← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30157

ترشيح التوشيح وتوضيح الترجيح

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (808 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الجنايات (١) قال في «كتاب الرهن»: «إذا جنى العبدُ المشترك، وأدّى أحدُ الشريكين نصيبه؛ انقطع التعلّق عنه» (٢). التعزير (٣) مسألة (٤): قال في «كتاب اللعان»: «إِنَّ الصبيَّ المُمَيِّز يُعزَّر على القذف، فإن لم يتفق تعزيره حتى بلغ فعن القفال:: يسقط عنه التعزير … » إلى آخر ما قاله (٥)، ومن العجيب وهم بعض الناس على صاحب «البحر»، فعزا إليه أنه حكى وجهين في وجوب حد الزنا على الصبي، وذلك غلط فاحش بينته في «الطبقات»، لم يقله (٦) صاحب «البحر» (٧) ولا أحد. الذبائح (٨) والأطعمة مسألة (٩): نقل في باب صول الفحل عن إبراهيم المروذي (١٠): «أَنَّ

стр. 632

الحلال إذا قتل دابَّةً دفعاً ولم يُصب المذبح لم يحِلَّ، وإن أصاب فوجهان؛ لأنه لم يقصد الذبح والأكل)، انتهى (١)، وقضيَّته أنَّ المُحْرِم إذا قتل صيدا صالَ عليه فلا يَحِلُّ بطريق أولى، وهو فرع مليح. المسابقة (٢) قال في الطلاق قبل التعليق بالحيض: لو أخرج رجل دينارًا للمتسابقين وقال: «من جاء منكما أولاً فهو له»، فجاءا معا، لم يستحقا شيئًا (٣). الأيمان (٤) مسألة (٥): ذكر في «الإيلاء» أنه لو حلف لا يطأ فلانةً، فوطئها بعد الموت، فأوجه، ثالثها: الفرق بين ما قبل الدفن وبعده. مسألة (٦): وأنه لو قال لزوجته: "والله لا أطؤك"، أو: "إن وطئتك فعبدي حر؛ يحنث ويقع العتق بالوطء وإن وقع على صورة الزنا بلا خلاف، وأن الإمام قال: «الذي أراه أنَّ الإتيان في غير المأتى كالإتيان في المأتى في حصول الحنث» (٧). قلت: وحكى الغزالي فيه وجهين في الفتاوى، ورجَّح عدمَ الحِنث (٨).

стр. 633

الدعاوى (١) مسألة (٢): قال في «باب الإقرار»: لو شهدت بينةٌ أنَّ فلانا أقر بأنَّ له دار كذا، وكانت ملكه إلى أن أقرَّ؛ كانت الشهادة باطلةً، وقد حكاه العبادي عن نص الشافعي، وتردد ابنُ الرّفعة في سماع هذه الشهادة إذا كان المقر له يقيمها (٣)؛ لأنها (٤) شهادة لمن لا يدعيها وهو المقر (٥). الشهادات حكى في «باب الدعاوى» وجهين في جرح الشهود، هل يكفي فيه شاهد ويمين؟ بناهما على خلاف حكاه، ورجح فيه ما قضيّته: أن يكون الراجح (٦) عنده عدم الاكتفاء. وبهذا يُعلم أن قوله في «باب الشاهد واليمين»: «إن مما لا يثبت إلا بشاهدين جَرحُ الشهود» = مطَّرِدٌ، وأنَّ استثناء ابن الرفعة منه (٧) تكذيب المدعي لشهوده قائلا: «إنه يُحكم فيه بشاهد ويمين كما قاله في البحر» (٨) = غير مسلّم عند الرافعي، وغير محتاج أن يُعزى إلى «البحر»، وفيه وجهان منقولان، فلو

стр. 634

استحضر ابن الرفعة ما في «باب الدعاوى» من الوجهين لما قال ذلك، وهذا من آفة وضع الشيء في غير مظنّته. ومن مسائل القسمة (١) حكى في «باب الرهن» وجها أنه لا حاجة إلى إذن الشريك في قسمة المتماثلات؛ لأنَّ قسمتها إجبار، والمذهب أنه لا بد من مراجعته (٢). مسألة (٣): وكثرت منه حكاية وجوه لا ذكر لها في مظنتها، كوجه حكاه في «باب الظهار» فيمن نوى استباحة صلاة بعينها: أنَّ الاستباحة تقتصر عليها، وهو خلاف المجزوم به في باب الوضوء، وإنما حكى فيه الوجه فيمن نفى غيرها (٤). مسألة: وقال في «الظهار» أيضًا: «قيل: لو سمع المتيمّم إنسانًا يقول: "عندي ماء أودعنيه فلانٌ"؛ بطَلَ تيممه، بخلاف: "أودعني فلان ماءً"»، ولم يذكره في التيمم، وقد حكاه القاضي الحسين في «باب التيمم» من «فتاويه» عن شيخه القفال (٥). مسألة (٦): وحكى في «النكاح» عن ابن حربويه اجتناب الحائض في

стр. 635

جميع بدنها، ولم يذكره في ((الحيض) (١). مسألة: وفي اللعان) عن حكاية الإمام وجها ضعيفًا أنه يتصور احتلام الصبي بعد مضي ستة أشهر من السنة التاسعة، وأن على هذا الوجه لو أتت بالولد كما طعن (٢) في العاشرة؛ لم يلحقه»، قال: وهذا لم يَجْرِ له ذكر في «الحجر» (٣). وحكى في «باب الكتابة» وجهًا عن الشيخ أبي محمد قاله ابن كج احتمالا: إنَّ من شرط المشتري القدرة على دفع الثمن (٤). وحكى في «باب الهبة وجها أنا إذا فرعنا على أنه يجوز رهن الدين؛ افتقر إلى القبض، ولو استحضره (٥) ابن الرفعة في مظنَّته لما اقتصر على عزو المسألة إلى «البيان» (٦). مسألة (٧): وفي أواخر باب الإجارة وجها أنه لو استعار شيئًا ليؤجره جاز، ولا ذكر لهما (٨) في باب الرهن» (٩). مسألة: وقال في أواخر «باب النذر»: «أغرب ابن كج فحكى وجها أنه

стр. 636

لا يجوز الوقف على البنيان»، إلى أن قال: «ولا أدري هل جَرَى ذكر هذا الوجه في الوقف أو لا؟» (١). قلت: ولم أر في باب الوقف ما يصلح أن يكون إشارة إلى هذا الوجه، إلا شيئًا نقله قُبَيْلَ الركن الثالث عن الحناطي فيمن وقف على دار وحانوت، وشيئًا نقله في الفروع المنشورة آخر الباب عن القفال فيمن قال: «وقفتُ هذه البقرة على رباط كذا، وقد يقال: إنَّ وجه ابن كَج مُغَاير لكلٍّ منهما، فَلْيُنْظَر فيه وفيهما» (٢). مسألة (٣): وحكى في باب الرهن وجها أنَّ العبد المأذون في التجارة إن ركبته الديون جاز للسيد إنابته في القبض؛ لمشابهته للمكاتب، بخلاف ما إذا لم تركبه (٤). وقد ذكر الرافعي في باب الخلع فروعًا كثيرة من مسائل البيع لم أوردها هنا؛ لأني رأيت كلا من ابن الرفعة وابن الفركاح والوالد ﵀ نبه منها على شيء، فأغْنَانِي صنيعهم عن الإعادة، وكذلك تركتُ أشياء تقدم تنبيهي عليها في كتاب التوشيح، وفي هذا الطبقات الكبرى. فرع: عبد انتهى الملك فيه لبيت المال، فاشترى نفسه من وكيل بيت

