← Фикх малики

Фикх малики · id 30159

شرح التفريع

القرافي

Полный текст (3 250 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

انصرف لغسل الدم، وإن لم ينصرف أفسد صلاته، هذا في غير المسجد، [أو] (١) في مسجد محصب؛ لأنه يدخل في خلل ذلك (٢). وقليل الدم يجوز معه ابتداء الصلاة فلم يمنع استدامتها. وقوله: (في أقرب المواضع إليه)؛ لئلا يكثر منافي الصلاة من استدبار القبلة وكثرة العمل، فيقتصر على ما يحتاج إليه. قال القاضي عبد الوهاب: وإن أمكنه طلب الماء [١/ ١٣٥] وهو مستقبل القبلة؛ لا يستدبرها، فإن استدبرها لضرورة فلا شيء عليه. قال اللخمي: ويطلب الماء ما لم يبعد جداً (٣). وإن وجده في الأقرب؛ لا يذهب للبعيد. قال ابن حبيب: فإن فعل؛ بطلت صلاته؛ لأنه أدخل في صلاته زيادة مستغنى عنها (٤). قال مالك في العتبية: لا شيء عليه إذا رعف قبل ركعة بسجدتيها، كان مع إمام أو وحده لوجود العمل المنافي (٥). قال ابن العربي: قال عبد الملك: إن رعف في أول ركعة ابتدأ (٦).

стр. 1122

قال مالك في المجموعة: إن أحب أن يتكلم ويبتدئ بعد غسل الدم (١)؛ فعل ليخرج من الخلاف، ولولا ما قاله العلماء لرأيت أن يبتدئ. قال ابن أبي زيد في مختصره: البناء مروي عن ابن عمر، وابن عباس، وعلي بن أبي طالب، والفقهاء السبعة (٢). وما فعله الصحابة وغيرهم إلا لتوقيف. والبناء للإمام والمأموم جائز باتفاق أصحابنا تحصيلاً لفضيلة الجماعة؛ لئلا تفوت بالابتداء. واختلف في الفذ: فأجاز مالك له البناء؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، والفرض أولى بعد الإبطال، والآثار المروية لم تختص لغيره. وقال ابن حبيب وقد فرق المذهب بين الفذ وغيره في كثير من الطوارئ (٣). قال ابن العربي: يبني ما لم يتكلم أو يمشي على نجاسة، ولا بد من اشتراط السلامة عما يمنع الصلاة، وإنما القبلة قد يضطره الطريق إلى استدبارها، فإن تكلم عامداً؛ بطلت صلاته إجماعاً. قال المازري: إن تكلم سهواً. قال سحنون: يحمله الإمام عنه إن عقد معه ركعة.

стр. 1123

وقال ابن حبيب: إن تكلم في ذهابه، أبطل صلاته، أو رجوعه؛ لم يبطل (١)؛ لأنه في ذهابه معرض عن الصلاة فضعف استدامة حكمها، وفي رجوعه قويت الاستدامة فقويت المنافاة، ولأنه متكلم راجعا في الصلاة وذاهبا متكلم في غسل الدم. وفي المدونة: إن تكلم الإمام ذاهبا بطلت صلاته. قال عبد الملك: تكلم سهوا أو عمدا؛ لأن حكم الصلاة قائم. قال سحنون: إن تكلم المأموم ذاهبا ساهيا بعد عقد ركعة؛ لا شيء عليه (٢)؛ لأن الإمام يحمله عنه. وجه الإبطال قوله ﵇: إذا رعف أحدكم في صلاته فلينصرف وليتوضأ، وليبن على ما مضى من صلاته ما لم يتكلم، فعم السهو والعمد. قال سند: تقييد سحنون بقوله بعد ركعة فيه نظر؛ لأنه إن أراد من لم يعقد ركعة لا يبني، فلا فائدة في إيراده هنا؛ لأنه أحرى ألا يبني إذا تكلم، وإن أراد يبني وإن لم يعقد ركعة معه لكن الإمام لا يحمل عنه الكلام؛ لأن الإمام شأنه الحمل. قال سحنون: لو أبطل الإمام صلاته بطلت صلاة الراعف؛ لأنه في حكمه. وقال سحنون: لا تبطل (٣)؛ لأن بخروجه لغسل الدم خرج من حكم الإمام. فإن مشى على قشب يابس:

стр. 1124

بطلت صلاته عند سحنون، دون ابن عبدوس (١). قال ابن رشد: إن مشى في الطريق على أرواث الدواب وأبوالها لا تبطل؛ لأنه مضطر لذلك دون القشب (٢). وإذا رجع لا يبني إلا على ركعة بسجدتيها عند مالك (٣)، و (ح). قال مالك: فإن صلى ركعة وسجدة؛ ألغاها إذا بنى. وهل يبني على إحرامه؟ قال ابن القاسم وأشهب: لا يبني. وقال ابن سحنون يبني (٤)؛ لأنَّ الإحرام ركن قائم بنفسه كالركعة بخلاف بعض الركعة. قال ابن يونس: قوله: (لا يبني إلا على ركعة)؛ استحسان (٥). قال ابن وهب: كان مالك يقول: لو بنى على بعض الركعة؛ أجزأه (٦). وقال عبد الملك: إن رعف في الأولى؛ قطع، وفي الثانية؛ بنى على ما صلى منها. وقال ابن حبيب: بنى على ما صلى مطلقاً، عقد ركعة أم لا؛ إلا في الجمعة

стр. 1125

لا يبني إلا على ركعة. قال ابن حبيب: إن رعف وقد فرغ الإمام من القراءة فإذا رجع ركع، فإن كان لم يفرغ من القراءة قرأ من الموضع الذي انتهى إليه (١). وجه اشتراط الركعة؛ أنها المعتبرة في الشريعة، لقوله ﵇: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة (٢)، فكذلك الراعف. وقياساً على أرباب الأعذار في الوقت، والمسبوق والراعف في الجمعة. ووجه البناء مطلقاً؛ أنه جزء من الصلاة له حرمة فتصان عن الإبطال. ووجه التفرقة بين الأولى وغيرها؛ أنه إذا لم يعقد ركعة لم يتقدم له ركن له حرمة. والتفرقة بين الجمعة وغيرها؛ أنها فيها من الشروط ما ليس لغيرها؛ فتكون لها مزية في الرعاف، والإمام شرط فيها، ولا يحصل له حكم الإمام إلا بإدراك ركعة. واختلف إذا قلنا يبني؛ هل يعيد ما فعله بعد رعافه؟ وذلك في ثلاثة مواضع: إذا رعف وهو راكع فرفع. أو ساجد فرفع. أو جالس فقام.

стр. 1126

فظاهر المذهب لا يعتد بذلك، فإذا رجع ركع وسجد وجلس. وقال ابن حبيب: يعتد به. قال اللخمي: بناء على أن الرفع والقيام ليسا بفرض، فإذا توجه قائماً سهواً أو غيره؛ أجزأ (١). ص: (وإذا صلى ركعة كاملة وبعض أخرى، ثم رعف وخرج من صلاته ليغسل الدم؛ ابتدأ الثانية من أولها، وبني على الأولى وحدها. وقال عبد الملك ومحمد بن مسلمة: يبني على ما مضى من الثانية ولا يبتدئها). ت: وجه الأول: أن الركعة الواحدة لا يفصل بين أجزائها بعمل غيرها. وجه الآخر: أنه جزء له حرمة؛ فيبني عليه. وقد تعارض محذوران؛ أحدهما: تكرير العمل، وثانيهما: تفرقة أجزاء الركعة، وكلاهما خلاف الشرع في الأصل. قال المازري: على القليل أخف؛ لأنَّ التفرقة قد دخلت بالرعاف، وتكرار العمل لم يوجد، وإذا قلنا بالبناء إن لم يكن فرغ من القراءة؛ قرأ من حيث انتهى، أو فرغ منها؛ ركع فيرجع إلى الحالة التي فارقها، وإن كان في أول جلوسه جلس وتشهد (٢).

стр. 1127

ص: (وإذا كثر الرعاف به وأضره الركوع والسجود؛ صلَّى قائماً، وأومأ لركوعه وسجوده). ت: لأنه الممكن في حقه. قال ابن حبيب: لأنه إذا قام وقعد تلطخ بالدم (١). وقال [ابن مسلمة] (٢): لأن حركته تكثر الدم عليه، فكان عذراً كالرمد وصداع الرأس ووجع الجبهة. قال المازري: يمكن أن تكون العلة عند ابن حبيب صون الصلاة عن النجاسة في الثياب، ويمكن أن يكون التأذي بالدم كما حكاه ابن حبيب أيضاً في مسافر والأرض كلها طين؛ أنه يومئ للسجود عند مالك وأصحابه، إلا ابن عبد الحكم؛ فإنه قال: يجلس ويسجد على الطين. وقاله مالك في العتبية (٣). وقد تقابل أمران، حق الله تعالى في السجود، وصيانة الثوب والبدن من الطين. وقيل: يؤخر هذا الراعف الصلاة إلى آخر وقتها المفروض؛ رجاء أن ينقطع الدم كالراجي وجود الماء (٤).

