القول في المستدرك على الشيخ الإمام ﵀ -
اعلم أنَّ جماع العلم في منقول ومعقول، وقَلَّ مَنْ يستكمل الأمرين، وقد كان الشيخ الإمام ﵀ بالدرجة العالية منهما، ثم كان من التحقيق وحسن الفهم بالمحل الأقصى، ثم كان مع ذلك صبوراً على العمل، وقافًا عند المشكلات. كثير المراجعات، لا يمل ذهنه، إذا ألقى فكره نحو مسألة امتد فيها الشهور، لا يسأم ولا يَضجَرُ، إذا نظر مكانًا أمعن النظر، وتأمَّله الزمان الكثير، وتفكر فيه التفكَّرَ البالغ، وبحثَ فيه في الدروس، لا يَقنَعُ بيوم ولا يومين.
تراه إذا فكر كباهِتٍ يُبْصِرُ شَخْصَهُ ولا يُبْصِرُك، ويُحضِرُ فِكَرَهُ فلا يحضرك، يأتي على مأكُوله (١)، وفِكْرُه جائِلٌ في مَعْمُولِه، ويستغرِقُ الكثير من ليله ونهاره، وعينه ناظرة في كبار العلم وصغاره، ويمضي إلى درسه، وما خاطره مشغول به مِلْءُ حِسّه، يتكلم فيه مع الكبير والصغير، لا يستحقر أحدًا، ويكشف كتب الموافقين والمخالفين، مُجِدًّا مجتهداً، ثم لا يَقنَعُ حتى يطلب أعيان المذاهب، ويبحث مع كل شارق وغارب.
وما هو بسالم مع ذلك عن عثرة قلم، أو كبوة فهم، وربما أُتي الأذكياء - مع شدة فطنتهم وكثرة تفحصهم - من كلالٍ يَعْتري الأذهان قبل استكمال النظر، وفتور يعتري الإنسان في أثناء العَمَل، فيَقنَعُ في وسطه بما لا يرضاه في أوله، وهناك كبوة الجواد، وأين السالم منها؟!
стр. 457
وها أنا مُورِدُ مواضع في كلام الشيخ الإمام ما كنا نُؤثِر أن تَخرُجَ على (١) الوجه الذي خرجت فيه.
منها: الأرض التي كانت معمورةً عمارةً إسلامية، وليست معمورةً في الحال = حكمها حكم الأموال الضائعة، قال الرافعي (٢): «قال في (النهاية): والأمر فيه إلى رأي الإمام، إن رأى حَفِظَه إلى أن يظهر مالكه، وإن رأى باعَهُ وحَفِظَ ثمنه، وله أن يستقرضه على بيت المال. وهذا ظاهر المذهب، وفيه خلاف سيأتي»، انتهى. وتبعه في «الروضة» (٣).
واعلم أن قول الرافعي: «وهذا ظاهر المذهب» من قِبَلِ نفسه لا من كلام الإمام؛ ولذلك حذفه الشيخ الإمام ﵀ من «شرح المنهاج»، فإن عبارة الإمام ﵀: «هو ملك لمسلم غير متعيّن، فالأمر فيه مُفَوَّض إلى رأي الإمام، فإن رأى أن يحفظه ليَتَبَيَّنَ مالكه أو وارثه فَعَلَ، وإن رأى أن يبيعه ويحفظ ثمنه على مالكه فَلْيَفْعَل مِنْ ذلك ما يرى النظر فيه، ثم إن أراد أن يستقرض ذلك على بيت المال فله ذلك»، انتهى.
وقال الوالد ﵀: «ينبغي امتناع بيع الأرض؛ لأنه لا مصلحة فيه، وهي محفوظة بنفسها إلى أن يظهر مالكها أكثر من حفظ ثمنها، والظاهر أنَّ الإمام إنما أراد الآلات التي تُقلع». انتهى.
فأما ذهابه إلى امتناع بيع الأرض فقد قدمنا ذكره فيما خالف فيه الشيخين،
стр. 458
وهو الوجه، إلا أن يُفرض أنه مصلحة على سبيل الندور، وذلك بعيد.
وأما قوله: «الظاهرُ أنَّ الإمام إنما أراد الآلات التي تُقلع» فيُبعده أنَّ الإمام قال (١): «قسم الشافعي الأراضي وعبر عنها بالبلاد» إلى أن قال: «وأما الغَامِرُ فقسمان: قسم لم يجر عليه ملك» إلى أن قال: «وقسم جرى عليه ملك ثم درست العمارة، فهو ملك لمالكه، والأملاك لا تزول بزوال العمارات»، انتهى.
وظاهره: أنَّ كلامه في الأرض لا في العمارة التي كانت عليها، لكنه قال بعد هذا: «إذا كان على الأرض عمارة جاهلية»، وهو ظاهر في أن مراده الآلات، فكلامُه غَلِقٌ مُستبهم، ولعل الصواب ما ظهر للوالد ﵀، وغاب عن فهمي، ووقع في كلام الوالد هنا على قوله: «وله أن يستقرضه»: «أنه لعله في الأعيان التي عُمر بها في الأرض إذا رأى قلعها، أما الأرض فلا تُقرض، وقد سبق الكلام في «باب القرض» عليه»، انتهى.
والذي فهمته أنَّ الإمام والرافعي إنما أرادا استقراض ثمن الأرض إذا باعها، لا استقراض نفس الأرض، وقد حكيتُ كلامهما بنصه فليتأمل.
وليس في قول الإمام: ثم إن أراد أن يستقرض ذلك ما يُعيّن أن يكون مراده استقراض الأرض، بل الظاهر أن المَعْنِي به ثَمَنُها.
ومنها: في «فتاوى القفال»: أنه لو وكل رجلا أن يطلق زوجته ثلاثا، فطلقها واحدةً بألف = تقع رجعيةً ولا يثبت المال، قال الرافعي (٢): «وقضيَّةُ هذا أن يقال: لو طلقها ثلاثا بألف لا يثبت المال أيضاً، ولا يبعد أن يُصار إلى ثبوته،
стр. 459
وإن لم يتعرض الزوج له، كما لو قال: خالِعها بمئة، فخالع بأكثر، فإنه يجوز وإن لم يتعرض الموكل للزيادة، وهذا لأنَّ الموكَّل به الطلاق، والطلاق قد يكون بمال، وقد يكون بغير مال، فإذا أتى بما وكله به على الوجه الذي هو خير وجب أن يجوز».
وقال الشيخ الإمام ﵀: «لا نُسلّم أنه خير؛ لأنه يفوت عليه الرجعة، وقول الزوج للوكيل: "طلقها" ليس بعام في الطلاقين الرجعي والبائن، فيُحمل على الأقل وهو الرجعي؛ لأنَّ المال لم يتعرض له، والأصل عدمه»، انتهى.
وهو كلام غير مُخَمّرٍ (١)، فإِنَّ فرض المسألة في التوكيل في طلاق لا رجعة فيه، فكيف يقال: فَوَّت عليه الرجعة؟! وقوله: «طلق ليس بعام في الطلاقين» صحيح، فإنه مطلق لا عموم له، غير أنه قد لا يتضح ارتباطه بما قبله، ومن ثَمَّ كان الكلام عندي مُنَتَّفًا غير مُخَمَّرٍ (٢)، وسأوضحه وأتكلم عليه فأقول:
إذا قال: "طلقها ثلاثًا، فخالف الوكيل؛ فمخالفته قد تكون بالعدد والصفة، وهي مسألة القفال، وذلك بأن يطلق واحدةً لكن بعوض، وقد تكون بالصفة لا بالعدد بأن يطلق ثلاثًا لكن بعوض، وهي مسألة الرافعي التي يريد إلزام القفال بها من باب أولى؛ لأنه يقول له: «إذا قلت فيما إذا خالف العددَ والصفةَ: يقع ولا يثبت المال، فأن تقوله فيما إذا خالف الصفة فقط أولى».
قوله: ولا يَبعُد أن يصار إلى ثبوته يُحتمل أن يكون في صورة القفال، يعني: يثبت الألفُ فيما إذا طلق واحدةً بألف، ويحتمل أن يكون في صورة
стр. 460
الرافعي، يعني: يثبت فيما إذا طلق ثلاثا كما أمره ولكن بألفٍ، والشيخ الإمام فهم الاحتمال الأول؛ لأنه الذي وقع عنه الحديث فقال: «وقوعه بمال يفوّت على الزوج الرجعة».
وهنا إذا سُئل: هَبْ أنه فَوَّتها، أليس أنه قد وكَّل في البائن باستيفاء العدد مجانًا، فهلا يقع البائن لا باستيفاء العدد على عوض؟
فله أن يجيب بأن يقول: "طلق" ليس بعام بل مطلق، و "ثلاثا" مقيد لذلك المطلق، فالوكيل بين أن يأتي بنفس ما وكّل فيه، أو بالأعم وهو مطلق الطلاق الذي تثبتُ معه الرجعة، فإذا أهمل القيد وأتى بمطلق الطلاق تبعته الرجعة، فإذا استصحب معه عوضاً ينفيها يكون قد فوت على الموكل الرجعة، وما أتى بالموكَّل فيه؛ لأن "طلق" ليس بعام.
