← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30157

ترشيح التوشيح وتوضيح الترجيح

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (808 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وصاحب «التتمة» لم يذكر هذه المسألة، فما ندري لو ذكرها ما كان يصنع؟ والرافعي أدى الأمانة في نقله فلم يذكر استثناءه إلا في موضعه، كذلك فعل في «الشرحين» وفي «المحرر»، وعبارة «المحرر»: «ولو قال: "أنتِ طالق ثلاثًا للسنة"، ثم فسر بالتفريق على الأقراء = لم يُقبل إلا إذا كان ممن يعتقد تحريم الجمع في قرء واحد، وكذا لو اقتصر على قوله: "ثلاثا"، ثم فَسَّر بالتفريق لا يقبل» (١)، انتهى. ومعنى قوله: «لا يقبل في الثانية» عدم القبول مطلقا من معتقد تحريم الجمع وغيره؛ لأن الأصحاب أطلقوا عدم القبول هنا كما أطلقوه في الأول، وما قيده صاحب «التتمة» إلا في الأولى، فبقيت الثانية على إطلاقها، وما أحسن قول ابن (٢) البارزي في كتاب «التمييز»: «ولو قال: "ثلاثا" أو "ثلاثًا للسُّنَّة"، وقال: "أردت التفريق"؛ لم يُقبل إلا في الثانية ممن يعتقد تحريم الجمع» (٣). واعلم أنَّ النووي في «المنهاج» قدَّمَ في كلام (المحرر (٤)) وأخر، فقال: «ولو قال: "أنتِ طالق ثلاثا "، أو "ثلاثا للسنة "، وفسر بتفريقها على الأقراء = لم يُقبل إلا ممن يعتقد تحريم الجمع» (٥). وهذه العبارة ظاهرة في أنه يُستثنى معتقد التحريم من الصورتين، وقد عرفت أنه لا معروف من الأصحاب قائل بها.

стр. 527

ومنها: نقل الرافعي قُبيل «الفصل الثالث» في التعليق بالحمل من «كتاب الطلاق» (١) أنَّ إسماعيل البوشنجي قال: «لو قال: "أنتِ طالق إن لم أضربك"، أو: "إن لم أضربك فأنتِ طالق"، وقال: "عنيتُ به وقتًا معينا" = دُيّنَ، سواء عين الساعة، أو وقتاً آخَرَ، قريبًا أم بعيدًا، وهكذا يكون الحكم في التعليق بنفي الطلاق وسائر الأفعال» (٢)، انتهى. وسكت عليه، وتابعه (٣) في «الروضة» (٤)، وهو عجيب؛ فإنه إن أراد "أَنْ" المفتوحة وقصد به تقييد الوقوع في الحال لمن لم يعيّن وقتًا؛ فلا موقع لقوله: «وهكذا يكون الحكم في التعليق»؛ إذ لا تعليق، إنما هو تعليل، وإن أراد الشرطية فإنَّ التعليق بـ "إن" لا يقتضي الفور، ومدته العمر، فإذا عيَّن وقتًا معيَّنا فقد ضيق على نفسه، فكيف يقال: يُديَّن! فلعله لم يصور المسألة بـ "إن"، بل بـ "إذا" وما في معناها مما يُحمل على الفور عند الإطلاق. ومنها: قال الرافعي (٥): «فرع: لو استفاض فسق الشاهد بين الناس، فلا حاجة إلى السؤال، ويُنزل المستفيض منزلة المعلوم». قلت: وهذا في اندفاع شهادته، أما إنشاء الحكم بفسقه بشهادة الاستفاضة فمسألة أخرى ذكرها الرافعي بعد ذلك بنحو ورقتين، فقال في صفة المزكي: «إنَّ

стр. 528

الجرح يثبت بالاستفاضة والانتشار فيما حكى ابن الصباغ، وصاحب «التهذيب» وغيرهما) (١). ومراده بهذه الاستفاضة استفاضةً تفيد اليقين (٢)، وبذلك صرح صاحب «التهذيب»، وبتقدير أن لا يُشترط - وهو بعيد - فشرطه أن لا يعارضها استفاضة أخرى، ولي على المسألة كلام طويل في «الأشباه والنظائر» (٣). ومنها: ذكر الرافعي أنَّ صاحب «العدَّة» قال: «من الصغائر كشف العورة في الحمام» (٤). قلت: ومحله فيما يظهر لي الكشف وإن لم يكن بحضرة أحد، وإن جوزنا الكشف في الخلوة؛ لأنَّ الحمام مظنَّة حضور الناس، ويؤيده أني رأيتُ في «أدب القضاء» للحسن بن أحمد الحداد البصري (٥) من قدماء أصحابنا، أدرك أصحاب ابن سريج - أنَّ زكريا الساجي قال: «لا تجوز شهادة من دخل الحمام بغير مئزر، أو وقع في نهر بغير مئزر»، وأن زكريا قال: «يُشبه أن يكون ذلك وإن لم يكن يحضره من يرى عورته؛ لأنه ليس من المروءة». قلت: ونقله المزني عن الشافعي نصا، والموضع مذكور بمزيد بسط في «التوشيح»، ومحله إذا لم يكن حالة الاغتسال، أما حالة الاغتسال فيجوز

стр. 529

الكشف لها، ولو أمكن بلا كشف، لا يختلفون فيه. ومنها: عن صاحب «العدة» أيضاً: أنَّ التغوط في الطريق حرام، وقد قال النووي في «شرح المهذب»: «ظاهر كلام الأصحاب أن النهي عنه للتنزيه»، قال: «وينبغي التحريم؛ لما فيه من إيذاء المسلمين» (١). قلت: إنما ظهر من كلامهم أنه للتنزيه حيث ذكروه في «باب الاستطابة»، وهناك تكلموا في التخلي من حيث هو تخلّ، وما أظنه هناك ينتهي إلى الكراهة فضلا عن التحريم، بل هو أدب محض من آداب قضاء الحاجة، وعلى ذلك دلّ كلام أكثرهم. وكلام صاحب «العدة» في التغوط من حيث أنه إيذاء للمسلمين واستعمال للطريق في غير حقه من الطروق، فهو من هذه الجهة حرام، ومن تلك خلافُ الأدب (٢)، وقد يجتمعان لجهتين (٣). ومنها: سكت في باب النذر على قول صاحب «التتمة»: «لو نذر عتق العبد المرهون انعقد نذره إن قلنا: يَنفُذُ عِتقه في الحال، أو عند أداء المال» (٤)، مع أن لمنازع أن ينازعه، فإنه لا نذر في معصية، وهذا العتق معصية كما ذكروه في باب الرهن وإن نفذ، وقد يقال: بل يصح نذره مع ذلك، ويكون له جهتان (٥)، ولعل هذا هو الأقرب.

стр. 530

ومنها: قال: «إنَّ الروياني وآخرين شرطوا في الوصي أن لا يكون عدوا للطفل»، وفي قوله: «وآخرين» إيماء إلى موافقتهم، مع أني رأيتُ الروياني في «البحر» عزاه إلى القاضي الطبري، ولم يقله من قبل نفسه (١)، وهذا العزو إن لم يزده قوةً - لجلالة القاضي أبي الطيب - لا يُضعِفُه. ومن الغرائب: قول العبادي في الزيادات (٢): «إذا ادعى الوصي دينًا في التركة ولم يتمكن من إثباته؛ تُخرج الوصية من يده مخافة أن يأخذه، إلا أن يُبرئ، وهو حسن لا يُعرف خلافه»، ويشهد له قول الماوردي: «إنَّ الملتقط إذا ادعى رق اللقيط وجب انتزاعه من يده» (٣)، لكن نقل المزني عن الشافعي خلافه. فرع: أقبضه مالَ السَّلَم، فرده في مجلس القبض بدين كان له عليه وتفرقا؛ قال الرافعي (٤): «قال أبو العباس الروياني: لا يصح، فإذا تفرقا فعن بعض الأصحاب أنه يصح السَّلَم، ويستأنف إقباضه للدين»، وسكت على ذلك، فأما عدم صحة إعطائه عن الدين فموافق لِمَا صحح في «الروضة» من أنَّ أحد المتصارفين إذا اقترض من الآخر مقبوضه ورده عليه عما كان في ذمته؛ لا يصح، وقد تقدم أن الشيخ الإمام يصحح خلافه (٥). وأما قوله: «فعن بعض الأصحاب … إلى آخره، فقال الشيخ الإمام: «إنه يوهم أنَّ في صحة السَّلَم خلافًا»، قال: وهو بعيد إن صح».