стр. 1128

قال سند: قول ابن مسلمة أقيس؛ لأنَّ الركوع والسجود أركان واجبة، والنجاسة منعت الضرورة من تجنبها، فلا يترك المقدور عليه للمعجوز عنه، وأمر النجاسة أخف من الأركان؛ لأنَّ السهو عنها لا يقدح، وعن الأركان يقدح، والعريان يركع ويسجد ولا يومئ مع أن ستر العورة أشد من الطهارة عن النجاسة. ويفارق مسألة الخضخاض؛ لأنه يخل بالأركان بدخول الطين في العينين والأنف فيشتغل به عن صلاته. وقيل: إن كان خروج الدم متصلاً؛ صلَّى به؛ لأنها نجاسة يشق الاحتراز منها، وإن كان خروجه وقتاً دون وقت؛ قطع الصلاة واستأنفها؛ لأنها نجاسة يمكن التحرز منها. قال ابن يونس: قال بعض أصحابنا: إذا رعف في وقت صلاة أخرها لآخر وقتها رجاء قطعه، فإن لم ينقطع صلى حينئذ قائماً، ويركع متمكناً، ويومئ بالسجود أخفض من الركوع، ويضع يديه على ركبتيه في إيمائه. قال: وقاله مالك وأصحابه (١). وإذا قلنا: يومئ للركوع والسجود: قال ابن حبيب: ليس عليه أن يركع ويسجد (٢)، وظاهره أنه يومئ. وقال عبد الوهاب: يأتي بالقيام والركوع ويومئ للسجود (٣)؛ لأن الركوع

стр. 1129

كالإيماء لا ضرر فيه، ويمكنه أن يركع وينصب وجهه. وإذا صلى إيماء؛ هل يعيد إذا انقطع دمه قبل خروج الوقت؟ قاله أشهب. قال سند: ويتخرج فيها قول أنه لا يعيد. ص: (ومن رعف مع الإمام بعد أن صلى ركعة بسجدتيها ففارقه، فإن طمع في إدراكه؛ غسل الدم عنه، ثم عاد فصلى ما أدركه من صلاته، وقضى ما فاته. وإن لم يطمع في إدراكه؛ أتم صلاته في المكان الذي غسل عنه الدم فيه أو في أقرب المواضع إليه، وليس عليه أن يرجع إلى المسجد؛ إلا في الجمعة وحدها؛ فإنَّ عليه أن يرجع إلى المسجد أدرك الإمام أو لم يدركه). ت: إن رجى إدراك ركعة فأكثر؛ رجع لاتباع الإمام، فإن المفارقة للضرورة؛ وقد ذهبت. وإن رجى أقل من ركعة؛ رجع على المشهور؛ لأنَّ المتابعة واجبة، وقد جاء أن من أدرك التشهد فقد أدرك فضل الجماعة. وقال ابن شعبان: لا يرجع؛ لأن دون الركعة لا تباح له فلا تباح له الحركة المضادة للصلاة والاستدبار وغيره، وقد منع المذهب في أحد القولين من البناء على ما دون الركعة، ولأنه إذا رجع لدون الركعة كان نافلة زائدة في الصلاة. قال سند: وإن لم يطمع في إدراك الإمام ورجع للمسجد؛ بطلت صلاته (١)؛ لأنه زاد في [١/ ١٣٦] صلاته مشياً مستغنى عنه.

стр. 1130

فإن كانت صلاته بالمسجد الحرام وبمسجد رسول الله ﷺ وهو لا يطمع بإدراك الإمام؛ أتم بموضعه على المعروف من المذهب، رواه ابن القاسم؛ لأنَّ صيانة الصلاة عن العمل أولى من فضيلة المسجد. وفي المدونة عن مالك: يرجع؛ لأن الصلاة تضاعف فيها، وقد التزم ذلك بالشروع. وإن شك هل يدركه أم لا؟ فظاهر المذهب يرجع كما لو شك في صلاة الجمعة، فالواجب المضي إليها. فإن أخطأ في التقدير؛ فوجد الإمام لم يفرغ وصلى بموضعه: قال ابن القاسم في المبسوط: صلاته تامة؛ لأنه فعل ما أمر به (١). فإن علم في الجمعة أنه لا يدرك مع الإمام شيئاً فثلاثة أقوال: قال مالك وابن القاسم: يرجع إلى الجامع (٢)؛ لأنه شرط كالجماعة. قال المغيرة: إن حال بينه وبين المسجد واد؛ أضاف إليها أخرى، ثم يصلي أربعاً احتياطاً للوجهين. وقيل: تجزئه عن قول أشهب في هروب الناس عن الإمام بعد ركعة؛ أنه يضيف إليها أخرى وتجزئه؛ لأنَّ الجماعة شرط كالمسجد (٣). وقال ابن شعبان: يرجع إلى أدنى موضع يصلي فيه بصلاة الإمام فيتم هناك،

