← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30157

ترشيح التوشيح وتوضيح الترجيح

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (808 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

المظنَّة، وذلك فيما يتفق مقُولًا من قِبَل مصنّفه، وأضعف من ذلك أن يكون كما يُحكى (١) عن غير المصنف، بأن يكون تعليلا لمقالة ضعفها المصنف، فلا يلزم من ذلك أن يكون موافقاً له على العلة، بل جاز أن يكون التعليل من ذلك القائل. وما يقع في الذهن من أنه إذا علل شيئًا - وإن كان ضعيفًا - بعلَّةٍ سَكَتَ عليها؛ دلّ على صحتها عنده، وأنَّ أحد المتناظرين لا يعتل بما لا يوافقه خصمه عليه = ليس بمستمر، بل قد يُعلّل المعلّل على قضية أصله ويسكت عليه المعترض؛ للعلم بأن للبحث معه في العلة مكانًا آخر. وقد قدمنا قول الوالد ﵀ لي: «لعل التعليل من القائل»، وهذا صحيح، ألا ترى أن الرافعي قال في الغُسالة: «إذا لم تتغيّر فثلاثة أقوال» إلى أن قال: «ومنهم من يعبّر عن هذا الحلاف بالوجوه؛ لأنها غير منصوصة» (٢)، فقوله: «لأنها غير منصوصة» حكاية عمَّن يُعبّر بالوجوه، وليس معتقدا له، وإلا لما افتتح الكلام بأنها أقوال، فإنَّ الأقوال لا تكون إلا مناصيص. وقال في «باب حد الزنا» فيمن أقر باستكراه جارية غائب على الزنا: «إنَّ ابن سريج قال: يُنتظر حضور المالك؛ لجواز أن يقر بأنه كان قد وقف عليه تلك الجارية، فيصير شُبهةً في سقوط الحد» (٣)، انتهى، وهذا التعليل من ابن سريج، وقد عُرف أنَّ الرافعي لا يوافقه عليه؛ لأنه والنووي وأكثر المتأخرين رجحوا إيجاب الحد على الموقوف عليه، وقال الرافعي في الوصية في الموصى له بالمنفعة: «إن وطئ لم يُحَدَّ، وفيه وجه أنه يُحَدُّ»، واختصره في «الروضة» فقال:

стр. 597

لم يُحَدَّ على الصحيح المشهور» (١). قال الشيخ الإمام ﵀ في باب الوقف: «وهذا يناقض ما صححه في الوقف من إيجاب الحدّ على الموقوف عليه. تنبه (٢): ما ذكرناه من اعتماد المظنَّة معناه: اعتقاد أنه قول ذلك المصنف، لا أنه الحقُّ في نفس الأمر، فرُبَّ مكان ذُكِر في مظنّته على الخطأ أو على خلاف الراجح (٣)، وهو في غير بابه على الصواب أو على الراجح، بمعنى أنه لو عُرِض على مُصَنِّفِهِ لاعتمد ما قاله في غير بابه، ووقوع مثل هذا نادر. ومن غريبه: إذا وهب للعبد بعض من يعتق على سيده؛ جزم الرافعي في باب العتق عند كلامه على قول الوجيز»: «ولو اشترى نصف قريبه» بأنه يسري على السيّد تفريعاً على أنَّ قبوله لا يفتقر إلى إذنه، محتجًا بأنَّ قبوله كقبول سيده شرعًا، ولم يزد النووي على استشكال السراية، مع أن الرافعي في «باب الكتابة رجح عدم السراية، وأشار إلى استغراب الوجه الذاهب إليها، فإنه حكاه عن «الوسيط» وقال: «لم أجده في النهاية» (٤)، والذي يبين لي في هذه المسألة اعتماد ما في باب الكتابة وإن كان في غير المظنَّة. ومثله: الوصية بمال الغير، حكى فيها في باب الوصية» وجهين، وزعم

стр. 598

النووي أنَّ الأفقه والأَجْرَى على قواعد الباب الصحة (١)، وقضية كلام الرافعي في «باب الكتابة» الجزم بمنعه، ذكره عند الوصية بالمكاتب، ولعل المنع أرجح، ولا يقال (٢): الوصيَّةُ بغير الموجود صحيحة، فبغير (٣) المملوك أولى؛ لأنَّ غير (٤) المملوك لمالكه به تعلق، وغير الموجود ليس للغير به تعلّق. ثم صورتها أن يقول: "أوصيتُ بهذا العبد"، وهو ملك لغيره، أما إذا قال: "بهذا العبد إن ملكته"، فقضيَّةُ كلام الرافعي في «باب الوصية» أنه مثله، فإنه سوى بين الصورتين في حكاية الوجهين، وقضيَّة كلامه في «باب الكتابة» أنه يصح جزماً، ولعل الصحة فيه أرجح، فهاتان مسألتان، الأرجح عندي (٥) فيهما ما ذكر في غير المظنة. ومثله: قول الرافعي في «كتاب (٦) الصلاة» فيما إذا عَمَّ العذر جميع الوقت: إنَّ أجرة تعليم الصبي الطهارة والصلاة - إذا لم يكن له مال ولا لأبيه - على أُمَّه (٧)، فهذا مذكور في مظنته، وقد ذكر مثله ابن السمعاني في (القواطع) (٨). إلا أنه مُشكل؛ هلا كان الوجوب بعد الأب على الجد كما في النفقة؟ فإما

стр. 599

أن يكون سبق قلم، أو يكون غير مسلوك به سبيل النفقة؛ لأنهم قالوا: يجب على الآباء والأمهات التعليم، فجُعِلت في منزلة الأب في وجوبه، وإما أن يُحمل الأب على ما هو أعم من الحقيقي والمجازي؛ ليدخل الجد قبل الأم. وبالجملة أوضح من المذكور في المظنَّة جزم الشيخين في «كتاب الصداق» بأنه لو أصدقها تعليم ولدها لم يصح، واستثنى صاحب «التهذيب» ما إذا وجب عليها، فهذا منهما يدل على أنه لا يجب عليها بالأصالة، وهو خير مما ذكراه في المظنة. ومثله: نيَّةُ المقيم السفر لا تُصَيّره مسافرًا بمجردها، بل لا بُدَّ معها من السير؛ لأنَّ الأصل الإقامة، أما نية المسافر الإقامة هل تُصَيَّرُه مُقيمًا وإن كان سائرا، أو لا بدَّ من المكث؟ لأنَّ السَّير يُكذِّب النيَّة، وليس الأصل السفر، اقتضى كلام الرافعي في باب زكاة التجارة الأول، وبه صرح البغوي في (التهذيب)، والثاني قضيَّةُ كلامه في «باب صلاة المسافر»، وجزم به الماوردي، وادعى النووي فيه القطع في «شرح المهذب» (١)، لكن الأول عندي أرجح. الضَّرْبُ الثاني أن يكون كل منهما في مظنته. إما لأنهما وقعا في كتابين ك- «الشرح الكبير مع «الصغير» أو «المحرر»، أو «الروضة» مع شرح المهذب أو تحقيق المذهب» للنووي، و «الكفاية» مع

стр. 600

«المطلب» لابن الرفعة، و «شرح المنهاج» مع «شرح المهذب» و «شرح التبريزي» للشيخ الإمام. وإما لأن الموضعين مظنتان له، كمسألة التداوي بالخمر، قد قدمنا ما فيها، ولها موضعان: «باب الأطعمة»، و «باب حدّ الخمر»، كما للذبح موضعان: «باب الضحايا»، و «باب الصيد» والذبائح، وأمثلته كثيرة، ولا يخفى في الأمرين أن المقصود فيهما بالذات راجح على المستطرد. فرع: القذف على صورة الشهادة إذا لم يتم العدد، وأوجبنا الحد به؛ فهل يفسق المحدود؟ وللمسألة مظنتان: إحداهما: «حدّ الزنا»، وفيه ذكرها الرافعي، وصرّح بالتفسيق، وسبقه الماوردي والروياني وغيرهما، وأغرب الشيخ أبو حامدٍ فصرَّح في «التعليقة» بالتفسيق، وإن لم نوجب الحد. والثانية: «كتاب الشهادات»، وفيه ذكر الأكثرون المسألة (١). وإن كان كل منهما مقصوداً بالذات وهما في (٢) كتاب واحد فالمتأخر غالبًا هو المعتمد. وإن كانا في كتابين كمتن «الروضة» مع «شرح المهذب» فالمعتمد «شرح المهذب»، ومتن «الروضة» محمول على انصباب فكره إلى اختصار كلام الرافعي دون استيفاء النظر لنفسه.

