← Фикх малики

Фикх малики · id 30159

شرح التفريع

القرافي

Полный текст (3 250 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الخلاف بناء على تعدد الأشباه. * ص: (ويدخل إصبعيه في صماخيه). لما في «أبي داود» أنه ﵇: أدخل أصبعيه في أذنيه (١). *ت: لا يستأنف عندنا الماء لذلك. قال ابن حبيب: ولا يتتبع الغضون؛ اعتباراً بالوجه في التيمم، أو الخف. * ص: (فإن ترك مسح داخل أذنيه؛ فلا شيء عليه، وإن ترك مسح ظاهرهما؛ فإنَّه قال: لا يعيد، والقياس يوجب الإعادة عليه). *ت: هذا بناءً على أن القول بالمسح داخلهما سنة، وأن ظاهرهما واجب، ولا إعادة لترك السنة، وعلى القول بوجوب الظاهر يقتضي الإعادة كسائر الواجبات إذا تركت، وعلى القول بأن ظاهرهما وباطنهما سنة لا إعادة في الوقت ولا بعده. فإن ترك الظاهر والباطن [٤/ ب] منهما سهواً حتى صلى؛ فلا يختلف المذهب في صحة صلاته، على القول بالوجوب أو السنة. فعلى الوجوب؛ قال بعضهم: ذلك استحسان لا قياس (٢). وقال الأبهري: لأنَّ الخلاف فيهما؛ هل هما من الرأس أم لا؟ ويجب استيعاب الرأس أم لا؟ فضعفت الإعادة (٣).

стр. 107

فإن تركهما عمداً: فعلى تعليل الأبهري يجزئه، وإن قلنا بالوجوب. وقيل: يعيد الوضوء. ويحمل قول مالك على السهو استحساناً (١). وإن تركهما جهلاً: تخرج على الخلاف في الجاهل؛ هل هو كالعامد أم لا؟ وتفريق ابن الجلاب بين الظاهر والباطن؛ لأنَّ الباطن لا يجب غسله في الجنابة؛ فلا يجب مسحه في الوضوء. قلت: قوله: (القياس يوجب الإعادة عليه)، من قاعدتين لمالك: إحداهما: أنهما من الرأس (٢). والثانية: أن مسح جميع الرأس واجب (٣). ولفظ الإعادة إن أراد به إعادة مسح الأذنين فهو توسع في العبارة، فإن الإعادة إنما تكون فيما فعل وهذا لم يفعل، وإن أراد الصلاة فلم يتقدم لها ذكر فكان يجب عليه أن يعين الحالة التي يدعي فيها الإعادة، وإن أراد الوضوء فالوضوء لا يعاد إلا مع التفريق الطويل؛ وهو لم يعينه.

стр. 108

*ص: (لا يجوز المسح على الخمار، ولا العمامة، ولا الحناء). لأن الآية اقتضت المسح بالرأس نفسها، وماسح الحائل لم يمسحها، وأحاديث تقتضي المباشرة أيضاً كما تقدم لفظها، ولأن الوجه لا يجزئ مسح حائله؛ فكذلك الرأس. وقال ابن حنبل: يمسح على الخمار، والعمامة، والحناء؛ لما روى أبو داود أنه ﵇ مسح على عمامته (١)، وقياساً على الخفين بطريق الأولى، لأنَّ فرْضَهُما الغسل، فليجز فيما فرضه أولى؛ لأنه أخف. *والجواب عن الأول: منع الصحة، سلمنا الصحة؛ لكنه واقعة عين، فيحتمل أن يكون لضرورة مرض أو نحوه، فيكون كالجبيرة وهو الظاهر؛ لأنَّ الإعادة واردة بضد ذلك. *وعن الثاني: الفرق بأن نزع الخف يعسر، والمسح تحت العمامة لا يعسر، ونزعها أيضاً وإعادتها أسهل من الخف. *ت: إن فعل الحناء لضرورة أو علة لا يجب نزعه ومسح عليه؛ كالجبائر وقرطاس الصدغ. وقد مسح ﵇ على عمامته، ومحمله عندنا؛ على أنه لضرورة، أو فعل لغير ضرورة وعم الرأس امتنع الرأس أو ستر بعضها يخرج على الخلاف في الواجب من الرأس، فعلى المشهور: يمتنع لوجوب استيعاب مسح الرأس، وإن استبطن الحناء الشعر دون ظاهره لم يمنع؛ لأن باطن الشعر لا يمسح، ولذلك مسح ظاهر الضفيرة دون باطنها.

стр. 109

فرع: إذا وقع المسح الممنوع جهلاً فأُخبر به فنزع بالقرب؛ مسح رأسه وأعاد رجليه، ولا يشبه من فرق وضوءه لأنه كان يعتقد أنه يجزئه، وإن طال ابتدأ الوضوء؛ لأن الجاهل كالعامد لا كالساهي، فإن فعل ذلك سهواً مسح رأسه متى ذكر، فإن كان بالقرب غسل رجليه، وإن تباعد مسح. *ص: (والاختيار في صفة مسح الرأس: أن يأخذ الماء بيديه ثم يرسله، ثم يبدأ بيديه، فيلصق طرفيهما من مقدم رأسه، ثم يذهب بهما إلى قفاه، ويرفع راحتيه عن فوديه، ثم يردهما إلى مقدمه، ويلصق راحتيه بفوديه، ويفرق أصابع يديه). *ت: قال القاضي عبد الوهاب: سألته عن هذه الصفة فقال: إنما قلتها لئلا يتكرر المسح، ولا يؤمر بتكراره (١). قال القاضي وسألت شيخنا أبا الحسن ابن القصار عن ذلك فقال: هذا غير محفوظ عن مالك ولا أحد من أصحابه، والتكرار إنما يمنع بماء جديد، أما بماء واحد فلا يمنعه أصحابنا (٢). والمختار في المسح: أن يبدأ من أول منابت الشعر، ويمر بيديه إلى قفاه، وقد استوعب جميع رأسه، ويجعل إبهاميه خلف أذنيه، وراحتاه على فوديه، وأصابعه ملتقية على ناصيته، ثم يرد يديه إلى حيث بدأ.