وهذا بخلاف: "طلقها ثلاثًا" فطلقها ثلاثا ولكن بألف؛ فإنه جاء بنفس ما وُكِّلَ فيه لكن على صفةٍ أخرى، فلا يَبعُد ثبوت المال إذا لم يفوّت الرجعة، بل جاء بالموكل فيه وزيادة.
فهذا توضيح كلامه إن شاء الله، وبه يتبيَّن أنَّ هذا الحبر لا يضلُّ عن ذهنه أن الطلاق البائن لا رجعة فيه، كما لا يضلُّ عن ذهن إمام الحرمين أن الحائض لا تكون صائمةً شرعًا عند قوله: «المرأة قد يجتمع فيها شرعا الإحرام والحيض والصوم»، فإنه قصد به خلاف ما يظهر من لفظه، كما أن مقصود الشيخ الإمام ﵀ ما بيناه من أنَّ العدول عن الثلاث إلى الواحدة لا ينبغي أن يكون معه ما يفوت الرجعة، بل إذا اقتصر من ثلاث على واحدة فينبغي أن يأتي بالواحدة على
стр. 461
نسقها، خاليةً عن العوض المفوّت لمقتضاها عند الطلاق (١).
وقد نقل الرافعي قبل ذلك في «الباب الأول» من «الخلع» فيمن وكل وكيلاً بالطلاق فخالع، بعد أن ذكر أنه ينفذ إن قلنا: الخُلع طلاق، ولا ينفذ إن (٢) قلنا: فسخ = أنَّ البوشنجي قال: ا «لذي يجيء على أصلنا أنه لا يَنفُذُ أيضا؛ لأنَّ للخلع صيغة (٣) وللطلاق صيغة، فإن كان ذلك بعد الدخول فيقطع بعدم النفوذ؛ لأنه وكل بطلاق رجعي، فليس للوكيل قطع الرجعة» (٤).
وبمثله أجاب فيما إذا وكله بالطلاق؛ فطلق على مالٍ إن كان بحيث يتوقع الرجعة، وإن لم يكن بأن كان قبل الدخول، أو كان المملوك له الطلقة الثالثة = فقد ذكر فيه احتمالين، وجه النفوذ: أنه حصل غرضه مع فائدة، ووجه المنع: أنه ليس مفهومًا من التوكيل المطلق، قال الرافعي: «وقد يُتوقّف في بعض ما ذكر توجيهًا وحكما» (٥).
قلت: فهذان الاحتمالان يأتيان في الصورة التي صورها الرافعي، وهي ما إذا طلق ثلاثا ولكن بألف، ولا يأتيان في صورة القفال؛ لأنه إذا طلق واحدةً لم يأتِ بما وُكِّل فيه، بل خالف في العدد، فليس فيه إلا أن يقال: إذا رضي ببائن باستيفاء العدد بلا عوض فأن يرضى بها (٦) على عوض أولى.
стр. 462
والمتجه عندي عدم ثبوت المال في الصورتين جميعاً؛ لأن في طباع أهل المروءة النفرة عن أخذ المال في مقابلة الطلاق، فليس من جاء بطلاق بعوض آتياً بخير من طلاق بلا عوض إذا كان قد وُكِّل فيه، وهذا على قولنا: الخُلع طلاق، وأما على قولنا: إنه فسخ، فلا أرتاب في عدم صحة اختلاعه؛ لأنه أتى بغير ما وُكِّل فيه، وليس كمَن وُكِّل في الاختلاع بمئة فخالع بأكثر؛ لأنَّ الموكَّل هناك مُقْدِم على تطليق بعوض، ولا كذلك ما نحن فيه، وقد ظهر بهذا كلام الشيخ الإمام.
ثم إني أقول: إنه غير مُخَمَّرٍ؛ لما فيه من الإغماض وعدم تحرير الكلام على مَحَزّ واحد، فإنَّ قوله: «فوَّت عليه الرجعة» يختص بصورة ما إذا طلقها واحدةً على ألف، وكان قد وكّل في طلاقها ثلاثًا مطلقا، وقوله: «وقول الزوج: "طلقها" ليس بعام» يختص بصورة ما إذا طلقها ثلاثًا على ألف.
ثم إنه فهم عن الرافعي في قوله: «إنَّ الطلاق قد يكون بمالٍ وقد يكون بغير مال» أنه جعله عاما، وليس في اللفظ ما يقتضي ذلك، بل هو مطلق، وبأي صورة جاء الموكّل فقد جاء به، كما أنه مُطْلَقٌ في البائن والرجعي، ثم إذا جاء بالرجعي ثبتت الرجعة؛ لأنها من لوازم المطلق المأذون فيه، وإذا جاء بالبائن ولم يكن وُكِّل إلا في أصل الطلاق لم يكن بائنا؛ لأنه زاد ما كان يمكن حصول الموكَّل فيه دونه، وقولنا: «ما كان يمكن حصول الموكَّل فيه دونه» احتراز من الرجعي.
ومنها: قال الأصحاب: إذا قالت المطلقة ثلاثا: "نكحت زوجاً آخر،
وطئني وفارقني، وانقضت عِدَّتي منه»؛ قُبِلَ قولُها عند الاحتمال، زاد الرافعي:
стр. 463
«وإن أنكر الزوج الثاني وصدّق في أنه لا يلزمه إلا نصف المهر» (١).
قال الشيخ الإمام ﵀: «وكُله صحيح إلا دعواها الفراق، كيف يُقبل قولها فيه وقد أقرت بالزوجية؟ فكلامهم محمول على ما إذا لم تحصل منازعة، ولكنها ذكرت ذلك ذكرًا مُبْتَدَاً، فيُقبل قولها حينئذ؛ لأن الاعتماد في العقود على قول أربابها … » إلى آخر ما ذكره في «شرح المنهاج» (٢).
ولا خفاء في أنَّ الأصحاب إنما تكلموا على قبول قولها في إحلالها للزوج الأول، وما أرادوا تصديقها على الزوج الثاني، ولا يقول بذلك أحد، وليس في اللفظ صراحة فيه، وإنما شوّش الكلام قول الرافعي: «وإن أنكر الزوج الثاني وصدق في أنه لا يلزمه إلا نصف المهر»، وما مراد الرافعي إلا إنكار الزوج الثاني الإصابة، فإنه لمَّا خَشِيَ أن يُفهم من تصديقها - حيث لا منازع لها ولا معارض في هذه الأمور - أنه يُلزم الزوج الثاني بتمام المهر؛ لأنه من تمام تصديقها = نَبَّهَ على ما يدفع هذا من أنه لا يلزمه إلا النصف.
وكان غنيًا عن ذكر هذا على هذا الوجه المنبهم، وكان بين أمرين:
إما أن يضرِبَ عنه صفحاً؛ فإنَّ له مكانًا يخصه، ويكون في ذلك مقتديًا
стр. 464
بالشافعي ﵁ إذ قال في «مختصر المزني» في «باب المطلقة ثلاثًا» (١): «ولو ذكرت أنها نكحت نكاحًا صحيحًا وأُصيبَتْ به، ولا يُعلَم (٢) = حلَّت له وإن وقع في قلبه أنها كاذبة، والورع أن لا يفعل».
وإما أن يذكره واضحًا مُبيِّنًا فيه أنَّ كلامنا إنما هو في الإحلال، ويكون في ذلك مقتديا بالشافعي أيضًا إذ قال في «مختصر البويطي» في «باب الرجعة»، وهو في أواخر الكتاب بين بابي «الحرام» و «الاستبراء»: «وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثا، فادعت أنه أصابها، وأنكر الزوج؛ أحلَّها ذلك (٣)، ولم تأخذ من الذي أنكر إلا نصف الصداق، وهكذا لو [لم يعلم] (٤) الزوج الذي طلقها ثلاثا أنها نكحت، فذكرت أنها نكحت نكاحاً صحيحاً وأُصيبت به، وصدقها = حلَّت له؛ لأنها لو جاءت بولد يمكن ذلك فيه لَحِقَ الزوج» (٥)، انتهى.
ومع هذا أقول: لم يرد الرافعي إلا إنكار الإصابة، ولا صريح في لفظه يدل على خلافه، وما يُوهمه الإطلاق مدفوع بما هو مستقر في النفوس من أنَّ قولها في الفراق غير مقبول.
فإن قلت: هل من عذر للشيخ الإمام ﵀ وهو من أذكى البرية فطرة (٦) - في هذا الفهم العجيب؟
стр. 465
قلت: عذره أنه استدرك على اللفظ، واللفظ مطلق، كان من حق قائله أن يوضحه ويقيده، وإلا فالشيخ الإمام لا يخفى عليه، ولا على آحاد العوام أنَّ دعوى المرأة الفراق غير مقبولة على زوج حاضر يدعي دوام النكاح، ولا يُظَنُّ مخالفة الرافعي في ذلك، ولا إرادته لهذه الصورة، وإنما الأذكياء يعترضون الألفاظ حيث لا يحرّرها قائلها كما يعترضون المعاني.