стр. 637

المال، اتفق هذا في بلاد الصعيد، فأفتى الشيخ جلال الدين الدشنائي (١) - وهو من أفقه تلامذة الشيخ عز الدين بن عبد السلام - بالصحة، ورفعت الواقعة إلى القاضي بقوص - أظنه القاضي شمس الدين الأصبهاني شارح «المحصول» - فقال: لا يصح؛ لأنه عقد (٢) عتاقة، وليس لوكيل بيت المال أن يُعتِق عبدَ بيت المال (٣). قلت: والصواب ما أفتى به الدشنائي؛ فإنَّ هذا العتق إنما وقع بعوض، فلا تضييع فيه على بيت المال، وقوله: «ليس لوكيل بيت المال العتق» إن أراد: مجانًا حيث لا يؤذن له؛ فصحيح، وليس مما نحن فيه، وإلا فممنوع، بل له العتق بعوض إذا كان مصلحةً، وبغير عِوَض إن أذِنَ له الإمام، كما للإمام أن يُعتق. وقد ذكر الرافعي في باب عقد الهدنة فيما إذا جاءنا عبد مسلم: أنَّ للإمام أن يدفع قيمته من بيت المال ويُعتقه عن كافة المسلمين، قال: «وولاؤه لهم» (٤)، وتقدمت مسألة وقف الإمام أرض بيت المال. عجيبة مما يَعجَبُ كثيرٌ من الناس منه قول بعضهم: إنَّ الظهار خبر لا إنشاء، ويقولون: لو كان خبرًا لَمَا أحدَثَ حكمًا، والرافعي قدمنا أنه (٥) ذكر كونه خبرًا لا إنشاء في كتاب الطلاق في أوائل (٦) «فصل التعليق بالمشيئة».

стр. 638

وسألت الشيخ الإمام ﵀ عن تحقيق ذلك (١) فقال لي: إنَّ في الشرع ألفاظاً أبقاها الشارع على مدلولها اللغوي، ولكن ألزَمَ من قالها بأمر، وذلك كالظهار؛ قول الرجل: "أنتِ عليَّ كظهر أمي" باقٍ على وضعه الأصلي، وهو كذب؛ ولذلك سماه الله: زُورًا، وحُكم الله فيمن كذب هذا الكذب الكفارة عند العود. وكـ " أنت علي حرام" باقٍ على موضوعه، وهو كذب، وحكم الله فيمن قاله عندنا كفَّارة اليمين، وليس ذلك كـ "بعتُ" و "اشتريت"، فإنَّ الشرع وضعهما لإحداث ما دلا عليه. فالألفاظ ثلاثة: نحو: قام زيد، وذاك خبر من كل وجه. ونحو: بعتُ، وذلك إنشاء محض. ونحو: أنتِ عليَّ كظهر أمي، وذلك خبر، إلا أن الشارع قضى على من قاله بقضاء. وهل جعل ذلك القضاء مدلولاً له؟ قال من قال: إنه خبر: لم يجعله، وظن قوم أنه جعله، فقالوا: هو إنشاء، وهذا بحث نفيس. والذي ذكرته ينفع في ردّ قولِ مَنْ قال: "أنت علي حرام" صريح في الكفارة، فكيف يكون كنايةً في غيرها؟ فإنَّا نقول: ليس بصريح فيها ولا كناية، بل هو شيء أوجب الشارع على قائله الكفارة، فالتصرف من الشارع ليس في

стр. 639

لفظه، بل في حكم رتبه على المتلفظ به، وبيني وبين الوالد مباحثة في ذلك تركت ذكرها لطولها، وهي عندي بخطه، ذَكَرَ فيها كلامي جبرا لي، وكلامه إفادة لي وللمسلمين. ظريفة: أغرب من ذكر الشيء في غير مظنته مقصوداً ذكره في مظنته استطرادا غير مقصود، والعجب كل العجب أن يقع ذلك في مسألة منصوصة شهيرة. ألا ترى أن مسألة رطوبة فرج المرأة منصوصة للشافعي ﵁، وذكرها الرافعي في مظنتها قُبيل «فصل الماء الراكد»، لكنه لم يذكرها عن قصد بل استطرادا، فإنه ذكَرَ مني المرأة، وخرَّجَه عليها فقال: «قال الأئمة: إن قلنا: رطوبة فرج المرأة نجسة نَجسَ منيها بملاقاتها ومجاورتها» (١)، ولم يزد على ذلك، والسبب فيه أنه اتَّبع الإمام والغزالي، وهما اتَّبعا القفال، والقفال هكذا فعل في شرح التلخيص، فصارت المسألة هكذا في طريقة خراسان. وأما في طريقة العراق فالمسألة قعيدة فيها متأصلة الذكر، قصدوا إليها، وذكروا نص الشافعي على أنها نجسة، وخصوا رطوبة فرج المرأة من بين سائر الحيوانات (٢) بالذكر؛ ليدلُّوا على أنَّ رطوبة فرج (٣) سائر الحيوانات الطاهرة نجسة بطريق الأولى، ولم يُطلقوا رطوبة الفرج إطلاقا لئلا يتخيل اختصاصه بما عدا الآدمية تكرِمَةً لها، وهم في ذلك كالمقتفين آثار رسول الله ﷺ ،

стр. 640

حيث نبه بالولوغ في الكلب على عرقه وسائر أجزائه. فاعجب لمسألة شهيرة منصوصةٍ مذكورة بالقصدِ حتى في «التنبيه» أهملها الرافعي، مع ذكره لها في مظنتها استطراداً، وهو أغرب من إهمالها بالكلية، فإنه لم يُلق إليها البال مع حضورها عنده، ولم يفصح فيها بتصحيح. وتبعه في أصل «الروضة»، ثم قال في زيادتها: «وليست رطوبة فرج المرأة والعلقة بنجس في الأصح» (١)، وما صححه من عدم التنجيس لعلّ أصله قولُ القفال في «شرح التلخيص»: «إنَّ كونها نجسة ليس بقوي»، ولكن المنصوص أنها نجسة، وهو قول الشيخ أبي حامد، والبندنيجي، والقاضي أبي الطيب الطبري (٢)، والقاضي الحسين، والفوراني (٣)، وصاحب «التنبيه»، ولابن الرفعة إليه صغو ظاهر، وقال: «إنه قضيَّةُ كلام الإمام»، ولكنه قال: «إنَّ الرافعي صحح أنها طاهرة»، ولم أجد ذلك في كلام الرافعي (٤). فرع وقع في هذا المكان أيضًا بيض الحيوان ينفصل بعد موته، جزم البغوي في «التهذيب»، والغزالي في «الوسيط» بأنَّ قشره إن لم يتصلّب فهو نجس، وإلا فوجهان، وحكى الماوردي موضع جزمهما وجها، وجمع ثلاثة أوجه، ثالثها: الفرق بين المتصلب والرخو، وهو (٥) قول أبي الفياض (٦)، وابن القطان (٧)

