه احتمالين فيمن قال: "زنيتُ وحددْتُ"، هل يُقبل قوله في قوله: "حُدِدتُ " كما يُقبل في الرجوع أم لا؟ لأنَّ رجوعه أثر شبهة في أصل الفعل، بخلاف دعوى استيفاء الواجب، ذكرهما قبيل «كتاب الشهادات»، واستشهد على القبول بأنه لو أقرَّ بالزكاة ثم رجع لا يُقبل، ولو ادعى دفع الزكاة إلى ساعٍ آخر قبل قوله، قال: «فصار أمر القبول في دعوى الاستيفاء أولى» (٢).
قلتُ: ونقل الرافعي في «باب البغاة» (٣): «أنه لو ادعى من كان عليه حدّ أنه أقيم عليه؛ أنَّ صاحب «التتمة» قال: إنه يُصدق إن كان أثره باقيًا على بدنه، وكذا إن لم يكن إذا كان قد ثبت بالإقرار؛ لأنَّ المقر بالحد إذا رجع يُقبل رجوعه». وسكت الرافعي على هذا، وهو جزم منه (٤) بأحد الاحتمالين.
стр. 438
الأقضية والدعاوى
* مسألة (١): وأنَّ فعل الحاكم ليس بحكم، وفي ذلك خلاف مستخرج من كلام الأصحاب، وقد أطال الشيخ الإمام الكلام عليه في مواضع، منها «باب إحياء الموات».
*مسألة: وأنه إذا أقام مدعي الدين شاهدين ولم يزكَّيا، وكانت التزكية مُتَوقَّعَةً، واتهم المديون بحيلة من وقف أو هبة ونحوهما = حَجَرَ الحاكم على المديون بسؤال الغريم في القدر المستحق بيعه، إما كل المال إن ساوى (٢) الدين، وإما بعض منه، يعينه القاضي كما يعيّنه للبيع بقدر الدين، وقال القاضي الحسين: يحجر عليه في جميع ماله إذا اتهمه بحيلة الوقف أو الهبة ونحوها.
*مسألة: وأنَّ القاضي لو حكم بشهادة شاهدين شهدا أنه مات في رمضان، ثم شهد آخران أنه مات في شوال؛ لم يُنقض الحكم، وصنف فيه كتاب «العارضة»، ردَّ فيه على ابن الصلاح في كلام طويل له في المسألة، وكلّ منهما على كثرة بحثه فيها لم ينقلها، وقد قدمنا في أوائل (٣) هذا «الترشيح» أن فيها قولين خَرَّجهما ابن سريج، وحكاهما الرافعي (٤)، وأن ذلك من عجائب الوجود:
*مسألة تدور بين إمامين عظيمين هذه المدد الكثيرة، وهي مسطورةٌ، لا يَحضُرُهما النقل فيها!
стр. 439
*مسألة: وأنَّ الكبيرة: ما يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص كتاب أو سُنَّة، سواءٌ أَوَجَبَ فيها حد أم لم يجب، كعقوق الوالدين، وشهادة الزور، وهو ما قال الرافعي: «إنه أكثر ما يوجد لهم، وإنه أوفق لما ذكروه في تفصيل الكبائر»، وتبعه النووي، لكنهما قالا: (إنهم - أي: الأصحاب - أميل إلى ترجيح القول بأنها المعصية الموجبة للحد) (١).
قال الشيخ الإمام في تفسير سورة والنجم: «فإن أُريد ما يوجب الحد مما عدا المنصوص فيحتمل، وإلا فهو خطأ؛ لأنَّ العقوق والزور من الكبائر، ولا يوجبان حدا»، انتهى. وهذا قوله (٢) مذهباً (٣)، وسيأتي اختياره لنفسه أنه لا صغيرة في الذنوب.
*مسألة: وأنه حيث يباح ضرب الدف فلا فرق فيه بين النساء والرجال، ضرب الكل إياه حلال، وضعف تفرقة الحليمي (٤).
*مسألة: وأنَّ المباح لا يصير بالمواظبة عليه حرامًا، وأنكر قول الغزالي: إنه ربما صار صغيرة، قاله في لعب الشطرنج (٥)، وعلى قول الشيخ الإمام دل (٦) كلام ابن الصباغ.
*مسألة: وأنَّ للإمام أن يطالب في النذور والكفارات من هي عليه بأحد
стр. 440
الأمرين: إما إخراجها، وإما تسليمها إليه ليُخرِجَها عنه، أي الأمرين شاءه من هي عليه فَعَلَهُ، ذكره في كتاب «العلم المنشور» وغيره من كتبه، قال: «ولعلّ قول الأصحاب: «لا يطالب بها على أحد الوجهين» معناه: أنه لا ولاية للقاضي ولا للإمام عليها، ولا يبتدئ بها، بل يكلها إلى صاحبها كالزكوات الباطنة، أما إذا تضيقت وعُلِمَ أنه لا يُخرِجُها فلا وجه إلا إلزامه بها»، قال: «وكذا إذا تعلقت بمعين».
*مسألة: وأنه لا يجوز نصب الذمي جابيًا، ولو من ذمي، ونص الشافعي يدل عليه (١).
*مسألة: وأنَّ الإمام الحنفي لو ولى شافعيًّا القضاء بشرط أن لا يقضي بشاهد ويمين، ولا على غائب = صحت التولية ولغا الشرط، ويقضي بما أدَّى إليه اجتهاده، ذكره في كتاب «المعلم باتباع ما يُعلَم»، وفي «الفتاوى» أيضا، وبه جزم القفال في «فتاويه»، والقاضي الحسين، وقال الماوردي: «تبطل التولية» (٢). وقال الغزالي: «تصح، ويُعتمد الشرط» (٣).
