← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30157

ترشيح التوشيح وتوضيح الترجيح

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (808 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

القول في العجائب والغرائب هذا باب يصلح أن يكون مصنفا مستقلا، أذكر فيه تنبيهات مهمات، وفوائد جليلات (١)، ومثلا هي في الحقيقة نفائس مقصودات، وأشير إلى فروع مستطرفات (٢)، ووجوه مستغربات، ولست بمتشبع بالإطالة، ولا ذاكر ما تناولته الأيدي وتناقلته الألسنة، بل أعرض عن المشهور بين المحصلين صفحا، وآتيهم بشيء جديد لا يعرفونه إلا بعد وقوفهم على هذه المقالة التي يقع باختتامها اختتام هذا الباب الثاني، ولعلك تجد في بعض المثل ما هو أوضح لما تطلب ملبا ذكرت، فاعلم أن تركي ذكر ما وجدت لعل سببه سبق التنبيه عليه بخلاف ما ذكرت. تنبيه: ذكرنا قريبا أنه ربما وقع وهم على وهم، وهو كما وقع للقاضي الحسين ﵀ كلام موهم نقله ابن الرفعة في «الكفاية» بعبارة تزيده إيهاما، ففهمه بعض أبناء عصرنا فهما يزيده على مدلوله، فصار - كما قلت - غلطا على غلط على غلط، ومن يغلط ويرجع حين يدري يعذر. وذلك أن ابن الرفعة نقل قول الإمام: «إن المحققين لا يقيمون لخلاف الظاهرية وزنا»، ثم قال: «وفيه نظر؛ فإن القاضي الحسين نقل عن الشافعي أنه قال في «الكتابة»: لا أمتنع عن كتابة العبد عند جمع القوة والأمانة. وإنما استحب

стр. 492

الخروج من الخلاف، فإنَّ داود أوجب كتابة من جمع القوة والأمانة، وداود من أهل الظاهر، وقد أقام الشافعي لخلافه وزنا، واستحب كتابة من ذكره لأجل خلافه» (١)، انتهى. وداود إنما وُلِد قبل وفاة الشافعي بسنتين؛ لأنه ولد سنة اثنتين ومئتين، فلا يمكن أن يقال: راعى الشافعي خلافه، ومِن ثَمَّ غلط بعض الناس ابن الرفعة والقاضي الحسين عندما فهم أن هذه الجملة من كلام الشافعي (٢). والحامل له على التغليط أنه قرأ: «وإنما أستحِبُّ» بفتح الهمزة وكسر الحاء، فعل مضارع للمتكلم، وإنما هو «استحَبَّ» بفتح حاء «استحَبَّ»، والفعل ماض، والمُسْتَحِبُّ هو القاضي الحسين (٣)، وأما الشافعي فلم يزد على استحبابه كتابة من هذه صفته، لخلاف من أوجبها، والمُوجِبُ لها قبل الشافعي غير داود، فإنَّ داود لا بُدَّ أن يكون مسبوقاً بمقالته ضرورة أنه لا يخرقُ الإجماع، فالمراعاة للخلاف الذي عليه داود لا لخصوص داود. وهذا مثل قول الغزالي في «الوسيط في باب الصيد والذبائح»: «قال أبو الطيب ابن سلمة: ما ذكره القفال صالح» (٤). فمراده المنزع الذي نزع إليه القفال،

стр. 493

وإلا فالقفال متأخر عن ابن سلمة بكثير، ومحاولة ابن الرفعة أن يكون المراد بالقفال القفال الكبير الشاشي لا شيخ خراسان المروزي = لا يُجدي شيئًا؛ فإنَّ القفال الكبير أيضاً لم يُدرك ابن سلمة، وقولُ الشيخ أبي إسحاق: «إنه تفقه على ابن سريج» مستدرك عليه، فلم يدرك الكبير ابن سريج، ولا تلميذ ابن سريج ابن سلمة (١). وقد ذكرنا هذا الذي قلنا من أمر داود (٢) في «الطبقات الكبرى» بأبسط من هذه العبارة وأوفى، وذكرنا أنه وقع للإمام في «النهاية» في كتاب اختلاف الحكام (٣) نَظِيرُ ما وقع للقاضي، مع تصريحه في «كتاب الظهار» بما لا يخفى مثله عليه من أنَّ داود متأخر الزمان عن الشافعي. ولقد عيب على أبي عاصم العبادي عَدُّهُ داود فيمن أخذ عن الشافعي، فإنَّ الرجل لم يلحق زمانه تلك الطبقة، ولعل الإمام كان عند النَّظَرِ في كتاب «اختلاف الحكام» بمَعْزِلٍ عن الاشتغال بهذه الجزئية، فجرى على ظاهر عبارة مَنْ لم يُحَرِّر عبارته؛ لظهور الأمر فيما يقوله، فرُبَّ مَنْ يتكلّم في ظاهر من الأمور لا يراعي تحرير العبارة كما يراعيها في خفيٍّ من المشكلات التي يعتاص فهمها، ويُحتاج إلى إعطائها مزيد عناية عند التقرير. عارضة: قول الإمام: «إِنَّ المحققين لا يقيمون لخلاف الظاهرية وزنًا» تكرر منه

стр. 494

نظيره، فقال في باب أدب القضاء: «وبحق (١) قال حبر الأصول القاضي أبو بكر: إني لا أعدهم من علماء الأمة، ولا أبالي بخلافهم ولا وفاقهم» (٢). وقال في «باب القطع»: «كرَّرنا في مواضع من الأصول والفروع أن أصحاب الظواهر ليسوا من علماء الشريعة، وإنما هم نقلة إن ظهرت الثقة» (٣). قلتُ: وهذا وجه ذهب إليه (٤) ابن أبي هريرة، والأستاذ أبو إسحاق، ونقله عن الجمهور، لكن الصحيح من مذهبنا - كما ذكر الأستاذ أبو منصور البغدادي (٥) - عدَّهم علماء، واعتبار قولهم، قال ابن الصلاح (٦): «وهو الذي استقر عليه الأمر». قلت: وما عداه مستنكر، ففي القوم جبال علوم، ومن أصحابنا من فرق بين منكر القياس الجلي وغيره، والصواب تعميم القول بأنهم علماء. دقيقة: يلزم من انتفاء كونهم علماء انتفاء كونهم فقهاء من غير عكس، والقاضي الحسين قال في «فتاويه»: «إنه لا يُصرف إليهم من الوصيَّة إلى الفقهاء» (٧)، قال: «لأنَّ الفقه معنى الكلام.

стр. 495

قلت: ووجه هذا أن الفقهاء جمع فقيه، وهو فعيل بمعنى فاعل، مِنْ فَقُهَ بضم القاف، إذا (١) صار الفقه له سجيَّةً، وقد يقال: ليس الظاهرية فقهاء لذلك، وإن حفظوا علمًا كثيرًا سُمُّوا به علماء، فلا يُؤخَذ من كلام القاضي هذا أنه ينفي عنهم اسم العلم، على أنا لا نوافقه على ما أفتى به، والصواب عندنا جواز الصرف إليهم من الوصية إلى الفقهاء (٢). فإن قلت: ليس من شرط الفقيه أن يصير الفقه له سجيَّةً، ألا ترى قول الرافعي في الوقف على الفقهاء: «إنه يدخل فيه من حصَّلَ منه شيئًا وإن قل» (٣). وقضية هذا دخول من حصل مسألة واحدةً. قلت: ليس قضيته ذلك، بل المراد بـ «مَنْ حصل منه» من صار له سجيَّةً، وإن قلت: وقد يقال: لا سجيَّة لمن (٤) يُنكر المعاني. وقد خرجنا عما كنا فيه، فلنعد إلى تعديدِ (٥) وهم على وهم فنقول: وقريب من هذا المكان: أنَّ الغزالي قال في «المستصفى» بحثًا لنفسه: «ينبغي إذا منعنا من قلد إماما أن يقلد غيره، ففعل وحكم بقوله = أن لا يَنفُذَ قضاؤه؛ لأنه في ظنه أنَّ إمامه أرجح» (٦). ونقله عنه الرافعي، إلا أنه حذف لفظة