стр. 601

وإن كانا في كتابين ك- «الشرح الكبير» مع «الصغير»، أو زيادةِ «الروضة» مع «شرح المهذب» ونحوه، أو ابن الرفعة في شرحيه، أو الشيخ الإمام في شرحيه، فهذا على وجهين: أحدهما: أن يُعلَم المتأخر منهما؛ فهو قوله. واعلم أن الرافعي فرغ من «الشرح الكبير» في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة وستمئة، وأظن (١) «الصغير» بعده، ولا أعرف حال «المحرر» (٢). و «الروضةُ» فَرَغَ منها النووي يوم الأحد خامس عشر ربيع الأول سنة تسع وستين وستمئة، وبدأ في «شرح المهذب» - كما رأيتُ بخطه - يوم الخميس ثامن شعبان سنة اثنتين وستين وستمئة، إلا أنه تقطع عليه فيه العمل، ورأيتُ بخطه أنه بدأ في «باب الأذان» يوم الأربعاء سابع عشري المحرم سنة إحدى وسبعين وستمئة، وختم (الجنائز) ضحوة يوم عاشوراء سنة ثلاث وسبعين وستمئة، وفي ذلك اليوم بدأ في «كتاب الزكاة»، وختم «باب الإحرام» يوم الاثنين تاسع شوّال من هذه السنة، وفي ذلك اليوم بدأ بـ «باب صفة الحج»، وختم ربع العبادات يوم الاثنين رابع عشري ربيع الأول سنة أربع وسبعين وستمئة، وافتتح «البيع» فوصل إلى أثناء «الربا» ومات ولم يُعيّن تاريخا، ومن هناك كمل الوالد. ووقع في كلام شيخنا الذهبي أنه وصل إلى «باب المُصَرَّاة»، وذلك وهم

стр. 602

بلا شك، و «شرح المهذب» عندي بخط النووي. وأما «المطلب» فإنه بعد «الكفاية» بسنين كثيرة. وأما الوالد فإنه في كلّ بابٍ قد عيّن تاريخه، والقطعة التي عملها في شرح المهذب هي المعتمدة على نظيرها من «شرح المنهاج» فاعرفه. وأما «تحقيق المذهب» للنووي فأظنُّه من أواخر مصنفاته، وقد يقع له ترجيح في غير الكتب المذهبية مخالف لما فيها ك- «الرياض» و «الأذكار» و «التبيان»، والنَّفْسُ إلى ما يقوله في الكتب المذهبية أَمْيَلُ. فهذا شأن ما عُرِف تاريخه. والوجه الثاني: أن لا يُعلم المتأخر، فهذا هو الذي يحتاج الحال إلى الترجيح فيه، وحسبك هنا (١) أن تحفظ لسانك استعمالا للأدب، وأن تعلم أنه لا لوم فيه على أحد، بل هو دليل على قوة النظر، وكمال الدين، أما قوة النظر فلاختلافه باختلاف الأوقات، وأما كمال الدين فلعدم المبالاة عند ظهور الحق بإظهاره وإن كان تقدَّم خلافه. وهذا بعينه قيل في القولين للشافعي، فمن لامهما في هذا فهو الملام، ومن أين يعرف العوام أغوار الأعلام، فقد يترجح اليوم ما كان الراجح في النظر أمس خلافه، وذلك كثير جدا، وقد لا يتبيَّن ترجيح ألبتة ثم يتبيَّن، وهذا أيضًا موجود كثيرا. مثاله: قال الرافعي في فصل الكناية في «الطلاق» في الفروع المنقولة

стр. 603

عن معلقات شريح: «لو وكله بطلاق امرأته فطلقها ولم ينو عند الطلاق أنه يوقع لموكله = ففي الوقوع وجهان»، ثم قال في أواخر فروع الطلاق: «الأقرب أنه لا يحتاج إلى أن ينوي» (١). وقد يُحاط من المنقول اليوم بما لم يكن أمس، ألا ترى أن الرافعي حكى في الفروع المنثورة قبل الصداق الخلاف في أنَّ الزوج معقود عليه، من غير إشارة إلى ترجيح، ثم في «كتاب الطلاق» في مسألة «أنا منكِ طالق» قال: «إنَّ كونه معقودًا عليه غيرُ مَرْضِيّ عند الأكثرين» (٢). قلت: وهو ما ذكر الإمام في «الأساليب» أنه المختار، وقال ابن السمعاني في «الاصطلام»: «إنه معقود عليه»، وأجاب عن قولهم: لو كان معقودًا عليه لما احتاج في "أنا منك طالق" إلى النيَّة؛ بأن الحاجة إليها لاحتمال إرادة الطلاق من وثاق، فإن هذا الاحتمال هنا ظاهر، بخلافه فيما إذا أُضيف الطلاق إليها، فإنَّ العُرفَ يقضي باندفاع هذا الاحتمال، وهو جواب صحيح، ولا أدري من أين للرافعي أنَّ الأكثرين لم يرضوا كونه معقودًا عليه مع أنَّ أكثر الخلافيين على أنه معقود عليه (٣)! ومثله: قال في الصلاة في إشارة الأخرس: «أجاب الغزالي في الفتاوى بأنها تبطل» (٤).

стр. 604

قلت: وقد سبقه القاضي الحسين في فتاويه (١). قال الرافعي (٢): «ورأيتُ بخط والدي حكاية وجه أنها لا تبطل»، ثم (٣) حكى في المسألة وجهين في «كتاب الطلاق»، وصحح عدم البطلان (٤). أما إذا أعطاه درهما وقال: «ادخُلْ به الحمام»، ففي تعين صرفه لذلك وجهان حكاهما الرافعي في «الشهادات»، والنووي في «باب الهبة» عند اقتصار الرافعي على نقل (٥) تفصيل القفال (٦)، ولا ترجيح للرافعي فيهما، إنما رجّح في الشاهد يُعطى للمركوب عدم التعين، ولا يلزم مثله في مسألة الفقير، بدليل أنَّ القاضي في «الفتاوى» جعل الخلاف فيها مرتبا على الفقير. ووجهه: أنه لا يلزم من انتفاء التعين في الواجب انتفاؤه في التطوع، ولا يصح لابن الرفعة أن يأخذ من هذا تضعيف تشبيه الرافعي الخلاف بالخلاف، ويقول: «كيف يُلحَقُ واجب بتطوع؟!»؛ لأنَّ التشبيه لأصل الخلاف لا لاتفاق الترجيح، والمكان بمزيد إيضاح في كتابنا «الأشباه والنظائر» (٧). فإن قلت: أنا لا أُنكِرُ أنَّ اختلاف ترجيح الشيخين دليل علو قدرهما، بل

