ركعة أنه يضيف إليها أخرى وتجزئه)، والفرق عنده أنه إذا لم يعقدها لم يصل شيئاً، فلو قصر لقصر حالة الإقامة، وإذا صلى ركعة انعقدت في السفر كما بينا في الجمعة إذا أدرك ركعة، ويصلي أربعاً إذا لم يدركها.
قال سند: إنا نستحب له ترك البناء، وإن كان يجزئ ليكون بنية واحدة في جميع العبادة، كمن أحرم بالجمعة ففاتته؛ فإنه يستحب له ابتداء الإحرام، وإن كان البناء عليه مجزئاً.
قال: فإن قيل: لم قلتم في الجمعة يقطع، وهاهنا يتم نافلة؟
قلنا: لم يتحقق الخلاف بينهما في المذهب، فإن تنفّل في الموضعين؛ أجزاه إن كان الوقت واسعاً، أو قطع في الموضعين، وعلى الفرق بينهما بأن صلاة السفر لو أتمها قصراً لأجزته على قول، فجعل عوض الركعتين نافلة.
والجمعة لا يمكنه فعلها وحده؛ فاستأنف الظهر، وهو أولى من التنفل.
فإن كان إماماً، وقد عقد ركعة قبل عزمه على الإقامة؛ أضاف لها أخرى وأجزته، وإن لم يعقد ركعة استخلف.
قال اللخمي: يريد: ويتم على إحرامه أربعاً، وأرى أن يتم على ما هو عليه ركعتين كما أحرم وتجزئه، كالمتيمم يطرأ عليه الماء (١).
وقال ابن القاسم مرة: يستخلف، ويبتدأ الصلاة معهم مأموماً.
وقال مرة: تبطل عليه وعليهم.
стр. 1017
وقال مرّة: إن نوى عقد ركعة وخلفه مسافرون وحضريون؛ استخلف، فإن قدم مسافراً؛ سلم من اثنتين وسلم معه المسافرون، وأتم المقيمون كما كانوا يفعلون مع إمامهم، أو حضرياً صلّى ركعة بقية صلاة الأول، وأشار إن اجلسوا، ثم أتمّ وحده وسلم، ثم أتمّ المقيمون بعد سلامه.
وقال عيسى: أحبُّ إليَّ بطلانها عليهم الكل (١).
قال ابن يونس: أما إن قدم مسافر فلم يتعين عليهم شيء؛ لأنه كالأول.
وأما المقيم فقول عيسى أصوب؛ لاجتماع إمامين في صلاة مسافر ومقيم، فإن أتموا خلف الثاني خالفوا ما دخلوا عليه، وإن لم يتموا خالفوا الثاني.
وابن القاسم يرى أن صلاتهم انعقدت على الأول، والثاني مكمل لصلاة الأول (٢).
فرع:
لو بقي من النهار ثلاث ركعات، وعليه الظهر والعصر، فلما أحرم بالظهر نوى الإقامة بعد ركعة:
قال سحنون: يصلي الظهر سفرية، والعصر حضرية، يريد: أنه أقام بعد خروج وقت الظهر؛ لأنه يتم الظهر سفرية تبقى له ركعة للعصر، فلو كانت امرأة فحاضت لم تقض إلا الظهر.
وإن بقي من النهار ركعة وعليه العصر، فلما صلَّى ركعة غابت الشمس
стр. 1018
ونوى الإقامة.
قال أصبغ: يقطع؛ لأن نية الإقامة صادفت وقت القضاء، والسفرية لا تقضى حضرية.
يريد أنه أقام فامتنع الإتمام.
وقال سحنون: يتمادى ولا يضره ما نوى بعد خروج الوقت؛ لأنها قد وجبت سفرية، ولو قضاها قضاها سفرية.
واختلف إذا قطعها؛ هل يصليها سفرية؟
قاله أصبغ؛ لأن نيته بعد وقتها.
وقال ابن المواز: حضرية (١).
قال سند: أنه رجع لقول أصبغ.
* * *
стр. 1019
(باب المشي إلى الفرج في الصلاة
ولا بأس بالمشي إلى الفرج في الصلاة).
ت: لما في البخاري: قال رسول الله ﷺ : سووا صفوفكم؛ فإني أراكم وراء ظهري، وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه (١).
وفي مسلم: كان رسول الله ﷺ ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم (٢). يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: استووا
وفي مسلم:: كان رسول الله ﷺ يقول:: ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ (٣).
وفي أبي داود: قال: أتموا الصف المتقدم، والذي يليه، وما كان من نقص فليكن في الصف الآخر (٤).
وعنه ﵇: من سد فرجة في صف رفعه الله بها درجة، وبنى له بها بيتاً في الجنة (٥).
стр. 1020
وكان عمر ﵁ يوكل على الصفوف من يسويها، فإذا قيل له: استوت؛ كبر (١).
وكذلك عثمان ﵁ (٢).
قال مالك: له أن يمشي إلى الفرجة تجاهه إذا لم يضيق ولم يؤذ بشدة الحر، وربَّ خلل بين اثنين يستر إذا جلسا (٣).
ولا يبتدأ صف ثان قبل الأول، ولا ثالثاً قبل ثان.
فإن كان الخلل عن يمينه أو يساره:
قال ابن حبيب: لا يذهب إليه بعد إحرامه (٤).
وقبل إحرامه [يخرج] (٥) الصفوف إليه، وقد فعله النبي ﷺ لما جاء من عند بني عمرو بن عوف فوجد أبا بكر يصلي فتقدم حتى وقف في الصف.
قال ابن يونس: يتقدم إليها حيث كانت، وحيث يحل السبيل إليها (٦).
قال الأبهري: لأنَّ العمل اليسير جائز في الصلاة، وقد جوز له قتل العقرب والحية.
стр. 1021
ص: (ومن افتتح الصلاة، ثم رأى فرجة في الصف، فإن كانت قريبة؛ مشى إليها، وإن كانت بعيدة؛ صلى مكانه).
ت: اتفقوا على الخطوة.
واختلفوا في أكثر من ذلك:
ففي العتبية: يدب راكعاً مثل الصفين والثلاثة (١).
وقال (ش): إن دبّ ثلاث خطوات؛ بطلت صلاته.
لنا: أن العمل الكثير ممنوع إجماعاً، والقليل جائز إجماعاً، ولم يرد بين ذلك تحديد يوجب ضبطه بالعرف.
وعن عائشة ﵂ أنها قالت: جئتُ والنبي ﷺ يصلي فاستفتحتُ، فمشى ففتح لي، ثم رجع إلى مصلاه، وفي الحديث: أن الباب في قبلة البيت، خرجه «أبو داود» (٢).
ص: (ولا بأس أن يمشي إلى فرجة في صلاته في ركعة بعد ركعة.
ولا بأس أن يمشي قبل الركوع وبعده، وأن يدب راكعاً، ولا يدب ساجداً ولا جالساً).
ت: المقتضى في الركعة الثانية مثل الأولى.