стр. 110

قال ابن القصار: المسحة الأولى هي الفرض عند مالك، ورده بعد ذلك إلى مقدمه مسنون (١). قال ابن بشير: قول ابن الجلاب خلاف لجميع أهل المذهب، وإنما رأى أهل المذهب: أنه يمر بيديه على جميع رأسه ذاهباً وعائداً؛ ليحصل المسح على وجه الشعر منتصباً من جهة الوجه إلى جهة القفا، ومن الوسط إلى جهة الوجه (٢). *ص: (والمضمضة والاستنشاق سنتان في الوضوء والغسل من الجنابة). لأن الله تعالى أمر بالغسل، والمعتبر من الأعضاء ظواهرهما وهذان باطنان، وقياساً على العينين، وداخل الأذنين، لا سيما والوجه من المواجهة، وهما لا يواجهان؛ لأنهما باطنان، وإنما قال الله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ولقوله ﵇ في «أبي داود» لأم سلمة: «إنَّما يكفيك أن تحثي الماء على رأسكِ ثَلَاثَ حَثَياتٍ، ثم تُفِيضِي عليكِ الماء، فإذا بك قد طَهُرتِ» (٣)، ولم يذكرهما، ولقوله ﵇ للأعرابي [١/¬٥]: «تَوَضَّأَ كَمَا أَمَرَكَ اللهُ» (٤)، فأحاله على الآية؛ وليس فيها مضمضة ولا استنشاق. وأما أنهما سنة (٥): فلقوله ﵇ في «أبي داود»: «من الفطرة المضمضة والاستنشاق» (٦)، وفي «مسلم»: «عشر من الفطرة قص الشارب، وإعفاء اللحية،

стр. 111

والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء». قال مصعب راويه: نسيت العاشرة؛ إلا أن تكون المضمضة. قال وكيع: انتقاص الماء: الاستنجاء (١). وفي «الدارقطني»: سنُّ رسول الله ﷺ الاستنشاق في الجنابة (٢). *ت: قال المازري: قيل: بوجوبهما في الوضوء؛ بناء على أنهما من الوجه، وقيل: بوجوب الاستنشاق دون المضمضة؛ لأن باطن الأنف يواجه دائماً بخلاف باطن الفم، والمشهور أنهما سنة؛ لمواظبته ﵇، والسلف عليهما (٣). وقال الكوفيون: بوجوبهما في الغسل دون الوضوء (٤). وقال ابن أبي ليلى وغيره: بوجوبهما فيهما (٥). وذهب أحمد وغيره إلى وجوب الاستنشاق فيها دون الوضوء (٦). والكلام فيهما في ثلاثة مواضع؛ في حقيقتهما، وصفتهما، وكيفيتهما. أما حقيقة المضمضة: فهي تطهير باطن الفم، وأما غسل ما ظهر من الشفتين؛ فواجب (٧). وأما صفتهما: فأن يأخذ الماء بفيه فيمخضه، ثم يمجه (٨).

стр. 112

قال اللخمي: ودلك الأسنان بالأصابع حسن، فإن خرج الماء صافياً وإلا غسل تلك الإصبع قبل إعادتها في الإناء (١). وأما الاستنشاق: فحقيقة غسل باطن الأنف، وأما ما يبدو منه فهو من الوجه (٢). وصفته: أن يجذب الماء بخياشيمه، ويجعل إبهامه وسبابته على أنفه، ثم ينثر بالنَّفَس، ويبالغ في الاستنشاق إلا أن يكون صائماً (٣)، كما ورد في الحديث؛ خرجه «النسائي» (٤). وأما كيفيتهما فحكى ابن سابق فيه قولين (٥): أحدهما: أنه يغرف غرفة واحدة لفيه وأنفه (٦). الثاني: يتمضمض ثلاثاً من غرفة، ويستنشق ثلاثاً (٧). قال: وهو ظاهر قول مالك (٨)، وكلاهما عن رسول الله ﷺ . وحكمة غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، والمضمضة، والاستنشاق على المفروضات؛ ليطلع على طهورية الماء، وسلامته عن الماء قبل استعماله؛ لئلا يذهب العمل والماء باطلين، فيدرك بالمضمضة طعمه، وبالاستنشاق.

стр. 113

ريحه، وقد كان أدرك ببصره لونه. قلت: ولأنَّ الوضوء والوسخ فيهما أكثر؛ فقدما اهتماماً لذلك. وتمسك القائل بوجوبهما في الغسل بقوله ﵇: «خللوا الشعر وأنقوا البشر»، وفي الأنف شعر وفي الفم بشر، وظاهر الأمر للوجوب. *ص: (لا بأس أن يجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة). لما في «البخاري»: أن رسول الله ﷺ جمع بينهما في غرفة واحدة في صفة ابن عباس، ولأن المقصود وصول الماء إليهما، ويحصل بالغرفة الواحدة (١). *ت: اختلف في الأفضل، فالمذهب أنه التفريق، لما في «أبي داود»: أنه ﵇ فصل بين المضمضة والاستنشاق (٢)؛ ولأنهما عضوان متعددان فيتعدد لهما كبقية الأعضاء. قال المازري: قيل: المختار أن يغسل الفم ثلاثاً بثلاث غرفات، ثم الأنف بعد كذلك، وقيل: يغسلان ثلاث مرات من غرفة واحدة؛ لأنهما كعضو واحد، وقيل: يجمعان في كل غرفة؛ لأنهما كالعضو الواحد، فيتكرر فيه أخذ الماء (٣). *ص: (من تركهما في وضوئه ثم ذكر ذلك قبل صلاته تمضمض واستنشق، ولم يعد وضوءه، وإن تركهما حتى صلى فعلهما لما يستقبل).

стр. 114

لتقع الصلاة المستقبلة كاملة السنن والفرائض، ولم يعد الوضوء؛ لأنهما ليستا منه، ولا الصلاة؛ لأنه لم يترك واجباً منها ولا من شرطها. *ت: الترك إما سهواً أو عمداً، أما السهو فالمعروف ما تقدم. وقال القاضي في «المعونة»: يعيد ذلك ما لم يصل، فإذا صلى فقد فات وقتها، والسنة لا تعاد بعد الوقت وإلا ساوت الفرض، وكذلك من صلى ولم يغسل مخرج الأذى يغسل لما يستقبل (١). واختلف هل يستحب إعادة الصلاة في الوقت إذا فعلها؟ المشهور: لا (٢). وعن ابن القاسم: يعيد مراعاة للخلاف في وجوبها (٣). ووجه الأول: أن كمال الصلاة برفع الحدث لا بصورة فعل الطهارة، وإن تركها عمداً حتى صلى فقولنا بعدم وجوبها يوجب صحة الصلاة. وقيل: يعيد أبداً، إما لأنَّ هذا القائل رأى وجوبهما مع الذكر، أو لأن ترك السنة عمداً عبث، والترك جهلاً يتخرج على الخلاف في الجاهل كالعامد أم لا (٤). قلت: ويمكن هاهنا ملاحظة من يقول إن ترك السنن في الصلاة عمداً يبطلها (٥).

