← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30157

ترشيح التوشيح وتوضيح الترجيح

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (808 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

سؤال في زمانه عن بيع التراب على الأرض الموقوفة، فأفتى عامة الفقهاء بالمنع، ورفعت الفتيا إليه فقال: ما زاد فيها بعد الوقف بهبوب الرياح وغيره يجوز بيعه (١)، فتنبهوا ووافقوه (٢). وفي «فتاوى البغوي» في «باب إحياء الموات» مسألة التراب، لكن في غير أرض الوقف، وكذلك في «فتاوى شيخه القاضي الحسين» في «باب الصلح» في تراب الشارع (٣). حادثة: في زمان أبي أحمد بن أبي القاضي، العالم ابن العالم ابن العالم ابن العالم، أربعةٌ وَلَاء أئمة علماء، وهو صاحب «الحاوي» القديم الذي باسمه سمى الماوردي كتابَهُ، كان من رُفَعاء تلامذة أبي إسحاق: سُئل عن بيع التراب من الأرض قدر ذراع طولا وعمقا لضرب اللبن، فقال: لا يجوز؛ لأنَّ الأرض يختلف ترابها (٤). حادثة: في زمان الإمام الجليل أبي بكر الفراتي، من تلامذة أبي إسحاق المروزي: استفتي بخوارزم عن رجل سقى جاريته دواءً ليُسقط ولدها، فقال: ما دامت نُطفةً

стр. 667

أو علقة فواسع له ذلك (١). قلت: النقل في المسألة في مذهبنا عزيز، وللغزالي في «الإحياء» عليها كلام متين ذكره عند كلامه في العزل، مع أنه لم يفصح في الإسقاط بتحريم ولا تحليل، وقد بسطت الكلام عليها في «الطبقات». ولا يخفى أنه قد تفعله الحامل من زنا، أو الأمة (٢) بإذن مولاها الواطئ أو مولاها غير الواطئ، بأن تحمل من واطئ بشبهة، أو الحُرَّة بإذن زوجها الواطئ أو غير الواطئ، أو بلا إذن في الصورتين، فهي صور لا تخفى (٣) منازلها، والنفس واقفة عن تحليل شيء من ذلك في كل الأحوال، مائلة إلى التحريم مطلقا، إلا في الحامل من زنا ما دامت نطفةً أو علقةً، والتحليل مطلقا عن الحنفية. حادثة: في زمان الشيخ أبي زيد، كتب بها إليه الحليمي مما وراء النهر: رجل اشترى جاريةً، فأتت بولد ادعى أنها ولدته بعد الشراء، وقال البائع: "بل قبله"، فأجابه الشيخ أبو زيد بأنَّ القول قول البائع؛ لأنَّ الأصل ثبوت ملكه في الحمل، والأصل عدم البيع وقت الولادة، قال الإمام في آخر «النهاية»: «هكذا حكاه الشيخ أبو علي، ولم يزد عليه» (٤). قلت: وكذا حكاه الإمام ولم يزد عليه، ولم أر من تكلّم على الفرع، وفيه

стр. 668

نظراً، وصورة المسألة أن يكون الحمل موجوداً عند البائع ثم يوجد الولد عند المشتري، ويُشَكَّ (١) أكانت ولادته قبل البيع أو بعده؟ والذي (٢) ينبغي أن يقال: إنه إن كان في يد المشتري فهو له، ولا تُرفع يده (٣) بمجرد وجود الحمل في يد البائع، ويشهد لهذا قول الأصحاب في «باب الكتابة» فيمن زوّج أمته من عبده ثم كاتب العبد، ثم باع منه زوجته وأتت بولد، فقال السيد: "ولدت قبل الكتابة، فهو لي"، وقال المكاتب: "بل بعد الكتابة والشراء، فهو مكاتب" = على أنَّ المكاتب يُصدَّق بيمينه؛ لأنه يدعي ملك الولد ويده مُقَرَّةٌ عليه، واليد تدل على الملك (٤). حادثة: بخوارزم في زمان الحمدنجي والفراتي: مُوصٍ استأجر وصيَّه، أفتى كلُّ منهما بالمنع، ثم اختلف بهما المأخذ، فقال الحمدنجي - فيما حكاه أبو سعيد الكرابيسي - لأنَّ الوصاية من أعمال البر، وقال الفراتي: أخطأ، بل لأنه لا يجوز أن يستأجر أجيراً على أن يعمل له (٥) بعد موته؛ لأنَّ عمله نفع (٦) بعد موته (٧). قلت: وهذا أصوب، ووقع عندي في المحاكمات: رجل جعل لوصيه على

стр. 669

أيتامه عُشر ما يحصله لهم من فائدة ماله الموروث، فهل يصح لكونه من فائدة ما خلفه، فلا فرق بينه وبين أن يوصي ببعض ذلك المال إذا خرج من الثلث أولاً؛ لأنه جعله أجرةً، فيتوقف على كونه أجرة المثل وكونه (١) مقدورا في الحال، والذي ترجح في نظري بطلانه؛ فإنَّ الميت لا ولاية له على نماء المال الذي يوجد بعد مِلك ورثته، وليس لهذا الوصي إلا أجرة عمله إن قدر له الحاكم أجرةً، حيث يجوز جعل الأجرة له، وقد تزيد على العشر وقد تنقص. وواقعة الحمدنجي والفراتي حكاها صاحب «الكافي» من أصحابنا من علماء خوارزم. حادثة: قال إمام الحرمين: «هي من وقائع نيسابور قديمًا»، بين يدي السيد: سالم وغانم، فقال: أحدكما حُرّ، ثم غاب سالم وبقي غانم، والتصق إلى جانبه مبشر، فقال: أحدكما حر، ومات قبل البيان، قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني: «يُقرع بين سالم وغانم، فإن قرعت سالما الغائب عتق، ثم يُقرع بين غانم ومبشر، فمن خرجت قرعته عتق، فيعتق اثنان، وإن خرجت القرعة الأولى على غانم رقّ سالم ولم تعد القرعة مرةً أخرى» (٢). وقال أبو الحسن الماسرجسي: «إذا خرجت القرعة الأولى على (٣) غانم عتق ورق سالم، ثم نعيد القرعة، فإن خرجت على غانم رق مبشر، وإن خرجت

стр. 670

على مبشر عتق وغانم حُرّ، وفائدة إعادة القرعة توقع عتق مبشر». قال الإمام: «والذي ذكره الماسرجسي أفقه وأغوص» (١). قال الرافعي (٢): «ورجح الشيخ أبو علي الأول». ولا (٣) ترجيح للشيخين في الفرع، وفصل ابن الرفعة فقال: «إن أراد معيَّنا كما اقتضاه تصوير الإمام الذي اتبعه فيه الرافعي؛ فما قاله الأستاذ صحيح، وإن أراد الإبهام فتظهر صحَّةُ قول الماسرجسي»، وأطال ابن الرفعة في تقرير ذلك، وفي (٤) منازعة الإمام في ترجيح قول الماسرجسي (٥). حادثة: بالمدينة العظمى مرو الشاهجان، أي: مستقر الملوك، وكما كانت دار الملك كانت دار العلم، قال القفال: «وقعت مسألةٌ بمدينة مرو: رجلٌ أوصى أن يُشترى عشرة أقفزة حنطة بمئتي درهم يتصدق بها، فوجدوا من أجود الحنطة عشرة أقفزة بمئة، فمنهم من قال: تُرَدُّ الزيادة إلى الورثة، ومنهم من قال: هو وصية لبائع الحنطة، ومنهم من قال: يُشترى بالزيادة حنطة بهذا السعر فيتصدق بها (٦).