فإن رأى فرجاً:
стр. 1022
قال ابن القاسم عن مالك: يدب إلى آخرها (١).
وإذا كانت بعيدة يذهب من سكينة الصلاة ووقارها ما لا يساوي فضيلة الصف:
قال ابن حبيب: يذهب إلى أولها إلى الإمام؛ لقوله ﵇: أتموا الصف الأول والذي يليه، فإن كان نقص فليكن في الصف الآخر (٢).
قال ابن القاسم: لا بأس أن يخرق صفاً لفرجة (٣).
واختلف في الدب بعد الركوع:
أجازه ابن الجلاب.
قال سند: إذا قرب جداً.
وعن مالك في المستخرجة منعه حتى يفرغ من الركعة بسجودها، ولا يجعل بين الركوع والسجود عملاً (٤).
وقال في مختصر ابن عبد الحكم يمشي إذا رفع رأسه من الركوع إلى الفرجة القريبة لعموم الأدلة (٥)، ولأنه في حالة قيام فأشبه قبل الركوع.
ومنع أشهب الدب راكعاً (٦)؛ لئلا تتجافى يداه عن ركبتيه.
стр. 1023
ولأن الركوع خشوع ينافي العمل، ولأنه يشتغل عن ركن.
وظاهر المدونة جوازه؛ لما في «الموطأ»: عن ابن مسعود، وزيد بن ثابت، أنهم دخلوا المسجد والإمام راكع فركعوا ودبوا راكعين حتى وصلوا إلى الصف.
وإذا جاز لإدراك الصف؛ جاز لإدراك الفرجة.
ويمتنع في السجود والجلوس؛ لما فيه من الكلفة، وتغيير هيئة الركن.
ص: (ومن لم يجد مدخلاً في الصف، فصلى وراءه وحده؛ فصلاته تامة كاملة.
ولا يجذب إليه من الصف رجلاً فيوقع فيه خللاً).
ت: ووافقنا (ش) وأبو (ح).
وقال ابن حنبل: صلاته قبل الصف باطلة.
وفي البخاري: أن أبا بكرة دخل المسجد ورسول الله ﷺ راكع فركع دون الصف، فقال له رسول الله ﷺ : زادك الله حرصاً على الخير ولا تعد (١).
[يريد] (٢): إلى البطء.
وقيل: النهي عن الإسراع والسعي، ولم يأمره بالإعادة، فلو كانت باطلة لأجل انفراده عن الصف؛ لأمره بالإعادة، ولا يعتد بالركعة التي عقد بها خلف الصف، وقياساً على المرأة إذا انفردت، ولأنه أتى بالشرائط والأركان، ولأنَّ
стр. 1024
النبيُّ ﷺ صلَّى باليتيم والعجوز من ورائهم ولم تبطل صلاتها، احتجوا بأن رجلاً صلَّى خلف الصف وحده، فأمره النبيُّ ﷺ بالإعادة (١).
جوابه: لم يصح.
قال أبو عمر: فيه اضطراب، ولا يثبته جماعة (٢).
وقد يكون أساء صلاته؛ لأنها قضية عين تحتمل ذلك.
وروي عنه ﵇: لا صلاة لمنفرد خلف الصف (٣).
جوابه: إن صح؛ حمل على نفي الكمال جمعاً بينه وبين ما ذكرناه.
(ولا يجذب إليه رجلاً)؛ لأنه يخطئ بإيقاع الخلل في الصف، ويخطئ الموافق له؛ لأنه أيضاً يوقع خللاً، ويتقدم إلى صف أدنى فضيلة من صفه.
فإن تأخر رجل من الصف لغير عذر:
قال [ابن حبيب] (٤): أساء، ولا شيء عليه (٥).
وعن مالك: يعيد (٦).
стр. 1025
وعن مالك: إذا ضاق به الصف في التشهد؛ لا بأس أن يخرج منه أمامه (١).
أو خلفه، وقد فعله بعض [الخلفاء] (٢)(٣).
(فصل في جامع الصلاة)
ينبغي للإمام أن يقف بعد الإقامة حتى تعتدل الصفوف وتستوي، ثم يكبر، ويقرأ إثر تكبيره ولا يسكت).
ت: في أبي داود: عن النعمان بن بشير: كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا، فإذا استوينا كبر (٤).
وروي أن عمر وعثمان ﵄ كانا يوكلان رجالاً لتسوية الصفوف، فإذا أخبروهما أن الصفوف استوت كبرا.
[قال] (٥): وعمل المدينة لا يُحرم قبل الفراغ من الإقامة.
وفي أبي داود: أن بلالاً ﵁ لما قال: قد قامت الصلاة، قال رسول الله ﷺ : أقامها الله وأدامها (٦).
ولأن المنفرد لا يحرم قبل الإقامة، وكذلك الجماعة.
قال ابن حبيب: رأيت أمير المدينة يوكل رجالاً بتسوية الصفوف في مسجد
стр. 1026
رسول الله ﷺ فمن [وجدوه] (١) دون الصف، [وهو] (٢) يمكنه الدخول فيه [ساروا] (٣) به بعد الصلاة إلى السجن.
وقوله: (يقرأ عقيب تكبيرة تلبسه) على قول (ش): أنه مأمور بعد التكبير بالتوجيه قبل القراءة.
لنا: أن النبي ﷺ قال لأبي: إني لأرجو أن لا تبرح من هذا المسجد حتَّى تعلم سورة؛ ما أنزل الله تعالى في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الفرقان مثلها، قال أبي: فجعلت أُبطئ في المسجد، رجاء ذلك، فقلت: يا رسول الله، السورة التي وعدتني، قال: كيف تقرأ إذا [قال؟ فقلت: الله أكبر] (٤)، ﴿الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] (٥).
ولم يذكر توجيهاً، فلو كان واجباً لأعلمه به.
ولأن النبي ﷺ لما علم الأعرابي المسيء لصلاته ذكر له التكبير والقراءة، ولم يذكر التوجيه، ولأنه ورد بألفاظ مختلفة، فلو كان واجباً لكان مقدراً كالقراءة، ولأن القراءة أفضل من الذكر؛ فيبدأ به.
ص: (ولا بأس بالكلام اليسير بعد الإقامة، وقبل الإحرام.
ومن ومن قهقه في صلاته؛ بطلت عليه، وكذلك من تكلم فيها
стр. 1027
عامداً لغير إصلاحها، فإن تكلم فيها لإصلاحها؛ فلا شيء عليه، وإن تكلم في صلاته ساهياً؛ سجد لسهوه بعد السلام، ولم تبطل صلاته).
ت: في الصحيحين: أقيمت الصلاة فعرض للنبي ﷺ رجل يناجيه ثم صلى بهم، ولم ينقل أنه ﵇ أعاد الإقامة (١).
قال اللخمي: إن طال ذلك أعادها (٢).
والقهقهة: هي الضحك بصوت.
فإن تعمدها بطلت صلاته فذاً، أو إماماً، أو مأموماً؛ لأنها كلام متعمد.
قال سند: هذا متفق عليه، ولا تكون القهقهة دون الكلام.