стр. 441
العتق
* مسألة (١): وأنه إذا أعتق ستة أعبد لا مال له غيرهم؛ حكم بعتقهم، فإن مات واقتضى الحالُ رِقَّ (٢) بعضهم؛ تغيَّر الحكم، وقال صاحب «البحر» (٣): «لا يُحكم بعتقهم؛ لجواز أن يظهر عليه دين، ولا برقهم؛ لجواز أن يستفيد مالا يُخرجون به من الثلث، قال: ولو كان له مالٌ لا يُحكم بعتقهم؛ لجواز تلفه».
قال الشيخ الإمام: «هذا إشارة إلى ما في نفس الأمر، وأما في الحكم الظاهر فقياس الأكثرين ما ذكرناه»، ذكره في «الوصية».
*مسألة: وأنَّ الجارية المشتركة إذا استولدها المعسر من مالكيها، فقُصِرَ الاستيلاد على حصته ولم يَسْرِ لإعساره، ثم أيسر فأعتق حصته التي ثبت فيها الاستيلاد = سرى عليه، ذكره في باب الشفعة، وذكر قول القاضي حسين: «إنه لا يسري»، محتجا بأنَّ القِنَّ لو أُعتق لم يَسْرِ إليه، وما لا يسري من الشخص لا يسري إليه، قال الوالد ﵀: «وينبغي التوقف فيما قاله (٤)؛ لأنَّ السراية امتنعت في أم الولد لمانع ليس موجودًا في القِنَّ» (٥).
فهذا - رحمنا الله وإياكم، ولَطَفَ لنا ولكم، ورأف بنا وبكم، وختم بخير - ما حضَرَنا من ترجيحاته في الخلاف المرسل ذكره عن ترجيح، ولعل الذي
стр. 442
أغفلناه في هذا الباب أكثر مما أغفلناه في الباب قبله؛ لقلة الاستقصاء فيه، ولقد أغفلنا في البابين كثيرًا لغَيْبة كثيرٍ من كلامه عنَّا حالة الكتابة.
وقد حان أن نأتي بالباب الثالث المختص بمذهبه، غير أنا مُنَبِّهُوكَ قبل الخروج عن المذهب المطلبي، والانتقال إلى مذهب الشيخ الإمام على خاتمة لهذين البابين، يعقبها غَمَرَةُ الكتاب، ولُجَّة العتاب، وبهجة الخُطَّاب، حتى إذا أخذ القول منها غاية الكلم المستطاب، وأماط للألباب القشر عن اللُّباب؛ دخلنا عقبه من ذلك الباب.
فنقول: إنَّ البابين لم يُعقدا لتقييد الشيخ الإمام ﵀ الكثير مما أطلق، وتخصيصه لكثير مما عُمِّم، وإيضاحه لكثير مما أَشْكَل، وتفسيره لكثير مما أُجْمِل، وتنبيهه على أوهام وقعت، لا سيما عند اختصار النووي لكلام «الشرح الكبير»، فإنه ربما وقع تفاوت كثير في الاختصار، بحيث انتدب شيخُنا الشيخ مجد الدين السنكلومي شارح «التنبيه» لمصنَّف مستقل في التفاوت بين «الرافعي» و «الروضة».
فهذه الأمور وأمثالها لم يكن لنا غرض في الاشتغال بها، وما ذكرت تقييد مطلق ونحوه إلا حيث يكاد الفقيه يَسْرِي ذهنه لو لم يسمع تقييد الشيخ الإمام إلى إجراء المطلق على إطلاقه، أو العام على عمومه، فقدمت يسيرًا من ذلك، وتركت ما يتضح الأمر عند سماعه فيه.
ولنذكر أمثلةً يسيرةً من هذه الأنواع؛ لئلا يتخيل من أبصرها إذا لم نُرشده إليها أنها مما صحح فيه الشيخ الإمام غير تصحيح الشيخين:
стр. 443
فمنها: صحح النووي أنَّ مِلك المسكن والخادم لا يمنع نكاح الأمة، قال الشيخ الإمام: «محله في الخادم العبد، أو الأمة المحرمة عليه التي يحتاج إلى خدمتها»، وبه صرح القاضي الحسين، وقد قال النووي قريبا من هذا الكلام: «لو كان في ملكه أمَةٌ غير مباحة، فإن وفَّت قيمتها بثمن أمةٍ يتسراها أو مهر حرَّةٍ؛ لم ينكح الأمة، وإلا فينكحها» (١).
قال ابن الرفعة (٢): «وطريق الجمع بين كلاميه حمل أحدهما على أمةٍ يحتاجها إلى الخدمة، والآخر على من لا يحتاجها».
ومنها: قالوا: تجعيد الشعر، وتحمير الوجنة (٣) ونحوهما يُثبِتُ الخِيار قياسًا على التصرية، قال الشيخ الإمام: «لا بُدَّ أن يكون ذلك بحيث لا يظهر لغالب الناس أنه مصنوع، بحيث لا يُنسب المشتري إلى تقصير، وأن يكون بفعل البائع أو غيره بإذنه، فإن تجعد بنفسه فكما لو تحفلت (٤) بنفسها»، وجزم الفوراني في تجعد الشعر بنفسه أنه لا خيار، والأشبه تخريجه على ما إذا تحفلت بنفسها، وقضية كلام الأكثرين ثبوته هناك (٥).
