← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30157

ترشيح التوشيح وتوضيح الترجيح

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (808 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

تصحيحاً توهُمُ أنَّ المبني كالمبني عليه في الترجيح (١). الرابع: اشتهر بين طلبة العصر أنَّ المفتى به عندنا منع السيد من إجبار عبده الصغير على النكاح، وما تلقوا هذا إلا من إطلاق «المحرر» تصحيح منع إجبار العبد، وتبعه «المنهاج» (٢)، ولم يقيدا بكبير ولا صغير، وكذلك أطلقه (٣) القاضي أبو الطيب في الفروع الملحقة آخر «تعليقته». والأمر كذلك في الكبير، أما الصغير - ومثله المجنون كما ذكر الإمام في «النهاية» وغيره، وهو واضح - فمن أين لهم أنَّ الصحيح فيه كذلك؟! والذي في «الرافعي في كتاب النكاح» بعد حكاية القولين في الكبير: أنَّ في الصغير طريقين، أظهرهما: طرد القولين، والثاني: القطع بالإجبار، وليس في هذا تصريح بتصحيح بين القولين، وهو قضيَّةُ ما في «الروضة» (٤)؛ لأنَّ قوله: «الأصح أنه كالكبير» يعني في جريان القولين، ولا يلزم أن يكون الصحيح كالصحيح، وكذلك في «شرح المنهاج»، فإن أخذوا التصحيح من بناء الخلاف على الخلاف، فقد قلنا: إن ذلك لا يلزم. فإن قالوا: الغالب عدم التخالف بين المبني والمبني عليه في التصحيح (٥). قلنا: والغالب (٦) في طريقين إحداهما قاطعة أن تكون الفتيا على ذات

стр. 702

القطع، سواء صحَّحت طريقة القطع أم طريقة القولين، لكن ليس ذاك بلازم ولا هذا، بل قد خرج عن كُلِّ صور كثيرة لم تبق لنا وثوقًا به. وعند هذا يتبيَّن لك أنَّ جَعْل كلام «المحرر» و «المنهاج» مقصورًا على الكبير، وإن لَزِمَ منه حذف مسألة الصغير من الكتابين = أولى من جَعْله شاملًا للكبير والصغير، طلبًا لزيادة مسألة يلزم منها أن تكون الفتيا فيها عن غير أصل، بل على خلاف الصحيح. لأنا وجدنا الرافعي في «كتاب الرضاع» - وتبعه النووي - قد ذكر أنَّ الصغير يُجبر على النكاح ذِكْرَ الفارغ من ذلك، وأنَّ عدم إجباره إنما هو قول ذكره فيما لو زوَّج مستولدته بعبده الصغير، فأرضعته بلبان السيد، نعم (١)، وبالإجبار قال الماوردي، وصاحب «التنبيه»، وغيرهما (٢). وبذلك يتضح وهم رجلين: رجل توهم أنَّ الرافعي والنووي صححا منع الإجبار، وما أوقعه في هذا الوهم إلا إعطاؤه المبني حكم المبني عليه، ورجل حمل كلام «المحرر» و «المنهاج» على إطلاقه ليُدخِلَ فيه مسألة الصغير، فحَمَلَهُ حب تكثير المسائل على أن أسند إلى مصنفهما تصحيح ما لم يصححا. وقد أغرب القاضي الحسين إذ حكى عن بعض الأصحاب ترتيب الصغير على الكبير بالعكس، فقال: «إن قلنا: لا يُجبر الكبير فالصغير أولى، وإلا فوجهان، والفرق أنَّ للسيد غَرَضًا في تحصين الكبير».

стр. 703

وإذا استقر عندك أنه لا يلزم من التصحيح في المبني عليه التصحيح في المبني؛ عرفتَ أنَّ حكاية الرافعي عن أبي العباس الروياني وجهين في وقوع طلاق من قال: "إن لم تكوني الليلة في داري فأنتِ طالق"، ولا دار له، مبنيَّين تارةً على تعليق المُحال، وأخرى على أنَّ الحنث هل يحصل بفعل المكرَه = لا يلزم منها أن يكون صحح عدم الوقوع لكونه صححه في المحال، بل هو هنا ساكت عن التصحيح، وقد صحح الوقوع في مكانٍ آخر، إذ صحح في «كتاب الأيمان» فيمن قال: "لأشربَنَّ ماءَ هذه الإدارة ولا ماء فيها، أو: "لأقتُلَنَّ زيدًا" وهو ميت = وجوب الكفارة في الحال (١). الخامس: إفراد أحد العبدين بالرد لا يجوز على الصحيح، والخلاف مبني على تفريق الصفقة، نبه عليه الرافعي في مسائل تفريق الصفقة، والوالد تَبَعًا لصاحب «المهذب» في باب الرد بالعيب، مع أنَّ الصحيح التفريق (٢)، وأمثلته كثيرة (٣). أحجية من الأحاجي: إذا عرفت أنه قد يُرجَّح في الفرع خلاف ما في أصله، وقد يُرجح خلاف طريقة القطع؛ فاعلم أنه قد يحكي الإجماع على شيء ثم يُرَجِّحُ مقابله، وتلك مخالفة لناقل الإجماع في نقله ومعتقده. وقد قدمنا ترجيح الوالد أنَّ مَنْ أقرَّ مِنْ الورثة بحاجب؛ ثبت الإرث

стр. 704

والنسبُ جميعًا، غيرَ مبالٍ بدعوى القاضي أبي الطيب الإجماعَ على خلافه، فلا تعجب حينئذٍ من ترجيح خلاف ما قطع به قاطعون، فإن أعجبُ منه ترجيحُ خلافٍ ما زعم زاعمون أنه قد أجمع عليه المسلمون. ومن ذلك أن سياق كلام الرافعي يومئ إلى ترجيح الوجه الصائر إلى قبول توبة ساب سيدنا (١) رسول الله ﷺ ، مع حكاية أبي بكر الفارسي (٢) الإجماع على أنها لا تُقبل، كذا حكاه عنه الإمام والغزالي والروياني، ولم يذكره الرافعي (٣). وأنَّ صريحَ كلامِ «الروضة» في الطلاق دالٌّ على أنَّ الفارسيَّ المذكور حكى إجماع المسلمين على اشتراط أن يكون قَصْدُ الاستثناء مقرونا بأول لفظ المستثني، مع تصحيحه الاكتفاء بوجوده قبل فراغه (٤)، لكن هذا كلام «الروضة»، وعليه يدلُّ أولُ كلامِ الرافعي، ثم إذا تأملت آخره وجدته إنما نقل عن الفارسي الإجماع على اشتراطه قبل الفراغ، ويكون حينئذٍ صحح ما ذكر أنَّ الإجماع قائم عليه. كما صحح أنَّ العاقلة تتحمل بدل شِبه العمد، وهو ما حكى الإمام في «باب العاقلة» إجماع المسلمين عليه، ويؤيده قول الشافعي في المسألة: «لا أعلم مخالفًا»، مع حكاية الرافعي في أول «الديات» وجها رواه بعضُهم قولا مخرجًا أنها لا تحمله (٥).