стр. 531

قلت: المسألة في «فتاوى القاضي الحسين» التي جمعها البغوي (١)، وقد صرح القاضي بأنَّ المذهب أنَّ السَّلَم يبطل، وقال البغوي من عند نفسه: «قلت: الصحيح أنه صحيح»، وما ذكره البغوي هو الظاهر، فاعْجَبْ لمسألة ذاتِ خلاف بين القاضي والبغوي، غابت عن الرافعي ومن بعده من المتعقبين لكلامه، المنقبين عنه، حتى الشيخ الإمام مع كثرة نظره في «فتاوى القاضي»، وقد قدمنا أنَّا لم نجد في كلام نافِلَةِ أبي العباس (٢) ما نقل عنه، وأوجب لنا ذلك توقفًا في تثبيته عليه.

стр. 532

ذكر المسكوت المفتتح بالجزم قد قلنا: إنَّ افتتاحه بالجزم دليل الموافقة مع توقف فيه؛ فإنَّا وجدنا ما يشهد الحال للموافقة فيه. مثاله: قال الرافعي في «باب (١) الهدنة» فيما إذا بذلنا للمشركين مالا لضرورة اقتضت ذلك: ولا يملك الكفار ما يأخذونه؛ لأنه بغير حق، قاله في «المهذب» (٢)، انتهى. وقد قاله أيضا الماوردي في «الحاوي»، وابن الصباغ في «الشامل»، والروياني في «البحر» (٣)، وهو الذي يظهر، غير أنه لا يخلو عن احتمال، ألا ترى أن الرافعي حكى في باب السير وجهين في الأسير يفتدي منهم بمال ثم نظفر به، هل نعيده إليه أو يكون غنيمة؟ فالقول بكونه غنيمةً نازع إلى أنهم ملكوا المأخوذ، ووجدنا ما يشهد الحال للتوقف والمنازعة فيه. مثاله: إذا قلنا بوجوب دفع الصائل على الغير، قال الرافعي (٤): «فذلك إذا لم يخف على نفسه، كذلك قيد الشيخ إبراهيم المروروذي وغيره»، انتهى. ثم قال في «السير» عند الكلام على قول إمام الحرمين: «لا يجب الجهاد على العبد

стр. 533

وإنْ أمرَهُ سيّدُهُ بذلكَ، ولا يلزَمُهُ (١) الذَّبُّ عن سيّدهِ عندَ الخَوفِ على رُوحِهِ إذا لم نوجِبِ الدَّفعَ عن الغيرِ، بل السيّدُ في ذلكَ كالأجانبِ» (٢)، انتهى. ومقتضاهُ: أنَّ الخلافَ في وجوبِ الدَّفعِ عن الغيرِ جارٍ وإن خافَ على نفسِهِ، بخلافِ ما نقلهُ عن المَرُّوذي (٣). وكم للإمامِ مثلُهُ من جريانٍ على مقتضى الإطلاقِ، غيرُ مُكترِثٍ بتقييدِ بعضِ الشّاذين، ألا ترى أنَّ مَنْعَ الدارميِّ الزوجَ من النظرِ إلى حلقةِ دُبرِ المرأةِ (٤)؛ لأنهُ ليسَ محلُّ استمتاعهِ، وإن كانَ كالتقييدِ لإطلاقِ مَنْ أطلقَ جوازَ النظرِ = لم يُبالِ به الإمامُ، بل قالَ في «بابِ إتيانِ النّساءِ في أدبارهن»: «والتلذذُ بالدُّبرِ من غيرِ إيلاجٍ جائز؛ فإنَّ جُملةَ أجزاءِ المرأةِ محلُّ لاستِمتاعِ الرجلِ إلا ما حرَّمَ اللهُ من إيلاج» (٥)، انتهى. وهُو كالصَّريحِ في ردِّ تقييدِ الدارميِّ، سواءٌ اطلعَ الإمامُ على تقييدِهِ أم لم يَطَّلِع. فائدة: سَماعي من الشيخِ الإمامِ ﵀ أن كثيرًا مما يقعُ في الفتاوى لا يُعتقدُ أنهُ المذهب؛ لأنَّ المفتيَ قد يُفتي في تلكَ الواقعةِ بما يراهُ المصلحةَ الحاضرةَ في ذلكَ الوقتِ، فلسنا على ثقةٍ من أنهُ جادّةُ المذهب، قالَ (٦): «وهذا في الكثيرِ

стр. 534

لا في الأكثر» (١). وتظهر فائدة هذا فيما لو وجدنا ذلك المفتي قد ذكر في مصنفه في المذهب خلاف ما أفتى به، فنعتمد المصنف في المذهب، فعلى هذا نُقدِّم ما في «تعليقة القاضي الحسين وتصانيف (٢) القفَّال، و «شامل ابن الصباغ»، و تهذيب البغوي»، وأنحاء ذلك على ما في فتاويهم عند التعارض. وكأن السر في ذلك أنَّ كتب المذهب موضوعةٌ لذكر ما هو الأمر الكلي الذي يشترك فيه جميع الناس وحوادثهم، وأما الفتاوى فهي لتنزيل ذلك الكلي على الجزئي، وقد تختلف الأوقات والأحوال في التنزيل، فلسنا منها على ثقة. وهذا - كما قال - إنما هو في بعض المسائل دون أكثرها، وهو لا يخفى إن شاء الله على مطّلع على المذهب عارف بأسراره، يجد ما يخالف عمود المذهب وقاعدته، فلا ينبغي أن يبادر إلى اعتماده، ولا إلى نسبة المفتي به إلى المخالفة؛ لاحتمال أنه في تنزيل الكلي على الجزئي في تلك الحادثة بخصوصها كان قد وجد فيها ما أوجب له تلك الفتيا، ولم نجده نحن.

стр. 535

تنبيه جميع ما ذكرناه في مسكوت لا يعارضه منطوق، وإن ذكرنا في بعض الأمثلة ما عارضه منطوق؛ فتلك المعارضة ليست صريحة، أما المعارض بصريح النطق فلا يخفى أنَّ المنطوق أولى، وأمر السكوت (١) محمول على الإحالة على المنطوق، أو عدم التروي فيه حالة السكوت، أو عدم تذكَّرِ المذهب في المسألة إذ ذاك. ومن أمثلته: قال الرافعي في قصاص النفس: «الدامغة هي التي تَحْرِقُ الخريطة وتصل إلى الدماغ»، ثم قال في «باب الديات»: «وأما الدامغة الخارقة لخريطة الدماغ ففيها طريقان: ذكر الشيخ أبو حامد ومن تابعه أنه لا فرق بين أن تخرق الخريطة أو لا» (٢)، فقد عارض ما ذكره عن الشيخ أبي حامد موضعان من كلامه: ما ذكره في قصاص النفس، ثم ما ذكره في صدر كلامه هنا حيث قال: «الخارقة»، وقد يقال: قوله: «الخارقة» يُخرج كلام أبي حامد عن أن يكون مسكوتا عنه، وفي أثناء هذا الفصل يقول: «وهذا على طريقة من قال: الدامغة مُذفّفة» (٣)، وذلك يوهم أنه غير قائل به، وهو الجازم به في قصاص النفس، والحاكي فيه خلافًا هنا. ومنها: نقل عن البوشنجي فيمن جلست نسوته الأربع صفًا، فطلق الوسطى منهنَّ = وجهين، أحدهما: لا يقع شيء؛ إذ لا وسطى لهنَّ، والثاني: يقع على