стр. 671

ذكرُ الواقعة صاحبُ «البحر» في كتاب «الحج»، وقال: هذا الوجه الثالث لا يُتصوَّر في الحج (١)، وكان قَدَّمَ قبله اختلافًا بين أصحابنا بخراسان فيما إذا قال: أَحُجُّوا عني رجلًا بألف، وأُجرةُ المثل دون الألف = على وجهين، أحدهما: لا يُحَجُّ إلا بأجرة المثل؛ لأنه لم يُعيِّن ذلك الرجل، حتى يكون الباقي وصيّة له، والثاني: أنه وصيّةٌ لشخص موصوف (٢) بأن يحج عنه بأن يُدفع إليه كلُّ الألف، فتُعتبر الزيادة (٣) من (٤) الثلث) (٥). قلت: وبهذا جزم الرافعي، وأما قوله: «إنَّ الثالث لا يجيء في الحج» فقد يُمنع، ويقال: يَحُجُّ عنه اثنان حَجَّتين في عامين، بل في عام واحد، فإن صاحب «البحر» نفسه قال تبعا للماوردي فيمن عليه حجة الإسلام وحَجَّةٌ منذورة، فاستأجر رجلين في عام واحد (٦): «إنه يحتمل وجهين، أحدهما: اعتبار أسبقهما إجارة وإذنا، فينعقد إحرامه بحجة الإسلام، وما بعده بحجة النذر، والثاني: يحتسب الله بإحداهما عن حَجَّة الإسلام لا بعينها، والأخرى عن النذر» (٧). ولكن هذا من الروياني كلام فارغ من صحةِ حَجَّتين في عام واحدٍ من

стр. 672

الاحتمالين، وجعل الاحتمالين مبنيين على التصحيح (١)، فالعجب إهمال الروياني لهما، ولعله رأى أصحهما الصحة فجزم به، وهو ظاهر، فما (٢) المحال إلا حَجَّتان من واحدٍ في عام، كما سننبه عليه في «باب فوائد الوالد ﵀»، أما من اثنين عن واحدٍ فلا، وإذا أمكن فحَجَّتان خيرٌ من حَجَّة، كشاتين يشتريهما الوكيل بدينارٍ وُكِّلَ أن يشتري به شاةً، وَكُلُّ يساويه. ولقد رأيتُ الشيخ الإمام قسم حَجَّةً بين اثنين تنازعاها، وأمر كلا منهما أن يحج بها عن الموصي، وبهذا يظهر مجيء الوجه الثالث في الحج، فمن قال: يُشترى بالزيادة حنطة؛ لا يَبعُد أن يُحَجَّ بالزائد حَجَّةٌ أخرى، إذا جوزنا فعل حجّ التطوع عمن (٣) لم يوص به، وهذا إذا لم نجد حنطةً تساوي ما ذكره الموصي، فإن وُجِدَ فاشتري بدونه لجهة الوصية فهو باطل. ووقع في المحاكمات: موص بعتق رقبة بأربعمئة، فاشترى الوصي رقبةً بثلاثمئة - مع تمكنه من شراء أخرى بأربعمئة - وأعتقها، فقلت: إن اشترى بعين الموصى به؛ فالشراء والعتق باطلان، أو (٤) في الذمة وقع العتق عنه، ويجب استئناف شراء رقبة بالقَدْر المعيَّن. حادثة (٥): في زمان القفَّال بمرو: كان مُصَلَّى العيد بمدينة مرو بقعةً مغصوبة، فكان

стр. 673

الشيخ القفال يستنزل الناس عن جداره؛ لأنه ليس بمسجد (١)، فلا يقتدي من عليه بمن فيه؛ لأنَّ ائتمامَ مَنْ في سطح الدار بمن فيها غير صحيح (٢)، بخلاف المسجد (٣). قلت: ولعل مصلَّى أهل مرو اتخذ مسجدًا، وإلا فمجرد كونه مصلى - ولو لم يكن مغصوبا - لا يعطي (٤) حكم المسجد، كما صرح به الغزالي في الفتاوى، وفي هذه الحادثة (٥) مزيد كلام ذكرته في «الطبقات» (٦). حادثة: في زمان الشيخ أبي محمد بنيسابور أعمر مدن خراسان إذ ذاك بالعلماء: استجدى رجل من الناس مالا ليبني به مدرسة، فأفتي بأنه ليس له أن يفعل به غير ذلك، وأنه لو جعلها مسجدًا لم تصر، بل تصير مدرسة بنفس الشراء، قال: «لِمَا تقدم من النيات المتقدمة والتقييد السابق». قال في كتاب «موقف الإمام والمأموم» (٧): «وإنما ذكرنا هذا عن أصل منصوص»، كذا قال، والحكم بصيرورتها مدرسةً من غير تلفظ بإيقافها بعيد، وأما تعين صرف المال إلى تلك الجهة فهي مسألة أبي زيد (٨) فيمن أعطي درهما

стр. 674

وقيل له: "إغسل به ثوبك (١). حادثة: في زمان القاضي الحُسَين بمروروذ، مدينة على وادي مرو، بينها وبينها أربعون فرسخاً، كان القاضي الحُسَين وتلميذه البَغَوي مُقيمين بها: ورجل (٢) قال: "كلُّ امرأة لي غيرك طالق"، ولا امرأة له سواها، قال لنا الشيخ الإمام: «إستفتي القاضي الحُسَين فيها فقال: إن قاله على سبيل الشرط، أي: على جعل "غير" صفةً لم يقع، وإلا فيقع؛ لأنه إستثناء مُستغرق»، وقال المعلِّق عنه: ينبغي أن لا يقع مُطلقاً. قال الشيخ الإمام: «وهو الذي استقر عليه رأيي، وليس هذا مُستغرقاً، إنما المستغرق ما اتحد فيه مدلول المستثنى والمستثنى منه لفظاً، أو رُفِعَ حكماً بعد ثبوته، فبذلك يتهافت الكلام ويبطل، بخلاف ما نحن فيه، فإنَّ الكلام غير متهافت» (٣). قلت: ووجدتُ ذلك في الفروع المنشورة آخِرَ «باب الأيمان» من «الكافي» للخوارزمي في رجل أجلَسَ (٤) زوجته في المقابر وقال: "كلُّ امرأة لي سوى التي في المقابر طالق" موهماً بقوله: "في المقابر" أن زوجته ماتت. ولا فرق بين "سوى" و "غير" هنا، ولكن الذي ذكره القاضي الحُسَين هو

стр. 675

الذي ذكره شيخه القفال في «فتاويه» (١)، قال لنا الشيخ الإمام: «أما إذا أخر "غيرا" فقال: "كلُّ امرأة لي طالق غيرك"؛ فيقع» (٢). قلت: وهذا غير منقول، وقد ذكر الشيخ الإمام الفرع في «باب الإقرار» من «شرح المنهاج»، ولم يذكر فيه ما كان ينقله لنا عن القاضي، ولا ما نقلناه نحن عن القفال، بل اقتصر على ما استقر عليه رأيه، أما "نسائي طوالق إلا عمرة" ولا سواها؛ ففي «الرافعي»، وليست مما نحن فيه. حادثة: بالري إحدى مدائن الديلم بين قومس (٣) والجبال: وارث بالري مات مورثه بمرو الروذ، وله بمرو الروذ ديون، فأفتى القاضي الحسين بجواز استيفاء قاضي مرو الروذ لها؛ حفظاً للغائب (٤). قلت: وهو ظاهر إن خشي ضياعها عند من هي في ذمَّته (٥). حادثة: بِسَرَخْس، بلدة قديمة بخراسان: بعثت منها امرأة رسولًا إلى قاضي مروروذ ليزوجها من رجل بمروروذ، فقال القاضي الحسين: «لا يجوز؛ لأنها ليست في ولايته» (٦).

