← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30157

ترشيح التوشيح وتوضيح الترجيح

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (808 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

عتق النصف واقع على التقديرين (١)، وكذلك عتق الكلّ إن كانا موسرين وقلنا: السرايةُ لا تتوقف على أداء القيمة، والمنقول فيما إذا كانا موسرين وقلنا بتعجيل السراية عن ابن سريج = أنَّ العبد يعتق، والولاء موقوف، والقيمة موقوفة. والرافعي نقل عن ابن سريج ذلك في صورة: "إن كان هذا الطائر غرابًا فنصيبي منه حر " المسألة، ولم يذكر أنه قال: والقيمة موقوفة، فصوَّرَ المسألة على غير صورتها، وحذف منها بقيَّةً، وقال أبو علي الثقفي: «يعتق على الذي علق بالعدم وله الولاء، ويَعْرَمُ للثاني نصيبه؛ لأنَّ الأصل عدم الدخول» (٢). وإن كانا مُعسرين فثلاثة أقوال (٣): أحدها: يعتق نصيب من علق بالعدم وحده. والثاني: يعتق نصف العبد على الشيوع؛ لأنه معلوم يقينا، ويبقى بينهما على الرق، وهو يشبه قول القسمة في تعارض البينتين. والثالث: لا يُحكم بعتق نصيب واحد منهما على الأصل، كما لو طار طائر فقال أحدهما: "إن كان غُرابًا فنصيبي حُرّ"، وقال الآخر: «إن لم يكن فنصيبي حر»، فإنه لا يُحكم بعتق نصيب واحد منهما كما جزم به الرافعي ومن بعده.

стр. 562

وتحرير العبارة أن يقال هكذا: لا يُحكم بعتق نصيب واحد منهما، ولا يقال: لا يعتق؛ لأنَّ العتق واقع لا محالة؛ لأنه لازم النقيضين، وبذلك صرح الإمام في (النهاية) فقال (١): «لا يُحكم بالعتق في ظاهر الحكم، ولكن يُعلَم باطنًا أنه قد عتق نصيب أحدهما»، انتهى، وفائدته فيما لو اجتمعا في ملك أحدهما بعد ذلك كما صرح به الأصحاب. إذا عرفت هذا فهذه المسألة إن كانت هي مسألة ما إذا قال أحدهما: "إن كان هذا الطائر غرابًا فنصيبي حُر، وقال الآخر: "إن لم يكن فنصيبي حر" = فقد ذكرها الرافعي إلا أنه فاته فيها ما حكينا من الخلاف والتقييد؛ لأنَّ حاصل ما ذكره فيها في الطلاق، وفي العتق في المعسرين أنه لا يُحكم بعتق نصيب واحد منهما، فلو اشترى نصيب صاحبه حُكِمَ بعِتق أحد النصيبين (٢)؛ لأنه جمعهما ملك واحد، ولو باعا النصيبين من ثالث فكذلك (٣)، ولا رجوع له على واحد منهما؛ لأن كلا يزعم أن نصيبه مملوك (٤). وحكى الشيخ أبو علي أنَّ بعض الأصحاب قال: إن أقدم على الشراء عالماً بالتعليقين فلا رجوع له، وإلا فله الرد بالعيب، كما لو اشترى عبدا ثم بان أنَّ نصفه حر، و وعلى هذا فيَرُدُّ العبد كلَّه؛ لأنَّ أحد نصفيه حُر والآخَرُ قِسط ممن بعضه حر، وهو عيب فيه (٥).

стр. 563

وأطال الرافعيُّ في تفريع هذا، وقال في الموسرين: «إن قلنا بتعجيل السراية عتق العبد؛ لتحقق حنث أحدهما، والسراية عليه، والولاء موقوف، وإن قلنا بتوقف السراية على أداء القيمة لم يُحكم بعتق شيء منه، والحكم كما في المعسرين» (١)، انتهى مُلخّصاً. وإن لم تكن هي تلك المسألة فقد فاتت الرافعيَّ بالكلية، ولا يُستغرب فوات مسألة له وإن كانت شهيرة، فإنَّ مِثلَه كثير، ولكن يُستحسن ذكر هذا لكونه ذَكَرَ نظيرها، أو ما لعل الذهن يتخيل أنها هي، فيحسن التنبيه عليه. فإن قلت: ما هي إلا هي، وغايته حذف بعض خلافٍ وزيادة، ومثله كثير. قلتُ: حسبك - إن كنت قاصر النظر في معرفة خطئك في الحكم بأنها هي - أن تعلم أنَّ الأصحاب اختلفوا كما نقل القاضي أبو سعد في «الإشراف»، فمن قائل: إنها هي، ومن فارِقٍ، وما اختلفوا إلا وهناك شيء. فإِن أَبَيْتَ إلا (٢) سلوك سبيل المحققين والإحاطة به فنقول في البيان: الفرق بينهما هو الصواب؛ لأنَّ احتمال كون هذا الطائر غرابًا وكونه طائراً آخَرَ غير غراب سواء، فلا يصح التمسك فيه بالأصل، إذ ما من نوع من الطائر إلا ويقال فيه: إنه ليس هذا، فيكون استعمال الأصل في هذا الطائر منعكسا في نفسه؛ لأنك إن قلت: الأصل أنه غير غراب، فكذلك الأصل أنه غير حمام، وأنه غير باز، وأنه غير هدهد، وهكذا إلى أن تنتهي إلى عدد كل طائر، وكلُّ شيء انعكس بنفسه لم يصح التمسك به، فوضح أنه لا اعتماد على الأصل في المسألة الغرابية.

стр. 564

بخلاف عدم دخول الدار، فإنَّ التمسك فيها بالأصل مستقيم، ومن ثمَّ عينه بعض الأصحاب، وذهب إلى إلقاء العتق عليه؛ حذرًا من نفي النقيضين أو إثباتهما، ووضح بهذا أن مسألة الدخول ليست في «الرافعي»، ولا يخفى على المحقق أنه لو اطلع عليها لما أهملها، فإنها شديدة الارتباط بما ذكره، وأما ابن الرفعة فلم يذكر في (المطلب) في العتق واحدةً من المسألتين. ومثله: قد يقع في الأذهان أنَّ المرأة الخرساء تلاعِنُ كالرجل الأخرس، اغترارًا بالموجود في «الرافعي» وغيره من كتب المتأخرين أن الأخرس يلاعن، مع أنهم لم يصرحوا بمسألة الخرساء، وإنما نقلها صاحب «التتمة» وغيره عن أبي حنيفة (١)، والذي نص عليه الشافعي - كما نقله ابن القطان - أنها لا تلاعن؛ إذ لا ضرورة لها باللعان، بخلاف الرجل، لكن قال ابن القطَّان من قِبَل نفسِهِ: «الأشبه بأصولنا أنها تلاعن». ومن الغريب: احتمال وجهين لابن القطان فيما لو لم يكن في القرية إلا أربعون أخرس، هل تجب عليهم الجمعة (٢)؟ ومثله: أطلق - والأكثرون - في النفقات: أنَّ مَنْ مَلَكَ دابَّةٌ كان عليه علفها ونحوه، وكذا كلُّ مَنْ مَلَكَ حيوانًا (٣)، ولم يصرّح بنفقة العين المستعارة، أهي عليه لكونه مالكًا، أم على المستعير لكونه منتفعا (٤)؟ بل كلامه مطلق، ويؤيد أنها على المالك قوله في باب العارية: إذا أعاره دابَّةً ليعلفها كان إجارة فاسدةً،

стр. 565

وقيل: عارية فاسدة (١). وليست مسألة نفقة العين المستعارة مصرحاً بها في شيء من كتب الرافعيولا النووي ولا ابن الرفعة ولا الوالد ﵏، مع كونها ذات وجهين: أحدهما - وهو الراجح (٢)، وهو قضيَّةُ ما ذكرناه من الإطلاق _: أنها على المالك، وبه جزم الماوردي في (الحاوي) (٣)، وصاحبُ «البيان» قال (٤): «وإن لم يأذن المالك في الإنفاق رفع الأمر إلى الحاكم». والثاني - وعليه اقتصر ابن الرفعة حكايةً عن القاضي الحسين _: أنها على المستعير (٥)، وسكت عليه هو والوالد -رحمهما الله -، غير أنهما لم يذكرا المسألة إلا في أثناء بحث لهما، فانظر لهم جميعاً، ذكروا مسألة الإعارة للعلف وليست مهمَّةً، وحذفوا ما هي عليه مبنيَّةٌ وهي نفقة العين المستعارة! فقد أشار الشيخ الإمام عند بحثه مع شيخه فيها إلى أنها تنبني على ذلك، والأصل أهم وأحوج إلى أن يُصرح به من الفرع. ومثله: قال في «باب السرقة»: «قال الإمام في قوله ﷺ : «فَلْيَسْتَتِر بستر الله» (٦) دليل على أنه لا يجب على مَنْ قارَفَ موجِبَ حَدٌ أن يُظهِرَه للإمام، وكان