ونظير هذا أنَّ ابن أبي عصرون ذكر قول الإمام في المشرك إذا أسلم على أربع فقط: «إنه يثبتُ نكاحهنَّ، ولا مساغ للتخيير؛ لأن إمساك العدد المشروع واجب»، فقال: «هذا مخالف لأصولنا، فإنه لا يجب عليه استدامة نكاحهن، وله طلاقهنَّ كما لو تزوجهنَّ في الإسلام» (١)، ولا يخفى على ابن أبي عصرون - مع علو قدره - أنَّ الإمام لم يُرِدْ ما أَدَّى إليه لفظه من وجوب استدامة النكاح، وأنه إنما أراد ما هو المراد من قوله ﷺ : «أمسك أربعًا»، وقد تقدم قول الأصحاب هنا بوجوب التعيين، واستدراك الشيخ الإمام فيه، وتكلمنا عليه.
ونظيره قول الرافعي في باب الغصب معترضا على من حَدَّ المثلي بأنه ما يُقسم بين الشريكين من غير حاجة إلى تقويم: بأنه يُشكل بالأرض المتساوية الأجزاء، فإنها تُقسم وليست بمثلية (٢)، ولا يخفى على الرافعي أن الكلام في المنقولات، غير أنه اعترض اللفظ بتخليته مطلقًا غيرَ مُقَيَّدٍ بما يُخرجُ غير المقصود.
وبالجملة: الإرادات لا تدفع الإيرادات، وذوو التحقيق يُحاسبون على الفلتة، ولا يسامحون باللفتة، فهذا بيان عذر الشيخ الإمام ﵀، وقد كان من
стр. 466
المضايقة في الألفاظ في مجالس الجدال والنظر بحيث يتحير المتكلم معه، ولا يكاد يدري ما يقول.
وقد سوغ الجدليون للمعترض على من يعتبر العدد في الاستجمار إذا قال: «عبادة متعلقة بالأحجار، فاعتبر فيها العدد كالجمار» = أن يُنقض عليه بالرجم، فإن عاد المستدل وقال: «عبادة متعلقة بالأحجار، لم يتقدمها معصية» مُحاولا بزيادة هذا القيد دَرْءَ النقض، عاد المعترض له بمضايقة جديدة وقال: هذا القيد عديم التأثير في الأصل والفرع.
وكذلك إذا قال في الخوف: «صلاةٌ يجب قضاؤها، فيجب أداؤها كالأمن» كسر عليه بأن قال: خصوص الصلاة مُلغَى، مُتَوصلاً بذلك إلى أن يعود المستدل فيبدل «الصلاة» بـ «العبادة»، فيقول له حينئذ: ليس كل ما يجب قضاؤه يؤدى، بدليل الحائض.
فهذا وأمثاله الكثيرة مما يبين لك اشتغال المحققين بالمطالبة بتصحيح الألفاظ، والتحرُّزِ في مقام النظر، ومحفل الغرر عن أن يُمسك عِنانَ الكلام ويمنع الجريان بأيسر لفظة.
ونظير هذا المكان - وقد قدمناه في «الباب الأول» -: أنَّ الإقعاء المستحب ما كان بين السجدتين، هذا هو رأي الشيخ الإمام، وهو رأي النووي أيضا، إلا أن عبارته في «الروضة» (١): «ثبت في «صحيح مسلم» أنَّ الإقعاء سُنَّةُ نبينا (٢) ﷺ ، وفسره العلماء بأن يفرش رِجليه ويضع أَلْيَيْهِ على عقبيه، ونص على
стр. 467
استحبابه الشافعي في «البويطي» و «الإملاء» في الجلوس بين السجدتين»، انتهى بالمعنى.
قال الشيخ الإمام ﵀: «أطلق النووي في «الروضة» وغيرها استحباب هذا الإقعاء، وينبغي تقييده بالجلوس بين السجدتين خاصَّةً»، انتهى بالمعنى أيضًا. أفتراه مع كونه نقل عن «الروضة» لم يُبْصر قول النووي: «ونصّ على استحبابه الشافعي في «البويطي» و «الإملاء» في الجلوس بين السجدتين»، وإنما أراد الاعتراض على إطلاقه العبارة أولاً حيث قال: «ثبت أن الإقعاء سُنَّة … » إلى آخر كلامه.
فكان حقه أن يقول: "ثبت أنه سنَّةٌ في الجلوس بين السجدتين"، أو أن يعمم ويقول: "هو سُنَّةٌ مطلقا، وإن كان الشافعي إنما نص عليه بين السجدتين"، فيُلحق ما عدا تلك الحالة بها، غير أنه قال في التشهد الأول: «السُّنَّة الافتراش»، وفي الأخير: «السُّنَّة التورك»، ولو كان يرى أنَّ الإقعاء فيهما أيضًا سُنَّة لكان يُشبه أن ينبه عليه ويقول في كل: سُنَّة، بل إنما يراه بين السجدتين، وإنما أطلق اللفظ فأمسك عليه.
ومنها: قال الشيخ الإمام ﵀: «إنَّ المكفي بنفقة قريب أو زوج، له أن يتناول من الوقف على الفقراء والوصية لهم؛ لأنَّ اسم الفقر (١) يتناوله، ولا يأخذ من الزكاة؛ لعدم احتياجه»، فأدار الحكم في الزكاة على الحاجة، وفي الوقف والوصية على صدق الاسم، وقد قدمنا هذا.
وذهب الشيخان إلى أنه لا يأخذ من واحد من الثلاثة، إما لأنهما يمنعان
стр. 468
تسميته فقيرًا، وعليه دلَّ قول «المنهاج»: «والمكفي بنفقة قريب أو زوج ليس فقيرًا في الأصح» (١)، أو لأنهما يمنعان إعطاءه من الوقف والوصية وإن سُمِّي فقيرًا.
وللشيخ الإمام على هذا كلام طويل لم يتنقّح لي كلَّ التنقّح، إلا أنَّ منه ما نصه: «فحينئذ بين تصحيح «الروضة» وتصحيح «المحرر» و «المنهاج» اختلافُ في كونهما يُعطيان أو لا يُعطيان … » إلى آخر كلامه. وشغلت فكري كلَّ الشَّغل بأن أفهم عن «المحرر» و «المنهاج» مخالفةً لما في «الشرح» و «الروضة» فلم أجد، وخطرَتْ لي محامل (٢) كثيرة تبين لي بعد التروي فسادها، وأن تصحيح الشيخين في الكتب الأربعة على منوال واحد، وهو منعهما من الزكاة والوقف والوصية، وكلام الشيخ الإمام هذا في تخريجة من كتابه ليست من الأصل، وقد كان يكتب غالبًا من حفظه (٣)، فالله أعلم بما كان من حفظه هنا.
ومنها: إذا قال: "خالعتكِ بألف"، فقالت: "قبلت الألف"؛ صحَّ، قال الرافعي (٤): «وفي فتاوى القفال (٥): أنَّ أبا يعقوب غلط فقال في حق المرأة: لا بد أن تقول: "اختلعتُ"، والأجنبي لا يحتاج إليه» (٦)، هذا كلام الرافعي، وأبو يعقوب هو الأبيوردي.
стр. 469
وقد وقفت على «فتاوى القفَّال» وليس فيها زيادة على هذا، وقد فهم منه الوالد ﵀ أن أبا يعقوب يشترط لفظ "اختلعتُ" ليوافق "خالعتُ"، وهذا يدلُّ عليه قوله في حق المرأة: «لا بُدَّ أن تقول: اختلعتُ»، غير أنه يدفعه شيئان:
أحدهما: لفظ "الألف" في قول الرافعي: «قبلتُ الألف»، فإنه لو كان المراد اشتراط لفظ: "اختلعت" دون "قبلتُ" لم يحتج إلى ذكر الألف.
الثاني: أنه لو كان المراد توافق اللفظين لم يفرق بين المرأة والأجنبي.
فالذي أفهمه من هذا ما فهمه ابن الرفعة في «المطلب»: «وفرقٌ بين المرأة والأجنبي بأن الأجنبي لا يحتاج أن يقول: اختلعتُ؛ لأنَّ حظه منه قبول المال، فكفى، ولا كذلك الزوجة». يعني: فإنَّ الطلاق من حيث كونه واقعا عليها لها فيه حظ، فاشترط لفظ من قِبلها يدلُّ على قبول العقد بأن يُطلق: "قَبِلتُ" مطلقًا غير مُسنَدٍ إلى المال، أو "اختلعتُ "، وهذا الذي فهمته هو الذي فهمه أخي شيخُنا أبو حامد أحمد سلمه الله، فإني لما وقفت في كلام الوالد أرسلتُ سألته؛ لأستضيء (١) بفهمه، فوافقني على ما فهمته.