стр. 641

ولم يذكر الرافعيُّ المسألة - مع كونها في «الحاوي» و «الوسيط» و «التهذيب» - إلا استطراداً في مظنَّتها قُبَيْل الماء الراكد، فذكر أنَّ في فأرة المسك المنفصلة بعد موتها وجهاً أنها طاهرة كالبيض المتصلب (١)، فليت شعري كيف أغفل القصد إلى مسألة البيض؟! وهَبْهُ لم ينظر «الحاوي» أَمَا نظَرَ «التهذيب» و «الوسيط»؟! فسبحان من لا ينسى ولا يغفل! عجيبة من العجائب: في «الروضة» أشياء زادها النووي على «الشرح الكبير» ظنًا منه أنها ليست فيه، وهي فيه، وذلك ضربان: أحدهما: أن يكون فيه في مظَنَّته، فما حسبها فيه، إما لسقوط من نسخته أو لغير ذلك، ولهذا الضرب أمثلة: منها: ما ذكرناه في «التوشيح»: «لو وكّل الابن أباه في بيع لم يجز أن يبيع من ابنه، وفي «الحاوي وجهاً» (٢)، هذا كلام النووي، وليس من الزوائد، بل الرافعي ذكره في الموضع الذي زاده النووي، وعُذرُ النووي سقوطه من نسخته، فقد وقفنا على النسخة التي كان يكتب منها ووجدناه ساقطًا فيها. ومنها: قال في باب اللقيط»: «إنَّ الرافعي جزم بأنَّ المسلم إذا سبى طفلًا منفرداً عن أبويه؛ حكم بإسلامه، وأنه الصواب»، قال: «وشذ صاحب «المهذب» فذكر وجهين … » إلى آخر كلامه (٣)، والوجه في «الرافعي»، وذكره

стр. 642

أيضا في «الشرح الصغير»، ولكنه سقط من «الكبير» في بعض النُّسَخ. لطيفة: وقد يزيد شيئًا ثم هو الذاكر له من أصله في بابه. وقد يُمثل لهذا بزيادته قُبيل القسم الثاني من «كتاب الصلح»: «أنهما لو ملكًا دارين، ورأيا خشبًا على الجدار، ولا يُعلم كيف وُضع، فإذا سقط الحائط؛ فليس له منعه من إعادة الجذوع بلا خلاف» إلى قوله: «لأنا حكمنا بأنه وضع بحقٌّ، وشككنا في المجوّز للرجوع»، فإنَّ الرافعي قال بعد ذلك وتبعه في «الروضة» - في «التنازع»: «وإذا جعلنا الجدار في أيديهما وحلفا (١) لم تُرفع الجذوع، بل تُترَكُ بحالها؛ لاحتمال أنها وضعت بحق» (٢). وقد يجاب: بأنَّ ذاك في إعادتها بعد سقوطها، وهو أبلغ من تبقيتها؛ ولذلك اكتفى في التبقية (٣) باحتمال أنها وضعت بحق، وعلل عدم المنع من الإعادة بأنا حكمنا بأنها وضعت بحق، وزاد ابن الرفعة في «باب العارية» من «الكفاية» أنها تُحمَل على العقد اللازم، وعقد لذلك فرعاً، ووقع مثله عندي في المحاكمات، وترددت في أنه هل يُبقى بأجرة أو مجانًا؟ والظاهر أنه يُبقى مجانا، ولا ينافيه قول ابن الرفعة: «الحق اللازم»، فما تعيَّن كون اللازم إجارةً؛ لجواز أن يكون حكمًا بلزوم العارية، أو حكمًا (٤) بوضع الجذوع على جدار الغير ممن يراه (٥).

стр. 643

ظريفة: قد يذكر الرافعي شيئًا فيهمله، ثم يذكر عكسه. مثاله: قول الرافعي في التحليل: «وحكى الإمام اتفاق الأئمة (١) على الاكتفاء بوطء الصبي، فحذَفَ هذ في «الروضة»، ثم نقل من زوائده فيها عن الإمام أنه حكى اتفاق الأصحاب أنه لا يُحَلَّل، والذي نقله الرافعي هو الذي رأيته في (النهاية) (٢). الضَّرْب الثاني: أن يكون الرافعي ذكَرَه، ولكن في غير بابه، وله أمثلة: منها: إذا كبر للافتتاح ثانيًا، المسألة التي زادها النووي في باب صفة الصلاة»، وذكرنا أنَّ الرافعي ذكرها في «البيع» و «الشفعة» (٣) ومنها: ليس للسيد منع عبده من صلاة النفل في غير وقت الخدمة، قال أبو إسحاق: «ولا من صوم التطوع في وقت لا يضر، بخلاف الزوجة»، زادهما النووي في «باب صلاة التطوع»، وهما في «باب كفارة اليمين» من «الرافعي» (٤). نادرة: أغرب من هذا أن يزيد النووي شيئًا في غير مظنته وهو في «الرافعي» في مظنته.

стр. 644

كزيادته في «باب الرهن» حكاية وجه أنه يحرم وطء الحامل من الزنا، وهو مذكور في «الرافعي» في مظنته من «كتاب العدد» عن ابن الحداد (١). ولست بمطيل في هذه الأمور مع الإحاطة بكثرتها. تنبيه: وفي «الرافعي» أشياء، ومنها مسائل مهمة (٢) أهملها في «الروضة» بالكلية، إما لوقوعها في أثناء الحجاج، أو عند كلامه على ألفاظ «الوجيز»، أو لغير ذلك، وقد قدمنا في هذا الكتاب منها شيئًا فلا نعيده. ومما لم نقدمه فرع مهم تعم به البلوى، وهو: انفراد بعض الشركاء بالقسمة، فتكون أرض بين ثلاثة فصاعدًا أحدهم غائب، فيطلب الحاضران القسمة؛ لأنها قسمة إجبار، على أن حصة الغائب مشاعة في سهم كل واحد منهما، والتفريع على الصحيح، وهو: احتياج الشريك إلى إذن شريكه، لا على الوجه المحكي في «باب الرهن» أنه لا يحتاج، فإذا قلنا بالاحتياج فما حال هذه المسألة؟ قال الرافعي في أثناء التعليل في «باب القسمة»: «وانفراد بعض الشركاء بالقسمة ممتنع»، وحذفه النووي في «الروضة» (٣)، ونقل ابن الرفعة عن الماوردي وابن الصباغ التصريح به، وذكر أن القاضي أبا الطيب ادعى أنه لا خلاف فيه (٤).

стр. 645

فائدة: قد يجزم الرافعي في مكانٍ بشيء هو الحاكي فيه الخلاف في مكان آخر، فإن كان جزم بخلاف ما صحح من الخلاف الذي حكاه فهو من فن التناقض، وقد تكلمنا عليه، وإلا فليس منه، وهو محمول على أنه جرى على الصحيح، لا سيما إذا كان الجزم في غير بابه، فإنه إنما يفعل ذلك اكتفاء بوضع الخلاف في بابه. مثاله: قوله في مسألة المبادرة إلى قتل الحامل التي (١) وجب عليها القصاص فيما إذا أوجبنا الضمان: «إنَّا حيث أوجبناه على الإمام، فإن كان عالما فكذلك - أي: على عاقلته - وإن كان جاهلا فعلى القولين» (٢)، انتهى، وفيما إذا كان عالما طريقان مذكوران في محلهما من «باب موجبات الضمان» فيما إذا جَلَدَ الحامل فأجهضت جنينا (٣): إحداهما: الجزم بأنه على عاقلته، وذكر الرافعي أنها الأظهر. والثانية: على قولين؛ فهذه الثانية لكونه بين في «باب موجبات الضمان» أنها مرجوحة لم يُعرّج عليها في «باب الجراح». واعلم أن ما جزم به وهو موضع خلاف كثير جدا، وربما كان هو الحاكي للخلاف، وكذلك ما نفى فيه الخلاف وقد حكاه غيره. أما ما نفى هو فيه الخلاف وهو الحاكي له فغريب عزيز، لا سيما في كلام