стр. 496

«ينبغي»، فأوهم أنه منقول لا بحث، واختصره النووي فحذف التعليل (١)، فأوهم أنَّ المسألة فيمن قلد غير إمامه سواء أكان لدليل ساقه بحيث ظنَّ أنَّ الحقّ مع غيره في تلك المسألة أم لا، بل لمجرَّد حَيْدٍ عن إمامه، وإنما هي في الثاني. أما الأول فلا يقال فيه: إنَّ في ظنه أنَّ إمامه أرجح، فبحذف التعليل أوهم التعميم، وأنا تابعته في «جمع الجوامع» وزدت كما بينته في «منع الموانع»، فكنتُ ذا وهم على وهم على وهم. ومثله: قال الإمام في النهاية فيما إذا مضت مدة الإمهال للفسخ بالإعسار، فأحضر الزوج صبيحة اليوم الرابع النفقة: «ليس للمرأة أن تقول: أَقبضُ ما جئتَ به عن نفقة ما مضى وأطالب بنفقة اليوم؛ فإنَّ الرجوع فيما يُؤديه من عليه الحق إلى قصده لا إلى قصد القابض» (٢). وزاد الغزالي في «الوسيط» فجعل موضع: وأُطالِبُ بنفقة اليوم: «وأفسخُ في الحال»، وجاء الرافعي فقيد الماضي ببعض الأيام الثلاثة، وعبارته: «وليس لها أن تقول: أَخُذُ عن نفقة بعض الأيام الثلاثة وأفسَخُ». وتبعه في «الروضة» (٣). ولم يتعقّبه ابن الرفعة بشيء، بل قال في «المطلب»: «إِنَّ قول الغزالي: ليس لها أن تقول: أقبض هذا عن الماضي؛ ظاهر الحكم والتعليل»، وقد اعترضه القاضي شمس الدين ابن خلكان بأنَّ قضيته تمكنها من الفسخ لو أسعفها الزوج بجَعله عن بعض الأيام الثلاثة، وليس كذلك؛ لأن التفريع على قول الإمهال ثلاثًا، فلا تكمل المدة حينئذ، فلا فسخ.

стр. 497

وأجاب عنه الشيخ الفركاح بأن مراد الغزالي: ما إذا قالت: أخُذُهُ عن يوم ماض قبل الأيام الثلاثة، واستحسنه ولده الشيخ بُرهان الدين، ولَئِنْ تمَّ هذا في لفظ «الوسيط» فلا يتم في لفظ الرافعي؛ لتصريحه ببعض الأيام الثلاثة، وإنما الخلل من تغيير عبارة الإمام، فإنه لم يذكر الفسخ في الحال، ولكن الغزالي زاده، ولم يذكر لا هو ولا الغزالي بعض الأيام الثلاثة، ولكن الرافعي زاده، ثم فرع عليه بحثًا لنفسه أنهما لو توافقا على جَعْلِها عما مضى فيحتمل أن يقال: لها الفسخ، ويُحتمل أن تجعل القدرة مُبْطِلةً للمهلة، وهذا غير قويم؛ لأنَّ المدة لم تكمل، وهو قد جزم بأنه لو قدر في الثالث وعجز في الرابع فلا بد من تكميل المدة بالرابع. ومثله: سمعتُ الشيخ الإمام ﵀ يقول: «مذهب الزهري حِلُّ الانتفاع بالجلد قبل الدباغ»، نقله الشيخ أبو حامد، فتبعه صاحب «التتمة» وزاد: «أنه عند الزهري غير نجس»، وهي زيادة صحيحة، غير أنه قال: «إنه وجه لأصحابنا، فإن ابن القطان قال: إنَّ الزهومة التي فيه نجسة، فهو كثوب متنجس» (١). وهذا خلاف مذهب الزهري، فَجَعْلُه إياه ليس بجيد. ونقل الرافعي ما في التتمة دون كون الزهومة نجسةً، وجعله كالثوب النجس (٢)، فأوهم أنه طاهر يحِلُّ الانتفاع به مطلقًا، وزاد بعضهم على الرافعي أنه يجوز أكله قبل الدباغ، والحامل له عليه إيهام كلام الرافعي، وذلك خطأً على خطأ على خطأ، ولا يقول بذلك أحد من أصحابنا، وإنما يجيء على مذهب الزهري.

стр. 498

ومثله: ما نبّه عليه الرافعي: حكى الإمام وجها أنَّ ثمن مثل الماء الذي يلزم المسافر شراؤه للطهارة هو أُجرَةُ نقله إلى موضع الشراء، أخذا من أنَّ الماء لا يُملك بعد الحوز في الإناء، وهو لا يُعرَفُ إلا في «النهاية»، وذهب إليه الغزالي في كتبه، وادعى أنه جارٍ وإن قلنا: الماء مملوك، فأفرط في البُعْد (١). ومثله: ما نبّه عليه النووي: ذكر ابن الصباغ كلامًا فهمه عنه صاحب «البيان» على غير وجهه، فزاد في حكايته، فتلقاه عنه ابن أبي عصرون واستخرج منه حكاية وجهين في ماء اغتسل به جماعة لو فرّق عليهم استوعبوه، هل يصير مُستعملا؟ وقال: «أصحهما أنه يصير» (٢)، والمذهب القطع بأنه لا يصير، ممن نقله الجويني في «الفروق» عن النص (٣)، والذي وقع لابن أبي عصرون وهم على وهم (٤). قلت: وقد وافق ابنُ الرّفعة النووي على هذا الذي استدركه على ابن أبي عصرون نقلا، لكنه أخذ يُوجّهه (٥) بحثًا، وأنا رأيتُ في كلام الجويني في «التبصرة» (٦) ما يؤيد ابن أبي عصرون، ويقتضي ثبوت الخلاف، وقد حكيته عنه في الطبقات الكبرى في ترجمة ابن أبي عصرون.

стр. 499

ومثله: ما نبه عليه ابن الرفعة: وقع في «الحاوي» للماوردي كلام توهم به الغزالي نفسه أنَّ العراقيين يقولون: لا يُشترط في عقد الجزية ذكر الاستسلام، بل يكفي التزام الجزية، فقال في «الوسيط»: «وقال العراقيون: لا يُشترط ذكر الاستسلام؛ لأنه حكم العقد كالملك في البيع» (١)، ولو قال قائل: لم يقل هذا من العراقيين أحد؛ لَقارَبَ الصواب، بل الذي أطبقت عليه كتبهم قولهم - والعبارة ل- «التنبيه»: «ولا يصح عقد الذمة إلا بشرطين: التزام أحكام الملة (٢)، وبذل الجزية» (٣)، ونقله الإمام في «النهاية» عنهم أيضا، فعجيب خروج الغزالي عنه. ولكن من هذا وأمثاله يستفاد ما دلني عليه الاستقراء، وهو أنَّ الغزالي ربما نظر «الحاوي» ولم يقتصر على (النهاية) على خلاف ما في ذهن كثير من الناس. ألا تراه يقول في «الوسيط» فيما إذا شافه القاضي واليا ببلد خارجة عن محل ولايته: «في وجوب الاستيفاء نظر؛ لأنه لا ولاية له على تلك البقعة»، ولكن الصحيح وجوبه، ونقله عنه (٤) الرافعي (٥). والذي في «النهاية»: «الوجه عندنا أن لا يستوفي؛ فإنه ليس إليه (٦) سماع قول القاضي كما ليس إليه سماع شهادة الشهود، ويتجه أن يستوفيه»، إلى أن

стр. 500

قال: «والمسألة محتملة على الجملة» (١)، وكلامُه مترددٌ فيها، والأرجح عندي (٢) عدم الاستيفاء، لكن جزم الماوردي في «الحاوي» بالاستيفاء فجعله في «الوسيط» الصحيح، وأشار بالنظر إلى تردد إمامه. ومثله: ما نبّه عليه الشيخ الإمام: قال صاحب «البحر» ما حاصله: تجويز التحلي بالدراهم المثقوبة من غير كراهة، وأن في وجوب زكاتها وجهين، فحكى الرافعيُّ ذلك موهماً بعض إيهام أن الوجهين في التحلي، لكن في تعليله ما يُرشد إلى أن مقصوده إيجاب الزكاة، واختصره النوويُّ ﵀ بعبارة تكاد تكون صريحةً في أنهما في جواز التحلي (٣)، فكان إيهاماً فوق إيهام، وهذا ذكرناه في «التوشيح» مُبَيَّناً. ومثله: ما نبّه عليه الشيخ الإمام أيضاً: لا يلزمُ من عدم انقاض العهد عدم القتل، فسابَّ رسول الله ﷺ يُقتل قولاً واحداً، سواءٌ أقلنا: ينتقض عهده أم لا، ووقع للقاضي أبي الطيب بحثٌ يقتضي الملازمة، فاعتمد تلميذه صاحب «المهذب» وزاد لفظةً مُوهمةً، جاء بعده يعقوبُ بن أبي عصرون صرح بالإيهام، فزاد فحشاً على فحش (٤). ووقع لأبي عاصم العبادي في كتاب «الطبقات» أنه نقل أن أبا عُبيد بن حربويه من أصحابنا حكم بأن الولد يلحق الخَصِيَّ إذا لم يكن محجوباً، فرفع الخِصِيُّ الولد ونادى عليه بمصر: ألا إن القاضي يُلحِق أولاد الزنا بالخدم (٥).