ومنها: قالوا: الحاكم لا يُسأل عن مستند، بل لو قال على سبيل الحكم: "نساء البلد طوالق" قبل منه، قال الشيخ الإمام: «إنما لا يجب بيان السبب إذا لم يكن حكمه نقضا لحكم قبله، فإن كان، فالوجه القطع بأنه لا يُقبل حتى يُبيِّن السبب».
стр. 444
قلت: وقد قدمت هذا؛ لأنه قد ينازع فيه منازع ويقول: بل لا فرق بين أن يكون نقضا أو لا، فليس متعينا هذا التقييد كل التعيين، فيحتمل أن يخالف ويقال: إذا كان الحاكم الثاني ثقة غير متهم في علم ولا دين، فينبغي أن يقبل إطلاقه، لا سيما إذا كان الحاكم قبله بحيث يزن (١)، فلعل الثاني لم يذكر السبب سترا للأول، فهذا موضع احتمال.
على أن قولهم: «لا يسأل عن مستند» لا يسلم عن النزاع، فنفي «الرافعي» في «الركن الثالث»: «أن في فحوى كلام الأصحاب وجها مانعا من إبهام الحجة» (٢).
قلت: وصرح بحكايته صاحب «البحر»، وهذا إذا لم يسأل، فإن سأله المحكوم عليه عن السبب فقد جزم صاحب «الحاوي» - وتبعه الروياني - بأنه يلزمه بيانه (٣) إذا كان قد حكم بنكوله ويمين الطالب؛ لأنه يقدر على دفعه بالبينة لو كان الحكم بالبينة بعين قائمة؛ لأنه يقدر على مقابلتها بمثلها، فترجح بينته (٤). باليد، قالا: «ولا يلزم إذا كان قد حكم بالإقرار أو بالبينة بحق في الذمة»
قلت: فالحاصل أن باب دوافع المحكوم عليه متى كان مفتوحا تعين على الحاكم (٥) الإبداء، فليلخص قولهم: «لا يسأل عن مستند» (٦) بمعنى: لا يسأل
стр. 445
على سبيل الاعتراض (١) عليه، أما سؤال من يريد دفع الحكم عنه فسائغ (٢).
ثم على القاضي الجواب إن عرف (٣) أنَّ المحكوم عليه غير متعنّت، وجوز له مخلصاً، وهذا يؤيد كلام الشيخ الإمام، فموافقته على ما قال متجهة، ويُحتمل أن لا يُفتح هذا الباب على الأحكام مطلقا، بل تصان عن النقض ما دامت محتملةً للصواب، ما لم يُبيِّن الناقض مستنده.
ومنها: لو أصدقها تعليم قرآن وطلق قبله، فالأصح تعذر تعليمه، قال الشيخ الإمام: «هذا إذا لم تكن آياتٍ يسيرةً يمكن تعليمها في مجلس واحدٍ بحضور محرم من وراء حجاب، وهذا اقتضاه كلام الإمام، وهو الصواب، فليحمل كلامهم على ما وراء هذه الحالة».
ومنها: الأصح أنَّ الراهن ممنوع من وطء المرهونة وإن لم تحبل، سواء أكانت صغيرة أو كبيرة؛ لأنَّ السنَّ الذي لا تحبلُ فيه لا يتميز عن السن الذي تحبَلُ فيه مع اختلاف الطباع، فمنع من الجميع، كما منع في شرب الخمر من المسكر وغيره.
قال الشيخ الإمام: «التسوية بين الصغيرة والكبيرة لا يظهر في بنت ستّ سنين مثلا، ونحن نقطع بأنها لا تحبل، فالقول بجواز وطء هذه إذا لم يضرها مُتَّجِه، ولا يظهر للمنع فيها اتجاه». وقد قيد ابن أبي عصرون الخلاف في جواز وطء من لا تحبل بمن لها تسع سنين فما زاد، وقال: «أما من لم تبلغ التسع فلا
стр. 446
يمتنع وطؤها إلا أن يُخاف منه الضرر». واستجوده الشيخ الإمام في «شرح المهذب» وقال: «هو من عنده (١)، وليس نقلا عن الأصحاب».
قلت: وعندي فيه نظر، فإنه يَجُرُّ إلى الوطء مطلقا كما أشرنا إليه في توجيه الصحيح، ثم المظنَّة لا يُشترط معها تحقق المظنون، بل ولا احتماله، وإنما يعتل أهل التحقيق بالمظنة لانضباطها لا بالحكمة، وإنما يُسلك بالوطء هنا مسلك العدة، وقد قال النبي ﷺ : «الرهن محلوب ومركوب» (٢)، ولم يقل: موطوء.
وفي قوله: «محلوب ومركوب» إشارة إلى جميع ما ينتفع به منه، فإنه ــ إن شاء الله - أشار بالمحلوب إلى ما يَحدُثُ من زوائده، وبالمركوب إلى الاستخدام، وعبر بالمركوب لأنه أعظم الاستخدام، واستيلاء حقيقي من الراهن بنفسه لا باستنابة فيه، فنبه به على ما عداه بطريق أولى، فلو جاز شيء غير هذين الوصفين لكان يُشبه أن يشير إليه رسول الله ﷺ .
ولا يتجه عندي إلا إما تجويز وطء من لا تحبل مطلقا، سواء أكان حبلها ممتنعا أم بعيداً، وإما منعه مطلقا، والتقييد لا وجه له إلا عند مَنْ يُعلّل بالحكمة.