стр. 115

*ص: (لا يجوز تفريق الطهارة من غير عذر، ويجوز ذلك في العذر). لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] الآية، وجه الدليل من ثلاثة أوجه (١): أحدها: أن الأمر للفور على الخلاف (٢). الثاني: أن جزاء الشرط يليه على الفور. الثالث: الفاء للتعقيب وهو الفور. وفي «مسلم»: أن رجلاً توضأ وترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي ﵇ فقال: «ارجع فأحسن وضوءك» (٣)، ولم يقل له: اغسل ذلك الموضع. وفي «أبي داود»: أنه ﵇ رأى رجلاً يصلي [هـ/ ب] وفي قدميه لمعة قدر الدرهم لم يُصبها الماء، فأمره ﵇ أن يعيد الوضوء والصلاة (٤). ولأنه ﵇ توضأ مرة مرة ووالى وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» (٥)، فوقف القبول عليه، فدل ذلك على وجوبه بصفاته إلا ما خصه الدليل، ولأن فعله ﵇ على الوجوب، ولأنَّها عبادة تبطل بالحدث فأثر فيها التفريق كالصلاة أو كالطواف، أو لأنها عبادة تتقدم الصلاة فتجب موالاتها كالأذان، أو لأنَّ التفريق منهي عنه؛ فيستوي عمده ونسيانه كالكلام في الصلاة، ولأنه قول

стр. 116

عمر من غير مخالف؛ فكان إجماعاً. *ص: (ويجوز ذلك في العذر، والعذر الذي يجوز معه تفريق الطهارة شيئان: عجز الماء، والنسيان، ففي عجز الماء: يبني ما لم يطل). لأنه ﵇ فرق التفريق اليسير حتى أخرج يده من كم الجبة الشامية، وفي النسيان يبنى؛ طال أو لم يطل، لأنها مسألة ضعف مدرك الوجوب فيها؛ فيسقط مع النسيان (١). *ت: في تفريق الوضوء والغسل ناسياً أو متعمداً خمسة أقوال (٢): الوجوب مع الذكر دون النسيان؛ لمالك. والوجوب مطلقاً لابن وهب؛ لأنه ظاهر النص. وفي ثمانية أبي زيد العمد والسهو يفسدان الصلاة. والإجزاء في السهو والعمد قياساً على الترتيب، وإيجاباً مع الذكر في المغسول دون الممسوح؛ لمالك في رواية ابن حبيب عنه. والخامس: أنها تؤثر في المغسول والممسوح إذا كان بدلاً كالخف والتيمم، دون المتأصل كالرأس؛ قاله أبو زيد في الثمانية. ومنشأ الخلاف أمور؛

стр. 117

أحدها: أن الأمر في الآية للفور أم لا؟ وفي القاعدة خلاف (١). وثانيها: أن قوله ﵇: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» (٢)، إن قلنا: هذه الإشارة إلى الفعل بصفاته، فتجب الموالاة لأنها كانت من صفاته، أو [التراخي] (٣) من حيث هو هو فلا تجب (٤). وثالثها: هل يغلب على الوضوء شائبة النظافة فلا تجب، [أم شائبة] (٥) العبادة فتجب كالصلاة. ورابعها: روي عن ابن عمر ﵁ أنه توضأ في السوق وأخر رجليه، ثم دعي الى جنازة ليصلي عليها فمسح على خفيه، ثم صلى. وخامسها: أنها طهارة فلم تجب موالاتها كطهارة النجاسة. وسادسها: التفريق اليسير وقد أجمع المسلمون على جوازه (٦). وسابعها: ملاحظة أن المسح مبني على التخفيف دون المغسول (٧). وثامنها: ملاحظة أن الممسوح البدل يعطى حكم أصله، وأصله يوالى (٨).

стр. 118

والفرق بين عجز الماء والنسيان: أن عاجز الماء مفرط في أخذ الكفاية، قال الباجي: وعن مالك: يبني العاجز الماء، فإن جف وضوؤه لصورة العذر في الجملة، وإذا لم يتعمد التفريق فأشبه الناسي (١). وقال بعض المتأخرين: إن اعتد من الماء ما يكفيه فأهريق بغير تفريط فكالناسي لأجل ظنه، أو ما لا يكفيه فكالمتعمد لتفريطه، وإن ابتدأ بما ظن كفايته فعجز [ .. ] (٢) يعذر كالناسي لأجل ظنه، وقيل: لا يعذر لتقصيره في اجتهاده. فرع: إذا قلنا يبني ما لم يطل؛ فروى ابن [وهب] (٣) ما لم يجف وضوؤه (٤). وقيل: ما هو في العرف طول متفاحش؛ بناء على أن الجفاف أمارة الطول، أو يقدح فيه باختلافه بزمان الصيف والهواء وضدها، وحال الشخص في لينه وقشافته، فيرجع إلى العادة كالعمل في الصلاة ونحوه (٥). قلت: تنبيه: سقوط الوجوب مع النسيان في أربع مسائل في المذهب لضعف مدركه: الموالاة، وإزالة النجاسة، وترتيب الصلوات، والتسمية في الذكاة (٦).

стр. 119

*ص: (ومن تعمد تفرّق وضوؤه أو غسله أو تيممه لم يجزه، ووجبت عليه الإعادة). لما تقدم من أدلة الوجوب، وأما ما تقدم من تفرقة ابن عمر ﵄ تأخر المسح على خفيه (١)، فيحمل على أنه عجز الماء، أو نسي المسح. *ص: (وترتيب الوضوء مستحب غير مستحق). لأن الآية عدل فيها عن الفاء المرتبة إلى الواو التي لا تقتضي الترتيب؛ إلا مطلق الاجتماع في الفعل، وهو دليل عدم الترتيب (٢). وروي أنه ﵇: توضأ فغسل وجهه وذراعيه، ثم غسل رجليه، ثم مسح رأسه. وفي (البخاري): أنه ﵇ بدأ بيديه قبل وجهه في التيمم (٣). والخلاف في الكل واحد. وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: إذا أسبغتُ الوضوء فلا أبالي بأي أعضاء بدأت. خرجه الدارقطني عنه (٤)، وعن ابن مسعود (٥). وقياساً على الغسل، ولأنه تقديم وتأخير، فلم يمنع كتقديم اليمنى على اليسرى (٦).

стр. 120

*ت: المشهور من المذهب أن الترتيب سنة (١). وعن ابن مسلمة، وابن زياد وجوبه؛ لوجوه: *الأولى: أن الله تعالى رتبه بالحقيقة الزمانية بالتقديم والتأخير في ذكر الصفا والمروة في الحج، فوجب اعتقاد وجوب الترتيب. *الثاني: أن الله تعالى رتب الوجه بالفاء عند إرادة القيام للصلاة؛ فوجب أن يكون الوجه هو الأول، ويرتب الباقي، إما لأنه لا قائل بالفرق، وإما لأنَّ العطف يقتضي التشريك في حكم الأول. *وثالثها: الآية أدخلت ممسوحاً بين مغسولين وهو خلاف المناسبة، فلا بد لذلك من غرض وهو الترتيب، لأن الأصل عدم غيره. *ورابعها: أن المناسبة تقتضي عطف الأقرب إلى الشيء عليه، والأقرب للوجه الرأس، فلما عدل عن هذه المناسبة دلّ ذلك على قصد الترتيب، وإلا تركت المناسبة لا لفائدة. *وخامسها: أنه ﵇ توضأ مرتباً وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» (٢). والجواب (٣) عن الأول: أنه يكفي في حسن ذلك الندبية، والنزاع إنما هو في الوجوب. وعن الثاني: أن الفاء لترتيب الجزاء؛ وهو المجموع لا أجزاءه.