стр. 676

حادثة: في طبرستان - وهي مدينة آمل وعملها -: شهدوا أنَّ هذه الدار لفلان إلى أن مات، وخلفها ميرانا لابنه هذا، ولم يقولوا: إنها الآن (١) ملك الابن، أفتى القاضي الحسين بأنه لا يُحكم بهذه الشهادة كالشهادة بملك متقدم (٢). قلت: وحكى صاحب «البيان» فيها اختلافا للمتأخرين، وقال: «الأصح عندي (٣) مذهبًا وحجاجًا أنه يُحكم» (٤). قلت: وكذا قال ابن الصلاح في فتاويه: (إنه الأصح)، قال: «ولا يُخرج على الخلاف بملك متقدم» (٥). وهو قضيَّةُ ما رجحه الرافعي؛ لأنه ذكر في الفروع المنثورة آخِرَ «الدعاوى والبينات»: أنهم لو شهدوا أنه اشتراها المدَّعِي من فلان وهو يملكها - ولم يقولوا: ملك المدعي الآن - ففي القبول قولان، كما لو شهدوا أنها ملكه أمس، قال: والمفهوم من كلام الأكثرين أنها مقبولةٌ كافية (٦). قلت: وهو ظاهر النص في (المختصر في باب الدعوى على الميراث) (٧).

стр. 677

حادثة: في زمان القاضي أبي الطيب والماوردي ببغداد: أمر الخليفة أن يزاد في ألقاب جلال الدولة ابن بويه شاهنشاه، فأفتى (١) الماوردي بتحريمه، واحتج بحديث: «أخنع اسم عند الله يوم القيامة: رجل تسمى ملك الأملاك» (٢)، وأفتى القاضي أبو الطيب بالحل؛ لأن المقصود ملوك زمانه (٣). حادثة: في زمان القاضي أبي الطيب بمدينة عمان: رجل حلف بالثلاث ليحجن (٤) هذه السنة، فأفتاه بعض الأصحاب تفريعا على السريجية أن يقول: "إن حنثت في يميني فأنت طالق قبل ذلك ثلاثا"، ثم لا تطلق وإن لم يحج، وخالفه بعضهم وفرق بينها وبين السريجية بأن يمينه انعقدت على الحج، فلا يملك حلها. وصوب القاضي أبو الطيب الأول، وضعف الفرق بأن التعليق يسقط بصفة تقطعه، كما إذا قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق، فإنه يقدر على إسقاط ذلك بأن يقول: أنت طالق قبل مجيء الشهر بيوم، وقد حكى الروياني الحادثة في «البحر» وصوب القاضي أبا الطيب، والأمر كما قال (٥). حادثة: في زمن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي (٦)، بإسفرايين، مدينة بين المدينتين

стр. 678

العظيمتين للشافعية، وهما جرجان ونيسابور - وكان يقال: إسفراين، ونسا، وأبيورد عرائس ينشزن على المبتدعين، وهي مستقر الأستاذ أبي إسحاق وتلميذه الأستاذ أبي منصور: ذُو ابن وبنت قال: "أوصيتُ بثُلث مالي بعد نصيب البنت من رأس المال " قيل (١): يَدخُلُ النقصان على البنت دون الابن. وأحسب القاضي الحسين أفتى (٢) بذلك، فإنَّ عبارته من «فتاويه» تُشعِرُ به، وأفتى الأستاذ أبو منصور البغدادي بدخول النقصان عليهما جميعاً؛ لأنه لو اختص بالبنت (٣) تقدَّم الميراثُ على الوصية، وهو خلاف قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِهَا أَوْ دَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، كذا قال، والذي يظهر أن يُقرّر (٤) نصيب البنت ثم يُصرف (٥) ثلث ما بقي، والثلثان يُضمان إلى ثلث الأصل، ويُقسمان بين الابن والبنت، للذكر مثل حظ الأنثيين، فيدخل النقص عليهما، وهو مُراد أبي منصور (٦). حادثة: في زمان الشيخين أبي إسحاق الشيرازي وأبي نصر ابن الصباغ ببغداد: في صائم قال لامرأته: "إن أفطرتُ على حار أو بارد فأنتِ طالق"، فغربت الشمس، هل تطلق؟ قال ابن الصباغ: تطلق؛ لقوله ﷺ : «فقد أفطر الصائم» (٧)،

стр. 679

وقال الشيخ أبو إسحاق: «لا تطلق؛ لأنه أفطر على غير هذين» (١). وقد يقال: إنَّ الشيخ أبا إسحاق مسبوق بذلك، سبقه شيخه القاضي أبو الطيب، إذ نصّ في التعليقة على أنَّ الفطر يحصل بالغروب، أكل الصائم أو لم يأكل، وكذلك قال الروياني في «البحر»، ونقله الرافعي قبيل (٢) «باب القضاء (٣)» عن «فتاوى الغزالي». لكن مسألة الشيخين في حار وبارد، ولا فرق؛ لأنَّ هذه العبارة يُقصد بها في العرف التعميم ومطلق الفطر، وقد يقال: عمومها بالنسبة إلى ما يدخل الجوف من المفطرات، سواء حارُّها وباردُها، فليس الغروب - وإن حصل به الفطر الشرعي - من ذلك (٤). حادثة: في زمن ابن الصباغ ببغداد: رجل قال لامرأته: "أنت طالق (٥) على سائر المذاهب"، قال القاضي أبو منصور ابن أخي ابن الصباغ: «لم أجدها منقولة، فسألتُ شيخنا ابن الصباغ فقال: يقع في الحال، قال: وسمعتُ أنَّ القاضي أبا الطيب قال: لا يقع؛ لأنه لا يكون أوقع ذلك على (٦) المذاهب كلها»، قال: «ولا

стр. 680

بأس بهذا القول (١). قلت: والذي يترجح عندي وقوع الثلاث في الحال، وإليه صَغْو الغزالي، ذكره في «فتاويه» (٢). حادثة: في زمان القاضي (٣) أبي بكر الخُجَندي بأصبهان: حكم حاكم (٤) باجتهاده بعد أن أعوزه النص، ثم ألفى النص على وفق ما حكم، فأفتى الخُجندي - وهو شيخ الشافعية إذ ذاك بأصبهان - بأنَّ الحكم نافذ، وفصل ابن الصباغ فقال: «يَنفذ من حين وجود النص»، فإن أراد أنَّ الحاكم إذا وجد النص جدد الحكم بمقتضاه ليكون مستندا إليه، فلا بأس به، وللشيخ الإمام ﵀ الكلام يشهد له ذكرته في «الأشباه والنظائر»، وإن أراد أنه ينفذ من غير حكم متجدد، ويتبين أنه قبله فاسد؛ ففيه نظر، والأرجح قول الخُجَندي (٥). حادثة: بالموصل في زمان ابن البزري والقاضي الماكسيني: رجلٌ أقر بأنَّ جميع ما في يده لزيد، فهل يُنتزع كل ما في يده من غير رجوع إلى تفسيره؟ قال الماكسيني: «لا ينتزع»، وخالفه - فيما أظن - ابن البزري والشيخ كمال الدين - وأحسبه ابن يونس - وغيرهما (٦).

стр. 681

وقد تكلمتُ على المسألة في «الطبقات» وقلتُ: إنّ لها صورًا: تارة يقول: «ليس في يدي إلا كذا» فيقبل، صرح به الأصحاب. وتارة يقول: «لم أرد إلا كذا»، والصحيح عند النووي والوالد أنه لا يقبل، وهي مسألة القاضي أبي سعد. وتارة يقول: «ليس لي مما في يدي إلا كذا»، فقد ذكروا أنه يقبل. وتارة لا يدعي بعد ذلك شيئًا، بل يسكت أو يموت، فهل يقدّم على انتزاع كلّ ما في يده، أو يتوقف إلى أن يفسّر بما يشاء؟ وهذه حادثة الماكسيني، والذي يظهر فيها خلاف قوله، وأنه ينتزع، نعم، إن تنازع المقرّ له والورثة في شيء؛ هل كان في يده وقت الإقرار؟ ففيه خلاف بين القاضي الحسين والبغوي تكلمتُ عليه في «الطبقات» في ترجمة القاضي (١). واعلم أن الحوادث أكثر من أن يحصرها كتاب، ولم أذكر إلا ما استغربتُ واستظرفتُ (٢)، وشوّقتُ به إلى النظر في كتابنا «الطبقات (٣) الكبير (٤)»، فإنّ فيه من هذا النوع الكثير، فأحببتُ أن أُري أنموذجَهُ. مُهِمَّةٌ: قد يكون الشيء مولّدًا فلا يعطيه النظر ما يعطيه عند حدوثه ووقوع الابتلاء به، فوقوع الابتلاء به يشبه المعاينة، وتوليده يشبه الخبر، وليس الخبر كالمعاينة،