стр. 605

أقول: إنَّ مثل هذا يحتاج إلى الترجيح، فهلا ذكرا ما استقر عليه رأيهما ليقتدي بهما من يستفتي ولا يَضِيعَ باختلاف الفتاوى عليه؟ قلت: من أين لهما أنَّ رأيهما مستقر، وهما كلَّ وقت بصدد تغير الاجتهاد؟! وإنما ذاك على ما قَضَيَا، وهذا على ما يقضيان، إنما القصور في حقٌّ مَنْ يُنَقِّبُ عما عليه الفتيا؛ ليقلّده تقليد العوام، فهلا عُدتَ باللوم على نفسك، وطالبتها بالقدرة على الترجيح وسلوك سبيل أحبار الأمة، وتركت عنك الاشتغال باختلاف كلامهم الذي هو دليل علو قدرهم، وانتقدته أنت عليهم. فإن قلت: دع عني هذا، فقد عرفته ولا أنكره، إنما أتطلب أن تُعرفني على أي شيء أعتمد؟ فالجواب: أنَّ ما كان من هذا القبيل فقد ذكرنا منه ما رجح الوالد فيه أحد الموضعين؛ ليكون ترجيحه لأحد المكانين قاضياً بأنه الراجح (١) في نفس الأمر، ثم قد يقوى مع ذلك أنه الراجح عند من تناقض كلامه أيضا. وهذا كالهبة بشرط الثواب، الصحيح عند الثلاثة أنها بيع؛ اعتبارا بالمعنى، ثم وفى الشيخ الإمام بتمام التشبيه فصحح ثبوت الخيارين - المجلس والشرط - فيها، وأنه يجوز للولي أن يهب مال الصبي بشرط ثواب معلوم، وقال: «إنَّ ذلك هو الذي تقتضيه قواعد المذهب». وما ذكره من ثبوت الخيارين هو ما ذكراه في «باب الهبة»، لكنهما في «باب البيع» و «الحجر» قالا: لا يثبتان؛ لأنها لا تسمى بيعًا، ولا يَهَبُ الولي

стр. 606

بشرط العِوَض؛ لأنَّ الهِبةَ لا يُقْصَدُ بها العِوَض (١)، فليكن المعتمد عنهما ما في «الهِبة»؛ لجريانه على قاعدتهما وفاء بتمام التشبيه. ولي على هذه المسألة في كتاب «الأشباه والنظائر» كلام طويل (٢)، وكذلك على قاعدتها المأخوذة منه، وهي: هل الاعتبار بألفاظ العقود أو معانيها؟ فإنها قاعدة مُتَبَدِّدَةُ الفروع غيرُ منصوصةٍ لصاحب المذهب. وأنا إلى الآن لم أجد بين الأصحاب أصلًا استنبطوه ولا نص فيه إلا وقد تطرَّق إليه بعضُ الاضطراب في فروعه، بحيث لا يمكن الترجيح في أصله، ومن ثَمَّ لا تستطيع أن تقول: الأرجح اعتبارُ اللفظ ولا المعنى؛ لاختلاف الفروع عليك. ومن هذا القبيل ما قدَّمناه في الإبراء، والرجعة، والنذر، والخصوص هل يُبْطِلُ بطلانه (٣) العموم؟ كلُّ هذه أصول مستنبطة اضطربت فروعُها؛ فلم يستمر الترجيح في أصلها على مساق واحد، بخلاف الأصول المنصوصة للإمام الأعظم رضوان الله عليه، فإنها سليمة. فإن قلت: فما حال ما لا تجد فيه ترجيحًا لوالدك وقد تناقض الكلام فيه؟ قلتُ: إن وجدت مكانًا مذكورًا في مظنَّته في موضعين، وقد تناقض القولُ فيه، وهو فيهما مقصود بالذات = فما للناظر إلا النظر، ولا لمن ليس بأهلٍ للنظر.

стр. 607

إلا الوقف (١) عن العمل، ولكن هذا نادر جدا، وقد يكفي من الترجيح فيه ما لا يكفي في غيره، وقد يُطلق فيه الترجيح لمن لا يُطلق له الترجيح في أمهات المسائل؛ للقناعة هنا بأدنى نظر دون الأمهات. الضرب الثالث أن يكون كلٌّ منهما مذكوراً في غير مظنته، فإما أن يكون غير مقصود أو يكون مقصوداً. فالأول: مثاله قول الرافعي في «باب البغاة»: «ولأنَّ الجزية أجره دار الإسلام» (٢)، وقال في أوائل «باب الجزية»: «إنَّ الجزية مشتقة من الجزاء، كأنها جزاء إسكاننا إياهم في دارنا، أو عصمة الدماء والذراري والأموال»، ثم قال بعده بنحو خمسة عشر سطرًا: «واحتجوا - يعني: الأصحاب - بأنَّ الجزية مع الانقياد والاستسلام كالعوض عن التقرير» (٣)، فكل هذا وقع غير مقصود لنفسه ولا في مظنته. ومسألة أن الجزية في مقابلة ماذا تُؤخذ خلافيَّةٌ شهيرة، وفيها لأصحابنا أربعة أوجه (٤): أحدها: في مقابلة سكنى الدار. والثاني: في مقابلة حقن الدم.

стр. 608

والثالث: في مقابلة تركِ قتالهم في دار الإسلام سَنَةً فصاعدا. والرابع: قال الإمام (١): «الوجه أن نجمع مقاصد الكفار ونقول: هي مقابلة بالجزية». وهذه المسألة ذات الأوجُهِ لم يقصدها الرافعي بالذكر، وإنما وقعت له استطرادًا، فلا يعتمد على شيء من كلاميه فيها، بل يتطلب كلام غيره فيما يظهر، فإنه لم يستوف لها النظر. والثاني: مثاله: إذا وطئ مَنْ يَحْرُمُ عليه وطؤها من إمائه، كأخته المملوكة له، وقلنا بوجوب الحدّ عليه = قال في «باب حد الزنا»: «لا يثبت النسب، وقيل: يثبت»، وبالثبوت جزم في «باب عتق أمهات الأولاد»، وهو الوجه، وهي آخِرُ مسألة في «الرافعي»، وذكَرَ أنَّ الأصحاب قالوا: لا يتصور اجتماع هذه الأحكام - يعني: النسب والمصاهرة والاستيلاد - مع وجوب الحد إلا في هذه الصورة على القول بالحد (٢). قلت: وقال الجرجاني في (المعاياة)، والروياني في «الفروق» (٣): «لا أم ولد يمتنع وطؤها من غير تعلق حق زوج بها، إلا في مسألتين»، هذه وقيَّداها بأن يشتري أخته من الرضاع ويستولدها جاهلا بالتحريم، ولا حاجة إلى هذا القيد؛ فإن أخته من النسب كذلك ولو وطئها عالماً. قالا: «والثانية: أن يكون لكافر أم ولد فتُسلم».