стр. 501

قلتُ: وإنما تُعرف هذه الحكاية عن أبي عبد الله العوفي، قاض قديم ببغداد، مات قبل الشافعي، وظاهر مذهبنا أنَّ مسلول الخصيين الباقي الذَّكَر كالفحل في لحوق النسب، فما ذلك لو وقع من أبي عبيد بمخالف للمذهب، فلا يستغرب، ولعله إنما حكم بلحاق الولد للممسوح - وهو فاقد الذكر والأنثيين جميعاً - وهو مع ذلك قول للشافعي اختاره بعض الأصحاب. وبالجملة أظنُّ أبا عاصم اشتبه عليه أبو عُبيد بأبي عبد الله، فربما ضَرَّ تقارب الاسم، كما اتفق للكيا الهراسي ﵀ لما اشتبه لقبه بلقب الكيا الباطني، وكاد يُهدر دمه غلطاً لموافقة اللقب في حكاية طويلة ذكرناها في «الطبقات الكبرى» (١). وقد يكون اتفق ذلك في زمان القاضيين، فقد ذُكر أنه في زمان القاضي شرف الدين ابن عين الدولة بمصر: كادت (٢) امرأة تكره (٣) زوجها، فقالت: «إن كنت تحبني فاحلف بالطلاق (٤) بالثلاث لتقولن لي كما أقول لك عَقِيبَهُ»، فحلف، فقالت له: «أنت طالق ثلاثًا». وهذه الواقعة اتفق مثلها سواء قديماً في زمان الإمام محمد بن جرير الطبري، فقال: يقول لها: أنتِ طالق ثلاثًا إن طلقتك، ولا يقع، وذكر أبو حاتم القزويني في كتاب «الحِيَل» أنه يقول: أنتِ تقولين: أنتِ طالق ثلاثًا»، وتبعه

стр. 502

الرافعي في «الشرح» (١)، وذكر الجرجاني في المعاياة تبعا للقاضي الحسين: أنتِ طالق ثلاثا إن شاء الله، وكل من الطرق سائغ. فإن قلت: لم لا يقول لها: أنت طالق، بفتح التاء، مثلما قالت، ثم لا يقع طلاق؛ لأنه خاطب المذكر بخطاب المؤنث؟ قلت: كذا قال ابن عقيل من الحنابلة، وقد يقال: إنه لا يتم عندنا؛ لأنَّ العدول من التأنيث إلى التذكير لا يمنع الوقوع، قاله الأصحاب في نظيره من العتق والقذف، والغزالي في النكاح، لكني أقول: قد يقال هذا إذا أطلق اللفظ، أما إذا ذكر مؤنَّنا، أو عَكَسَ قاصدًا حكاية قول غيره = فذاك قصد مخرج للفظ عن صراحته، معتضد بالقرينة السابقة الحاكمة بأن مراده القولُ فقط، وكأنَّ هذا لم يقصد لفظ الطلاق لمعنى الطلاق، بل قصده لمعنى حكاية قول غيره، والقصد بالمسألة أن غرابة الشيء لا تُبعد وقوعه مرارًا. ووقع في «الروضة»: أنَّ العبادي نقل عن القاضي فيمن وكل وكيلين بقبول نكاح امرأة ولها أخوان، فزوج كلُّ أخ من وكيل، ووقع العقدان معا = أنه يبطل، والذي في «الرافعي»: أنَّ أبا الحسن العبادي حكى ذلك عن القاضي، وأبو الحسن ابنه إذا أطلق «القاضي» فإنما يعنيه (٢). غير أن كلام الرافعي موهم، وكلام النووي أشدُّ إيهاما؛ لأنه حذف لفظ «أبي الحسن» وأطلق «العبادي»، و «العبادي» لفظ لا يُطلق إلا على أبي عاصم، فصار الناظر في «الروضة» يحسب أبا عاصم نقل ذلك عن القاضي الحسين،

стр. 503

لأنَّ القاضي إذا أُطلق في «الروضة» وغيرها من كتب المتأخرين قاطبةً ومن كتب الخراسانيين مطلقًا إنما يُعنى به القاضي الحسين، وهذا لا يمكن؛ لأنَّ أبا عاصم متقدم على القاضي الحسين مَولدًا ووفاةً، وذكره له (١) في «طبقاته» ذكر الأكابر للأصاغر، فإنه عد (٢) خمسةً من الطبقة السادسة: سالم الهروي، وأبو علي الإستراباذي، وناصر العمري، وأبو محمد الجويني، والقاضي الحسين، والكل معاصروه، وهو أعلاهم سنا، وآخرهم وفاةً إلا عن القاضي الحسين. وقد نقل عنه القاضي الحسين (٣) في «التعليقة»، ألا ترى قوله في «باب الحجر»: «هل يجوز للمحجور عليه (٤) بالسفه أن يؤاجر نفسه دون إذن وليه؟ على وجهين ذكرهما العبادي». ورأيتهما في «أدب القضاء» للعبادي و «شرحه» للهروي، لكن قولين. أما القاضي أبو عاصم الذي سمع القاضي الحسين بعض أصحابه يذكر أنه قضى صلواتِ عُمره كلها مرة، وشرع يقضيها ثانيا فذاك العامري الحنفي. وإنما يضر (٥) الناظر هنا اشتباه القاضي بالقاضي، كما قال الرافعي في «باب القراض»: «فكأنه اشتبه أبو الطيب بأبي الطيب» (٦). يعني أبا الطيب الساوي بأبي

стр. 504

الطيب ابن سلمة (١). قلت: ومثله اشتباه هشام بهشام على الرافعي، إذ قال في (٢) «الكفارات»: «الاعتبار في كفارة الظهار بمد هشام بن عبد الملك بن مروان» (٣). وكان الوالد ﵀ يقول لنا: «بل هو هشام بن إسماعيل المخزومي جَدُّ هشام بن عبد الملك، كان عاملا على المدينة لعبد الملك». وقريب من هذا: حكى لي أبي ﵀ قال: «لما دخلت دمشق في رحلتي سنة ست وسبعمئة صادفتُ صاحبنا صدر الدين محمد بن عمر ابن المرحل، الشهير بابن الوكيل، فأضافني وأخرج شيئًا كتبه على «الكفاية» لشيخنا ابن الرّفعة، وقال: أقرأُ عليك اعتراضات اعترضتها عليه، فأول ما افتتح بشيء نقله ابن الرّفعة عن ابن داود، وأخذ يقول: ليس ابن داود من أصحابنا، إنما هو رجل ظاهري، فقلت له: يا هذا، إنَّ ابن داود من كبار أصحابنا، له «شرح مختصر المزني»، وهو الصيدلاني، وليس هو ابن داود الظاهري، فخجل»، قال: «ولما عدت إلى القاهرة حكيتُ ذلك لشيخنا ابن الرفعة، فضحك». قلت: ومثله اشتباه ابنِ جرير بابن جرير على مَنْ نقَلَ عن ابن جرير الإم الإمام المشهور أنه كان يرى المسح على الرجلين كقول الشيعة، حُوشِيَ ابن جرير منه، وإنما هو ابن جرير آخر (٤) رجل شيعي.