وهو - كما قال الشيخ الإمام - شيء قاله من عند نفسه، وقد كشفت كتب الأصحاب فلم أجد فيها ما يساعده، وهذا الشيخ أبو حامد شيخ العراقيين ذكر المسألةَ في بابَيِ «الرهن» و «الاستبراء»، وصرّح بأنه لا فرق فيمن لا تحبل بين
стр. 447
الصغيرة والآيسة وغيرهما، وكلامه وكلام غيره صريح في التسوية.
وابن أبي عصرون كثيرًا ما يتبع صاحب «التنبيه»، وصاحب «التنبيه» في طوائف من العراقيين يرون وطء من لا تحبل، فربما آل بهم البحث إلى استبعاد وطء من يمتنع حبلها، فجعله ابن أبي عصرون موضع وفاقٍ ليقيس عليه موضع الخلاف، وما هو بموضع وفاق (١).
وقد اتفق له في هذا مثل ما اتفق للرافعي، وقد حكى الخلاف في جواز استئجار الزوج زوجته لرضاع الولد، ونقل عن العراقيين المنع، وأنهم احتجوا بأنها محبوسة عنده، إلى آخر ما ذكره، وقال: «إنه منقوض بجواز استئجارها لسائر الأعمال». وهذه غفلةٌ عن أصل العراقيين، فإنهم يلتزمون ذلك، ويمنعون استئجارها لسائر الأعمال، كما نقله هو أيضًا عنهم في (٢)، وغير واحد.
ومنها: قالوا: تجوز القراءة في الصلاة وغيرها بالسبع (٣)، ولا تجوز (٤) بالشاذ، وهو كلام صعب، ظاهره يوهم أنَّ غير السبع المشهورة من الشواذ (٥)، وقطع الشيخ الإمام بأنَّ غيرها إذا لم يخالف رسمها واشتهر عند أئمة هذا الشأن؛ تجوز القراءة به، ومن ذلك: قراءة يعقوب، وأبي جعفر، وهذا حق لا شك فيه.
ومنها: قال الشيخ الإمام ﵀: «لو نوى ليلة الثلاثاء صوم الغد، وهو يعتقده
стр. 448
الاثنين، أو صوم الغد من رمضان هذه السنة وهو يعتقدها سنة ثلاث فكانت سنة أربع = صح.
ولو نوى ليلة الاثنين صوم يوم الثلاثاء، أو سنة ثلاث وهو في سنة أربع؛ لم يصح؛ لأنه لم يعيّن الوقت.
ولو نوى صوم يوم (١) غدٍ يوم الأحد وهو غيره؛ فوجهان حكاهما الدارمي (٢)، ولعلك تجد في كلام الأصحاب اضطرابًا، وما ذكرناه محرّر، وهي ثلاث مراتب كما رتّبناها، إذا تأملتها جزمت بالصحة في الأولى، والمنع في الثانية، والتردُّدِ في الثالثة»، انتهى.
وهذا يدخل في إيضاح ما أشكلوه، وتفسير ما أجملوه (٣).
فإن قلت: لا نسلم الجزم بالأولى ولا بالثانية، أما الأولى: فلأن الروياني قال في «البحر» (٤): «ولو نوى ليلةَ الثلاثاء أن يصوم غداً وأخطأ، فاعتقد أنه يومُ الاثنين، أو يوم الأربعاء، فنوى صوم ذلك اليوم = قال القاضي الطبري: الصحيح عندي أنه يصح صومه؛ لأنه عين صوم اليوم، وخطؤه في اعتقاده أنه يوم آخر لا يضره، كما لو نوى أن يصوم غدًا من هذه السنة التي هو فيها فكانت سنةً أخرى يصح صومه، واعتقاده لغو». هذا لفظ «البحر» في الحكاية عنه، ففي قوله: «الصحيح عندي» إشارة إلى عدم الجزم.
стр. 449
وأما الثانية: فقد حكى الشاشي أنه لو نوى صوم يوم الثلاثاء ليلة الاثنين، أو رمضان سنة ثلاث وكان سنة اثنتين = ففي (١) الصحة وجهين.
قلت: الشيخ الإمام لم ينف الخلاف، وإنما ادعى أنه عند التأمل يقع الجزم في المرتبتين بما ذكره، وقد يأتي الخلاف عنده من عدم التأمل، ومن ثَمَّ قال: لعلك تجد في كلام الأصحاب اضطرابا، ولا شك فيما ذكره، ألا ترى أنه لا فرق في الصورة الأولى بين اليوم والسنة، وقد قال القاضي في اليوم: «الصحيح عندي الصحة، وقاسه على السنة، فإن كان في لفظ الصحيح» إشعار بخلاف، فهو في اليوم والسنة، واحد، فكيف نقيس أحدهما على الآخر، والذي يظهر أنه لا إشعار فيها بخلاف، إنما هو احتمال مخالفة.
وأما ما حكاه الشاشي فإني أُجوّز انتقال الذهن من الصورة التي ذكرها الدارمي إليها، ولا شك أنه عند التأمل لا يظهر غير ما ذكره الشيخ الإمام، فمتى عين الغد لم يضر الخطأ في اعتقاد ماهيته، فإنَّ في الإضافة إلى نفسه غنيةً عن صفته، والإضافة إلى غد إضافة إلى نفسه، وإلى كونه الاثنين أو الخميس إضافة إلى اسمه وصفته، ولم يقع، إنما الواقع اعتقاد مجرَّد لا يضر مع الأول، ومتى أضاف إلى الصفة بأن نوى ليلة الثلاثاء صوم الاثنين فلا وجه للصحة؛ لأنه ما نوى يوم الثلاثاء بالكلية، فلم يعيّن الوقت.