стр. 705

فهذا مثله كثير (١)، وقد صرّح الرافعي في «كتاب الأيمان» بما قلت: إنَّ آخر كلامه في «الطلاق يدلُّ عليه، فقال: «وإن قصد الاستثناء في خلال اليمين واستثنى على الاتصال، ففيه وجهان ذكرناهما في الطلاق»» (٢)، وما ذكر في «الطلاق» إلا الوجهين اللذين حكى الفارسي الإجماع على أحدهما، فدلَّ أَنَّ محلهما في الاستثناء قبل الفراغ، لا في الاستثناء من أول اللفظ. واعلم أن القلق الذي وقع في عبارة الرافعي عن الفارسي وقع نظيره في عبارة الروياني في «البحر»، فإنه قال نقلا عن الفارسي: «لو لم ينو في الابتداء الاستثناء ثم بدا له من بعد (٣) فاستثنى عَقِيبه؛ يقع الطلاق، وادَّعى في هذا إجماع الأمة» (٤)، انتهى، وهو محمول على أنه بدا له بعد الفراغ، لا بعد أول الكلام وقبل الفراغ. تنبه: يَقرُب من إيهام إطلاق بناء خلافٍ على خلاف أنَّ الصحيح سواء = إيهام قولنا: الخلاف في كذا جارٍ في كذا، فلا ينبغي أن يؤخذ منه (٥) أن الصحيح فيهما سواء، بل يتوقف فيه. ألا ترى إلى قول الرافعي في «باب الخلع»: «إذا علق بالإعطاء لا بصيغة

стр. 706

"متى" وما في معناها اختص بالمجلس، وعن أحمد: لا يختص، وهو وجه لبعض الأصحاب، وكلُّ ذلك جارٍ فيما إذا قال: "إن أقبضتني" (١). فهذا قد يتوهم سامعه أنَّ الصحيح في "إن أقبضتني" الاختصاص بالمجلس مثل: "إن أعطيتني"، وليس كذلك، بل الراجح في "إن أقبضتني" - وبه صرح الرافعي من بعد - عدم الاختصاص. ومن غرائب المسائل: الإيتاء، فهل هو كالإعطاء حتى يختص بالمجلس، أو كالدفع والإقباض، فلا يختص بالمجلس؟ لم نجد هذه المسألة إلا في كلام ابن يونس في شرحه «التعجيز»، قال: «إنه كالإعطاء» (٢)، ولك أن تقول: ينبغي أن يكون كالدفع؛ فإنَّ الله تعالى قال: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] (٣)، وأراد الدفع، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]. أما الأداء فهل هو كالإعطاء أو كالإقباض؟ اقتضى كلام ابن الرُّفعة في «المطلب» أنه متردد فيه من غير نقل عنده، وهو منقول إلا أن النقل فيه مضطرب، ففي الموضع المذكور من «الرافعي» ثم بعده بقليل ما يقتضي أنه كالإقباض، ويوافقهما كلامه في «باب الكتابة» قُبيل الركن الثالث في أثناء فرع ثالث، غير أنه في أوائل باب «الكتابة» أفهم أنه كالإعطاء، والمعتمد - إن شاء الله - كونه كالإقباض، فإنه الفقه، وقد ذكره في ثلاثة مواضع صريحاً وإشارة، فليقدم على مذكور في موضع واحدٍ إشارةً في غير مظنته (٤).

стр. 707

تنبيه: هذا الموضع المشار إليه هو قوله أوائل باب (١) «الكتابة»: «ولو قال: "إن أعطيتني ألفًا"، أو: "إن أديت إليَّ ألفًا"؛ فأنت حُرّ = فلا يمكنه أن يعطي من مال نفسه، فإنه لا يملك، فهو كما لو قال لزوجته: "إن أعطيتني ألفًا" فأعطته مغصوبًا، وقد ذكرنا في «الخلع» وجهين في وقوع الطلاق، والأظهر أنه لا يقع، ففي حصول العتق هاهنا إذا أعطى من مال غيره مثل ذلك الخلاف» (٢)، انتهى ملخصاً. وقد ذكر ابن الرِّفعة أنَّ الراجح وقوع العتق، بخلاف الطلاق، فإنَّ الزوجة أهل للالتزام، بخلاف العبد، فيُحمل قوله: "إن أعطيتني" على صورة الإعطاء لا حقيقته (٣)، قال: «وهو ما أورده ابن الصباغ والبغوي والبندنيجي» (٤). قلت: فيكون من الطراز الذي ننبه عليه، غير أنه وإن كان ظاهرا من حيث البحث ففي رجحانه (٥) من حيث النقل نظر؛ إذ رأيتُ في «البحر» وغيره أنَّ الشافعي نص على عدم العتق، وقد أعاد الرافعي المسألة فذكرها عند الخلاف في مكاتبة أحد الشريكين أثناء الركن الرابع، وقال: «الظاهر القطع بالمنع»، يعني: منع العتق، فتبين أنه ليس مما نحن فيه، بل قوله: «الخلاف كالخلاف» على ظاهره خلافاً وتصحيحاً (٦).

стр. 708

ومن الفوائد: أنَّ ابن الرفعة نقل عن القاضي الحسين أنَّ قوله لعبده: "إن أعطيتني" يكون إذنا في الاكتساب، كما أنَّ الإذن له في التزويج إذن في اكتساب المهر والنفقة، قال: (وفيه وجه) (١). قلت: والأرجح أنه لا يكون إذنا، وليس كالإذن في التزويج، فإنَّ هناك صريح إذن، وليس هنا إلا مجرد تعليق، ولو تم كونه إذنا لترجح حمل الإعطاء على حقيقته، على خلاف ما يقوله ابن الرفعة، غير أنه لا يتم لما ذكرناه، ولأنَّ صيغة "إن" تقتضي الفور، ولا يمكن عادةً الاكتساب على الفور؛ ولذلك شرطنا في الكتابة التأجيل. فائدة: إذا قال: "كاتبتك على خدمة شهرين، يكون كل شهر نجما"، فالأصح - وهو المنصوص - عدم الصحة، قال الرافعي: «وهذا كالخلاف في إجارة الدار السنة القابلة، أو هو هو» (٢). قلت: أما قوله: «إنه كالخلاف» فقد نبه ابن الرفعة على أنَّ ذلك من تخريج الإمام، ثم بحث فيه بحثًا يطول ذكره، وليس من غرضنا الآن. وأما قوله: «أو هو هو» فلم يتكلم عليه ابن الرفعة، وكان أحق بأن يعترض، وأقول: هذه زيادة، ولم يذكرها الإمام، وفيها نظر؛ إذ لو كان هو إياه لما كان الأصح هنا منع الصحة؛ لأنَّ الأصح عنده في إجارة المدة المستقبلة من المستأجر الصحة.

стр. 709

وليت هذه الزيادة كانت من كلام الإمام، فربما كانت تُحتَمَل (١)، فإنه لما ذكر هذا التخريج في باب الكتابة قال: «الأصح في الموضعين المنع»، وأما من الرافعي فكيف تُحتمل، وهل هو لو صح إلا صريح تناقض (٢). ويقرب منه قول الرافعي في باب المسابقة، وقد ذكر نص الشافعي فيمن مَرَّ بجماعة يتناضلون، فقال (٣) لمن انتهت النوبة إليه: "إن أصبت بهذا السهم فلك دينار": «أنه إذا أصاب استحقّ» = ما نصه: «قال الإمام: وهذا دليل على انقطاع هذه المعاملة عن مضاهاة الإجارة»، إلى أن قال: «وقضيَّةُ هذه القاعدة أن لا تجب أجرة المثل عند الفساد» (٤)، انتهى. وهو من كلام الإمام، ذكره في (النهاية)، فتبعه عليه، وهو يُحتمل من (٥) الإمام؛ لأنه لم يرجح عند الفساد وجوب أجرة المثل، بل أطلق الخلاف، وقال في القول بأنه لا يستحق شيئًا؛ لا أجرة المثل ولا قيمة السَّبَق: «إنَّ وجهه بين»، وأما الرافعي فلا يُحتمل هذا منه؛ لترجيحه الرجوع إلى أجرة المثل (٦). نادرة من النوادر: مسألة تدور بين إمامين كبيرين، يشتد فحصهما عنها، ولا يجدان فيها نقلا، وقد قدمنا في الأقضية من ذلك المسألة التي بين ابن الصلاح والوالد، فيا الله