стр. 505

وربما جاء الوهم من قبل التصحيف وهو كثير، أذكر منه أنَّ الوالد ﵀ قال لي مرة: «نقل ابن الرفعة فيمن قال: "أوصيت لحمل فلانة من زيد"، فاقتضى الحال ثبوت النسب من زيد، لكنه نفاه باللعان = أنَّ قول ابن سريج: بأنه لا شيء له، عزاه القاضي أبو الطيب لباقي الأصحاب، وأن أبا إسحاق قال: يستحق، وأنه المشهور (١)، ثم قال لي الوالد: كيف يجتمع عزو قول ابن سريج إلى باقي الأصحاب، وجعل مقابله المشهور؟!. وكان الوالد جاءني إلى مكاني من البيت لينظر معي في ذلك، ففكرنا، فقلتُ له: يا سيدي، لعل هذا تصحف على ابن الرفعة، وإنما هو البَافِيُّ بالفاء، أبو محمـ محمد عبد الله بن محمد، من كبار أصحابنا، فأعجبه ذلك، ثم أصبحنا فتطلّبنا تعليقة القاضي أبي الطيب فإذا الأمر كما ظننته أنا (٢)، فأُعجِبَ والدي به واشتدَّ فَرَحُه ﵀ بي، وكتب ذلك في شرح المنهاج». ومما ذكرته هنا ما وقع لبعض الحنفية في حديث عبد بن زمعة: «الولد للفراش» (٣)، فإنه سقط من نسخته حرف النداء من قوله: «هو لك يا عبد»، ثم نون عبدًا وجعله خبرَ (هو) وقال: إنما قال رسول الله ﷺ : "هو لك عبد"، فأين لحاق النسب؟! واتخذ الحديث حينئذ حجَّةً له، فانظر هذه العجائب والغرائب. ومما ذكرته أيضاً: نقل الإمام أنَّ العراقيين نقلوا عن أبي إسحاق أن توبة المرتد إنما تُقبَل مرَّةً واحدةً، وتبعه في النقل عن أبي إسحاق اكتفاء به الروياني

стр. 506

صاحب «البحر» (١)، فإنه يتبع «الحاوي» ما وجد إليه سبيلا، مع أني ألفيته قد حذف (٢) منه فقها كثيرًا، فإنْ فَقَدَه فـ (النهاية) و (التتمة)، وزيادات من قبل أبيه وجده، ليس «البحر» إلا ما ذكرتُ، مع يسير من كلام القفال وأضرابه (٣). وكذلك تبع الإمام الغزالي والرافعي وغير واحد، وقال الإمام (٤): «هذا من هفوات أبي إسحاق الفاحشة». ولم يقل أبو إسحاق هذا، إنما قائله إسحاق بن راهويه، نقله عنه جماعات، فما اكتفى الإمام بنقله عن أبي إسحاق ما لم يقله حتى أصابه بلسانه، ولكأنَّه اشتبه أبو إسحاق بإسحاق. وقد ضَرَّتْ أبا إسحاق الكنية في نظير ذلك، إذ نقل عنه ابن يونس شارح «التنبيه»: أنَّ البدنة تجزئ في الأضحية عن عشرة (٥). وقال ابن الرفعة: «لم أره في غيره، وإنما حكاه القاضي الحسين عن إسحاق». وكذلك نقل ناقلون عن أبي إسحاق أنَّ السواك شرط في صحة الصلاة، وأقامه ابن أبي عصرون وجها في المذهب، وزعموا أن الحاكي له فخر الإسلام الشاشي في كتابه «المستظهري» المسمى بـ «الحلية»، وقد غلَّطَ ابن أبي الدم ابنَ أبي عصرون في ذلك، وذكر ذاكرون أنَّ القائل به إنما هو إسحاق بن راهويه لا أبو إسحاق، لكن عندي النّصفُ الأول من «المستظهري» بخط مصنفه، وفيه:

стр. 507

قال أبو إسحاق، إلا أن لفظ: «أبو» قد كُشط وصار: «وقال إسحاق»، والكتاب موضوع لذكر اختلاف العلماء، إلا أنه لم يذكر لفظ: ابن راهويه، ولا أدري هل الذي كشط لفظ «أبو» هو المصنف أو كُشِطت بعده (١)؟ وبالجملة الغالب على الظن أن أبا إسحاق موهوم عليه في هذا النقل (٢)، وابن أبي عصرون معذور لاقتدائه بـ «المستظهري»، وجعل القائل بذلك إسحاق بن راهويه يستدعي نقلا خاصًا عنه، فليس لنا أن ننقل عنه بمجرد الاحتمال، وقد نقل ابن المنذر في الإشراف عن ابن راهويه كراهة السواك للصائم بعد الزوال (٣)، ويَبْعُد من قائل بذلك أن يجعل السواك شرطًا في صحة الصلاة، إلا أن يُدعى استثناء الصائم من الشرطية كما استثني من المشروعية، وهو بعيد. وكما اتكل ابن أبي عصرون على «المستظهري» في هذا النقل، كذلك اتكل الشيخ الإمام ﵀ في «باب (٤) الخلع» على شيخه ابن الرفعة في نقل نص يقتضي أنه ليس للمرأة الرجوع في الخلع وإن لم يقبل الزوج، فإن ابن الرفعة قال - وقد ذكر تصريح الرافعي تبعاً للغزالي بأن لها الرجوع قبل قبول الزوج؛ لأنه

стр. 508

من جهتها معاوضة: «إنه رأى في «الأم» ما ينازع في جواز الرجوع»، وساق نَصّاً، قال الشيخ الإمام: «قد رأيته في «الأم»، والرافعي والنووي جزما بالرجوع (١)، فلينظر ما يقتضيه كلام بقية الأصحاب، ولا أجسر أن أقول: الفقه ما قالاه؛ لعظمة كلام الشافعي ﵁». فانظر هذا الخبر مع كونه لم يكتفِ بنقل شيخه عن النص حتى وقف عليه بنفسه، كيف اقتصر على منقول الرافعي وابن الرّفعة ولم يصنع شيئاً! وسبب ذلك أنا كنا نستحثه في آخِرِ عمره على تكملة (شرح المنهاج) خشية اخترام المنية، ونَصْرَعُ إليه في أن يقتصر على ما يُراد منه، ولا يوجد عند غيره من المباحث التي تُثيرها فكرته السليمة، فكان يُجيب سؤالنا إلى ذلك، ويقتصر غالبا - لا سيما من (كتاب النكاح) وهلم جرا - على كلام الرافعي وابن الرّفعة. وقد بينت في كتاب «الأشباه والنظائر» أنَّ المرعشي في ترتيب الأقسام جرى على ظاهر هذا النص، وأنه في نفسه وقع فيه ما يوجب التوقف في ثبوته، وأن أبا بكر الفارسي لم يذكره في «عيون المسائل» مع استقصائها روايات الربيع و «الأم» منها، وأن البيهقي نقل في (المبسوط) النص، وذكر اختلاف النسخ، وأنا امتثلنا أمر الشيخ الإمام ونظرنا كلام بقية الأصحاب، فوجدناهم كالمطبقين على ما قاله الغزالي والرافعي، منهم صاحب «البحر»، وصاحب «التتمة»، وجماعات آخرهم الشيخ عز الدين بن عبد السلام في «مختصر النهاية» (٢). ومما اتكل فيه الشيخ الإمام على النووي ﵀: قول النووي في (الدقائق) (٣):

стр. 509

يَثبُتُ بالنكاح الفاسد تحريم المصاهرة كالصحيح، وجرى على ذلك في «المنهاج»، وحكاه عنه الوالد في (شرحه) ساكتاً عليه، والمعروف في المذهب اشتراط كون النكاح صحيحاً، وأنَّ الفاسد لا يتعلق به حرمة، بذلك جزم الرافعي وكثيرون، ولا أعرف ما ذكره النووي إلا وجها غريبا حكاه العبادي (١). وعجيب كلام النووي هذا، ثم عجيب سكوتُ الوالد عليه، ولقد دحض الفاسد بحيث لم يُقم له وزنا بالكلية، فمن رأيه أن الطريقة (٢) القاطعة بأنَّ الوطء في النكاح الفاسد لا يُحلّل هي المختارة (٣) كما تقدم (٤)، ولا معنى للتطويل في هذه الأمور مع اعتقاد القصور عن استيعاب العشر من معشارها، ومَن وقَفَ على كتبنا الثلاثة التي هي: «الطبقات الكبرى والأشباه والنظائر» و «التوشيح»؛ وقف على جانب صالح من ذلك، والله المستعان. تنبيه: إذا عرفت ما قدمناه من السبب في قناعة المتأخر بكلام المتقدم، وما تطرق إليه بسبب ذلك من الخلل، فنحن منبّهوك هنا على فائدة مهمة، فنقول: كلُّ مسألة لم يصرح النووي فيها من قِبَلِ نفسه في زيادته تصريح الترجيح، بل جرى فيها في «الروضة» على متن «الشرح»، أو في المنهاج على متن «المحرر» = فلسنا