стр. 1131

فإن أتم بموضعه لم يعد (١)؛ لأن الجامع مختلف فيه، ويكون كمن أدرك ركعة من الجمعة في ذلك الموضع وقد اتصلت به الصفوف، فإذا سلم الإمام أتم مكانه، ولا ينتقل للجامع فكذلك الراعف، والجامع يشترط للجماعة وقد سقطت عن هذا فسقط الجامع. قال ابن العربي: ظاهر المذهب عدم الإجزاء، فقد قال ابن المواز: إن ذكر سجود السهو من الجمعة لا يسجد؛ إلا في الجامع، فإن سجد في غيره؛ لم يجزه (٢)، وأمره ابن شعبان بأدنى المواضع؛ لأنَّ الجمهور على اشتراطه، فتوسط في المسألة للخلاف فيها. ص: (فإن كان قد أدرك من الجمعة ركعة؛ أتى بركعة أخرى، وكانت له جمعة. وإن كان قطعه مع الإمام قبل ركعة؛ ابتدأ الصلاة، وإن عاد إليه فأدرك معه ركعة فقد أدرك الجمعة، وإن لم يدرك من صلاته ركعة؛ صلَّى ظهراً أربعاً). ت في الموطأ: قال ﵇: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة (٣)، واعتباراً بالمسبوق. ولو بنى على أقل من ركعة لكان مصلياً الجمعة فذاً، وهو غير جائز. قال مالك: لا يبني على تكبيرة الإحرام في الجمعة وغيرها (٤)، وهو ظاهر

стр. 1132

الجلاب في قوله: (وابتدأ صلاته). وكذلك قال في المدونة يبتدئ؛ لأنه لم ينو هذه الصلاة بذلك الإحرام ظهراً أربعاً. وقال سحنون: يبني على إحرامه (١)؛ لأنه انعقد على فضيلة الجماعة وهو أولى من الذي يدرك التشهد الأخير ظهراً. وخيره أشهب للمدركين المتقدمين (٢) وإذا أدرك معه ركعة أتم جمعة؛ للحديث المتقدم، ويلغي ما تقدم له من الأولى ويجهر بالقراءة؛ لأنها سنة الجمعة، فإن أسر أو نسي السورة؛ سجد قبل السلام وتمت صلاته، أو أم القرآن؛ سجد قبل السلام، وأعاد ظهراً أربعاً. فرع: إذا رجع فلم يجد الإمام، وقد أدرك معه بعض الصلاة؛ هل يبدأ بالبناء فيفعل ما كان يفعله مع الإمام، ثم يقضي ما فاته؟ أو يبدأ بالقضاء قبل البناء فيقضي الذي فاته، ثم يفعل ما كان يفعله مع الإمام؟ قال ابن القاسم: إن أدرك الثانية من الظهر فرعف؛ فإنه يبني ثم يقضي، يأتي بركعة بأم القرآن وحدها؛ لأنها ثالثة إمامه ويجلس؛ لأنها ثانية بنائه، ثم يأتي بالرابعة بأم القرآن وحدها ويجلس؛ لأنها رابعة إمامه، ولو كان معه يجلس ثم بركعة للقضاء بأم القرآن وسورة فتصير صلاته كلها جلوساً.

стр. 1133

وقال سحنون: يقضي ثم يبني (١)؛ لأنه إنما كان يبني قبل القضاء لأجل الإمام فقد فات، فيأتي بالأولى بالحمد وسورة؛ لأنها الأولى المقضية ويجلس؛ لأنها ثانيته، ويقرأ في الثالثة بالحمد وحدها ولا يجلس؛ لأنها ثالثة، والرابعة بالحمد وحدها. وقال ابن حبيب: يبدأ بالبناء غير أنه قال: يقرأ في الثالثة بأم القرآن ويجلس؛ لأنها ثانية بنائه، ثم بالرابعة بأم القرآن ويقوم؛ لأنها ثالثة بنائه، ثم يأتي بركعة القضاء بأم القرآن وسورة؛ لأنه لما عقد مع الإمام لزمه حكمه وهو تقديم البناء على القضاء، فلو فاتته الأولى وأدرك الثانية والثالثة ورعف في بقية الصلاة: فعند سحنون: يقرأ في الأولى بالحمد وسورة، فيقوم ويقرأ بأم القرآن خاصة. وعند ابن القاسم: يبدأ بالرابعة وتكون ثالثة له، ثم يقوم فيأتي بركعة بأم القرآن وسورة؛ لأنها أول صلاة الإمام. قال ابن القاسم: ويجلس؛ لأنها رابعة إمامه. وقال ابن حبيب: لا يجلس؛ لأنها [١٣٦/ ب] ثالثة (٢). وإنما كان جلوسه مع الإمام لئلا يخالفه، فإن فاتته الأوليان وأدرك الثالثة ورعف في الرابعة: فعند سحنون: يأتي بالأوليين قبل الرابعة؛ إلا أنه يجلس بعد ركعة كما يفعل من فاتته ركعتان من المغرب.