стр. 121

وعن الثالث: أن المسح في معنى الغسل، فلا تنافر سلمناه؛ لكن يحمل على الندب، وتحصل المناسبة؛ وهو الجواب عن الرابع. وعن الخامس: أن الاشارة إلى الفعل مرة واحدة لأنه المذكور، ومن ادعى خلاف ذلك عليه الدليل، ثم يتأكد ما ذكرناه بتقدم أصناف الزكاة بعضها على بعض، مع وجود العطف بالواو، وتبدية الأطراف بأوائل الأعضاء أنها لا تجب مع دلالة اللفظ عليها من جهة ﴿إلى﴾ التي للغاية. *ص: (فمن نكس وضوؤه، ثم ذكر ذلك قبل صلاته؛ رتبه ثم صلى). ليوقع الصلاة كاملة السنن. وإن ذكره بعد الصلاة رتبه لما يستقبل. لتقع الصلوات المستقبلة كاملة السنن، ولم يعد صلاته لأنه لم يفت منها واجب، وإلا استوى السنة والفرض. *ت: قال في «المدونة»: إذا نَكَّسَ يُعِيدُ الوضوء أحبُّ إليَّ، وما أدري ما وجوبه (١). وهو عام في السهو والعمد لأنه لم يفصل، والإعادة لتحصيل الكمال، وقد اختلت الموالاة لأن الوضوء إنما تم الآن؛ فيعيد ليحصل الترتيب والموالاة. وفي «تهذيب الطالب» (٢): قيل: معنى مسألة «المدونة» إذا فعل جهلاً أو

стр. 122

عمداً، أما سهواً فلا يبتدئ الوضوء؛ بل يُقدم ما أخر، ويؤخر ما قدّم. وقال القاضي أبو بكر وغيره: إنما يجزئ إذا كان سهواً، والمتعمد صلاته باطلة؛ لأنه عابث. وقال ابن حبيب يبتدئ المتعمد والجاهل لما يستقبل؛ كان من مسنونه أو مفروضه، وإن كان سهواً فلا يصلح إلا في مفروضه، يؤخر ما قدم فيحصل الترتيب، ويغسل ما يليه مثل أن يغسل ذراعه، ثم يمسح رأسه وأذنيه، ويغسل رجليه (١). فإن كان ذلك بحضرة الماء، أو بعد أن طال، لأنه إذا أخر ما قدم صار ما يليه مغسولاً قبل هذا، فلم يصح الترتيب؛ إلا مع إعادة ما عليه. قال ابن القاسم: هذا إذا لم يطل، وفي الطول يؤخِّرُ ما قدم، ولم يُعد ما يليه؛ لأنَّه منه دخل الخلل، فإذا أصلحه زال الخلل، وحصل الترتيب (٢). واختلف هل يستحب له إعادة الصلاة، كما يستحب له إعادة الوضوء؟ فعن مالك: يعيد المنكس الوضوء والصلاة، ثم قال: يعيد الوضوء فقط؛ بناء على وجوب الترتيب (٣). قال ابن يونس: يريد نكس متعمداً في قوله: يُعيد الوضوء والصلاة (٤). قال المازري: لا يعيد المنكس الصلاة إلا المتعمد؛ فيخرج على الخلاف

стр. 123

في ترك السنن متعمداً، والإعادة وإن كانت واجبة فإنا نأمره بها على وجه الندب، كما نأمره بذلك في ترك السنن، وأما على القول بأنه مستحب لا نأمره بإعادة الصلاة بل يستحب إعادة الوضوء دون الاستحباب الأول إذا قلنا بالسنة، وإذا أوجبنا إعادة الوضوء مرتباً فإن كان بالقرب: بنى على الوضوء الذي يصح معه الترتيب دون إعادة؛ مثل: أن يغسل رجليه ويختم بغسل وجهه، لا يعيد غسل وجهه، ويُعيد ما سواه مرتباً ليحصل الوضوء مرتباً متوالياً لأجل القُرب، وإن بَعدَ وكان متعمداً ابتدأ الوضوء لتحصل الموالاة، والإخلال بالموالاة عمداً يبطل الوضوء، وإن كان ناسياً بناه على الذي يصح الترتيب معه (١) (٢). فرع إن نكس المسنون فقدم الوجه على المضمضة ساهياً لم يُعد غسل وجهه؛ قاله ابن حبيب. أو عمداً أو جهلاً؛ قال ابن حبيب يبتدئ، وسوى بين المفروض والمسنون؛ إلا أن عنده يجزئه ويبتدئ الوضوء لما يستقبل، ورآه من باب التلاعب فلا يقر عليه (٣). قلت: رأيت بعض الفقهاء يقول: يؤمر بالإعادة لما يستقبل في السنن دون الفضائل، والذي يعاد أربعة المضمضة والاستنشاق، ومسح الأذنين، والترتيب، لأنها لم يثبت لها بدل، بخلاف تجديد الماء لأذنيه؛ بدله بلل الرأس، وغسل يديه؛ أبدلهما غسل الوضوء، وإذا لم يرد يده في مسح [٦/ ب] رأسه حصل

стр. 124

محلها للمسحة الأولى، فكلها في محالها أبدال فلا تُعاد. *ص: (إن نسي شيئاً من مفروض طهارته، ثم ذكره بعد صلاته؛ أتى بما نسيه بعينه، ثم أعاد صلاته). لأنه ترك فرضاً وطهارته كما [ .. ] (١) الطهارة، ولم يعد الوضوء لأنَّ الموالاة إنما تجب مع الذكر، كان المنسي من طهارته مسحاً أو غسلاً، يسيراً كان أو كثيراً، لاستواء الجميع في الوجوب (٢). *ت: إن كان بالقرب؛ أعاد ما نسي وما يليه ليُحصل الترتيب، وإن تباعد ما نسي وحده لفوات تحصيل الموالاة بالطول؛ قال ابن حبيب: إن كان المنسي مغسولاً ابتداءً، أو ممسوحاً مسحه فقط لخفته، وقاله مالك (٣). قال سند: يختلف في الفرق، وينبني على الخلاف (٤). فروع: إن عللنا بأن المسح حيث شرع تخفيف لأن الوضوء من الوضاءة وإنما يتحقق بالغسل، ألا ترى أنه إذا غسل رأسه يجزئه نظراً للأصل. فإن كان التعليل عند هذا القائل بالتخفيف وضع المسح؛ فرق بين مسح الخف ومسح الرأس، وإن عللنا بيسارة المسح سوى بينهما في العفو، ولما روي

стр. 125

عنه في «المجموعة»: [المسامحة] (١) فيه في الخف، وأنه لا يعيد الوضوء. وعن حبيب بن الربيع: أن ما روى ابن حبيب عن مالك في التفرقة بين ما يغسل وبين ما يمسح غلط، هذا إذا نسي بعض الفروض (٢). فإن نسي مسنوناً وذكر بالقرب مضمضة أو استنشاقاً: قال مالك: فعلهما ولا يعيد ما بعدهما؛ بخلاف المفروض (٣). وعنه خلاف ذلك. وقال ابن حبيب: إن ذكر بعض وضوئه وهو جالس على وضوئه فعل ما نسي، وأعاد ما بعد، كان مسنوناً أو مفروضاً. أو بعد أن فارق وضوءه؛ فإن كان مفروضاً قضاه فقط؛ طال أم لا، ولا يعيد صلاته بخلاف الفروض (٤).