стр. 566

يقطع به شيخي، وفيه احتمال إذا قلنا: إنَّ الحد لا (١) يسقط بالتوبة» (٢)، انتهى، وقال النووي (٣): «الصواب الجزم بأنه لا يجب الإظهار … » إلى آخر كلامه. قلت: وقد بقيت في المسألة بقية، فإنه اقتصر على الكلام في الوجوب، أما الاستحباب فذكر صاحب «البحر» أنَّ أصحابنا قالوا: إن شاع، أو تكرّر منه استُحِبَّ له الإظهار؛ ليقام عليه الحد، وإن لم يشع بين الناس فالمستحب الكتمان، وقال الماوردي: «لا وجه لهذا الفرق، والصحيح أنه إن تاب استُحِبَّ الكتمان، وإلا فالإظهار؛ لأنَّ في إقامة الحد تطهيرا» (٤)، انتهى. والذي يظهر استحباب الكتمان مطلقا، وبه صرح الرافعي في «باب حد الزنا»، وهذا فيما يتعلق بحدود الله، أما حقوق الآدميين فنقل في «باب حد الزنا» أن صاحب «التهذيب» قال: «يُستحَبُّ الإقرار بها»، قال الرافعي: «ويُشبه أن يكون واجبًا» (٥)، قال ابن الرّفعة (٦): «قد قال الماوردي: إنه واجب» (٧). قلت: وقاله الرافعي أيضًا في «باب اللعان» و «باب السرقة»، ولسنا هنا لهذه المسألة، إنما نحن لبيان تتمة مهمة أهملها الرافعي مع ذكره أصل المسألة،

стр. 567

ولعلَّ أمثلته تخرُجُ عن حد الحصر. وقريب منها: مسألة الصلاة استقلالاً على غير الأنبياء والملائكة ﵈، اقتصر الرافعي على حكاية وجهين في أنها هل هي مكروهة أو ترك أدب (١)؟ وأدرج النووي في أصل «الروضة» تصحيح أنها مكروهة، وهو ما صححه في «شرح المهذب» (٢)، وفي المسألة خمسة أوجه (٣): أحدها: أنها محرمة، وإياه ذكر صاحب (التتمة). والثاني والثالث: ما ذكراه. والرابع: أنه لا بأس بها، حكاه صاحب «الحاوي». والخامس شيء شاذ، عُزِيَ إلى أبي إسحاق الشيرازي: أنه يُستحَبُّ، ممن نقله النووي في «شرح المهذب» (٤)، وكلام الشيخ (٥) أبي إسحاق ظاهر فيه، فلعله استحبّه لعموم كونه دعاء لا لخصوص كونه صلاةً، ثم جرى على ظاهر حديث: «اللهم صل على آل أبي أوفى» (٦)، وسنبين الفارق بين القائلين، والذي يظهر ترجيحه من هذه الأوجه إنما هو التحريم. وما أقبح قول صاحِبَي (٧) «التعجيز» و «التمييز»: «ولا يقل: صلَّى الله عليك،

стр. 568

فإن قاله كُره وإن قاله النبي ﷺ (١)، انتهى، فَوَاها لها من لفظة خبيثة لم يقصدها لافظها، فإنَّ مقصوده أنه يُكره لنا أن نقولها وإن قال النبي ﷺ : «اللهم صل على آل أبي أوفى»، فذلك لأنه هو لا يكره له ﷺ أن يقول بخلافنا. وهذا كما أنه لا يحسن منَّا أن نقول: عصى آدم، ولو قلنا ذلك من قِبَلِ أنفسنا، لكنا قد أسأنا الأدب، ويحسن ذلك من الله، ونحن نتلوه قرآنا، والمَلِكُ قد يخاطب عبده بما هو شرفٌ له إذا خاطبه به، ولو خاطبه به غيره لكان مسيئا. وكذلك قد يمنح المَلِكُ عبده من التعظيم بألفاظ لا نَستَجرِئُ نحن أن نخاطب بها من قبل أنفُسِنا إلا المَلِك، ومن هذا القبيل أنه يحسن من الله ومن النبي ﷺ إطلاق لفظ الرسول عليه (٢)، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢]، وقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، ونص الشافعي ﵁ على أنه يُكره للواحد منا أن يقول: "قال الرسول"، قال: «وإنما يقول: قال رسول الله ﷺ "، ليكون مُعَظَّما»، رواه الكرابيسي عن الشافعي ﵁، كما نقله العبادي في (الطبقات) (٣). فقد بان بهذا أنَّ عبارة «التعجيز» - وإن لم يقصد بها إلا جميلا - كلمةٌ خبيثة؛ لأنها ربما أفهمت جهولًا أنه يُكره أن يقول كل أحد لغير الأنبياء الصلاة، ورسول الله ﷺ ممن يكره له وإن وقع منه، وهذا شيء لا يقوله مسلم، ولا اللفظ أيضًا بصريح فيه، ولكنه موهم، وربما أُتِيَ أقوام من سوء التعبير.

стр. 569

وقد اشتهر إمامنا الشافعي ﵁ بطهارة اللسان وصونه عن أن يلفظ إلا بجميل ما أمكنه، حتى لقد تصفحت مسألة الاقتداء في الصلاة بالفاسق في كتب غالب الطوائف، فلم أجد من يكف لسانه عن وصف الحجاج بالفسق، لا من السلف ولا من الخلف، إلا الشافعي ﵁. فوجدتُ عبارته فيه في «المختصر»: «وإن أَمَّ مَنْ بلغ غاية في خلاف الحمد من الدين أجزأ، صلَّى ابن عمر خلف الحجاج» (١)، انتهى. فإذا كان هذا أدبه مع موسوم بسمة الإسلام، مع تصريح أكثر السلف بفسقه وفعاله المشهورة (٢)، فما الظن به في مقام النبوة؟ أدب وإرشاد: وقد سبق العلماء إلى حُسنِ الأدب مع (٣) رسول الله ﷺ إمامنا الشافعي، فمن نظر نصوصه قضى العجب من حسن مسالكه في الأدب مع سيدنا رسول الله ﷺ ، وله الله حيث يقول: «وقطع رسول الله ﷺ امرأة لها شرف، فكلم فيها فقال: «لو سرقت فلانة - لامرأة شريفة - لقطعتُ يدها» (٤)، فانظر قوله: «فلانة»، ولم يبح باسم فاطمة تأدبا معها ﵂ أن يذكرها في هذا المعرض، وإن كان أبوها ﷺ قد ذكرها؛ لأن ذلك من رسول الله ﷺ حَسَنُ، دال على أن الخَلْقَ

стр. 570

عنده في الشرع شَرَع (١)، وحَقٌّ علينا أن نتأدب مع أئمتنا، فكيف بأنبيائنا (٢) عليهم الصلاة والسلام، وأن نتحرَّزَ في ألفاظنا، ولا نذكر مُوهِما ولا مُشبِه مُوهِم. ظريفة: وربما كانت للمسألة ثلاثة أحوال، فحذف الرافعي إحداها، مثل قول الرجل لامرأته: "طلقي نفسك"، فتقول: "طلقتكَ"، فقد تنوي أصل الطلاق، وقد تنوي طلاقه، وقد تنوي طلاقها، وهذه الثالثة لم يذكرها الرافعي، والطلاق واقع بها، ذكره الإمام في (النهاية) (٣). ومثله: نيَّة الوضوء، لو قال فيها: "إن شاء الله " قاصدًا التعليق؛ لم يصح، أو التبرك صح، قاله الرافعي في صفة الصلاة (٤)، وسكت عما لو أطلق، وقد صرح الجرجاني في «الشافي» بأنه لا يصح، قال: «لأنَّ اللفظ موضوع للتعليق»، قال: «وهكذا حكم النية في سائر العبادات» (٥). وسكوتُ الرافعي عن حالة الإطلاق هنا كسكوته عن حالة الإطلاق في مسألة الحلف بالمصحف، وقد نبه عليها النووي، ونقلها عن الدولعي خطيب دمشق (٦). ومثله: إذا قال: «إن فعلت كذا فأنا يهودي - أو: نصراني»، فالمحلوف

