← Фикх малики

Фикх малики · id 30159

شرح التفريع

القرافي

Полный текст (3 250 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والشهادات، والأقضية، والوكالة، والإباق، والتفليس، والحجر، والرهون، والعارية، والوديعة، واللُّقْطَة، والغصب، والعمران، والكفالة والحوالة، والصلح، وإحياء المَوات وحريم الآبار، والقِسمة، والشُّفْعة، والحُبُس، والصَّدقة والهبة، والوصايا، والدّماء، الديات، والحدود، والقَذْف، والسَّرقة، والفرائض، والجامع) إلى آخر الكتاب. * (النسخة الثالثة): نسخة جامع القرويين - فاس المملكة المغربية - وصف عام للنسخة: نسخة عريقة، بها خروم، لكن غالب نصها محفوظ. - أولها: « … يجوز عقدها على البكر البالغ بغير إذنها … ». - آخرها: «فَتَغَيَّظْ عليه، وقال: «علام يَقتُل أحدُكُم أخاه، هَلاَّ بَرَّكْتَ، اغسِل له»». - نوع الخط: كُتِبَتْ بخط مغربي جيد مقروء. - عدد لوحاتها: (١٨٠ لوحة)، في كل لوحة وجهان. - عدد الأسطر: (٢٣) سطراً. - عدد الكلمات: ابتداء من (١٤) إلى (١٦). - خُصَّ عناوينها بخط أسود بارز. - كُتِب حرفها بلون أسود، خلا بعض الكلمات كُتِبت بخط بارز بلون أسود، مثل: (ص) و (ت)، ولفظة: (فرع)، و (قلت)، وغيرهما.

стр. 72

يرمز بخط أسود بارز لأبي حنيفة بحرف (ح)، وللشافعي بحرف (ش). عادتها ذكر فقرة من متن «التفريع»، ثم يتبعها شرح القرافي مصدراً برمز (ت). توجد بها بعض الطرر. بها (علامة الإلحاق) التي توضع لإثبات بعض الأسقاط في هامش النص، وهي بخط الناسخ ورسمه. ليس عليها تصحيحات. ما أصابها من خروم لا يؤثر على النص إلا في بعض الكلمات والحروف. لا يعرف سنة انتساخها، ولا اسم الناسخ. تضم: (والنكاح، واجتماع الأولياء، ونكاح العبد والذمي، والصداق يسقط أو يثبت، وفيما يحرم من النساء، ونكاح الشغار، والاجتماع في الخطبة، ونكاح العنين والمجبوب، ونكاح المحرم، والرضاع، والطلاق والتمليك، والخيار، والإيلاء، والظهار، واللعان، وإسلام أحد الزوجين، والسنة في عدد الطلاق، والعدة والاستبراء، والطلاق الرجعي، والطلاق بالنية، والخلع، والنشوز، والطلاق المؤجل والمعلق بصفة، والحضانة، والإحداد، وكتاب البيوع، والسلم في الطعام، والجوائح في الثمار، والصرف، والبيوع الفاسدة، والإجارة، والجعالة، والشركة، والقراض، والمساقاة، والمزارعة، والشهادات، والأقضية، والوكالة، والإباق، والتفليس، والحجر، والرهون، والعارية، والوديعة، واللقطة، والغصب، والديات، والحدود، والقذف، والسرقة،

стр. 73

والفرائض، والجامع). * (النسخة الرابعة): النسخة الأزهرية بمصر وصف عام للنسخة: نسخة مجودة ومتقنة، سالمة من الخروم. أولها: « … والإحرام والمتعة لأنه على خلاف ما أذن فيه رسول الله ﷺ … ». آخرها: «سواءٌ أخرجه بيده أو عود، فإن استدعى الدابة بالعلف فخرجت له، فأخذها». -نوع الخط: كتبت بخط مغربي متقن. -عدد لوحاتها: (٩٠ لوحة)، في كل لوحة وجهان. -عدد الأسطر: (٣٥) سطراً. -عدد الكلمات: ابتداء من (١٣) إلى (١٧). كتبت عناوينها باللون الأحمر، وكذا رمز: (ص) و (ت)، ولفظة: (قوله)، (قلت)، (شروط)، (فرع)، (قال مالك)، (قال)، (فإن قيل)، (الجواب)، (لنا) وغيرها. -يرمز بخط أسود بارز لأبي حنيفة بحرف (ح)، وللشافعي بحرف (ش). -عادتها ذكر فقرة من متن «التفريع»، ثم يتبعها شرح القرافي مصدراً برمز (ت).

стр. 74

- ليس بها طرر. - بها (علامة الإلحاق) التي توضع لإثبات بعض الأسقاط في هامش النص، والظاهر أنها بقلم الناسخ؛ لما سقط منه سهواً وغفلة. - يسهل قراءة كلماتها. - تضم أختاماً على نسختها الإلكترونية، تؤكد نسبتها للخزانة الأزهرية. - لا يعرف سنة انتساخها، ولا اسم الناسخ. - تضم: (والاجتماع في الخطبة، ونكاح العنين والمجبوب، ونكاح المحرم، والرضاع، والطلاق والتمليك، والخيار، والإيلاء، والظهار، واللعان، وإسلام أحد الزوجين، والسنة في عدد الطلاق، والعدة والاستبراء، والطلاق الرجعي، الطلاق بالنية، والخلع، النشوز، والطلاق المؤجل والمعلق بصفة، والحضانة، والإحداد، وكتاب البيوع، والسلم في الطعام، والجوائح في الثمار، والصرف، والبيوع الفاسدة، والإجارة والجعالة، والشركة، والقراض، والمساقاة، والمزارعة، والشهادات، والأقضية، والوكالة، والإباق، والتفليس، والحجر، والرهون، والعارية، والوديعة، واللقطة، والغصب، والعمران، والكفالة والحوالة، والصلح، وإحياء الموات وحريم الآبار، والقسمة، والشفعة، والحبس، والصدقة والهبة، والوصايا، والدماء، والديات، والحدود، والقذف، والسرقة). * * *