стр. 646

الرافعي نفسه؛ لقلة إقدامه على نفي الخلاف، بخلاف النووي، وهذا أولى بأن يُعَدَّ في المناقضات؛ فإنَّ من نفى خلافًا أثبته هو (١) أجدر بأن يُعترض ممن رجح اليومَ ما ضَعَّفَ أمس، وفي هذا مسائل ذكرتها في «الطبقات»، وأنا ذاكر هنا أهمها: منها: قال في «باب صلاة المسافر»: «إنه لا حاجة إلى مجاوزة المزارع بلا خلاف»، ثم حكى بعد ثلاثة أسطر وجهًا (٢). ومنها: قال: «لا خلاف عندنا في تأثير الخلطة في المواشي»، وقدم عن الحناطي حكاية وجه (٣). ومنها: قال في نية الصوم: «لا خلاف في اعتبار التعرض لكونه من رمضان»، ثم حكى خلاف الحليمي (٤). ومنها: قال في «البيع»: لو قال: "زوَّجتُكَ ابنتي وبعتك عبدها"؛ صح النكاح بلا خلاف، ثم حكى الخلاف في «النكاح» (٥). ومنها: قال في «الشفعة»: «ولو وكل إنسان أحد الشريكين بشراء الشقص من الآخر فله الأخذ بلا خلاف»، ثم أعلم المسألة بالواو (٦). ومنها: قال في «الصلح» فيما إذا أعاره حائطًا لوضع الجذوع فانهدم: «فإن

стр. 647

بناه بغير الآلة الأولى فلا خلاف أنه لا يضع جذوعه عليه»، ثم حكى الخلاف في «باب العارية» (١). ومنها: قال في «الوكالة»: «لا خلاف أنَّ الفاسق يقبل النكاح»، وحكى فيه في كتاب النكاح وجها عن القاضي أبي سعد (٢). ومنها: إذا قال: "أخرج يمينك"؛ فأخرج اليسار عالماً أنها لا تجزئ قاصدًا الإباحة، فقطعها مستحق اليمين = فلا قصاص ولا دية، قال الرافعي: «اتفق عليه الأصحاب»، ثم نقل بعده بأسطر وجها أنه يجب (٣). فهذه الأماكن لا حيلة فيها، وقد تركتُ ما يمكن الجواب عنه. مثل: قوله في الخلطة: «إذا لم يكن لهما حالة انفراد، كما لو ورثا ماشيةً زكيا زكاة الخلطة بلا خلاف» (٤)، وقد قدَّم عن الحناطي أنَّ خُلطة الجوار لا أثر لها، فهذا قد يجاب عنه بأنَّ المعنى: بلا خلاف عند من يثبت خُلطة الجوار. ومثله: قوله: «لو قال: "طلقي نفسك" فقالت: "سرحتُ" وقع بلا خلاف»، لا يناقضه حكايته قولاً أنَّ لفظ السراح كنايةٌ، فيجري فيه الخلاف فيما إذا فوض إليها الطلاق بالصريح فطلقت بالكناية (٥)، فإنه إنما أراد: بلا خلاف عند من يعترف بأنَّ الفِراقَ والسَّراحَ صريحان، وبتقدير إرادة التعميم فقد يكون قائلُ

стр. 648

التفويض غير قائل هذه المقالة، وإذا لم يتَّحِدِ القائل صح نفي الخلاف، ولم أذكر ما قال فيه قطعاً. ثم حكى الخلاف، فإنَّ مراتب نفي الخلاف متفاوتة، أصرحها دعوى الإجماع، ثم دعوى الاتفاق، ثم نفي الخلاف، فإنه - فيما يظهر - دون الاتفاق؛ لأنَّ الساكت قد لا يُنسب إليه موافقة، ويُنسب إليه نفي الخلاف، ثم دعوى القطع فإنها قد تكون مع نفي الخلاف، لا سيما في الطرق. ولم أذكر أيضاً ما استبد (١) النووي بنفي الخلاف فيه، وإن أدرجه في كلام الرافعي، فإنه قد لا يُحرّر العبارة تحرير الرافعي. فائدة: مما نفى فيه الخلاف وحكاه غيره - وهو كثير: قال الرافعي في سجود التلاوة (٢): «مواضع السَّجَدات بينةٌ لا خلاف فيها إلا في حم السجدة». قلت: بل المختلف فيه منها ثلاث: رحم السجدة كما ذكره، الأصح - وبه قال في «المهذب» - أنها عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨]، وقال في «الحاوي»: عند: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]. والثانية: النحل، الصحيح - وبه قال في «المهذب» - عند: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]، وقال صاحب «الحاوي»: «عند: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٤٩]».

стр. 649

والثالثة: النمل، الصحيح - وبه قال في «المهذب» - عند: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦]، وقال صاحب «الحاوي»: «عند: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ (١) [النمل: ٢٥]». فكأن الرافعي لم ينظر «الحاوي» في هذه المسائل الثلاث (٢). لطيفة ظريفة: إذا عرفت أنه قد ينفي الخلاف مع وجوده؛ فاعلم أنه قد يثبته مع انتفائه، كقوله: «وسيأتي خلاف في أنَّ لفظ العبادات هل يُحمل على الصحيح والفاسد، أو يختص بالصحيح؟»، ذكره في «الأيمان» (٣)، ولم نر هذا الخلاف في كلامه ولا (٤) كلام غيره، إنما هو في العقود، نقل هو في «النكاح» قولين، أما العبادات فالذي دل عليه كلام ابن السمعاني وغيره من أئمتنا أنها مختصة بالصحيح، ولي في المسألة كلام لا بأس به، ذكرته في «شرح مختصر ابن الحاجب» (٥). ونظير (٦) وعده الذي لم يفِ به: قال في أواخر «الشفعة»: «إذا قلنا: الدين يمنع الإرث؛ فهل يمنع في قدره أو في جميع التركة؟ فيه خلافٌ مذكور في موضعه» (٧).

стр. 650

قلت: وموضعه (١) أواخر زكاة الفطر، والباب الثالث من أبواب الرهن، فإنَّ المسألة مذكورة فيهما، ولا ذكر للوجهين في واحد من الموضعين، ولمعتذر عنه أن يقول: إنما قال: «مذكور» ولم يقل: "ذكرناه". ومما أثبت فيه الخلاف مع انتفائه: إذا شُفيت المستحاضة في أثناء الصلاة؛ بطلت، وقيل: تمضي فيها، وهما قولان، ذَكَرَ القاضي الحسين أنَّ أبا بكر الفارسي حكاهما في «عيون المسائل»، وأنا رأيتُ في «عيون المسائل» الثاني منهما، ورأيتُ شارح «العيون» الشيخ أبا محمد قد أطال في إنكاره على الفارسي، ونسبه إلى كثرة الخطأ، وأنه قَصَدَ صرْفَ الناس عن «مختصر المزني» فأوقعه الله (٢). ورأيتُ القفال في «شرح التلخيص» اقتصر على حكاية الأول منهما عن الفارسي، ولم أتحقق في المسألة قولاً ثالثًا، إلا أن الرافعي قال: «وعن الشيخ أبي محمد أن أبا بكر الفارسي حكى قولاً عن الربيع، عن الشافعي: أنَّ المستحاضة تخرج من الصلاة وتتوضأ، وتزيل النجاسة، وتبني على صلاتها»، قال: «ويمكن أن يكون بناءً على القول القديم في سبق الحدث» (٣). قلت: وقد عرفت أنَّ الذي حكاه الشيخ أبو محمد عن الفارسي ورأيته في كتابه إنما هو قولُ المُضِيّ، وهو قول شهير، أما الخروج ثم البناء بعد الوضوء وإزالة النجاسة فلم أر له ذكرًا إلا في باب التيمم من «تعليقة القاضي الحسين»، فإنه قاله تفريعاً على قول الخروج، وقال: «إنه القولُ القديم في سبق الحدث» (٤).