стр. 571

به كفرٌ وحرامٌ لا تنعقد به اليمين، وهذا واضح، وبه صرَّح الرافعي أوائل «الأيمان» (١)، أما نفسُ هذا اللفظ فهل النطق به حرام؟ التحقيق أنَّ له ثلاثة أحوال: إحداها: أن يقوله على قصد الرضا بالتهود وما في معناه، إذا فعل ذلك فهو كافرٌ في الحال، وهذا واضح، وبه صرَّح الرافعي (٢). والثانية: أن يقصد تعظيم الإسلام، وإبعاد النفس عن التهود والتنصر، وأنه يُبعِدُ نفسَهُ عن المحلوف عليه كما يُبعدها عنهما، ولا ينبغي أن يكون هذا حرامًا، وإليه أشار الرافعي حيث قال بعد قوله: «المحلوف به حرام» بنحو سطرين: وقوله: "إن فعلت كذا فأنا يهودي" يتضمن تعظيم الإسلام، وإبعاد النفس عن التهود إلى قوله: «هذا إذا قَصَدَ تبعيد النفس عن ذلك» (٣). وإلى الحالتين أشار صاحب (البحر) بقوله نقلًا عن القفال: «وإن حلف به في المستقبل وأراد الوعد بالتهود عند فعل ذلك الشيء كَفَرَ؛ لأنَّ مَنْ وعد أن يكفر فهو كافر، وإن أراد نفي الفعل، أي: لا أفعل هذا كما لا أتهود، فلا يَكفُر» (٤)، انتهى، وليس من لازم انتفاء الكفر انتفاء التحريم، بل لا يظهرُ للتحريم مع قصدِ التعظيم معنى. وقد رفع مرَّةً إلى الوالد ﵀ وهو على قضاء الشام رجل قال في محاورة بينه وبين آخر: «لو جاءني جبريل ﵇ ما فعلت كذا»، فقال: لا يكفر؛ لأنه بهذه

стр. 572

العبارة قاصد تعظيم جبريل، غير أنَّ هذه العبارة لا ينبغي ذكرها، وينبغي أن ينزّه مقام الكبار عن الذكر في هذا المعرض، وقد سبق قول الشافعي: «لو سرقت فلانة - لامرأة شريفة». والحالة الثالثة: أن يُطلق اللفظ إطلاقا، فلا يَكفُر؛ لعدم القصد وعدمِ اقتضاء اللفظ، وهل يَحرُم؟ قضيَّةُ كلام الماوردي في «الحاوي» أنه يحرم؛ لأنه قال في أثناء الاستدلال: «الحظر إنما توجه إلى التلفظ بها» (١)، وحذَفَ الروياني في «البحر» هذه الكلمة، وهي تدلّ على حالة الإطلاق (٢). واعلم أن الرافعي والنووي تقارضا (٣) هذه المسألة، فالرافعي اقتصر على الحالتين الأولتين، وكذلك صاحب «البحر»، ولم يذكرا حالة الإطلاق، والنووي اقتصر في أواخر كتاب الأذكار على الحالة الأولى والثالثة ولم يذكر الثانية، فإنه قال: «يَحرُمُ أن يقول: "إن فعلتُ كذا فأنا يهودي أو نصراني" ونحو ذلك، ثم ذكر ما حاصله أنه إن قاله قاصدًا للتعليق المحض فهو كفر في الحال، وإن لم يُرِد لم يكفر لكن ارتكب محرمًا (٤). فَصْلٌ كم من مسألة اقتصر الرافعي على نقلها عن مذهب الغير، وهي شهيرة في مذهبنا، وفي فروع الردّة من ذلك كثير، وكذلك في «باب الشفعة»، ومنها ما نبه

стр. 573

عليه النووي، ومنها ما نَبَّه عليه هو نفسه، ومن أغربها أن يحكي الشيء عن مذهبنا ثم يُذْهَلُ عنه بعد ذلك فلا (١) ينقله إلا عن مذهب المخالفين. ألا تراه في أواخر «باب العتق» قُبَيل الولاء يقول فيمن قال لعبده: «أنتَ حُرٌّ كيف شِئتَ»: «عن أبي حنيفة أنه يعتق في الحال ولا يتوقف على مشيئته، وعن صاحبيه أنه لا يعتق حتى يشاء، قال ابن الصَّبَّاغ: وهو الأشبَه» (٢)، انتهى، وتَبِعَه (٣) الروياني فقال في «البحر» (٤) قُبَيل «كتاب المدبَّر»: «وهذا يُشبه أن يكون مذهبنا»، قال: «ولا نصَّ فيه»، وما نقله عن أبي حنيفة هو قول الأصحاب، وقد حكاه هو في «كتاب (٥) الطلاق» عن أبي زيد والقَفَّال فيما إذا قال: «أنت طالق كيف شِئتِ»، وما نقله عن ابن الصَّبَّاغ حكاه عن الشيخ أبي عليٍّ في المسألة المذكورة (٦). ومن غريبها أيضاً: دعواه خلافهم، والمنقول وفاقهم، ألا ترى إلى قوله في «الأيمان»: «إنَّا (٧) لا نُجيب بجوابهم (٨) فيمن حلف لا يكتب بهذا القلم، فكسره ثم براه وكتب به = أنه لا يَحنَث»، يعني: بل نقول بالحِنْث، ومذهبُنا إنما هو

стр. 574

عدم الحنث كما قالوه، صرح به القاضي أبو الطيب في «تعليقه (١)» في «باب الصلح» (٢). فَصْلٌ وأكثر من ذلك مسائل بحثها وهي منقولة، وربما كانت منصوصةً، ككراهة (٣) الصلاة خلف المبتدع، ونبه النووي منها على مسألة: "وكلتك بتزويجي" على تلوم عند الشيخ الإمام فيه ووقفَةٍ في النص الذي ذكره صاحب «البيان»، وربما كانت منقولةً، وإن لم تكن منصوصة (٤). ومن أغربها قوله في «باب الحدث» في الخنثى إذا رجعنا إلى إخباره ــ لفقد الأمارات ــ ثم وجدنا بعضها: «يجوز أن يقال: لا يبالى به، ويُستصحَبُ الحكم الأول إلى أن يوجد دلالة قاطعة، ويجوز أن يُعدل إليها»، قال النووي: «الاحتمال الأول هو الصواب، وظاهر كلام الأصحاب» (٥). قلت: جزم الماوردي في «الحاوي» في «باب الرضاع» بالثاني، لكن يدلّ للأول أن الصحيح فيما إذا تداعيا مولودًا وقتلاه معًا، ثم ألحقه القائفُ بأحدهما = وجوب القصاص على الآخر. قال الرافعي في «الجراح»: «وحكى ابن كج وجها أنه لا يجب؛ لأنَّ إلحاق

стр. 575

القائف مبني على الأمارات والأشباه، وهو ضعيف، فلا يُناط به القصاص»، قال الرافعي: «وينبغي أن يطرد هذا الوجه عند انفراد أحدهما بقتله إذا ألحقه القائف بغيره» (١). قال ابن الرفعة (٢): «وهو ما اقتصر عليه الماوردي في الصورتين». قلت: فهذا بحث آخر للرافعي منقول عن الماوردي أيضا، وقد فات الرافعي من «الحاوي» - لعدم وقوفه على أكثره ــ فقه كثير. لغز من الألغاز: رُبَّ سائل خُلِقَ بعد موتِ مُجيبه بدهرٍ طويل، ثم قد يكون بحثه منقولا مع ذلك. ألا ترى إلى قول الأصحاب في «الأيمان»: «لو حلف لا يسكنها، فمكث لعذر بأن أُغلق عليه الباب، أو خاف على نفسه أو ماله، أو كان مريضاً، أو زَمِنًا لم يجد مَنْ يُخرجه = لم يحنث»، قال الرافعي: «وقد تُخرج هذه الصور على الخلاف في حنث المكره» (٣). قلت: وهذا التخريج (٤) جزم به صاحب «البحر»، ونقله الماوردي عن تخريج ابن أبي هريرة، وقال الماوردي: «إنه غير صحيح»، قال: «لأنَّ وجود المُكْنَة شرطٌ في الأفعال المستحقة» (٥).