стр. 710

العجب! إمامان بين وفاتيهما أزيد من مئة سنة، يتنازعان فرعاً، لا يُلم منهما (١) فيه واحد بنقل، وهو من مسطورات الرافعي، بل من منصوصات ابن سريج؛ لأنه خرّج فيه قولين، والدهر أبو العجب يأتي بالعجب (٢) بعد العجب. وأعجب من ذلك: قدر الطريق، قال النووي: «قل من تعرض لضبطه، وهو مهم جدا»، إلى أن قال: «وإن كان بين أراء أراض (٣) يريد أصحابها إحياءها، واختلفوا؛ فقدره سبعة أذرع» (٤)، وتابعه الوالد في «شرح المنهاج». وقد عرفناك فيما مضى أنَّ هذا مذهب أبي حنيفة، ولم يقل به منا قائل، ومذهبنا أنه يتقدر بقدر الحاجة، لا يختلف أصحابنا في ذلك، وبه جزم الماوردي في «الحاوي»، والروياني في «البحر» في «باب القسمة»، وأشار إليه الخطابي في معالم السنن، والبغوي في شرح السنة. وصرح الكل بأنَّ الحديث الذي أشار إليه النووي مؤوّل، فلا يشك لبيب أنَّ النووي وأبي - تجاوز الله عني وعنهما - لو اطلعا على النقل في هذه المسألة لَمَا فعلا ذلك، بل كانا بين أن يُفتيا بالمذهب المنقول (٥) فيها - وهو الظاهر ــ أو يشيرًا إلى سبب عدولهما عنه (٦).

стр. 711

غريبة من الغرائب: مسألة يُقطع بأنها من مسطورات المذهب قديما، ثم يضطرب المتقدمون فيها، فلا يدرون ما المذهب، أَوَما سمِعَتْ أذناك شهادة الأخرس واضطراب المتقدمين في تعيين المذهب فيها، والاختلاف أيضًا على ابن سريج. والحاصل: اختلاف الأصحاب - بعد اتفاقهم على أنَّ ابن سريج خالَفَ المذهب فيها - في أنه هل المذهب القبول أو الردُّ، فكان الشيخ أبو حامد يقول: «مَنَعَها المذهبُ، والقبول قول أبي العباس (١)»، قال القاضي أبو الطيب: «وهو الذي شاهدتُ عليه أصحابنا العراقيين» (٢). قلت: ويوافقه قول الحسن بن أحمد الحداد في كتاب «أدب القضاء»: «إِنَّ أكثر أصحابنا على المنع، وإنَّ القبول قول ابن سُريج، وقيل: قبولها المذهب، والمنع قول ابن سريج، وهو سماع القاضي أبي الطيب من أبي عبد الله الحناطي»، قال: «وكان حافظا لكتب الشافعي، ولكتب أبي العباس»، قال: وذكر المزني في «الجامع الكبير» أنَّ الذي يجيء على مذهب الشافعي قبولها كسائر تصرفاته، قال القاضي أبو الطيب في «التعليقة»: «ولم أجد للشافعي نصا، وإنما وجدتُ هذا في كلام المزني» (٣). قلت: وذكر ابن القاص في أوائل «أدب القضاء» أنَّ ابن سُرَيج خرَّجَ فيها

стр. 712

قولين، ثم صحح (١) ابن القاص ردَّ شهادته (٢)، وهو ما رجحه الرافعي والنووي والوالد، والأرجح عندي القبول، ولا يخفى أنَّ الكلام في معقول الإشارة. وشبيه (٣) اضطرابهم هنا اضطرابهم في شبيهين أيهما أصل لصاحبه؟ كبلوغ الصبي في الوقت بعد نجاز الصلاة، جعله قوم - منهم الرافعي - فرعا لبلوغه في أثنائها، وعكس آخرون - منهم صاحب «البيان» - وهو الصواب؛ لأنَّ بلوغه في أثنائها هو منصوص الشافعي (٤)، فصاحب «البيان» أسعد بالنص من الرافعي. كما أن الرافعي أسعد بالنص فيما (٥) إذا ادعى أنَّ (٦) هذا العبد كان له وأعتقه وغصبه فلان، وأقام عليه بيّنةً - كذا عبارة «التنبيه» بينة (٧) ـ؛ فالصحيح: يُقضَى بها، قال صاحب «التنبيه:» «وقيل: هي كالبينة بملك متقدم»، ذكره في «باب الدعاوى»، ولم يذكر الرافعي الفرعَ إلا مُدمجا مع غيره في «باب الشاهد واليمين»، ودعاه ذكره فيه إلى تصويره (٨) فيما إذا أقام المدعي شاهدا وحلف معه، أو شاهدا وامرأتين (٩).

стр. 713

وصادفه في ذلك سعد؛ فإنَّ هذه الصورة موضع النص، ففيها نص الشافعي على الانتزاع، وكذلك صاحب «المهذب» (١)، فإنه وإن أطلق البينة في «التنبيه» فقد قيدها في «باب عدد الشهود» بالناقصة، ولا يخفى أنه إذا ثبت الانتزاع بالناقصة فبالكاملة أولى، غير أنه لا يلزم من ثبوت الخلاف في الناقصة ثبوته في الكاملة، فقد أفاد إطلاق «التنبيه» (٢) أنَّ الخلاف يطرق الكاملة، لكنه يطرُقُ الكاملة (٣) من حيث أنها كالشهادة بملك متقدّم لا من حيث نقصانها، ولفظ البينة في هذا المكان من عُقد «التنبيه»، ولم يتكلم عليه ابن الرفعة في «الكفاية».

стр. 714

باب اللطائف هذا الباب يحتمل تصنيفاً مستقلاً، فليقع الاقتصار على بعض غريبه. واقعة: قال رجل لامرأته: "إن كان في كمّي دراهم أكثر من ثلاثة فأنتِ طالق"، فكان في كمه أربعة، قال أبو عبد الله البوشنجي: حدثني الربيع بن سليمان أنَّ الشافعي قال: «لا يقع؛ لأنه ليس في كمه دراهم هي أكثر من ثلاثة، إنما الزائد على الثلاثة في كمه درهم لا دراهم» (١). قلت: فلو لم يقل: "دراهم" واقتصر على قوله: "إن كان في كمي أكثر من ثلاثة" فهي (٢) المسألة التي أشار إليها الأصحاب فيمن قال: "إن كنتُ أملك أكثر من مئة" وكان يملك خمسين؛ أنها لا تطلق، إلا أن يريد أنه يملك مئةً بلا زيادة، وقالوا في الإقرار: لو قال: "الزيد أكثر مما لفلان"؛ قبل تفسيره بأقل متمول، وإن كثر مال فلان (٣). نازلة: نذَرَ السلطان صلاح الدين في بعض فرنج الساحل: إن أظفره الله بهم

стр. 715

ليقتلنهم ولا يَمُنُّ عليهم؛ لشدَّة ما أنكوا في المسلمين، ثم ظفر بهم بعض نوابه فأعطاهم الأمان، فأفتى الإمام الجليل الشيخ شهاب الدين (١) الطوسي تلميذ محمد بن يحيى أنه لا أمان لهم؛ لِقُبح ما تعاطوه، ويُعملُ الإمام المصلحة، فأخذ السلطان بفتياه وقتلهم، وعرضتُ أنا فتياه على الشيخ الإمام الوالد فقبلها، وقال: «إنما يُعمل الإمام المصلحة الحاضرة»، وقلت له: قال الفقيه ابن المنير: «لا ينبغي للإمام أن ينذر تعيين خصلة من الخصال، ولا أن يحلف لا يستعمل فلانًا، ولا للقاضي أن يحلف أن لا يُعدِّل أحدًا، فإنه منقاد لمقتضى الاجتهاد في الوقت الحاضر (٢)»، فصوَّبَه، وبيني وبينه في النازلة كلام طويل، لعلي أستقصيه في «الطبقات الكبرى». ومن نوازل صلاح الدين: احتياجه أن يُلبِسَ بعض المسلمين لباس النصارى؛ ليتوغلوا في بلادهم، وقد تكلمنا عليه في «الأشباه والنظائر» في قاعدة النادرة، وقلنا: إنه صواب، وقد يتعيّن طريقًا لمصلحة المسلمين (٣). مطارحة: رجل فاتته صلاةُ يومين، فصلَّى عشر صلوات على الترتيب، وبين كلّ صلاتين فصل طويل، ثم علم تركه سجدةً لا يدري من أيها؟ قيل: يلزمه إعادة يوم وليلة، وبه أجاب القاضي الحسين في «فتاويه»، وهو قياس قوله فيمن ترك صلوات لا يدري عددها: إنه يجب القضاء إلى أن يتيقن إتيانه بالمتروك (٤).