стр. 682

فللمسألة منازل: أن يولدها الخاطر، فيُقضى فيها بشيء. ثم تقع، فيتجدَّد بالاستقراء فيها من النظر ما لم يكن. ثم تَنزِلُ بالحُكَّام، فلهم نظر أخص من نظر المفتي؛ فإنهم يُطبِّقون الكليَّ على الجزئي، ولا مطمح بعد نظرهم إذا جرى على ميزان الاعتدال. فإن قلت: أرني مسألة حدث للناس فيها تجدَّد نظر بحدوثها، مخالف لنظرهم عند تولدها؟ قلتُ: هي (١) مسألة موت الأجير على الحجّ بعد الأخذ في السير وقبل الإحرام، المنصوص فيها أنه لا يستحق شيئًا، ثم ابتُلي الناسُ بها في عام القرامطة، فقال ابن أبي هريرة مرَّةً (٢) - كما نقله (٣) صاحب «البحر» -: «اجتمعتُ أنا والمحاملي والإصطخري، واتفقنا على أن يُفتى بأنَّ من خرج ليحج عن غيره يُرضخ له شيء». وذكر الشيخ أبو حامد أنهم أفتوا بأنَّ له الأجرة بمقدار ما قطع من المسافة، وهو منقول الرافعي عن الصيرفي والإصطخري، وهذا المحاملي هو (٤) القديم، سابق على العراقيين والخراسانيين (٥).

стр. 683

ووقع في زمان أبي العباس ابن القاص أنَّ رجلا حمل متاعا لغيره، فتعرض له في طريقه بعض اللصوص، وأخافه بالقتل إن لم يسلّمه فسلَّمَه، فأفتى ابنُ القاص بأنه يغرم؛ لأنه افتدى نفسه بمال غيره، وهو الصحيح، ذكروه في «الوديعة»، وخالفه أبو جعفر الحناطي والد الحناطي المشهور فقال: «لا غرامة عليه؛ لأنه مكره»، فرأى أبو علي الزجاجي تلميذ ابن القاص رسول الله ﷺ في المنام، فقال له: الصواب ما قال أستاذك ابن أبي أحمد (١). وبهذاوأشباهه (٢) يتبين لك أنه لا يُعتمد على الفتاوى في الوقائع الجزئيَّة كما يُعتمد على الكتب المصنفة، فإنَّ الفتيا قد تختص بواقعة لأمر ما رآه المفتي فيها، فلا يُلحق بها غيرها (٣)، وقد قدمنا عن الشيخ الإمام ﵀ ما يؤيد ذلك. وكم من مقالة ضعيفة يختارها العالم في حادثة خاصة، إما لتخفيف أو تغليظ بحسب تقارب (٤) تلك الحادثة أو بشاعتها (٥)، فلا يؤخذ من ذلك ذهابه إلى القول بها مطلقا (٦). (٧)

стр. 684

تهييج وتشويق: فرق بين الحادثات، والواقعات (١)، والنازلات، والمولدات، والمستخرجات، والمطارحات، والمفرَّعات، والمستنبطات، والملغزات، والمستطرفات، والممتحنات، والمفحمات، والشاردات، والنادرات، والمستثنيات، والمشتركات، والمحاضرات، والمحاورات، والمغالطات، والنكات، لعلنا نحققه في كتاب «الأشباه والنظائر». وقد يُطلق على أكثرها اسم المعاياة (٢)، وقد يُطلق على كلّ واحدٍ منها اسم الآخر، وفي أمثلتها كثرة، وما من نوع - غير النكات - إلا (٣) وقد تقدم الكثير منه، وسنختم الباب إن شاء الله بيسير. تتميم: تقدَّم خلال الكلام ذكر (٤) المذكور في غير مظنته إلا في النادر، ومثله المذكور في غير فنه، لا سيما ما يغلب على الظن اتباع متأخر فيه متقدمًا، فربما ذهل صاحب الفنّ عند تكلمه في آخر، لا سيما حيث هو مقتف. فما ادعى القاضي الحسين في «باب صفة الصلاة» من «تعليقته» أنَّ الصلاة المعادَةَ في (٥) الوقت بعدما أفسدت قضاء، وتابعه عليه صاحبًا «التتمة» و «البحر»

стр. 685

إلا تبعا للقاضي أبي بكر، فهو مذهبه في الأصول (١)، وهو عند الأصوليين شاذ، والمعروف أنها أداء؛ لبقاء الوقت المحدد شرعاً، وبه جزم صاحب «التنبيه» في «شرح اللمع» (٢)، وأشار إلى أن الخلاف لفظي (٣)، وهو حق. وبه يتضح أنه لا يُسلَّم للقاضي الحسين ومن تبعه دعواهم - تفريعا على قولهم بالقضاء ــ في مقيم سافر، أو مسافر أتم، فأفسد = أنه لا يقضي إلا تماما؛ بناءً على منع قصر الفوائت، بل الجاري على وفق الفقه القصر واستئناف الجمعة إذا وقع ذلك فيها ما بقي الوقت. وأما تسميته أداء أو قضاءً فمسألة أصولية تؤخذ من فنّها لا من (٤) كتب الفقه، فقول القاضي الحسين شاذ في الأصول - وكلُّ فنّ مُسَلَّم إلى أهله - وتفريعه أشد شذودًا. إيه ولا ادعى الرافعي في شرح المسند الاتفاق على أن تشييع الجنازة خلفها أفضل للماشي إلا تَبَعًا للخطابي (٥)، ومذهبنا كما نص عليه هو في «شرحيه»: أفضلية المشي أمامها (٦). ولا قال عَصْرِيه ابن شداد: ما السلطان في غير الجمعة والعيدين أحقُّ

стр. 686

بالإمامة من صاحب المنزل إلا تبعاً للخطابي أيضا، والجمعة والعيد غالبًا لا يكونان في الدور، فلو رجّح أولوية ربّ الدار مطلقًا وَجَدَ قولا رجحه أبو بكر البيضاوي الحاكي (١) وجهًا أنَّ لفظ: «المِرْوَدُ في المُكحلة» (٢) يتعين على شاهد الزنا، والقائل بمنع الحائض قضاء الصلاة، وإلا فالتفصيل جَلَبٌ (٣) من شذوذ (٤) ابن شداد. ذاك الذي ماذا لقي منه صاحب «الذخائر» وقد اعترض قوله: «لا يثبت بواحدٍ إلا رمضان» = بثبوت الحيلولة بالواحد، ولو شافه قاضي حلب قاضي مصر لأوشك أن يناديه: يا هذا، ما بالحيلولة يثبت شيء، وما أنا وحدي قلتُ ذا القول، وليته اعترض الحصر بصور عددتها في «التوشيح» (٥). إيه ولا قال النووي في شرح مسلم: «إن غَلَبَ الحرام في يد السلطان حُرِّمت عطيته إلا تبعاً للقاضي عياض، وإلا فهو المنكر في شرح المهذب» هذه المقالة على الغزالي القائل: «مشهور المذهب الكراهة لا التحريم» (٦).