стр. 576

قلت: فهذا بحث ظهر كونه منقولا من قريب من أكثر من أربعمئة سنة، فإنَّ ابن أبي هريرة مات سنة خمس وأربعين وثلاثمئة، قبل الرافعي بمئتين وثمانين سنة إلا سنةً، ثم قد أجابه عنه الماوردي قبل أن يُخلق، فإنه مات قبله بمئة وثلاث وسبعين سنة. غير أن في الجواب نظرا؛ ولذلك - والله أعلم - أهمله (١) في «البحر» بالكلية، وقد لا يكون منقولاً، ألا ترى أنَّ الأرجح عند كثير من المعتبرين فيمن حلف لا يسكن فمكث مشتغلا بأسباب الخروج أنه لا يحنث، قال الرافعي (٢): ويؤيده أنه لو خرج في الحال ثم عاد لنقل متاع ونحوه لا يحنث؛ لأنه فارقها في الحال، وبمجرد العود لا يكون ساكنًا. وهذا البحث يتداول الناس الجواب عنه من قريب من أربعمئة سنة، فإنه قد أجاب عنه الشيخ أبو حامد - وبين وفاتيهما مئتان وسبع عشرة سنة - بأنَّ خُروجه عَقِيب (٣) اليمين يقطع فعله، فلا يضرُّ عَوده لهذا الغرض، بخلاف ما إذا استمر ولو لحمل الأمتعة فإنه مستديم، والاستدامة بمنزلة الابتداء، وتبعه الماوردي، وهو جواب صحيح (٤). ومثله: انتصار الرافعي في مسألة مُد عجوة لطريقة الأصحاب على طريقة إمام الحرمين في التوزيع، ذكَرَ الوالد في «شرح المهذب» أنه حق (٥)، وبينا نحن

стр. 577

في «شرح المختصر» في كتاب القياس أنَّ إمام الحرمين نفسه ذكره في «الأساليب» وأجاب عنه، وقلنا: لا معنى لإيراده على الإمام سؤالاً قد أورده هو على نفسه وأجاب عنه، فلو وقف على هذا الموضع في كتاب «الأساليب» لَمَا ذكره، إلا أن يضم إليه منازعة الإمام في جوابه عنه، وليس بسبيل من ذلك كما أوضحتُ في التوزيع على مختلفين. والعجب من الشيخ الإمام أكبر (١) منه؛ فإنه كان يَنظُر «الأساليب»، وأما الرافعي فما أعرف أنه وقف على كتاب «الأساليب». فَصْلٌ وأكثر من ذلك مسائل اقتصر على نقلها عن بعض المتأخرين، وهي مسطورة في جادة كتب المذهب، بل ربما كانت منصوصةً، ألا تراه اقتصر على نقله عن «التهذيب»: «أنا إذا قلنا: يستوفي القصاص بطريق الجائفة فقال: «أجيفُه وأعفو إن لم يمت» لم يُمكّن، وإنما يمكن إذا قال: «أُجِيفُه ثم أحُزُّ رقبته»، وهذا رأيته منصوصاً في «الأم» (٢)، واقتصاره على «التهذيب» هنا كاقتصاره عليه في قوله: «ولو قال: "إن دخلت الدار أنتِ طالق"، وتَرَكَ حرف الجزاء، فقد أطلق في «التهذيب» وغيره أنه يُحمل على التعليق … » إلى آخر ما نقله عن البوشنجي (٣). والمسألة من كبار مسائل محمد بن الحسن وأبي العباس بن سريج، زعم

стр. 578

محمد أن الطلاق يقع في الحال؛ إلغاء للشرط لفقدان الجزاء، ورد عليه أبو العباس وقال: «إعمال الكلام أولى من إهماله، فيحمل على التعليق، ولا يضر حذف الفاء»، وقد ذكر المتقدمون الفرع هكذا خلافا وتعليلا، آخرهم ابن الصباغ والمتولي، نعم، البغوي لم يجر لمحمد وأبي العباس ولا للمآخذ ذكرا، بل اقتصر على قول أبي العباس فتبعه الرافعي (١). ولنعد إلى مسألة الجائفة، ثم قال الرافعي نقلا عن «التهذيب»: «وإنه لو أجافه ثم عفا عزر على ما فعل، ولم يجبر على قتله» (٢)، كذا لفظه، وفيه قصور، كان ينبغي أن يقول: ولم يجزر له قتله بعد العفو، وكم من لفظة مستدركة. فصل في لفظة أتى بها مقيدة وكان الصواب أن يجيء بها مطلقة، كقوله في «باب الخلع»: «ويجوز أن يكون وكيل الزوج والزوجة ذميا»، كان الصواب أن يقول: «كافرا»؛ لأن الحربي مثله، وكقوله فيما إذا قالت: «أبيي»، فقال: «أبنتك»: «إنما إن نويا نفذ»، ولا حاجة إلى نيتها؛ إذ لا تأثير لها في الطلاق، فالصواب الاقتصار على نيته (٣). ومثله: قال في «الرهن» قبيل «الباب الثاني» في القبض: «إن ابن كج حكى وجها أنه لا يجوز رهن مال الطفل بحال» (٤). كان الصواب أن يجعل موضع

стр. 579

«الطفل»: «المحجور»، إذ لا اختصاص للطفل، بل المجنون ونحوه مثله. ومثله - ولكنه يحتمل البحث: قال في «باب القضاء على الغائب»: «إذا ثبت على الغائب دَيْنٌ، وله مال حاضر، فعلى القاضي توفية الدَّيْن منه إذا طلب» (١). وقيد الحاضر يُفهم أنَّ ماله إذا كان غائبا لا يجب الإذن في التوفية، وذلك لا يتجه إذا كان الغائب غير خارج عن حَدِّ عَمَلِه، أما الخارج فموضع نظر، ولم أجد فيه صريح نقل، والأرجح في نظري أنه لا يأذن، ولكن ينهي الحال إلى حاكم تلك الناحية، وكلام الرافعي في أوائل الركن الثالث في كيفية إنهاء الحكم إلى القاضي الآخَرِ يدلُّ له؛ لأنه قال: «قد يكون للغائب مال حاضر يمكن توفير (٢) الحق منه، وقد لا يكون، فيسأل المدعي القاضي إنهاء الحكم إلى قاضي بلد الغائب» (٣). ومثله: «إذا باع المكاتب كتابةً فاسدةً، أو المبيع بيعًا فاسدًا، وهو جاهل بالفساد، فطريقان» (٤)، لا حاجة لقوله: «وهو جاهل بالفساد»؛ لأنَّ العالم فيما يظهر كذلك، فإنه لو أوصى به عالما بالفساد جاء الخلاف. ومثله: ذكر قول الأصحاب: «إنَّ الحاكم يُؤَدِّي النجوم من مال المكاتب إذا جُنَّ»، وأنهم أطلقوا ذلك، وقيده الغزالي بما إذا رأى (٥) المصلحة في التأدية، بخلاف ما إذا رأى ضياعه بالعتق، ثم قال: «وهذا جيد، ولكنه قليل النفع مع

стр. 580

قولنا: إنَّ السيد إذا وجد له مالا يستقل بأخذه، إلا أن يقال: الحاكم يمنعه من الأخذ، وقلّة النفع موجودة ولو قيل للحاكم منعه؛ لأن للسيد حينئذ الفسخ، فيستقل بأخذ المال والعبد (١). واعلم أن كلام الغزالي هذا أصل في قول شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام في القواعد في الكفَّارة غير المرتبة: «إنها إذا وجبت زمن الغلاء قدّم الإطعام على الإعتاق، لا سيما إذا كان الرقيق عاجزا عن الاكتساب»، قال: «فإنَّ إعتاقه يضر به وبالمساكين» (٢). ومثله: إذا طلق زوجته فجُنَّ، هل للولي ارتجاعها؟ وسنذكر هذه المسألة فيما بعد. فهذه القيود منها ما يظهر أنَّ الصواب حذفه، ومنها ما يقبل البحث، وليس شيء منها كالقيد الذي استدركه الشيخ برهان الدين بن الفركاح على قول الرافعي في قسمة المتشابهات: «إنَّ القول بأنها بيع لا يمكن إجراؤه على إطلاقه» (٣)، حيث قال: «وكذلك القول (٤) بأنها إفراز؛ لأنَّ النصف الذي نال أحدهما كان لصاحبه منه النصف، وذلك بيع، فلا يُطلق القولُ بالإفراز أيضا، فإنَّا نمنع أنه كان لصاحبه، ونقول: إنَّ الشارع جعل القسمة تبين أن ما خرج لكل منهما هو الذي يملكه، وكان مع التزاحم لا يتبيَّن»، فإنَّ كلام الأصحاب صريح في ذلك، حتى نقل الرافعي في كتاب الطلاق عن القاضي الحسين أنه شبه الخلاف في