стр. 716

وقال ابن القطَّان في «المطارحات»: «الصحيحُ الاكتفاء بواحدة، فبإعادتها يصير شايًّا في وجوب الباقي، فلا يلزمه بالشك»، وهو قياس قول القفال في تلك: «يكتفي بقضاء ما يشك بعده في أنه هل بقي في ذمته شيء؟» (١). ملغزة: ولنا في الألغاز تصنيف مستقل، وقصيدة رائيَّة. امرأة لها ولد من ماء زوجها على فراشه، ثم لا يثبت نسبه منه، وهي التي تستدخل ماء زوجها من الزنا، وفيه بحث للبغوي ذكره الرافعي في «كتاب النكاح» (٢). قلت: ورأيتُ في «فتاوى ابن الصباغ»: فيمن وطئ امرأته، ثم اجتمعت بأخرى، فخرج الماء إلى رَحِم الثانية، فحملت = أنه لا يلحق بصاحب الماء؛ لأنه لا حرمة له، فهو كماء الزاني، وهذا يؤيد الأول (٣). مستطرفة (٤): وقع حجر من سطح، فقال: "إن لم تخبريني الساعة مَنْ رماه؛ فأنتِ طالق"، قال القاضي الحسين: «تقول: "رماه مخلوق"، ولا تطلق»، قال: «وإن قالت: "رماه آدمي" طلقت؛ لاحتمال كونه كلبًا أو ريحا»، كذا نقله الرافعي (٥).

стр. 717

وأقول: قد لا يكون رماه مخلوقٌ، بل وقع بنفسه بإرادة الله، فقد يقال: الخلاص أن تقول: "رماه الله "، ولا يمتنع إطلاق هذا اللفظ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، ثم أقول: ينبغي أن لا يُخلَّص إلا إذا لم يقصد التعريف، كما قالوا في الحلف بتمييز النواة التي أكلتها عما أكله. ثم أقول ثالثًا: كلُّ هذا بناءً على أنَّ الخبر لا يكون إلا صدقًا، وهو شيء قاله القرافي أوَّلَ «فروقه»، وهو متروك عليه، والصواب انقسام الخبر إلى صدقٍ وكذب، فلم لا يُكتفى بقولها: رماه فلان، وإن كانت كاذبةً؟! فالذي يظهر أنه إن قصد التعريف لا يكتفى بشيء مما ذكر، وإلا فيكتفى بكلّ واحدةٍ مما ذُكِر (١). وذكر الصيمري من أصحابنا في كتاب «الفُتْيا» أنَّ المنصور حلف على خادمه لَيَصدُقَنَّه عن حال جوهرة فقدها، فقال أبو حنيفة: «يُخبره بأن فلانًا أخذها وما أخذها، فيكون قد صَدَقَه»، وعلى هذا فالمسألة من الواقعات، ولها نظائر كثيرة (٢). ممتحنة: قال إبراهيم بن جابر: «رأيتُ صنما من نحاس، إِذا عَطِشَ نَزَلَ فشرب». وحله (٣): أنه لا يعطش، ولو كان له أهليَّةٌ أن يعطش لكان له أهلية أن ينزل

стр. 718

فيشرب؛ لأنَّ المحال يترتب عليه مُحالٌ آخر، وأَصلُه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَبدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]، وعلى هذا فكان الصواب التعبير بـ "إن" لا بـ «إذا»؛ لأنَّ «إذا» تختص بالمحقق (١). مفحمة (٢): دابَّةٌ قيمتها عشرة، جنى عليها جان جنايةً أرشها دينار، ثم آخر جناية أرشها دينار، فسرت الجنايتان، وهلكت. فهل تكون العشرة عليهما نصفين كما ذهب إليه المزني وأبو إسحاق، وإن اختلفًا في المأخذ؟ وقد ظلما الثاني؛ لأنَّ جنايته ورَدَت وقيمة الدابة تسعة، وكان ينبغي أن لا يُلزم إلا بالنصف، وهو أربعة ونصف. أو: يُلزم الأوَّلُ خمسةً، والثاني أربعة ونصف؟ ونُسب إلى ابن سريج، وقد ظلَمَ صاحب الدابَّة بتضييع نصف عليه. أو: يُلزم الأول بخمسة ونصف، والثاني بخمسة؟ وقد ظَلَمَ الأول بزيادة نصف، وإعطاء المستحق أزيد من حقه بنصف (٣). أو: يُجعَل الكلُّ أحدًا وعشرين جزءا؟ وهو قول ابن سلمة (٤).

стр. 719

أو: تسعة (١) عشر جزءًا؟ وهو قول ابن خيران، ويُقسم عندهما بالنسبة، وقد تحكّما، ولزمهما أيضاً (٢) ما لزم المزني (٣) من إفراز (٤) الأرش عن الجناية. فكلُّ قول يَدخُلُه إشكال كما اعترف به الأذكياء، منهم الغزالي، وأوضحته في «الطبقات» (٥). ونظيرها مسألة الساقط على جريح يقتله إن استمر، ويقتل غيره إن لم يستمر، وقد قيل: لا حكم الله فيها (٦). مستثناة من قولهم: «لا يجب المسمى في العقود الفاسدة»: لا تجوز مصالحة الكافر على مال لدخول مكة، فإن وقع أُخرج وثبت المسمى، بخلاف الإجارة الفاسدة؛ لأنه استوفى العِوَض، ولا أجرة (٧) لمثله. بل (٨) واستثنى (٩) الماوردي والروياني من قولهم: «متى أمكن الدفع بأسهل الوجوه لم يُعدل إلى أصعبها» = مَنْ وَجَدَ زانيًا بامرأته فله دفعه بالقتل وإن اندفع بدونه، قالا: «لأنه في كل لحظةٍ مُواقِع لزنا، لا يُستدرك بالأناة (١٠).

стр. 720

ثم قيل (١): «هو قتل دفع يختص بالرجل، ويستوي في المدفوع البكر والثيب»، وقيل: «بل (٢) قتل حد جُوز له الانفراد به دون السلطان؛ لانفراده بالمشاهدة»، فيدفع الرجل، والمرأة المطاوعة (٣)، ثم أظهر الوجهين في «البحر» - على هذا - قتل البكر أيضاً؛ لأنَّ القتل حد غُلّظ حال مواقعة المعصية (٤). ثم إذا قتل قال الأصحاب: يعزر، قال الجمهور: يعزر لافتياته على الإمام، وخالفهم ابن داود وصاحب «البحر»، فقال ابن داود: «لأنَّ الغيظ والحميَّةَ حَمَله فعذر»، وقال صاحب «البحر»: «لأنه كان يلزمه» (٥). قلت: ويوافقه نقل الخطابي عن نص الشافعي: «أنَّ الإقدام عليه حلال» (٦). قلت: وعلى القول بأنه حد يزول الاستثناء، وقد فَرَضَ الماوردي والروياني المسألة في الزوج يجد من يزني بزوجته لا في كلّ زان، وهو حق فاضبطه، فكأنَّ الشارع عذر الزوج لمكان الغيرة (٧).