نعم، إذا نوى صوم غد يوم الاثنين وهو غيره فقد عارض قوله: «غد» قوله: يوم الاثنين، فنشأ التردُّد، ثم الظاهر عندي الصحة، وذكرنا هذا الموضع لننبه به (٢) على تفسيره لكثير مما أجمل، وإيضاحه لما أشكل، فلا ينبغي لك في أماكن
стр. 450
الإشكال إذا وجدت حبرًا لا يُقْرَعُ له بالعصا قد قال لك: إني تصفحت الكتب، وحرَّرتُ لك بعد الوقوع على اضطرابها ما أبديته لك = أن تعارضه بقول فلانٍ وفلان، فإنه لو لم يقف على أمثال ما عارضته به لما قال لك: وجدتُ الاضطراب الذي هو المحوج له إلى التحرير، بل ينبغي الاعتماد على تحريره وترك ما وراءه، إلا أن يعرض لك بنور من الله وعلم موهوب تحرير غيره، فتعارضُه حينئذ بالتحقيقات، لا بالمنقولات المضطربة التي قد اعترف باضطرابها.
ومنها: أطلق أكثر الأصحاب أنَّ المقبوض بالبيع الفاسد يُضمن بالقيمة، وقيده ابن يونس بما إذا كان متقوّما، أما المثلي فيُضمن بمثله، وصرح الماوردي بمخالفة هذا القيد (١)، قال الشيخ الإمام ﵀: «الصواب التقييد كما قال ابن يونس، وعليه نص الشافعي في موضعين»، قال: «وكذلك المستعار إذا كان مثليًّا يُضمن بالمثل لا بالقيمة، خلافًا لصاحب «المهذب»، وكذلك المقبوض بالسوم والتحالف بعد هلاك المبيع، وكل عقد مفسوخ = يُضمن المثلي في الكل بالمثل».
واعلم أن إطلاق الأكثرين في البيع وفي التحالف وفي العارية يقتضي إيجاب القيمة، كما صرح به الماوردي في المقبوض بالبيع الفاسد والسوم والتحالف وكل عقد مفسوخ، وصرّح به صاحب «المهذب» في العارية، ولو لم يصرح الماوردي وصاحب «المهذب» بقضية هذا الإطلاق لعددنا هذه المسائل مما خالف فيها الشيخ الإمام الشيخين، لكنهما لما أطلقا الكلام إطلاقا، واحتمل تنزيله على ما يقوله الشيخ الإمام، وأن يكون كلامهما إنما هو في المتقوّم، واحتمل أن يعمم كما قال الماوردي = جعلنا مسألة المثلي مما سكتا عنه.
стр. 451
وقد صرح الماوردي بحكاية الخلاف فيها، فذكرناها في الخلاف المرسل لذلك، فإن الغالب على الظن أنَّ الشيخين لم يقصدا المثلي؛ لأنه قد فَرَغَ (١) في بابه من أنَّ كلَّ مثلي مضمون بمثله إلا ما استثني.
وقد ذكر الشيخ الإمام المسألة في «باب حكم المبيع قبل القبض» مبسُوطةً، وفي كتاب النوادر الهمدانية، وأشار إليها في أواخر «باب العارية».
ونص الشافعي في «الأم» في «باب اختلاف المسلف والمسلف»، وفي «باب بيع المكاتب»، وفيما نقله أحمد بن بشرى من نصوصه (٢) مُصَرِّح بما صححه الشيخ الإمام ﵀، وقد حكى الشيخ الإمام النصوص، بعضها في «شرح المنهاج»، وبعضها - وهو نصه في «باب بيع المكاتب» - حكاه في حاشية (الشرح) (٣).
ومنها: إذا قال: "بع هذا أو هذا، قال في «الروضة» في «الوكالة»: «يَبطُل» (٤)، قال الشيخ الإمام: هذا إذا كان تردُّدا في الوكيل (٥)، أما إذا قال: بع أحدهما فيصح على الأصح.
ومنها: لو ربط دابَّة اكتراها لحمل أو ركوب، ولم ينتفع بها؛ لم يضمن، إلا إذا انهدم عليها إصطبل في وقت لو انتفع بها لم يُصبها الهدم، كذا ذكروه (٦)،
стр. 452
قال الشيخ الإمام: «لا بُدَّ من زيادة في الوقت المذكور: بأن العادة جارية بالانتفاع به، وعدم الربط ليجعل الربط سببًا للتلف»، قال: «والذي يتجه من جهة الفقه … » إلى آخر ما ذكره في «باب الإجارة».
ومنها: إذا كانت الأرض تصلح للغراس والبناء والزرع؛ فلا يصح إطلاق الإجارة فيها، كذا أطلقوه (١)، قال الشيخ الإمام: «لِيُحْمَلْ على ما إذا استوت الثلاثة فيها، أما إذا غلب أحدها صح، وحُمِلَ الإطلاق عليه».
ومنها: قال الأصحاب: «إِنَّ وَلَدَ المرتد مرتد» (٢). وقال بعضهم: «كافر أصلي» (٣). قال الشيخ الإمام: «هذا في المرتد بكفر ظاهر، أما المبتدعة من أهل الإسلام إذا كفرناهم، فالذي يظهر أنَّ أولادهم مسلمون، ما لم يعتقدوا بعد بلوغهم ذلك الاعتقاد؛ لأنهم ولدوا على الإسلام بين مسلمين ظاهرا، وحكم اعتقاد أبيه لا يسري إليه».