فإن كانت غلبة أو سهواً:
قال ابن حبيب: فسدت صلاته، فإن كان مأموماً؛ تمادى وأعاد، وإن كان إماماً؛ استخلف (٣).
وقاله مالك.
وقد روى ابن وهب: أن النبي ﷺ صلى وبين يديه حفرة، فأقبل رجل يريد الصلاة فسقط في الحفرة، فضحك بعض أصحابه ﷺ ، فلما انصرف ﷺ قال: من ضحك منكم فليعد صلاته (٤).
ولم يسأل ﵇ هل ذلك سهواً أو عمداً أو غلبة.
стр. 1028
وإنما يستخلف الساهي والمغلوب؛ كمن أحدث ساهياً أو مغلوباً.
واختلف في الناسي أنه في الصلاة:
قال ابن القاسم في العتبية: عمده وسهوه سواء.
قال ابن المواز: إنما قال ذلك؛ لأنَّه لا يضحك إلا غلبة؛ إلا أن ينسى أنه في صلاة فيكون كناسي الكلام يسجد بعد السلام.
قال أصبغ: ويحمله عنه الإمام، فإن شك في سهوه وعمده؛ تمادى مع الإمام وأعاد (١).
فنح به نحو الكلام، وهو رأي سحنون.
قال ابن يونس: وهو القياس؛ لأنهم جعلوا النفخ كالكلام، وهذا أشبه منه (٢).
وعن أشهب: يمضي إن كان فذاً، وتجزئه، وقاله ابن المواز (٣).
قال سحنون: إن ضحك الإمام ناسياً، فإن خفّ؛ مضى وسجد لسهوه بعد السلام، أو عامداً أو جاهلاً؛ أفسد عليه وعليهم؛ لأنَّ القهقهة صوت مقطع؛ فأشبه الكلام.
ووجه الفرق بينهما أنها لم يشرع جنسها في الصلاة، فمنافاتها أشد، ولمنافاتها الصلاة، فيغتفر سهوه ولا يغتفر سهوها، كالمعتكف إن أفطر ناسياً؛ بنى، أو جامع ناسياً؛ ابتدأ.
стр. 1029
قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن الضحك يبطل الصلاة، بخلاف الكلام لمنافاته الوقار (١).
ولم يفصل ابن الجلاب بين مأموم ولا غيره.
وفي المدونة وغيرها: التفصيل؛ يقطع المنفرد، ويتمادى المأموم ويعيد (٢).
وقال الأبهري: لأنه ليس متفقاً على أنه مفسد فيراعى الخلاف، ولوجوب المتابعة كما قال مالك: إذا نسي تكبيرة الإحرام يتمادى مع إمامه على قول سعيد، ويعيد على قول الزهري، وهو شأن مالك فيما اختلف فيه الأخذ بالاحتياط.
قال الأبهري: عندكم إذا تكلم لا لإصلاح الصلاة؛ فسدت صلاته، فما الفرق بينه وبين الضحك؟
والفرق: أن الضحك لا يكاد يتأتى إلا غلبة عند سببه، والكلام يمكنه دفعه عن نفسه.
قال: وأما إذا ضحك وهو إمام أو منفرد ابتدأ الصلاة كالكلام عمداً.
(ويعيد الإمام الإقامة) ليعلم من خلفه ما حدث به؛ لئلا يخلط عليهم، ولأنها شأنها مقارنة الدخول، ولذلك يبتدئ بها المنفرد.
وأما الضحك بغير صوت وهو التبسم فيأتي إن شاء الله تعالى.
وأما الكلام؛ فمن تكلم عامداً لا لإصلاح الصلاة، ولا لقربه، عالم بأنه يبطل صلاته؛ فتبطل صلاته اتفاقاً.
стр. 1030
قال المازري: ولا يتحدد ذلك بحروفه (١).
وقال أبو يوسف: كل كلمة من حرفين أحدهما من حروف الزوائد؛ لا يبطل الصلاة، وحروف الزوائد عشرة يجمعها قولك: (سألتمونيها)؛ لأنَّ [أبا يوسف رأى] (٢) أصل الكلام ثلاثة أحرف، فالحرف الواحد أقله، والقليل لا يحكم له بحكم الكل، والزائد كأنه لم ينطق به، ولهذا لا يقطع التنحنح؛ لأنه حرفان أحدهما الهمزة، وهذا بحث لا يليق إلا بالنحو والتصريف، وأما الفقه فيناسب أن كل ما ينطلق عليه اسم كلام؛ يبطل.
والتنحنح ضربان:
طبيعي دعت إليه ضرورة الطبع؛ لا حكم له.
والاختيار ليسمع رجلاً:
فقيل: تبطل الصلاة؛ لأنه كلام.
وقيل: لا يبطلها؛ لأنه ليس فيه حرف من حروف التهجي.
وفي النفخ قولان؛ لأنه ﷺ مَرَّ ببرباح وهو ينفخ في التراب، فقال له: من نفخ في الصلاة فقد تكلم (٣).
وروي أنه ﷺ قال في سجوده في صلاة الكسوف: أُفٍّ أُفٌ، ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم (٤).
стр. 1031
ولأنَّ النفخ والتنحنح ليس من الكلام المراد بالنهي، قاله اللخمي (١).
قال مالك: من اضطره أنين من وجع؛ لم تفسد صلاته (٢).
وقال (ح): تبطل صلاته إن كان من الوجع، ولا تبطل إن كان من الخشوع.
قال سند واتفق الناس أن البكاء بصوت يبطل الصلاة؛ إن كان من مصيبة أو وجع، وإن كان من الخشوع؛ فلا شيء عليه إن غلبه.
وقالت عائشة لرسول الله ﷺ لما أراد أن أباها يصلي بالناس، أنه إذا قام في مقامه لا يُسمع الناس من البكاء، وهو يحتمل من بكائه، ومن بكاء الناس خلفه إذا رأوا غير النبي ﷺ في مقامه، وكان صوت عمر عالياً؛ ولهذا قالت: مر عمر فليصل بالناس (٣).
وفي أبي داود عن مطرف عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي وفي صوته أزيز كأزيز المرجل (٤).
واختلف فيمن أخبر بمصيبة فاسترجع، أو بنعمة فحمد:
قال ابن القاسم: لا يعجبني، وتجزئه (٥).
قال أشهب: إلا أن يريد بذلك قطع الصلاة (٦).
стр. 1032
وقال (ح): تبطل مطلقاً (١).
وقاله أبو يوسف إذا قاله مجاوباً به لغيره، وكذلك ﴿يَيَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، إذا قصد بذلك تنبيه رجل على أخذ كتاب (٢).
قال بعض أصحابنا: لا يلزمنا على إجازة التسبيح لقصد التنبيه إجازة التسمية بقوله: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، لأن هذا مما يستعمل خطاباً في العادة، فلو أورده على جهة التلاوة وقصد التنبيه؛ لم تبعد صحة صلاته؛ لأن التنبيه تبع (٣).