стр. 721

ثم الذي أعتقده بكل تقدير: سلامة القاعدة من النقض (١)، وأنه متى (٢) أمكن الدفع عن الزنا بدون القتل لا يُدفع به، وإن احتاج زمان الدفع إلى تطويل يقع به زنا آخر، فهذا لا يمكنه (٣) الدفع بالأسهل، فَطَاحَ (٤) الاستثناء. والمستثنى بحر طويل، وكتابنا الأصيل في «الأشباه والنظائر» به كفيل، وله جميل (٥). مشتركة: قال لغير المدخول بها: "إن كلمتك فأنتِ طالق، إن كلمتك فأنتِ طالق"، وقع الطلاق باللفظ الثاني، ونص الشافعي أنه ينعقد به يمين ثانية، تظهر فائدتها إذا نكحها؛ لأن الكلام بآخره (٦)، وبذلك أفتى الأستاذ سهل بن الأستاذ (٧) أبي سهل الصُّعلوكي من أئمتنا. وأقيمت مشتركةً تشاركها هو والقاضي صاعد بن سيار الحنفي، فقال صاعد: لا ينعقد؛ لأنها صارت أجنبيَّةً، فكيف يحلف بطلاقها؟، فقال سهل: «لو كان لي جواهر ملأتُ فمَك»، ثم وجد (٨) المسألة نصا بخلاف ما أفتى به،

стр. 722

ذكره القاضي الحسين في «باب الشك في الطلاق» (١). محاضرة: سمعتُ الشيخ الإمام يقول: «قال هارون الرشيد: إن لم أكن من أهل الجنة فامرأتي طالق، فاعتزلته زوجته، فاستحضر الليث بن سعد من مصر، فقال له: هل تركت قطُّ معصية الله؟ فقال: نعم، فقال: ليس لك جنَّةٌ واحدة بل جنَّتان، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]» (٢). قلت: والمسألة في «الرافعي»، إذ (٣) في فروع الطلاق: في مُسلم قال: "إن كنتُ من أهل النار فأنتِ طالق" = أنه لا يُحكم بوقوع الطلاق؛ لأنه من أهل الجنة ظاهرًا، ولعل الليث أراد سكون النفس إلى (٤) كونه من أهل الجنة، ليكون على يقين من عدم الوقوع، وإلا فمجرد كونه مسلما كافٍ (٥). وقريب من المحاضرة: حَلَفَ الحالف أنَّ أبا زرعة يحفظ كذا كذا حديثًا، فجاء إليه ليتحقق كم حلف، وحلف آخر أنه ليس أحد في العلم كزيد، فقال القاضي الحسين: «هكذا يفعل الموتُ بالرجال»، كل هذا إنما قصد فيه تحقيق الأمر؛ لتسكن النفس إلى عشرة الزوجة، وإلا فالطلاق لا يقع بالشك (٦).

стр. 723

محاورة: قال شافعي: إن لم يكن الشافعي أفضل من أبي حنيفة فامرأتي طالق، وعكس حنفي، قيل: لا تَطلُقُ امرأة واحدٍ منهما؛ لأنه ظني، وقال القفال: «لا نجيبه في هذه المسألة»، ونُجيبه بالجيم (١). وسئل القاضي الحسين عن شافعي حلف: مَنْ صلَّى بدون الفاتحة لم يسقط فرضه، وحلف حنفي بعكسه، فقال: «نقول في هذه المسألة ما يقولون في شافعي افتصد ولم يتوضأ وصلَّى، وحلف أنَّ الفرض سقط عنه، كلُّ ما يقولون فيها نقول في هذه»، قال: «والاعتقاد: الحكم بوقوع طلاق زوجة الحنفي» (٢). قلت: وهذا من آثار قول شيخه القفال: «لا يحنث (٣)». مغالطة: لقن القاضي الحسين الرئيس أبا عليٌّ المنيعي - واقف جامع نيسابور الذي كان إمام الحرمين خطيبه - أن يغالط فقهاء مرو في رجل غصب حنطة زمان الغلاء، وجاء المالك زمان الرخص يطلبه بها وقد تلفت، فمن أطلق الجواب خطَّأه، قال القاضي: «وحكمها: إن تلفت (٤) في يده كما هي ضَمِنَ المثل، وإن طحن وعجن وخبز وأكل؛ فأقصى القيم»، كذا نقله الرافعي (٥).

стр. 724

قلت: وعلى طريقة صاحب «التهذيب» التي رجَّحها الرافعي: إن كان المتقوَّم أكثر قيمةً غَرِمَها، وإلا فالمثل، وعند العراقيين: المثل (١). فَصْلٌ أما المستخرجات، والمفرَّعات، والشاردات، والنادرات ؛ فبحر لا ساحل له، ولا يخفى تصويره، وأما المستنبطات، والمولدات، والنكات فالعادة أن يُعتبر كل مصنِّف نفسه، ويشحذ ذهنه، ولا يذكر مسبوقا إليه، ولو ذكرنا ما وقع لنا من ذلك لأناف على أوراق كثيرة، ولكنا نقتصر. واعلم أن أشرف الثلاثة الاستنباط؛ فإنه طريق (٢) السلف، وهو بحر لا ساحل له. ومن طريقه: استنباط ابن عباس ﵁ من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَنَا﴾ [الإسراء: ٣٣] أنَّ معاوية ﵁ ينتصر على علي كرم الله وجهه، وإن كان عليٌّ أفضل منه (٣). واستنباطه من قول علي كرم الله وجهه: «قُتل عثمان، وأنا معه» أنَّ عليًّا يُقتل. واستنباط الشافعي ﵁ من قوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] أنَّ الإجماع حُجَّة. ومن قوله تعالى: ﴿امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١] أنَّ أنكحة الكفار صحيحة.

стр. 725

واستنباط يحيى بن يعمر من قوله تعالى: ﴿وَعِيسَى﴾ في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ الآيتين [الأنعام: ٨٤]، أنَّ الحسن والحسين ابنا رسول الله ﷺ في واقعته مع الحجاج بن يوسف. وأما المولدات فمُحدثة بعد القرن الأول، وقد خاض فيها الشافعي وأبو حنيفة فأكثرا، وتبعهما أصحابهما. وأما النكات فمن محدثات المتأخرين؛ لتمرين الأذهان وشحذها، ولا تُعرف للمتقدمين. مستنبطة: قلتُ مرَّةً للشيخ الإمام ﵀ في (١) مسألة الملتجئ إلى حرم رسول الله ﷺ أفضل من الكعبة والتجاء الابن - ببنوته - إلى أبيه أعظم من التجاء المرء إلى (٢) الحرم؛ لشدَّة حُنُو الأب على ولده، وقد قال ﷺ : «لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها» (٣)، فدل على أنَّ الحرم لا يعيذ عاصيا، ولا فارا بخَرْبَة، فاستحسن لي ذلك. تنبه المولدات، والمستخرجات، والمفرَّعات (٤)، والمحاضرات، والنادرات، والمستثنيات تختص (٥) بمجالس المذاكرة.