وهذا الذي قاله لا ينبغي أن يشك فيه عاقل، ولا أن يطرقه خلاف، ولعلَّ ترك الأصحاب التصريح به لوضوحه.
ومنها: قالوا: يشترط تعيين الوكيل، فلو قال: "وكلتُ إنسانًا"، أو: "وكلتُ زيدًا"، ولا يُدرى من زيد؟ أو: "وكلتُ أحد الشخصين، لم يصح»، قاله الغزالي في «التحصين» (٤).
стр. 453
قال الشيخ الإمام: «هذا فيما يتعلق بتعيينه غرض، فلو لم يتعلّق - كالعتق - يقول: «وكلتُ كلَّ أحدٍ في إعتاق عبدي"، أو: "وكَّلتُ (١) مَنْ أراد في تزويج جاريتي هذه من "فلان" = فلا منْعَ من الصحة»، قال: «وكذلك من لا ولي لها تأذن لكل عاقد في البلد في تزويجها من فلان، إذ لا غرض لها في أعيان العقاد والقضاة».
قلت: وفي «فتاوى ابن الصلاح» ما يدلّ عليه (٢)، وهذا باب يخرج عن حد الحصر، فلا معنى للاستكثار من مثلِهِ، وقد عددتُ منها ما إذا تأمله المتأمل وجد لكل مثال نظرًا يخصه، يتركب منها أنواع؛ لأنَّ منها ما لا يقبل النزاع وظهر منقولا، وما لا يقبله ولم يظهر منقولا، وما يقبل النزاع كذلك، فهذه أربعة أقسام يتركَّب بينها شيء كثير.
وهكذا لم نذكر المسائل التي اخترعها، والفروع التي ولدها وقاسها على أصول المذهب، والحوادث التي أفتى فيها وليست بأعيانها مسطورةً، وربما لم يدل كلامهم فيها على شيء، أو وَقَفَ النظر فيما دلّ (٣) كلامهم منها عليه، فإنه لا سبيل إلى وفاء كتابنا هذا بالعشر من معشار ذلك، وهل المحاول لجَمْعِهِ إلا ناسخ لجميع تصانيف الشيخ الإمام لا يَدَعُ منها شيئًا؟
وكذلك لم نذكر مسائل أفتى فيها النووي بما خالفه فيها الشيخ الإمام؛ لأنها لست من مسطورات الأصحاب (٤)، إنما قال فيها كل منهما بما أداه إليه نظره،
стр. 454
ولنضرب لها أمثلة:
فمنها: أفتى النووي (١) - تبعاً لشيخ الإسلام عز الدين أبي محمد بن عبد السلام -: بأن صاحب الوظيفة كإمام المسجد ونحوه إذا استناب بلا عذر لم يستحقَّ المعلومَ النائب - لأنه لم يُولّ - ولا المستنيب؛ لأنه لم يباشر، وقد خالفهما الشيخ الإمام (٢).
ومنها: فتيا النووي - تبعًا للشيخ تقي الدين ابن الصلاح: بأنه إذا رضي المحصورون بتطويل الإمام الصلاة إلا واحدًا أو اثنين، وكان الذي لم يرض ملازما يندر تخلفه = بأنه لا يُفوّت حق الراضين بهذا الفرد وإن كان ملازماً، وخالفهما الشيخ الإمام قائلا: «قد أنكر رسول الله ﷺ على معاذ التطويل لما شكا إليه ذلك الرجل، ولم يستفصل، ولأنَّ فيه تنفيرًا للواحد الملازم عن الجماعة مع تأكَّدِها، وهو مفسدة، والتطويل الذي رضي به الحاضرون مصلحةٌ قد لا تساويه».
ومنها: فتيا النووي: بأنهما إذا تنازعا أهليَّةَ الحضانة فالقول قول المطلق (٣)، قال الشيخ الإمام ﵀: «محله إذا كان الولد بينهما وتنازعا، فهما سواء في التداعي والبيئة التي يقيمها على الصفات المشترطة، من الإسلام والحرية ونحوهما، والعدالة ليست بشرط، بل يكفي الستر، وإنما الفسق مانع». وقد ذكرتُ المسألة في «باب الحضانة» من «التوشيح»، وذكرتُ كلامَ الماوردي فيها، والغالب على
стр. 455
الظنّ أنه لم يحضر واحدا منهما، ولو حَضَرَه لذكره.
ومنها: فتيا النووي فيمن وقف على ولديه: عَلِيٌّ ورُقَيَّةَ، ثم ذريتهما الذين هم من ظهر الواقف (١)، قال الشيخ الإمام ﵀: «ينبغي أن يُحمل على أولاد المنتسبين إلى الواقف، ويدخل فيهم أولاد البنات الذين يتزوجون بأبناء أعمامهم ممن يُنسب إلى الواقف؛ ليجمع بين عموم الذريَّة لَعَلِيٌّ ورُقَيَّةَ، ويُعمل بالقيد المذكور، فمن كان بالصفة المذكورة استحق، ومن لم يكن كذلك يتوقف في استحقاقه».
وقد عرفت بما ذكرناه ما حاولنا جمعه وترتيبه.
فإن قلت: قد ذكرتم من أوهام (الروضة) شيئًا، إذ ذكرتم أنَّ الدين لا يحِلُّ بالجنون في الفلس، ولا يُرجع بقيمة الولد في الغصب، ولا يمتنع تحلي المرأة بالنقود المثقوبة، وبينتم أنه ليس خلافًا من النووي في الحقيقة، بل خلل في الكتابة؛ تخبَّطَ عليه كلام الرافعي، فلم ذكرتم هذا ونحوه؟
قلت: لننبه به على ما لم نذكره من نوعه.