стр. 536

الوسطيين؛ لأنَّ الاتحاد ليس بشرط في وقوع اسم الوسطى (١)، وقال النووي (٢): «كلا الوجهين ضعيف، والمختار ثالث، وهو طلاق واحدة من الوسطيين يُعَيِّنُها الزوج؛ لأنَّ موضوع الوسطى لواحدة». قلت: وهو ما حكاه في باب الكتابة تبعا للرافعي عن ابن الصباغ وغيره فيما إذا قال السيد: «ضَعُوا عن المكاتب أوسَط النجوم»، وهي مستوية في القدر والأجل، وكان العدد شفعاً، وهناك قال الرافعي: «يجوز أن يقال: الأوسط كلاهما فيوضعان»، وكأنه أُنسي ما حكاه عن البوشنجي، وإلا لذكره (٣). وفي الفرع كلامان: أحدهما: أنَّ الوسطى إن كان لواحدة فما هناك وسطيان، فكيف يقال: يُعَيِّنُ ولا وسطى؟! لأنَّ المعقول من الوسطى من يستوي جانباها فلا يزيد ما عن (٤) يمينها على ما عن يسارها، فلا يتجه غيرُ أحد وجهي البوشنجي. والثاني: أنَّ العبارة عن هذا الفرع غير مهذبة؛ لأنَّ المراد به تطليق الجالسة معترضةً بين النساء يستوي جانباها، والتعبير عن هذه بالوسطى غير سديد، فإنَّ الوسطى تأنيث الأوسط، وهو خِيارُ الشيء وأعدله، كما قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: ٢٨]، وقال أعرابي يمدح سيدنا رسول الله ﷺ : يَا أَوْسَطَ النَّاسِ طُرًّا فِي مَفَاخِرِهِمْ … وَأَكْرَمَ النَّاسِ أُمَّا بَرَّةً (٥) وَأَبَا

стр. 537

والقولُ بأنَّ الوُسطى: ما بين شيئين ضَعيف (١)؛ لأنا قد قُلنا: إنها مُؤنثُ الأَوسط، وأَفعَلُ التَّفضيل كفِعلِ التَّعجب لا يُبنى إلا من قابل للزيادة والنَّقص، وهذا لا يُتصوَّر فيما بين شيئين وإن قيل مثله في الصلاة الوُسطى. * * *

стр. 538

الكلام في المناقضات مَحْشُوا بفوائد عارضات قد يسأل سائل: ما قولك في المناقضات التي عُدَّت على الشيخين، على أي المواضع منها يعتمد الناظر؟ فنقول: إذا تأملتها وجدتها عند التحقيق في غاية الندرة، فإن أكثرها من الأجناس التي نبهنا عليها في صَنِيع (الروضة)، فما عارض معارض (الروضة) بـ «الشرح» إلا وألفى الكثير؛ لاختلاف العبارة غالبا. وما ليس من هذا القبيل منقسم؛ فمنه ما يتعين فيه الحمل على غلط الناسخين وزلات أقلام الكاتبين، كما يوجد في «الطلاق» في «فصل الكناية»: أنَّ الأظهر من الخلاف فيما إذا اقترنت النيَّة بأول التكبير دون آخره: «الانعقاد» (١). وصوابه: «عدم الانعقاد، وعليه يستقيم كلامه، فتأمله، وهو الذي صححه في بابه، فلعل الناسخ أسقط لفظة «عدم» (٢). كما لعله أسقط من قول الرافعي في باب العدد»: «مَحْرَم له من النساء، كزوجة أخرى وجارية» (٣). كذا يوجد في بعض النسخ، ولا يخفى أن الزوجة والجارية ليسا من المحارم، فكأنه سقط: «بما في معنى محرم له». ويتعيَّن في بعضها اعتقاد سبق قلم المصنف وذهوله عما وقع، كما وقع في

стр. 539

«باب التيمم» من «الشرح ما ظاهره أنَّ صلاة الجنازة سُنَّة، فهذا لا يقال: مناقض لقوله في الجنائز»: «فرض كفاية»، بل الواقع في «التيمم» وهم عن غير قصد، مخالف لإجماع المسلمين على أنها فرض كفاية، لا أعرف في ذلك خلافًا إلا غريبة (١): قال البغوي في النساء: «لا يجب عليهنَّ، ولا يسقط الفرض بهنَّ لو لم يكن سواهن» (٢). وقد حكيته عنه في «الطبقات» (٣)، وهو في النساء، أما الرجال فلا قائل به فيهم. وقد يُحمل ما وقع في (التيمم) (٤) على أنها تُسَنُّ لكلّ أحدٍ سنَّةَ عين مع كونها فرض كفاية على الجملة، وهذا الحمل خَطَرَ لي، وهو جيد، لكن تفتقر دعوى كونها سنَّةَ عينٍ إلى دليل. أو يقال: مراده أنها من المؤقّتات (٥) التي هي أعم من الفرائض لا من خصوص مؤقتات الفرائض، وإن كان أوَّلُ كلامه كالصريح في تقسيم مؤقتات الفرائض لا مطلق المؤقتات، فكثيرًا ما رأيتُ مَنْ يخوض في تقسيم في أثنائه ينتقل إلى أعم منه، إما لذهول، أو لقصد تعميم. وليس من ذلك قول الأصحاب: «إذا دفع ثوبًا إلى خياط ليخيطه فخاطه قباء ثم اختلفا ألمأذون فيه قباء أم قميص؟»، بل المسالة - وإن وُضعت في «باب الإجارة» - القصد بها أعم من أن يُدفع على وجه الإجارة أو غيرها.

стр. 540

فليس للشيخ الفركاح ﵀ أن يقول: «إنَّ نقل الرافعي عن ابن سريج أنه إن جرى بينهما عقد فليس إلا التحالف، وإلا فقولان = في غير موضعه؛ لأن صورة المسألة أن يعقدا إجارةً ثم يختلفا كذلك» (١) = لأنَّا نقول: بل صورتها في أعم من أن يعقدا (٢)، وكذلك عبروا جميعاً بقولهم: «دفع» ولم يقولوا: «استأجر»، ووضعت في «باب الإجارة» لأنه مسيس بها. وكم للشيخ الفركاح من شذوذ منقولا ومعقولاً: أليس هو القائل: «إنَّ الإمام يفعل في الغنائم ما يراه»؟! وانتدب النووي لرد ذلك عليه وقال: «التخميس والقسمة واجبان بإجماع المسلمين»، وصوب كل من ابن الرفعة والوالد صنيع النووي، وأغلظًا (٣) القول للشيخ الفركاح (٤). أليس هو المفتي في امرأة أراد زوجها السفر بها، فأقرَّت بدين لإنسان ادعى به عليها وطلب حبْسَها = بأنها لا تُحبَس ولا تُمنع حق زوجها من السفر، وغلط القاضي ابن الصائغ (٥) في حكمه بالحبس، وهو الغالط، بل حبسها قضية قواعد المذهب، وبه صرّح القاضي شريح في «أدب القضاء» (٦)، نعم، حكى وجهين في أنها هل تُحبس إذا قامت بينةٌ بأنها إنما أقرت قصدًا للتخلف عن السفر، أما بمجرد القرينة فلا أعتقد أحدًا من أئمتنا يقول به.

стр. 541

أليس هو المفتي في زوجة كبيرة لها بزوجها الصغير بعض الاستمتاع؛ أنها لا تكون أحق بحضانته، وهو خلاف منقول الرافعي عن الروياني، ولا يُعرف في المذهب غير قول الروياني، وقد سبقه إليه الماوردي (١). ومثله: قال الرافعي (٢) في «باب الخلع» (٣): «لو اختلفا في العوض» إلى أن قال: ولا يُقبل قوله في سقوط سكناها ونفقتها، كذا وجد: «سكناها»، وصوابه: كسوتها؛ فإنَّ السُّكني تجب للمختلعة، واقترانه بالنفقة يدلُّ عليه. ومثله قال في أوائل الفن الثاني في حكم القصاص: «وهل يدخل في القرعة من يعجز عن الاستيفاء كالشيوخ والصبيان والنسوة؟ فيه وجهان» (٤)، انتهى. ومعلوم أنه متى كان في المستحقين صبي ينتظر للاقتصاص بلوغه (٥). ومثله: قال في باب العدد في عِدَّة الناسية: «وأشار بعضُهم إلى أنَّ الشهور أصل في حقها كما في حق الصغيرة والمجنونة» (٦). كذا وقع لفظ «المجنونة»، وصوابه: الآيسة، أما المجنونة فإن كانت ممن تحيض وعُرِفَ حيضها فعدتها به، وإن لم يُعرف فكالمتحيرة. ومثله: قال في «باب الأضحية»: «إنَّ رسول الله ﷺ أهدى مئة بدنة، فنحر منها بيده ستّا وستين»، وكذا وقع في «الكفاية» لابن الرفعة (٧)، وصوابه: ثلاثا