стр. 687

باب الترجيح قد بينا في مقدمة هذا الكتاب التي أفردناها عنه أنه (١) لم يتقيد الثلاثة الرافعي والنووي والشيخ الإمام - ولا (٢) واحد منهم في ترجيحه بالأكثر، بل كل (٣) اتَّبع ما أداه إليه نظره، فإن ألفى الأكثر في جانبه فربما اعتضد به؛ لأنه من المقويات على الجملة، وإلا فلا عليه. وقلنا مع ذلك: إن أقربهم إلى التقييد بالأكثر الرافعي؛ لأنَّا لم نجده يُفصح بتصحيح مخالفتهم، بل إن حاولها أومأ إلى التردُّدِ في تسليم مخالفتهم ما وجد إليه سبيلا، ثم لم يجئ بصريح تصحيح، بل يومئ إيماءً (٤) إلى الترجيح بأسهل عبارة وألطف إشارة. أما هو القائل في «الشرح»: «أكثر الأصحاب - لا سيما المتقدمين - على تجويز النظر إلى الأجنبية»، ثم لم يُفصح عند مخالفتهم بذكرهم، ألا تراه لم يذكرهم في «المحرر»، إذ فيه: «الأولى التحريم» (٥). أما هو القائل فيما إذا كان العلو لواحد والسُّفل لآخر، وتنازعا المرقى

стр. 688

الداخل المنقول: «إن ابن كج نقل عن الأكثرين أنه لصاحب العلو، وعن ابن خيران: أنه لصاحب السفل»، ثم لم يزد على قوله: «وهو الوجه»، مع أنه قد لا يوافق ابن كجّ في العزو إلى الأكثر (١). أما هو الناقل في العين المستعارة (٢) للرهن تفريعًا على أنَّ سبيله العارية عن الأكثرين: أنه لا يرجع إلا بالقيمة إذا بيعت بأكثر منها، وعن القاضي أبي الطيب بما بيع، ثم قال: «وهذا أحسن، واختاره الإمام، وابن الصباغ، والروياني»، فاقتصر على الأحسنية مع التقوية بهؤلاء (٣). أما هو القائل في الوكيل بالخُلع يَنقص عن مهر المثل في صورة الإطلاق مشيرًا إلى عدم الوقوع: «كأنه أقوى توجيها» لم يزد على ذلك، ثم استدرك فقال: «لكن العراقيين، والقاضي الروياني، وغيرهم رجَّحوا الأول» (٤). أما هو القائل: «إذا اشترى شاةً، وجعلها أضحيَّةً، ثم وجد عيبًا، رجع على البائع بالأرش، وأكثرهم على أنه يصرفه إلى جهة الأضحية، والأقوى أنه يكون له» (٥). أما هو القائل في المسابقة: «لا يضر اختلاف النوع، وعن أبي إسحاق: إذا تباعد النوعان لم يجز، وهذا ينبغي أن يُرجَّح، وإن كان الأول أشهر (٦)،

стр. 689

انتهى. مع أنه لا يلزم من الأشهرية أنه قول الأكثر. أما هو القائل فيما إذا دَمِي سلاح المحارب وهو في صلاته: «الأقيس نفي القضاء» بعد (١) نقله أنَّ الإمام حكى عن الأصحاب القضاء (٢). أما هو القائل: «إنَّ العراقيين ينسبون عدم ثبوت الوقف بشاهد ويمين إلى عامة الأصحاب» مع قوله: «إنَّ الثبوت أقوى في المعنى، وهو المنصوص، وصححه الإمام، والبغوي وغيرهما، وجزم به الغزالي» (٣). أما هو القائل: «إنَّ عامة الأصحاب وظاهر كلام الشافعي ردُّ شهادة من يمدح بالكذب البحت إذا كثر، كالكذب، وأنَّ القفال والصيدلاني قالا: لا يلتحق بالكذب؛ لأنَّ الشاعر إنما يقوله صناعة»، ثم قال: «وهذا حسن بالغ» (٤). أما هو القائل في «الشرح الصغير»: «أظهر القولين عند أكثرهم أنَّ ولَدَ المدبَّرة مدبَّر» مع تصحيحه في «المحرر» خلافه، وفيه أيضًا في رهن سريع الفساد بمؤجل: «الأظهر عند الأكثرين الصحة»، وقال في «الشرح الكبير»: «مَيلُ من سوى العراقيين إليه، وهو الموافق للنص في المختصر»، مع ترجيحه في «المحرر» الفساد (٥). أما هو المومئ بحثًا إلى ترجيح قول القفال بالقطع بجواز استخلاف القاضي

стр. 690

في أمر خاص، ومخالفة الأكثرين في جعله على الخلاف في الاستخلاف (١) في أمر عام (٢). أما قال فيما إذا قالت: "طلقني ثلاثا بألف"، فقال: "أنتِ طالقة (٣) واحدةً بألف وثنتين مجانا": «الذي نقله الفوراني وحكي عن رواية القاضي الحسين وغيرهما: أن الأولى تقع بثلث الألف، ولا تقع الأخريان، وقال الإمام: القياس الحق: أن لا تقع الأولى وتقع الأخريان رجعيتين. وهو حسن متوجّه، والأول بعيد» (٤)، فما زاد على أن استحسن، واستبعد ما لم يُفصح بأن الأكثر عليه، وإن أومأ إليه. فقد بان لك بما ضربت من المثل عدم تقيده بالأكثر ترجيحاً، كما بان تقيده بهم تصحيحاً. فإن قلت: بل قد أفصح بلفظ (الأصح) في مقابلتهم، ألا تراه في «باب سجود السهو في الجلوس بين السجدتين» يقول: «الأصح أنه قصير»، مع نقله عن الأكثر طوله. ألا تسمعه في باب الكفارات يقول: «وفي «التجربة» للروياني: أنَّ الأصحاب قالوا: يجزئ الشيخ الكبير، ومنعه القفال إذا عجز عن العمل، وهو الأصح» (٥).

стр. 691

بل ربما جاء بلفظ «الحق»، وماذا بعده إلا الضلال؟! فضلا عن مقابل الأصح، ونذكرُ ذِكرَه في الإقرار: أنَّ الأكثرين قالوا فيمن مات وخلف ألفًا، وادعى عليه إنسان بألف، وآخَرُ أنه أوصى له بالثلث، وصدقهما الوارث معا: «إنَّ المال يُقسم بينهم أرباعًا»، وأنَّ الصيدلاني قدَّم صاحب الدّين، قال: «وهو الحق» (١) وقوله مخالفا للأصحاب في الخنثى المشكل يوجد منه مني، أو حيض، أو مني وحيض من الفرج: «قال الإمام - وهو الحق -: ينبغي أن يُحكم ببلوغه»، بعد نقله عن عامة الأصحاب أنه لا يُحكم (٢). قلتُ: أما الجلوس بين السجدتين فلم (٣) يُفصح بأنَّ الأكثرين على طوله، بل قال: «إنَّ إمام الحرمين حكاه عن ابن سريج والجمهور، وأنه حكى عن الشيخ أبي علي قِصَرُه (٤)»، ثم قال: «وهذا هو الذي ذكره الشيخ أبو محمد في «الفروق»، وتابعه صاحب «التهذيب» وغيره، وهو الأصح» (٥)، انتهى. فلم يلفظ بالصحيح بل بالأصح، وفرق بينهما، ثم أومأ بما نقله عن الشيخ أبي محمد ومن معه إلى التوقف في نقل الإمام عن الجمهور، وأفصح في «الشرح الصغير» بما سنحكيه. وأما منع إجزاء الكبير بعجزه عن العمل في الكفارة، فلعل قوله: «وهو

стр. 692

الأصح» من تتمة منقوله عن الروياني؛ لأنَّا وجدناه قاله في «التجربة»، وبتقدير كونه من كلام الرافعي فهو تقييد لإطلاق الأكثر، لا صريح مخالفة. وأما مسألة الصيدلاني فما جعل قوله: «الحق» إلا مشيراً إلى المنازعة في أنَّ الأكثر على خلافه، ويؤيد ذلك كلام القاضي أبي سعد في «الإشراف»، فقد رأيتُ فيه ما ينازع في كون الأكثرين عليه. وأما مسألة المشكل فمشكلة، واعلم أنَّ المنصوص فيما إذا خرج من ذكره ما هو بصفة المني، ومن فرجه ما هو بصفة الحيض أنه لا يُحكم ببلوغه؛ لتعارض الخارجين، ولكن صحح خلافه؛ لأنه إما ذَكَرُ وقد أَمْنَى، أو أُنثى وقد حاضت، ولم يَجسُر - وقد صحح خلاف النصّ أن يعترف بمخالفته، بل اقتصر على قوله: «إنَّ ابن كج نسب عدم الحكم إلى ظاهر النص، وكذلك الإمام أشار في (النهاية) إلى التوقف في ثبوت النص». لكن النص ثابت لا مدفع له، وقد كان أبو عبد الله الحسين يناظر على أنه الحق، ويخطئ مؤوّليه، وما قاله متجه، ويدلُّ له جواب عامَّةِ الأصحاب فيما إذا وُجِد أحد الأمرين أو أمنى وحاض من الفرج، فإنَّ (١) قولهم: «لا يُحكم ببلوغه»؛ لجواز أن يظهر من الفرج الآخر ما يعارضه = يدلّ بطريق الأولى على أنه لا يُحكم ببلوغه عند وجود ما يعارضه من الفرج الآخر، فوضح إشكال (٢) صنيع الرافعي ومن سبقه من مؤولي النص فيه. ورُبَّ نص هذا شأنه، فنذكر صنيعهم في قول الإمام الأعظم ﵀ في الصبي