стр. 726

والمستنبطات، والنكات تختص بمجالس المناظرة. وأما الملقبات والدوريات فلا تدخل فيما نحن فيه. وأما الواقعات، والنازلات، والمحاورات ونحوها فتحدث بحدوث أسبابها. مولدة من عملي في بعض الدروس: رجل قال لامرأته: "إن لم يكن ما (١) [في] (٢) هذا الدرس متضمنا حقا فأنت طالق، فقالت: "إن كان ما هو متضمنا حقًا فعبدي حر" = لا تطلق ولا يعتق، و "كان" في لفظيهما للأمر (٣) والشأن، و"ما" نافية حجازية نصبت (٤) متضمنا" فانتصب بها، لا بأنه خبر "كان"، وموضع الجملة نُصب على أنها خبر "كان"، و "حقا" معمول "متضمنا". وتقدير كلام الزوج: إن لم يكن الأمر والشأن ليس متضمنا حقًا هذا الدرس (٥)، والمعنى: إن لم يكن فيه حق فأنتِ طالق، ولا شك أنَّ فيه حقًا، فلا تطلق؛ لأنَّ طلاقها معلق على أن لا يكون فيه حق (٦)؛ لأن حرف السلب - وهو "لم" - إذا سُلّط على سلب - وهو "لا فيه حق" - كان للإثبات؛ لأنَّ نفي النفي إثبات، وكأنه قال: إن انتفى عنه جنس الحقِّ فأنتِ طالق، وجنس الحقِّ لم ينتف

стр. 727

عنه، فلا تطلق. وهي قالت: إن كان الشأن ليس فيه حق فعبدي حُرٌّ، وهو [لم] (١) يكن كذلك؛ لاشتماله على حق، فلا يعتق؛ لأنَّ المعلق عليه - وهو أن يوجد الدرس لا حق فيه - غير موجود (٢). مذنب المولد: فلو قال: "إن لم يكن مضمون هذا الدرس الحقُّ فأنتِ طالق"، فقالت: "إن كان ما هو مضمون هذا الدرس الحقُّ فعبدي حُرٌّ"؛ طلقت ولم يعتق؛ لأن "كان" ناقصة، و"ما" موصولة، و"الحق" معرَّف بلام الاستغراق منصوب على أنه خبر "كان" (٣). والمعنى: إن لم يكن الذي في هذا الدرس هو الحقُّ فأنتِ طالق، وليس الذي في هذا الدرس تمام (٤) الحق، بل بعضُه، وبعض الشيء غيره، فتطلق (٥) لوجود الصفة وهي أنه ليس كل الحق، فهو كما لو قال وفي فمها لقمة: "إن بلعتها فأنت طالق، وإن أخرجتها فأنت طالق"، فإنها تخلص إذا بلعت بعضها، ولا تكون بلعتها ولا أخرجتها (٦). ولا يحسنُ اقتصار الرافعي على ذكر هذا الفرع (٧) - فرع اللقمة - غير معزُو

стр. 728

إلى النص = إن كان عَرَفَ بأنَّ أبا عبد الله الحاكم سمعه من الأستاذ أبي الوليد النيسابوري، قال: سمعتُ الحسن بن سفيان يقول: سمعتُ حرملة يقول: سمعتُ الشافعي، فذكره. وأما عبدها فلا يعتق؛ لأنَّ الذي في الدرس ليس الحقُّ بتمامه بل بعضُه؛ إذ (١) من الحقِّ كثير ليس فيه، فلم توجد الصفة، فلا يعتق (٢). وهذا في القسمين على جعل اللام للاستغراق، وملاحظة قاعدة حصر المبتدأ في الخبر، فلا يغب ذهنك، فإن جعلناها جنسيةً، أو أراد الزوجان الجنس؛ انعكس الحال، يعتق ولا تطلق (٣). نكتةً من تركيبي يُغلق بها هذا الباب: أدعي أنَّ جميع ما قلته في هذا الكتاب صواب، ولا أدعي أن جميع الصواب فيما قلته فيه، وإنما قلت: إنَّ جميع مقولي (٤) فيه صواب؛ لأنه إن لم يكن (٥) صوابًا، فإما أن يكون كله خطاً، أو بعضه خطاً، أو بعضه صوابا، وحينئذ فالبعض الذي هو خطأ إما أن يتميز عن البعض الذي هو صواب أو لا يتميَّز، والمتميز (٦) إما أن يكون متميّزا في نفسه غير منظور فيه إلى الغير، وإما أن يكون متميزا في نفسه منبها فيه على أن غيره على الضد منه.

стр. 729

فهذه سبعة أقسام: أن يكون: ١ - كله صوابا. باب اللطائف ٢ - كلُّه خطاً. ٣ - بعض منه متميز عن البعض الآخر، صواب منه فيه على أن البعض الآخر خطأ. ٤ - بعض منه متميز عن البعض الآخر، صواب مسكوت فيه عن البعض الآخر خطأ (١). ٥ - بعض منه مجهول صواب، والآخر خطأً. ٦ - بعض منه مجهول صواب، والآخر مسكوت. ٧ - بعض منه مجهول خطأ، والآخر مسكوت (٢). لكن إثبات الخطأ في كله خطأ؛ للقطع باشتمال بعضه على الحق. وإثبات الخطأ في بعض مجهول خطاً؛ لأن الحكم على الشيء فرع تصوره، والمجهول غير متصور. وإثبات الخطأ في بعض معين يستدعي معرفته، ولا بُدَّ من ذكره ليبحث عنه، فما (٣) لم يذكر لا يثبت ولا يُسمَع، فلم يبق إلا إثبات الصواب إما لكله أو لبعضه، مع السكوت عن الآخر.

стр. 730

فإن كان الأول حصل المدَّعَى، وإن كان الثاني فنقول: ذلك البعض المسكوت عن الحكم بكونه صوابا أو خطأ إما أن يكون أقل من المحكوم بكونه صوابا، أو مساوياً له، أو أكثر، فإن كان أقل (١) فإلحاق القليل بالكثير والفرد النادر بالأعم الأغلب طريق من طرق الصواب، فلنحكم على الكلّ بأنه صواب؛ إلحاقاً للفرد النادر بالأعم الأغلب، وإن كان مساوياً أو أكثر فنقول: لما احتمل هذا الخطأ والصواب، مع ثبوت الصواب لما وراءه؛ فالحكم عليه بأنه صواب أرجح من الحكم بأنه خطأ من وجوه ثلاثة: أحدها: أنَّ الحكم بأنه خطأ لا مستند له ظاهر، والحكم بأنه صواب مستنده ظاهر، وهو اشتراك الأبعاض فيما لكلّ منهما (٢)، والحكم بما له مستند - وإن لم يقو كلَّ القوة - أقرب إلى الصواب من الحكم الذي لا مستند له يظهر. والثاني: أن عدم ظهور الخطأ يوجب عدم الحكم به، وعدم ظهور الصواب لا يوجب عدم الحكم بالصواب؛ لأنَّ الحكم به مستند إلى أصل البراءة، ولو ثبت الخطأُ لكان فتحاً لباب الملام، لكن أصل استصحاب البراءة الأصلية يسدُّ باب الملام ما لم يثبت بوجه شرعي، فكان الحكم بالخطأ مرتفعاً. وهذان وجهان جدليان. والثالث حقيقي: قوله ﷺ ﴿رفع عن أمتي الخطأ﴾ (٣)، فإنَّ المراد إما نفسه، أو إثمه، أو حكمه، لكن حكمه وإثمه ينتفيان في موضع لا يمكن أن يُحمل عليه

стр. 731

نفسه، أما في موضع يمكن حمله فيه على ظاهره فلا يتعيَّنان، بل يتعيَّن إبقاؤه على ظاهره، إذ لا صارف له، وهذا مسلك في هذا الحديث حسن، لم أرَ مَنْ سلكه. وهنا لم يتعيَّن الخطأ، والأصل عدمه، فثبت الصواب لثبوت ارتفاعه. والحديث وإن قال الإمامان أحمد بن حنبل ومحمد بن نصر: إنه غير ثابت، فقد روي بهذا اللفظ وبلفظ بمعناه، ثم معناه مُجمع على أصله. فتأمل هذه النكتة البديعة، والمولدتين، وخرج بعد عليها ما تشاء، فقد فُتح الباب، ورفع الحجاب، رفع الله حُجب قلوبنا، ودفع عقاب (١) ذنوبنا، وتجاوز وأنعم بنبينا (٢) محمد ﷺ (٣).