стр. 581

طلاق إحدى المرأتين إذا عينها هل يقع من حين (١) اللفظ أو التعيين = بالخلاف في أن القسمة بيع أو إفراز؟ وإنَّا إن جعلناها إفرازا قلنا: إنه تبيَّنَ بالآخرةِ ما كان حقا لكل منهما (٢). والإمام أيضا حكاه عن القاضي، وصرّح بأنه لا يثبت لواحد منهما على قول الإفراز ملك مجدد، ويضاهيه أنَّ المطلقة هي المعينة، ومثل هذا لا يُقدَّر على القول بأنها بيع؛ إذ لا سبيل إلى أن يقال: كان كل منهما مالكًا لنصيب صاحبه. ولقد استحسن الإمام تشبيه القاضي وقال: «قد بالغ في استنباط ذلك، وأحسن في إيضاح وجه الشبه»، وإن كان - أعني: الإمام - ذكر بعد ذلك بنحو سطر أنَّ الخلاف في الطلاق المبهم ينتظم بدون هذا التشبيه (٣). فَصْلٌ ورُبَّ قيد لا يزيد معنى جديداً، وإنما قُصاراه الإيضاح، كقوله في «الرهن»: «كلُّ ما يُزيل الملك كالبيع، والإعتاق، والإصداق، وجَعْلِه أَجْرةً في إجارة؛ فإذا وجد قبل القبض فهو رجوع عن الرهن، وفي معناها الرهن والهبة من غيره مع القبض» (٤)، انتهى، ولا معنى لقوله: «من غيره»، إذ لا فرق بين الرهن منه ومن غيره في بطلان الرهن الأول.

стр. 582

وأمثلة هذا النوع كثيرة، وقد نبه النووي منها على قوله في «باب الجعالة»: «لو رفع اليد عن الدابة وخلاها في مضيعة فهو تقصير مُضَمَّن»، فقال: «لا حاجة إلى التقييد بالمضيعة» (١). قلت: ولا إلى قوله: «مُضَمَّن» بعد قوله: «تقصير»، وهل هو إلا كقوله في «كتاب الشهادات»: «إنَّ السائل تقبل شهادته إلا أن يُكثر الكذب في دعوى الحاجة وهو غير محتاج»، فما قوله: «وهو غير محتاج بمحتاج بعد قوله: يُكثر الكذب في دعوى الحاجة» (٢). هذا، ومن عادة الرافعي المناقشة (٣) في دون ذلك، ألا تراه في «باب الخلع» شاحَحَ في تقييد الخمر إذا غُصبت بـ «الاحترام»؛ لأنها إن لم تكن محترمةً لم تُغصب؛ لأنَّ الغَصب الاستيلاء على حقّ الغير، ولا حقّ في غير المحترمة، فلينازع في هذه القيود على حد نزاعه في هذا القيد (٤). وليست كمناقشته الغزالي في قوله: مهما اشتبه إناء تيقنت نجاسته بمشاهدة أو سماع من عدلٍ بإناء طاهر = لم يجز أخذُ أحد الإناءين إلا باجتهاد وطلب علامة تُغلب ظنَّ الطهارة، حيث قال: «إنه ليس في الجمع بين الاجتهاد وطلبِ علامة تغلّب الظنَّ إلا الإيضاح» (٥)، فإنَّ لك مناقشته في المناقشة بأن

стр. 583

تقول: قد يُحترز بقوله: وطلب علامة عن قول بعض الأصحاب: «لا يُشترط في الاجتهاد طلب علامة، بل يأخذ بما سبق وهمه إليه» (١). ولا كمناقشته الأصحاب في قولهم - ومنهم صاحب «التنبيه» -: «تُفضّل الأمة ذات الجمال على غيرها من الإماء في الكسوة»، حيث قال: «التفضيل لا يختص بالكسوة، بل الطعام كالكسوة» (٢)، فإنه مدخول، بل التفضيل يختص بالكسوة، وبه صرَّح صاحب «البيان»، وهو مقتضى إيراد المحاملي، ووجهه ظاهر؛ لأن جنس الطعام غالب قُوت البلد، فلا يختلف، وقد جرت العادة بتفاوت ذات الجمال وغيرها في الكسوة دون الطعام. فَصْلٌ ورُبَّ لفظ يزيد تشويش الفهم، مع كونه مُستَغنى عنه، كقول الغزالي في الإجارة: «وشرطها الإضافة إلى العين لا إلى المنفعة» (٣)، فقوله: «لا إلى المنفعة» حشو ربما يشوّش الفهم، فإنَّ (لا) عاطفة، وظاهرها: لا الإضافة إلى المنفعة، فيرجع حاصله إلى أنه ليس شرطها الإضافة إلى المنفعة، وهذا لم يقل به أحد حتى يُنفى، من أجل ذلك قال ابن الرفعة: «هذا مما يدق فهمه» (٤)، وحاول الشيخ الإمام تقريره بما لا يُنكَر معه أنَّ الغزالي كان غنيًّا عنه، وإن صح (٥).

стр. 584

تنبه ليس من هذه الأبواب نحو قول خَطيب العلماء في «الأم» في «كتاب الشهادة على الجناية»: «لا يُقبَل في القتل، وجراح العمد، والحدود - سوى الزنا - إلا عدلان (١)، انتهى، فإنَّ قوله: «سوى الزنا» قيد احترز به عن مفهوم كلامه، لو لم يذكره كان مفهومه خاليًا عن هذا القيد: ثبوت الزنا بعدلين، ومعلوم خلافه، فاحترز عنه فصار قوله: «سوى الزنا» قيد لإخراج الزنا من هذا الباب تعظيمًا لخطره، فإن نصابه أربعة، لا لأنه يثبت برجل وامرأتين أو شاهد ويمين، وحسَّنَ هذا وضوح أمره، فليس كغيره. فَصْلٌ ربَّما عكس فجاء بمطلق موضعَ مُقيّد، وذلك أكثر من عكسه، فليقتصر من غريبه على قوله في أوائل «باب العدة»: «ألا ترى أنَّ الاعتقاد الصحيح» إلى قوله: «كما إذا أُكْرِهَ على الإسلام بالسيف لا يبالى، ونُدِيرُ الحكم على الكلمة» (٢)، فهذا في الحربي يكره على إنشاء الإسلام، أما على الإقرار به (٣) فنبه الروياني على أنه لا يُعتبر، وسيأتي، وأما الذمي فالصحيح عنده أنَّ إسلامه مكرها لا يصح. ومثله: قوله في القضاء عندما ذكر الخلاف في انعزال نُوَّاب القاضي بموته: إنه يتخرّج عليه أنه هل للقاضي عزل الخليفة؟ (٤)، - يعني: خليفته - بالتشهي

стр. 585

لا لموجب، والجمهور على جوازه؛ لأنه استنابه عن نفسه لا للناس، فهو كوكيله، نقله صاحبا «الحاوي» و «البحر» (١)، وكنا نسمع الشيخ الإمام يجزم به ويقول: «يُستحَبُّ له مع ذلك أن لا يفعله إلا لمصلحة؛ لما فيه من كسر القلوب بلا مُوجِبٍ». وجزمه به بناءً على الصحيح، وإلا فالخلاف فيه يَخرُج من كلام «الحاوي» والرافعي (٢)، وإليه أشار الروياني بقوله في «البحر»: «ويجيء على قول من قال: خليفة القاضي لا ينعزل بموته: أنه ليس له عزله مع سلامة حاله أيضا» (٣)، انتهى. وأما عزله لمصلحة فليس مراد الرافعي، ولا يختلفون في جوازه. فَصْلٌ وربما جاء بلفظ كالمستغنى عنه، كقوله في «باب الرهن» قبل «الباب الثاني»: «وحيث جاز للولي الرهن فالشرط أن يرهن من أمين يجوز الإيداع منه» (٤)، فلا حاجة لقوله: «يجوز الإيداع منه» بعد قوله: «أمين». وهو كما قدمناه في قوله: «مُضَمَّن» بعد قوله: «تقصير»، وقد كان في أحدهما كفاية. فَصْلٌ ربما ضَرَّ وأوهم مسألةً مستقلةً ليس الأمر فيها على ما أوهم، كقوله: «فيما