стр. 75

الفصل السابع سمة التحقيق ومنهجه سلك المحققون في سبر نصوص التراث مناهج متقاربة، غايتهم إثبات النصوص، ودفع التحريف والتصحيف، كل ذلك بحسب الوسع والطاقة. وقد سرتُ في عملي هذا على سنن أئمة التحقيق، أقتفي أثرهم، وأطلب شأوهم، سائلا من المولى تحقيق المنى، وتسديد الخطئ، ومباركة الجهود، والأجر الموعود. وأدلُّ القارئ الكريم على المنهج المتبع في هذا الكتاب، حتى تفشو الأسرار، وتكشف الأستار، وتفهم الفقرات والعبارات، وتحل الرموز والإشارات. فأقول وعلى الله القصد؛ *توافرت بين يدي أربع نسخ خطية، تمثل بمجموع لوحاتها الكتاب كله تقريباً، وقد سلكت فيها المنهج الآتي: *اعتمدت على نسخة الزاوية العثمانية طولقة في إثبات نص الكتاب من بدايته أعني (كتاب الطهارة) إلى نهاية نسخة طولقة أقصد (كتاب الجنائز). وهذا الموضع من الكتاب لم يثبت في غيرها من النسخ، ولهذا سميتها (الأصل) عند حديثي عن الاختلاف بينها وبين كتاب تذكرة أولي الألباب أو

стр. 76

غيره من مصنفات المذهب. *بعد كتاب الجنائز اعتمدت على نسخة المسجد الأعظم بتازة مثبتاً نص القرافي من (كتاب الحج) إلى (كتاب الولاء)، وأعطيتها اسم (الأصل) أيضاً لعدم وجود ما يعضدها من النسخ الأخرى. *وابتداء من (كتاب النكاح) إلى آخر (المزارعة) هذا قسم تحقيق الأستاذ الفاضل إبراهيم أيت باخة وفقه المولى وسدده. *ثم عملتُ من (كتاب الشهادات) إلى (كتاب الغصب) على ثلاث نسخ؛ وهي: - نسخة المسجد الأعظم بتازة ورمزتُ لها بـ (ت). - ونسخة القرويين بفاس ورمزتُ لها بـ (ق). - ونسخة الأزهرية بمصر ورمزتُ لها بـ (ز). *ومن (كتاب العمران) إلى (كتاب الدماء) على نسختين: - نسخة المسجد الأعظم (ت). - ونسخة الأزهرية بمصر (ز). *ومن (كتاب الديات) إلى (كتاب السرقة) على ثلاث نسخ؛ وهي: - نسخة المسجد الأعظم بتازة (ت). - ونسخة القرويين بفاس (ق).

стр. 77

- ونسخة الأزهرية بمصر (ز). * ثم ختم القسم الأخير أعني من (الفرائض) إلى نهاية الكتاب على نسختين: - نسخة المسجد الأعظم بتازة (ت). - ونسخة القرويين بفاس (ق). *في المواضع التي سبقت؛ عملت على إثبات نص القرافي بمنهج النص المختار بين النسخ الخطية؛ لدواعي السقط، والخروم، والتصحيف، والتحريف. *عملت في إثبات نص التفريع لابن الجلاب على ما ثبت في النسخ الخطية المعتمدة، لأنه من اختيار القرافي، واستدركت ما سقط من حرفه من تذكرة أولي الألباب، والتفريع (١). *أثبت نص القرافي من النسخ الخطية، وتركت التصرف فيه إلا لعبارة أو كلمة حرفت أو صحفت، بدليل راجح من السياق والمعنى، أو لمقارنة بينها وبين المصادر المعتبرة، وأخص منها التذكرة. *اعتمدت كثيراً في استدراك سقط النسخ ودفع ما لحقها من تحريف وتصحيف وخطأ بين على كتاب التذكرة لكونه أصلاً انطلق منه القرافي في شرحه كما بينت قبل. *حافظت على تقسيم القرافي لمتن «التفريع»، وإن خالف ترتيبه عند _________ (١) طبع الكتاب بتحقيق: الدكتور حسين بن سالم الدهماني، دار الغرب الإسلامي - تونس، في مجلدين، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٧ م.

стр. 78

التلمساني في التذكرة. *أشرت في مواضع الآيات إلى اسم السورة، ورقم الآية، ودونت ذلك داخل متن الكتاب بين معقوفتين. *توسطتُ في تخريج الأحاديث الواردة في نص الكتاب، ولم أتوسع في موافقة حرف الحديث لمظانه، خشية الإطالة والتوسع بجلب المتابعات والشواهد. *إذا صرّح القرافي بالمرجع الذي نقل منه الحديث ككتاب الموطأ، أو صحيح البخاري، أو صحيح مسلم، أو سنن أبي داود، أو سنن الدارقطني؛ اكتفيتُ به عن غيره. *ضمن القرافي كتابه نصوصاً حديثية وأخباراً ونقولاً تتطلب تخريجاً علمياً مطولاً للحكم عليها قبولاً ورداً، وقد آثرتُ الاقتصار على الإحالة المهمة والتخريج المختصر خشية إطالة الحواشي. *اختصرت ترجمة الأعلام بالإحالة على مظانها في كتب التراجم، لشهرة جمهرة من ذكروا في الكتاب، وأودعتُ ذلك كله في فصل الحديث عن منهج القرافي ومصادره. *تتبعتُ النقول والأقوال، وبذلتُ جهدي لعزوها إلى مظانها ما أمكن، إلا ما كان نصا مقتبساً من كتاب مخطوط أو مفقود؛ فلا سبيل لي إلى عزوه إلا بواسطة إن تيسر. *بالنسبة للأقواس والرموز:

стр. 79

﴿﴾ القوسان المزهران يحصران الآيات القرآنية. «» الفاصلات المزدوجة تحصر الأحاديث النبوية، وأسماء الكتب متى وردت في النص أو الهامش. [] المعقوفتان لحصر الزيادات، وموضع الكلام المحشى عليه. - - الخطان القصيران يحصران الجمل المعترضة وسط النص. () القوسان داخل النص يحصران باللون الأحمر متن التفريع. - اجتهدت في صناعة فهرس المصادر والمراجع المعتمدة في الكتاب. * * *

стр. 80

صور المخطوطات المستعان بها في التحقيق

стр. 81

كتاب الطهارة [ … ] (١) عليها المنصوصة في القرآن. واثنان متفق عليهما في المذهب (٢): النية (٣)، والماء المطلق (٤). واثنان مختلف [فيهما في] (٥) المذهب: الفور، والترتيب. فقيل: الفور فرض (٦). وقيل: سنة (٧). وقيل: فرض فيما يغسل، وسنة فيما يمسح؛ قاله مطرف، وابن الماجشون (٨). والمشهور: أن الترتيب سنة (٩). وعن مالك وأبي مصعب: أنه فرض (١٠).