فإن قلت: أَفَسَالِمُ أبوك في مصنفاته عن مثل ذلك؟
قلتُ: كَلَّا، ولا أجَلُّ قدرًا منه، بل قد يقع الوهم له، ولأَجَلَّ منه في النقل وفي العقل، ولو تَتَبَّعَ مُتَتبع ما وقع لأبي المعالي الذي به نفتخر على سائر المذاهب من هذا النوع لألفى الكثير، فما ظنك بمن بعده؟
стр. 456
القول في المستدرك على الشيخ الإمام ﵀ -
اعلم أنَّ جماع العلم في منقول ومعقول، وقَلَّ مَنْ يستكمل الأمرين، وقد كان الشيخ الإمام ﵀ بالدرجة العالية منهما، ثم كان من التحقيق وحسن الفهم بالمحل الأقصى، ثم كان مع ذلك صبوراً على العمل، وقافًا عند المشكلات. كثير المراجعات، لا يمل ذهنه، إذا ألقى فكره نحو مسألة امتد فيها الشهور، لا يسأم ولا يَضجَرُ، إذا نظر مكانًا أمعن النظر، وتأمَّله الزمان الكثير، وتفكر فيه التفكَّرَ البالغ، وبحثَ فيه في الدروس، لا يَقنَعُ بيوم ولا يومين.
تراه إذا فكر كباهِتٍ يُبْصِرُ شَخْصَهُ ولا يُبْصِرُك، ويُحضِرُ فِكَرَهُ فلا يحضرك، يأتي على مأكُوله (١)، وفِكْرُه جائِلٌ في مَعْمُولِه، ويستغرِقُ الكثير من ليله ونهاره، وعينه ناظرة في كبار العلم وصغاره، ويمضي إلى درسه، وما خاطره مشغول به مِلْءُ حِسّه، يتكلم فيه مع الكبير والصغير، لا يستحقر أحدًا، ويكشف كتب الموافقين والمخالفين، مُجِدًّا مجتهداً، ثم لا يَقنَعُ حتى يطلب أعيان المذاهب، ويبحث مع كل شارق وغارب.
وما هو بسالم مع ذلك عن عثرة قلم، أو كبوة فهم، وربما أُتي الأذكياء - مع شدة فطنتهم وكثرة تفحصهم - من كلالٍ يَعْتري الأذهان قبل استكمال النظر، وفتور يعتري الإنسان في أثناء العَمَل، فيَقنَعُ في وسطه بما لا يرضاه في أوله، وهناك كبوة الجواد، وأين السالم منها؟!
стр. 457
وها أنا مُورِدُ مواضع في كلام الشيخ الإمام ما كنا نُؤثِر أن تَخرُجَ على (١) الوجه الذي خرجت فيه.
منها: الأرض التي كانت معمورةً عمارةً إسلامية، وليست معمورةً في الحال = حكمها حكم الأموال الضائعة، قال الرافعي (٢): «قال في (النهاية): والأمر فيه إلى رأي الإمام، إن رأى حَفِظَه إلى أن يظهر مالكه، وإن رأى باعَهُ وحَفِظَ ثمنه، وله أن يستقرضه على بيت المال. وهذا ظاهر المذهب، وفيه خلاف سيأتي»، انتهى. وتبعه في «الروضة» (٣).
واعلم أن قول الرافعي: «وهذا ظاهر المذهب» من قِبَلِ نفسه لا من كلام الإمام؛ ولذلك حذفه الشيخ الإمام ﵀ من «شرح المنهاج»، فإن عبارة الإمام ﵀: «هو ملك لمسلم غير متعيّن، فالأمر فيه مُفَوَّض إلى رأي الإمام، فإن رأى أن يحفظه ليَتَبَيَّنَ مالكه أو وارثه فَعَلَ، وإن رأى أن يبيعه ويحفظ ثمنه على مالكه فَلْيَفْعَل مِنْ ذلك ما يرى النظر فيه، ثم إن أراد أن يستقرض ذلك على بيت المال فله ذلك»، انتهى.
وقال الوالد ﵀: «ينبغي امتناع بيع الأرض؛ لأنه لا مصلحة فيه، وهي محفوظة بنفسها إلى أن يظهر مالكها أكثر من حفظ ثمنها، والظاهر أنَّ الإمام إنما أراد الآلات التي تُقلع». انتهى.
فأما ذهابه إلى امتناع بيع الأرض فقد قدمنا ذكره فيما خالف فيه الشيخين،
стр. 458
وهو الوجه، إلا أن يُفرض أنه مصلحة على سبيل الندور، وذلك بعيد.
وأما قوله: «الظاهرُ أنَّ الإمام إنما أراد الآلات التي تُقلع» فيُبعده أنَّ الإمام قال (١): «قسم الشافعي الأراضي وعبر عنها بالبلاد» إلى أن قال: «وأما الغَامِرُ فقسمان: قسم لم يجر عليه ملك» إلى أن قال: «وقسم جرى عليه ملك ثم درست العمارة، فهو ملك لمالكه، والأملاك لا تزول بزوال العمارات»، انتهى.