стр. 542

و ستن، و قد ذكره هو من بعد على الصواب ف الحكم الثالث ف الأكل من الأضحة، و العلماء قد تكلموا ف سره و قالوا: إنه (١) إشارة إلى مقدار عمره ﷺ (٢). فهذه الأماكن و ما أشبهها لست من التناقض ف شء، إنما هي طغان أقلام. وليس تعَّن أن كون منها قوله ف الردّ بالعَب: «لو لم تنتقص القمة بالعب - كما لو خرج العبد خصا - فلا أرش، كما لا رد» (٣)، انتهى. بل جوز أن لا كون هذا مناقضا لما قدمه من ثبوت الرد؛ لأنَّا نجوز أن ذهب ذاهب إلى أنَّ الخصَّ لا ردُّ اعتباراً بارتفاع قمته، و قول: إنما أراد (٤) بمفوت العين: التي نقص فواتها القمة، لا عن تكثر بفواتها الرغبات، فهذا موضع احتمال. فرع وقع رجل ف بئر، فجذب ثاناً، والثان ثالثاً، والثالث رابعاً، و ماتوا، قال صاحب «التنبه»: «وجب للأول ثُلُثُ الدة على الثان، والثلث على الثالث» (٥). و هو ما جزم به صاحب «الشامل»، وصاحب «البحر»، وصاحب «البان»، ونقله البهق ف «سننه الكبر» ف باب البئر جبار عن الأصحاب، و قاله أضا الماورد، لكنه قَّد بما إذا كان الحفر بحق، و هو جد؛ لأنه إذا كان

стр. 543

عدوانًا قدرُ الحافرُ كالدافع (١). فتحرّر من هذا الكلام: أنَّ الواجب الثلثان، ويُهدر الثلث، وصحح الرافعي أنه يُهدَرُ رُبعها بكل حال، ورُبع آخَرُ إن كان الحفر بحق، ويجب الربع على عاقلة الثاني، والربع على عاقلة الثالث، وهو قضيَّة كلام الإمام (٢)، ولكن ما قاله صاحب «التنبيه» ومن معه أظهر، ويجب للثاني ثلثا الدية على الأول والثالث، وللثالث نصفها على الثاني، وللرابع كلها على الثالث باتفاقِ صاحب «التنبيه» والرافعي ومن ذكرناه في الطرفين في الثلاثة. وليس غرضنا هذا الآن، إنما الغرض أنَّ الرافعي وغيره من الأصحاب عبروا تارةً عند صورة الوجوب بالوجوب على الجاذب، وتارةً بالوجوب على عاقلته، وجمع الرافعي بين التعبيرين، فإنه قال في واجب الأول: «يجب الربع على عاقلة الثاني، والربع على عاقلة الثالث، ثم قال في الثاني: يجب ثلثها على الأول، والثلث على الثالث»، ولم يقل: على عاقلتهما، ثم قال في الثالث: «يجب نصفها على عاقلة الثاني»، ثم قال في الرابع: «يجب على الثالث، وقيل: على الجميع» (٣). هذا ملخص كلامه، وقد يظنُّ غبي أنه متناقض حيث أوجب تارةً على الجاذب، وتارةً على عاقلته، وليس كذلك؛ فإنَّ الغَرَض هنا ليس إلا بيان ما يجب لا بيان على من يجب، فإذا تقرر قدر الواجب نظر الناظر بعد ذلك في أنَّ

стр. 544

الجذب عمد محض فيكون على الجاذب، أو لا فيكون على العاقلة. وقد أشار الإمام إلى هذا فقال: «وكنا نُؤثِرُ أن يصوّر ذلك على وجه شبه العمد حتى ينتظم الكلام على نسق واحد، ثم قال: «والأمر يطول في الفرق بين العمد وشبه العمد، والتعرض للعاقلة وخاص مالِ الجاذب، وليس ذلك من غَرَضِنا الآن» (١)، انتهى. ولا ينبغي أن يُؤخذ منه أيضاً أنَّ الوجوب يلاقي الجاذِبَ أولا ثم ينتقل إلى العاقلة أو يلاقيهم أولاً؟ فإنَّ لذلك مكانًا آخر (٢). فرع: جزم الرافعي في «باب صَوْل الفحل» بأنَّ الصائل الحربي يجب دفعه، ثم ذكر في «باب الهدنة» أنَّ في وجوب بذل المال للمشركين إذا كانت بالمسلمين ضرورة وجهين مبنيين على الخلاف في وجوب دفع الصائل، واعترضه ابن الرفعة بأنَّ الصائلين هنا أهل حرب، فلا يطرقهم خلاف، قال: وخرج ابن داود الوجهين على وجوب أكل الميتة حال الاضطرار»، قال: «وهو أشبه» (٣). قلت: وقد سبق الرافعي إلى البناء على دفع الصائل ابن الصباغ، وجمع الروياني في «البحر» بين البناءين على دفع الصائل وعلى أكل المضطر (٤)، وخَطَرَ لي أنه يمكن تصويب (٥) البناء لا بدعوى طروق الخلاف للصائل الحربي، فليس

стр. 545

في الكلام ما يدلُّ عليه، ولا قائل به، خلافًا لما أوهمته عبارة ابن الرفعة، بل بمعنى أنا إن أوجبنا دفع الصائل المسلم تبقيةً للنفس، أوجبنا بذل المال للكافر لمثل ذلك، فإنَّ بذل المال لبقاء النفس أولى من قتل النفس لبقاء النفس. أو أن يقال: إن أوجبنا دفع المسلم (١) لم نبذل المال بل نقاتل؛ لأنَّ في عدم الاستسلام هنا إعزازا للدين؛ لأنَّ المسلمين - كما قال الشافعي ﵁ قاتلين ومقتولين ظاهرون على الحق، فالصبر على قتالهم وإن أتى على النفس ظهور على الحق، ووصول إلى الشهادة، وربما ترتب عليه قتل بعض الكافرين، وهو مقصود، بخلاف قتل المسلم وإن صال. وإن جوزنا الاستسلام للمسلم فقد يقال: لا يجب دفع المال هنا، بل يقاتل لما ذكرناه، وقد يقال: بل وجوب دفع المال هنا أولى؛ لأن فيه حفظا للمهج. والحاصل: أنَّ البناء ممكن، والمعنى مختلف، ففي بذل النفس وعدم الذل للكافر إعزاز؛ إذ الإسلام - كما قال الشافعي - أعزُّ من أن يبذل المال للمشرك، وطلب للشهادة؛ إذ قصاراه القتل، وهو شهادة، وفي الاستسلام للمسلم بذل النفس له، وليس كذلك الكافر. فإن روعي من بذلت له لم يتجه البناء؛ إذ ليس الكافر كالمسلم، أو ما بذلت فيه - وهو الدين وطلب الشهادة - اتَّجَه، فوضح البناء، وأنه لا مناقضة من الرافعي؛ لأنه لم يَدَّعِ خلافًا في الكافر. والبناء على أكل المضطر أوضح، وبه يظهر وجوب بذل المال، فإنَّ

стр. 546

الصحيح وجوب الأكل، والأئمة من أصحابنا - الرافعي ومن تقدمه - إنما عبروا بالضرورة، وهي أخص، وقد صرح الروياني بأنَّ الحاجة لا تكفي فقال: «إن لم يكن مضطراً لا يجوز بذل المال، سواء أكانت حاجةً أم لم تكن»، وأشار هو وغيره إلى أن الخلاف في جواز بذل المال فضلا عن وجوبه مقصور على حال الضرورة وخشية اصطلام المسلمين، فلا تبقى نفس ولا مال (١). وقد تبيَّن بما ذكرتُ أنَّ تخريج الرافعي على دفع الصائل غير خطأ ولا مناقض لما تقدم منه من الجزم بدفع الكافر الصائل. فَصْلٌ بَانَ لك أنه رُبَّ مكان إذا تأملته لم تجده مخالفًا بالكلية، وعدت على نفسك باللوم لسوء الفهم، ولقد وقع لي أنا من ذلك أني رأيتُ قول الرافعي في إبل الدية: «ومهما تعيَّن نوع فلا عدول إلى ما فوقه أو دُونَه إلا بالتراضي» (٢). فتخيلتُ أنه يُناقض موضعين من كلامه: أحدهما: دعواه الاتفاق في الفطرة على إجزاء الأعلى عن الأدنى (٣)، وإن كانت تلك الدعوى ممنوعة بوجه في «الحاوي» (٤). وثانيهما: قول الرافعي في الديات بعد ذلك فيما إذا استويا أنه في وجه: «يؤخذ بالقسط إلا إذا تبرع بالأشرف» (٥). وقَرَّرْتُ هذا في درس الشامية وقلتُ:

стр. 547

«الصواب العدول إلى الأعلى، وقد نص عليه الشافعي، وبه صرح الماوردي، والقاضي الحسين، وجماعات» (١)، ثم عدت إلى البيت فتأملتُ فوجدتني المسيء في فهمي، وكلام الرجل فيه لف ونشر، والمعنى: ومهما تعيَّن نوع فلا عدول إلى ما فوقه بطلب المستحق، ولا إلى ما دونه ببذل من عليه الحق إلا بالتراضي، أي: برضا من عليه الحق في الأول، ومن له الحق في الثاني؛ ولذلك كانت عبارة ابن الصباغ في «الشامل»: «فإن أراد العاقلة أن يعطوا دون إبلهم لم يكن لهم ذلك، وكذلك إن أراد ولي الجناية فوق إبلهم لم يكن له إلا أن يتراضوا؛ فإنَّ الحق لهم دون غيرهم». قلت: وأحسن تعبير عن هذا الفصل (٢) قول صاحب المذهب ﵁: «ولا يُكلّف أحدٌ من العاقلة غير إبله، ولا يُقبل منه دونها» (٣)، انتهى. فحقك فيما هذه سبيله التروّي المرَّةَ بعد المرَّة، وعدم الإقدام على تخطئة الأئمة أو نسبتهم إلى أدنى قُصُور، والوقوف عند الأدب معهم، فإنَّ لحومهم مسمومة، قد لا يتوقف تأثير سمها على قصد الطاعمين، فلتكن هذه سبيلك في هذا الضرب وأضرابه. وأما ما ليس منه، بل هو من محتملات الخلاف مع اتحاد المسألة، فذلك على أضرب؛ لأنه إما أن يكون أحد المكانين مذكورًا في مظنته والآخر في غير مظنته، أو كل منهما مذكور في مظنته، أو كل في غير مظنته، والواقع في غير مظنته قد يقع مقصوداً بالذات، وقد يقع استطراداً، وذلك يظهر بتأمل الكلام.

стр. 548

الضرب الأول أن يكون أحدهما في مظنته والآخر في غير مظنته، فالمعتمد ما في المظنة (١)، لا سيما إذا كان الذي في غير المظنة وقع استطرادا، فإنه قد يقع في الاستطراد وأثناء الحجاج - لا سيما في مجالس النظر - ما يعرف عند التحرير أن قائله لا يعتقده، ولا يدين الله به. ألا ترى إلى التزام بعض الخلافيين في قول القائل: " أنا منك طالق " أنه صريح، وإن قصد تطليق نفسه، حكاه الإمام (٢). والتزموا جميعا أن الزكاة عندنا غير عبادة، وليس ذلك بمسلم، قال الوالد: «إنما ألجأهم إلى ذلك مبالغتهم في إنكار زكاة مال الصبي»، ومثله يكثر، ولذلك ينصرون في الخلاف ما لا ينصرون في المذهب، ويسمونه القول المنصور في الخلاف، هذا وهو مقصود في نفسه، فما الظن بالمستطرد؟! (٣)، فليحمل ما يقع في غير المظنة على عدم إلقاء البال إليه في ذلك الوقت؛ لعدم انصباب الفكر إلى تلك المسألة. وقد وقعت للوالد ﵀ مواضع كما وقعت للشيخين، واختص هو عنهما بأماكن جرى (٤) فيها على قضية تصحيحهما دون ترجيحه هو؛ لعدم تذكره.

стр. 549

ما رجحه، فإن ما رجحاه أعتق في ذهنه مما رجحه، فربما انصرف الذهن عند عدم انصبابه نحو جهة الترجيح فيما استطرده القلم إلى ما هو المحفوظ قديما، وربما فعل الوالد ذلك لغير هذا المعنى، وقد نبهت على هذا من قبل. ومما وقع له تبعا للرافعي: ما ذكرت في «التوشيح» في مسألة حبس المبيع، فإنه تبعه في الموضعين، فسألته عن ذلك، فأخذ القلم في الحال، وكتب على حاشية «شرح المنهاج» ما حكيته في «التوشيح»، واختار التفصيل الذي قدمته. فائدة: في عد مستغربات مما وقع في غير المظنة استطرادا، أو في أثناء الحجاج، أو غير ذلك، مخالفا للواقع في المظنة، أو مظنون المخالفة. فمنها: قول الرافعي في أوائل «الباب الثاني» في «الوكالة»: «إن الوصي لا يبيع بالعرض ولا بالنسيئة»، فهذا لا يعتمد، وإنما المعتمد ما ذكره في «باب الحجر» من أنه يبيع بهما إذا رآه مصلحة (١). ومنها: قوله في «باب الردة»: «إنه لو شهد شهود على إقراره بالزنا فأنكر؛ لا يحد، ويجعل رجوعا، بخلاف الردة»، فإنه لا يعتمد، والمعتمد ما صححه في «باب حد الزنا» من عدم الالتفات، إليه خلافا لأبي إسحاق (٢) والقاضي أبي الطيب (٣)، وقد حذف النووي في «الروضة» هذين المكانين؛ لوقوعهما أثناء الحجاج، فوقع حذفه الموقع.

стр. 550

ومنها: قوله في «باب الجراح» قبيل التفاوت الثالث في العدد: «إنه لو عجل المكاتب النجم قبل المحل يُجبر السيد على القبول، وفي سائر الديون المؤجلة تفصيل وخلاف»، انتهى. والأصح في «باب الكتابة أنه لا فرق بين النجم وسائر الديون في القبول، فإن كان للسيد غرض في عدم قبوله إذا عجله لم يُجبر (١). ومنها: قوله قبيل القسم الثالث في الاشتراك من «كتاب الطلاق»: «لو قال: " أنت طالق طالق " لم تطلق إلا واحدةً، ذكره استشهادًا لمسألة: "أنتِ طالق ثلث طلقة ربع طلقة "، فإن أراد مع النيَّة لم يصح قياسُ مُطْلَقٍ - وهو مسألة ثلث طلقة ربع طلقة - على مَنْوِي، وإن أراد مع الإطلاق فلا يصح عند الجمهور، وإنما يصح عند القاضي الحسين كما قدمه في أوائل الفصل الثاني» في التكرار (٢). ومنها: قوله في «كتاب الطلاق: إذا قال لامرأته: "إذا جاء رأس الشهر فطلقي نفسك "، إن قلنا: إنه (٣) توكيل، فيجوز (٤)، وهذا ظاهره تجويز تعليق الوكالة، وهو خلاف ما صححوه في باب الوكالة»، وليس مراده بالجواز هذا، إنما مراده - إن شاء الله - بالجواز نفوذ التصرف عند مجيء الشهر، وهو الأصح كما ذُكر في «الوكالة». ومنها: قوله في انعقاد النكاح بالكتابة: إذا قلنا بصحة النكاح إما بمجرد الكتابة أو عند التلفظ؛ فالشرط أن يقبل في مجلس بلوغ الخبر» (٥)، فلا ينبغي أن

стр. 551

يُفهم منه عدم اشتراط الفور، ويجعل مناقضا لتصحيحه في «كتاب الطلاق» وغيره أنه لا بد من الفور، فإنما أراد أنه لا يكفي القبول بعد مجلس البلوغ، لا أنه يجوز التراخي فيه. وقول الرافعي: «وأن يقع القبول بمحضر شاهدي الإيجاب» (١) هذا هو الأصح من وجهين حكاهما هو في «كتاب الطلاق»، وقد يقال: إنه مخالف لانعقاد النكاح - بلا خلافٍ على ما قاله في «الروضة» - بابني الزوجة وابني الزوج، أو عَدُوَّي الزوجة وعدوي الزوج؛ لأنَّ ابني الزوج يشهدان على إيجابه عند إنكاره دون قبول الزوجة؛ فإنهما لا يشهدان لأبيهما، وابني المرأة بالعكس. فإن قلت: بل كلُّ واحدٍ يشهد بالنكاح جُملةً، ويقبل فيما يُقبل منه دون ما لا يُقبل. قلت: فيلزم أن يجيء الخلاف فيما لو شهد لأبيه وأجنبي، فكيف يُنفى الخلاف؟ وقد تكلَّمتُ على هذا في «الأشباه والنظائر» كلاما مبسوطا (٢). ومنها: قال في باب اللقيط فيما إذا تنازعاه وأقام كل بينة على ما يدعيه، وقيدتا بتاريخين مختلفين: «إنه يُقدَّم بالسبق، بخلاف المال حيث لا يُحكم بسبق التاريخ في أصح القولين»، كذا قال، وتبعه النووي فعبر بالأظهر (٣)، وصوابه: أحد القولين، كما فعل الوالد في شرح المنهاج، وكذلك هو في «الشرح الصغير» للرافعي، فإنَّ الأصح في المال كما في اللقيط.