стр. 82

وسنن الوضوء عشرة (١): أربعة متفق عليها في المذهب؛ وهي: المضمضة، والاستنشاق، والاستئثار، ومسح الأذنين (٢)، مع تجديد الماء لهما (٣). وستة اختلف [فيها؛ هل] (٤) هي سنة [أو] (٥) فضيلة؟ (٦). غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء (٧)، وما زاد على الواحدة بعد العموم (٨)، والابتداء بمقدم الرأس في المسح (٩)، ورد اليدين، واستيعاب مسح الأذنين، والترتيب. وفضائله سبع (١٠): التسمية (١١)، [والسواك (١٢)، وجعل الإناء] (١٣) على اليمين (١٤)، وتخليل

стр. 83

أصابع اليدين، وحكى القاضي عبد الوهاب أنه فرض، وتخليل أصابع الرجلين، وتخليل اللحية، وألا يتوضأ على موضع نجس. والأمر بغسل اليدين للندب؛ لقوله ﵇: «لِأَنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ [يَدَهُ] (١)» (٢)، فعلل بالشك. قال المازري: قيل: هذا الغسل تعبد؛ لذكر العدد ثلاثاً، والنظافة لا تتوقف على ذكر العدد، والحجة على أن الغسل من ولوغ الكلب تعبد. وقيل: معلل بالنظافة لا التعبد (٣)؛ لقوله ﵇: «لَا يَدْرِي أَيْنِ بَاتَتْ يَدُهُ» (٤)، [إشارة] (٥) إلى حصول الأوساخ في اليد لجولانها. وفائدة الخلاف: أمره بالغسل إذا كانت يده نظيفة، وأحدث في أثناء وضوئه، وإن قلنا بالتعبد يعيد وإلا فلا (٦). وقال ابن حبيب: العلة أن يقال ما يستتر من نجاسة خرجت لا يَعْلَمُ [بها] (٧) (٨).

стр. 84

وفيه نظر؛ لأنها لا تخرج من الجسد في الغالب، وما لا يعلم به لا حكم له، وإلا أُمِرَ بغَسل الثَّياب التي ينام فيها (١). والأظهر: التعليل بالنظافة؛ لأنَّ اليد تجول في المغابن وغيرها فتتسخ؛ فيغسلها احتياطاً للماء، ولو ترك لم [يضره] (٢). قال الباجي: طهارة عقيب نوم، فاستحبت قبل الطهارة، كالطهارة عقيب نوم [الليل] (٣). وقيل: [إنما] (٤) أمر بذلك؛ لأنَّ الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يستنجون بالأحجار (٥). ويؤكد عدم الوجوب أن اليد يجب غسلها إلى المرفق، ولا يجب غسل عضو مرتين، ولأن الغسل إن كان للشك في النجاسة فلا يجب؛ كما لو شك هل [بثوبه] (٦) نجاسة؟ وإن كان [تعبداً] (٧) فقد وجب غسل اليد كلها للوضوء، فلا يجب مرتين كسائر الأعضاء. قلت: إن توضأ [قبل] (٨) الوقت؛ اختلف الفضلاء في حكمه:

стр. 85

فقال ابن العربي: هو واجب موسع من قبل الوقت (١). وقال غيره: إنما يجب بدخول الوقت، وإجزاء غير الواجب عن الواجب رخصة. والقولان باطلان. * أما الأول؛ فلأن وجوب الوسائل تبع لوجوب المقاصد، والشروط وسائل، والصلوات مقاصد؛ فلا يجب قبل وجوبها، ووجوب الشيء وجوباً موسعاً يعتمد تقدم سبب وجوبه (٢). * وأما الثاني؛ فهو خلاف الأصل، بل الحق أن الطهارة، والستارة، واستقبال الكعبة؛ من باب خطاب الوضع، لا يشترط فيه الأمر، فمن دخل عليه وقت الصلاة متوضئ، مستتر، مستقبل؛ لم يجب عليه شيء منها، ولا يؤمر؛ فتصح صلاته لوجود شرائطها، ومن عدمها عند تعيين الصلاة أمرها، فيجتمع خطاب التكليف وخطاب الوضع، وحينئذ لا يجب الوضوء ونحوه على كل المصلين، خلافاً لإطلاقات الفقهاء (٣)، وقد بسطت ذلك في كتاب «القواعد» (٤)، في الفرق بين قاعدة التكليف وقاعدة خطاب الوضع (٥).

стр. 86

*ص: (وكذلك كل منتقض الطهارة؛ من متغوط، وبائل، وجنب، وحائض، وماس لذكره). لأن عبد الله بن زيد بن عاصم لما سئل عن وضوء رسول الله ﷺ فَدَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ، فَغَسَلَ يَدَهُ مَرَّتَيْنِ (١)، وكذلك عمر، وعثمان (٢) ﵄؛ لما وَصَفَا وضوء رسول الله ﷺ ، قالوا: غَسَلَ يَدَيْهِ ثلاثاً. ولأن يده تجول أكثر من النائم؛ فتتسخ أكثر، فالنص على النائم يقتضي المستيقظ [من باب] (٣) الأولى؛ من جهة الوسخ دون النجاسة. *ت: اختلف في صفة الغسل: فروى أشهب عن مالك: يستحب أن يفرغ على يده اليمنى فيغسلها، ويدخلها في إنائه فيغسل يده اليسرى (٤). قال ابن القاسم: أَحَبُّ إليَّ أن يُفرغ عليهما؛ لما في «البخاري»: فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ فَغَسَلَهُمَا (٥) (٦). ولأن ذلك البعض بالبعض أبلغ في التنظيف، ولأن الترتيب إنما شرع في

стр. 87

عضوين لا على الجمع بينهما، والجمع هاهنا ممكن. وجه ما قاله مالك أن عبد الله بن عاصم [روى] (١) في صفة وضوئه ﵇: فَأَفْرَغَ عَلَى يَدِهِ اليُمنى (٢)، فإفرادها بالذكر يدل على انفرادها بالغسل؛ لأن قوله: فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ (٣)؛ يقتضي ذلك، وإلا كان يقول: مرتين ولا يكرر هذه اللفظة. ولأنه [أيسر؛ لأنَّه] (٤) يصبُّ باليسرى على اليمني، ولأنا إن فرعنا على أنه تعبد؛ [تعيَّن] (٥) الإفراد؛ لأنه شأن أعضاء الوضوء، لا يغسل عضواً حتى يكمل ما قبله (٦)، وإن قلنا ليس تعبداً حسن الجمع (٧). وقال الباجي: من جعلهما من سنن الوضوء؛ - كابن القاسم ــ اشترط النية في غسلهما، ولأن ذكر العدد يقتضي التعبد الموجب للنية، ومن رأى النظافة فيهما كأشهب، ويحيى بن يحيى، لم يشترط النية (٨). قال ابن حبيب: فإن أدخل يده في الإناء قبل الغسل؛ فسد الغسل (٩).