стр. 609

قلت: وبقيت ثالثة: إذا وطئ الأب أم ولد ابنه بشبهة فإنها تحرم عليهما أبداً. فائدة: لا يخفى أن الواقع استطراداً، أو في غير بابه، وإن كان مرجوحاً بالنسبة إلى غيره فإنَّ مرجوحيّته تزداد في صور: منها: أن يَرِدَ مطلقًا وهو في بابه مقيد، فإنَّا نحمل المطلق على المقيد في المقصودين، فما ظنك بمطلق غير مقصود، أو في غير بابه؟! مثاله: إنكار الوكالة، صحح الرافعي في «باب الوكالة» أنه إن كان لنسيان أو لغرض؛ لم يكن ردا، بخلاف ما إذا كان تعمدا لا لغرض، وأطلق في «باب التدبير أنَّ الأصح ارتفاعها بالإنكار (١)، ولا ريب في أنه محمول على ما في باب الوكالة». ومثله: ما قدمناه مما ذكره في أوائل «باب العدة» من صحة إسلام المكره، وإنما يعني به - إن شاء الله - الحربي. ومنها: أن يكون كل منهما في محلّ يمكن - ولو على بعد - ملاحظة التفرقة بينهما، كما قال الرافعي في الظافر بغير جنس حقّه، كظافِرٍ بثوبٍ ودَينُه حِنطةٌ: إنَّ الثوب يباع بنقد البلد، ويُشترى به الحنطة، قال: «وحكى الإمام عن محققي الأصحاب جواز أن يشتري الحنطة بالثوب، ولا يوسّط النقد بينهما، وقد سبق نظره» (٢)، انتهى.

стр. 610

وليس مخالفًا لجزمه في «باب التفليس» بوجوب بيع مال المفلس بنقد البلد حالا، ثم إن كانت الديون من غير جنس ذلك النقد ولم يرض المستحقون إلا بجنس حقهم … إلى آخر ما ذكره (١)، وقد ذكرنا هذا المكان في «التوشيح» فلا نعيده (٢). ومنها: أن يكون كلُّ واحدٍ منهما مطلقًا، غير أنَّ القرائن تدلُّ على تقييد كل منهما بقيد ينافي الآخر، فلا مخالفة، بل لكلِّ محلّ، وهذا سواء كانا مقصودين وفي مظنتهما أم لا. مثاله: قول الرافعي في «باب السير»: «يجوز سبي (٣) منكوحة الذمي»، مع قوله في «باب الجزية»: «إنَّ عقد الذمَّة يَسْتَتْبَعُ الزوجة» (٤)، فقد قال ابن الرفعة (٥): «محلُّ ما في «الجزية» زوجته الموجودة حين العقد، أو الداخلة تحت القدرة، وما في «السير» زوجته التي تزوجها وتركها في دار الحرب، أو فيمن لم تدخل تحت القدرة»، وهذا صحيح، وليس هو من التناقض في شيء. ومثله: قال في أثناء (٦) «السير» فيما إذا أفلتوا الأسير على أن يبعث إليهم مالا: «إنه لا يجب بعثه»، وقال في آخر الباب: «لو قال الأسير للكافر: "أطلقني على كذا"، ففعل؛ لزمه ما التزم» (٧)، فمحلُّ الأول إذا مكنوه من الخروج وشرطوا

стр. 611

البَعْثَ، ومحلُّ الثان إذا كان عندهم لا مكنونه من الخروج إلا بالبذل. وقرب من هذا أنَّ الرافع قال فما إذا قال القاتل: "أنا صغر": «فلا قصاص، ولا مكن تحلفه؛ لأنَّ التحلف لإثبات المحلوف عله، ولو ثبت صباه لبطلت منه» (١)، وذكر ابن الرفعة ف «المطلب» أنَّ عدم تحلفه قولُ القاض أب الطب، وأنَّ ابن الصباغ والماورد حكًا عن المذهب أنَّ عله المن، وأن أبا إسحاق قال: «إذا أوجبناها أُخرَت إلى البلوغ». قلت: فأظنُّ أنَّ قول الرافع: «ولا مكن تحلفه» المراد به: ف ذلك الوقت، ولم يرِدْ أنَّ الخصومة تنقطع، بل إذا تحقق بلوغه طلبناه بالمن، فلعل الوجهن ف أنه هل يُحلّف الآن، وكون الرافع حنئذ جزم بالأرجح، فإنَّ الأرجح أنه لا يحلف الآن، ولكن لا تنته الخصومة. فإن قلت: أو كون محلُّهما ف أنه هل يحلّف بعد البلوغ مع الجزم بأنه لا يُحلف الآن. قلتُ: لو حُمِلَ على ذلك لكان ما ف «الرافع» على خلاف الأرجح (٢)، ولا حامِلَ (٣) على الحمل على ذلك إلا استبعاد تحلف من لو ثبت صباه لبطلت منه، وقد رجح الرافع ف كتاب (٤) الدعاوى قول ابن القاص فما إذا جاء واحد من الغزاة طلب سهم المقاتلة: «إنه يحلّف» (٥)، ونحن ذكرنا هذا في

стр. 612

«التوشيح»، فقد قيل على الجملة بتحليف من هذه صفته، فلا يبعد الخلاف هنا. ومنها: إذا غلب على الظن أن أحد اللفظين غير مقصود به ما فهم عنه من المخالفة، كقول الغزالي: «وما عداها - يعني الجنايات الموجبة للحد - يوجب التعزير» (١)، قد يُفهم قوله: «يوجب التعزير» أنَّ التعزير واجب، ويتطرّق منه إلى اعتراض عليه، فإن التعزير عندنا - معاشر الشافعيين - لا يجب، وإنما يتبع الإمام المصلحة، ولم يُحكَ وجوبه إلا عن أبي حنيفة، وفي حق الله على وجه، وقد اتَّبع صاحبًا «التعجيز» و «التمييز» الغزالي في هذه العبارة. والخلل هنا من الفاهم، فإنَّ معنى قوله: «يوجب»: يقتضي، وقد يقال: هذا (٢) مُوجَبُ هذا، أي: مقتضاه، لا أنه يصير واجبًا شرعًا، وكذلك (٣) قال الغزالي عقبه: «وأما أصل الوجوب فهو إلى رأي الإمام، وقد يرى العفو» (٤)، انتهى، فبان بهذا معنى الوجوب في كلامه، وقد يقال: معنى الوجوب أنه يجب على مرتكب الذنب أن يمكّن من نفسه، أو أنه يجب شرعاً إذا تعين مصلحة. ومنها: أن يقع ذكره للتمثيل مع ذكر غيره، فنعرف أن الذهن سرى إلى التمثيل به وعده من غير تأمل مع غير شبهة. ومن غريب ذلك: الشهادة على اليد بالاستفاضة، عدها الرافعي في أوائل الباب الثالث في «مستند علم الشاهد» مما لا يجوز، فإنه قال: «إنَّ الأفعال كالزنا

стр. 613

و (الشرب) إلى أن قال: «وكون المال في يد الشخص ممّا يُشترط فيه الرؤية، ولا (١) يجوز بناء الشهادة فيه على السماع» (٢). قلت: وذاك بحثٌ له هو (٣)، وليس هو المنقول، ألا تراه قال بعد ذلك بأوراق: «إنَّ (٤) ابن كَجّ ذكر أنه تجوز الشهادة على اليد بالاستفاضة»، قال: «وقد ينازع فيه؛ لإمكان مشاهدة اليد» (٥). واعلم أنَّ ما ذكره ابن كَجّ هو منصوص الشافعي، نقله أبو الحسن الجوري في «المرشد» وقال: «إنه متفق عليه، وإن اختلف في ثبوت الملك بالاستفاضة المذكور في غير مظنَّته» (٦). إشارة: ما تقدم هو في أمرين تعارضا، سواء أكان أحدهما في مظنته دون الآخر، أم كلّ منهما في مظنته، أم في غير مظنته، وثَمَّ مسائل لم تُذكر إلا في غير مظنتها، ولم يتناقض فيها الكلام. وقد يقول فيها قائل: إنها تُعتمد مطلقا؛ لعدم ما ينافيها، والتحقيق أنه يُنظَر فيها، فإن وقعت في غير المظنَّة غير مقصودة بالذات، وإنما دعا إليها استطراد الكلام = فلا بُدَّ من عرضها على ميزان التحقيق وما تقتضيه أصول قائلها، وإن