стр. 693

يبلغ في الصلاة: «أحببت أن يُتِمَّ ويعيد، ولا يتبيَّن لي أن عليه الإعادة»، وخروجهم جميعا عن ظاهره؛ لأنهم بين قائل بوجوب الإتمام واستحباب الإعادة وهم الجمهور، وقائل بوجوبِ الإعادة واستحباب الإتمام وهو عن ابن سريج على اختلاف عنه (١) ذكرته في «الطبقات»، ومفصل بين بقاء ما يسع تلك الصلاة من الوقت وعدم بقائه، وهو عن الإصطخري (٢). ولا تُعقل تعسفاتهم في قوله في «باب الفلس»: «وإن وجد الإمام ثقةً يُسلّفه المال حالا»، النص (٣)، فقد كثر جوابهم عنه، حتى قرأ بعضُهم «حالا» بالتخفيف، ولا يُنس (٤) النص في الجارية تباع وقد وضعت ولدًا، ثم وضعت بعد البيع آخر، وبينهما دون ستة أشهر = أنَّ الولدين للبائع. وتطاول الإمام في آخر (النهاية) إلى قوله في معارضة النص: «الصواب الذي لا يجوز غيره: أنَّ الثاني للمشتري»، وإن علل نفسه بالأماني، وذكَرَ أنَّ ما رآه الصواب قول حكاه الخضري (٥)، ولم يذكر نحو قول الشافعي ﵁: «ولا يجوز ترك صلاة الكسوف»، وقوله في صلاة الجماعة: «لا أجيز تركها»؛ لاتفاق العارفين بكلامه على تأويله، وهم أفهم لأنفاسه، وأدرى بقيله، ومثله كثير، ولسنا له، فلنعد إلى ما نحن له الآن فنقول: وبالجملة لم نجد للرافعي تصريحاً بتصحيح ما صرح بأن الأكثر على

стр. 694

خلافه، وكأنَّ لفظ الصحيح عنده لما ثبت نقلا وإن خالفه نظرًا، ومِن ثَمَّ ربما ضم إليه ما يشير إلى ترجيحه في نظره. ألا تراه قال في «النفقات في الإعسار بالمسكن: «الأصح ثبوت الخيار» إلى أن قال: «وهو أوجه» (١)، فجمع بين كونه أصح وأوجه لما ذكرناه، وإلا ففي لفظ «الأصح» غُنيةٌ عنه (٢)، بل «الأوجه» بعد الأصح» توهين بعد تقوية؛ لأنَّ لفظ «الأصح» أبلغ في الترجيح. ألا تراه قال في (٣) آخر «باب التيمم» في فاقد السترة بعد حكاية القولين في أنه يصلي قاعدًا أو قائما: «وأصحهما أنه يصلي قائما ويتم الركوع والسجود» إلى أن قال: «هذا نقل (٤) المعظم، وهو الظاهر، فلو لم يُفد قوله: «وهو الظاهر» بعد (الأصح (٥)) شيئًا جديدًا لكان عِيًّا، وما الجديد إلا الترجيح من قبل نظره. ألا تراه قال في الشرح الصغير في مسألة الجلوس بين السجدتين»: «إِنَّ الأصح الأقوى كونه قصيرًا» مشيرًا - إن شاء الله - بـ «الأصح» إلى رجحانه نقلا، وبـ «الأقوى» إلى رجحانه نظرا (٦). فإن قلت: أله قدوة في إطلاق الأصح على ما لا (٧) يراه؟

стр. 695

قلتُ: الباز الأشهب، عَلَمُ المذهب، أبو العباس ابن سريج، حيث صحح رواية الربيع في كتابة العبد المجنون على رواية المزني، فقد قال المحققون من أئمتنا (١) منهم إمام الحرمين: «لم يصحح أبو العباس رواية الربيع تفقها ولكن نقلا؛ لأنه رآه أوثق في النقل مع علو قدر المزني، وما استرابوا في ميل منقول الربيع عن قاعدة الفقه، وأن القياس منقول المزني» (٢). واعلم أن جميع ما أوردته مختص بما فيه الأكثرون، فهو الذي يتردد الذهن هل يتقيّدون فيه بالأكثر، أما ما لا كلام للأكثر فيه، أو تكلّموا ولكن انقسموا ولا أكثر في أحد الطرفين = فلا يتصور أن يقال: يتقيد بالكثرة؛ إذ لا كثرة، وقد قدمنا في المقدمة في هذا كلاما مشبعاً. تنبيه: ما من فصل من هذه الفصول التي سقناها في «باب العجائب والغرائب» إلا وقد كنا بسبيل (٣) من أن نزيده أمثلةً، غير أنا خشينا الإطالة، وكان القصد التنبيه على أنموذج لو استوعب العارف بكتاب الرافعي جزئياته لأنافت على سفرٍ كامل مع الاختصار. فإن قلت: ما بالك مُنذ وصلت إلى فنّ العجائب والغرائب قصرت نظرك على ألفاظ الرافعي، ولم لا فعلت ذلك بكلام أبيك وشيخه ابن الرفعة وهما متأخران عنه؟

стр. 696

قلتُ: لأنَّ كتاب الرافعي هو العمدة، ثم إنَّ لي به خصوصيَّةً زائدة، ولي الازمه منذ كنتُ ابن ثلاث عشرة سنة، وما ظنك بمن كان قبل الثلاثين من عمره يقول له مثل الشيخ الإمام: ما فعل رافعيكَ؟ وهل هذه المسألة في «الرافعي»؟ اعتقادا منه أنه آت عليه استحضاراً (١)؛ لملازمته إياه ليلا ونهارا. واعلم أن مبسوطات مذهبنا التي تُعتمد، ويلجأ إليها في المعضلات ويستند، ولم يلحقها من الجامعين بعدها أحد، ثلاثة: «الحاوي الكبير» للقاضي أبي الحسن الماوردي، والمذهب الكبير المسمى بـ «النهاية» لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني، والشرح الكبير للإمام الرافعي، هذه عُمَدُ المذهب، والمتداولة بين أهله كلما لاح نسيم العلم وهب، والمستضاء بنورها كلما أظلم من المشكلات غيهب. ولسنا ننكر (٢) علو قدر ت «عليقة الشيخ أبي حامد»، ولا نعدِلُ بتعليقتي القاضيين أبي الطيب والحسين، و «بحر الروياني»، وغيرها من تصانيف تتنازل لها الفراقد، ومجموعاتٍ جموعات لكل إمام في هذا المذهب ناقد، حتى ننتهي إلى «مطلب ابن الرفعة» أعظم به من مطلب دونه المهالك، ومبسوط عظيم المسالك، وعلي مقدار لو ناداه الجبل الأشم لقال ترفعاً: أَنَّى يُستجاب لذلك. ولكنا نقول: إنَّ هذه الثلاثة التي نصصنا عليها وأشرنا إليها هي الجامعة (٣) للمذهب على منوال فَرْدٍ، الحاملة على كاهلها جمهور مسطوراته التي تكاثرت عن العد، المغنية غالبًا عن غيرها، ولا يغني غيرها عنها، الموثوق بها في الفتيا