стр. 88

وعن مالك: لا يفسد؛ وإن قَلَّ، إلا أن يَتَيَقَّن نجاسة (١). قال سند: يستحب إراقة ذلك الماء؛ لأن قوله ﵇: «لأن أحدكم لا يدري أين باتت يده» (٢) يقتضي كراهة ذلك الماء إن لم يغسلهما، وقد طرح سؤر الدجاج وإن لم يتيقن نجاسة، وقال بالإراقة: الحسن البصري، وابن حنبل (٣). *ص: (فإن غسل يده (٤)، وشرع (٥) في طهارته ثم أحدث في أضعافها، أعاد غسل يديه، فإن لم يعد غسلهما؛ فلا شيء عليه). *ت: الإعادة مذهب ابن القاسم احتياطاً للعادة (٦)، ولأنَّ من وصف وضوءه ﵇ ذكر الغسل فكان سنة، ولأنَّ فيه شائبة التعبد كغسل الجمعة؛ أصله النظافة، ولما دخله شائبة التعبد أمر به، وإن كان نظيفاً لا رائحة عليه فيه، وهنا شائبة التعبد من جهة العدد. وقال أشهب: لا يعيد الغسل إذا لم تصبه نجاسة؛ تغليباً لأصل النظافة، لأنه معقول المعنى (٧).

стр. 89

*ص: (والفرض في تطهير الأعضاء مرة مرة، مع الإسباغ، والفضل في تكرارها (١) ثلاثاً ثلاثاً، ولا نحب النقصان عن (٢) اثنتين). *ت: للكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ الآية [المائدة: ٦]، وأقله مرة، وبها يصدق اسم الغسل؛ فسقط الفرض. وأما السنة؛ فقوله ﵇ في «البخاري»: توضأ رسول الله ﷺ مرة مرة (٣). وخرج «الدارقطني»: أنه ﵇ توضأ مرة مرة؛ وقال: «هَذَا وُضُوءُ لَا يَقْبَلُ اللهُ الصَّلَاةَ إِلَّا بِهِ»، ثم توضأ مرتين مرتين؛ وقال: «هَذَا وُضُوءٌ يُضَاعِفُ اللهُ بِهِ الأَجْر»، مرتين، ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً؛ وقال: «هَذَا وُضُوئِي، وَوُضُوءُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، وَوُضُوءُ خَلِيلِ اللهِ إِبْرَاهِيم» (٤). فأخبر ﵇ أن أكمله ثلاثاً، وأن الفرض مرَّة، وأنه ﵇ نفى القبول عند انتفائها؛ فدل على وجوبها، وأثبت القبول عند وجودها؛ فدل على عدم وجوب غيرها.

стр. 90

وأما الإجماع؛ فقال ابن المنذر في المرأة إذا أسبغت: اتفقت المذاهب على منع الرابعة إلا في الرّجل؛ فإن المقصود تنظيفها، فمن زاد على هذا فقد أساء، وتعدى، وظلم. فالوضوء ثلاثة (١): فرض؛ وهو المرة الواحدة. وفضيلة؛ وهو اثنتان. وممنوع؛ وهو الرابعة. قال المازري: اتفقت أحاديث كثيرة على تكرار غسل اليدين في الوضوء، واختلف في تكرار مسح الرأس، وغسل الرجلين، والأظهر أن ذلك لتأكيد أمر الوجه واليدين؛ لثبوتهما في التيمم دون غيرهما، وفرض الرجلين الغسل مع الإنقاء، وقد لا يحصل في الثلاث، والفرق: أن الوسخ ينالهما أكثر من غيرهما، ويريد بالإنقاء: ما يلزم إزالته في الوضوء (٢). وقالت الشيعة: يجب فيهما المسح، ويحرم الغسل. لنا: قوله تعالى: ﴿وأرجلكم﴾ على قراءة النصب، فيكونان معطوفين على الوجه المغسول، فيغسلهما، ولفعله ﵇ ذلك، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به، وكل من نقل وضوءه ﵇ لنقل الغسل، ولأن بدلهما المسح على الخفين، وحكم البدل يخالف حكم المبدل منه. واختلف في الكعبين:

стр. 91

فروي: اللذان في ظهر القدمين؛ لأنه الواحد في كل رجل، وهو مشهور في اللغة. وروي: اللذان في جانب الساق؛ لأنه مشتق من التكعب، والسوق: الارتفاع، ومنه امرأة كاعب؛ إذا برز نهدها، والكعبة: العظمة، وهذان قد برزا أكثر؛ فكانا أولى بالاسم. واختلف في الاقتصار على المرة الواحدة إذا أسبغت (١): فعن مالك ذلك. وعنه الكراهة؛ إلا من العالم، لأنه يُؤْمَنُ منه الإسباغ، وغيره يخفى عليه بقاء اللمعة (٢). وعنه المنع مطلقاً احتياطاً؛ لأن العامي إذا رأى ذلك اعتمده ولا يضبطه؛ فلا يسبغ، ولذلك كره النقصان من اثنتين خيفة أن يكون ترك شيئاً من الأولى، أو لأنه إذا اقتصر على الواحدة ترك الفضيلة جملة (٣). وهل ينوي بما زاد الفضيلة؟ قال سند: الظاهر أنه لا ينوي شيئاً معيناً؛ بل يعتقد ما زاد على الواحد فضيلة. وقال المازري: الظاهر من مذهب الجمهور أنه ينوي الفضيلة في الزائد؛ لأن الواجب إذا أتى به لم يبق إلا اعتقاد الفضيلة. وقال بعض المتأخرين: لا ينوي مجرد الفضيلة، بل ينوي إن كان أخل من

стр. 92

الأولى بشيء كانت الثانية واجبة؛ وإلا ففضيلة (١). والصحيح الأول؛ لأن الكلام مع التيقن، ولا شك مع اليقين، وإن لم يتيقن فهو مأمور بالواجب (٢). وقال بعض المتأخرين: يوقع الثانية بنية إكمال الفرض لا بنية الفضل المجرد، كما قيل فيمن صلّى وحده ثم أعاد في جماعة. والفرق: أن كون الصلاة في جماعة صفة لها وتابعة لوجودها؛ فكانت كمالاً فيها، والمرة الواحدة ليست صفة للأولى فلا تكون بالثانية الفضيلة، وتبين خلل في الأولى [ببعضها] (٣). [فإن إجزاء هذه الفضيلة عنه على قولين: أحدهما: أنه يجزئه] (٤)؛ لأنَّ نية الفرض منطوية في نية الفضل، لأنه لا يقصد بتحصيل الفضل إلا بعد اعتقاد [أنَّ الفرض حصل له عنده] (٥). وقيل: لا تجزئه؛ لاحتياج الواجب إلى نية الوجوب، ولم يوجب في [ … ] (٦) (٧).