стр. 614

وقعت في غير مظنتها ولكن مقصودةً بالذات فإنها تُعتمد. وقد عرفت ما نعنيه بالاعتماد، وهو أنا نُسندها إلى مصنفها، ونضيفها إلى قائلها، ونجزم القول عليه بأنه قوله ومعتقده، قد قاله عن قصد وروية، لا أنه الواقع في نفس الأمر، فإنَّ المصنف ربما أخطأ. وللقسمين أمثلة كثيرة، أذكر منها هنا ما لعلك لا تجد غيري سبق إلى التنبيه عليه. فمنها الطهارة مسألة: تنجس الخف بخَرزه بشعر الخنزير، المسألة المشهورة التي حكى فيها الرافعي أنَّ أبا زيد كان يصلي فيه النفل دون الفرض، وموضع المسألة الطهارة، ولم يذكرها الرافعي إلا في أواخر الأطعمة (١). ومنها: ذكر في «باب التيمم» أنَّ أبا علي الزجاجي والماوردي وآخرين (٢) ذكروا في عطشان معه ماء طاهر وآخر نجس: أنه يشرب النجس ويتوضأ بالطاهر (٣). قلت: وهو ما ذكر الشيخ أبو حامد في «الرونق»، والمحاملي في «اللباب»، كلاهما في باب الأشربة: أنَّ الشافعي نص عليه في كتاب حرملة، لكن صحح النووي أنه يشرب الطاهر ويتيمم، وهو الذي يظهر إن كان النجس مما تعافه النفس (٤).

стр. 615

ومنها: قال في «باب حد الخمر»: «النَّدُّ (١) المعجون بالخمر نجس، قال في «الشامل»: ولا يجوز بيعه، وكان ينبغي أن يُجعَل كالثوب النجس؛ لإمكان تطهيره بالنقع في الماء، ومَن تَبَخَّرَ به هل يَنجُس؟ ذُكِرَ فيه وجهان بناءً على الخلاف في دخان النجاسة» (٢)، انتهى كلام الرافعي، وقد اشتمل على مسألتين: إحداهما من الطهارة، والثانية من البيع. وقوله: «ومن تَبَخَّرَ به … » إلى آخره، الوجهان حكاهما ابن الصباغ عن حكاية القاضي أبي الطيب. وقوله: «بناء على الخلاف»، هذه زيادة زادها الرافعي من قبل نفسه، جعلها مأخذا للوجهين، وفيها نظر؛ فإنه لم يتمحض دخان نجاسة، وقد قال الرافعي قريبًا قبل ذلك: «إن تطهيره ممكن». والحاصل: أنَّ الوجهين في دخان النجاسة لا في دخان المتنجس، والموجود هنا متنجس ممكن التطهير لا دخان نجاسة. وأما قول الرافعي: «إنَّ النَّدَّ كالثوب المتنجس؛ لإمكان التطهير»، فقد يُمنع إمكان التطهير ويقال: نَقعه بالماء لا يقتصر على زوال النجاسة، بل يُذهب ماليته بالكليَّة، ويُخرجه عن أن يُنتفع به. ومنها: لو قال في نيَّة الوضوء: "إن شاء الله" قاصدًا التبرُّك؛ صحَّ، قاله في «صفة الصلاة»، وقد قدَّمناه. ومنها: ترك مسح الخفّ مكروه لمن يجد في نفسه كراهته رغبةً عن السُّنَّة،

стр. 616

وكذا حكم سائر الرخص، صرح به الرافعي آخر صلاة المسافر (١). ومنها (٢): المشرك والمشركة يمكنان من المكث في المسجد واللعان فيه حال الجنابة، قال الرافعي: «هذا هو الظاهر»، وفيه وجه، ذكره في «اللعان»، وموضعه (الصلاة) (٣). ومنها: الأذان لا يتوقف الاعتداد به على النيَّة، وإذا جوزنا الإجارة عليه فعلام تؤخذ الأجرة؟ فيه أوجه المسألة مذكورة في «باب الإجارة»، وحكى صاحب «البحر» في «باب إمامة» المرأة وجهين في احتياج الأذان والوقوف بعرفة إلى نية (٤) صفة الصلاة ومنها: لو كبر للصلاة ثم كبر ثانيًا؛ بطلت بالثانية وانعقدت بالثالثة، وهكذا، من شهيرات مسائل صفة الصلاة، وقد زادها النووي فيه، ولم يذكرها الرافعي إلا في (البيع عند الكلام فيما إذا باع المبيع في مدة الخيار، وفي «الشفعة» عند الكلام في تصرف المشتري في الشَّقص (٥). ومنها: لو قال: "صل لنفسك ولك دينار " فصلى؛ أجزأته، وظاهر كلامه أنه لا يستحق الدينار، ذكره في «الظهار».

стр. 617

وكذلك بيعُ المسكن والخادم لستر العورة ذكره في «الظهار» (١). وقال في «باب القَسْم والنشوز»: «لا ينبغي أن يتخلَّف بسبب الزَّفاف عن الجماعات … » إلى آخر ما ذكره. وقال في «كتاب النكاح»: «إِنَّ الزوجة الكتابية تُمْنَع من البيع والكنائس كما تُمْنَع المسلمة من المساجد» (٢). وكلُّ هذه المسائل من «الصلاة». ومن مُهِمَّات المسائل في الدين، ولم يذكرها إلا في غير مظِنَّتها استطراداً: صلاةُ التسبيح، والحديث عندي فيها قريبٌ من الصحة، قد خرَّجه أبو داود، والترمذي، وابن خزيمة في «صحيحه»، والحاكم في «مستدركه» (٣)، وقال الدَّارَقُطْني: «أصحُّ شيءٍ في فضائل الصلوات فضلُ صلاة التسبيح» (٤)، ونص على استحبابها من أصحابنا الشيخ أبو حامد، والمحاملي، والشيخ أبو محمد، وولده إمامُ الحرمين، والغزالي، والروياني، والرافعي، والمتأخرون، آخرُهم الوالدُ في «شرح المنهاج»، وغالبهم لم يذكر المسألة إلا في غير مظِنَّتها (٥)، وبحقٍّ قال الروياني في «البحر» (٦): «يُستحبُّ أن يعتادها في كلِّ حين، ولا يتغافل عنها».

стр. 618

ولا ينبغي أن يُغترَّ بما فهم عن النووي في «الأذكار» من ردِّها، فإنه اقتصر على رواية الترمذي، ورأى قول العقيلي: «ليس فيها حديث صحيح ولا حسن»، والظنُّ به ﵀ أنه لو استَحْضَرَ تخريج أبي داود لحديثها وتصحيح ابن خزيمة والحاكم؛ لما قال ذلك (١). ولم يحسن من ابن الجوزي ادعاؤه أن حديثها موضوع (٢). وقد كان عبد الله بن المبارك يواظب عليها، غير أنه كان يُسبِّح قائما قبل القراءة خمس عشرة مرة، ثم بعد القراءة عشراً، ولا يُسبِّح عند رفع الرأس من السجود، وهذا يغاير حديث ابن عباس ﵁، فإنَّ الذي فيه أنَّ الخمس عشرة بعد القراءة، والعشرة بعد الرفع من السجدتين، وجلالة ابن المبارك توقف عن مخالفته، وأنا أُحِبُّ العمل بما تضمنه حديث ابن عباس ﵁، ولا يمنعني من التسبيح بعد السجدتين الفصل بين الرفع والقيام، فإن جلسة الاستراحة حينئذ مشروعة، فلا يُستنكر الجلوس للتسبيح في هذا المحل. وينبغي للمتعبد أن يعمل بحديث ابن عباس ﵁ تارةً، وبما عمله ابن المبارك أخرى، وأن يفعلها بعد الزوال قبل صلاة الظهر، وأن يقرأ في كل ركعة بعد «الفاتحة» تارةً من طوال (٣) المفصَّل، وتارةً الزلزال (٤) والعاديات وسورة الفتح (٥) وسورة الإخلاص، وتارةً ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ والعصر و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾.