стр. 126

باب النية في الوضوء يقع الكلام في حقيقة النية، ووجوبها، ومحلها، ووقتها، وصفتها، فهذه خمسة أبحاث. أما حقيقتها: فالقصد للشيء، وتخصيصه ببعض أحكامه وأوصافه؛ لقوله ﵇: «الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (١). فنبه ﵇ على أن الفرق بين الهجرتين مع تساوي الصورتين بالقصد. وأما وجوبها فالكتاب، والسنة، والمعنى. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] والأمر لا يخرج عن عهدته إلا بقصد الامتثال، ولأن المعنى: اغسلوا للصلاة؛ لأنه المفهوم من هذا السياق كما تقول: إذا لقيت الأسد فتأهب، أي له، والغسل للصلاة فيه القصد لها وهي النية. ولقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] والإخلاص هو القصد إليه بالفعل، فلا يجزئ إلا ما قارنه القصد.

стр. 127

وأما السنة: فالحديث المتقدم؛ وتقديره: إنما الأعمال معتبرة بالنيات، لأنَّ خبر المبتدأ لا بد من تقديره، فحيث لا نية لا اعتبار. وأما المعنى: فلأنها عبادة فيها فرض ونفل، فيشترط فيها النية؛ كالصلاة، أو طهارة حدث؛ كالتيمم. قال القاضي عياض: قال الأوزاعي وغيره: لا يفتقر الوضوء والتيمم للنية، ومشهور مالك افتقارهما، وعن مالك في الوضوء: لا يفتقر، وقال (ح): يفتقر التيمم (١). فهذه ثلاثة أقوال بناءً على أن الوضوء عبادة بدنية كالصلاة، أو شرط؛ والشروط لا تنوى كالستارة ونحوها، أو قياساً على طهارة الخبث، أو التيمم يغلب عليه التعبد دون الوضوء لأن فيها الوضاءة والنظافة. وأما محلها: فالقلب، لأنَّ الإخلاص إنما يكون في القلب. وقال تعالى: ﴿وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]. قال علي: التقوى هاهنا، وأشار إلى القلب. قال المازري: وهو مذهب أكثر الفقهاء وأقل الفلاسفة، ومذهب أكثر الفلاسفة، وأقل الفقهاء أنها في الدماغ، وهذا لا يدرك إلا بالسمع، وظواهر السمع تقتضي الأول (٢). إذا ثبت ذلك فالذي يقع به الإجزاء أن ينوي الطهارة بقلبه وإن لم ينطق

стр. 128

بلسانه، فإن نطق ولم ينو بقلبه لم يجزه؛ لأنه لم يأت بها في محلها، ألا ترى أن محل القراءة إنما هي اللسان، فلو قرأ بقلبه لم يجزه؛ لأنه لم يأت بها في محلها، فإن نوى ونطق فقد أتى بالمجزئ وهو نية القلب، والكمال وهو نطق اللسان، نقله صاحب الاستلحاق. وأما وقتها: فقال القاضي عبد الوهاب وغيره: إنه عند التلبس بها؛ لأنها تخصص الفعل ببعض أحكامه، وما لا يقارن لا يخصص، ومع [١/¬٧] ابتداء الفعل، قاله القاضي في «التلقين»، ليتاب على الكل بالنية، أو ابتداء المفروض عند غسل الوجه؛ لأنه هو الذي تختل العبادة به؛ قولان (١). قال المازري: إن قدمها بالزمن البعيد لا يعتد بها اتفاقاً، لأن المفارق لا يخصص. أو بالزمن القريب. فقيل: لا يجزئ؛ لأن ما لا يقارن لا يميز الشيء عن غيره. وقيل: يجزئ؛ لأن ما قارب الشيء له حكمه، ولأن تكليف المقارنة مشقة (٢). وقوله: وتجوز إزالة النجاسة بغير نية، قال سند: ما رأيت خلافاً أنها لا تفتقر إلى النية إلا ابن شريح قاسها في الافتقار إلى النية على الوضوء، والفرق أنها من باب المنهيات بها كالصلاة والصوم. وأما صفتها: فقال القاضي عبد الوهاب صفتها: أن يقصد بقلبه ما يريده

стр. 129

بفعله، والأفضل الاقتصار على القلب دون النطق (١). ولعله إنما قال ذلك خشية أن يظن أن النطق شرط في الإجزاء؛ أو لأنه بدعة. قلت: حكمة اشتراط النية تمييز العبادات عن العادات، أو تمييز مراتب العبادات في كونها فرضاً، ونفلاً، ونذراً، أو قضاءً، أو أداءً، وغير ذلك. وقد وضعت كتاباً؛ عشرة أبواب في النية، سميته: «الأمنية في إدراك النية»، بينت فيه هذه المطالب بياناً شافياً، وما يمكن أن ينوى، وما لا يمكن، وما ضابط ما يشترط فيه دون غيره، وكيف يصح رفعها، فإن رفع الواقع محالٌ؛ إلى غير ذلك من المباحث النفيسة، فمن أرادها طالع ذلك الكتاب. وبينت فيه الفرق بين النية، والإرادة، والعزم، وغير ذلك. ومعنى: الأعمال بالنيات دون الأفعال بالنيات، وجمعت من هذه المباحث جملاً كثيراً، والفرق بين الارادة والنية، والعزم والشهوة، والقضاء والقدر، وبين الفعل والعمل، والخلق والإيجاد والاختراع، ونحو ذلك. *ص: (ومن توضأ واغتسل لشيء بعينه مما لا يجزئ إلا بطهارة؛ فلا بأس أن يفعل بذلك الطهر غيره، مثل: أن يتوضأ لصلاة بعينها، فجائز أن يصلي بوضوئه ذلك غيرها، وكذلك إن توضأ لمس المصحف، أو صلاة جنازة، وصلاة نافلة، أو لطواف بالبيت؛ فجائز أن يصلي به مكتوبة). *ت: إن نوى رفع الحدث؛ وهو ما يمنعه الحدث، استباح ما يمنعه

стр. 130

الحدث اتفاقاً على اختلاف أنواعه، لأنه نوى رفع المانع فتثبت الإباحة، وإن نوى استباحة فعل معين؛ فإما أن لا يباح إلا بطهارة، أو يندب له، أو لا؟ فالأول: كالصلاة، ومس المصحف؛ فتجزئه باتفاق المذهب، لما قال ابن القصار: إذا نوى صلاة بعينها: يتخرج على الروايتين عن مالك في رفض النية بعد الطهارة (١)، فعلى الرفض لا يصح غير المنوي؛ لرفضه النية عنه، وعلى عدم اعتباره؛ يصح غير المنوي (٢). وعن بعض الشافعية: لا يستبيح المنوي ولا غيره؛ لأن قصده لمنع المنوي يقتضي بقاء حدثه، والمحدث لا يستبيح شيئاً، والأوليان مبنيان على أن حدثه قد ارتفع بالنسبة للمنوي فيرتفع مطلقاً، ولا عبرة بقوله: لا ترفع لغير هذه الصلاة، أو يلاحظ قوله ﵇: «وإنما لمرء ما نوى». وإما تندب له الطهارة؛ كدخول المسجد، والقراءة، وسماع الحديث، وكتابة العلم، والدخول على السلطان. قال ابن حبيب: يصلي بوضوء النوم (٣). وقال أبو الفرج: يصلي بوضوء قراءة القرآن (٤). وقال بعض المتأخرين: يصلي بوضوء النوم، والدخول على السلطان، ويستبيح جميع الأشياء؛ لأن المتوضئ لهذه الأمور يقصد أن يكون على أكمل الأحوال في تلك المواطن، وهذا هو رفع الحدث، فيستبيح مطلقاً، ولأنه نوى