стр. 93

فرع: واختلف فيمن شك في [إيقاع الثالثة] (١)، هل يكره له إيقاعها خشية الرابعة؛ وقد دارت بين الندب والتحريم؛ فيقدم التحريم، أو لا يكره؛ لأن المنع [ … ] (٢) يكون بعد تيقن المطلوب، بدليل ما إذا شك في الصلاة في الرابعة؛ فإنه يأتي بها مع احتمال الخامسة المحرمة؟ (٣). قلت: قال الله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ بصيغة الجمع في الثاني دون الأول، وذلك يدل على أن الكعبين هما اللذان في طرف الساق، لأن القاعدة العربية: أن كل شيء أضيف إلى شيء ليس في الجسد منه إلا شيء واحد فإن الأفصح أن يجمع؛ فتقول: رأيت رؤوس الزيدين، ولا تقول: رأيت أعين الزيدين إذا أردت غينين فقط، لأنه يوهم الجمع، لقبول العيون للجمع؛ لأنها أربعة، دون الرؤوس؛ لأنها اثنان فقط، وينبغي التثنية إذا كان في المحل أكثر من واحد نفياً للإبهام، فلذلك قال الله تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ لأن في كل ساق كعبين فهي أربعة كالعيون. ولو أراد الناتئ في ظهر القدم لجمع فقال: إلى الكعاب كما قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ لما لم يكن لكل أحد إلا مرفق واحد، وقام التعريف باللام مقام الإضافة لهما، وتقدره من مرافقهما أو كعابهما أو [ .. ] (٤) إذا جواب سؤال في الآية وتقدر لهذا الموضع، ويعضد القول الآخر البداءة في الرجلين من الأصابع، فأول كعب يلقانا هو الناتئ في القدم فيسقط الفرض به لحصول الاسم.

стр. 94

فرع: قال بعض العلماء: ينبغي البداءة في اليدين والرجلين من الأصابع، والانتهاء إلى المرافق والكعاب؛ لأن الله تعالى جعلها غاية بلفظ ﴿إِلَى﴾، وغاية الشيء بدايته لا نهايته. تنبيه: قول الأصحاب: إن نية الفضيلة في ضمن نية الفضيلة هاهنا، وفيمن توضأ مجدداً ثم تذكر أنه كان محدثاً، ومن اغتسل للجمعة ناسياً للجنابة، ومن ودع ناسياً لطواف الإفاضة أو يذهل في صلاته فيصلي الباقي بنية النفل؛ لا يصح، لأن فاعل الفضيلة معتقد حصول الفرض، والاعتقاد ليس من باب النيات في شيء، بل من باب العلوم والظنون، والنية من باب الإرادة، فهما جنسان متباينان، فلا يجعل أحدهما عين الآخر لأنه غلط. فرع: قال بعض الفقهاء: إذا ترك الأولى [ .. ] (١) على أن الثانية سنة فليغسل الثانية بنية الفرض في المتروك خاصة، وبنية السنة لبقية العضو، ثم الثالثة بنية السنة للمتروك ليكمل السنة منه، وبنية الفضيلة في الباقي، ويأخذ الماء في الرابعة لذلك الموضع خاصة ليتمه للفضيلة، ولا يعمم العضو لئلا يحصل المحرم، وهو متجه (٢).

стр. 95

*ص: (ولا فضيلة في تكرار مسح الرأس، ولا في واليدين في التيمم، ولا في مسح الخفين) (١). لما في أبي داود عن علي بن أبي طالب ﵁: أنه [وصف وضوء] (٢) رسول الله ﷺ فغسل أعضاءه ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه مرة واحدة، ثم قال: من أراد أن ينظر إلى وضوء رسول الله ﷺ فهو هذا (٣). وقد نقل وضوءه ﷺ جماعة؛ رواية، وحكاية، فكلهم قال: مسح مرة واحدة، ولأن المسح مبني على التخفيف؛ فلو كرر؛ خرج إلى حيز التثقيل، ولأنه مسح أوجبه الحدث، فلا يكرر؛ كالتيمم. *ت: وعن القاضي إسماعيل: يستحب تكرار مسح الرأس من غير تجديد الماء، لأنه روى عثمان بن عفان: أنه ﵇ مسح برأسه ثلاثاً، فيحمل على التكرار من غير ماء جمعاً [بين] (٤) الأحاديث. حجة المشهور: أن الجمع فرع الصحة، وأحاديث التكرار ضعيفة. وعن [أبي عمران] (٥): أن حديث المرة إنما هو كالمرة؛ لأجل أنه بغير تجديد ماء فأشبه المرة، وإلا فهي مرتان، لأنه لو اقتصر على المرة الأولى من غير رد، أدى الفرض.

стр. 96

وأما التيمم ومسح الخفين فلا خلاف فيهما؛ لعدم اختلاف الأحاديث فيهما. قلت: قاسه الشافعي على المسح على موضع النجو، وقياساً على المغسول، وتمسك بأحاديث الثلاث. *والجواب عن الأول: أن محل النجو يقصد فيه لإزالة عين النجاسة؛ وهي لا تزول غالباً بالمرة الواحدة، وليس في الرأس شيء يقصد؛ بل شبهه بالخف أولى، أو [ … ] (١) في التيمم أن لوحظ إبقاء المالية في الخف. *وعن الثاني: أن المسح مبني على التخفيف بخلاف المغسول. *وعن الثالث: منع الصحة أو التسليم على التكرار بغير ماء جمعاً بين الأحاديث. *ص: (ومسح جميع الرأس مستحق، ولا يجوز الاقتصار على بعضه عند مالك (٢) (٣)، وقال محمد بن مسلمة: إن ترك ثلثه، ومسح ثلثيه؛ أجزأه (٤)). لنا: قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وهو لفظ يصح معه الاستثناء فيقال: امسح برأسك إلا بعضه، والاستثناء عبارة [ .. ] (٥) لوجب اندراج المستثنى تحت الحكم، وكل بعض يصح أن [ … ] (٦) وما استثني فيندرج