стр. 586

إذا جنى العبد جنايةً توجب المال، وعفا المجني عليه عن أرشها، ثم مات بالسراية، أو اندملَ الجُرحُ، ثم عفا في مرض الموت» (١)، فقوله: «أو اندمل … » إلى آخره، عجيب؛ فإنه بهذا التقدير لا يكون قاتلاً، ويصح العفو جزمًا، نبه عليه ابن الرفعة. فَصْلٌ ورُبَّ لفظ قَلقٍ عاص لا يكاد يُفصح عن المراد، كقوله في الإجارة في تعليم القرآن: «كلُّ أحدٍ يختص بوجوب التعليم، وإن كان نشر القرآن وإشاعته من فروض الكفايات» (٢). فلقد استعملتُ ذهني في أن أفهم عنه ما يصح انطباق هذا اللفظ عليه فما تهيأ لي، وقد جعل الوالد ﵀ موضع «التعليم» «التعلم»، وأما النووي فبقى لفظ «التعليم» إلا أنه زاد حرف النفي فقال: «لا يختص». فَصْلٌ ورُبَّ قَلِق يُنبئ عن المعنى لكن بتعسف، كقوله - وقد ذكر أنَّ الذمي إذا سرق من مال المصالح يُقطع: ولا نظر إلى إنفاق الإمام عليهم عند حاجتهم؛ لأنه إنما يُنفق للضرورة وبشرط الضمان، وذلك لا يُسقط القطع، كما أنه يُنفق على المضطر من بيت المال بشرط الضمان، ولو سرق في غير حالة الاضطرار وجب القطع (٣). فقد قال ابن الرفعة: «لم أفهم معنى قوله: ولو سرق في غير حالة الاضطرار

стр. 587

وجب القطع، مع حكايته الخلاف في سرقة الغني من مال المصالح. قلت: وصواب الكلام أن يقال: كما أنَّ المضطر يأكل مال الغير بشرط الضمان، ولا يصير ذلك شُبهةً في القطع (١) إذا سرق ماله في غير حالة الاضطرار، وكذا ذكره في «التهذيب» (٢)، وإياه أراد الرافعي، والفرق بين هذا اللفظ والمتقدم قبله - وإن اشتركا في القلق - أنَّ هذا تبين المراد منه، وذاك لم يتبيَّن منه مراد يصح عليه اللفظ. ومثله: قال في «باب الهدنة» فيما إذا هاجرت إلينا منهم مسلمة، وتوجهت إليهم منا مرتدَّةٌ مهرها أكثر من مهر التي هاجرت: «صرفنا مقدار مهر المهاجرة إلى زوجها، والباقي إلى زوج المرتدة» (٣). هذه عبارته، واعترضها الشيخ زين الدين ابن الكتناني (٤) بأنَّ هذا الحكم غلط، وأقول: ليس إلا غموضا في العبارة، وصوابها: قاصصنا بمقدار مهر المهاجرة، وطالبنا زعيمهم بالفاضل، فإذا جاء دفعناه مع القدر الذي قاصصنا به إلى زوج المرتدة. والحاصل: أنه إذا لم يتساو المقداران فالفاضل لنا نطالب زعيمهم به، كما أنَّ الفاضل لهم نرسله إليهم، هذا مراد الرافعي، وبه صرح الماوردي فقال: «إن استويا في القدر برئت الذمَّتان، وإن فضَلَ لنا رجعنا بالفضل عليهم، وإن فضل لهم دفعنا الفضل إليهم، ودفع الإمامُ ما قاصصهم به من بيت المال إلى مستحقه

стр. 588

من المسلمين (١)، وكتب إليهم أن يدفعوا ما قاصصونا به إلى مستحقه من المشركين» (٢). فَصْلٌ ورُبَّ لفظ لا يُنبئ عن المعنى الذي عُني به إلا بتقديم وتأخير، مثل قوله: «لا ينبغي أن يوصي بأكثر من الثلث»، صوابه - وهو مراده -: ينبغي أن لا يوصي بأكثر من الثلث، وبه عبر النووي أوَّلاً. وقوله: فيما إذا ازدحم الخصوم على باب القاضي: «وما ينبغي أن يُفرّق بين أن يكون المسافر مدَّعِيًا أو مُدَّعَى عليه»، صوابه: وينبغي أن لا يُفرّق، وبه عبر النووي أيضا. وقد تعاكسا، فعبر النووي (٣) بالصواب ثانيا في هذين الموضعين (٤). وفي «باب الأذان» قال الرافعي في المسجد له مؤذنون: «لا يُستحَبُّ أن يتراسلوا»، وهذا هو الصواب في التعبير، فعبر عنه النووي بقوله: «يُستحَبُّ أن لا يتراسلوا»، فاقتضى أن ترك التراسل مسنون (٥).

стр. 589

ثم اشتهر هذا بين الناس، والحكم غير مسلَّم فيه، فقد جزم صاحب «الحاوي» بأنه لا بأس باجتماع المؤذنين دفعةً واحدةً في البلد الكبير كالبصرة، قال: «لأن اجتماع أصواتهم أبلغ في الإعلام، وتبعه صاحب «البحر»، ونقله عن النص، قال الماوردي: «وليتفقوا (١) في الأذان كلمةً كلمةً؛ فإنه أبْيَنُ» (٢) فقد وضَحَ أَنَّ لفظ النووي غير» مسلَّم الحكم على الإطلاق، وبتقدير تسليمه فلفظ الرافعي لا يقتضيه، والذي يظهر أنه إنما أراد تأدية المعنى الذي قاله الرافعي، وعدم الاستحباب أعم من استحباب العدم. أما ترجيح الرافعي عدم استحباب ذكر الحاج ما أحرم به في تلبيته، فإن أراد استحباب العدم فقد وافق قولاً رواه الماوردي، وجزم به ابن الصباغ، وقال: «إنه الذي قاله الشافعي في عامة كتبه»، وهو ما في أكثر نسخ «التنبيه» (٣)، وإلا فقد اجتمع في المسألة قولان ووجه عدم استحبابه، واستحباب عدمه، والتخيير. إشارة: قدمنا ترجيح أنَّ الواجب عند تعذر شطر الصداق قيمة النصف لا نصف القيمة، وحاولنا في التوشيح ردَّ كلام من عكَسَ التعبير ولم يحاول الفرق = إلى أنَّ هذا مقصوده، بدليل تعبير صاحب «التنبيه» تارةً بهذا، وتارةً بهذا، وكذلك الغزالي عبر بالصواب في «الصداق»، وعكس في «باب العتق». وبتقدير الصواب يتبيَّن لك أنَّ الواجب على الشريك الموسر إذا أعتق قيمة

стр. 590

حِصَّةُ شريكه لا ما يَخُصُّهُ من قيمة جميع العبد باعتبار التوزيع، حتى إذا كان العبدُ يساوي ثلاثمئة، ونصفه يساوي مئة، فأعتق أحد الشريكين نصفه، وسرى إلى النصف الآخر = لا يلزمه إلا مئة. وبهذا صرح القاضي أبو الطيب كما رأيته في كتابه «شرح الفروع» في «باب الغصب»، ونقله عنه ابن الرُّفعة في «المطلب» في «باب العتق»، وقال: «إنه ظاهر التوجيه»، قال: «وحينئذ فإذا أطلقنا نصف القيمة - وهو ما ذكره الغزالي - فالمراد قيمة النصف»، قال: «وفي النفس مع ذلك منه شيء، فإنه لو أتلف شخصٌ عبداً بين اثنين وجب عليه قيمته لهما، وقياسُ المذكور هنا (١) أن يضمن لكل منهما قيمة نصفه؛ لأنه لم يُتلف عليه إلا نصفًا، والفرق بينه وبين شطر الصداق أنه لما كان الواجب ردَّ نصفه ناقصًا لدخول مالكه على ذلك؛ لم يضمن إلا قيمته، ولا كذلك هنا»، قال: «وبالجملة فالمنقول ما ذكرناه» (٢). فَصْلٌ ورُبَّ لفظ منقلب، كنقله عن بعضهم أن ساكني المدينة ومكَّةَ والبصرة ليسوا كفوا لساكني الجبال، والمراد أن ساكني الجبال لا يكافئونهم، فانقلب اللفظ (٣). وأعجب من انقلابه قول ابن الرفعة: «لو عَكَسَ كان أولى كما هو معروفٌ في باب اللقيط»؛ فإنَّ لفظ الأولى يُؤذن بتردد ما، وليس محل تردد (٤).