стр. 619

وَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وأن يكون دعاؤه بعد التشهد وقبل التسليم: اللهم إني أسألك توفيق أهل الهدى، وأعمال أهل اليقين، ومناصحة أهل التوبة، وعزم أهل الصبر، وجد أهل الجنة، وطلبة أهل الرغبة، وتعبد أهل الورع، وعرفان أهل العلم، حتى أخافك، اللهم إني أسألك مخافةً تحجزني عن معاصيك، وحتى أعمل بطاعتك عملا أستحق به رضاك، وحتى أناصحك في التوبة خوفًا منك، وحتى أُخلِصَ لك النصيحة حبًّا لك، وحتى أتوكَّل عليك في الأمور كلها، حَسَن الظن بك، سبحان خالق النور. ثم يسلّم، ثم يدعو بحاجته، ففي كل شيء ذكرتُ وردت سنَّةٌ. وللحافظ أبي سعد ابن السمعاني في صلاة التسبيح مصنف لم أقف عليه، ولأبي موسى المديني الحافظ (١) كتاب حافل سماه «دستور المذكّرين ومنشور المتعبدين»، جمع فيه فأوعى، ذكر فيه جميع ما ذكرناه مسندا، غير أنَّ منه الضعيف، فينبغي عمله وإن لم يصح؛ لأنه لا ينافي ما صح، لا سيما وهو في فضائل الأعمال. وقد أحببت أنا مرةً أن تكون السور فيها أربعاً من الخمس المسبحات: الحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن، إلا أني لم أجد في ذلك سُنَّةً، غير أنه ورد طوال المفصل، وهنَّ منه، واسمهنَّ يناسب اسم هذه الصلاة. وإنما أطلت في هذه الصلاة لإنكار النووي لها، واعتماد أهل العصر عليه،

стр. 620

فخَشِيتُ أن يغتروا بذلك، فينبغي الحرص عليها، وما من يستمع عظيم الثواب الوارد فيها ثم يتغافل عنها إلا متهاون بالدين، غير مكترث بأعمال الصالحين، لا ينبغي أن يُعَدَّ من أهل الحزم في شيء، نسأل الله السلامة. الجنائز مسألة (١): قال: "إن ولدت ذكرًا فأنتِ طالق طلقة، أو أنثى فطلقتين"، فولدت ميتًا ولم يُعرف، فهل ينبش قبره ليُعرف؟ قال أبو العباس الروياني: «يحتمل وجهين»، ذكره الرافعي في «الطلاق» قُبيل التعليق بالحيض، وقال النووي: «الراجح (٢) النبش» (٣). الحج مسألة (٤): من فاته الوقوف حتى طلع الفجر الثاني يوم النحر فقد فاته الحج ويتحلّل، فلو لم يفعل لم يبق محرما (٥)»، قاله الرافعي في باب صلاة الجمعة في أثناء الاستدلال، وبه صرّح الماوردي في «كتاب الحج» (٦). مسألة (٧): قال في «كتاب (٨) النفقات»: «الأصح أن للزوج منعها من

стр. 621

المبادرة إلى الفرائض أوَّلَ وقتها، بخلاف الحج» (١). مسألة (٢): وقال في «التفليس»: «لو كان له ضيعة موقوفة عليه، أو أم ولد؛ لم تجب إجارتها لأجل الحج» (٣). البيع (٤) مسألة (٥): قال في «كتاب النكاح»: «لو قال: "بعني"، فقال البائع: "قد فعلتُ"، أو: "نعم"؛ صح، وكذا لو قال البائع: "بعتُكَ، أقبلت؟ "، فقال المشتري: "نعم"، أو قال: "نعم" من غير قول البائع: "أقبلت؟ "، ولو قال: "بعتك"، فقال: "قبلتُ "؛ صح، وحكى الحناطي وجها أنه لا ينعقد حتى يقول: "قبلت البيع "» (٦) مسألة (٧): وجزم في «الصداق» بأنه إذا قال: "بعتك على أن تعطيني عشرة "، صح، ذكره عند الكلام فيما إذا تزوجها (٨) على أنَّ لأبيها ألفًا (٩). وفي «باب (١٠) الخلع» مسائل كثيرةٌ من «كتاب البيع».

стр. 622

مسألة (١): وفي «باب الإقرار» عن أبي العباس الروياني في «الجرجانيات»: أَنَّ "بعتك بدرهم فدرهم" بيع بدرهمين، على قياس: "أنتِ طالق فطالق" (٢). مسألة: وذكر النووي من زياداته: «ولو ولدت الجانية لم يتعلق الأرش بالولد قطعًا»، قال: «ذكره القاضي أبو الطيب في نماء الرهن» (٣). قلت: وذكره الرافعي في موضعين، أحدهما: في «كتاب النكاح» قُبَيل تزويج السيد أمته هل هو بالملك أو بالولاية؟ والثاني: قُبَيل الكلام في غُرَّة الجنين، فليس ذلك من الزيادات، وفي «باب الأطعمة»: «أنه يجوز للولي بيع مال المحجور نسيئةً للمضطر»، وهي من مسائل «باب الحجر» (٤). مسألة: وفي «كتاب الدعاوى» عن أبي علي الثقفي: «لو باع بيتًا من دار، وسمَّى له طريقًا، ولم يُبيّن قَدْرَه = لا يصح» (٥). مسألة (٦): وفي «كتاب (٧) الهبة»: «إذا باع لابنه من نفسه، فهل يحتاج إلى الإيجاب والقبول، أو يكفي أحدهما؟ وجهان، قال الإمام: وموضع الوجهين في شق القبول ما إذا أتى بلفظ مستقل، بأن يقول: "اشتريت لطفلي"، أما لو قال:

стр. 623

"قبلت البيع "، فلا يمكن الاقتصار عليه بحال» (١). مسألة: اشترى منه ثوبًا، وعاقد عقد السبق بعشرة، فإن جعلنا المسابقة لازمة، فكالجمع بين بيع وإجارة، وفيه قولان، أو جائزة؛ لم يجز؛ لأن الجمع بين (٢) لازم وغير لازم لا يمكن، قاله الرافعي في «باب المسابقة» نقلا عن الصيدلاني وغيره (٣). مسألة (٤): ومن مليح مسائل البيع: ما ذكره الرافعي في «باب القراض»: أنه لو انفسخ البيع ثم أراد إعادته، فقال البائع: "قرّرتُكَ على موجب العقد الأول"، وقبل صاحبه = فوجهان: قال الشيخ أبو محمد: «لا ينعقد؛ لارتفاع العقد السابق، وهذا ابتداء عقد، وليس فيه لفظ صالح للابتداء»، وخالفه ولده الإمام (٥). مسألة: ذكَرَ في كتاب الصداق أنَّ الأوجُه في بيع الجارية المغنية مفرعةٌ على أحد الوجهين فيما إذا غصب جاريةً مغنيةً فنسيت عنده الألحان؛ أنه لا يَرُدُّ ما نَقَصَ من قيمتها بسبب النسيان؛ لأنه مُحَرَّم (٦). مسألة: وفي «كتاب الهبة»: ولو باع على صورة العُمرى فقال: "ملكتك بعشرة عمرك " فيه خلاف بين أبي علي الطبري وابن كج، وقد تقدم في «باب المرسل» (٧).