وظاهره: أنَّ كلامه في الأرض لا في العمارة التي كانت عليها، لكنه قال بعد هذا: «إذا كان على الأرض عمارة جاهلية»، وهو ظاهر في أن مراده الآلات، فكلامُه غَلِقٌ مُستبهم، ولعل الصواب ما ظهر للوالد ﵀، وغاب عن فهمي، ووقع في كلام الوالد هنا على قوله: «وله أن يستقرضه»: «أنه لعله في الأعيان التي عُمر بها في الأرض إذا رأى قلعها، أما الأرض فلا تُقرض، وقد سبق الكلام في «باب القرض» عليه»، انتهى.
والذي فهمته أنَّ الإمام والرافعي إنما أرادا استقراض ثمن الأرض إذا باعها، لا استقراض نفس الأرض، وقد حكيتُ كلامهما بنصه فليتأمل.
وليس في قول الإمام: ثم إن أراد أن يستقرض ذلك ما يُعيّن أن يكون مراده استقراض الأرض، بل الظاهر أن المَعْنِي به ثَمَنُها.
ومنها: في «فتاوى القفال»: أنه لو وكل رجلا أن يطلق زوجته ثلاثا، فطلقها واحدةً بألف = تقع رجعيةً ولا يثبت المال، قال الرافعي (٢): «وقضيَّةُ هذا أن يقال: لو طلقها ثلاثا بألف لا يثبت المال أيضاً، ولا يبعد أن يُصار إلى ثبوته،
стр. 459
وإن لم يتعرض الزوج له، كما لو قال: خالِعها بمئة، فخالع بأكثر، فإنه يجوز وإن لم يتعرض الموكل للزيادة، وهذا لأنَّ الموكَّل به الطلاق، والطلاق قد يكون بمال، وقد يكون بغير مال، فإذا أتى بما وكله به على الوجه الذي هو خير وجب أن يجوز».
وقال الشيخ الإمام ﵀: «لا نُسلّم أنه خير؛ لأنه يفوت عليه الرجعة، وقول الزوج للوكيل: "طلقها" ليس بعام في الطلاقين الرجعي والبائن، فيُحمل على الأقل وهو الرجعي؛ لأنَّ المال لم يتعرض له، والأصل عدمه»، انتهى.
وهو كلام غير مُخَمّرٍ (١)، فإِنَّ فرض المسألة في التوكيل في طلاق لا رجعة فيه، فكيف يقال: فَوَّت عليه الرجعة؟! وقوله: «طلق ليس بعام في الطلاقين» صحيح، فإنه مطلق لا عموم له، غير أنه قد لا يتضح ارتباطه بما قبله، ومن ثَمَّ كان الكلام عندي مُنَتَّفًا غير مُخَمَّرٍ (٢)، وسأوضحه وأتكلم عليه فأقول:
إذا قال: "طلقها ثلاثًا، فخالف الوكيل؛ فمخالفته قد تكون بالعدد والصفة، وهي مسألة القفال، وذلك بأن يطلق واحدةً لكن بعوض، وقد تكون بالصفة لا بالعدد بأن يطلق ثلاثًا لكن بعوض، وهي مسألة الرافعي التي يريد إلزام القفال بها من باب أولى؛ لأنه يقول له: «إذا قلت فيما إذا خالف العددَ والصفةَ: يقع ولا يثبت المال، فأن تقوله فيما إذا خالف الصفة فقط أولى».
قوله: ولا يَبعُد أن يصار إلى ثبوته يُحتمل أن يكون في صورة القفال، يعني: يثبت الألفُ فيما إذا طلق واحدةً بألف، ويحتمل أن يكون في صورة
стр. 460
الرافعي، يعني: يثبت فيما إذا طلق ثلاثا كما أمره ولكن بألفٍ، والشيخ الإمام فهم الاحتمال الأول؛ لأنه الذي وقع عنه الحديث فقال: «وقوعه بمال يفوّت على الزوج الرجعة».
وهنا إذا سُئل: هَبْ أنه فَوَّتها، أليس أنه قد وكَّل في البائن باستيفاء العدد مجانًا، فهلا يقع البائن لا باستيفاء العدد على عوض؟
فله أن يجيب بأن يقول: "طلق" ليس بعام بل مطلق، و "ثلاثا" مقيد لذلك المطلق، فالوكيل بين أن يأتي بنفس ما وكّل فيه، أو بالأعم وهو مطلق الطلاق الذي تثبتُ معه الرجعة، فإذا أهمل القيد وأتى بمطلق الطلاق تبعته الرجعة، فإذا استصحب معه عوضاً ينفيها يكون قد فوت على الموكل الرجعة، وما أتى بالموكَّل فيه؛ لأن "طلق" ليس بعام.
وهذا بخلاف: "طلقها ثلاثًا" فطلقها ثلاثا ولكن بألف؛ فإنه جاء بنفس ما وُكِّلَ فيه لكن على صفةٍ أخرى، فلا يَبعُد ثبوت المال إذا لم يفوّت الرجعة، بل جاء بالموكل فيه وزيادة.
فهذا توضيح كلامه إن شاء الله، وبه يتبيَّن أنَّ هذا الحبر لا يضلُّ عن ذهنه أن الطلاق البائن لا رجعة فيه، كما لا يضلُّ عن ذهن إمام الحرمين أن الحائض لا تكون صائمةً شرعًا عند قوله: «المرأة قد يجتمع فيها شرعا الإحرام والحيض والصوم»، فإنه قصد به خلاف ما يظهر من لفظه، كما أن مقصود الشيخ الإمام ﵀ ما بيناه من أنَّ العدول عن الثلاث إلى الواحدة لا ينبغي أن يكون معه ما يفوت الرجعة، بل إذا اقتصر من ثلاث على واحدة فينبغي أن يأتي بالواحدة على