стр. 591

ومثله: قوله: «ليس المسلم أهلا لنكاح المجوسية» (١)، والمراد: ليست المجوسية أهلا لنكاحه. ومثله: إجارة المرهون بدين حال أو مؤجَّلٍ يَحِلُّ (٢) قبل انقضاء مدتها، ذكَرَ أن صاحب «التتمة» قال: «تبطل في قدر الأجل، وفي الزائد قولا تفريق (٣) الصفقة» (٤). وصوابه: تَبطل في (٥) الزائد، وفي الأجل قولا تفريق (٦) الصفقة، وهو في «التتمة» على الصواب، وقد ذكرنا هذا (٧) في «التوشيح». وهذه استدراكات لفظية، لنا بالرافعي أسوة حيث اعترض الغزالي بمثلها، ألا تراه وقد اعترض قوله في تغير الماء: «وإن زال بطرح التراب فقولان؛ للتردُّد في أنه مزيل أو ساتر»، فقال: «مع فرض المسألة في الزوال كيف ينتظم التردُّد في أن الحاصل زوال أم لا؟» (٨). مع أنه وقع في مثل ذلك فقال في بابي «الإقرار» و «الحوالة» تبَعًا للغزالي: «ولو أقرَّ بحريَّةِ عبدٍ، ولو باع عبدا ثم توافق المتبايعان على أنه حُرُّ الأصل» (٩)،

стр. 592

فيقال له: «حريَّة عبد» لفظ يُشبه المتناقض على حد اعتراضك في الزوال بعينه. وقريب من هذا قوله فيما إذا وطئ السيد المكاتبة: «وقد ذُكر أنَّ ابن كج حكى وجها أنه لا يُعزّر، وحق هذا الوجه أن يطرد في نظائره» (١)، فلقائل أن يقول: حقُّ كلّ شيءٍ أن يطَّرِدَ في نظائره، فهذا كلام لا حاصل له، إنما الشأن في تعيين نظير ثم إجراء الوجه فيه، وقد فعلت ذلك، ألا ترى أنك حكيت في كتاب النكاح وجهين في تعزير الأب إذا وطئ جارية الابن، والأب نظير السيد، وقد طرقه الوجه وإن لم يكن نظيرًا، فما البحث بشامل له. أما ابن الرّفعة وقوله في مسألة الدعوى على المقر بأنك أقررت لي بكذا، وقد ذكر إفهام الإمام سماعها جزمًا في العين إذ قال: هي ملكي (٢): «قضيَّةُ هذا أن تجري في كلِّ صورةٍ تشابهها» = فليس كقول الرافعي؛ لأنَّ ابن الرفعة عين نظيرًا واستدركه، وقد تكلمنا عليه في «التوشيح» في «باب الدعوى». فَصْلٌ في ألفاظ مبهمة منها: قوله في «باب الحجر» بعدما ذكر أنه ليس لغير القاضي (٣) إقراض مال المحجور: «وسوى أبو عبد الله الحناطي بين القاضي وغيره» (٤)، فإنه يحتمل التسوية في المنع وفي الجواز، وهما وجهان، وكلامه في «كتاب الأقضية» يعيّن

стр. 593

أن الأول مراده. ومنها: قوله في النذر: «وأنه لو نذر أن يتيمم فالمذهب أنه لا ينعقد نذره» (١) = يحتمل (٢) أن يكون مقابل المذهب: أنه يلزمه كفَّارة يمين كما في نذر المعصية على قول، ويحتمل أنه [يُحَبُّ] (٣) عليه بناءً على أنَّ تجديده مستحب إن تُصوّر. ومنها: قوله في النفقات على قول الغزالي: «وله منعها من صوم نذرته بعد النكاح»: «ومفهومه عدم المنع فيما قبله»، قال: وهذا الفرق فيما إذا نذرت أياما معينةً، أما عند الإطلاق إلى قوله: «ونقل إبراهيم المروذي (٤) فيه وجهين، سواء نذرته قبل النكاح أم بعده» (٥). فالضمير في (٦) «فيه» يحتمل أن يعود إلى النذر (٧) المعين، وعليه جرى في الشرح الصغير، وإلى المطلق، وعليه جرى النووي في «الروضة». ومنها: قوله في الحيض: لا فرق في سنّ الحيض بين البلاد الحارة وغيرها، وعن الشيخ أبي [محمد] (٨) أنَّ الأمر في البلاد الحارة على ما ذكرناه،

стр. 594

وفي الباردة وجهان» (١)، فإنه أبهم فيه معنى الوجهين. ومنها: قال في النكاح قبل الفصل السادس فيما يجب على الولي: «ولو وكل رجلا بقبول نكاح امرأة، وسمَّى مهرًا؛ لم يصح القبول بما زاد عليه» إلى قوله: «هكذا فصل المسألة صاحب التهذيب» (٢)، لم يُطلق انتفاء الصحة كما فعل في «التهذيب»، بل نسبها إلى القبول كما رأيت، فقال: «لم يصح القبول»، وتابعه الوالد في «شرح المنهاج». وانتفاء صحة القبول يصدق بانتفائها عن مطلق قبول النكاح، فيكون النكاح فاسدًا، وهو ظاهر كلام «التهذيب»، فإنَّ عبارته: «ولو سمى قَدْرًا فَقَبِلَ بأكثر لا يصح» (٣)، وسياقه قبله يُرشِدُ إلى أنَّ مراده: لا يصح النكاح، فتأمله. ويصدق بانتفائها عن القبول بالمسمى لا عن مطلق القبول، فيكون النكاح صحيحا، ولكن بمهر المثل، وفي المسألة وجهان حكاهما إمام الحرمين قبل باب الخُلع في المرض، وعبارته: «اختيار الشيخ أنَّ النكاح لا ينعقد، وقال بعض الأصحاب ينعقد، والرجوع إلى مهر المثل، والحكم بالانعقاد بعيد في هذا الطرف» (٤)، انتهى. وأظنه يعني بـ «الشيخ» هنا القفَّالَ؛ لأنَّ في كلامه هنا ما يرشد إليه، وإن كان كثيرًا ما يُطلق «الشيخ» في غير هذا المكان على الشيخ أبي علي، لكني رأيتُ

стр. 595

في «البيان»: «قال الصيمري: قال شيخ من أصحابنا: يُبطِلُ النكاح، والصحيح أنه يصح، ولها عليه مهر المثل» (١)، انتهى. ذكره في «باب ما يصح به النكاح»، والصيمري سابق على القفال، وأظنُّ أنَّ في النسخة نقصاً، وأنَّ اللفظ هكذا: قال الصيمري وشيخ من أصحابنا، ويكون رأى في «النهاية» لفظ «الشيخ» فما عُرِف من المعني به، وزاد هو النقل عن الصيمري. فرع: افتراق الزوجين - إذا قضيَا حَجَّةً فسدت بالجماع - في المكان الذي جامعها فيه = واجب في القديم، ومستحب في الجديد، وهذه عبارة أكثر الأصحاب: «الموضع الذي جامعها فيه»، ومفهومها أنه لا يُطلب التفرق قبله ولا بعده، وصرّح في «الروضة» باستحباب التفرق من حين الإحرام، ولم يذكر انتهاء مدته، وصرّح القاضي أبو الطيب بأنهما لا يجتمعان إلا بعد التحلل، ولم يذكر ابتداءه (٢). وكأنَّ المختلف في أنه واجب أو مستحب: التفرق مكان الوقاع، أما قبله وبعده فمستحب ليس إلا، أو: مكانه وما بعده، بخلاف ما قبله، أو يُجرى على مفهوم كلام أكثرهم من أنه لا يُطلب التفرق إلا مكان الوقاع، كل ذلك محتمل، فليكشف عنه، فإني لم أُمعن كشفا. تنبيه: قد قلنا: إنه لا وثوق بما يقع (٣) أثناء التعليل والحجاج، لا سيما في غير