ومنها: إذا قال: "كلما وقع عليكِ طلاقي فأنتِ طالق"، ثم قال لها: "أنتِ طالق"، وهي مدخول بها؛ وقع الثلاث، قاله الأصحاب، وقال الشيخ الإمام في كتاب «أحكام كُل»: «هذا إن قلنا: العلَّةُ متأخرة عن المعلول، وإن قلنا: معه - وهو ما رجحه الرافعي، والنووي - فإن جعلنا "ما" مصدريَّةً غير ظرفية؛ فكذلك، وإن جعلناها ظرفيَّةً لم يقع إلا طلقتان؛ لأنها إذا كانت ظرفيةً فالمعنى: كل وقت، فإذا قال: "أنتِ طالق" وقع الطلاق المنجز وواحدة من المعلق،
стр. 470
كلاهما في وقت واحد، ثم لا يقع في ذلك الوقت ثالثة؛ لأنه لم يجعل في كل وقت غير طلقة واحدة، وبعد انقضاء الوقت الأول لم يقع طلاق؛ إذ لا تكرار في "كل"، وإنما لها عموم فقط».
هذا تقرير كلامه في «أحكام كُل»، فافهمه، وقد وقع في النسخ انقلاب وتغيير فلا تعتمده، فهذا هو المراد، وما عداه غلط من الناسخ، أو سبق قلم من الشيخ الإمام ﵀، والذي تحرّر لي من مقصوده ما ذكرته هنا، وهو مَتِينٌ.
ومنها: قال فيما أملاه علي: "ما" كـ"متى " لا كـ "إذا"، وهذا حق لا شك فيه؛ فإن "ما" و"متى" للعموم، ولا كذلك "إذا"، غير أنَّ الأصحاب لم يفرقوا بين "متى" و"إذا" حتى يقال: "ما" كـ "متى" لا كـ"إذا"، بل سَوَّوْا بينهما في الدلالة على الفور وقالوا: «سائر الصيغ إلا "إن" تَدُلُّ على الفور»، ذكروه في «كتاب الطلاق»، وقالوا في «الخُلع»: «إنَّ "متى " - و "ما" في معناها - لا تقتضي الفور»، ولم يُصرحوا بـ"ما"، وإنما نقلوا عن البوشنجي فيمن قال: "ما لم أطلقك فأنتِ طالق" أنه كما إذا قال: "إذا لم أطلقكِ"، فلم يتبين لي فيما قاله الوالد مخالفة لهم، وكلامه في "ما" المصدرية الوقتية، ثم هو نفسه فرَّقَ بينها (١) وبين "متى"، وذكر ما طال علي فتركته، وقلتُ في نفسي كما قال إمام الحرمين في «كتاب الطلاق (٢)»: «ولستُ أرى لذِكْر ما لا أفهَمُهُ وَجْهَا».
ومنها في العاقلة: إذا ضربنا على المعتق فبقي شيء من الواجب؛ فهل يُضرب على عصباته في حياته؟ نقل الإمام والغزالي المنع (٣)، قال الرافعي:
стр. 471
«والمفهوم من كلام غيرهما - وصرح به صاحبا «الشامل» و «التتمة» ــ أنه يُضرب عليهم».
وذكر الرافعي أيضا نقلا عن الإمام أنه تردد فيما لو لم يَبْقَ المعتق وضربنا على عصبته؛ فهل يُخَصُّ بالأقربين لأنهم أهل الولاء والإرث، أو يتعدى إلى الأباعد كعصبة الجاني؟ وأنه رجح الاحتمال الثاني، وأن الغزالي جزم به (١).
قلت: وهذا التردد يأتي في حياته إذا فَضَل عنه شيء، وقلنا (٢): يُضْرَبُ عليهم.
إذا عرفت هذا فقد جمع الشيخ الإمام ﵀ في كتاب «الغيث المغدق» في المسألة ثلاثة أوجه، فقال بعدما نَصَر رأيه في أن الولاء ينتشر ولا يختص بالمعتق في حال حياته، ونقل عن نص الشافعي في (المختصر)، وكلام الأصحاب ومنهم صاحب «الشامل» و «التتمة» في هذه المسألة، وحكى كلام الإمام أيضًا =: أنه اجتمع له في المسألة ثلاثة أوجه:
أصحها: أنَّ العقل يعم عصبات النسب والمعتق، وعصباته في حياته.
والثاني: لا ينتقل في حياة المعتق، وبعده يُضرب على الجميع، وهو الراجح عند الإمام.
والثالث: يختص به بعد موته الأقرب فالأقرب، قال: «والرافعي وافق الإمام فلم يذكر الوجه الأول. انتهى ملخصا.
وقد تَعَسَّر عليَّ فَهمُه، فإِنَّ الأول منها قد ذكره الرافعي، واقتضى كلامه
стр. 472
ترجيحه، وعزاه إلى «الشامل» و «التتمة»، فإما أن يكون سقط من نسخة الوالد من «الرافعي» شيء، وكانت نسخته بمصر من «الرافعي» سقيمةً جدًّا، أنا أعرفها ووقفت عليها، وإما أن يكون أراد غير ما فهمته، ولا شك أن كلام الرافعي اشتمل على ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يُضرب على عصبة المعتق ما يفضل عنه في حياته.
والثاني: لا يُضرب إلا بعد وفاته، ويَخُصُّ الأقربين، فلا يُضرب على مَنْ بعدهم شيء وإن فضل عنهم؛ لأنهم ليسوا موالي.
والثالث: لا يُضرب إلا بعد وفاته، ثم يَعُمُّ الأقرب والأبعد (١)، بمعنى أنه إذا فضل عن الأقرب شيء ضُرِب على الأبعد، لا بمعنى أن الأبعد يُضرب عليه مع الأقرب وإن لم يفضل عنه (٢) ويكون مساوياً له، فإن هذا لا يقول به أحد لا في المناسبين ولا في الموالي.
وسكت الرافعي عما إذا قلنا: يُضرب في حياته فَضُرِبَ على الأقربين، فضل عنهم شيء؛ هل يُضرب على الأبعدين؟ وقياس تردُّد الإمام أن يطرقه، وأن يكون الراجح الضرب.
وبالجملة خرج من كلام الشيخ الإمام أنَّ الصحيح عنده أنَّ عَصَبَةَ المعتق يحملون عنه ما يفضل عنه كما صرح به صاحبا «الشامل» و «التتمة»، ولم يفصح الرافعي والنووي بترجيح شيء، وإن كان يظهر من سياقهما الميل إلى ذلك.
стр. 473
وخطر لي أن يكون مراد الوالد بالوجه الأول الضرب في حياة المعتق لِمَا فضل عنه على عصبته، ثم لما فضل عنهم على عصبتهم، فإنَّ الرافعي سكت عما يفضّل عنهم؛ لأنه لم يفرع على الوجه الذاهب إلى الضرب على العصبة في حياة المعتق، هل إذا فضل عنهم يُضرب على عصبة العصبة كما هو أحد احتمالي الإمام في الفاضل عند موت المعتق أو لا؟ والشيخ الإمام لم يتكلم في حالة موت المعتق البتَّةَ، ولا غرَض له في كتاب «الغيث المغدق» فيها؛ لأنَّ غرضه إقامة الدَّلالة على أنَّ عصبة المولى موالي في حياة المولى.
فهذا خطر لي في معنى كلامه، غير أنه لا يتم؛ لأنَّ هذا قد قدمه الرافعي جازما به حيث قال: «إذا لم يكن للجاني عصَبَةُ نسب، أو كانوا ولم يَفِ التوزيع عليهم؛ تحمل معتقه، فإن لم يكن، أو فضَلَ عنه شيء تحمل عصبته من النسب، فإن لم يكونوا أو فضَلَ تحمَّل معتق المعتق، ثم عصباته» (١)، انتهى.
فكيف يقال: إنه وجه لم يذكره الرافعي، وقد جزم به؟! فليقض العجب من متفحص أشدَّ التفحص، نظره أتم نظرٍ، تُوقِعُه القدرة في مثل هذا!
وفي كلام ابن الرفعة وأكبر منه من هذا النوع ما لا أحصي له عددًا، وطالما نسب ابنُ الرّفعة إلى بعض الكتب المهجورة ما هو في «الرافعي»، وكذلك الرافعي طالما نسب ما هو مشهور في مذهبنا إلى بعض الكتب المهجورة، أو إلى الحنفية لمَّا عَزَّ عليه في مذهبنا، ومن ذلك ما نبه عليه النووي في «الروضة»، والاشتغال بمثل هذا - مع الإحاطة بتكاثره عن حد الإحصاء - تضييع للزمان.
стр. 474
وعند وصولي إلى هذا كانت الطلبة يقرؤون علي درسا في «الكشاف» في سورة حم المؤمن، في قوله تعالى: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠]، ووجدتُ في تفسير الشيخ الإمام اختياره أنَّ "إذ" للتعليل، وقوله: «لم يقل أحد إنها للتعليل في هذا المكان»، ثم وجدتُ الزمخشري في هذا المكان نفسه قد حكاه، مع كثرة تتبع الوالد لكلام الزمخشري، فربما نَبا النظر (١)، أو طغى القلم.
على أنه يمكن أن يقال: إنَّ الشيخ الإمام أراد: «لم يقل أحد إنها للتعليل مجردةً عن الظرفية»، وهو غير ما قاله الزمخشري، فإنَّ الزمخشري أراد التعليل على الأعاريب كلّها، يعني مع كونها ظرفًا.