стр. 624

مسألة: لو قال: "بعتك داري هذه" وحدَّدها وغلط في حدودها؛ صحَّ البيع، بخلاف "الدار التي في محلة كذا" إذا غلط في حدودها؛ لأنَّ التعويل على الإشارة. فلو قال: "داري" ولم يقل: "هذه "، وغلط في التحديد، ولم يكن له دار سواها = وجَبَ أن يصح؛ تفريعاً على أصح الوجهين المذكورين فيما إذا قال: "زوجتك بنتي فلانة" وذكر غير اسمها، ذكر ذلك الرافعي في «النكاح» (١). مسألة: وقال في «الدعاوى»: إنه يجوز الاعتماد في الشراء على اليد على البالغ (٢) الساكت وهو مُسترَقٌ (٣)، واكتفى بأنَّ الظاهر أنَّ (٤) الحرَّ لا يُسترَقُ خلافًا للشيخ أبي محمد (٥). مسألة: وفي «باب الجزية» مسألة ما إذا باع الذمي الخمر بين يدي المسلم، وأخَذَ ثمنها ودفعها للمسلم عن دين له عليه؛ هل يُجبر على القبول؟ والأصح: لا يجوز فضلا عن الإجبار (٦). مسألة: إذا تصرف أحد الشريكين هل يُحمل على الإشاعة، أو يختص تصرفه بنصيبه؟ هذه مسألةٌ عظيمة أطلنا الكلام عليها في «الأشباه والنظائر»، وفيها خلاف وتفصيل، وقد ذكرها الرافعي في «الرهن» و «الشركة» و «الإقرار»

стр. 625

و «الصداق» و «العتق» (١). مسألة: وقال في «كتاب الكتابة»: «إنَّ الحمل يتبع الأمَّ في البيع، حتى لو وضعت ولداً وفي بطنها آخر؛ فالولد الثاني مبيع معها وإن كان الأول للبائع، كذا ذكره في «التهذيب»، وحكى الصيدلاني ما يقتضي خلافه» (٢). قلت: والمسألة عظيمةُ الخَطْب، طويلة الذيل، ذكرها الإمام في آخر «النهاية»، والروياني في «الكتابة»، والبغوي استطراداً، فتبعهم (٣) الرافعي، وقد بسطت الكلام عليها في موضع آخر (٤). العبد المأذون ذكر في «كتاب التفليس» أنه لو باع شيئاً بغير إذن مولاه، وفرَّعنا على صحة البيع؛ تعلق الثمن بذمته، يُتَّبع به بعد العتق، وفي ثبوت الخيار للبائع (٥) أوجه، ثالثها: الأصحُّ يثبت إن لم يكن عالماً (٦). القرض نقل في «الشُّفْعة» عن صاحب «التتمة»: أنه إذا استقرض شيئاً أخذه الشفيع

стр. 626

بقيمته، وإن قلنا: المستقرض يردُّ المثل؛ لأنَّ القرض مبني على الإرفاق، والشفعة ملحقة بالإتلافات (١). الرهن ذكر في (باب الظهار (٢)) أنه يُشبه أن يجيء في الاستمتاع بالجارية المرهونة خلاف (٣) الحجر مسألة (٤): ذكر في (باب الأطعمة) أنه يجوز للولي بيع مال المحجور عليه للمضطر نسيئة (٥). مسألة (٦): وقال في «باب (٧) التفليس»: «إنَّ ولي الطفل إذا وجد ما اشتراه له معيبًا، ولكن الغبطة في إبقائه؛ لا يردُّه، ولا يثبتُ الأرش في هذه الصورة»، وموضعه «باب الحجر» (٨). الوكالة وقال في «باب الوكالة» فيمن أباح الطعام لغيره: «إنه لا يرتد برد المباح

стр. 627

له» (١)، ذكره أثناء تعليل، وهو المشهور، لكن في «المهذب» أنَّ للوكيل عزل نفسه؛ لأنه أذِنَ في التصرف فجاز إبطاله، كالإذن في أكل طعامه (٢)، وظاهر هذا ارتداد الإباحة إلا أن يُحمل على إبطاله فعلا بأن لا يأكل. مسألة (٣): وذكر في كتاب الطلاق من مسائل الوكالة: أنه لو وكَّل إنسانًا بالبيع في اليوم والغد وبعد الغد؛ فله الردُّ في بعض الأيام دون بعض. مسألة (٤): وفي الفروع آخِرَ الرد بالعيب، وكذا في «كتاب الرهن» قبل قوله: «وعلى الراهن مؤنة المرهون» = أنه لو وكل وكيلا ببيع عبد فرد عليه بالعيب؛ فالأصح أنه (٥) ليس له بيعه ثانيا (٦). الإقرار مسألة (٧): من مليح المسائل: إذا أقرَّ لمنكر سُمِع إقراره به ثانيًا لغيره، نقله في «الباب الثاني» من كتاب اللقيط عن ابن سريج أنه ذكره محتجا به لمسألة أخرى، وعليه كلام ذكرته في «الطبقات» (٨). مسألة: إذا قال: "ما تشهد (٩) به عليَّ فأنت عدلٌ صادق"؛ لم يكن

стр. 628

إقرارا، قاله في كتاب القضاء في «الفصل الرابع» في التزكية، ويُطلب الفرق بينه وبين: "إن شهد فلان وفلانٌ فهما صادقان"، أو: "إن شَهِدَ شاهدان فهما صادقان (١)، ففي كونه إقرارًا وجهان، ذكرهما الرافعي في «باب الإقرار» نقلًا عن صاحب «الحلية»، وسكت على تصحيح أنه إقرار، قلت: وهو المجزوم به في «التنبيه» في مسألة: "إن شهد شاهدان (٢) مسألة (٣): وذكر في الطلاق من مسائل الإقرار أنه لو قال: "علي ثلاثة أنصاف درهم"، فوجهان، أحدهما يلزمه درهم ونصف، والثاني: درهم. مسألة (٤): وأنه لو قال: "الفلان علي نصف هذين العبدين" كان إقرارًا بالنصف من كلّ منهما، فلو قال: "أردتُ به هذا العبد" لم يقبل. مسألة (٥): وأنه لو قال: "له علي نصف درهمين"؛ قال الشيخ أبو علي: لا يلزمه بإجماع الأصحاب إلا درهم واحد. مسألة (٦): وأنه لو قال: "علي ثلث درهمين"، فالواجب ثلثا درهم بلا خلاف (٧) مسألة: لو قال: اشهد عليَّ بما في هذه القبالة (٨)، وأنا عالم به"؛

стр. 629

صحح الغزالي أنه يشهد على إقراره إذا حفظها وأمِنَ (١) التحريف، وقطع الصيمري بأنه غير إقرار، ذكره الرافعي في «باب القضاء على الغائب» (٢). وقد تكلمتُ على المسألة في «الطبقات الكبرى» في ترجمة ابن الصلاح لما ذكرت قوله: «إنَّ قول المرء: اشهدوا عليَّ بكذا" ليس بإقرار»، وأنَّ المسألة مصرح بها في «عدة» الطبري، وإشراف الهروي، ونازعتُ ابن الصلاح في فتياه، فبيَّنتُ وأوضحت أنَّ تلك صيغة إقرار فيما لا يظهر غيره، وأن تصحيح الغزالي شاهد لها، بل أفتى الغزالي فيمن قال: اشهدوا علي أني وقفت جميع أملاكي" بصيرورة الكلّ وقفًا بهذه الصيغة، وفي ذلك رد على ابن الصلاح، وتأييد لمن فهم من «الوسيط» خلاف ما قاله (٣). الجعالة إذا تعلقت الجعالة بمعين بأن يقول: "إن رددت عبدي فلك كذا"؛ ففي اشتراط قبوله وجهان ذكرهما الرافعي في «باب المسابقة» نقلا عن الإمام (٤). اللقطة ذكر في «الرهن»: أنه لو غصَبَها من يد الملتقط، فردها على الملتقط؛ لم يبرأ من الضمان (٥).