стр. 131

رفع الحدث على وجه الندب. وقال القاضي عبد الوهاب: لا يستبيح شيئاً بذلك؛ لأنه لم ينو رفع الحدث، ولا فعله يستلزم رفع الحدث، وأما ما لا يندب الوضوء فيه فلا يفعل به شيئاً. فرع قال القاضي عبد الوهاب: الغسل كالوضوء؛ إن نوى به قراءة القرآن طاهراً؛ أجزأه من جنابته، لأن قراءة القرآن تستلزم رفع الجنابة، ولا أحفظ فيه نصاً، ويحتمل بقاء الجنابة؛ لأنَّ منويه لا يشترط فيه الغسل، وأما إن نوى قراءة القرآن في المصحف ارتفعت الجنابة؛ لأنه شرط مس المصحف (١). *ص: (من توضأ مجدّداً، ثم ذكر أنه كان محدثاً لم يجزه وضوؤه، لأنَّه قصد به الفضيلة، ولم يُرد به رفع الحدث عن نفسه). *ت: عن أشهب في «النوادر»: يجزئه؛ لأنه نوى الفضيلة، ولا تحصل إلا مع رفع الحدث لما يستلزم رفع الحدث، ولأنه إنما أمر بالتجديد للصلاة لا للتنظيف، وطهارة الصلاة من الحدث، ولأنها صورة الطهارة الرافعة، فإذا صادفت حدثاً رفعته، كمن توضأ لصلاة [٧/ ب] مخصوصة ذاهل عن رفع الحدث مطلقاً؛ فإنه يجزئه، فإن الصلاة المعينة تستلزم رفع الحدث (٢). وقال ابن القاسم: إن اغتسل بنية إن كان به جنابة نسيها فهذا لا يجزئه (٣)،

стр. 132

للتردد في النية، ومن شرطها الجزم. وقال عيسى: يجزئه (١)؛ لأنها طهارة متعلقة برفع الحدث، فأشبهت ما يتضمن رفع الحدث (٢). والفرق بين المجدد والمعيد في جماعة يتذكران الأولى كانت على غير وضوء؛ أنه لا يدري [أيتهما صلّى] (٣)، فلم تتعين نية الفضيلة، والمجدد عين الفضيلة؛ فلا تجديد، بخلاف الأولى. قلت: قال اللخمي: والتجديد إنما يندب إليه إذا صلّى بالطهارة الأولى صلاة؛ وإلا فتحرم، لأنه يصير ستة في كل عضو، والزيادة على الثلاث محرمة (٤). *ص: (ولا ينوب غسل الجمعة عن غسل الجنابة؛ لأن المندوب لا يجزئ على الواجب، وينوب غسل الجنابة عن غسل الجمعة إذا قصد به ذلك). لأنَّ الأعلى يجزئ عن الأدنى، ولأن مقصود غسل الجمعة التنظيف؛ وهو حاصل، فإن اغتسل لجمعته ناسياً لجنابة لم ينب له عن غسل جمعته؛ لأنَّ الفضيلة إنما تفعل بعد رفع الحدث، فلا تصح قبله، ولا عن جنابته لعدم القصد إليها. وقال محمد بن مسلمة: يجزئه غسل جمعته عن جنابته (٥)؛ لأنَّ القصد إلى الفضيلة المستلزمة للفريضة قصد للفريضة، كما إذا قصد الصلاة ولم يقصد رفع

стр. 133

الحدث فإنه [ .. ] (١) مطلقاً. *ت قال ابن حبيب: أجمع مالك وأصحابه على أن غسل الجنابة لا يجزئ عن غسل الجمعة (٢). قال عبد الحميد في الاستلحاق: ما حكاه ابن حبيب من الاتفاق باطل؛ فعن مالك: يجزئ عن غسل الجمعة، وقاله ابن يونس، وحكاه اللخمي عن ابن عبد الحكم (٣)، إما أنه لا يفتقر للنية لأنه تنظف صرف. وقد قال ابن القرطي: يجوز بماء الورد، وغسل الجنابة يحصل ذلك (٤). وقوله: (إذا قصد به ذلك)؛ يريد أنه قصد الغسل للجنابة ويكون غسل الجمعة تبعاً، هكذا سمعنا من شيوخنا. فمسألة التشريك يمنعها. ورواية ابن القاسم عن مالك: عدم إجزاء الجمعة عن الجنابة؛ وهو قوله في نفسه، ورواه أشهب ومطرف وغيرهما عن مالك (٥)؛ لأن القصد بالوضوء مس المصحف أو نحوه، ويجوز إباحة الصلاة مطلقاً؛ لأجل الاستلزام والكمال، والقصد مستلزم لرفع الحدث الأكبر. وقيل: إنما جاز لهذا أن يصلي المكتوبة؛ لأن وضوءه فرض، وغسل

стр. 134

الجمعة تطوع. وجوابه: أنه تطوع يستلزم الفرض؛ كمن أعاد في جماعة ثم تبين أنه كان في الأولى محدثاً، فإنها تجزئه؛ لأن إكمال الفرض مستلزم أصل الفرض، ويظهر إذا اغتسل ينوي الجنابة ناسياً للجمعة، لأن أصل الفرض لا يستلزم الكمال بخلاف النفل، فلذلك لا يحصل غسل الجمعة، ولأن غسل الجمعة إنما يؤمر به للصلاة، والغسل للصلاة يتضمن رفع ما يمنع منها كما في الوضوء. قلت: قال بعض الفقهاء: غسل الجنب يوم الجمعة له خمس صور. إحداها: أن ينوي الجمعة والجنابة ويخلطهما في نية واحدة. فقيل: لا تجزئه عنهما؛ لحصول التناقض في هذا الغسل؛ يكون واجباً، وغير واجب؛ فسقط مطلقاً. وقيل: يجزئه عنهما؛ لأن الوجوب مضاف لغير ما أضيف له الندب فلا تناقض. وقيل: يجزئ عن الأضعف فقط؛ فيلزمه أن يغتسل للجنابة بعد، ولا يحتاج لغسل الجمعة لحصوله أولاً، وصح أن يعمل في أعضاء غير طاهرة تغليباً للتنظيف على العبادة. والثانية والثالثة: أن يتطهر لأحدهما ناسياً للآخر، فإن نسي الجنابة لم يجز عن واحد منهما. وقيل: يجزئه عن الجنابة، فإن نسي الجمعة؛ أجزأ عن الجنابة فقط. والرابعة: أن يجعل الجمعة تابعة للجنابة بقصده؛ فيجزئه عنهما.