فإن تكلم عامداً لإصلاح الصلاة:
قال مالك، وابن القاسم: لا تبطل (٤).
وقال المغيرة (٥)، وابن كنانة (٦): تبطل، وقد مر توجيههما في السهو إذا تيقن الإمام إتمام صلاته.
قال اللخمي: والذي يتكلم لإنقاذ صبي، أو أعمى من نار، أو بئر، فتكلم إن كان الوقت واسعاً، والكلام واجب عليه، وتبطل صلاته؛ لأنه تكلم لغير إصلاحها، وإن كان الوقت ضيقاً؛ لم تبطل صلاته كالمسايفة في الحرب؛ لأنه
стр. 1033
محي نفس (١).
قال سحنون: إذا خاف الإمام ذلك، أو ضياع متاع له، فهو عذر يبيح الاستخلاف والقطع، ولا تبطل صلاته عن من خلفه (٢).
قال اللخمي: إن كان ماله أو مال غيره؛ تكلم واستأنف، أو يسيراً؛ فلا يتكلم، فإن فعل؛ بطلت صلاته (٣).
وأما الكلام سهواً:
قال مالك: يبني، ويسجد بعد السلام.
وقاله (ش).
وقال (ح): تبطل.
لنا: كلامه ﵇ في قصة ذي اليدين، وكلام الناس معه (٤)، ويسجد لقوله ﵇: لكل سهو سجدتان (٥).
فإن كثر بطلت الصلاة لتفريق موالاتها، والسنة إنما جاءت في اليسير.
فإن تكلم جاهلاً أن ذلك يبطل الصلاة متعمداً:
قال اللخمي: إنها تبطل لتعمده، ولا تبطل بجهله؛ لأنه لم يقصد انتهاك
стр. 1034
حرمة الصلاة (١).
ص: (وإن تبسم في صلاته؛ سجد سجود السهو بعد السلام.
وقال أشهب: يسجد قبل السلام.
وقال غيره: لا شيء عليه في تبسمه).
ت: اتفق مالك و (ش) و (ح) والجمهور على أن التبسم لا يفسد الصلاة منفرداً أو إماماً أو مأموماً.
قال ابن القاسم: سهواً أو عمداً (٢)؛ لأنَّه لا صوت له، وليس فيه إلا تحريك [الشفتين] (٣)، ولأن ضبطه صعب بخلاف الضحك، ولقوله ﵇: من قهقه في صلاته فليعد (٤)، مفهومه: أنَّ التبسم لا شيء عليه.
ومذهب المدونة: لا سجود عليه؛ لأنه ليس كلاماً.
ووجه قبل السلام؛ أنه نقص من الهيئة والخشوع.
قال سند: ضعيف؛ لأنَّ الإنسان يلها في صلاته في أمر الدنيا، ولا سجود عليه.
ووجه بعد السلام؛ أنه زيادة.
стр. 1035
ص: (ومن أخطأ القبلة فاستدبرها، أو صلى إلى المشرق أو إلى المغرب مجتهداً؛ أعاد في الوقت استحباباً، فإن خرج الوقت؛ فلا إعادة عليه.
وإن تيامن أو تياسر ولم ينحرف انحرافاً شديداً؛ فلا إعادة عليه في وقت ولا غيره).
ت: التوجه للكعبة فرض بالكتاب، والسنة، والإجماع.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].
وقال ﵇: ما بين المشرق والمغرب قبلة (١).
والإجماع عليه.
فالمشاهد لها عليه التوجه إليها، فإن انحرف لم تجزه الصلاة، والغائب عنها بمكة عليه التوجه على القطع دون الاجتهاد، لقدرته على ذلك بالصعود لموضع مشرف ونحوه.
قال ابن العربي: لا خلاف في ذلك.
قال ابن يونس: يحتمل [١٢٤/ ب] عندي أن من صلى في مكة إلى غير القبلة ناسياً؛ أنه يعيد في الوقت، لقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، والرواية: أنه يعيد أبداً.
وقال بعض أصحابنا: من صلى بالمدينة لغير القبلة أعاد أبداً؛ لأنَّ
стр. 1036
جبريل ﵇ أقام قبلتها، فهي كمكة، ومن غاب عن مكة فرضه الاجتهاد أصاب عند الله أو أخطأ.
فإن صلى إلى غير ما أداه إليه اجتهاده متعمداً؛ أعاد أبداً (١).
واختلف في المطلوب بالاجتهاد؛ هل عين الكعبة؟ قاله ابن القصار (٢).
أو جهتها؟ قاله القاضي عبد الوهاب.
والفرق أن في العين يكون في خط مستقبلها، وفي الجهة يخرج عن الجهة يميناً وشمالاً، فكل من كان في الصف الطويل خارجاً عن الكعبة فهو مصل إلى جهتها، وكل من كان غير خارج عنها فهو مصل إلى عينها.
فوجه العين: قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].
ووجه الجهة: أن تكليف العين لأهل الآفاق مشقة، ولأنَّ الصف الطويل ليس مصادفاً للعين بالضرورة؛ لأنه أطول منها.
قال: أجاب الأولون بأن من خرج عن العين منه مخطئ، ولما لم يتعين المصيب من المخطئ سقط القضاء.
قال سند: الأصح الجهة؛ لأنَّ العين لا دليل لها، وأدلة الكعبة كالشمس والنجم وغيرهما إنما تدل على الجهة.
وطالب الكعبة له أربعة أحوال:
* الحالة الأولى: أن يعرف الاجتهاد بأدلة؛ فيفعل، ويجزئه.
стр. 1037
* الحالة الثانية: ألا يعرف الأدلة، ولا يجد من يقلده، فالجمهور على أنه يتحرى جهة تسكن إليها نفسه، فيصلي صلاة واحدة، فتجزئه.
وقال محمد بن مسلمة: يصلي أربع صلوات.
قال سند، واللخمي: هذا مذهبه في الأواني والثياب إذا اشتبهت؛ يتوضأ بها كلها، ويلبسها كلها، يصلي بعددها صلوات ليتوصل إلى عين الصواب، كما يصلي خمس صلوات إذا التبست عليه المنسية (١).
قال ابن عبد الحكم: في المحبوس الذي يتعذر عليه الأدلة، والأعمى لا يجد من يخبره؛ يصلي إلى أي الجهات شاء (٢).
قال: ولو قيل: يصلي للجهات الأربع؛ لكان مذهبا.
حجة الجمهور: الكتاب، فالكتاب: قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥].
وفي «الترمذي»: عن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كل واحد منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ ، فنزل قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] (٣).
وروى ابن وهب: قال جابر بن عبد الله: صلينا في ليلة غيم، فخفيت علينا
стр. 1038
القبلة، فاجتهدنا وصلينا وعلمنا علماً، فلما أصبحنا إذا نحن صلينا إلى غير القبلة، فذكرنا ذلك للنبي ﷺ فقال: أحسنتم، ولم يأمرنا بالإعادة.