стр. 651

وفيما ذكرناه تضعيف لمنقول الرافعي؛ إذ ليس ما حكاه عن الشيخ أبي محمد بثابت عنه، وتأييد لبحثه؛ إذ هو منقول القاضي الحسين، وقد كان يمكن أن يفرق ويقال: ليس عروض الشفاء - وهو في الحقيقة طهارة - كعروض الحدث، إنما ينبني على القديم: من انقطع دمها، فأمرناها بالوضوء، فتوضأت ودخلت في الصلاة، فعاد الدم؛ فإنها تعيد الوضوء، وهل تبني أو تستأنف؟ قال صاحب «البحر»: «فيه قولا سبق الحدث سواء، وهذا واضح» (١). ومثله: وجهان حكاهما في غُرَّة الجنين المحكوم له باليهوديَّة أو النصرانية، غير الوجه الذي صححه، نبه الشيخ برهان الدين بن الفركاح على أنهما وهم (٢). ومثله: قال في «قسم الصدقات»: وقد حكى الوجهين في المدفوع إلى ابن السبيل: أتمام مؤنته هو أم الزائد بسبب السفر؟ وهما كالقولين في الولي إذا حج بالصبي وأنفق عليه من ماله، كم يضمن؟ فإنَّ ظاهره أنَّ الخلاف في أنَّ الولي هل يضمن قدر نفقة الحَضَر مع الزائد أو الزائد بسبب السفر فقط، لكن قال صاحب «البيان» وتبعه النووي: «لا خلاف أنَّ قدر نفقة الحضر غير مضمون» (٣). ومثله: الرجل محل للنكاح بلا خلاف، كما حرَّرتُه في «الأشباه والنظائر»، وبينت أنه لا يلزم من الخلاف في أنه معقود عليه الخلاف في ذلك، خلافًا لما اقتضاه سياق (٤) الرافعي (٥).

стр. 652

ومثله: ذبيحة الأخرس، قال نقلا عن التهذيب: «إن كانت له إشارة مفهومة (١) حلَّت ذبيحته، وإلا فكالمجنون»، وظاهره أنَّ فيه القولين في المجنون، والذي نص عليه الشافعي في «باب الضحايا» ونقل ابن المنذر الإجماع عليه: الحِل، ولا يتجه غيره (٢). ومثله: إذا طلق زوجته فجُنَّ، هل للولي ارتجاعها؟ قال الرافعي: «ينبغي أن يجوز إذا جوزنا التوكيل في الرجعة»، ثم اعتمده في «المحرر» فقال: «وللولي أن يرتجع» إلى أن قال: «وفيه وجه»، وتابعه في «المنهاج»، وعبر بالصحيح. وقد بينا في «التوشيح» أنَّ الوجه غير معروف، وأن انبغاء الجواز واقع، وإن لم نجز التوكيل في الرجعة، وأن ذلك بحث له غير منقول (٣). وما كان في العزم أن نعيد هنا شيئًا تقدَّم في «التوشيح»، غير أنَّ الحاجة قد تدعو إلى تنبيه. فائدة: اقتضى كلام الغزالي في «باب الغصب» حكاية خلافٍ في دخول الحر تحت اليد، أنكره عليه الرافعي، وابن الرفعة، والوالد، ولم يجعلوا دخول الحر تحت اليد مختلفًا فيه، بل اتفقت كلمتهم على دعوى الاتفاق على أنه لا يدخُل، وقد بيَّنتُ في كتاب «الأشباه والنظائر» أنَّ الذي دل عليه كلام ابن أبي هريرة

стр. 653

- كما رأيته في «شرحه» على المختصر - ثبوت الخلاف (١). وأنا أقول: الأرجح دخوله تحت اليد، ولا أتحاشى من ذلك، وما نقله الرافعي عن ابن أبي هريرة أن منافع الحُرّ تُضمن بالفوات ليس بقوله، وإنما حكاه في «شرح المختصر» عن بعض أصحابنا، وصحح ما عليه المتأخرون من أنَّ منافعه لا تُضمن إلا بالتفويت، وهو يُعبّر عن التفويت بالتناول، وعن الفوات بالمنع، ونِعِمَّا هي عبارة محرَّرة، أحسن من التعبير بالتفويت والفوات (٢). أعجوبة: - نفى القاضي أبو سعد في «الإشراف» خلافًا لا شك في وجوده وتقدمه، ثم حَمَلَهُ على أشكل منه، فقال - وقد حكى القول القديم: أنَّ الاستثناء لا يصح في الظهار: «لم أسمع هذا القول من أحد، ولعل سببه أنَّ المعاصي عند أهل السنة - وإن وقعت بمشيئة الله - لا يَحسُنُ إضافتها إليه»، ثم قال: «إنما يجيء هذا القول على أصول المعتزلة»، ثم قال: «الأصح أنه وقع تصحيف، وإنما هو: لا يصح الاستثناء في الطهارة، أي: إذا تطهَّر ليصلي الظهر ولم يتعرض لغيرها بنفي ولا إثبات؛ صح، فهذا هو ذاك» (٣)، انتهى ملخصا. وهو خبط تضرب وجوه بعضه بعضاً، وكان من حقه حيث لم يعقل هذا القول أن يقول كما قال إمام الحرمين فيه: «لا أفهمه، والقول بذلك قديم مأثور»، وقد قدمنا تحقيقه، ولا يدفع عنه حمله على ما ذكر شيئًا من الإشكال، ولا تغني

стр. 654

عنه مسألة الطهارة شيئًا، ولا يظهر فيه أيضاً، وكم لأبي سعد من عجيبة مسندة إليه، وغريبة متروكة عليه! أليس هو القائل: «إنَّ القياس الذي لا يجوز غيره: أنه لا بُدَّ في الإقرار من بيان السبب»؟! ولا يشهد له قياس ولا دليل. والمفتخر بنفسه - وقد ذكر حكاية البندنيجي عن النص تفريعاً على أنَّ الشفعة على الفور: أنه لو عفا عنها كان له الخيار ما دام في المجلس -: «هذه غريبة، وذكر أبو العباس أنَّ العفو لا خيار فيه؛ لأنه كالإبراء» (١)، ووجه (٢) النَّص أنَّ العفو سبب لتقرير ملك المشتري، متعقّب (٣) بخيار المجلس، كالشراء الذي كان سبباً لإيجاب الملك، وعكسه الإبراء؛ فإنه إسقاط محض، إلى أن قال: «وإنما أشبعتُ هذا الفصل بيانًا لذهول حذاق الأصحاب عنه» (٤). ولا بيان بما ذكَرَه، فإنَّ العفو وإن قرَّر الملك فليس هو المملك، ولعلَّ الإبراء أولى بخيار المجلس منه، وإن قلنا: إنه إسقاط فليس نافي الخلاف أسعد من مُثبته ما لم تثبت دعواهما؛ لاعتضاده بالأصل (٥). وما كلُّ من أثبت خلافًا ثبت له وإن شك: فأين مصداق خلافٍ حكاه فخر الإسلام في بطلان بيع الصبرة بالصبرة

стр. 655

مكايلةً إذا تبيَّن الاستواء (١) تفريعاً على البطلان عند تبيُّن التفاضل؟ أين خلاف حكاه ابن الصلاح في وقف الغائب؟ أين خلاف حكاه تلميذه القاضي ابن (٢) رزين في حلّ تعاطي المباح المُخِل بالمروءة؟ أين خلاف حكاه النووي في كتابة الصداق في الحرير؟ أين خلاف حكاه (٣) ابن دقيق العيد في ثبوت الخيار في (٤) المصراة لا لأجل الخديعة، ينساها فيبيعها، ولا بُدَّ من لفظة (لا)، وإنما سقطت عند ابن الرّفعة غلطاً كما نبَّه عليه الشيخ الإمام (٥)؟ بل أين النقل الذي ادَّعاه الشيخ العماد أبو حامد ابن يونس في منع أب قوي صحيح زكاة ولده، ولقد خالفه أخوه علامة عصره الكمال شارح «التنبيه» فأفتى بالجواز؟ وللعماد غرائب؛ هو ذاكر تزويج الإنسي بالجنية، وادَّعى أنه لا يجوز، وخالفه الشيخ نجم الدين القمولي من أقران الشيخ الإمام وأعلى سِنًّا (٦). والله (٧) هذا العماد معرباً (٨) قائلاً - فيما نقله عنه حفيده صاحب «التعجيز» -:

стр. 656

«تقديمُ الحاضرة المُدرِكة جماعتها أفضلُ من الفائتة»، وقد سبقه الغزالي في «الإحياء»، وجزم النووي في زيادة «الروضة» بخلافه، والأرجحُ الأوّل، وأقام القاضي البارزي في «تمييزه» المسألة خلافية، مع كونه لم يطّلع على ما نقلتُ عن الغزالي فيها (١)، فليت شعري من أين له؟ وهل إلا لفظ «التعجيز» وما في «الروضة» قبله، والله أعلم (٢). تنبيه: بينّا أنه ربما بحث الرافعي بحثًا في كتاب اعتمده في كتاب آخر، كقوله في «المحرر»: «وللوليّ أن يرتجع» اعتمادًا على بحثه في «الشرح». وممّا يُستغرب: مسائل دارت مئين من السنين، وأعوز النقل فيها المطلعين على خفايا المذهب وزواياه. منها: قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب «المُلخّص» فيما إذا أحرم المُتمتِّع بالعمرة فجرح صيدًا، ثم أحرم بالحج فجرح صيدًا، ثم مات = هل يلزمه جزاءان: «هذه المسألة لا يُعرف فيها نقل». ومنها: لو كان لا يُحسن من القرآن إلا آيات فيها سجود التلاوة، قال إمام الحرمين في «الأساليب»: «لا نصّ فيها»، قال: «ولا يُبعد منعه من السجود للتلاوة في الصلاة حتّى لا ينقطع القيامُ المفروض» (٣).

стр. 657

ومنها: إذا قرأ المصلي آية سجدة قبل الفاتحة، ففي زيادة «الروضة» أنه يسجد، والفرع معروف قديماً بعدم النقل، قال أبو الحسن (١) الكيا في كتاب «شفاء المسترشدين»: «قيل: لا يسجد؛ إذ لا نص للشافعي فيه، وأشار بـ «قيل» إلى إمامه، فإنه قال في الأساليب»: «الذي يظهر منعه من السجود» (٢). ومنها: إذا قالت المطلقة: "انقضت عِدَّتي"، وقبلنا (٣) قولها، ثم أتت بولد لزمان يحتمل أن يكون العلوق به في النكاح؛ لَحِقَ النسب، إلا إذا تزوجت واحتمل أن يكون من الثاني. فلو قالت: "نكحت زوجًا آخر "، ولم يظهر لنا؛ قال الغزالي في «التحصين»: «لا نص فيه، وفيه احتمال ونظر مذهبي» (٤). ومنها: إذا قال الزوج لامرأته: "أحللتُ أختك لي"، ونوى الطلاق فهل (٥) يكون كنايةٌ؛ لأنَّ حِلَّ أختها يتضمن تحريمها المُؤْذِنَ بطلاقها؟ قال الغزالي في (٦) «التحصين» أيضًا: (هذه غير منصوصة)، قال (٧): «وإنما ولدها الخاطر»، وذكر ما حاصله التردُّد في أنها هل تُلحق بقوله: "اعتدي"؛ لأنَّ العِدَّة حل شرعي، وكذلك حل الأخت، أو يُفرَّق بينهما بأنَّ دَلالة العدة على الطلاق أظهر (٨)؟

стр. 658

وأمثلته كثيرة، وإنما ذكرنا المستغرب من الكتب المهجورة. أما نحو قول الغزالي في «البسيط» في المسألة الغُرابية: «لو باع الأول ثم اشترى الثاني لم أره مسطورًا، والقياس أن ينفذ تصرفه فيه؛ لأن بيع الأول كواقعة قد انقضت»، نقله الرافعي أوائل «باب الشك في الطلاق» = فتركناه لشهرته (١). أعجَبُ العَجَب: مسألة منقولة، خاض السلف فيها، ولم نجد لها ذكرًا في مذهبنا، مع شدة استقصاء أصحابنا وتوليدهم لما لم يقع، فضلا عن الواقعات! فإن قلت: وهل لذلك وجود؟ قلت: إنه لموجود، لا في مسألة واحدة بل في مسائل. من غريبها: من عليه صوم رمضان، فصام عنه ثلاثون رجلًا في يوم واحد، هل يجزئه؟ ولا يخفى أنَّ الفرع مفرَّعٌ على جواز الصوم عن الغير، قال الحسن البصري: «يجزئه»، نقله البخاري في «صحيحه»، قال النووي والوالد: «ولم نَرَ لأصحابنا فيه كلاما، قالا: وما قاله الحسن صحيح» (٢). أما شهادة القانع (٣) لأهل البيت، وقول عبد الله بن سمعان فيما رواه ابن حزم: «كان السلف يردُّونها»، فبذلك جزم (٤) القاضي الحسين في «التعليقة»،

стр. 659

ولأبي داود فيه حديث تكلمت (١) عليه في ترجمة الخطّابي من «الطبقات»، لكن قال شريح الروياني من أصحابنا: «تُقبَل»، وهو الذي في ذهن كثير من الناس، وما الفرع بمسطور في مشاهير الكتب (٢). وأما إطعام الكافر والصدقة عليه من أضحية التطوع فنقل ابن المنذر خلاف العلماء فيه، قال النووي: «ولم أر لأصحابنا فيه كلامًا»، قال: «ومقتضى المذهب جوازه» (٣). قلت: لكن نقل ابن الرفعة أنَّ الشافعي نص في «البويطي» على أنه لا يُطعم منها، ومع كونها منصوصةً لا تدخل في هذا الباب (٤). وأما قول ابن المنذر في كتاب «السنن» في مريض يقول: "ما يدعيه فلانٌ في تركتي فهو صدق": «إنه إقرار صحيح»، ونقله لخلاف أبي حنيفة فيه = فالفرع وإن كان عزيز النقل وعميم البلوى لكنه مسطور، وقول ابن المنذر احتمال للأستاذ أبي علي الثقفي، وقال أبو علي الزجاجي: «هو إقرار بمجهول يعينه الوارث»، نقله القاضيان أبو سعد الهروي وشُرَيحُ الروياني، وخرج منه الاتفاق على أنه إقرار صحيح، على خلاف ما في ذهن كثير (٥). ولو عمم في المدَّعي كما عمَّم في المدَّعَى به فقال: "كلُّ مَنْ ادَّعى علي

стр. 660

بشيءٍ فصدّقوه"، أو: "فأعطوه"، أو: "فهو صادق" = فوصيَّةٌ، قاله صاحب «البحر»، ولي في المسألة بجملتها كلام طويل ذكرته في «الطبقات» في ترجمة ابن المنذر (١). وكم لابن المنذر من فائدة منقولة عنه، وغريبة لم تُعرف إلا منه! أليس هو المقيّد لكون إذن البكر في النكاح صماتها: بما إذا عَلِمَت قبل الإذن أنَّ إذنها صماتها، وهو تقييد متعيّن لم نره لغيره. أليس هو الناقل عن الشافعي فيمن سافر لمسافة القصر، ثم رجع لداره في حاجة قبل أن ينتهي إليها: أنَّ الأحبَّ له (٢) أن يُتِمَّ، وإن جاز القصر؛ خروجًا من خلاف سفيان الثوري، والمعروف في المذهب إطلاق القول بأن القصر أفضل، ولكن إذا انفرد إمام بنقل قيد تقبله القواعد تعين قبوله وإن كان غريبا في النقل. فلله در الشيخ أبي علي، وإن انفرد بنقله في «شرح التلخيص» عن أبي إسحاق: أَنَّ مَنْ من رهن جاريةً ذاتَ ولد صغير (٣)، وله غيرها = كُلَّفَ قضاء الدين من غيرها، ولا تُباع؛ لأنَّ بيعها دون الولد تفريق بلا ضرورة (٤). ومثله قول الحليمي في «منهاجه»: «إنَّ تمنّي الكفر لا يكون كفرًا إلا إذا كان على وجه الاستحسان له؛ بخلاف تمنيه للعدوّ استقباحًا»، وهذا باب واسع فلنمسك (٥).