стр. 135

الخامسة: أن يعكس فلا يجزئه عن واحد منهما. سؤال: يجزئ غسل الجنابة عن الوضوء وإن نسي، ولا يجزئ عن غسل الجمعة إذا نسي، والفرق من وجهين: أحدهما: أنهما واجبان؛ فتجانساً، واختلف الآخران؛ فتباينا، فلم يحصل إلا بنية. وثانيهما: أن الوضوء جزء الغسل؛ لأنه في بعض أعضائه، والجزء تَبَعُ للكل، وغسل الجمعة ليس جزءاً؛ فلم يندرج إلا بالنية. * * *

стр. 136

باب صفة الغسل من الجنابة وصفة الغسل من الجنابة، والحيض، والنفاس، وسائر الاغتسال واحد، وهو أن يبدأ المغتسل بغسل يديه احتياطاً للماء من وسخ اليدين، ثم يزيل أذى إن كان [٨/ أ] عليه، ليصادف الماء الطهور الأعضاء طاهرة، ثم يتوضأ وضوءاً كاملاً، لأن أعضاء الوضوء أشرف أعضاء الجسد، فيبدأ بها لشرفها، ثم يخلل أصول شعر رأسه بالماء ليتأنس الجسد بالماء، فإنه يخشى عليه المرض إذا ورد عليه بغتة، ولأن فيه لزوجة العرق، تمنع من وصول الماء للبشرة، فإذا خلل سلك الماء في تلك الطرق للبشرة، ثم يصب على رأسه ثلاث حثيات؛ لأنه فعله ﵇؛ رواه (البخاري)، ثم يفيض الماء على سائر جسده، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. وأجمعت الأمة على أن المراد جميع الجسد، ويمر يديه في أضعاف غسله عليه. * ت في (البخاري) وفي «الموطأ»: أنه ﵇ كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ بغسل يديه، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم غمس يديه في الماء فخلل بهما أصول شعر رأسه، ثم أفاض على رأسه ثلاث غرفات من ماء، ثم أفاض الماء على جلده بيديه (١). وفي «مسلم»: أنه ﵇ أنه كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم

стр. 137

يفرغ يمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء يدخل أصابعه في أصول الشعر، حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حثيات، ثم أفاض الماء على سائر جسده، ثم غسل رجليه (١). وفي «مسند البزار»: أنه ﵇ كان يخلل رأسه مرتين في غسل الجنابة (٢). وغسل يديه ﵇ أولاً يحتمل أن يكون لما فيهما من مني أو نجاسة، أو لأنه قام ﵇ من نوم وبعد عهده بغسلهما؛ فيكون مستحباً، والأول واجب (٣). قال سند: وغسل الذكر من الجنابة واجب إجماعاً. قال المازري: إذا غسل النجاسة عنه. وقال بعض شيوخنا: يغسله بنية الجنابة، ليأمن من مس ذكره في أثناء طهارته؛ فتدوم الطهارة الصغرى فلا يجددها، وإن غسل ذلك بنية الجنابة وإزالة النجاسة أجزأه. قال: وفيه نظر؛ لأنه قد يعتقد المغتسل أن إزالة النجاسة ليست فرضاً، فالجمع بينها وبين الفرض لا يصح (٤). قال سند: واتفقت أئمة الفتوى على أن الوضوء غير واجب، طرأت الجنابة على محدث أم لا، إلا (ش) فإنه اختلف قوله في المحدث. قال ابن عبد البر في «الاستذكار»: أجمع العلماء على استحباب الوضوء

стр. 138

للجنب قبل الغسل، وبعد الغسل لا وجه له عندهم (١)؛ لأنَّ الفضيلة تقديمه لا تأخيره (٢). واختلف فيما ينوي بالوضوء: قال سند: ينوي سنة الجنابة. وقال اللخمي: ينوي الجنابة، وإن نوى الوضوء أجزأه (٣). فرع: وهل يقدم غسل رجليه؛ خلاف (٤)؟ قال الباجي: روى علي، عن مالك: يتم وضوءه أول غسله (٥). وهو ظاهر الجلاب طلباً للموالاة، وظاهر «المدونة» (٦). وروى ابن وهب عن مالك: إن أحب أن يؤخر فواسع. (٧). ورؤي عنه ﵇ فعل الأمرين (٨).

стр. 139

وإذا قلنا: يؤخر؛ فهل يمسح رأسه؛ لأنه شأن الوضوء؟ وهو ظاهر «الكتاب». وقال الباجي: لا يمسح؛ بل إذا وصل في وضوءه إلى رأسه أفاض الماء على جسده بنية الغسل (١). وإذا أخر فبأي نية يغسلهما؟ قال ابن أبي زيد: إذا فرغ نوى بغسلها الوضوء والغسل؛ ليكمل الفضيلة. وقال ابن القاسم: لا يحتاج إلى أن ينوي الوضوء. واتفق الجميع على أنه ينوي به تمام وضوءه دون غسله، وأنه إن نوى به الغسل وحده أجزأه (٢). قال سند: وأما تخليل الشعر فإنما هو لمن له وفرة؛ وإلا فليس عليه ذلك، لأنه لا مانع حينئذ يمنع من وصول الماء للبشرة. وقيل: علة التخليل: استيعاب غسل الشعر، فإنه ربما منع الأعلى الأسفل. فرع: وليس على المرأة نقض شعرها بل تضغثه بيديها (٣). واختلف في صفة التضغيث (٤):

стр. 140

فقال ابن أبي زيد: تبل يديها بالماء، وتدخلهما في شعرها فتفرقه، ثم تغسل. وقيل: تسكب الماء ابتداءً على الشعر، ثم تعصره؛ ليصل الباطنه، وهذا سمعناه في شرحه. قال الباجي (١): اختلفت الرواية عن مالك في تخليل اللحية (٢): فروى ابن القاسم: لا يجب قياساً على الوضوء. وروى أشهب: يجب؛ لقوله ﵇: «خللوا الشعر، وأنقوا البشر، فإن تحت كل شعرة جنابة» (٣)، وكان ﷺ يخلل أصول شعره في غسل الجنابة، وهذا عام. قال سحنون: إن لم يخلل حتى يصل الماء للبشرة لم يجزه غسله (٤). وقال ابن القصار: روى ابن وهب عن مالك الوجوب؛ غير أن إيصال الماء إلى الذي تحت اللحية من الشعر ليس بواجب (٥). قال المازري [٨/ ب]: والنكتة التي يدور عليها الخلاف أن شعر اللحية ستر الذقن، فالتحق الذقن بباطن الجسد فيكون التخليل غير واجب، أو يبقى حكم الذقن على ما كان، ويتأكد بالاتفاق على أنه لا يجب إيصال التراب في التيمم لبشره؛ فكذلك في طهارة الماء.