ولأن فرض الكعبة يسقط مع العذر في القتال وغيره، فأولى مع هذه الحالة، فيكون فرضه الاجتهاد، وقد أتى به، ولأنَّ أربع صلوات لا تحصل اليقين؛ فقد يقع في أركان الجهات لا فيها.
والفرق بين القبلة والصلاة المنسية أن اليقين يحصل في المنسية دون القبلة، ولأنَّ القبلة تترك للضرورة، والصلاة لا تترك للضرورة.
* الحالة الثالثة: يكون المجتهد في بر أو بحر، فيخبره ثقة خلاف ما أدى إليه اجتهاده بقبلة ذلك الموضع، فيرجع إليه؛ لأن القبلة في مواضع الاستيطان أثبت من الاجتهاد من واحد؛ لأنها من مجتهدين.
فإن أخبره على اجتهاده؛ سأله عن مستنده، فإن اتضح صوابه؛ وجب اتباعه، وإلا لم يأتم أحدهما بالآخر، فإن فعل بطلت صلاة المأموم؛ لأنه يعتقد أنه إلى غير القبلة.
فإن التبس على أحدهما أدلته بغيم ونحوه، فإن ظهر له صحة اجتهاد الآخر اتبعه وإلا انتظروا زوال الغيم، فإن خشي فوات الوقت اتبعه كالأعمى.
* الحالة الرابعة: ألا يحسن الاجتهاد، ولا يهتدي إليه، ففرضه التقليد كالأعمى، ولا يحسن ويهتدي إليه فيسأل ليعلم، وكذلك الأعمى إذا كان خبيراً بذلك.
فَرْع:
إن اختلف اجتهادهم ولم يأتم بعضهم ببعض:
стр. 1039
قال اللخمي: وقد اختلف في هذا الأصل، قال أشهب: إن صلى خلف من لا يرى الوضوء من مس الذكر؛ لا يعيد، ومن القبلة؛ أعاد، وإن ذهب الوقت؛ لأنَّ القبلة من اللمس.
وقال سحنون: يعيد فيهما في الوقت.
قال اللخمي: وعلى هذا لا يصلي مالكي خلف شافعي، ولا شافعي خلف مالكي؛ لإخلال الأول بالمسح في الرأس، والثاني ببسم الله الرحمان الرحيم.
ويختلف هل يعيد المأموم أم لا؟
فرع:
قال أشهب: إذا صلى مرضى في بيت مظلم، إن صادف الإمام القبلة وحده، أجزأته صلاته وحده، وإن أخطأ، أعاد وأعادوا (١)، وإن أصابوا القبلة؛ لأنَّ صلاتهم تبطل ببطلان صلاته، ولأنهم قصدوا المخالفة في اجتهاده فصلُّوا لغير جهته.
فرع
لو اشتبهت عليه القبلة فصلى بغير تحر؛ لم تجزه، أصاب القبلة أم لا، كما لو صلى من غير يقين بدخول الوقت؛ لأنه لم يمتثل ما أمر به.
فإن صلى باجتهاد ثم تبين خطأه وهو في الصلاة:
قال مالك: يقطع، ويبتدأ، ولا يدور في صلاته، وهذا المعروف (٢).
стр. 1040
وقال ابن العربي: يدور في صلاته؛ لأنه استدبرها بعذر، فلا يبتدئ إذا زال كالمسايفة.
قال سند: يتخرج هذا على القول بأن من رأى نجاسة؛ نزع الثوب وتمادى.
أو وجد السترة في الصلاة؛ قال سند: ويمكن الفرق بأنهما مختلف فيهما دون القبلة.
ووجه المذهب: أنه اجتهاد بدليل؛ فهو كالحاكم يحكم باجتهاد، ثم يتبين خطأه قبل بت الحكم.
والفرق بين هذه وبين قضية أهل قباء؛ فإنهم تحولوا في صلاتهم، ولم يبتدؤوها لما أخبروا أن القبلة تحولت عن بيت المقدس؛ أن قضيتهم نسخ، والمتقدم في المنسوخ حق في الماضي، وهذا خطأ في الماضي.
فإن علم بخطئه بعد الصلاة؛ أعاد في الوقت للحديث السابق.
وقال سحنون، والمغيرة: يعيد بعد الوقت، كالأسير يخطئ في رمضان، وكمن أخطأ فصلى قبل الوقت لغيم ونحوه.
والفرق: أنه ينتقل في دينك إلى اليقين، وهاهنا إلى التخمين، وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وقد نزلت في قوم فعلوا ذلك.
قال الأبهري: يعيد في الوقت ليحصل الأداء في الوقت، ولا يعيد بعد الوقت؛ لأن فضيلة الأداء في الوقت إلى غير القبلة أفضل من قضائها بعد الوقت إلى القبلة بدليل المسايفة، وكذلك المريض يصلي على حسب حاله إلى غير القبلة، ولا يؤخر حتى يقدر على القبلة، ولأنه فعل ما أمر به، والقبلة تسقط
стр. 1041
للعذر، وهذا أعذر.
قال العبدي: يعيد في الوقت؛ لاحتمال أن يكون قصر في اجتهاده، وإلا فقد أدى ما وجب عليه، وقاله فقهاء المدينة وغيرهم.
وقال (ح): لا يعيد في الوقت ولا بعده.
وقاله (ش) في القديم، ثم قال: يعيد أبداً، كمن كان بمكة، أو الحاكم يتبين خطأه؛ فإنه ينقض.
ولنا: ما تقدم من الكتاب، والسنة، والنظر.
ثم الفرق أن الاجتهاد في الأحكام مشروط بعدم الكتاب، والإجماع، وهاهنا الكعبة لا تعدم حتى يجتهد حينئذ، بل العذر فيها قائم دائم مع البعد، والذي بمكة ينتقل لليقين، وهو مفرط بخلاف من بعد.
وأما قول ابن الجلاب: (إن تيامن أو تياسر، ولم ينحرف انحرافاً شديداً)؛ قال مالك، و (ش)، و (ح): يرجع في صلاته إلى القبلة (١)؛ لقوله ﵇: ما بين المشرق والمغرب قبلة (٢).
ولأن التفاوت في حكم الجهة، وقد يكون في المصر اختلاف بين قِبَلِ المساجد، وهذا إذا لم يكن في البيت الحرام وإلا فلا تجزئه؛ لأنه قصد الصلاة إلى غير القبلة، فإن اعتقد المأموم انحراف إمامه عن القبلة انحرافاً بيناً؛ فارقه، وأتم لنفسه، ولا يقتدي به في الخطأ، ولا يبطل ما تقدم من صلاة المأموم كما لو
стр. 1042
قام إلى خامسة.
قلت: في هذا الموضع أغوار وأسرار وقواعد، منها أن الشافعية وغيرهم ينقلون قولين في الجهة والعين إذا غاب وبعد عن البيت، وقد أجمعت الأمة على أن البعيد لا يجب عليه أن يعاين البيت لتعذره، وأجمعت الأمة على أنه إذا تعينت له جهة يغلب على ظنه أن الكعبة وراءها؛ أنها تجب عليه الصلاة لها، وأجمعت الأمة على صحة صلاة الصف الطويل، وصلاة البلدين المتقاربين إلى جهة واحدة مع أن طول الكعبة خمسة وعشرون ذراعاً، فبعضهم خارج عن العين قطعاً؛ فأين الخلاف وأين القولين؟
ولا يقدر فقيه يقول لمن عين باجتهاده ولم يبن خطأه؛ لا يجزئك، ولا يجب عليك أن تنظر عين الكعبة.