стр. 97

[ … ] (١) في الصحيح: أن رسول الله ﷺ : مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بيديه من مقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردَّهما حتى رجع إلى المكان الذي منه بدأ (٢). *ت: قال أبو الفرج: إن اقتصر عن الثلث أجزأه (٣). وقال (ش): يجزئ أقل ما يسمى مسحاً؛ ولو ثلاث شعرات. وقال (ح): الناصية؛ وهي ما بين النزعتين (٤). وعن مالك: مقدم الرأس (٥). واختلف في قوله: (بدأ من مقدم رأسه): فقيل: من منابت شعره. وقيل: من ناصيته (٦). قال الفراء: الناصية مقدم الرأس. واختلف في قوله: (أقبل بهما وأدبر): فقيل: الإقبال يكون إلى القفا؛ لأنه ينسب ذلك إلى اليدين، فمرور اليد

стр. 98

إلى صوب الإبهام هو إقبالها، وإلى صوب الخنصر هو إدبارها. قال القاضي عياض: والإقبال والإدبار عندنا مسحة واحدة؛ ليلاقي من الشعر بالرد ما لا يلاقي بالذهاب. وقيل: المراد: أدبر وأقبل، والواو لا تفيد الترتيب (١). ويعضده ما وقع في البخاري: فأدبر بهما وأقبل (٢). ولمالك أيضاً القياس على الوجه في الوضوء والتيمم. [وحكي عن أبي عمران أنه كان يقول] (٣): أقبل بهما، أي: أخذ في العمل، كقولك: أقبل فلان يشتم فلاناً إذا أخذ في ذلك. ووجه ابن مسلمة: أن مسح الشعر لا يستوعبه، والثلث في حيز القلة أجزأ مسح الثلثين، ولأن أصل المسح التخفيف، وإيجاب الإيعاب ينافي التخفيف. ووجه أبي الفرج: أن الثلث في حيز الكثرة، لقوله ﵇: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (٤)، ولأنه كثير في [ … ] (٥) والمعاقلة، وقد مسح - ﵇ بناصيته وهي لا تبلغ الثلث؛ فكان الثلث أولى. ووجه المقدم فقط: مروي عنه ﵇ (٦).

стр. 99

فإن قيل: أنتم تجوّزون ترك بعض الرأس فأجيزوا الاقتصار على البعض. قلنا: لما كان استيعاب جميع الشعر شاقاً؛ جوزنا سقوط يسيره من حيث الجملة من غير قصد، ولو ألزمناه الاستيعاب لكان أشق من الغسل. فرع: قال القاضي عبد الوهاب: حدُّ الرأس ما صعد عن الجبهة إلى آخر القفا طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً (١). وقوله: (ما صعد عن الجبهة أولى من قول غيره): من منابت الشعر في الغالب، لأنه قد يكون أعم شعره على بعض وجهه، أو أصلع مقدم رأسه بغير شغب، والمعتبر منابت الشعر في الغالب. واختلف في منتهى المسح (٢): فقيل: إنه ينتهي به إلى آخر الجمجمة (٣). وقال ابن شعبان: إلى آخر منابت الشعر؛ لأنه متصل بمحل الفرض، فكان حكمه حكمه (٤). قال بعض أصحابنا (٥): وليس ذلك بحسن؛ لأن ذلك من العنق لا من الرأس، ولذلك ليس في موضحته ما في موضحة الرأس (٦).

стр. 100

فإن طال الشعر: فعن مالك وابن القاسم: يمسح إلى طرفه نظراً لأصله. وقال الأبهري: بل ما حاذى الرأس؛ لأنه الذي يتناوله النص في الرأس (١). قلت: اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿امْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، هل فيه إضمار تقديره: بشعور رؤوسكم؛ لأنه الغالب، ووجود البشرة وحدها نادر، وهو وجه قول مالك باستيعاب الشعر؛ لأن لفظ الشعر يشمله وإن طال، أو لا إضمار فيه؟ والمسح على الشعر توسعة، وعليه يتخرج أنه لا يمسح ما طال من الشعر. ويتخرج على الخلاف فرع آخر: وهو إذا حلق شعره؛ هل يعيد المسح أو لا؟ وهو الصحيح (٢). تنبيه: ما اعتمد عليه الشافعية من أن الباء للتبعيض باطل بقاعدة لغوية، وقاعدة إجماعية. أما اللغوية: فلأن مَسَح يتعدى لمفعولين أحدهما بنفسه، والآخر بحرف جر؛ وهو الآلة التي بها المسح، فالباء فيها للاستعانة، ولم تجز العرب [ .. ] (٣) منها، فإذا قلت: مسحت يدي بالحائط فالحائط آلة واليد الممسوحة، أو (مسحت الحائط بيدي) فاليد آلة والحائط الممسوح المزال عنه.

стр. 101

والقاعدة الإجماعية: هي أن الله تعالى أمرنا بنقل الرطوبة المائية إلى رؤوسنا ولم يوجب نقل شيء عنها إجماعاً، ومقتضاه أن يكون الرأس آلة واليد [ .. ] (١) عنها فيكون الباء في الرأس متعينة الثبوت للتعدية، ولا يكون الفعل حينئذ يتعدى للرأس بنفسه، وأجمع الناس على أن الباء لا تكون للتبعيض إذا كانت للتعدية بل إذا كانت لغير التعدية، ويكون المجرور بها يجوز نصبه لأنه آلة كما لا نقول نجرت القدوم وكتبت القلم، هذا وجه إبطال مستندهم، ثم يتأكد ذلك بأن الباء قد تكون للمصاحبة نحو: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ وترددها بين المعنيين يوقف دليلهم، أو نقول: مجمل بينه فعله ﵇ بالاستيعاب، ولأنها لو كانت للتبعيض لامتنع التأكيد بما ينافي التبعيض نحو: (امسح برأسك كله) (٢). وأما ما روي أنه ﵇ مسح ببعض رأسه؛ فشاذ في الرواية، ويحتمل [١/¬٤] أنه كان لعذر. ومسحه ﵇ بناصيته، وعمامته (٣)؛ قال سند: مطعون فيه، بل يدل لنا؛ لأنه لو كان الاقتصار على البعض جائزاً لما مسح على العمامة (٤). *ص: (والمرأة والرجل في ذلك سواء) (٥). لما في «أبي داود»: أنه ﵇ سئل عن الرجل يجد البلل ولا يذكر ذلك الاحتلام؟ قال: «يغتسل»، وعن الرجل يرى أنه احتلم ولا يجد البلل؟ قال: لا