стр. 661

إشارة: هذه الفروع لم تتضمنها مشاهير الكتب؛ فلذلك ذكرناها، أما ما قال مصنفو الكتب المشهورة: إنه غير منقول، فلم نذكر منه شيئا؛ لكثرته، ولأن مجرد وجدانه في تلك الكتب أخو النقل، ثم هو ضربان: ضرب صار منقولا بقول ذلك المصنف؛ لأنه لما ولده، وتكلم الناس فيه حدث له نقل بعد أن لم يكن، ولو ظهر النقل فيه عمن تقدم ذلك القائل لكان مستدركا على مثله، كيف يخفى عليه مع علو شأنه؟ مثاله: إذا ركب دابة ولم يحولها، قال القاضي أبو الطيب في كتابه «المجرد» ما نصه: «هذه المسألة لا تعرف لأصحابنا، والذي يجيء فيها أنه لا يضمنها ما لم ينقلها»، ونقله عنه ابن الصباغ في «الشامل» ساكتا عليه، وصاحب «البحر»، إلا أنه زاد أن بعض أصحابنا بخراسان قال: «يضمن؛ لأن الركوب استيلاء» (١). واعلم أن أهل خراسان إنما نظروا الفرع لما ولده القاضي أبو الطيب، فصار منقولا عن الحادثين بعده، مشهورا حتى في مختصرات الكتب، وصحح المشايخ الثلاثة - الرافعي والنووي والشيخ الإمام ﵏ أنه غصب، ونازعوا القاضي في دعواه اشتراط التحويل (٢). وهذا الضرب يدخل فيه أكثر عقارب المزني، و (٣) مولدات ابن الحداد،

стр. 662

فلا معنى للإطالة. وضرب مع تمادي السنين لم يصر منقولاً في الكتب المشهورة، وليقع التمثيل له: بعدم إنبات شعر عانة الجارية هل هو عيب؟ قال لي بعض من لقيته: لا تُعرف هذه المسألة إلا في «تاريخ الخطيب»، فإنه ذكر أنَّ ذلك حدث في زمن القاضي أبي عمر المالكي، وقضى بأنه عيب (١). قلت: وقد ذكرها من أصحابنا اثنان القاضي أبو سعد في «الإشراف»، والقاضي شُرَيح في «أدب القضاء»، وقالا: «إنه عيب»، وفيه نظر (٢)، وليس كعدم الحيض؛ فإنَّ ذلك دال على نقصان في الخلقة (٣). تتمة: ما ذكرناه في غير منقول ولا مسطور في الدواوين المشهورة مع مرور الناس عليه قديما، أما ما ولده المتأخرون من مشيختنا ومشيخة مشيختنا ومن قبلهم

стр. 663

بقليل - وليقع الاختصار (١) على من بعد أصحاب الغزالي - فلم نذكره، إنما ذكرنا ما وقع لأولئك الجبال وهم من هم. وفيمن تأخر عنهم من ادعى عدم النقل فيما أفتى به، والأمر كما ادعاه، ألا ترى إلى فتيا ابن البزري: أنَّ الفطر عمدًا في صوم الكفارة مع الجهل بأنه يقطع التتابع = لا يقطعه، قال: «إنه غير منقول»، والأمر كذلك (٢). ورُبَّ شيء وجدناه نحن مسطورا، إما على خلاف ما أفتى به من ادعى عدم النقل، كما قدمناه في مسألة ابن الصلاح والنووي والوالد في قدر الطريق، ونظيره قول شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام في «القواعد» في قاذف امرأته: «إنه يجب عليه اللعان؛ دفعاً للحد عن ظهره»، وقد ذكرنا في «التوشيح» أنَّ الماوردي صرح بخلافه (٣). وإما على وفاقه، كفتيا ابن الصلاح بأنَّ من قال لابنه: "أنت ولد زنا" يكون قاذفًا لأمه، وهي مسألة تعم بها البلوى ذكرها بحثًا، وبها صرح صاحب «الحاوي» في باب كيفية اللعان (٤). وكفتياه فيمن وهب وأَقبَضَ ومات، فقال الوارث: "وَهَبَ في المرض"، وقال المتهب: "بل في الصحة " = بأنَّ القول قول المتهب، وبذلك جزم صاحب «التهذيب» (٥).

стр. 664

وكفتياه في صائمةٍ أدخلت أصبعها في فرجها: أنها تُفطر، وهو ما ذكره صاحب «التعجيز» في شرحه، وكلاهما لا نقل عنده في المسألة، وصاحب «التعجيز» متأخر يسيرًا عن زمان ابن الصلاح، والمسألة في «البحر» حكى فيها خلافًا قبل «باب صوم التطوع» (١). وقد ولد البحث ووقوع الحوادث لابن الرفعة وللوالد ما لا يحصره مجلدات، منها بأكثرية ما لم يوجد منقولاً، وبكثرة ما وُجد بمثل ما رأياه، وبقلّة ما وجد مخالفًا، بل غالب مسائل الأقدمين مولدات لهم، إلا أَنَّ خوضهم فيها صيرها منقولة لنا (٢)، ومولدات هؤلاء لم تصر، وقد يتمادى عليها الزمان فتصير بالنسبة إلى من بعدنا منقولةً كما صارت مولدات أولئك بالنسبة إلينا. حادثة: في زمان القاضي أبي عبيد بن حربويه بمصر: وقد كان يرى أنَّ إسلام الأم دونَ (٣) الأب لا يستتبع الطفل، وهو رأي شيخه أبي ثور، فأسلمت ذميَّةٌ ذاتُ ولد لم يُسلم أبوه، فدُسَّ عليه من يسأله (٤) الحكم ببقاء كفره، فتفطن إلى أنه إن فَعَلَ قامت عليه الغوغاء، ونصحه تلميذه ابن الحداد وقال: إياك والخروج عن مذهب الشافعي؛ فإنك إن تفعل نلت الأذى من الخاصة والعامة.