ولقد سمعتُ الشيخ الإمام يقول: حكى لي شيخنا ابن الرفعة أنه دخل على ابن دقيق العيد يوماً، وكان كثير الكتب، فوجد بين يديه فتيا، وهو يُقَلِّب الكتب ظهرًا لبطن، وقد سئم من الكشف، وأعوزه النقل، وأضجره التعب، فقال لي: الله جاء بك، ما تقول في كيت وكيت؟ فذكر له مسألةً من أوضح مسائل «التنبيه»، قال: فأمسكت طويلاً، فقال لي: ما بالك؟ فقلتُ: السائل عظيم، لا يسأل إلا عن مُشْكِلٍ، وهذه في بادئ الرأي واضحةٌ، فأنا أردد فكري في موضع الإشكال منها، فقال: لا والله، إنما هي فتيا وردت عليَّ وأعوزني النقل فيها، فقلت: هي في «التنبيه»، وقرأتُ لفظه عليه. فهذا حال ابن دقيق العيد، وهو عالم هذا القرن، وسيد عصره منقولا ومعقولاً.
وأعجب منه ابن الرّفعة نفسه، فلقد اتفق له (٢) وهو البحر المحيط
стр. 475
بالمذهب، وذو الذاكرة المبصرة، وإن توارت الشاردة تحت الغيهب - ما هو أعجب من هذا وأغرب.
أما هو القائل في «باب الكتابة»: «الذي يظهر قبولها للنيابة»؟ وذا كلام من غاب عنه النقل، والمجزوم به في «الرافعي» وغيره في «باب الوكالة» جواز التوكيل في الكتابة.
أما هو القائل في «باب الوديعة» في الصبي المالكها يُتلفُها: «الذي يظهر براءته، فإن فعله لا يُحبط، وتضمينه مال نفسه محال»؟ وبهذا جزم الرافعي في «كتاب الجراح» عند الكلام فيما إذا وثب الصبي أو المجنون (١) فقتل الجاني (٢).
أما هو الناقل مستغربًا في «باب الضحايا» عن «باب الهدي» من «تعليقة القاضي الحسين» أنَّ سُبع بدنةٍ أو بقرة تُجزئ عن الشاة المنذورة؟ ولو تأمل لأبصره مجزوما به في «الرافعي» في «باب الضحايا» نفسه (٣).
فإن قلت: لم يصرح الرافعي بأنَّ ذلك مستمر، وإن قلنا: سبع من الغنم أفضل من بدنة، وذاك مطلوب ابن الرفعة.
قلتُ: ولا القاضي، وانظر «التعليقة» و «الشرح»، فما فيهما إلا إطلاق الإجزاء.
أما قال في الأمة المزوجة يسافر بها السيد: «لم أرَ مَنْ قال باستحقاقها قضاء القَسْم، بل منصوص الشافعي سقوط الحق»؟
стр. 476
قلت: والذي في (الرافعي) نقلا عن المتولي وجوب القضاء.
أما اقتصر تفريعاً على تجويز رهن الدين على نقله عن «البيان» أنه يلزم بنفسه؟ وهو أحد وجهين حكاهما الرافعي في «باب الهبة» (١)، وعذره أنهما في غير مظنتهما، وقد استحضرهما تلميذ (٢) الشيخ الإمام (٣)، فنبه عليهما في «باب الرهن» من «التكملة»، فلله حافظ لم يغب عنه وهو في المظنة ما في غير المظنة مع تباعد البابين.
وعذر شيخه ناهض، فما وقف ابنُ الرّفعة على «الرافعي» إلا وقد تغلغل بالمذهب، ولعلَّهُ أَوَّلُ مصري زا زاوله (٤)، فكيف لا يغيب عنه بعضه.
وهو أوسع عذراً من الشيخ الإمام، حيث نقل في «كتاب الحج» فيمن مات بعد دخول وقت الصلاة وقبل مضي ما يسع فعلها عن القاضي أبي الطيب تبينَ عدم الوجوب، وهذا قاله الرافعي في الموضع الذي فيه تكلم الشيخ الإمام، فكيف غاب عنه (٥)!
ولعلَّ همته لما اشتغلت بالرد على ابن الصلاح في إنكاره أن مدة السير شرطُ وجوب الحج = لم يتأمل غيره، على أني مخالف له وللرافعي والنووي، وموافق لابن (٦) الصلاح، وتعجَّبُ الوالد منه عجيب، فقد سبقه إليه الشيخ أبو
стр. 477
عليٌّ والماوردي، والنَّظرُ والحُجَّاجُ يُساعدانه.
وأما قولُ الوالد: «نَصُّ الشافعي يشهد للرافعي» فسمعًا للنص وطاعة، ولكن أين صريحه؟ ولسنا لهذا الآنَ فَلْنَعُدْ إلى حديثنا مع ابن الرفعة.
أما قال في «النكاح»: «حكى القاضي في «باب تدبير الصبي» وجهين في انفساخ نكاح القائل لزوجته الكبيرة، أو المشهورة النسب (١) من غيره: "أنتِ ابنتي" وإن كذبته»؟ وهما في «الرافعي» (٢).
أما هو المُتعجِّبُ عند سماعه من الشيخ الإمام الطلاق في الذمة كما قدمناه؟
ويتبع هذا خوضٌ في لُجَّةِ بحرٍ تقِلُّ سلامة راكب ثِجَّة، وسعيٌ في جمع متفرق لا سبيل إلى تقويم عِوَجِه، فكم غاب النقل عن متوخيه، ثم آب الذهن فوجده (٣) حاضرًا فيه، وكم خان الحفظ ذكورًا، وتوارى ما تُبصره عن لأي تلقاء عينك مسطورًا.
وليس من ذلك نحو قول الرافعي: «قال المتولي: لو قسم لواحدة، فلما جاءت نوبة الأخرى طلقها = عصى»، وإن تعقبه النووي بقوله: «هذا مشهور حتى في «التنبيه» (٤)؛ فإنَّ الرافعي كان قليل النظر في «التنبيه»، ومِن ثَمَّ فاتته منه مسائل أمهات، ووجوه كثيرات، إنما محفوظه «الوجيز».
نعم، من ذلك - وأعظم من ذلك، ويا له غريبًا في ذلك - قول ابن الرفعة في
стр. 478
نكاح المحلّل إذا أضمر أنه إذا أحلها طلقها: «صرَّح القاضي الحسين بكراهته».
قلت: ولم يَخلُ منه مصنف، ولا «التنبيه» الذي هو محفوظه.
أما نحو قول ابن الرفعة في (١) «إن كان المولود لي (٢) بنتاً فقد زوجتكها": كلام الغزالي يشير إلى بنائها على بيع مال الأب على ظنّ الحياة»، وفي القاضي يريد نكاح من لا ولي لها: «قال الغزالي: يُنكحه نائبه»، فيظهر منه أنه ذكره مع استحضاره؛ لأنَّ الرافعي ذكره حبا لعدوله عن النقل عنه إلى أصوله (٣).
ومن ذلك قوله في نكاح المشركات: «لو نكح ذمي ذمية نكاح تفويض، واعتقد أن لا مهر، وترافعا إلينا = حكمنا بوجوبه عند الدخول، كما قاله البغوي» (٤).
قلت: وجزم به الرافعي في «باب المفوضة» غير أنه أحبّ العزو إلى أصله (٥).
أما قوله: «قال الماوردي: المستوجِبُ للنار قتل العمد دون عمد الخطأ» (٦)، فإن استحضر كونه في «الرافعي» أيضاً (٧) فعلى عدوله عنه إلى الماوردي هنا، مع أنَّ في «الماوردي» نزغة اعتزال (٨)، فقد يدركه الأصولي.
стр. 479
وأما قوله في بعض الآحاد يقتل الزاني المحصن ويقول (١) عليه القصاص: «وقع لي بحثًا وجوب الكفارة عليه». فكلام من لم يتذكر أنه وقع للرافعي قبله بحثا أيضا.
ومن أعجب العجب أنه يحكي عن الرافعي من كلمتين له متلاصقتين إحداهما، ويعزو الأخرى إلى من بعده، فما (٢) أعجبه بصرا طغى، وإنسانًا أُنسي وقت الذكر.
ألا ترى إلى قوله فيما إذا أعرض بعض الغانمين: «قال الشيخ - يعني شيخه ابن عبد السلام في «الغاية» -: يصير المعرض كمَن لم يكن (٣)، فيُخمس سهمه مع الغنائم، وتُصرف الأخماس الأربعة إلى الغانمين، وحكى الرافعي وجها أنَّ نصيب المعرض يضم إلى الخُمس، وهذا أبداه الإمام احتمالا (٤)، انتهى. وما قاله الشيخ عز الدين قاله الرافعي قبل حكايته الوجه، لا يتخللهما شيء.
وربما وقع الوهم بسبب التلقي من نسخة سقيمة، وقد وقع في (الشرح) و «الروضة» من ذلك كثير، وقدمنا منه ما وقع للرافعي عن صاحب التهذيب» في مسألة: "حفصة وعمرة طالقان إن شاء الله "، وفي مراجعة الرجعية التي لم يَكُفَّ عن غشيانها، فإنه نقل عن «فتاويه» أنه لا رجعة بعد انقضاء الأقراء وإن لم
стр. 480
تنقض العدَّة، وجرى عليه في «الشرح الصغير» و «المحرر»، وتبعه النووي، ولم يزد ابن الرفعة على استشكاله (١)، والذي في «فتاوى البغوي» عن الأصحاب خلافه، ومنقول الرافعي إنما قاله البغوي بحثًا لنفسه، ولكن سقط من نسخة الرافعي شيء كما بيناه فيما مضى (٢).