стр. 697

حيث يأمر الفقيه وينهى. ثم بينها عموم وخصوص. ف- «الحاوي» أكثرها تقسيما، وأجمعها للنصوص خصوصاً، ولكلام المتقدمين من أئمتنا عموماً، وأوضحها علَّةً، وأكثرها أدلَّةً، وأرشدها إلى شُبَه المخالفين، وأعودها فائدةً على المدرسين. و (النهاية) أفحلها عبارةً، وأكملها (١) إشارةً، وأعظمها تحقيقا، وأفحمها طريقا، وأصحها (٢) على السُّبُل (٣) عِيارًا، وأقربها في مجالس النظر انتصارا، وأوقعها على محَزّ (٤) البحث إذا وقفت الأذهان، وأكثرها تمسكا بحرف المسألة إذا كادت من الحيرة (٥) تغيب عن العيان، وأفضلها (٦) لطالبي الغايات سبيلا، وخيرها لذوي التحقيق مستقرا، وأحسنُ مقيلا. كان الشيخ الإمام ﵀ يحكي لنا أن طلبة العلم كانوا مُهَذَّبيَّةً ووسيطيَّةً؛ لأنه كان من دأبهم (٧) أن يَلزَمَ كلُّ طالب بعد محفوظه من المختصرات كتابًا من المتوسطات (٨) يجعله دأبه الليل والنهار (٩)، فلهم في المختصرات مختصر

стр. 698

يحفظونه، إما «مختصر المزني»، أو «التنبيه» لأبي إسحاق الشيرازي، أو نحوهما، هذا للدرس والتكرار، وفي المتوسطات إما «المهذب» وإما «الوسيط»، هذا للمزاولة وترديد النظر الليل والنهار، وفي المبسوطات كتاب يرجعون إليه عند الأمور الكبار. فأصحاب «المهذّب» مبسوطهم «الحاوي»، وأصحاب «الوسيط» مبسوطهم «النهاية»، وتعيب طائفةٌ على طائفة لزوم كتابين، ومحاولة طريقتين، خشيةً من تبدد الذهن وعدم تماسكه إذا ازدحمت عليه الكتب. حتى جاء الرافعي ملخّصاً ما سبق من تصانيف عدة، فسد الباب على من بعده، ودعا أرباب المبسوطات إليه، وعاد أرباب «الحاوي» و «النهاية» عيالا عليه، وبحق نال هذا المنال، فإنه أجمعها شملا، وأوضحها (١) قولا، وأحسنها تلخيصاً، وأمتنها تعميماً وتخصيصاً، وأسهلها (٢) تناولاً، وأكملها حاصلا، وأعجلها للمستوفز، وأعودُها فائدةً للموجز، وأسرعها إجابة لمن يستوضح ويستبين، وأنفعها لذوي الإلزام من القضاة والمفتين، فلا غرو أن نخصه بالمداولة (٣)، ونمنحه في أكثر الأوقات المحاولة. وقد نَجَزَ بتمام هذا الباب ما هو كالحاشية لذلك الكتاب، على أنَّ في العزم تخصيصه بكتاب يأتي عليه مختص به، خادم بين يديه، أشمّر فيه إن شاء الله عن ساق الخدمة (٤) أشدَّ التشمير، وآتي فيه بالجامع الكبير ما بين مسائل أهملها رأسًا، وتتماتٍ مُهِمَّاتٍ لمسائِلَ ذكَرَها وأغفل تلك التتمة المهمة، ومن ذا الذي

стр. 699

لا ينسى؟! وفروع ذكرها استطراداً، أو جاء بها في غير مظنّتها اعتمادًا. إلى غير ذلك من التنبيه على مقيد أَطلَقَهُ، ومُطلَقٍ قَيَّدَهُ، وعام خصَّصَهُ، وخاصٌ عَمَّمَهُ، ووفاق أثبته خلافًا، وخلاف جعله وفاقًا، وأصل لِمَا فَرَّعَهُ، وفرع لِمَا أصَّلَهُ، ومسكوتات لم يسكت عنها الزمان، ومعزوات إلى بعض المتأخرين مع كونها منصوصات، أو مما هي في كتب المزني وابن سريج وأبي إسحاق، والشيخ أبي حامد، والقفال (١)، ونحوهم من المتقدمين مسطورات - فمن عزا مسألة مسطرةً في كتب هذه الطبقات إلى نحو «التهذيب» و «التتمة»؛ تطرق العتاب إليه متطرقات - ومباحث أبداها ظهَرَ النقل بوفاقها أو خلافها، وخلافٍ مرسل لم يذكر الراجح منه فأثبته من كتب المذهب وبما يقتضيه النظر الصحيح، ومسائل اختلف المشايخ الأربعة - الرافعي والنووي وابن الرفعة والشيخ الإمام ﵀ - فيها، فنقضي بينهم بحسب فهمنا، وإن قلَّ، ومناقضات وقعت له فتبينها (٢) ونوضح المعتمد، وفتاوى المتأخرين في مهمَّاتٍ من مسائل الدين لم نجدها مسطورة للمتقدمين، إلى غير ذلك من مهمات وعظائم، وقد شرعت فيه، وأنا أسأل (٣) الله إتمامه بخير، وصلى الله على سيدنا محمَّدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم. تنبيه لا ينبغي أن يتلقى التصحيح (٤) من بناء الخلاف على خلاف قد صحح فيه،

стр. 700

فطالما رجح في المبني خلاف ما رجح في المبني عليه، وقد قدمنا في مسألة دعوى الوصي ليتيم على يتيم من ذلك ما نبه عليه الشيخ الإمام، وهذا باب واسع المثل، فلنقتصر منه على أهم الأمثال. الأول: قال الرافعي في «حد الزنا» في السيّد هل يقيم الحد على عبده إذا شاهده يزني؟: «فيه وجهان، بناءً على أنَّ القاضي هل يقضي بعلمه؟ الأظهر: نعم» (١)، انتهى. فقد يُظَنُّ أنه مناقض لتصحيحه أن القاضي لا يقضي بعلمه في الحدود، وليس كذلك، بل المعنى: الأظهر من هذا الخلاف المبني لا من المبني عليه. الثاني: قال فيما إذا حلق رأس المحرم وقلنا: الفدية على الحالق، فامتنع مع القدرة: «إنَّ جواب الأكثرين أنَّ للمحلوق مطالبته بإخراجها؛ بناءً على أنَّ المُحرِمَ كالمودَع، والمودع خصم فيما يؤخذ منه ويتلف في يده» (٢)، انتهى. وكون المودع خصماً فيما يؤخذ منه وجه ضعيف عنده، فلم يجعل قول الأكثرين مبنيا عليه، إلا لأنه لا يلزم من ضعف الأصل ضعف الفرع، وأما قوله: ويُتلَف في يده فقال الشيخ الإمام ﵀: «هو شيء لا يُعرف». قلت: لعله يعني بكونه خصماً: أنَّ الدعوى تقع عليه بعين الوديعة وإن كانت قد تلفت إذا لم يصدقه المالك في دعوى تلفها، لا بسبب مضمّن، فإنه حينئذ يدعي وخصمه المودع. الثالث: قدمناه في أنَّ الإبراء إسقاط أو تمليك؟ وأنه لا تصحيح للشيخين فيه وإن قالا: «الإبراء عن المجهول لا يصح»، ومنشأ الغلط لمن نسب إليهما فيه