فإن قيل: معنى وجوب العين أن يغلب على ظنه أن الكعبة وراء هذه الجهة؛ فلا يتصور في هذه المسألة خلاف البتة، لتحصيلها على ما يفهمه كثير من الفقهاء بل أكثرهم.
ووجه تحديد الخلاف في هذه المسألة أن النظر في جهات الكعبة كالنظر في أوصاف المياه لتحصيل الطهور به، فالطهورية والكعبة مقصدان، والجهة والأوصاف وسيلتان، فوقع الخلاف؛ هل النظر في الجهات واجب وجوب الوسائل؛ لأنَّ المقصود الكعبة؟ أو واجب وجوب المقاصد؟ لأنَّ الكعبة متعذرة مع الغيبة، بخلاف الطهورية متيسرة، فتكون الجهات هي المقصد فيتحقق القولان؛ هل هي واجبة وجوب المقاصد؟ أو لا تجب وتسقط البتة اكتفاء بالجهات؟ فهذا تحقيق الخلاف.
стр. 1043
وكذلك قال صاحب الجواهر وغيره: اختلف في مطلوبه بالاجتهاد؛ هل الجهة أو العين؟ فذكر المطلوب ولم يذكر الواجب، ومعناه ما ذكرناه، تتخرج الإعادة إن قلنا أنها واجبة وجوب المقاصد، فقد حصل القصد؛ فلا إعادة، وإن قلنا وجوب الوسائل والوسيلة إذا لم تفض إلى مقصودها؛ بطلت ويعيد أبدا، ومنها الصف الطويل، والبلدان المتقاربة؛ هي كلها قبالة الكعبة، وليس بعضها مخطئا كما قاله بعضهم.
وتحديده أن الشيء إذا قرب ستره القليل وسامته وما زاد على ذلك فهو خارج عنه، وإذا بعد اتسع ما يستره، فإن النخلة إذا قربت؛ سترها رجل والزائد عليه خارج عنها، وإذا بعدت فوقف حيالها مائة رجل كل منهم يجد نفسه قبالتها غير خارج عنها، وذلك مشاهد بالعيان، وكلما اشتد البعد؛ عظم الصف الذي يقابلها، كذلك الكعبة على الوجه العادي، وما بعد استقبالا عادة دون الحقيقي، فالكل على هذا مصيبون لا خطأ فيهم.
ومنها أن المجتهدين في القبلة والأواني والثياب لا يأتم أحدهم بالآخر إجماعا، بخلاف المجتهدين في مسائل الفروع.
وسئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام رحمه الله تعالى عن هذه المسألة فقال: إنها وقعت للشافعي ﵀ من ثلاثمائة سنة، وما أجاب عنها، وأجاب: بأن منع المجتهدين في الفروع من الائتمام يفضي إلى قلة الجماعات، وهي مطلوبة للشارع، وهذه الصور مما تنذر؛ فلا تفضي إلى قلة الجماعات.
قلت: والجواب [اللائق] (١) فيها أن المجتهدين في هذه المسائل كل واحد
стр. 1044
منهم يعتقد أن صاحبه خالف قاطعاً وهو الكعبة، والنجاسة وإن كان مختلفاً فيها
غير أن المقلد لمن يعتقد أنها شرط تبطل الصلاة في حقه قطعاً، فإن الأحكام الاجتهادية تتعين بالتقليد إجماعاً، فإمامه عنده خالف قاطعاً؛ فامتنع تقليده واتباعه، كما يقوله في الفروع إذا اعتقد أنه خالف قاطعاً، وأما في مسح الرأس ونحوه؛ فالمأموم يعتقد أن إمامه خالف ظاهر آية ونحوه، وذلك من باب الظنون، وهو لا يمنع التقليد والاتباع، ولا يوجب نقض حكم، والأول يوجبه، فهذا هو الفرق، وقد بسطته في كتاب الأحكام، في الفرق بين الفتاوى والأحكام، ومنها: أن الأربع صلوات لا تساوي صلاة من خمس، فإن خمس صلوات تحصل يقيناً بالبراءة، ولو صلى مائة صلاة لمائة جهة؛ لم يحصل يقين بالبراءة، فإن دائرة الأفق ثلاثمائة وستون نقطة، كل نقطة تحتمل أن تكون جهة الكعبة، وأين أربع صلوات من ذلك؟
ص: (ويكره أن تصلى المكتوبة في الكعبة، وفي الحجر، وعلى ظهر الكعبة، ومن فعل ذلك؛ أعاد في الوقت استحباباً).
ت: قال مالك: لا تصلى مكتوبة، ولا ركعتا الفجر، ولا ركعتا الطواف الواجب، ولا الوتر، وغير ذلك لا بأس به (١).
قال ابن المواز: إن صلى ركعتي الطواف الواجب؛ لم يجزه، وإن ذكره في بلاده بعث بدم؛ ك … من نسيها (٢).
وجوز (ح) و (ش) الفرائض وغيرها، لقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾
стр. 1045
﴿وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦].
وقال ابن حنبل: لا يصلي الفرض دون النفل.
ومنع ابن جرير الفرض والنفل؛ لما في مسلم: أن رسول الله ﷺ دخل البيت وكبّر في نواحيه، ولم يصل شيئاً (١).
لنا: الكتاب، والسنة، والعمل، والنظر.
فالكتاب: قوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وهذا يقتضي أنه متمكن من الترك وهو داخل لا يتمكن من الترك لناحية منه، وإنما يتمكن إذا كان خارجه.
ولأنَّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده، ومن داخله إذا استقبل شيئاً استدبر شيئاً، وإنما يتصور استدبار البيت الذي هو ضد استقباله إذا كان خارجه.
وقال ﵇: صلوا كما رأيتموني أصلي (٢)، ولم يره أحد صلى مكتوبة في البيت، ولنهيه ﵇ عن الصلاة على ظهر الكعبة، ولا يظهر فيه معنى إلا أنه لم يستقبل جميع البيت، وكذلك إذا دخله.
قال سند: وأما العمل؛ فلم يؤثر عن الصحابة والتابعين ﵃ ذلك، وقد تكلموا في تقبيل الحجر، وفي الصلاة في المقام، وجميع الرغائب، ولم ينقل عن أحد منهم أنه حثّ على المكتوبة في البيت.
وأما النظر؛ فلأنَّ البيت هو القبلة، فمن دخل [فيه] (٣) لم يستقبله؛ لأنَّ
стр. 1046
بعضه عن يمينه، وبعضه عن يساره وخلف، فمن يقول: إنه استقبله؛ كمن يقول: إنه استدبره، فلا يخلص استقباله على الحقيقة إلا خارجه، فإن لم يوجب هذا المنع فلا أقل من الكراهة.