وإذا استقر عندك ما بينتُهُ علمتَ أنَّ قولَ الشيخ الإمام في حواشيه على «الوسيط» عند قول الغزالي في «باب الظهار»: «المظاهرُ عنها كلُّ مَنْ يلحقها الطلاق … » إلى آخره = ما نصه ومن خطه نقلته: «مقتضى هذا الإطلاق صحة الظهار عن (٣) الرجعية، وإن كان يعاشرها معاشرة الأزواج بعد مضي ثلاثة أقراء على ما هو الصحيح هناك، وتَبعُدُ صحته منها، إذ لا يترتب عليه مقصود، فإنَّ العود غير ممكن، وعبارة الرافعي قد لا تشملها، فإنه قال: كلُّ مَنْ يلحقها (٤) الطلاق من الزوجات»، انتهى = فيه نظر من جهة وفاقه الرافعي على تصحيح امتناع الرجعة.
وفيه فائدة فرع غريب مبني على هذا، وهو المظاهَرَةُ منها، ولا أعرفه منقولا.
والظاهر جواز الرجعة، وإنما يلزم الغزالي ما ذكره لو كان يوافق الرافعي على امتناع الرجعة (٥)، ونحن قد بينا أنه خلاف المذهب، فلا يُحمل كلام الغزالي عليه.
стр. 481
ووقع لابن الرفعة أنه نقل عن القاضي أبي الطيب أن المسح على الخفين مكروه (١)، وذلك بحسب نسخة سقيمة وقعت له، وإنما حكى القاضي أبو الطيب ذلك عن مالك.
ومن الغريب: يقول الشيخ الإمام - تبعاً لشيخه ابن الرفعة: «قال الرافعي: يجب على المستأجرة للرضاع أن تأكل وتشرب ما يكثر به اللبن، وللمكتري تكليفها ذلك»، ثم يقولان: «وفيه نظر، نعم، الذي قاله الماوردي أنَّ للمكتري منعها من أكل ما يضر باللبن» (٢).
قلت: والذي قاله الماوردي قاله صاحب «البحر» أيضا، لكن الذي وجدته في جميع نسخ «الرافعي»: «ما يُدَرُّ به اللبن» لا «ما يكثر به» (٣)، فلعله تصحف على ناسخ، والوالد لم يتأمل نسخته، فليس فيها (٤) إلا ما ذكرتُ، لكنه اتَّكل على شيخه، وتفويت ما يُدَرُّ به اللبن مُضِرٌّ باللبن، فالذي في «الرافعي» هو الذي في «الحاوي» و «البحر»، واستعمال المكثّر الذي توهّمه ابن الرفعة والوالد على الرافعي ما أظنُّ أحدًا يقول يقول به (٥).
ووقع في «شرح المنهاج»: «يجوز استئجار الولد للخدمة، خلافًا للقاضي
стр. 482
الحسين»، وهو غلط بحسب نسخة وقعت للشيخ الإمام ﵀، وإنما نقل ذلك القاضي في «التعليقة» عن أبي حنيفة، ووقع في «الروضة» كما وقع في «شرح المنهاج» (١)، وهو أيضاً غلط ليس في «الرافعي»، أوقعه فيه ظنُّه أنَّ قولَ الرافعي: «وعلى هذا الخلاف استئجار الوالد ولده» إشارة إلى خلاف في المذهب، وإنما هو إشارة إلى خلاف أبي حنيفة، فليتأمل.
وربما وقع نظر الناظر على أول كلام رجل ولم يتأمل آخره، كنقل الرافعي عن «الحلية» في مسألة: "بع من رأيت من عبيدي"، فإن النووي قال: «إن أراد به «حلية الروياني» فغلط» (٢)، وليس بغلط، بل المراد «حلية الروياني»، والأمر كما نقل الرافعي، وعُذر النووي أنه لم ينظر آخر كلام الروياني.
وقد وقع للشيخ برهان الدين بن الفركاح مثل هذا، فقال - وقد ذكر نقل الرافعي عن التهذيب أنَّ سجود التلاوة يُسَنُّ للمستمع وإن كان القارئ في الصلاة: «إنَّ هذا ليس في «التهذيب»»، وذكر عبارة هي في أول لفظ «التهذيب» في المسألة، ولو تأمل آخره لوجد ما نقله الرافعي (٣).
ونظير هذا: تكلَّم الإمام فخر الدين في سورة حم المؤمن على قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧] على تفسير الكسب، فذكر أنه سلامة الأعضاء … إلى آخره (٤)، فرَدَّ عليه الوالد في «تفسيره» وقال: «لم يفسّر
стр. 483
أحدٌ من أهل السنة الكسب بهذا، إنما قيل هذا في القدرة».
والإمام لم يقتصر على هذا، بل صرح في آخر كلامه بأن الكسب هذا مع قيام المرجح، والمرجح هو الكسب، وهذا غير خارج عن مذهب أهل السنة، بل هو قولهم، ولعلَّ الشيخ الإمام لم يتأمل آخر كلامه.
ووقع من الإمام فخر الدين هنا كلام طويل نقله الشيخ الإمام، وقال: «إنه نزعة فلسفية، وإنه لا يقول به مسلم ولا مِلِّي، وإنما يقول به من ينكر المعاد الجسماني»، وتأملتُ كلام الإمام فلم أجد ما هو صريح ولا ظاهر فيما فهمه الوالد عنه، بل غاية ما ذكر تنعم الأرواح، وأنَّ ذلك جزاء للكسب، وهذا لا ينكره مسلم ولا مِلِّي، إنما الذي ينكره المسلمون على الفلاسفة إنكارهم بَعْثَ الأبدان، وما في كلام الإمام ما يقتضي موافقتهم عليه فتأمله، وقد كفرهم لقولهم به مرات في مصنفاته، وهو خصمهم الأشد.
وربما تأمل الناظر آخر الكلام دون أوله - عكس ما قبله ــ كما اتفق للشيخ الإمام نفسه في قول «المنهاج»: «ولو عُيِّنت كفواً وأراد الأب غيره» (١)، كذا لفظ (المنهاج) (٢)، ومن خطّ النووي نقلته، وكان الوالد أيضاً ينقل من خطّه، ومع ذلك قال: «محل الخلاف في المجبر، أما غيره كالأخ إذا عين غير من عينته فهي التي تُجاب قولا واحدًا»، ولا حاصل لقوله: «محل الخلاف في المجبر» (٣)
стр. 484
مع سماعه لفظ: «الأب» في كلام النووي، وإنما كان يتأتى هذا لو قال: «الولي» (١).
وربما نقل المصنف من أصل سقيم فجاء الخلل من قبله، وقد وقع للرافعي من ذلك مواضع نبهنا على بعضها في هذا الكتاب، وقد وقعت لي نسخة من «أدب القضاء» لشريح سقيمةٌ، نقلتُ في «التوشيح» عنها فيمن دفع ألفًا إلى رجلٍ ليتصرف فيها، فقال القابض: كانت قراضًا، فلي قسط من الربح، وقال الدافع: بل إبضاعًا = أَنَّ شُريحًا نقل أنه قال في «الكبير»: «يتحالفان»، وقلتُ: إني أحسب أنه يعني بـ «الكبير» (النهاية) على اصطلاح أهل خراسان، يسمونها «المذهب الكبير»، ثم تبيَّنتُ أنَّ ذلك خلل في النسخة، إنما هو: «قال الثقفي: القولُ قول الدافع، وقال الزجاجي: قول القابض، وقال المحاملي الكبير: يتحالفان». والمحاملي الكبير هو الشيخ أبو الحسن، إمام قديم في زمان الإصطخري، ذكرناه في «الطبقات».
واعلم أن المجزوم به في «شرح المنهاج» للوالد قولُ الثقفي، وهو ما في «الشرح» و «الروضة» فيما إذا قال: «دفعتُ وكالةً»، فقال العامل: «بل قراضًا».
وحكى النووي في زيادة «الروضة» وجهين في أيهما يُقدَّم: بيّنةُ العامل إذا ادعى أن المدفوع قراض، أو المالكِ إذا قال: «بل قرض» (٢).
стр. 485
وفي «الرافعي» (١) فيما إذا قال: «بعتُكَ»، فقال: «بل وهبتني» وجوه أصحها (٢): لا يتحالفان، بل يحلف كل منهما؛ لأنهما لم يتفقا على عقد، وبهذا فارق مسألة شريح، فإنَّ الإبضاع والقراض عقد واحد، فالتحالف فيه أظهر.
وربما فصل المصنف كلامه، ثم أراد أن يتحصل منه على جملة، فذكر ما لا يساعده عليه تفصيله، كقول «الروضة»: «فالحاصل في اقتداء الشافعي بالحنفي أربعة أوجه، أحدها: الصحة» (٣)، يعني: مطلقا، وهذا الوجه لا يُعرَف في المذهب، ولا يتحصل مما قدَّم هو ذكره، فتأمله، وهذا نبه عليه الوالد.