стр. 510

على ثقة من موافقته للرافعي فيها. ومن ثُمَّ لا تجد الشيخ الإمام ﵀ ينقل الترجيح في المسائل إلا عن الرافعي، ولا يذكر ترجيح النووي إلا في مسألة فاهَ في زيادته بالترجيح فيها، أو في «شرح المهذب»، وما وراء متن (١) «الروضة» و «المنهاج» من كتبه، وهذا هو التحرير وأداء الأمانة في النقل، فربما لم يكن عنده هناك ترجيح ألبتة. وكذلك سكوت الوالد عن ترجيح النووي لسنا على ثقة من موافقته فيها، وما موجب عزو التصحيح إليهما فيما سكت الثاني فيه على الأول والأول على الرافعي = إلا قولهما - النووي في كثير من كلامه، والوالد في خطبة «شرح المنهاج»: إنهما إذا سكتا على ترجيح للرافعي كانا موافقين له، زاد الوالد: «أو سكت على ترجيح للنووي». ونظير ذلك سكوتُ الرافعي على تعليل يعلل به بعض المخالفين له من الأصحاب مقالته، فيعتقده السامع بذكر ذاك التعليل الذي لم يوافق عليه في مكانه قد ناقض نفسه، وليس كذلك، بل ذاك التعليل في الحقيقة من معتقده، وقد لا يوافقه الرافعي عليه. لقد أَرَيْتُ مرَّةً الشيخ الإمام ﵀ قول الرافعي في ضمان الدَّرَك فيما إذا ضمِنَ عُهدة المبيع، فبان فساد البيع بسبب غير الاستحقاق = أنَّ فيه وجهين، إلى أن قال في تعليل أحدهما: «ولأنَّ حبس المبيع إلى استرداد الثمن بسائر أسباب الفساد ممكن، بخلاف حالة ظهور الاستحقاق» (٢)، ثم ذكر ميله (٣) بعد

стр. 511

ذلك بأسطر، وقلتُ: هذا يخالف ما صححه في البيع من أنه ليس له الحبس، فقال لي: لعلَّ التعليل إنما هو من القائل بجواز الحبس، وسكت عليه الرافعي؛ لأنه تكلم عليه في موضعه. فقد استبان لك بهذا محتملاتُ السكوت، وأنا لم نَنْسُب إلى الوالد والنووي حيث سكتا إلا لقولهما: إنَّا نوافق حيث نسكت. فإن قلت: إذا قالا ذلك، وأوجب لك أن تعزو إليهما التوافق بمقتضاه؛ فلِمَ تقول الآن: لسنا على ثقة من الموافقة؟ قلت: ما أخذ الموافقة من السكوت مع احتمال أن لسكوت الساكت أسبابًا سوى الموافقة، إما عدم استيفاء النظر أو غيره - كأخذِهِ من صريح اللفظ، وقد عرضت على الوالد ﵀ في حياته مسائل وسألته: هل أنت فيها مع الشيخين؟ فكان جوابه: ليس عندي الآن ما يخالفهما ولا ما يوافقهما، وما ذلك إلا لعدم استيفائه النظر الآن، وربما قال لي في بعضها: لِيُجْرَ على قولهما، وما ذلك إلا للوثوق بأنهما في الغالب أو الكثير على الصواب، فافهم ذلك. واعلم أنَّا نُجَوّز ولا نستبعد عدم استيفاء النظر من المستأخر لمسائل كثيرة استوفى المتقدم فيها نظره، لا سيما إذا كان المستأخر مختصرا لكلام المتقدم ك- «الروضة» مع «الشرح»، فهو غالبًا صَوْبُ غرضه تقليل تلك العبارة، وتأدية معناها في أوجز من لفظها، لا الاشتغال بتصحيح معناها أو تضعيفه. ومن هنا يتنبَّهُ لأنَّ كثيرًا مما اشتغل بعض أبناء العصر بعده على النووي تناقضا = ليس كما زعم؛ فإنه يجيء - مثلاً - لسكوته على ترجيح الرافعي حِلَّ

стр. 512

نظر العبد إلى سيدته (١)، فيَعُدُّه مناقضا لترجيحه فيما وُجِد بخطه من قطعة كتبها على «كتاب النكاح» من «المهذب» أنه لا يحِلُّ، فهذا لا يجوز، ومثله كثير. فإن قلت: أفجازم أنت بأنه لا يجوز أن يُنسب إلى النووي عند سكوته على الرافعي الموافقة؟ قلت: أنا جازم بذلك إذا أدى عبارة الرافعي كما هي من غير تغيير، أما إذا غيرها فالتغيير على ضربين: أحدهما: أن يضع "الأظهر " موضع "الأصح " ونحوه من ألفاظ الترجيح في الأقوال، أو "الأصح " ونحوه موضع "الأظهر" ونحوه في الأوجه، فلا يُنسب أيضا إليه فيه ترجيح، فإن تغييره العبارة إنما جاء من قبل اصطلاحه على استعمال لفظ الأظهر في الأقوال، والأصح في الوجوه، والشهرة (٢) في الطرق، ونحو ذلك. والثاني: أن يُغيّر غير هذا التغيير، مثل أن يعزو الرافعي الترجيح إلى واحد ساكتا عليه، فيجزم في «الروضة» بتصحيحه، أو لا يكون هناك ترجيح فيرجح في أصل المتن، كما وقع له في كثير من المواضع، أو تكون لفظة متقاربة في الترجيح فيبدلها بأقوى منها، ففي هذه الأماكن كلها أقول: إنه يُنسَبُ إليه التصحيح. وإذا كانت «الروضة» عند اختصار الرافعي على هذه الصفة تختلف أحوالها،

стр. 513

فلا ينبغي للناظر في متنها أن ينسب منه إلى الرافعي شيئًا حتى يكشف الرافعي؛ لاحتمال أن يكون مما وقع التغيير فيه، ومن ثَمَّ بلغني عن الشيخ الزاهد العالم عز الدين النشائي (١) شيخ شيخنا مجد الدين السنكلوني (٢) أنه كان يقول: «لا يحِلُّ أن يُنسب إلى الرافعي من «الروضة» شيء». وأنا أزيد وأقول: ولا أن يُنسب إلى النووي أيضًا منها شيء؛ لاحتمال أن يكون مما لم يغيّر فيه، بل جرى على وجه الاختصار، غير مُلْقٍ باله إلى المعنى كما ذكرناه. فإن قلت: فلِمَ فَعَلَ النووي هذا، وهل هو إلا حيد عن الاختصار، وانفصال عن التقيد بكلام من وضَعَ كتابه للتقيد بكلامه؟ قلت: اعلم أنَّ المختصرين لكلام من تقدمهم طائفتان: طائفةٌ قَصُرُوا نظرًا، وضَعُفُوا عِلمًا، فتقيَّدوا بكلام من يختصرون لفظه، لا اشتغال لهم بغير تأدية عبارته الطويلة في أقصر منها، ولا حظ لهؤلاء من التحقيق. وطائفة ترفع قَدْرُها، وأحبَّتْ نقل الشريعة، ووثقت من نفسها بأنَّ ما تُبديه فهو مرضي عند الله، رَضِيَهُ المصنف الأول واقتضاه كلامه، أم لا، فهذه الطائفة لا تتقيد، ومنهم النووي ﵀ (٣)، وكذلك غالب المتقدمين لا تجد فيهم من

стр. 514

اختصر كلام غيره إلا وزاد ونقص، وما ذلك بقصور، بل هو كمال في النظر. فإن قلت: فهو نقصان في «الروضة» وعدم وثوق بها. قلت: كلا والله، بل (١) كمال فيها؛ فإنَّ صاحبها إنما جعلها كما قال في خطبته: «كتابًا من حصله أحاط بالمذهب، وحصل له أكمل الوثوق به، وأدرك حِكَم جميع ما يحتاج إليه من المسائل الواقعات»، هذا لفظه، والأمر - إن شاء الله - على ما وَصَفَ، أو قريب مما وَصَفَ، فلم يضُرَّهُ - وهذا مقصوده - أن يحيد عن منهج الاختصار، ولم يجب عليه أن يتقيَّد بقيد القاصرين نظرا، الجامدين على الاشتغال بالألفاظ دون النظر في المعنى، فَلَقَادِرُ مَنْ يَحِمُدُ على الاختصار أن ينفصل عن كتاب اختصر ألفاظه اختصارًا وافيًا، ولم يفهم شيئًا من معانيها. فائدة: قد ذكرنا أن النووي ﵀ ربما أدرج في «الروضة» أو «المنهاج» تصحيحًا ليس في أصليه «الشرح» و «المحرر»، وهذا على أنواع: أحدها: أن يكون الرافعي قد صححه في مكانٍ آخر من ذلك الكتاب، أو في الكتاب الآخر، وقد يتفق أن يكون في «الشرح الصغير»، وفي حفظي أنَّ النووي لم يقف على الشرح الصغير، فإذا اتفق تصحيح الرافعي له في مكان آخَرَ، أو في الكتاب الآخر، فهو اتفاق حسن للنووي، ومصادفة سعيدة، والغالب على الظن أنَّ النووي لم يتقيد بها، ولا تفطن لها، ولا هي الحاملة له على الإدراج.