стр. 552

ومنها: قال في العارية فيما إذا استعار من المستأجر: «مؤنة الردّ على المستعير إن ردَّ على المستأجر، وعلى المالك إن رد عليه، كما لو رد عليه المستأجر» (١)، وقضيَّةُ هذا أنَّ مؤنة الردّ لا تجب على المستأجر، وإيجابها هو ظاهر ما رجحه في «باب الإجارة». لطيفة: قدمنا مسألة بيع الوصي بالعرض وبالنسيئة، وقلنا: إنَّ المدار على المصلحة، ونحن منهوك هنا على لطيفة، فنقول: قد يتصوّر متصوّر أنَّ المصلحة في شيء؛ فيفتي به، فلا تكون فتواه مخالفةً في الحقيقة، بل هو - إذا كان غير مصيب - مخطئ في تنزيل الكلي على الجزئي، قد أتي من حيث الإيالة والسياسة، لا من حيث الشريعة؛ لأنه لم يخطئ من حيث الحكم، وإن شئت قل: في تشخيص المطلوب لا في نفسه. فإذا منع البيع بالعَرْضِ وبالنسيئة فإنما منعه ظنًا أنه ليس بمصلحة، فإن كان الأمر كما ظنّه فالأمر كما قال، لا لخصوص كونه عَرْضًا ونسيئةً، بل لعموم مخالفة المصلحة، وإن لا يكن كذلك فهو غالط في اعتقاد أنه مصلحة فقط، وآية هذا النوع أن يختلف باختلاف الأحوال والأوقات والأشخاص، وقد ذكرنا في «باب الحجر» من كتاب «التوشيح» في مسألة البيع بالغبطة، وفي هذا الكتاب في مسألة شراء الولي لليتيم عقارًا لا يُحَصِّلُ رِيعُه قدر كفايته ما هو من هذا القبيل (٢)

стр. 553

وهذه فروعٌ من هذا النوع مُستَظرَفَة (١)، وفي مطاويها غرائب منها: قال أصحابنا: تصرُّف الإمام على الرعايا منوطٌ بالمصلحة، وهذا منصوص للشافعي ﵁، إذ قال - كما رأيته - في آخر «عيون المسائل» لأبي بكر الفارسي: «ومنزلة الوالي من الرعية منزلة الولي من اليتيم» (٢)، انتهى. وهو نص في كل وال، والأمر كذلك، ومن ثَمَّ إذا تخيَّر الإمام في الأسرى بين الاسترقاق، والقتل، والمن، والفداء؛ لم يكن ذلك موكولا إلى تَشَهيه، بل ما يراه مصلحةً فهو المتعيّن، حتى قال أصحابنا - منهم الرافعي: «إذا لم يظهر له وجه المصلحة حبسهم إلى أن يظهر» (٣). ولا أعلم في ذلك تردُّدًا إلا ضمن بحث للرافعي في «باب قسم الفيء والغنيمة» حيث قال: «الأشبه أنَّ الإمام يجتهد ويراعي المصلحة» (٤)، فاستعماله لفظ «الأشبه» مُؤذِنٌ بتردُّد، ولكنه متروك عليه، ولا يُعرَفُ به قائل. ومن ثَمَّ أيضا لا يجوز لأحدٍ من أولياء الأمور أن ينصب إماما للصلوات فاسقا، وإن صححنا الصلاة خلف الفاسق، كما صرح به الماوردي، وهو واضح؛ لأنها مكروهة، وولي الأمر مأمور بمراعاة المصلحة، وليس من

стр. 554

المصلحة أن يوقع الناس في صلاةٍ مكروهة. وكذلك ينبغي أن يقال في المبتدع، فقد نص الشافعي على أن الاقتداء بذي البدعة الظاهرة مكروه (١)، ونقله عامَّةُ الأصحاب، ومن الغريب أن الرافعي مع ذلك يقول: «يمكنك أن تستدلَّ بكراهة الاقتداء بالفاسق على كراهة الاقتداء بالمبتدع بطريق الأولى» (٢)، وكراهة الاقتداء بالمبتدع منصوصة، نص عليها الشافعي عند ذكره كراهة الاقتداء بالفاسق، فلا تحتاج إلى أن تستنبط من هذا، ثم قال الرافعي محتجًا لِما ذكره: «لأنَّ فِسق الفاسق يفارقه في الصلاة، واعتقاد المبتدع لا يفارقه» (٣)، وهذا احتجاج عندي جيد. فإن قلت: إن أراد بالفسق المفارق في الصلاة الفسق بالفعل؛ فالبدعة أيضًا قد تفارق بالذهول عنها، أو بانسحاب حكم الفسق؛ فكل من البدعة والفسق ينسحب حكمه في الصلاة. قلتُ: بل المراد أن المبتدع لتدينه ببدعته قد يُحضرها في صلاته؛ لأنه يتقرب بها، بخلاف الفاسق فإنه يعرف أنه مخطئ، فهو في صلاته الناهية عن الفحشاء والمنكر يبعد كل البعد عنها؛ لأنه إما أن يكون غافلا عنها، أو مستحضرًا لها ولكونها خَطِيئةً، واستحضار كونها خطيئةً حسن، بخلاف البدعة فإنَّ استحضارها يدعو إلى استحضار حسنها. ولسنا هنا لغير أَنَّ تصرُّفَ الإمام منوط بالمصلحة، ولي في شرحي

стр. 555

«المختصر» و «المنهاج» في مسألة التفويض كلام على واقعة أُختِ النضر بن الحارث يتعلق بذلك لا بأس به. ومنها: قال الرافعي في «السير» لما حكى الوجهين فيما إذا خيف في السفر إلى الجهاد من متلصصي المسلمين: «أصحهما: لا يمنع وجوب الجهاد؛ لأنَّ الخوف محتمل في هذا السفر، وقتال المتلصّصين أولى». هذه عبارته، وعبارة الإمام: «لعله أهم» (١)، فلم يجعله أولى مطلقا، وهو الصواب، فإنه قد يكون أولى وقد لا يكون، بل يكون النهوض إلى الكفَّار أولى على حسب المصالح الحاضرة، فالأمر موكول إليها. ومنها: قال الرافعي في التعزير: أما جنسه من الحبس والضرب جَلدًا أو صفعاً فهو إلى رأي الإمام، فيجتهد، إلى قوله: «وفي «النهاية»: أنَّ الأصحاب قالوا: عليه الترتيب والتدريج كما يراعيه الدافع، فلا يترقى إلى مرتبة وهو يرى دونها كافيا» (٢)، انتهى. ولا يخفى أنَّ ما قاله الأصحاب تنزيل لا مخالفة للأول، وكأنهم يقولون: المصلحة التدريج، فإن فُرِض في واقعة من الوقائع أن المصلحة عدم التدريج فهم لا يخالفون، ولكنه خلاف الأغلب. ولا ينبغي أن يُفهم من قوله: «وفي (٣) «النهاية»: أنَّ الأصحاب قالوا … » إلى آخره، أنه مخالف لقوله: «إنَّ ذلك إلى رأي الإمام»، وكيف يكون ذلك؟

стр. 556

ولو كان ذلك لكان مخالفةً للأصحاب قاطبةً، وإنما هو مفسر (١) للمصلحة. ومن الواقعات: أني عزَّرتُ فقيها بالنفي عن البلد، فبلغني أنَّ معترضا اعترضني وقال: ليس في كلام الأصحاب إلا الجلد والصفع، فمن أين لهذا القاضي النفي؟! فلا أدري أَعْجَبُ منه في تخيله أنَّ الأمر مقصور على الجلد والصفع، وهو يسمع أنه موكول إلى اجتهاد الإمام يفعل ما يراه، فهل تراه ظنَّ أَنَّا قصرنا نظر الإمام عما وراء الجلد والصفع، ثم جعلنا له الاجتهاد بينهما فقط؟! فإن هو ظنَّ هذا فليس (٢) بأهل أن يُكالم. أو أَعْجَبُ من اعتقاده أنه ليس في الدنيا فقه إلا ما في «الرافعي» و «الروضة»، وقد صرح أصحابنا بالتعزير (٣) بالنفي، ذكره الماوردي في «الحاوي»، والروياني في «البحر»، والشاشي، وصاحب «الذخائر»، وقالوا - إلا الشاشي: «إنَّ ظاهر المذهب أنه ينقص عن السنة؛ لئلا يساوي تغريب الزاني» (٤). ولقد بت من هذه المسألة حين أُنكِرَتْ عليَّ في حَرَج، فرأيتُ والدي في النوم في منام طويل، منه (٥) أني سألته عن هذه المسألة فتوقف، فقلت له: قال الماوردي وصاحب «البحر» وفلان وفلان بالجواز، وفعله عمر ﵁، ولا أعرف في المسألة خلافًا، فتوقف، فقلتُ (٦): أأكتب عنك أنك متوقف؟