стр. 630

الفرائض مسألة (١): إذا وطئ اثنان امرأةً بشبهة، وأتت بولد، واشتبه الحال؛ فللأم من ماله الثلث، فإن كان لها ولدان آخران فوجهان، أحدهما: الثلث؛ للشك في أنهما أخوان للميت، والثاني: السدس؛ لأنه المستيقن، ذكره في تداخل العِدَّتين (٢). مسألة: إذا مات زوج أم الولد وسيدها، ولم يُعلم السابق؛ فلا ترث من الزوج؛ لأنا لا نعلم حريتها عند موته، والأصل دوام الرق، فإن ادعت علم الورثة بحريَّتها يومَ موت الزوج، فعليهم الحلف على نفي العلم، ذكره في «الاستبراء» (٣). الوديعة ذكر في «الرهن» أيضًا أنه لو غصبها من المودع، ثم ردَّها عليه؛ برئ، وفيه وجه (٤). مسألة (٥): وذكر في «الجراح» مسألة ما إذا وثب الصبي وأتلف ماله المودع، وقد قدمناها (٦).

стр. 631

الجنايات (١) قال في «كتاب الرهن»: «إذا جنى العبدُ المشترك، وأدّى أحدُ الشريكين نصيبه؛ انقطع التعلّق عنه» (٢). التعزير (٣) مسألة (٤): قال في «كتاب اللعان»: «إِنَّ الصبيَّ المُمَيِّز يُعزَّر على القذف، فإن لم يتفق تعزيره حتى بلغ فعن القفال:: يسقط عنه التعزير … » إلى آخر ما قاله (٥)، ومن العجيب وهم بعض الناس على صاحب «البحر»، فعزا إليه أنه حكى وجهين في وجوب حد الزنا على الصبي، وذلك غلط فاحش بينته في «الطبقات»، لم يقله (٦) صاحب «البحر» (٧) ولا أحد. الذبائح (٨) والأطعمة مسألة (٩): نقل في باب صول الفحل عن إبراهيم المروذي (١٠): «أَنَّ

стр. 632

الحلال إذا قتل دابَّةً دفعاً ولم يُصب المذبح لم يحِلَّ، وإن أصاب فوجهان؛ لأنه لم يقصد الذبح والأكل)، انتهى (١)، وقضيَّته أنَّ المُحْرِم إذا قتل صيدا صالَ عليه فلا يَحِلُّ بطريق أولى، وهو فرع مليح. المسابقة (٢) قال في الطلاق قبل التعليق بالحيض: لو أخرج رجل دينارًا للمتسابقين وقال: «من جاء منكما أولاً فهو له»، فجاءا معا، لم يستحقا شيئًا (٣). الأيمان (٤) مسألة (٥): ذكر في «الإيلاء» أنه لو حلف لا يطأ فلانةً، فوطئها بعد الموت، فأوجه، ثالثها: الفرق بين ما قبل الدفن وبعده. مسألة (٦): وأنه لو قال لزوجته: "والله لا أطؤك"، أو: "إن وطئتك فعبدي حر؛ يحنث ويقع العتق بالوطء وإن وقع على صورة الزنا بلا خلاف، وأن الإمام قال: «الذي أراه أنَّ الإتيان في غير المأتى كالإتيان في المأتى في حصول الحنث» (٧). قلت: وحكى الغزالي فيه وجهين في الفتاوى، ورجَّح عدمَ الحِنث (٨).

стр. 633

الدعاوى (١) مسألة (٢): قال في «باب الإقرار»: لو شهدت بينةٌ أنَّ فلانا أقر بأنَّ له دار كذا، وكانت ملكه إلى أن أقرَّ؛ كانت الشهادة باطلةً، وقد حكاه العبادي عن نص الشافعي، وتردد ابنُ الرّفعة في سماع هذه الشهادة إذا كان المقر له يقيمها (٣)؛ لأنها (٤) شهادة لمن لا يدعيها وهو المقر (٥). الشهادات حكى في «باب الدعاوى» وجهين في جرح الشهود، هل يكفي فيه شاهد ويمين؟ بناهما على خلاف حكاه، ورجح فيه ما قضيّته: أن يكون الراجح (٦) عنده عدم الاكتفاء. وبهذا يُعلم أن قوله في «باب الشاهد واليمين»: «إن مما لا يثبت إلا بشاهدين جَرحُ الشهود» = مطَّرِدٌ، وأنَّ استثناء ابن الرفعة منه (٧) تكذيب المدعي لشهوده قائلا: «إنه يُحكم فيه بشاهد ويمين كما قاله في البحر» (٨) = غير مسلّم عند الرافعي، وغير محتاج أن يُعزى إلى «البحر»، وفيه وجهان منقولان، فلو

стр. 634

استحضر ابن الرفعة ما في «باب الدعاوى» من الوجهين لما قال ذلك، وهذا من آفة وضع الشيء في غير مظنّته. ومن مسائل القسمة (١) حكى في «باب الرهن» وجها أنه لا حاجة إلى إذن الشريك في قسمة المتماثلات؛ لأنَّ قسمتها إجبار، والمذهب أنه لا بد من مراجعته (٢). مسألة (٣): وكثرت منه حكاية وجوه لا ذكر لها في مظنتها، كوجه حكاه في «باب الظهار» فيمن نوى استباحة صلاة بعينها: أنَّ الاستباحة تقتصر عليها، وهو خلاف المجزوم به في باب الوضوء، وإنما حكى فيه الوجه فيمن نفى غيرها (٤). مسألة: وقال في «الظهار» أيضًا: «قيل: لو سمع المتيمّم إنسانًا يقول: "عندي ماء أودعنيه فلانٌ"؛ بطَلَ تيممه، بخلاف: "أودعني فلان ماءً"»، ولم يذكره في التيمم، وقد حكاه القاضي الحسين في «باب التيمم» من «فتاويه» عن شيخه القفال (٥). مسألة (٦): وحكى في «النكاح» عن ابن حربويه اجتناب الحائض في

стр. 635

جميع بدنها، ولم يذكره في ((الحيض) (١). مسألة: وفي اللعان) عن حكاية الإمام وجها ضعيفًا أنه يتصور احتلام الصبي بعد مضي ستة أشهر من السنة التاسعة، وأن على هذا الوجه لو أتت بالولد كما طعن (٢) في العاشرة؛ لم يلحقه»، قال: وهذا لم يَجْرِ له ذكر في «الحجر» (٣). وحكى في «باب الكتابة» وجهًا عن الشيخ أبي محمد قاله ابن كج احتمالا: إنَّ من شرط المشتري القدرة على دفع الثمن (٤). وحكى في «باب الهبة وجها أنا إذا فرعنا على أنه يجوز رهن الدين؛ افتقر إلى القبض، ولو استحضره (٥) ابن الرفعة في مظنَّته لما اقتصر على عزو المسألة إلى «البيان» (٦). مسألة (٧): وفي أواخر باب الإجارة وجها أنه لو استعار شيئًا ليؤجره جاز، ولا ذكر لهما (٨) في باب الرهن» (٩). مسألة: وقال في أواخر «باب النذر»: «أغرب ابن كج فحكى وجها أنه
следующие страницы →