стр. 515

مثال هذا: إذا قال مدعي الدم: قتل أبي أحد هذين الرجلين، أو واحد من هؤلاء العشرة، وسأل القاضي أن يسألهم ويُحلف كلا منهم = صحح الغزالي أنه يُجيبه، وصحح صاحب «التهذيب» أنه لا يُجيبه (١)، قال الرافعي: «ولم يُورِد جماعة من الأصحاب غيره»، ولم يُفصح بترجيح لنفسه لا في «الشرح الكبير» ولا «الصغير»، وقال في «الروضة»: «أصحهما: لا يجيبه، وبه قطع جماعة» (٢)، انتهى. والحامل له على ذلك قول الرافعي: «ولم يورد جماعة من الأصحاب غيره» (٣)، وقد غَرَّ الرافعي بهذه الكلمة نفسه كما غر غيره، فإنه صححه في «المحرر»، وأحسبه اغتر بقوله في «الشرح»: «ولم يورد جماعة غيره»، وتبعه «المنهاج»، وقد حاول ابن الرفعة موافقة الغزالي على تصحيح الأول. وقد بينت في كتاب «الأشباه والنظائر» أنَّ في كلام الرافعي عندما قال في طرق اللوث: «لو قال: القاتل أحدهم ولا أعرفه» ما يُفهم أنه يوافق الغزالي، أو أنه لا ترجيح له في المسألة (٤). ومن القواعد (٥) في المسألة: أن الغزالي جعل محلَّ الوجهين في سماع الدعوى لا في التحليف، وجعل الإمام محلهما في التحليف، وعليه جرئ الرافعي ومن بعده (٦)، ولا شك أن التحليف من غير دعوى لا يعقل، بخلاف

стр. 516

الدعوى من غير تحليف، فإنها معقولة كالدعوى على قيم اليتيم، وعلى مَنْ يُقبل قوله بلا يمين، فما فعله الغزالي أوضح. وقد أطلتُ في كتاب «الأشباه والنظائر» الكلام على هذا النوع (١)، وعلى قول الغزالي في «الوسيط»: «لكنهم لو نكلوا جميعًا أشكل اليمين المردودة على الدعوى المبهمة» (٢)، وهذا كلام لم يذكره الرافعي، ولا بين ابن الرفعة في «المطلب» حاله، وهو من عُقد «الوسيط». والثاني: أن لا يتفق له تصحيح، وهو أكثر الأنواع، ثم هو صنفان: لأنه قد لا يتفق له تصحيح صريح مع رمز ما إليه، يكون هو الحامل لإدراج النووي التصحيح. وقد لا يرمز البتَّةَ (٣)، ثم الذي يُدرج النووي (٤) تصحيحه قد نوافقه عليه وقد لا نوافقه. ولنذكر فرعين مهمين في الدين والدنيا، أدرج النووي التصحيح فيهما، ونحن نوافقه على الثاني دون الأول: أما الأول: فهو التقرب بسجدةٍ فَرْدَةٍ (٥) لا لسبب، رمز الرافعي إلى تصحيح تحريمه، إذ جعله (٦) في باب النذر هو الظاهر، وأومأ إليه في «سجود الشكر»

стр. 517

وفاقًا للشيخ أبي محمد، معتلا بالقياس على التقرب بركوع مُجَرَّد، وهو قياسٌ في التعبديات فلا يُقبل. وفي موضع فَرْقٍ؛ لأنَّ السجدة قد شُرعت استقلالا عند السبب، والركوع لم يستقل قط. وبأنَّ المتبع الورود (١). وقد أجاب الحافظ محب الدين الطبري بعدما حكم باستحباب السجدة (٢) لا لسبب: بأنَّ قوله ﵇: «عليك بكثرة السجود» (٣) ونحوه يدل عليه، قال: «وحمله على سجود في صلاة تخصيص على خلاف الظاهر». وأما الثاني: فالمؤاجرة على شريكي العقار إذا تنازعا المهايأة، رمز الرافعي إلى القول بها، وأدرج النووي تصحيحه، وهو الذي يظهر (٤)، غير أنَّ أكثر الكتب ساكتةٌ عن المسألة. وزعم ابن الصلاح في «فتاويه» أنَّ من علمائنا مَنْ زَلَّ فقال بالغلق عليهما، وأن معاقد الشريعة تأبى هذا القول (٥). وخصوص الغلق لم أره لأحد، غير أنه يعني به الإعراض عنهما بالكلية بيعاً وإجارة، وهو أحد الوجهين، ولازِمُهُ الغَلَقُ الذي أنكره ابن الصلاح (٦).

стр. 518

وإذا قلنا بالمؤاجرة فهل يجوز أن يؤاجر أحدهما، أو يتعيَّن إيجار ثالث؟ فيه نظر واحتمال، ولم أجده مسطورًا. وفي آخر «باب المسابقة» من «الرافعي» عن «البحر» حكاية وجهين فيما إذا اتفق المتسابقان على إخراج السَّبَق من اليد (١)، وقال أحدهما: يوضع عند زيد، وقال الآخر: بل عند عمرو = هل على الحاكم تعيين أحد الأمينين (٢) المتنازع فيهما، أو له أن يختار غيرهما؟ ورأيتهما فيه، وعبارته: «هل يكون اختيار القاضي مقصورًا على من تنازعا، أو يكون على العموم؟ على وجهين» (٣). قلت: ونظير الوجهين في مسألتنا أن يتفقا على إيجار ثالث ويختلفا في تعيينه. والنوع الثالث: أن يوجد له تصحيح على خلافه، وبهذا يظهر صعوبة نسبة كلامِ «الروضة» إليه. مثاله: اختلاع المكاتبة بإذن السيد، أدرج في «الروضة» أنَّ المذهب أنه لا يصح، اغترارا بقول الرافعي: «إنه المنصوص في الخُلع»، مع أن الرافعي رجح في «باب الكتابة» أنه يصح، وهو المعتمد (٤). ومثله: قال في «كتاب الأيمان»: «وإن كان الحنثُ بمعصية، بأن حَلَفَ لا يزني؛ فهل يُجزئ التكفير قبله؟ فيه وجهان، أصحهما عند الأكثرين: نعم»،

стр. 519

اغترارًا بقول الرافعي: «وهذا أقيسُ عند الشيخ أبي حامد، والإمام، والروياني وغيرهم» (١). ويعضده إطلاقُ الرافعي في «الشرح الصغير» أنه الأظهر، لكنه صحح في «المحرر» عدم الإجزاء. تنبيه: ذكرنا أنه ربما أَدْرَج النووي (٢) ما اتفق للرافعي تصحيحه في مكان آخر، وأنها مصادفة سعيدة، والنوويُّ سعيدٌ (٣) موفق، ربما أفتى بما يظهر أنه لا نقل عنده فيه وضعفت فتياه، ثم تبيَّن النقل معه، أليس هو المفتي بأن شروط الوقف لا تثبت بالاستفاضة، وهو ما كاد (٤) ابن سراقة يصرّح بالاتفاق عليه في «أدب الشاهد»، وقال ابن الصلاح في «الفتاوى» (٥): «الظاهرُ ثبوتُ الشرط ضمنًا إذا شهد به مع أصل الوقف لا استقلالا»، ووافقه الشيخ برهان الدين بن الفركاح. والمختار عندي ثبوت شرط يشتهر (٦) مثله ويستفيض ولو شهد به استقلالا، ككون هذه المدرسة على الشافعية، لا شرط لا تتوفر الدواعي على نقله، غير أنَّ النقل مع النووي، وما ظنُّك برجل ربما أخطأ فأصاب! أما هو المدرج في «الروضة» أنَّ الأكثرين على تقدير مدة استبراء التائب.