стр. 141

وإذا لم يجب: فروى ابن القاسم أنه مستحب (١). وقال القاضي عبد الوهاب: إنه سنة. قولان. واختلف في تخليل اللحية في الوضوء (٢): فعن مالك: لا يجب، وعلل القائل بوجوبه في الغسل بأن الطهارة الصغرى خفف فيها بدخول البدل فيها؛ وهو مسح الخفين، ولم يدخل في الغسل. وعن ابن عبد الحكم: أنه يرى تخليلها؛ وهو محتمل الوجوب والندب. وقرره القاضي عبد الوهاب فقال: إن كانت البشرة لا تتبين لقوة كثافة الشعر؛ انتقل الفرض إليه وسقطت البشرة، أو تتبين البشرة معه لزم إيصال الماء إليها. وعن مالك أنه كان يعيب تخليل اللحية، لقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، والوجه من المواجهة، والذي يواجه الآن إنما هو الشعر (٣). وكان ابن عباس ﵁ لا يخلل لحيته. وثبت عنه ﵇ أنه غسل وجهه بغرفة واحدة، وكان ﵇ كثيف اللحية، وغرفة لا تفي بوجهه وتخليل اللحية.

стр. 142

وما روي عنه ﵇ أنه ﵇ كان يخلل لحيته في الوضوء فيحمل على أنه كان يعمم ظاهر الشعر لا البشرة، وإذا قلنا لا يجب؛ فلا بد من إمرار اليد عليها مع الماء، وتحريكها؛ لأن الشعر ينبو بعضه عن بعض، فإذا حرَّك استوعبته الطهارة. وصب الماء ثلاثاً على الرأس لأنه المختار في الطهارة الصغرى، لتكون العبادات مجرى واحداً؛ قاله المازري (١). وقال الباجي: يحتمل أن يكون على ما شرع في الطهارة من التكرار، أو لتحصيل الاستيعاب، فإن الغرفة الواحدة لا تستوعب (٢). والتدلك واجب على المشهور؛ للكتاب، والسنة، والمعنى. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] وذلك عين إيصال الماء إلى البشرة، وقال تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وأجمع العلماء فيه على التدلك، وكذلك ها هنا. وأما السنة: فقوله ﵇: «أنقوا البشرة» (٣) الحديث، وقوله ﵇ لعائشة ﵂: «ادلكي جسدك بيدك»، والأمر للوجوب. وأما المعنى: فلأنها طهارة حكمية؛ فيجب التدلك فيها كالتيمم، ولأنَّ في الجسم مواضع لا يصل إليها الماء إلا بالتدلك؛ فيجب، ولأن العرب فرقت بين الغسل والغمس، ولا نجد فرقاً إلا التدلك، وإمرار الماء على ما غار من أجفانه، ويحث مارنه، والمواضع التي يخاف أن لا يصل إليها الماء؛ لقوله ﵇: «ويل

стр. 143

للأعقاب من النار» (١)، تنبيهاً على الأغوار، وكذلك شقوق رجليه وما .. يدخل الماء بسرعة، يبالغ في عركه مع صب الماء. وقال ابن عبد الحكم: لا يجب التدلك (٢). وقال أبو الفرج: لا يجب لنفسه؛ بل ليصل الماء إلى جميع الجسد، فإن طال مكثه في الماء، أو [صبّه] (٣) عليه؛ ناب عن مرور اليد. ومنشأ الخلاف: هل ذلك يسمى غسلاً أما لا؟ (٤). واستدل بقول مالك: لا يحرك خاتمه عند الوضوء (٥)؛ لأن يسير الواجب لا يترك، وقاله (ح)، (ش). قال ابن المنذر: واختلف في تحريك الخاتم؛ ثالثها: الفرق بين الضيق فيحرك. واختلف في المواضع التي لا يصل إليها بيده (٦): قال سحنون: يجعل له خرقة يعالج ذلك بها، أو يوكل رجلاً يُمر يده على ما قصر عنه (٧). قال ابن أبي زمنين: هذا شديد، بل يسقط عنه للضرورة.

стр. 144

وقال في «الواضحة»: [يمر] (١) يده على ما يدرك [من] (٢) جسده، ويفيض الماء على ما لم يدرك. قال بعض أصحابنا: هذا إذا لم يجد من يلي ذلك؛ وإلا فالوجوب التدلك، كما يجب على الأقطع التدلك إذا وجد من يدلكه. ووجه الترك: أنه لم ينقل عن الماضيين، وإلا شاع بينهم اتخاذ الخرق وإعانة الرجال. قال المازري: وإذا عسر عليه التوصل لذلك بثوب أو نيابة غيره؛ سقط عنه للتعذر. فإن قيل: هذا بعض غسل فينتقل للتيمم؛ لأنَّ الغسل يذهب بذهاب التدلك عندكم؛ قيل: ذلك البعض يصير غسلاً للضرورة، كما صار المسح غسلاً في مواضع الجبيرة للضرورة، وإن أمكن وصول الماء إليها (٣). وإذا [٩/أ] مكنته النيابة فهل عليه طلبها؟ قيل: عليه طلبها كطلب الماء وسائر الشروط، أو ليس عليه ذلك لأنه حرج، وعليه إن كان ذلك أكثر الجسد؛ وإلا فلا، كما عفي عن العمل اليسير في الصلاة. قلت: قال الفقهاء: إذا غسل للجنابة ولم يتوضأ، ولم ينو وضوءاً؛ جاز له أن يصلي من غير وضوء، فجعلوا الطهارة الصغرى لازمة للطهارة الكبرى. وعليه سؤال عقلي صعب جداً؛ وهو: أنه يلزم من انتفاء اللازم انتفاء

стр. 145

الملزوم، فيلزم من انتفاء الطهارة الصغرى انتفاء الطهارة الكبرى، فمن أحدث حدث الوضوء لزمه الغسل؛ وهو خلاف الإجماع، فبطل ما قالوه. جوابه: أن الملازمة قد تكون كلية في بعض الأحوال، كملازمة المؤثر الأثر حالة حدوثه فقط، بخلاف ملازمة الزوجية للعشرة؛ فإنها كلية في جميع الأحوال، فكما لا يلزم من عدم الباني للدار عدم الدار؛ كذلك لا يلزم من عدم الطهارة الصغرى عدم الطهارة الكبرى، لأنها إنما يلزمها حالة الابتداء فقط إذا لم يخرج حدث، وهذا مستوفى في كتاب «القواعد» فتأمله، مشكل سؤالاً وجواباً. *ص: (وليس لما يكفيه من الماء حدّ، وإنما ذلك على حسب حاله في رفقه وخرقه، وقشافته ورطوبته). *ت: من الناس الصغير الخلقة القليل الشعر، والعظيم الخلقة الكثير الشعر، والناعم والخشن؛ فتختلف أحوالهم في الكفاية، ولكن يحترز من الشّرف، ولا يستعمل إلا قدر ما يكفيه. قال مالك: وقد كان بعض من مضى يتوضأ بثلث المد (١). قال سحنون: يعني ربيعة. وعن مالك: رأيت عباس بن عبد الله - وكان فاضلاً - يتوضأ بثلث مد هشام، ويفضل له منه (٢). قال ابن أبي زيد: تقليل الماء مع إحكام الغسل سنة (٣).
следующие страницы →