стр. 701

تصحيحاً توهُمُ أنَّ المبني كالمبني عليه في الترجيح (١). الرابع: اشتهر بين طلبة العصر أنَّ المفتى به عندنا منع السيد من إجبار عبده الصغير على النكاح، وما تلقوا هذا إلا من إطلاق «المحرر» تصحيح منع إجبار العبد، وتبعه «المنهاج» (٢)، ولم يقيدا بكبير ولا صغير، وكذلك أطلقه (٣) القاضي أبو الطيب في الفروع الملحقة آخر «تعليقته». والأمر كذلك في الكبير، أما الصغير - ومثله المجنون كما ذكر الإمام في «النهاية» وغيره، وهو واضح - فمن أين لهم أنَّ الصحيح فيه كذلك؟! والذي في «الرافعي في كتاب النكاح» بعد حكاية القولين في الكبير: أنَّ في الصغير طريقين، أظهرهما: طرد القولين، والثاني: القطع بالإجبار، وليس في هذا تصريح بتصحيح بين القولين، وهو قضيَّةُ ما في «الروضة» (٤)؛ لأنَّ قوله: «الأصح أنه كالكبير» يعني في جريان القولين، ولا يلزم أن يكون الصحيح كالصحيح، وكذلك في «شرح المنهاج»، فإن أخذوا التصحيح من بناء الخلاف على الخلاف، فقد قلنا: إن ذلك لا يلزم. فإن قالوا: الغالب عدم التخالف بين المبني والمبني عليه في التصحيح (٥). قلنا: والغالب (٦) في طريقين إحداهما قاطعة أن تكون الفتيا على ذات

стр. 702

القطع، سواء صحَّحت طريقة القطع أم طريقة القولين، لكن ليس ذاك بلازم ولا هذا، بل قد خرج عن كُلِّ صور كثيرة لم تبق لنا وثوقًا به. وعند هذا يتبيَّن لك أنَّ جَعْل كلام «المحرر» و «المنهاج» مقصورًا على الكبير، وإن لَزِمَ منه حذف مسألة الصغير من الكتابين = أولى من جَعْله شاملًا للكبير والصغير، طلبًا لزيادة مسألة يلزم منها أن تكون الفتيا فيها عن غير أصل، بل على خلاف الصحيح. لأنا وجدنا الرافعي في «كتاب الرضاع» - وتبعه النووي - قد ذكر أنَّ الصغير يُجبر على النكاح ذِكْرَ الفارغ من ذلك، وأنَّ عدم إجباره إنما هو قول ذكره فيما لو زوَّج مستولدته بعبده الصغير، فأرضعته بلبان السيد، نعم (١)، وبالإجبار قال الماوردي، وصاحب «التنبيه»، وغيرهما (٢). وبذلك يتضح وهم رجلين: رجل توهم أنَّ الرافعي والنووي صححا منع الإجبار، وما أوقعه في هذا الوهم إلا إعطاؤه المبني حكم المبني عليه، ورجل حمل كلام «المحرر» و «المنهاج» على إطلاقه ليُدخِلَ فيه مسألة الصغير، فحَمَلَهُ حب تكثير المسائل على أن أسند إلى مصنفهما تصحيح ما لم يصححا. وقد أغرب القاضي الحسين إذ حكى عن بعض الأصحاب ترتيب الصغير على الكبير بالعكس، فقال: «إن قلنا: لا يُجبر الكبير فالصغير أولى، وإلا فوجهان، والفرق أنَّ للسيد غَرَضًا في تحصين الكبير».

стр. 703

وإذا استقر عندك أنه لا يلزم من التصحيح في المبني عليه التصحيح في المبني؛ عرفتَ أنَّ حكاية الرافعي عن أبي العباس الروياني وجهين في وقوع طلاق من قال: "إن لم تكوني الليلة في داري فأنتِ طالق"، ولا دار له، مبنيَّين تارةً على تعليق المُحال، وأخرى على أنَّ الحنث هل يحصل بفعل المكرَه = لا يلزم منها أن يكون صحح عدم الوقوع لكونه صححه في المحال، بل هو هنا ساكت عن التصحيح، وقد صحح الوقوع في مكانٍ آخر، إذ صحح في «كتاب الأيمان» فيمن قال: "لأشربَنَّ ماءَ هذه الإدارة ولا ماء فيها، أو: "لأقتُلَنَّ زيدًا" وهو ميت = وجوب الكفارة في الحال (١). الخامس: إفراد أحد العبدين بالرد لا يجوز على الصحيح، والخلاف مبني على تفريق الصفقة، نبه عليه الرافعي في مسائل تفريق الصفقة، والوالد تَبَعًا لصاحب «المهذب» في باب الرد بالعيب، مع أنَّ الصحيح التفريق (٢)، وأمثلته كثيرة (٣). أحجية من الأحاجي: إذا عرفت أنه قد يُرجَّح في الفرع خلاف ما في أصله، وقد يُرجح خلاف طريقة القطع؛ فاعلم أنه قد يحكي الإجماع على شيء ثم يُرَجِّحُ مقابله، وتلك مخالفة لناقل الإجماع في نقله ومعتقده. وقد قدمنا ترجيح الوالد أنَّ مَنْ أقرَّ مِنْ الورثة بحاجب؛ ثبت الإرث

стр. 704

والنسبُ جميعًا، غيرَ مبالٍ بدعوى القاضي أبي الطيب الإجماعَ على خلافه، فلا تعجب حينئذٍ من ترجيح خلاف ما قطع به قاطعون، فإن أعجبُ منه ترجيحُ خلافٍ ما زعم زاعمون أنه قد أجمع عليه المسلمون. ومن ذلك أن سياق كلام الرافعي يومئ إلى ترجيح الوجه الصائر إلى قبول توبة ساب سيدنا (١) رسول الله ﷺ ، مع حكاية أبي بكر الفارسي (٢) الإجماع على أنها لا تُقبل، كذا حكاه عنه الإمام والغزالي والروياني، ولم يذكره الرافعي (٣). وأنَّ صريحَ كلامِ «الروضة» في الطلاق دالٌّ على أنَّ الفارسيَّ المذكور حكى إجماع المسلمين على اشتراط أن يكون قَصْدُ الاستثناء مقرونا بأول لفظ المستثني، مع تصحيحه الاكتفاء بوجوده قبل فراغه (٤)، لكن هذا كلام «الروضة»، وعليه يدلُّ أولُ كلامِ الرافعي، ثم إذا تأملت آخره وجدته إنما نقل عن الفارسي الإجماع على اشتراطه قبل الفراغ، ويكون حينئذٍ صحح ما ذكر أنَّ الإجماع قائم عليه. كما صحح أنَّ العاقلة تتحمل بدل شِبه العمد، وهو ما حكى الإمام في «باب العاقلة» إجماع المسلمين عليه، ويؤيده قول الشافعي في المسألة: «لا أعلم مخالفًا»، مع حكاية الرافعي في أول «الديات» وجها رواه بعضُهم قولا مخرجًا أنها لا تحمله (٥).

стр. 705

فهذا مثله كثير (١)، وقد صرّح الرافعي في «كتاب الأيمان» بما قلت: إنَّ آخر كلامه في «الطلاق يدلُّ عليه، فقال: «وإن قصد الاستثناء في خلال اليمين واستثنى على الاتصال، ففيه وجهان ذكرناهما في الطلاق»» (٢)، وما ذكر في «الطلاق» إلا الوجهين اللذين حكى الفارسي الإجماع على أحدهما، فدلَّ أَنَّ محلهما في الاستثناء قبل الفراغ، لا في الاستثناء من أول اللفظ. واعلم أن القلق الذي وقع في عبارة الرافعي عن الفارسي وقع نظيره في عبارة الروياني في «البحر»، فإنه قال نقلا عن الفارسي: «لو لم ينو في الابتداء الاستثناء ثم بدا له من بعد (٣) فاستثنى عَقِيبه؛ يقع الطلاق، وادَّعى في هذا إجماع الأمة» (٤)، انتهى، وهو محمول على أنه بدا له بعد الفراغ، لا بعد أول الكلام وقبل الفراغ. تنبه: يَقرُب من إيهام إطلاق بناء خلافٍ على خلاف أنَّ الصحيح سواء = إيهام قولنا: الخلاف في كذا جارٍ في كذا، فلا ينبغي أن يؤخذ منه (٥) أن الصحيح فيهما سواء، بل يتوقف فيه. ألا ترى إلى قول الرافعي في «باب الخلع»: «إذا علق بالإعطاء لا بصيغة
следующие страницы →