стр. 520

بسنة (١)، ولا تُعطي عبارة الرافعي - فتأملّها (٢) - أكثر من أَنْ ذلك قول أكثر المتقدّرين لا (٣) الأكثرين مطلقًا، فإذا عارضتها بعبارة «الروضة» قلت: أخطأ فزاد، وأعاد الضّمير على غير المراد، وما تدري أنه جاء بفصل الخطاب، ونطق من حيث لم يشعر بالصواب. فقد عزا التقدير وأنّ مقدارَهُ سنةً إلى أصحابنا قاطبة (٤) - فضلاً عن أكثرهم - الشيخ أبو حامد، والقاضي الحسين، وصاحبًا (٥) «المهذب» و «التهذيب»، والرافعي في «المحرر». ونظيرُهُ ما قدّمناه في «الباب الأول» عن الشيخ الإمام في حدوث نقص في المغصوب سار إلى التلف، حيث جعل الضميرُ في قول الرافعي: «عندهم» من قوله: «وجعله كالتالف (٦) أظهر عندهم» = عائدًا إلى الأكثرين، لا إلى أكثر العراقيين (٧). وعبارة الرافعي لا تساعده، فإن ساعده ساعده نقل من خارج كما ساعد النوويُّ، وإلا فعليه دَخَل، أَدْخَل هو في «شرح المهذب» نظيره على الرافعي في قوله: «وهو اختيار القاضي أبي الطيب» يعني (٨): ضم قيمة تالف العبدين إلى الباقي

стр. 521

المعيب وفسخ العقد، وقال: إنما هو اختيار بعض أهل خُراسان، حكاه عنه القاضي أبو الطيب، وخطأه وادعى مخالفته النص (١). قال الشيخ الإمام: «وسبب وهم الرافعي قول ابن الصباغ، قال: وهذا هو السنة، فإنه توهم الضمير في (قال) للقاضي (٢) أبي الطيب، وإنما هو لمن حكى عنه، والوهم في مرجع الضمير كثير، والله أعلم».

стр. 522

الكلام في المسكوت عليه مما كثر وقوع الكلام فيه سكوتُ الرافعي على مسائل ينقلها، وقد زعم زاعمون أن سكوته دليل الموافقة والرضا، وليس الأمر عندي كذلك، بل جماع القول فيه أنه إن كان المنقول نصا للشافعي فالأمر كذلك؛ لأنَّ الأصل العمل به إلى أن يتبين خلافه، وإن كان كلامًا لبعض الأصحاب فلا يدلُّ سكوته وسكوت النووي والشيخ الإمام وغيرهم في ذلك إلا على أنهم لم يجدوا هنالك إلا كلام من نقلوا عنه تلك المسألة، ثم قد تدلّ قرائن الأحوال على موافقته، وهو قليل، وقد تدلّ على مخالفته وأنه مُغرِب فيما قاله، وذلك كثير، وقد لا تدلّ على واحدٍ من الأمرين، وهو أكثر. ثم المسكوت عنه في الفتاوى والفروع المنثورة - كفروع الطلاق - أضعف من المسكوت عنه في غيره؛ لأنها لم تُحرّر تحرير متن المذهب. وكل هذا فيما إذا افتتح الكلام بالعزو، مثل: "قال فلان: يجوز كذا"، أما إذا افتتح بالجزم مثل: "قولنا: يجوز كذا، قاله فلان"؛ فالموافقة هنا أظهر منها فيما تقدم، على تردُّد أيضًا، فصارت الصور منازل: أَنْزَلُها: سكوت على قول مفتتح بالعَزْو، وهو من الفتاوى والفروع المنثورة. والوسط: سكوت على (١) مفتتح بالعزو، وهو من متن المذهب.

стр. 523

وأقواها: سكوت على مفتتح بالجزم، هذا ما عندي في ذلك. نعم، إن نقل الرافعي عن قائل شيئًا ساكتًا عليه، فحذف النووي اسم القائل وجزم به؛ دل ذلك منه على اعتماده، وقد يفعل ذلك فيما ليس بمسلّم له، ألا تراه جزم في (١) (الأيمان) بأن استدامة الغصب ليست بغصب؛ لأن الرافعي نقله عن صاحب «التهذيب» ساكتًا عليه، وهو كما نقل، إذ في «التهذيب»: «ولو حلف لا يغصب، وقد كان غصب، فأمسك المغصوب لا يحنث» (٢)، انتهى (٣). لكنه غير مسلّم نقلًا، فالمجزوم به في «الحاوي» للماوردي و «البحر» للروياني أنه يحنث بالاستدامة (٤)، وهو قضية كلام «التتمة»، لكن فيه عندي - بحثًا - توقف. ولنعد أمثلة من هذه الأقسام، ثم نخص الثالث - وهو أعلاها ــ بمزيد اعتناء: فمنها: قال الرافعي في فروع الطلاق عن البويطي: «إنه لو قال: "أنتِ طالق في مكة" أو: "بمكة" أو: "في البحر"؛ طلقت في الحال، إلا أن يريد إذا حصلت هناك، وفي الفرع وجهان نقلهما القاضي مُجَلِّي في «الذخائر» عن حكاية الشيخ أبي محمد، أحدهما: أنه محمول على التنجيز، والثاني: على التعليق بالحصول في مكة، ومحله الإطلاق، أما إذا أراد التنجيز أو التعليق فيعتمد (٥)» (٦).

стр. 524

وقد قدَّم الرافعيُّ قبل هذا بنحو ورقة عن إسماعيل البوشنجي أنه لو قال لامرأته: "أنت طالق في الدار"، فمُطلق هذا يقتضي وقوع الطلاق إذا دخلت هي الدار (١)، فسكوته على إسماعيل لا يَلزَمُ منه وفاقُه، إذ نص البويطي يقتضي خلافه، وقد سكت عليه أيضاً. ومنها: قال في الطلاق نقلا عن «التتمة»: «إذا نكح حاملًا من الزنا ووطئها وطلقها، فعن ابن الحداد أنَّ الطلاق يكون بدعيا؛ لأنَّ العِدَّة تقع بعد وضع الحمل والنقاء من النفاس، فلا يُشرع عقب (٢) الطلاق في العِدَّة» (٣). وسكت على هذا، وما أظنه نظر على هذا الفرع غير «التتمة»، وهذا الذي قاله ابن الحداد مفروض في حامل لا ترى الدم، أو مفرَّعٌ على أنَّ الحامل لا تحيض، وإلا فمتى رأت الدم، وقلنا بالصحيح أنه حيض؛ فإنها تستقبل العدة على المذهب الصحيح المصرَّح به في «باب العدد». وقد بين الأصحابُ أنَّ كلام ابن الحداد مفرَّعٌ على ذلك، منهم القفَّال، والشيخ أبو علي، وغيرهما من شُرَّاح الفروع، وابن الصباغ في «الشامل» وغيرهم، فليعجب من ذلك، وليحذر من الإقدام على الفتيا قبل إمعان النظر في كتب الأصحاب، فهذا موضع سكت عليه الرافعي والنووي، ولا شك أنه خلاف مذهب الشافعي الذي صرح به أساطين المذهب (٤). ومنها: لو قال: "أنتِ طالق ثلاثًا للسُّنَّة"، ثم قال: "نويت تفريقها على

стр. 525

"الأقراء" = لم يُقبل ظاهرًا، قال في «التتمة»: «إلا إذا كان يعتقد تحريم الجمع في قرء واحدٍ»، كذا نقله الرافعي في «الشرح» ساكتًا عليه (١)، ودل على أنه ارتضاه ذكره له في «المحرر»، وقد بينتُ في «الأشباه والنظائر» بعد تطويل ذكرته في المسألة أنَّ صاحب «التتمة» كالمتفرد به، وأن الماوردي والروياني وصاحب «البيان» ذكروا أنه لو قال: «أردتُ السنة على مذهب مالك وأبي حنيفة»؛ لم يُقبل في الحكم (٢). وهذه إن كانت صورة صاحب «التتمة»؛ فحكمهم فيها بعدم القبول يُردُّ عليه، وإن كانت غيرها وفرّق فارق بين من يقول: «أردتُ: على مذهب فلان، ومَنْ يعتقد مذهب فلان»؛ فيكفينا انفراد صاحب «التتمة» في موضع النظر، فقد لا يُسلَّم له ذلك. ومن العجب أن الرافعي قال أيضًا: «ولو قال: "أنت طالق ثلاثًا"، ولم يقل: "للسُّنة"، ثم فسَّر بالتفريق على الأقراء؛ كذلك لا يُقبل في الظاهر» (٣). قلت: وهذه مسألة لم يذكرها صاحب «التتمة» ولا أكثر الأصحاب، وإنما ذكرها إمام الحرمين ومتابعوه (٤)، وقد تردد نظري في أنَّ ما ذكره صاحب «التتمة» من الاستثناء هل يطرَّقها فلا يُقبل هنا من معتقد تحريم الجمع وإن قُبل ثم؟ فإن اعتقاده دلَّ عليه هناك من لفظه قوله: "للسُّنة"، ولا دليل عليه عند الإطلاق.