стр. 596

المظنَّة، وذلك فيما يتفق مقُولًا من قِبَل مصنّفه، وأضعف من ذلك أن يكون كما يُحكى (١) عن غير المصنف، بأن يكون تعليلا لمقالة ضعفها المصنف، فلا يلزم من ذلك أن يكون موافقاً له على العلة، بل جاز أن يكون التعليل من ذلك القائل. وما يقع في الذهن من أنه إذا علل شيئًا - وإن كان ضعيفًا - بعلَّةٍ سَكَتَ عليها؛ دلّ على صحتها عنده، وأنَّ أحد المتناظرين لا يعتل بما لا يوافقه خصمه عليه = ليس بمستمر، بل قد يُعلّل المعلّل على قضية أصله ويسكت عليه المعترض؛ للعلم بأن للبحث معه في العلة مكانًا آخر. وقد قدمنا قول الوالد ﵀ لي: «لعل التعليل من القائل»، وهذا صحيح، ألا ترى أن الرافعي قال في الغُسالة: «إذا لم تتغيّر فثلاثة أقوال» إلى أن قال: «ومنهم من يعبّر عن هذا الحلاف بالوجوه؛ لأنها غير منصوصة» (٢)، فقوله: «لأنها غير منصوصة» حكاية عمَّن يُعبّر بالوجوه، وليس معتقدا له، وإلا لما افتتح الكلام بأنها أقوال، فإنَّ الأقوال لا تكون إلا مناصيص. وقال في «باب حد الزنا» فيمن أقر باستكراه جارية غائب على الزنا: «إنَّ ابن سريج قال: يُنتظر حضور المالك؛ لجواز أن يقر بأنه كان قد وقف عليه تلك الجارية، فيصير شُبهةً في سقوط الحد» (٣)، انتهى، وهذا التعليل من ابن سريج، وقد عُرف أنَّ الرافعي لا يوافقه عليه؛ لأنه والنووي وأكثر المتأخرين رجحوا إيجاب الحد على الموقوف عليه، وقال الرافعي في الوصية في الموصى له بالمنفعة: «إن وطئ لم يُحَدَّ، وفيه وجه أنه يُحَدُّ»، واختصره في «الروضة» فقال:

стр. 597

لم يُحَدَّ على الصحيح المشهور» (١). قال الشيخ الإمام ﵀ في باب الوقف: «وهذا يناقض ما صححه في الوقف من إيجاب الحدّ على الموقوف عليه. تنبه (٢): ما ذكرناه من اعتماد المظنَّة معناه: اعتقاد أنه قول ذلك المصنف، لا أنه الحقُّ في نفس الأمر، فرُبَّ مكان ذُكِر في مظنّته على الخطأ أو على خلاف الراجح (٣)، وهو في غير بابه على الصواب أو على الراجح، بمعنى أنه لو عُرِض على مُصَنِّفِهِ لاعتمد ما قاله في غير بابه، ووقوع مثل هذا نادر. ومن غريبه: إذا وهب للعبد بعض من يعتق على سيده؛ جزم الرافعي في باب العتق عند كلامه على قول الوجيز»: «ولو اشترى نصف قريبه» بأنه يسري على السيّد تفريعاً على أنَّ قبوله لا يفتقر إلى إذنه، محتجًا بأنَّ قبوله كقبول سيده شرعًا، ولم يزد النووي على استشكال السراية، مع أن الرافعي في «باب الكتابة رجح عدم السراية، وأشار إلى استغراب الوجه الذاهب إليها، فإنه حكاه عن «الوسيط» وقال: «لم أجده في النهاية» (٤)، والذي يبين لي في هذه المسألة اعتماد ما في باب الكتابة وإن كان في غير المظنَّة. ومثله: الوصية بمال الغير، حكى فيها في باب الوصية» وجهين، وزعم

стр. 598

النووي أنَّ الأفقه والأَجْرَى على قواعد الباب الصحة (١)، وقضية كلام الرافعي في «باب الكتابة» الجزم بمنعه، ذكره عند الوصية بالمكاتب، ولعل المنع أرجح، ولا يقال (٢): الوصيَّةُ بغير الموجود صحيحة، فبغير (٣) المملوك أولى؛ لأنَّ غير (٤) المملوك لمالكه به تعلق، وغير الموجود ليس للغير به تعلّق. ثم صورتها أن يقول: "أوصيتُ بهذا العبد"، وهو ملك لغيره، أما إذا قال: "بهذا العبد إن ملكته"، فقضيَّةُ كلام الرافعي في «باب الوصية» أنه مثله، فإنه سوى بين الصورتين في حكاية الوجهين، وقضيَّة كلامه في «باب الكتابة» أنه يصح جزماً، ولعل الصحة فيه أرجح، فهاتان مسألتان، الأرجح عندي (٥) فيهما ما ذكر في غير المظنة. ومثله: قول الرافعي في «كتاب (٦) الصلاة» فيما إذا عَمَّ العذر جميع الوقت: إنَّ أجرة تعليم الصبي الطهارة والصلاة - إذا لم يكن له مال ولا لأبيه - على أُمَّه (٧)، فهذا مذكور في مظنته، وقد ذكر مثله ابن السمعاني في (القواطع) (٨). إلا أنه مُشكل؛ هلا كان الوجوب بعد الأب على الجد كما في النفقة؟ فإما

стр. 599

أن يكون سبق قلم، أو يكون غير مسلوك به سبيل النفقة؛ لأنهم قالوا: يجب على الآباء والأمهات التعليم، فجُعِلت في منزلة الأب في وجوبه، وإما أن يُحمل الأب على ما هو أعم من الحقيقي والمجازي؛ ليدخل الجد قبل الأم. وبالجملة أوضح من المذكور في المظنَّة جزم الشيخين في «كتاب الصداق» بأنه لو أصدقها تعليم ولدها لم يصح، واستثنى صاحب «التهذيب» ما إذا وجب عليها، فهذا منهما يدل على أنه لا يجب عليها بالأصالة، وهو خير مما ذكراه في المظنة. ومثله: نيَّةُ المقيم السفر لا تُصَيّره مسافرًا بمجردها، بل لا بُدَّ معها من السير؛ لأنَّ الأصل الإقامة، أما نية المسافر الإقامة هل تُصَيَّرُه مُقيمًا وإن كان سائرا، أو لا بدَّ من المكث؟ لأنَّ السَّير يُكذِّب النيَّة، وليس الأصل السفر، اقتضى كلام الرافعي في باب زكاة التجارة الأول، وبه صرح البغوي في (التهذيب)، والثاني قضيَّةُ كلامه في «باب صلاة المسافر»، وجزم به الماوردي، وادعى النووي فيه القطع في «شرح المهذب» (١)، لكن الأول عندي أرجح. الضَّرْبُ الثاني أن يكون كل منهما في مظنته. إما لأنهما وقعا في كتابين ك- «الشرح الكبير مع «الصغير» أو «المحرر»، أو «الروضة» مع شرح المهذب أو تحقيق المذهب» للنووي، و «الكفاية» مع

стр. 600

«المطلب» لابن الرفعة، و «شرح المنهاج» مع «شرح المهذب» و «شرح التبريزي» للشيخ الإمام. وإما لأن الموضعين مظنتان له، كمسألة التداوي بالخمر، قد قدمنا ما فيها، ولها موضعان: «باب الأطعمة»، و «باب حدّ الخمر»، كما للذبح موضعان: «باب الضحايا»، و «باب الصيد» والذبائح، وأمثلته كثيرة، ولا يخفى في الأمرين أن المقصود فيهما بالذات راجح على المستطرد. فرع: القذف على صورة الشهادة إذا لم يتم العدد، وأوجبنا الحد به؛ فهل يفسق المحدود؟ وللمسألة مظنتان: إحداهما: «حدّ الزنا»، وفيه ذكرها الرافعي، وصرّح بالتفسيق، وسبقه الماوردي والروياني وغيرهما، وأغرب الشيخ أبو حامدٍ فصرَّح في «التعليقة» بالتفسيق، وإن لم نوجب الحد. والثانية: «كتاب الشهادات»، وفيه ذكر الأكثرون المسألة (١). وإن كان كل منهما مقصوداً بالذات وهما في (٢) كتاب واحد فالمتأخر غالبًا هو المعتمد. وإن كانا في كتابين كمتن «الروضة» مع «شرح المهذب» فالمعتمد «شرح المهذب»، ومتن «الروضة» محمول على انصباب فكره إلى اختصار كلام الرافعي دون استيفاء النظر لنفسه.
следующие страницы →