стр. 102

غسل عليه، فقالت أم سليم: فالمرأة ترى ذلك، أعليها الغسل؟ قال «نعم، إنما النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ» (١). فسوى بين الفريقين. ولأن قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] يتناول الفريقين في الصلاة، فيتناولهما في شروطها إلا ما خصه الدليل، ولأن آية الوضوء تناولتهما في غير الرأس؛ فكذلك في الرأس، ولأنَّ الإجماع على عدم الفرق، فمن أوجب إيعاب الرأس أوجبه عليهما، ومن لا يوجبه لا يوجبه عليهما. *ص: (والأذنان من الرأس). لقوله ﵇ في أبي داود: «الأذنان من الرأس» (٢). وفي «مسلم»: «إذا مَسَحَ رَأسَهُ خَرَجَتْ الخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ من أذنيه» (٣). فجعلهما من الرأس، كما جعل العينين من الوجه. وفي قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ [طه: ٩٢] أنه كان آخذاً بأذنيه فسماهما رأساً، وقوله تعالى: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٥] فكان ما لوي كله

стр. 103

رأساً لظاهر النص، ومعلوم أن الأذن تقع في اللي. *ت: فإن قيل: لو كانا من الرأس لأجزأ المحرم الاقتصار على حلقهما أو تقصيرهما، قلنا: المحرم مأمور بحلق جميع رأسه أو تقصيره، والبعض لا يجزئ عن الكل. واختلف في قول مالك: هما من الرأس. فقال اللخمي: يريد أنهما بعضه، ولهما حكمه في المسح (١). وهو يفيد وجوبه كالرأس (٢). وقيل: أراد: طهارتهما المسح كالرأس؛ وقاله عبد الملك بن حبيب (٣). وكذلك الاختلاف في أشراف الأذنين؛ ظاهرهما وباطنهما (٤). دليل الوجوب (٥): «الأذنان من الرأس» (٦). ودليل أن مسحهما سنة: أن مسحهما مرتب بعد الرأس؛ إيجاباً أو ندباً، وهو يفيد المغايرة، ولأنهما مباينان للرأس في الخلقة، فلا يكونان منها، ولأن الإجماع على أن المقتصر على مسحهما لا يجزئه، مع أن أكثر [العلماء على] (٧)

стр. 104

الاكتفاء ببعض الرأس، وهو دليل التغير (١). وعن ابن شهاب: أنهما من الوجه، يغسلان معه، لقوله ﵇: «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وشَقَّ سَمعَهُ وَبَصَرَهُ» (٢)، فأضافهما للوجه والبصر من الوجه فالسمع كذلك. وقيل: فما يلي الوجه منه؛ لأنه يواجه، وهو اشتقاق الوجه، وما يلي الرأس منه. واختلف أصحابنا في ظاهرهما (٣): فقيل: ما يواجه. وقيل: ما يلي الرأس، بناء على أن أصل الأذن كالوردة في ابتداء خلقها متعلقة، فظاهرها أولاً باطنها الآن، وبالعكس، فهل ينظر إلى البداية أو للنهاية؟ هو منشأ الخلاف. وأما الصماخان: [فسنة] (٤)؛ قول واحد (٥). * ص: (ويستحب مسح ظاهرهما وباطنهما) (٦). لما في «الموطأ» أن ابن عمر كان يجدد الماء لهما، وهو مروي عنه ﵇،

стр. 105

ولمباينتهما للرأس في الخلقة؛ فناسَبَ التجديد كسائر الأعضاء. *ت: اختلف في تجديد الماء؛ هل هو سنة عند مالك، أو مستحب؟ (١). فقيل: لو لم يكونا سنة لما جدد الماء لهما كسائر أجزاء الرأس. وقال ابن مسلمة: هو مخير في تجديد الماء لاختلاف الأحاديث، فروي أنه ﵇ جدد، وروي أنه لم يجدد (٢). قال المازري: القول بالتجديد وعدمه مبني على أنهما عضوان مستقلان، أو جزءان من الرأس (٣). ومسح ظاهرهما وباطنهما، لما في «أبي داود» أنه ﵇ فعل ذلك (٤)، وفي «النسائي»: أنه ﵇ مسح باطنهما بالسبابتين، وظاهرهما بالإبهامين (٥). قلت: قاعدة مطردة في جميع الشريعة، وهي أن الفرع متى تقاضته قاعدة واحدة رد إليها، ومتى تقاضته قواعد اجتمعت فيه الشوائب من كل قاعدة، واختلف فيه حسب تغليب تلك الشوائب عند من يراه، كأم الولد فيها شبه الحرة والأمة، والرقيق فيه شبه الأموال وبني آدم، فهل تؤخذ القيمة في أم الولد إذا قتلت أم لا؟ وهل تؤخذ قيمة الرقيق بالغة ما بلغت أم لا؟ ويسميه الشافعي: قياس الأشباه، كذلك الأذن فيها شبه الرأس من جهة المجاورة ونبات الشعر فيها، وشبه الوجه من جهة المواجهة، وشبه الاستقلال من جهة المباينة في الخلقة، فنشأ

стр. 106

الخلاف بناء على تعدد الأشباه. * ص: (ويدخل إصبعيه في صماخيه). لما في «أبي داود» أنه ﵇: أدخل أصبعيه في أذنيه (١). *ت: لا يستأنف عندنا الماء لذلك. قال ابن حبيب: ولا يتتبع الغضون؛ اعتباراً بالوجه في التيمم، أو الخف. * ص: (فإن ترك مسح داخل أذنيه؛ فلا شيء عليه، وإن ترك مسح ظاهرهما؛ فإنَّه قال: لا يعيد، والقياس يوجب الإعادة عليه). *ت: هذا بناءً على أن القول بالمسح داخلهما سنة، وأن ظاهرهما واجب، ولا إعادة لترك السنة، وعلى القول بوجوب الظاهر يقتضي الإعادة كسائر الواجبات إذا تركت، وعلى القول بأن ظاهرهما وباطنهما سنة لا إعادة في الوقت ولا بعده. فإن ترك الظاهر والباطن [٤/ ب] منهما سهواً حتى صلى؛ فلا يختلف المذهب في صحة صلاته، على القول بالوجوب أو السنة. فعلى الوجوب؛ قال بعضهم: ذلك استحسان لا قياس (٢). وقال الأبهري: لأنَّ الخلاف فيهما؛ هل هما من الرأس أم لا؟ ويجب استيعاب الرأس أم لا؟ فضعفت الإعادة (٣).