стр. 526

وصاحب «التتمة» لم يذكر هذه المسألة، فما ندري لو ذكرها ما كان يصنع؟ والرافعي أدى الأمانة في نقله فلم يذكر استثناءه إلا في موضعه، كذلك فعل في «الشرحين» وفي «المحرر»، وعبارة «المحرر»: «ولو قال: "أنتِ طالق ثلاثًا للسنة"، ثم فسر بالتفريق على الأقراء = لم يُقبل إلا إذا كان ممن يعتقد تحريم الجمع في قرء واحد، وكذا لو اقتصر على قوله: "ثلاثا"، ثم فَسَّر بالتفريق لا يقبل» (١)، انتهى. ومعنى قوله: «لا يقبل في الثانية» عدم القبول مطلقا من معتقد تحريم الجمع وغيره؛ لأن الأصحاب أطلقوا عدم القبول هنا كما أطلقوه في الأول، وما قيده صاحب «التتمة» إلا في الأولى، فبقيت الثانية على إطلاقها، وما أحسن قول ابن (٢) البارزي في كتاب «التمييز»: «ولو قال: "ثلاثا" أو "ثلاثًا للسُّنَّة"، وقال: "أردت التفريق"؛ لم يُقبل إلا في الثانية ممن يعتقد تحريم الجمع» (٣). واعلم أنَّ النووي في «المنهاج» قدَّمَ في كلام (المحرر (٤)) وأخر، فقال: «ولو قال: "أنتِ طالق ثلاثا "، أو "ثلاثا للسنة "، وفسر بتفريقها على الأقراء = لم يُقبل إلا ممن يعتقد تحريم الجمع» (٥). وهذه العبارة ظاهرة في أنه يُستثنى معتقد التحريم من الصورتين، وقد عرفت أنه لا معروف من الأصحاب قائل بها.

стр. 527

ومنها: نقل الرافعي قُبيل «الفصل الثالث» في التعليق بالحمل من «كتاب الطلاق» (١) أنَّ إسماعيل البوشنجي قال: «لو قال: "أنتِ طالق إن لم أضربك"، أو: "إن لم أضربك فأنتِ طالق"، وقال: "عنيتُ به وقتًا معينا" = دُيّنَ، سواء عين الساعة، أو وقتاً آخَرَ، قريبًا أم بعيدًا، وهكذا يكون الحكم في التعليق بنفي الطلاق وسائر الأفعال» (٢)، انتهى. وسكت عليه، وتابعه (٣) في «الروضة» (٤)، وهو عجيب؛ فإنه إن أراد "أَنْ" المفتوحة وقصد به تقييد الوقوع في الحال لمن لم يعيّن وقتًا؛ فلا موقع لقوله: «وهكذا يكون الحكم في التعليق»؛ إذ لا تعليق، إنما هو تعليل، وإن أراد الشرطية فإنَّ التعليق بـ "إن" لا يقتضي الفور، ومدته العمر، فإذا عيَّن وقتًا معيَّنا فقد ضيق على نفسه، فكيف يقال: يُديَّن! فلعله لم يصور المسألة بـ "إن"، بل بـ "إذا" وما في معناها مما يُحمل على الفور عند الإطلاق. ومنها: قال الرافعي (٥): «فرع: لو استفاض فسق الشاهد بين الناس، فلا حاجة إلى السؤال، ويُنزل المستفيض منزلة المعلوم». قلت: وهذا في اندفاع شهادته، أما إنشاء الحكم بفسقه بشهادة الاستفاضة فمسألة أخرى ذكرها الرافعي بعد ذلك بنحو ورقتين، فقال في صفة المزكي: «إنَّ

стр. 528

الجرح يثبت بالاستفاضة والانتشار فيما حكى ابن الصباغ، وصاحب «التهذيب» وغيرهما) (١). ومراده بهذه الاستفاضة استفاضةً تفيد اليقين (٢)، وبذلك صرح صاحب «التهذيب»، وبتقدير أن لا يُشترط - وهو بعيد - فشرطه أن لا يعارضها استفاضة أخرى، ولي على المسألة كلام طويل في «الأشباه والنظائر» (٣). ومنها: ذكر الرافعي أنَّ صاحب «العدَّة» قال: «من الصغائر كشف العورة في الحمام» (٤). قلت: ومحله فيما يظهر لي الكشف وإن لم يكن بحضرة أحد، وإن جوزنا الكشف في الخلوة؛ لأنَّ الحمام مظنَّة حضور الناس، ويؤيده أني رأيتُ في «أدب القضاء» للحسن بن أحمد الحداد البصري (٥) من قدماء أصحابنا، أدرك أصحاب ابن سريج - أنَّ زكريا الساجي قال: «لا تجوز شهادة من دخل الحمام بغير مئزر، أو وقع في نهر بغير مئزر»، وأن زكريا قال: «يُشبه أن يكون ذلك وإن لم يكن يحضره من يرى عورته؛ لأنه ليس من المروءة». قلت: ونقله المزني عن الشافعي نصا، والموضع مذكور بمزيد بسط في «التوشيح»، ومحله إذا لم يكن حالة الاغتسال، أما حالة الاغتسال فيجوز

стр. 529

الكشف لها، ولو أمكن بلا كشف، لا يختلفون فيه. ومنها: عن صاحب «العدة» أيضاً: أنَّ التغوط في الطريق حرام، وقد قال النووي في «شرح المهذب»: «ظاهر كلام الأصحاب أن النهي عنه للتنزيه»، قال: «وينبغي التحريم؛ لما فيه من إيذاء المسلمين» (١). قلت: إنما ظهر من كلامهم أنه للتنزيه حيث ذكروه في «باب الاستطابة»، وهناك تكلموا في التخلي من حيث هو تخلّ، وما أظنه هناك ينتهي إلى الكراهة فضلا عن التحريم، بل هو أدب محض من آداب قضاء الحاجة، وعلى ذلك دلّ كلام أكثرهم. وكلام صاحب «العدة» في التغوط من حيث أنه إيذاء للمسلمين واستعمال للطريق في غير حقه من الطروق، فهو من هذه الجهة حرام، ومن تلك خلافُ الأدب (٢)، وقد يجتمعان لجهتين (٣). ومنها: سكت في باب النذر على قول صاحب «التتمة»: «لو نذر عتق العبد المرهون انعقد نذره إن قلنا: يَنفُذُ عِتقه في الحال، أو عند أداء المال» (٤)، مع أن لمنازع أن ينازعه، فإنه لا نذر في معصية، وهذا العتق معصية كما ذكروه في باب الرهن وإن نفذ، وقد يقال: بل يصح نذره مع ذلك، ويكون له جهتان (٥)، ولعل هذا هو الأقرب.

стр. 530

ومنها: قال: «إنَّ الروياني وآخرين شرطوا في الوصي أن لا يكون عدوا للطفل»، وفي قوله: «وآخرين» إيماء إلى موافقتهم، مع أني رأيتُ الروياني في «البحر» عزاه إلى القاضي الطبري، ولم يقله من قبل نفسه (١)، وهذا العزو إن لم يزده قوةً - لجلالة القاضي أبي الطيب - لا يُضعِفُه. ومن الغرائب: قول العبادي في الزيادات (٢): «إذا ادعى الوصي دينًا في التركة ولم يتمكن من إثباته؛ تُخرج الوصية من يده مخافة أن يأخذه، إلا أن يُبرئ، وهو حسن لا يُعرف خلافه»، ويشهد له قول الماوردي: «إنَّ الملتقط إذا ادعى رق اللقيط وجب انتزاعه من يده» (٣)، لكن نقل المزني عن الشافعي خلافه. فرع: أقبضه مالَ السَّلَم، فرده في مجلس القبض بدين كان له عليه وتفرقا؛ قال الرافعي (٤): «قال أبو العباس الروياني: لا يصح، فإذا تفرقا فعن بعض الأصحاب أنه يصح السَّلَم، ويستأنف إقباضه للدين»، وسكت على ذلك، فأما عدم صحة إعطائه عن الدين فموافق لِمَا صحح في «الروضة» من أنَّ أحد المتصارفين إذا اقترض من الآخر مقبوضه ورده عليه عما كان في ذمته؛ لا يصح، وقد تقدم أن الشيخ الإمام يصحح خلافه (٥). وأما قوله: «فعن بعض الأصحاب … إلى آخره، فقال الشيخ الإمام: «إنه يوهم أنَّ في صحة السَّلَم خلافًا»، قال: وهو بعيد إن صح».
следующие страницы →