стр. 557

وكتبت، فأخذ ما كتبته فكشطه، فقلتُ له: فماذا ترى؟ فقال: أنا لا أقول بالرأي، أريد أبصر الحديث، فقلتُ: خَلَّني أكتب أنك متوقف، فكأنه قال: التوقف يستدعي حضور الدليلين من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، وأنا إلى الآن لم أنظر المسألة حق النظر، وأشار إلى أنه لا يُنسب إليه فيها شيء؛ لعدم استيفاء النظر، كذا فهمتُ عنه، واستيقظتُ، ومكثت أياما أتعجب من قوله: لا يُنسب إليَّ التوقف، مع كونه متوقفا، ثم تذكرتُ ما كان ﵀ يفيده (١) عن الشافعي ﵁ أنه نص على أنَّ العالم لا يقول في مسألة: لا أعلم، حتى يُجهد نفسه في النظر فيها ثم يقف، كما أنه لا يقول: أعلم ويذكر ما علمه حتى يُجهد نفسه ويعلم. وكان ﵀ يقول في توجيه ذلك: «إنَّ العالم ليس كالعامي، فقوله: لا أعلم، يُهَوّن أمر المسألة، ويُطَمِّعُ السائل في الإقدام، مع كونها قد تكون منصوصة الحكم، وأيضًا فالعالم مأمور بالنظر ليتعلم ويُعلّم، فليس قوله: «لا أعلم» من الدين في شيء حتى تقف عنده مقتضيات العلم بعد سَبْرِها». ولا شك أنَّ هذا محمول على مَنْ يُطلق «لا أعلم» إطلاقا، أما من يقيد كلامه بما يُعرف منه المعنى، فما أظنُّه يمتنع عليه قولُها. ويقرب من مسألة النفي أني لما وَلِيتُ الخطابة والإمامة بجامع بني أمية صرتُ أصلي ليلة الجمعة في صلاة العشاء بـ «الجمعة» و «المنافقين»؛ للحديث الوارد في (صحيح ابن حبان)، بلغني أنَّ متكلّما تكلم في ذلك لكونه ليس في «الرافعي»، فعَرَّفتُ المُبَلِّغَ أَنَّ في ذلك حديثاً صحيحاً، وأنَّ صاحب «المهذب»

стр. 558

ذكر الحديث في كتابه، وأنَّ شيخ الإسلام أبا عثمان الصابوني (١) من أئمة أصحابنا كان لا يترك ذلك سفرًا ولا حضرًا، فالمسألة فيها سُنَّة، وهي أوضح من أن تُنكر، وكم من واضحة ليست في «الرافعي» قد تركها إما لوضوحها أو لغير ذلك. عارضة أُنبه فيها على مسائل أصولها في «الرافعي»، ولها تتمات مهمة ليست (٢) فيه، فأقول: وإذا ظن الجهولُ أنَّ الفقه مقصور على ما يعهده ويألفه؛ فليس بمأمون أن يُنكر الحكم في وقائع منصوصة للشافعي والأصحاب؛ لكونه لم يدر بها، وما مَثَلُ مَنْ في حسبانه الخسيس أنه ليس في الدنيا شيء إلا في «الرافعي» إلا مَثَلُ نملة ظنت أنه ليس في العالم سماء إلا سقف بيتها، ولا أرض إلا عرصه دارها، ولو خالط هذا أهل العلم حقيقةً، ومارَسَ الكتب؛ لما سرى إليه شيء من هذا الحسبان. واعلم أنَّ الخارج عن الشرح يحصره (٣) ثلاثة أنواع: نوع مسائل هي أمهات، وكثير منها للإمام الشافعي والأصحاب (٤)

стр. 559

منصوصات، وتلك تربو على المجلدات. وقسم هو وجوه وأقاويل وتعاليل ومآخذ، وتلك أيضًا [١/ ٨٥] يُسفر صُبحُها عن أسفار. وقسم ما بين تقييد لما أطلقه، وإطلاق لِما قَيَّده، وتتمة لما ذكره، ونحو ذلك. وهذا النوع الثالث تَحَسُّنُ معرفته للمعَتني بهذا الرافعي، وتتحَرَّرُ به له مسائله. ومن هذا القَبيل الذي لا مطمع في استيعابه: قال الرافعي: «وإنما تَثْبُتُ شهادةُ الزُّور بإقرار الشاهد أو بيقين القاضي»، وإلى أن قال: «هكذا أطلقه الشافعي والأصحاب»، ثم قال: «ولا يَعْني قِيامُ البَيِّنة على أنه شَهِدَ بالزُّور، فقد تكون هذه البَيِّنَةُ بَيِّنَةُ زُورٍ» (١)، انتهى. وهو محمول على أنه لا يَعْني في إثبات أنهما شاهدا زُور، وبه صَرَّح القاضي الحسين في «التعليقة»، أما اندفاعُ ما شَهِدا به بقولٍ مِنْ جَرْحهما: «هما شاهدا زُورٍ»؛ فلا بُدّ منه، ويؤيده قول النووي في «شرح مسلم» (٢): «إِنَّ الجَارِحَ إذا لم يُبَيِّنْ سَبَب الجَرْحِ يُتَوَقف في الحكم لأجله، وإن لم يُحْكَم بمقابله»، وقريب منه قولُ الإمام (٣): «إنَّ المجهول إذا روى شيئًا كَفَفْنَا لأجله، وإن لم يُحْكَم بمقتضى روايته».

стр. 560

والحاصل: أنَّ الشهادة بأنهما شاهِدًا زُورٍ مقبولة للإيقاف عن إثبات الحق المدَّعَى، لا لجرح مَنْ شَهِدَ بالحق، وقد أَطَلتُ في بيان ذلك في كتاب «الأشباه والنظائر». وذكر القاضي أبو سعد أنَّ الشاهد لو قال: "أنا مجروح " قُبِلَ، يعني: وإن لم يُفَسِّر، وبه صرّح الماوردي في (الحاوي)، والروياني في «البحر» (١). قلتُ: وفيه نظر إذا كان قد أدى شهادةً تعلَّق بها حَقٌّ غيره. ومثله: إذا قال أحد الشريكين في عبد: «إن كان هذا الطائر غرابًا فنصيبي حر»، وقال الآخر: "إن لم يكن فنصيبي حر" (٢)، ففي نقل الرافعي عن ابن سريج نقص (٣)، وفي الفرع نفسه اعتياص (٤)؛ فإنَّ الرافعي (٥) صوَّرَهُ على وجه غير المُصَوَّرِ به عند غيره، فأذكُرُ الفرع ملخصا فأقول: إذا قال أحد الشريكين في العبد: «إن لم يدخل الدار غدًا فنصيبي منه (٦) حر»، وقال الآخر: "إن دَخَلَها غدًا فنصيبي منه حُرّ"، ومضى الغد وهما متفقان على الجهل بحقيقة الحال، فهذه مسألة كبيرة مسطورة لقدماء الأصحاب، وليست مع ذلك بعينها في شيء من تصانيف الرافعي والنووي وابن الرفعة، ولا شك أنَّ

стр. 561

عتق النصف واقع على التقديرين (١)، وكذلك عتق الكلّ إن كانا موسرين وقلنا: السرايةُ لا تتوقف على أداء القيمة، والمنقول فيما إذا كانا موسرين وقلنا بتعجيل السراية عن ابن سريج = أنَّ العبد يعتق، والولاء موقوف، والقيمة موقوفة. والرافعي نقل عن ابن سريج ذلك في صورة: "إن كان هذا الطائر غرابًا فنصيبي منه حر " المسألة، ولم يذكر أنه قال: والقيمة موقوفة، فصوَّرَ المسألة على غير صورتها، وحذف منها بقيَّةً، وقال أبو علي الثقفي: «يعتق على الذي علق بالعدم وله الولاء، ويَعْرَمُ للثاني نصيبه؛ لأنَّ الأصل عدم الدخول» (٢). وإن كانا مُعسرين فثلاثة أقوال (٣): أحدها: يعتق نصيب من علق بالعدم وحده. والثاني: يعتق نصف العبد على الشيوع؛ لأنه معلوم يقينا، ويبقى بينهما على الرق، وهو يشبه قول القسمة في تعارض البينتين. والثالث: لا يُحكم بعتق نصيب واحد منهما على الأصل، كما لو طار طائر فقال أحدهما: "إن كان غُرابًا فنصيبي حُرّ"، وقال الآخر: «إن لم يكن فنصيبي حر»، فإنه لا يُحكم بعتق نصيب واحد منهما كما جزم به الرافعي ومن بعده.