стр. 732

بَابُ مذهب الشيخ الإمام ﵀ - قد انفصل القول على ترجيحاته المذهبية، ووراءها إشكالات على المذهب، لم يذهب - مع استشكالها - إلى القول بخلافها، بل اقتصر على الاستشكال. مثل قوله - وقد ذكر قول الأصحاب: «إنَّ للغاصب تأخير الرد للإشهاد، وإن طالبه المالك» -: «إنَّ جواز التأخير مُشكل؛ لاستمرار المعصية» (١). ومثل قوله فيما عمله من كتاب «التحبير المُذهَب في تحرير المذهب» في «كتاب الجراح»، وقد ذكر مسألة قطع الأنملة وقول الإمام: «إيجاب القصاص بقطع أنمُلَةٍ لا توقيف فيه من الشرع، وإنما تلقاه العلماء من تصرفهم في العمد» = ما نصه: «ليس استشكال الضابط بأولى من استشكال الحكم في قطع الأنملة إذا لم يرد فيه توقيف، إلا أن يكون فيه إجماع»، انتهى. ذَكَرَه في كلامه على ضابط العمد (٢). ومثل هذه الإشكالات (٣) لا قول له فيها، بل هو واقف، فلا نذكرها، إنما نذكر ما جزم فيه القول وبت فيه الرأي لنفسه فنقول:

стр. 733

هذا الباب معقود للمسائل التي اجتهد فيها لنفسه، وخرج بها عن مذهب الشافعي، وإن كان ربما وافق في بعضها قولاً، أو وجها ضعيفاً في المذهب، وهذا الباب - وإن عظمت فائدته - فجدواه بالنسبة إلى الشافعية ليست كالبابين قبله؛ فإنَّ الأخذ برأي الشيخ الإمام في هذه المسائل مقلد له لا للشافعي. فنقول - مستعينين بالله فيما نأتي ونذر: قد كان الشيخ الإمام ﵀ رجلاً - فيما نعتقد - من كبار المجتهدين، وكانت المسائل التي تمر عليه في مذهب الإمام الهادي رضوان الله عليه - على ما فهمته من حاله، وتيقنته من أمره، ولا ينبئك مثل خبير - ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما وافق اجتهاده فيه اجتهاده، فهو موافق للإمام الهادي لا مقلد (١)، إذ لا يقلد مجتهد مجتهداً. وقد أشار ﵀ إلى ذلك في كثير من المسائل، فقال في «شرح المنهاج» فيما إذا مات أحد الزوجين قبل الفرض والمسيس، وقد وافق النووي على تصحيح القول بوجوب المهر: «حرَّرتُ هذه المسألة، وأشرق بها باطني» (٢). وقال في عدد كثير من المسائل: «ذهب الشافعي إلى كذا، وهو المختار». وقال في «فتاويه» في مسألة الساحر هل يُقتل؟: «ذهب الشافعي إلى أنه يعزر ولا يُقتل، ومالك إلى أنه يُقتل، والأولى مذهب الشافعي؛ لعدم قيام الدليل على خلافه» (٣).

стр. 734

وله مثل ذلك كثير، وإنما يقوله حيث قام الدليل عنده على وفاقه، فهذا القسم أعطاه من الاجتهاد قوته، واستفرغ له وسعه. * القسم الثاني: ما ضاق وقته عن النظر فيه نظرًا تامًا بحيث يَدِينُ الله به لنفسه. فهذا في الغالب يعزوه إلى الشافعي ساكتاً عليه، وكأنه فيه ظَانٌ صوابَ الصاحب على الجملة، لا هو المقلدُ من كل وجه، ولا المعطي لتلك المسألة حِيلةً بحيث ينسبها إلى نفسه قولاً واعتقاداً، والذي شاهدته من حاله فيما هذه صفته أنه لا يُفتي فيه بشيء. ولقد حضرته مرةً وجاءته فتيا في لعب الشطرنج: أَحَلالٌ هو كما يقول الشافعي أم حرام؟ فألقاها إليَّ وقال: اكتب أنت عليها، فكتبتُ عليها كتابة مبسوطة نصرتُ فيها مذهب الشافعي، وأحضرتُها إليه فاستحسنها، وقال: أعطها لصاحبها. وفهمتُ منه أنه ليس عنده فيها قول (١) بتّ، فمن ثم لم يُقدم على الفُتيا، وأنَّ رُجحان مذهب الشافعي فيها عنده قائم؛ ولذلك مكنني من الكتابة (٢)، وأمرني بإعطائها إلى المستفتي، فلو لم يرضَ قول الحل لما أذن لي في دفعه إلى المستفتي. وربما أعطى المسألة من النظر حِيلةً وقوَّةً، ثم تعارضت عنده الأدلة، وهنا تارةً يقف، وتارةً يميل إلى مذهب الشافعي ميلاً لا يستمر عليه، بل يتطلب معه.

стр. 735

للفتيا نظراً آخر، كما فعله في مسألة المزارعة والمخابرة. قال في «شرح المنهاج»: «وردت سُنَّتَانِ: السنة التي لا مدفع لها في المساقاة، والسنة بالنهي عن المزارعة والمخابرة، ردَّهما بعض الناس وقَبِلَهُما الأكثرون، فرأى الشافعي أنَّ الوقوف مع السنن أولى وأسلم، وقال: لا تُردُّ إحدى سنتيه ﷺ بالأخرى، يعني: سنته في تجويز المساقاة، وسنته في منع (١) المزارعة والمخابرة، ولا شك أن هذا أسلم المذاهب». ثم ذكر مذاهب الأئمة الباقين، ثم قال: «ورأي الحسن والأوزاعي اتباع القياس في إلحاق غير المنصوص به، فأجاز المزارعة، والمخابرة، والمناصبة، ودَفْعَ الشاة للراعي ببعض ما يخرج منها من لبنها، ونحو ذلك»، قال: «وما عدا هذين المذهبين يصعب (٢) مأخذه؛ لأنه إما أن يخالف أثرًا أو قياسًا، ولا يستمر على قاعدة»، قال: «ولا يُثلج صدري في هذه المسألة بشيء؛ لأنها في غاية الإشكال عندي؛ فلذلك لم أُقْدِم على اختيار شيء، وكيف أخالف الأئمة الأربعة أو الثلاثة مع هذه الإشكالات؟!»، انتهى كلامه ملخصاً. فانظر كيف وقف، ثم بعد ذلك في أواخر عمره صنف كتابًا سماه «الطريقة النافعة في الإجارة والمساقاة والمزارعة»، وكان سبب تصنيفه إياه مسألة وقعت عندي في المحاكمات بعد ما استخلفني على نيابته في الحكم، فسألته عنها، فصنف هذا التصنيف، وقال فيه: «لم أجسر في شرح المنهاج» على مخالفة الأئمة الأربعة في المخابرة؛ لأني كنت لم أتتبع جُملة الأحاديث وأقوال السلف

стр. 736

وتحقيقها، ولا شكَّ أنَّ الإنسان بتتبع ذلك يُحدِث الله فيه قوةً لما يشاء، وقد حدثت في قوةِ الآن لاختيار جوازها» (١)، انتهى ملخصاً. واعلم أنه ﵀ كما كان مجتهدا مطلقا كذلك كان في مذهب الشافعي مجتهداً مُقَيَّداً. فرُبَّ مسألة اطلع فيها على نصوص الصاحبِ ﵁ وأعطى النظر حقه، فلم يبال فيها بخلافِ مُتَقَدِّم من الأصحاب ولا متأخر، ولا بالأكثرين ولا بالمتأخرين، وعبارته عما هذا شأنه غالبا لفظ «المختار» أو نحوه. ورُبَّ مسألة لم يستوف فيها النظر، وكان عنده فيها بعض التوقف فعزاها إلى قائلها، كما يقول في كثير من المسائل: «قاله الرافعي»، أو: «كذا صححوه»، أو ما أشبه ذلك. ورُبَّ مسألة استوفى فيها النظر، ووافق رأيه رأي الأكثر، فقال مع حكاية قول الأكثر: «إنه المختار»، أو مع حكاية تصحيح الرافعي والنووي: «إنه المختار». فهذه الأقسام الثلاثة جارية في اجتهاده المقيد جريانها في اجتهاده المطلق. واعلم أنه ﵀ كان في الواقعات الواردات عليه يهتم منها بما ليس بمنقول أكثر من اهتمامه بما هو منقول، كأن يرى أنَّ الاشتغال به أهم من الاشتغال بالخلافيات التي استقرت المذاهب عليها، ولا يثير تحريك (٢) البحث فيها إلا