وأغرب منه أنَّ النووي قال - قبل «باب الآنية» من «شرح المهذب» بعد أن حكى قول الأستاذ بالمنع مطلقا، وقول القفال: «العبرة باعتقاد الإمام»، والشيخ أبي حامد باعتقاد المأموم - ما نصه: «فهذه الأوجه مشهورة، والمختار وجه رابع سنذكره مع غيره من فروع المسألة في «باب صفة الأئمة»، وهو أنه يصح الاقتداء بالحنفي ونحوه إلا أن يتحقق إخلاله بما نشترطه ونوجبه» (٤).
وهذا هو قول الشيخ أبي حامد الذي حكاه هنا ورجحه هناك، ليس غيره.
ويقع في بعض نسخ «شرح المهذب»: «المختار أو الظاهر قول القفال؛ فلم تَزَلِ الأئمة المختلفون في الفروع يصلي بعضُهم خلف بعض»، وكذا رأيته
стр. 486
بخط المصنف، ولو استمر عليه لكانت مناقضةً منه لترجيحه في باب صفة الأئمة قول الشيخ أبي حامد، لكنه ضرب عليه، وعوّض عنه بما ذكرناه، وليس احتجاجه عليه بقويم؛ لأنهم وإن صلَّى بعضُهم خلف بعض فلم قال: «إنهم مع شدة ورعهم ما كانوا يحترزون عن الخلاف»، والوالد وإن رجح قول القفال فلا يُحتج بمثل هذا.
وربما اجتزأ أحد الفقيهين بكلام صاحبه، لا أقول: إنه يقلده، بل يقنع عند سماعه كلامه من النظر بما لم يكن ليقنع به لو لم يسمعه؛ ثقةً منه بنظر صاحبه، وربما لم يكن صاحبه استتم النظر، فأكبر قاطع للطريق على ذوي التحقيق فتور يعرِضُ لهم في أثناء العمل يمنع استتمام النظر، واستفراغ الوسع، واستكمال الجد، وقليل أقل من القليل، وعزيز أعزُّ من الكبريت الأحمر ذهن يستمر على منوال واحد، بهمةٍ واحدةٍ حديدة مع العمل إلى آخره، وهنا كبوة الجواد، وزلَّةٌ العالم.
ثم ربما وجدت جماعات تابعوه اكتفاء بكلامه، وظنا أنه استتم النظر، فترى كلمتهم اتفقت على غير الصواب؛ لتقليد بعضهم بعضا، وفي الحقيقة المخطئ أوَّلهم الذي وثقوا به، واتكلوا عليه، غير أنه أخطأ خطاً واحدًا، وهم أخطأوا خطأين: الخطأ الذي أخطأه، وزادوا عليه باتكالهم عليه، وما كان لهم أن يفعلوا مع غير المعصوم ذلك.
وهذا النوع تجده لمفتي العصر أكثر مما تجده للمصنفين، ولمن أفتى باللسان أكثر مما تجده لمن أفتى بالخط؛ لأنَّ المفتي باللسان في عصرنا قد يتساهل أكثر من تساهله عند كتابة خطه، وقد يتساهل في الفتاوى أكثر من تساهله في التصنيف.
стр. 487
وسبب ذلك في زماننا على الخصوص قلة المبالاة من كثير منهم بأمر الدين، فيحترز من خطه خشية أن يُتَّخَذ حجَّةً عليه ويؤاخذ به أكثر مما يحترز في لفظه، وفي تصنيفه الذي يعتقده تطولُ مدَّته بعده أكثر من احترازه في رقعة فتيا يَبْعُدُ طُولُ مدَّتها، ولو تأمل المسكين أنه ناطق عن الله تعالى لما افترق الحال عنده بين اللسان والخط القريب من الانعدام، والبعيد منه، فليحترز الموقع عن الله، وليخش على دينه أكثر من خشيته على دنياه الفانية، فإنَّ هذا المقصد (١) ليس إلا للدنيا، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ولا أمنع عنه الدين أيضًا؛ فقد يقول الفقيه: إني أحترز على ما يدوم خشية الفساد العظيم أشَدَّ من احترازي فيما لا يدوم؛ لقلة الفساد فيه، وهذا جيد، وغيره أجود منه، والله يعلم المفسد من المصلح، وهو الناظر إلى قلوبنا.
وربما أعطوا النظر حقه، غير أنَّ عصرهم اشتمل على أشدَّ نظرًا، وأدق تحقيقا، وأوسع علمًا، فما (٢) أعطوا النظر حقه؛ لأنَّ من حقه معاودة هذا العالم، واستخراج ما عنده، وإن كانوا لا يقلدونه، غير أنه يخرج من تحرك البحث بين عالمين ما لا يُخرجه ذهن العالم وحده، وهذا قولنا فيما بين النظيرين، فما ظنك بالعالم مع الأعلم؟!
ولقد وقعت في الديار المصرية قديما، وهي مشحونة بأساطين الشافعية، مثل ابن الكتناني، وابن عدلان، وابن الأنصاري، وابن القماح، وابن البلفاني (٣)،
стр. 488
وابن اللبان، والزنكلوني، وغيرهم من الأذكياء كابن القوبع المالكي، والحارثي الحنبلي، والقاضي جلال الدين القزويني قاضي الشافعية، وغيرهم = مسألة وهي (١): رجلٌ مات وعليه دين لوارثه، فهل يسقط من دينه ما يلزمه أداؤه من ذلك الدين لو كان لأجنبي؟ فأفتى غالبهم بأن لا سقوط، وأفتى آخرون بالسقوط، غير أنهم زعموا أنَّ ذلك يؤثر في نقصان مجموع المأخوذ، وظني أن القاضي جلال الدين حكم بأحد هذين مع فضيلته وشدَّةِ ذكائه.
وانتدب الشيخ الإمام للمسألة، وخالفهم أجمعين، وأفتى بالسقوط وعدمِ التأثير في النقصان، وصنف في المسألة كتابَ «مُنية الباحث عن حكم دين الوارث»، وقال فيه: «لم أر أحدًا من فقهاء زماننا اهتدى إلى وجه الصواب في المسألة، فوجب علي أن أوسعَ القول فيها» إلى أن قال: «وكأني بك تقول: كيف يضيع وجه الصواب عن فقهاء الزمان؟ فاعلم أن الصواب لا يضيع عنهم، ولكن الذين حصل الاجتماع بهم وسُمِعَ كلامهم قليلٌ، ولم يحصل منهم استيفاء النظر في ذلك، ولا امتناع في ضلال الصواب عن طائفة يسيرةٍ في وقت ما إذا لم يُستَوْفَ النظرُ، ولو استوفوا النظر لظهر لهم ما قلته قبل أن أقوله، كما ظهر بعد أن قلته لمن وقع الكلام معه، وقد حصل الاجتماع به بعد ذلك، وبحثت معه، فرجع وصرّح بالرجوع والموافقة، فجزاه الله خيرًا، فإنَّ هذه خير صفات العالم، إذا ظهر له الحق رجع»، انتهى.
وفي هذه الحوادث قد قرر الشيخ الإمام ﵀ مرات نقض القضاء، وأنه لا يَطرُقُها الخلافُ (٢) في النقض في غيرها، ولا هي من المجتهدات، وله في ذلك
стр. 489
كلام نفيس أشبعت القول عليه في قاعدة نقض القضاء من كتاب «الأشباه والنظائر».
وربما قنع المتأخر بكلام المتقدم، إما لفتورٍ عَرَضَ فِي أثناء العمل كما ذكرناه، وإما لكونه وقع في كلام المتقدم شيء لم يكن محط غرضه عند كلامه على ما فيه يتكلم ذلك الوقت، فإنَّ المرء لا يُعطي حَيْلَهُ إلا لما صوب نحوه قصْدَه، وما يقع في أثنائه بالعرض لا يستوفي له الغرض، بل يأخذ منه حاجته ذلك الوقت، ويُقصر فيما عداها، ومِن ثَمَّ يقع في غير المظان أماكن يحسبها بعض أبناء الزمان تناقضا وليس كذلك، إنما هي فلتات لسان، وطغيان أقلام يقطع بأن قائلها لو تأملها لما أصدرها، فإنَّ الفقه بحر واسع (١).
الْفِقْهُ بَحْرٌ وَطَوِيلٌ سُلَّمُهْ
إِذَا رَقَا فِيهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ
زَلَّ بِهِ إِلَى الْحَضِيضِ قَدَمُهْ
ولا تحسب قولي «الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ» استشهادًا في غير موضعه، ونقول: ليس الذي نتكلم عليه ممن لا يعلمه، فإنه بالنسبة إلى المكان الذي عرض له فيه الفتور وانقطاع عن استتمام النظر = في حكم من لا يعلمه، ولو أنه من جبال العلم.
وإذا وقع الوهم فيما هذه صفته فربما تابع المتأخر فيه المتقدم أيضًا على وهمه من حيث لا يدري، إما لعجلة كانت منه عند الكتابة، أو لغير ذلك، بل رُبَّ مكانٍ مشتهر أمره بحيث لا (٢) يخفى على المتأخر، ثم يذهل عنه وقت الحاجة.