وأما الآية فلا حجة فيها؛ لأنَّ موضع الطواف والاعتكاف خارج البيت، فكذلك السجود.
فإن صلَّى المكتوبة فثلاثة أقوال:
قال مالك: يعيد في الوقت؛ كمن صلَّى لغير القبلة.
قال ابن يونس: يريد: إذا صلَّى فيها ناسياً، فيعيد ليأتي بصلاة متفق على كمالها، ولذلك قال أصبغ: من صلَّى عامداً أعاد أبداً (١)، فدل على أن الناسي يعيد في الوقت.
وقال أشهب: يستحب له ألا يفعله ابتداء، فإن فعل فلا يعيد (٢).
قال سند: إنما شبَّهه مالك بالمصلي لغير القبلة؛ لأنَّ كلاهما يعتقد أنه استقبل فيأتي بما أمر به في اعتقاده؛ فأجزأه.
ورأى أشهب أنه استقبل جزءاً من البيت، فهو كمن انحرف يسيراً عن الكعبة.
قال ابن يونس: والفرق بينه وبين من صلَّى بمكة لغير الكعبة ناسياً، أنه استقبل بعضها، وذلك مستدبرها كلها.
ولما روي أن رسول الله ﷺ تنفل فيها، وفي حديث أنه دعا، فلأجل
стр. 1047
التعارض؛ قال مالك: يكره ابتداءً، فإن فعل أعاد في الوقت (١).
والفرق بين الفرض والنفل: أن النفل يجوز لغير الكعبة في السفر، قال اللخمي: أرى جواز الفرض من غير إعادة؛ لأنه ثبت أنه ﵇ صلى النفل فيها، وما كان قبلة للنفل من الكعبة كان قبلة للفرض.
وأما الحجر؛ فسوى مالك بينه وبين الكعبة.
وقيل: لا تجزئ الصلاة إليه؛ لأنه لم يقطع أنه من الكعبة، والصحيح أن الأخبار متواترة أنه من البيت، قالت عائشة ﵂: كنت أحب أن أدخل البيت، فأصلي فيه، فأخذ النبي ﷺ بيدي فأدخلني الحجر، فقال: صلي في الحجر إن أردت دخول البيت، فإنه قطعة منه، وإن قومك اقتصروا حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت، خرجه «أبو داود»، والترمذي» (٢).
ولذلك ترك محجراً عليه من تلك الناحية دون غيرها.
قال اللخمي: من صلَّى فيه لم يعد، وهو مقدار ستة أذرع، وما يزيد عليه؛ فلأجل ألا يكون مركباً فيؤذي الطائفين (٣).
ويجري فيه من الخلاف ما في البيت من الخلاف.
وأما ظهر الكعبة؛ فظاهر المذهب المنع؛ لنهيه ﵇ عن الصلاة في سبعة مواضع؛ منها: ظهر بيت الله العتيق (٤).
стр. 1048
وقال (ح): تجوز الصلاة إذا كان بين يديه قطعة من سطحها ليكون قد استقبله.
وقال (ش): يجوز إذا كان عليها سترة فتصير بالسترة كالمصلي لبنائها.
وفيها ثلاثة أقوال:
قال مالك في المختصر: يعيد أبداً (١).
وقال ابن عبد الحكم: لا يعيد (٢)؛ كمن صلى على أبي قبيس، والكعبة من الأرض إلى السماء.
والفرق أن المصلي على أبي قبيس مصل إليها، وهذا لم يصل إلا لبعضها، والغائب إنما ينوي الصلاة دون ما فوقها.
قال اللخمي: ولو نوى الصلاة لما فوقها لم يجزه (٣).
وقال أشهب: يعيد في الوقت (٤).
وقال ابن حبيب: يجوز التنفل داخلها لا فوقها.
قال سند: وقول مالك: يعيد أبداً؛ يحتمل أن يكون قولاً أيضاً في داخلها، ويحتمل بأن يفرق بأن الله تعالى جعل الكعبة البيت الحرام قياماً للناس، والبيت اسم للبقعة والبناء، وعلى ظهرها ليس بناء، وداخلها يستقبل بناء، والمصلي على أبي قبيس مستقبل كل الكعبة؛ بخلاف من على ظهرها.
стр. 1049
ولأن السنة فرقت فصلى ﵇ داخلها، ونهى عليه اسلام عن الصلاة على ظهرها.
قال المازري: المشهور أن منع ظاهرها أشد من داخلها، ولأن الاستقبال للكعبة لا لهوائها، وإليه أشار القاضي أبو محمد (١).
وأما قول ابن الجلاب: (لا بأس بصلاة النافلة في الكعبة) إلى آخره؛ فلما في «الموطأ»: عن ابن عمر، أن النبي ﷺ دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد، وعثمان بن طلحة الحجبي، وبلال، وأغلقها عليه، ومكث فيها، قال: وسألت بلالا حين خرج ما صنع رسول الله ﷺ ؟ قال: جعل عمودا عن يساره، وعمودا عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت حينئذ على ستة أعمدة، ثم صلي (٢).
وفي أبي داود عن عبد الرحمن بن صفوان أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب: كيف صنع رسول الله ﷺ حين دخل البيت؟ قال: صلى ركعتين (٣).
وهو يبطل قول من يقول: لعله صلى المكتوبة، ومن يقول: صلى؛ بمعنى: دعا.
وقد وسع في النافلة؛ فتصلى لغير القبلة في السفر، وترك القيام فيها مع القدرة، وعند بعضهم: الركوع والسجود، ويصلي إيماء مع القدرة، بخلاف المكتوبة في جميع ذلك.
стр. 1050
(باب) قضاء المأموم
ومن أدرك بعض صلاة مع الإمام، وفاته بعضها؛ لم يقم لقضاء ما عليه حتى يفرغ الإمام من تسليمه إذا كان الإمام ممن يسلم اثنتين).
ت: أصل ذلك قوله ﷺ : إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فاقضوا (١).
فجعل القضاء بعد تحصيل ما أدرك، فإن كان يسلم من اثنتين لم يقم حتى يسلمهما؛ لأنَّ الثانية من سنن الصلاة عند القائل بها؛ فاستحب للمأموم أن لا يقوم حتى يفرغ الإمام من جملة صلاته، ولأنَّ في قيامه نوع مخالفة.
وقال الليث: له القيام قبل أن يسلم الثانية.
قال ابن وهب: أساء ولا يعيد.
قال سند: فعلى هذا لا يسلم المأموم حتى يسلم الإمام التسليمتين، وإن سلم بعد الأولى؛ أجزأه.
وفي قوله: (إن كان الإمام يسلم من اثنيتن) دليل جواز اقتداء المالكي بالشافعي والحنفي، وكذلك قول مالك: وإن صلى خلف من يرى سجود النقص بعد السلام؛ فلا يخالفه، والخلاف شر (٢).