стр. 562

وتحرير العبارة أن يقال هكذا: لا يُحكم بعتق نصيب واحد منهما، ولا يقال: لا يعتق؛ لأنَّ العتق واقع لا محالة؛ لأنه لازم النقيضين، وبذلك صرح الإمام في (النهاية) فقال (١): «لا يُحكم بالعتق في ظاهر الحكم، ولكن يُعلَم باطنًا أنه قد عتق نصيب أحدهما»، انتهى، وفائدته فيما لو اجتمعا في ملك أحدهما بعد ذلك كما صرح به الأصحاب. إذا عرفت هذا فهذه المسألة إن كانت هي مسألة ما إذا قال أحدهما: "إن كان هذا الطائر غرابًا فنصيبي حُر، وقال الآخر: "إن لم يكن فنصيبي حر" = فقد ذكرها الرافعي إلا أنه فاته فيها ما حكينا من الخلاف والتقييد؛ لأنَّ حاصل ما ذكره فيها في الطلاق، وفي العتق في المعسرين أنه لا يُحكم بعتق نصيب واحد منهما، فلو اشترى نصيب صاحبه حُكِمَ بعِتق أحد النصيبين (٢)؛ لأنه جمعهما ملك واحد، ولو باعا النصيبين من ثالث فكذلك (٣)، ولا رجوع له على واحد منهما؛ لأن كلا يزعم أن نصيبه مملوك (٤). وحكى الشيخ أبو علي أنَّ بعض الأصحاب قال: إن أقدم على الشراء عالماً بالتعليقين فلا رجوع له، وإلا فله الرد بالعيب، كما لو اشترى عبدا ثم بان أنَّ نصفه حر، و وعلى هذا فيَرُدُّ العبد كلَّه؛ لأنَّ أحد نصفيه حُر والآخَرُ قِسط ممن بعضه حر، وهو عيب فيه (٥).

стр. 563

وأطال الرافعيُّ في تفريع هذا، وقال في الموسرين: «إن قلنا بتعجيل السراية عتق العبد؛ لتحقق حنث أحدهما، والسراية عليه، والولاء موقوف، وإن قلنا بتوقف السراية على أداء القيمة لم يُحكم بعتق شيء منه، والحكم كما في المعسرين» (١)، انتهى مُلخّصاً. وإن لم تكن هي تلك المسألة فقد فاتت الرافعيَّ بالكلية، ولا يُستغرب فوات مسألة له وإن كانت شهيرة، فإنَّ مِثلَه كثير، ولكن يُستحسن ذكر هذا لكونه ذَكَرَ نظيرها، أو ما لعل الذهن يتخيل أنها هي، فيحسن التنبيه عليه. فإن قلت: ما هي إلا هي، وغايته حذف بعض خلافٍ وزيادة، ومثله كثير. قلتُ: حسبك - إن كنت قاصر النظر في معرفة خطئك في الحكم بأنها هي - أن تعلم أنَّ الأصحاب اختلفوا كما نقل القاضي أبو سعد في «الإشراف»، فمن قائل: إنها هي، ومن فارِقٍ، وما اختلفوا إلا وهناك شيء. فإِن أَبَيْتَ إلا (٢) سلوك سبيل المحققين والإحاطة به فنقول في البيان: الفرق بينهما هو الصواب؛ لأنَّ احتمال كون هذا الطائر غرابًا وكونه طائراً آخَرَ غير غراب سواء، فلا يصح التمسك فيه بالأصل، إذ ما من نوع من الطائر إلا ويقال فيه: إنه ليس هذا، فيكون استعمال الأصل في هذا الطائر منعكسا في نفسه؛ لأنك إن قلت: الأصل أنه غير غراب، فكذلك الأصل أنه غير حمام، وأنه غير باز، وأنه غير هدهد، وهكذا إلى أن تنتهي إلى عدد كل طائر، وكلُّ شيء انعكس بنفسه لم يصح التمسك به، فوضح أنه لا اعتماد على الأصل في المسألة الغرابية.

стр. 564

بخلاف عدم دخول الدار، فإنَّ التمسك فيها بالأصل مستقيم، ومن ثمَّ عينه بعض الأصحاب، وذهب إلى إلقاء العتق عليه؛ حذرًا من نفي النقيضين أو إثباتهما، ووضح بهذا أن مسألة الدخول ليست في «الرافعي»، ولا يخفى على المحقق أنه لو اطلع عليها لما أهملها، فإنها شديدة الارتباط بما ذكره، وأما ابن الرفعة فلم يذكر في (المطلب) في العتق واحدةً من المسألتين. ومثله: قد يقع في الأذهان أنَّ المرأة الخرساء تلاعِنُ كالرجل الأخرس، اغترارًا بالموجود في «الرافعي» وغيره من كتب المتأخرين أن الأخرس يلاعن، مع أنهم لم يصرحوا بمسألة الخرساء، وإنما نقلها صاحب «التتمة» وغيره عن أبي حنيفة (١)، والذي نص عليه الشافعي - كما نقله ابن القطان - أنها لا تلاعن؛ إذ لا ضرورة لها باللعان، بخلاف الرجل، لكن قال ابن القطَّان من قِبَل نفسِهِ: «الأشبه بأصولنا أنها تلاعن». ومن الغريب: احتمال وجهين لابن القطان فيما لو لم يكن في القرية إلا أربعون أخرس، هل تجب عليهم الجمعة (٢)؟ ومثله: أطلق - والأكثرون - في النفقات: أنَّ مَنْ مَلَكَ دابَّةٌ كان عليه علفها ونحوه، وكذا كلُّ مَنْ مَلَكَ حيوانًا (٣)، ولم يصرّح بنفقة العين المستعارة، أهي عليه لكونه مالكًا، أم على المستعير لكونه منتفعا (٤)؟ بل كلامه مطلق، ويؤيد أنها على المالك قوله في باب العارية: إذا أعاره دابَّةً ليعلفها كان إجارة فاسدةً،

стр. 565

وقيل: عارية فاسدة (١). وليست مسألة نفقة العين المستعارة مصرحاً بها في شيء من كتب الرافعيولا النووي ولا ابن الرفعة ولا الوالد ﵏، مع كونها ذات وجهين: أحدهما - وهو الراجح (٢)، وهو قضيَّةُ ما ذكرناه من الإطلاق _: أنها على المالك، وبه جزم الماوردي في (الحاوي) (٣)، وصاحبُ «البيان» قال (٤): «وإن لم يأذن المالك في الإنفاق رفع الأمر إلى الحاكم». والثاني - وعليه اقتصر ابن الرفعة حكايةً عن القاضي الحسين _: أنها على المستعير (٥)، وسكت عليه هو والوالد -رحمهما الله -، غير أنهما لم يذكرا المسألة إلا في أثناء بحث لهما، فانظر لهم جميعاً، ذكروا مسألة الإعارة للعلف وليست مهمَّةً، وحذفوا ما هي عليه مبنيَّةٌ وهي نفقة العين المستعارة! فقد أشار الشيخ الإمام عند بحثه مع شيخه فيها إلى أنها تنبني على ذلك، والأصل أهم وأحوج إلى أن يُصرح به من الفرع. ومثله: قال في «باب السرقة»: «قال الإمام في قوله ﷺ : «فَلْيَسْتَتِر بستر الله» (٦) دليل على أنه لا يجب على مَنْ قارَفَ موجِبَ حَدٌ أن يُظهِرَه للإمام، وكان
следующие страницы →