стр. 665

فلما جلس أبو عبيد مجلس حكمه من جامع عمرو بن العاص، واجتمع الخلق لهذا الأمر المبيت عليه بليل = قام رجل محتسبا يحاكم في الولد، وكان من لطف الله بأبي عبيد موت أبي الولد، فقال: أين أبوه؟ فقالوا: مات، فقال: شاهدان يشهدان أنه مات نصرانيا وإلا فالولد مسلم، فستر مذهبه (١) بفهمه، ولم يحكم بخلاف معتقده (٢). واتفق لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة نظير هذا (٣) في قتل المسلم بالكافر (٤). حادثة: في زمان أبي إسحاق المروزي بالعراق سأله الداركي عن تحليف إسماعيل القاضي (٥) شخصا لجماعة يمينا واحدة، وإجماع أهل عصره على تخطئته، فقال أبو إسحاق: أخطأ إن ادعوا الحق من جهات متعددة، وأصاب إن ادعوه من جهة واحدة كالإرث (٦). قلت: وهذا حكاه الماوردي في «باب اللعان»، وهو غريب، وقد تكلم عليه ابن الرفعة في «كتاب النكاح». حادثة: في زمان أبي عبد الله ابن أبي (٧) القاضي القديم تلميذ ابن سريج: وقع

стр. 666

سؤال في زمانه عن بيع التراب على الأرض الموقوفة، فأفتى عامة الفقهاء بالمنع، ورفعت الفتيا إليه فقال: ما زاد فيها بعد الوقف بهبوب الرياح وغيره يجوز بيعه (١)، فتنبهوا ووافقوه (٢). وفي «فتاوى البغوي» في «باب إحياء الموات» مسألة التراب، لكن في غير أرض الوقف، وكذلك في «فتاوى شيخه القاضي الحسين» في «باب الصلح» في تراب الشارع (٣). حادثة: في زمان أبي أحمد بن أبي القاضي، العالم ابن العالم ابن العالم ابن العالم، أربعةٌ وَلَاء أئمة علماء، وهو صاحب «الحاوي» القديم الذي باسمه سمى الماوردي كتابَهُ، كان من رُفَعاء تلامذة أبي إسحاق: سُئل عن بيع التراب من الأرض قدر ذراع طولا وعمقا لضرب اللبن، فقال: لا يجوز؛ لأنَّ الأرض يختلف ترابها (٤). حادثة: في زمان الإمام الجليل أبي بكر الفراتي، من تلامذة أبي إسحاق المروزي: استفتي بخوارزم عن رجل سقى جاريته دواءً ليُسقط ولدها، فقال: ما دامت نُطفةً

стр. 667

أو علقة فواسع له ذلك (١). قلت: النقل في المسألة في مذهبنا عزيز، وللغزالي في «الإحياء» عليها كلام متين ذكره عند كلامه في العزل، مع أنه لم يفصح في الإسقاط بتحريم ولا تحليل، وقد بسطت الكلام عليها في «الطبقات». ولا يخفى أنه قد تفعله الحامل من زنا، أو الأمة (٢) بإذن مولاها الواطئ أو مولاها غير الواطئ، بأن تحمل من واطئ بشبهة، أو الحُرَّة بإذن زوجها الواطئ أو غير الواطئ، أو بلا إذن في الصورتين، فهي صور لا تخفى (٣) منازلها، والنفس واقفة عن تحليل شيء من ذلك في كل الأحوال، مائلة إلى التحريم مطلقا، إلا في الحامل من زنا ما دامت نطفةً أو علقةً، والتحليل مطلقا عن الحنفية. حادثة: في زمان الشيخ أبي زيد، كتب بها إليه الحليمي مما وراء النهر: رجل اشترى جاريةً، فأتت بولد ادعى أنها ولدته بعد الشراء، وقال البائع: "بل قبله"، فأجابه الشيخ أبو زيد بأنَّ القول قول البائع؛ لأنَّ الأصل ثبوت ملكه في الحمل، والأصل عدم البيع وقت الولادة، قال الإمام في آخر «النهاية»: «هكذا حكاه الشيخ أبو علي، ولم يزد عليه» (٤). قلت: وكذا حكاه الإمام ولم يزد عليه، ولم أر من تكلّم على الفرع، وفيه

стр. 668

نظراً، وصورة المسألة أن يكون الحمل موجوداً عند البائع ثم يوجد الولد عند المشتري، ويُشَكَّ (١) أكانت ولادته قبل البيع أو بعده؟ والذي (٢) ينبغي أن يقال: إنه إن كان في يد المشتري فهو له، ولا تُرفع يده (٣) بمجرد وجود الحمل في يد البائع، ويشهد لهذا قول الأصحاب في «باب الكتابة» فيمن زوّج أمته من عبده ثم كاتب العبد، ثم باع منه زوجته وأتت بولد، فقال السيد: "ولدت قبل الكتابة، فهو لي"، وقال المكاتب: "بل بعد الكتابة والشراء، فهو مكاتب" = على أنَّ المكاتب يُصدَّق بيمينه؛ لأنه يدعي ملك الولد ويده مُقَرَّةٌ عليه، واليد تدل على الملك (٤). حادثة: بخوارزم في زمان الحمدنجي والفراتي: مُوصٍ استأجر وصيَّه، أفتى كلُّ منهما بالمنع، ثم اختلف بهما المأخذ، فقال الحمدنجي - فيما حكاه أبو سعيد الكرابيسي - لأنَّ الوصاية من أعمال البر، وقال الفراتي: أخطأ، بل لأنه لا يجوز أن يستأجر أجيراً على أن يعمل له (٥) بعد موته؛ لأنَّ عمله نفع (٦) بعد موته (٧). قلت: وهذا أصوب، ووقع عندي في المحاكمات: رجل جعل لوصيه على

стр. 669

أيتامه عُشر ما يحصله لهم من فائدة ماله الموروث، فهل يصح لكونه من فائدة ما خلفه، فلا فرق بينه وبين أن يوصي ببعض ذلك المال إذا خرج من الثلث أولاً؛ لأنه جعله أجرةً، فيتوقف على كونه أجرة المثل وكونه (١) مقدورا في الحال، والذي ترجح في نظري بطلانه؛ فإنَّ الميت لا ولاية له على نماء المال الذي يوجد بعد مِلك ورثته، وليس لهذا الوصي إلا أجرة عمله إن قدر له الحاكم أجرةً، حيث يجوز جعل الأجرة له، وقد تزيد على العشر وقد تنقص. وواقعة الحمدنجي والفراتي حكاها صاحب «الكافي» من أصحابنا من علماء خوارزم. حادثة: قال إمام الحرمين: «هي من وقائع نيسابور قديمًا»، بين يدي السيد: سالم وغانم، فقال: أحدكما حُرّ، ثم غاب سالم وبقي غانم، والتصق إلى جانبه مبشر، فقال: أحدكما حر، ومات قبل البيان، قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني: «يُقرع بين سالم وغانم، فإن قرعت سالما الغائب عتق، ثم يُقرع بين غانم ومبشر، فمن خرجت قرعته عتق، فيعتق اثنان، وإن خرجت القرعة الأولى على غانم رقّ سالم ولم تعد القرعة مرةً أخرى» (٢). وقال أبو الحسن الماسرجسي: «إذا خرجت القرعة الأولى على (٣) غانم عتق ورق سالم، ثم نعيد القرعة، فإن خرجت على غانم رق مبشر، وإن خرجت

стр. 670

على مبشر عتق وغانم حُرّ، وفائدة إعادة القرعة توقع عتق مبشر». قال الإمام: «والذي ذكره الماسرجسي أفقه وأغوص» (١). قال الرافعي (٢): «ورجح الشيخ أبو علي الأول». ولا (٣) ترجيح للشيخين في الفرع، وفصل ابن الرفعة فقال: «إن أراد معيَّنا كما اقتضاه تصوير الإمام الذي اتبعه فيه الرافعي؛ فما قاله الأستاذ صحيح، وإن أراد الإبهام فتظهر صحَّةُ قول الماسرجسي»، وأطال ابن الرفعة في تقرير ذلك، وفي (٤) منازعة الإمام في ترجيح قول الماسرجسي (٥). حادثة: بالمدينة العظمى مرو الشاهجان، أي: مستقر الملوك، وكما كانت دار الملك كانت دار العلم، قال القفال: «وقعت مسألةٌ بمدينة مرو: رجلٌ أوصى أن يُشترى عشرة أقفزة حنطة بمئتي درهم يتصدق بها، فوجدوا من أجود الحنطة عشرة أقفزة بمئة، فمنهم من قال: تُرَدُّ الزيادة إلى الورثة، ومنهم من قال: هو وصية لبائع الحنطة، ومنهم من قال: يُشترى بالزيادة حنطة بهذا السعر فيتصدق بها (٦).
следующие страницы →