стр. 107

فإن تركهما عمداً: فعلى تعليل الأبهري يجزئه، وإن قلنا بالوجوب. وقيل: يعيد الوضوء. ويحمل قول مالك على السهو استحساناً (١). وإن تركهما جهلاً: تخرج على الخلاف في الجاهل؛ هل هو كالعامد أم لا؟ وتفريق ابن الجلاب بين الظاهر والباطن؛ لأنَّ الباطن لا يجب غسله في الجنابة؛ فلا يجب مسحه في الوضوء. قلت: قوله: (القياس يوجب الإعادة عليه)، من قاعدتين لمالك: إحداهما: أنهما من الرأس (٢). والثانية: أن مسح جميع الرأس واجب (٣). ولفظ الإعادة إن أراد به إعادة مسح الأذنين فهو توسع في العبارة، فإن الإعادة إنما تكون فيما فعل وهذا لم يفعل، وإن أراد الصلاة فلم يتقدم لها ذكر فكان يجب عليه أن يعين الحالة التي يدعي فيها الإعادة، وإن أراد الوضوء فالوضوء لا يعاد إلا مع التفريق الطويل؛ وهو لم يعينه.

стр. 108

*ص: (لا يجوز المسح على الخمار، ولا العمامة، ولا الحناء). لأن الآية اقتضت المسح بالرأس نفسها، وماسح الحائل لم يمسحها، وأحاديث تقتضي المباشرة أيضاً كما تقدم لفظها، ولأن الوجه لا يجزئ مسح حائله؛ فكذلك الرأس. وقال ابن حنبل: يمسح على الخمار، والعمامة، والحناء؛ لما روى أبو داود أنه ﵇ مسح على عمامته (١)، وقياساً على الخفين بطريق الأولى، لأنَّ فرْضَهُما الغسل، فليجز فيما فرضه أولى؛ لأنه أخف. *والجواب عن الأول: منع الصحة، سلمنا الصحة؛ لكنه واقعة عين، فيحتمل أن يكون لضرورة مرض أو نحوه، فيكون كالجبيرة وهو الظاهر؛ لأنَّ الإعادة واردة بضد ذلك. *وعن الثاني: الفرق بأن نزع الخف يعسر، والمسح تحت العمامة لا يعسر، ونزعها أيضاً وإعادتها أسهل من الخف. *ت: إن فعل الحناء لضرورة أو علة لا يجب نزعه ومسح عليه؛ كالجبائر وقرطاس الصدغ. وقد مسح ﵇ على عمامته، ومحمله عندنا؛ على أنه لضرورة، أو فعل لغير ضرورة وعم الرأس امتنع الرأس أو ستر بعضها يخرج على الخلاف في الواجب من الرأس، فعلى المشهور: يمتنع لوجوب استيعاب مسح الرأس، وإن استبطن الحناء الشعر دون ظاهره لم يمنع؛ لأن باطن الشعر لا يمسح، ولذلك مسح ظاهر الضفيرة دون باطنها.

стр. 109

فرع: إذا وقع المسح الممنوع جهلاً فأُخبر به فنزع بالقرب؛ مسح رأسه وأعاد رجليه، ولا يشبه من فرق وضوءه لأنه كان يعتقد أنه يجزئه، وإن طال ابتدأ الوضوء؛ لأن الجاهل كالعامد لا كالساهي، فإن فعل ذلك سهواً مسح رأسه متى ذكر، فإن كان بالقرب غسل رجليه، وإن تباعد مسح. *ص: (والاختيار في صفة مسح الرأس: أن يأخذ الماء بيديه ثم يرسله، ثم يبدأ بيديه، فيلصق طرفيهما من مقدم رأسه، ثم يذهب بهما إلى قفاه، ويرفع راحتيه عن فوديه، ثم يردهما إلى مقدمه، ويلصق راحتيه بفوديه، ويفرق أصابع يديه). *ت: قال القاضي عبد الوهاب: سألته عن هذه الصفة فقال: إنما قلتها لئلا يتكرر المسح، ولا يؤمر بتكراره (١). قال القاضي وسألت شيخنا أبا الحسن ابن القصار عن ذلك فقال: هذا غير محفوظ عن مالك ولا أحد من أصحابه، والتكرار إنما يمنع بماء جديد، أما بماء واحد فلا يمنعه أصحابنا (٢). والمختار في المسح: أن يبدأ من أول منابت الشعر، ويمر بيديه إلى قفاه، وقد استوعب جميع رأسه، ويجعل إبهاميه خلف أذنيه، وراحتاه على فوديه، وأصابعه ملتقية على ناصيته، ثم يرد يديه إلى حيث بدأ.

стр. 110

قال ابن القصار: المسحة الأولى هي الفرض عند مالك، ورده بعد ذلك إلى مقدمه مسنون (١). قال ابن بشير: قول ابن الجلاب خلاف لجميع أهل المذهب، وإنما رأى أهل المذهب: أنه يمر بيديه على جميع رأسه ذاهباً وعائداً؛ ليحصل المسح على وجه الشعر منتصباً من جهة الوجه إلى جهة القفا، ومن الوسط إلى جهة الوجه (٢). *ص: (والمضمضة والاستنشاق سنتان في الوضوء والغسل من الجنابة). لأن الله تعالى أمر بالغسل، والمعتبر من الأعضاء ظواهرهما وهذان باطنان، وقياساً على العينين، وداخل الأذنين، لا سيما والوجه من المواجهة، وهما لا يواجهان؛ لأنهما باطنان، وإنما قال الله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ولقوله ﵇ في «أبي داود» لأم سلمة: «إنَّما يكفيك أن تحثي الماء على رأسكِ ثَلَاثَ حَثَياتٍ، ثم تُفِيضِي عليكِ الماء، فإذا بك قد طَهُرتِ» (٣)، ولم يذكرهما، ولقوله ﵇ للأعرابي [١/¬٥]: «تَوَضَّأَ كَمَا أَمَرَكَ اللهُ» (٤)، فأحاله على الآية؛ وليس فيها مضمضة ولا استنشاق. وأما أنهما سنة (٥): فلقوله ﵇ في «أبي داود»: «من الفطرة المضمضة والاستنشاق» (٦)، وفي «مسلم»: «عشر من الفطرة قص الشارب، وإعفاء اللحية،
следующие страницы →