стр. 490
فهذا الرافعي قد قال: «إنَّ يقين الحدث يرتفع بظن الطهارة» (١)، وذلك متروك عليه، قال لنا الشيخ الإمام، قال لنا ابن الرّفعة، قال لنا الشريف العباسي: «هذا غلط في الرافعي»، ثم تابعه صاحب «الحاوي» عليه، وكانت للقاضي ابن البارزي عناية تامة بـ «الحاوي»، فتابعه عليه في كتاب «التمييز»، مع أن مثله مع اشتهاره لا يخفى على ابن (٢) البارزي.
وربما زاد المتابع فصار وهماً على وهم، وخطأ على خطأ، وغلطاً على غلط، وهذه أمورٌ لا يَسْلَمُ منها صنديدٌ من صناديد أهل العلم فضلا عن غيرهم، وربما تفاقم الأمر في ذلك وعظم الخطب.
* * *
стр. 491
القول في العجائب والغرائب
هذا باب يصلح أن يكون مصنفا مستقلا، أذكر فيه تنبيهات مهمات، وفوائد جليلات (١)، ومثلا هي في الحقيقة نفائس مقصودات، وأشير إلى فروع مستطرفات (٢)، ووجوه مستغربات، ولست بمتشبع بالإطالة، ولا ذاكر ما تناولته الأيدي وتناقلته الألسنة، بل أعرض عن المشهور بين المحصلين صفحا، وآتيهم بشيء جديد لا يعرفونه إلا بعد وقوفهم على هذه المقالة التي يقع باختتامها اختتام هذا الباب الثاني، ولعلك تجد في بعض المثل ما هو أوضح لما تطلب ملبا ذكرت، فاعلم أن تركي ذكر ما وجدت لعل سببه سبق التنبيه عليه بخلاف ما ذكرت.
تنبيه:
ذكرنا قريبا أنه ربما وقع وهم على وهم، وهو كما وقع للقاضي الحسين ﵀ كلام موهم نقله ابن الرفعة في «الكفاية» بعبارة تزيده إيهاما، ففهمه بعض أبناء عصرنا فهما يزيده على مدلوله، فصار - كما قلت - غلطا على غلط على غلط، ومن يغلط ويرجع حين يدري يعذر.
وذلك أن ابن الرفعة نقل قول الإمام: «إن المحققين لا يقيمون لخلاف الظاهرية وزنا»، ثم قال: «وفيه نظر؛ فإن القاضي الحسين نقل عن الشافعي أنه قال في «الكتابة»: لا أمتنع عن كتابة العبد عند جمع القوة والأمانة. وإنما استحب
стр. 492
الخروج من الخلاف، فإنَّ داود أوجب كتابة من جمع القوة والأمانة، وداود من أهل الظاهر، وقد أقام الشافعي لخلافه وزنا، واستحب كتابة من ذكره لأجل خلافه» (١)، انتهى.
وداود إنما وُلِد قبل وفاة الشافعي بسنتين؛ لأنه ولد سنة اثنتين ومئتين، فلا يمكن أن يقال: راعى الشافعي خلافه، ومِن ثَمَّ غلط بعض الناس ابن الرفعة والقاضي الحسين عندما فهم أن هذه الجملة من كلام الشافعي (٢).
والحامل له على التغليط أنه قرأ: «وإنما أستحِبُّ» بفتح الهمزة وكسر الحاء، فعل مضارع للمتكلم، وإنما هو «استحَبَّ» بفتح حاء «استحَبَّ»، والفعل ماض، والمُسْتَحِبُّ هو القاضي الحسين (٣)، وأما الشافعي فلم يزد على استحبابه كتابة من هذه صفته، لخلاف من أوجبها، والمُوجِبُ لها قبل الشافعي غير داود، فإنَّ داود لا بُدَّ أن يكون مسبوقاً بمقالته ضرورة أنه لا يخرقُ الإجماع، فالمراعاة للخلاف الذي عليه داود لا لخصوص داود.
وهذا مثل قول الغزالي في «الوسيط في باب الصيد والذبائح»: «قال أبو الطيب ابن سلمة: ما ذكره القفال صالح» (٤). فمراده المنزع الذي نزع إليه القفال،
стр. 493
وإلا فالقفال متأخر عن ابن سلمة بكثير، ومحاولة ابن الرفعة أن يكون المراد بالقفال القفال الكبير الشاشي لا شيخ خراسان المروزي = لا يُجدي شيئًا؛ فإنَّ القفال الكبير أيضاً لم يُدرك ابن سلمة، وقولُ الشيخ أبي إسحاق: «إنه تفقه على ابن سريج» مستدرك عليه، فلم يدرك الكبير ابن سريج، ولا تلميذ ابن سريج ابن سلمة (١).
وقد ذكرنا هذا الذي قلنا من أمر داود (٢) في «الطبقات الكبرى» بأبسط من هذه العبارة وأوفى، وذكرنا أنه وقع للإمام في «النهاية» في كتاب اختلاف الحكام (٣) نَظِيرُ ما وقع للقاضي، مع تصريحه في «كتاب الظهار» بما لا يخفى مثله عليه من أنَّ داود متأخر الزمان عن الشافعي.
ولقد عيب على أبي عاصم العبادي عَدُّهُ داود فيمن أخذ عن الشافعي، فإنَّ الرجل لم يلحق زمانه تلك الطبقة، ولعل الإمام كان عند النَّظَرِ في كتاب «اختلاف الحكام» بمَعْزِلٍ عن الاشتغال بهذه الجزئية، فجرى على ظاهر عبارة مَنْ لم يُحَرِّر عبارته؛ لظهور الأمر فيما يقوله، فرُبَّ مَنْ يتكلّم في ظاهر من الأمور لا يراعي تحرير العبارة كما يراعيها في خفيٍّ من المشكلات التي يعتاص فهمها، ويُحتاج إلى إعطائها مزيد عناية عند التقرير.
عارضة:
قول الإمام: «إِنَّ المحققين لا يقيمون لخلاف الظاهرية وزنًا» تكرر منه
стр. 494
نظيره، فقال في باب أدب القضاء: «وبحق (١) قال حبر الأصول القاضي أبو بكر: إني لا أعدهم من علماء الأمة، ولا أبالي بخلافهم ولا وفاقهم» (٢). وقال في «باب القطع»: «كرَّرنا في مواضع من الأصول والفروع أن أصحاب الظواهر ليسوا من علماء الشريعة، وإنما هم نقلة إن ظهرت الثقة» (٣).
قلتُ: وهذا وجه ذهب إليه (٤) ابن أبي هريرة، والأستاذ أبو إسحاق، ونقله عن الجمهور، لكن الصحيح من مذهبنا - كما ذكر الأستاذ أبو منصور البغدادي (٥) - عدَّهم علماء، واعتبار قولهم، قال ابن الصلاح (٦): «وهو الذي استقر عليه الأمر».
قلت: وما عداه مستنكر، ففي القوم جبال علوم، ومن أصحابنا من فرق بين منكر القياس الجلي وغيره، والصواب تعميم القول بأنهم علماء.
دقيقة:
يلزم من انتفاء كونهم علماء انتفاء كونهم فقهاء من غير عكس، والقاضي الحسين قال في «فتاويه»: «إنه لا يُصرف إليهم من الوصيَّة إلى الفقهاء» (٧)، قال: «لأنَّ الفقه معنى الكلام.
стр. 495
قلت: ووجه هذا أن الفقهاء جمع فقيه، وهو فعيل بمعنى فاعل، مِنْ فَقُهَ بضم القاف، إذا (١) صار الفقه له سجيَّةً، وقد يقال: ليس الظاهرية فقهاء لذلك، وإن حفظوا علمًا كثيرًا سُمُّوا به علماء، فلا يُؤخَذ من كلام القاضي هذا أنه ينفي عنهم اسم العلم، على أنا لا نوافقه على ما أفتى به، والصواب عندنا جواز الصرف إليهم من الوصية إلى الفقهاء (٢).
فإن قلت: ليس من شرط الفقيه أن يصير الفقه له سجيَّةً، ألا ترى قول الرافعي في الوقف على الفقهاء: «إنه يدخل فيه من حصَّلَ منه شيئًا وإن قل» (٣). وقضية هذا دخول من حصل مسألة واحدةً.
قلت: ليس قضيته ذلك، بل المراد بـ «مَنْ حصل منه» من صار له سجيَّةً، وإن قلت: وقد يقال: لا سجيَّة لمن (٤) يُنكر المعاني.
وقد خرجنا عما كنا فيه، فلنعد إلى تعديدِ (٥) وهم على وهم فنقول:
وقريب من هذا المكان: أنَّ الغزالي قال في «المستصفى» بحثًا لنفسه:
«ينبغي إذا منعنا من قلد إماما أن يقلد غيره، ففعل وحكم بقوله = أن لا يَنفُذَ قضاؤه؛ لأنه في ظنه أنَّ إمامه أرجح» (٦). ونقله عنه الرافعي، إلا أنه حذف لفظة