стр. 1051
قال ابن العربي: والصحيح عندي المنع؛ لأنَّ الشافعي لا يكمل مسح رأسه، وكيف يقتدي المالكي بمن ليس بمصل عنده، لكن لو كمل الشافعي الأركان والشروط، وإن لم يعتقد وجوبها؛ جاز للمالكي حينئذ.
قلت: قول ابن العربي خلاف الإجماع، بل الشافعي مصل صلاة تامة بإجماع الأمة، عند المالكي وغيره، وكذلك صلاة المالكي إذا لم يبسمل، ولا يقول (ش) إن صلاة مالك بلا بسملة باطلة، وأنه فاسق تارك للصلاة جملة عمره، وكذلك من اتبعه.
والتقليد مانع من جريان أحكام المخالف؛ فلا يفتي مالك بوجوب مسح جميع الرأس إلا على من قلده، أو من لم يقلده مخالفه، أما من قلّد مخالفه فلا، بل هو مطيع الله، آت بما أمر به، ولولا ذلك لفسقت الفرق بعضها بعضاً، وفسقت الأمة جميعاً، بل الحق الأبلج أن كل مجتهد حكم الله تعالى في حقه، وفي حق من قلده ما أدى إليه اجتهاده؛ ما لم يكن مما شأنه أن ينقض لمخالفته نص، أو إجماع، أو قياس جلي، أو القواعد؛ فهذا لا يقر شرعاً، ولا يجوز فيه التقليد، وقد أوضحت ذلك في كتاب القواعد.
ص: (ويقضي المأموم ما فاته من الصلاة بمثل قراءة الإمام، فإن فاتته ركعة واحدة؛ قضاها بفاتحة الكتاب وسورة، وإن فاتته ركعتان؛ قضى كل واحدة بفاتحة الكتاب وسورة، وإن فاتته ثلاث ركعات؛ قضى الثالثة بفاتحة الكتاب وحدها).
ت في البخاري: قال ﵇: إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا (١).
стр. 1052
وفي «الموطأ»: زاد: فإن أحدكم في الصلاة، ما كان يعمد الصلاة (١). وفي رواية: وما فاتكم فاقضوا (٢).
وفي رواية: صل ما أدركت، واقض ما سبقك (٣)، نص على أن القضاء فيما سبق به.
فاختلف فيما أدركه المسبوق؛ هل هو آخر صلاته أو أولها؟
قال مالك: أولها (٤)، وقاله (ش) (٥).
قال مالك: لأنه يقضي مثل الذي فاته (٦).
قال اللخمي: فتختلف على هذا النيتان، الإمام ينوي آخرها، والمأموم ينوي أولها، وعلى قوله الآخر تتفق النيتان (٧).
وقال ابن القاسم في العتبية و (ح): ما أدركه آخر صلاته (٨).
قال القاضي في الإشراف: هو المشهور من قول مالك (٩).
قال سحنون: أول صلاته، وهو الذي لم يعرف خلافه (١٠).
стр. 1053
قال المازري: فائدة الخلاف: صفة ما يأتي به المأموم؛ هل مثل إمامه في أفعاله وقراءته؟ أو في قراءته فقط؟ أو مثل فعل نفسه مطلقاً؟
فجمهور المتأخرين على أن المذهب أنه في الأفعال من القيام والقعود مثل فعل نفسه، لقوله في المدونة: إن أدرك ركعة من الظهر؛ يقضي ركعة بالفاتحة وسورة ويجلس؛ لأنه وسط صلاته، ثم بأخرى بالحمد وسورة، ولا يجلس؛ لأنها ثالثة، فجعله قاضياً في القراءة دون الجلوس.
وقيل: في الأفعال قولان؛ لعموم الخلاف المنقول عن مالك من غير تفصيل، والصحيح الأول.
وقد قال ابن أبي زيد في نوادره: لا خلاف بين مالك وأصحابه [١/ ١٢٧] أنَّ القاضي لا يفترق من الباني إلا في القراءة فقط (١).
قال المازري: ويحمل على الخلاف المنقول عن مالك على حالين، فيحمل قوله: إنَّ المدرك أول الصلاة؛ على الأفعال، وقوله: آخر الصلاة؛ على الأقوال من القراءة.
وقوله ﵇: فأتموا (٢)، يقتضي البناء مطلقاً.
وقوله: فأقضوا (٣)، يقتضي أن من أدركه آخر صلاته.
قال الأبهري: جاز أن تختلف هيئة الصلاة في ترتيب الركعات، فتصير
стр. 1054
الآخرة أولى في الأداء؛ لأجل اتباع الإمام، كما تختلف هيأتها إذا أدركه راكعاً أو ساجداً فتبعه، ولو كان منفرداً؛ لم يجز أن يلي إحرامه الركوع أو السجود.
قال المازري: قد تأوّلت كل طائفة خبر الأخرى، فحملوا (اقضوا) على افعلوا، كقوله: إذا قضيت الصلاة، أي: فعلت الصلاة، و ﴿إِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وقضى فلان الدين.
وقال الآخرون: (أتموا) معناه: ضد النقصان؛ أي: أكملوا، وهو أعم من كونه أولاً أو آخراً.
ووقعت التراجيح بينهم فقالوا: الإحرام أول الصلاة، فالذي يليه أولها.
قال الآخر: لو كانت كذلك لاختلفت النيتان؛ لأنَّ الإمام ينوي آخرها، وهو ينوي أولها، وقد قال ﵇: فلا تختلفوا عليه (١).
قال اللخمي: أرى أن يكون قاضياً في جميع المسائل؛ ومن قضى شيئاً فقد أتمه، ومن لم يقض لم يتمه، فتجتمع الروايتان (٢).
فرع:
مدرك الأخيرة من الصبح، قال في العتبية: لا يقنت؛ لأنه قضاء ما يقال في الأولى، وهي لا قنوت فيها (٣).
قال سند: وعلى القول الآخر يقنت.
стр. 1055
فرع:
كل من حصلت له ركعتان مع الإمام؛ فجلوسه في موضع الجلوس، فيقوم بتكبير.
أو أقل من ركعتين أو أكثر:
المشهور: يقوم بغير تكبير؛ لأنه ليس موضع جلوس له، وإنما جلس موافقة.
والشاذ: يقوم بتكبير؛ لأنه للحركة، وقد تحرك إلى ركن.
قال ابن بشير: وقد استقرأه بعض الأشياخ من قول مالك في المدونة فيمن أدرك التشهد الأخير؛ فإنه يقوم بتكبير، وهو في جلوسه تابع للإمام، وليس بجلوس له (١).
(فصل: في الجمع بين الصلاتين)
ولا بأس بالجمع بين المغرب والعشاء في المطر، وكذلك الجمع في الطين إذا انقطع المطر).
ت: أصله ما ورد: أنَّ النبي ﷺ جمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر، وجمع أو بكر وعثمان ﵄.
قال ابن قسيط: الجمع ليلة المطر سنة ماضية (٢).
قال الخطابي: وهو قول عامة الفقهاء بالمدينة (٣).