стр. 737

نزاعًا لا يقف عند غاية، ولا يؤول إلى رجوع منقطع لمستظهر في مجلس النظر، بل هي كما كان القاضي أبو حامد المروروذي (١) يُنشِد حين يسمع تراجع المتناظرين في مناظراتهم، وتنازع المتكلمين في محاوراتهم، ثم انفصالهم وكل مصمم على مقالته، باق على حالته: وَمَهْمَةٍ دَلِيلُهُ مُطَوِّحُ … يَدْأَبُ فِيهِ الْقَوْمُ حَتَّى يَطْلَحُوا ثُمَّ يَمُرُّونَ كَأَنْ لَمْ يَبْرَحُوا … كَأَنَّمَا أَمْسَوْا بِحَيْثُ أَصْبَحُوا نعم، وكان يرى أن ما خاض فيه الأولون فقد كَفُوا المؤنة غالبًا فيه، وأما م لم يجر لهم فيه نظر فقد تعين عليه القيام به، فإنه كان - فيما يُظهر من حاله، لا فيما يُفصح به بمقاله - يعتقد أنَّ أهل عصره محجوجون به، متعيّن عليهم الانقياد لأقواله وأفعاله، حتم عليهم التقيد بما يأمر عن الله، وعليه أن يبذل الجهد في فتاويهم كما عليهم أن يبذلوا الجهد في متابعته، وما هو بمفوت ما أوجب الله عليه إذا فوتوا هم - أو بعضُهم - ما أوجبه الله عليهم من متابعته، فكانت إذا جاءته فتيا أفرغ ليلته لها من أجل ذلك. ومن ثم كان ﵀ يقول عند ذكره قول الفقهاء: لا ينقض قضاء القاضي في الاجتهاديَّات المختلف فيها: «إنما يُطلَق «المختلف» على ما فيه خلاف لمن تقدم، وأما ما يقع لنا من صور المسائل، وتتجاذب الآراء فيها؛ فلا يقال: إنها من المختلف فيه، بل ينبغي أن يُنظر فيها، فإن اتضح دليل عليها اتبع، وإلا فلا، وإن حكم حاكم فيها بحكم ولم يكن عليه دليلٌ؛ ينبغي جواز نقضه، وإن كان عليه دليل لم ينقض» (٢).

стр. 738

هذا كلامه، وقد ذكره في «فتاويه»، وهو صحيح، وعليه تُحمل أقضية صدرت من شريح وغيره نقضها عليٌّ كرَّم الله وجهه، وغيره في مسائل لم يكن تقدم فيها خلاف، ولا عليها دلالة قاطعة. وكان في اشتغال الشيخ الإمام - لا سيما في أواخر عُمره - بما وصفناه من الحوادث مع ما كان عليه من أوراد العبادة = ما يشغله عن إمعان النظر في المسائل التي استقر عليها الخلاف؛ لعدم اتساع الزمان. * القسم الثالث من الأقسام في اجتهاده المطلق: ما أعطى فيه النظر حقه، وبلغ منه الجهد، وأداه إلى مخالفة المذهب والبوح بمنابذته، لا الوقوف على الاستشكال، كما فعل في المزارعة والمخابرة آخر عمره. ولهذا القسم عقدنا هذا الباب، ورأينا أنَّ جمعه ونقله من باب نقل الشريعة وحملها، وأداء النصيحة فيها، فإنَّ هذا الإمام الآتي في هذا الزمان الأخير إذا ذهب إلى خلاف المذهب، أو مشهور المذاهب = تعيَّن على المحتاط لدينه أن ينظر فيما قاله، ليتبصَّر أيُّ المذهبين أولى بالاتباع؟ وقد أوضحنا حاله، وبيَّنا معتقدنا فيه، وكرَّرنا الكلام عودًا على بَدْءٍ، مفتتحًا على مختتم، إلى أن بلغنا في البيان مبلغا لا مزيد عليه، ثم نقول كما قال إمام الحرمين قُبيل «باب الخلع في المرض»: «ليس من الممكن إنهاء كل مسألة إلى حدّ يفهمه كل أحد». ولنشرع في مقصود هذا الباب فنقول - وفقنا الله (١) فيما نقول ونفعل:

стр. 739

ذهب والدنا وشيخنا الشيخ الإمام - سقى الله عهده، ونور لحده - فيما انتحله لنفسه مذهبًا، وارتضاه رأيا، إلى: أنه إن شهد طبيب واحدٌ أنَّ المشمس يورث البرص؛ كُره استعماله أو حرم، وتقدم اعتباره من جهة المذهب طبيبين للكراهة (١). مسألة: وأنَّ الغُسالة غير المتغيرة طاهرة مطلقا، طهر المحل أم لم يطهر، وفي مذهبنا ثلاثة أقوال: الجديد: إن انفصلت وقد طَهُرَ المحل فهي طاهرة غير مطهرة، وإن انفصلت ولم يطهر فنجسة. والثاني: نجسة بكل حال. والثالث - وهو القديم -: طاهرة مطهرة بكل حال. والخلاف في الماء القليل، أما الكثير فطاهر مطهر، لا ينجس إلا بالتغير بلا خلاف (٢). ومن نظر «شرح المنهاج» يحسب أنه يختار القديم، وليس كذلك؛ لأنه يقول بالطاهرية، وهنا يوافق القديم لكنه يُنكر الطهورية، وهنا يفارقه، صرح بذلك في كتاب «الرقم الإبريزي في شرح مختصر التبريزي»، قال: «ولم أرَ مَنْ قال به في المذهب، وهو الذي أختارُه، وليس من القديم ولا الجديد» (٣).

стр. 740

قلت: وتقدم ترجيحه من حيث المذهب أنه لا فرق بين أن يزيد الوزن أو لا. مسألة: وأنه إذا تخلل النبيذ المتَّخذ من التمر (١) أو الزبيب بعد أن كان خمرا بنفسه؛ يطهر، قال: «ولم أجد مَنْ صرَّح به»، قال: «والمنقول عن أصحابنا أنه لا يطهر، نقله القاضي أبو الطيب وغيره» (٢). قلت: وقد تقدم هذا في الخلاف المرسل؛ لأنَّا لم نجد نصا للشافعي يوافق القاضي أبا الطيب، وقواعد المذهب (٣) تقتضي خلافه؛ فلذلك عددناه من المذهب. مسألة: وأن شارب الخمر يتنجس باطنه، ثم لا يمكن تطهيره أبدًا، وإن كنا نطالبه بما نطالب به الطاهرين والطاهرات من الصلاة ونحوها للضرورة. وقد قدمت هذا في الخلاف المذهبي؛ لأني حكيتُ له أنَّ أبا العباس بن سريج قال - فيما وجدته منقولاً عنه في «شرح المفتاح» للقاضي أبي الحسن علي بن أحمد الفسوي -: «إنَّ الشريعة تقتضي أنه ليس في باطن الإنسان نجاسة»، فقال: «مراده ما في باطنه مما خلقه الله فيه منه، لا مما دَخَلَ من خارج، وهذا ظاهر، ذكره الأصحاب حيث قالوا: إنَّ النجاسة في محلّها لا يُحكم عليها بحكم النجاسة، أما نجَسٌ أدخله الإنسان عدوانًا إلى باطنه فإنه يُنجسه؛ لأنه أدخل نجساً محكوما عليه بالنجاسة يلاقي الباطن فينجسه، ثم تطهيره متعذر؛
следующие страницы →