стр. 1134

وعند غيره: يأتي بالرابعة بالحمد وحدها ويجلس؛ لأنها ثانية له ورابعة إمامه، فللجلوس سببان، ثم يأتي بركعتين متواليتين بالحمد وسورة. فإن فاتته الأولى وأدرك الثانية، ورعف في الثالثة وأدرك الرابعة: فعند سحنون يبتدئ بالتي سبقه بها الإمام، فيقرأ بأم القرآن وسورة ولا يجلس؛ لأنها ثالثة له، ثم بالثالثة التي رعف فيها بأم القرآن وحدها ويجلس ويسلم. وعند غيره: يبدأ بالتي رعف فيها بأم القرآن ولا يجلس؛ لأنها ثالثة، ويأتي بالأولى بأم القرآن وسورة، ويجلس ويتشهد ويسلم. * * *

стр. 1135

(باب في القنوت في صلاة الصبح والقنوت في الصبح فضيلة). ت: للقنوت أربعة معان: الدعاء، يقال فيه: قنت واقنت. والطاعة؛ كقوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦]. والسكوت؛ كقوله تعالى: ﴿قُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. والقيام. وقيل لرسول الله ﷺ : أي صلاة أفضل؟ فقال: طول القيام (١). وقيل: الدعاء. وهذا القنوت جمعها، فإنه دعاء، وقيام، وعبادة، وصمت عن القراءة. فقال مالك و (ش): يقنت في الصبح. وقال (ح)، ويحي بن يحي من أصحابنا: لا يقنت في الصبح. لنا: ما رواه أنس قال: مازال رسول الله ﷺ يقنت حتى فارق الدنيا. ولأن صلاة الصبح عظيمة لقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، فيكون الدعاء فيها مع الملائكة حسناً، وقد فعله

стр. 1136

أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃. وهل هو سنة؟ قاله مالك، و (ش). أو فضيلة؟ قاله ابن حبيب (١)، وهو قول ابن الجلاب، ومالك في المجموعة؛ لما روي عنه ﵇ أنه قنت وترك، وقياساً على التشهد وغيره. واحتج (ح): بقول أم سلمة: نهى ﷺ عن القنوت في الفجر (٢). جوابه: أن المنهي عنه لعنة أقوام بعينهم، أو الجهر به، ولم يثبت سند الحديث، و [هو] (٣) رواية ضعفاء؛ إلا نافع، ولم يقل أم سلمة. ص: (وإن شاء قنت قبل الركوع أو بعده). ت: في مسلم: قنت رسول الله ﷺ شهراً بعد الركوع في صلاة الصبح يدعو على رعل، وذكوان، ويقول: عُصَيَّةٌ عصتِ الله ورسوله (٤). ويروى أنه قبل الركوع في مسلم أيضاً. وروى ابن وهب، عن البراء بن عازب، وغيره: أنه قبل الركوع (٥).

стр. 1137

وروى ابن حبيب عن علي، والزبير، وعمر بن الخطاب، وغيرهم قبل الركوع (١). ص: (والقنوت قبل الركوع أفضل). ت: قال ابن العربي: آخر ما استقر عليه عمر ﵁ أنه كان يقنت قبل الركوع بحضرة الصحابة، ولأنه إعانة للمسبوق على إدراك الجماعة. وقال ﷺ : من صلى الصبح في جماعة فكأنما قام ليله (٢). وقال عمر ﵁: لأن أشهد صلاة الصبح في جماعة أحب إلي من أن أقوم ليله (٣). ولأنه قول، فوقوعه في حيز القراءة أولى قياساً عليها. قال مالك: فمن فاتته الركعة الأولى من الصبح؛ لا يقنت إذا قضاها (٤). ص: (ومن ترك القنوت؛ فلا شيء عليه). ت: زاد ابن القاسم: فإن سجد له أبطل صلاته؛ لأنه زاد في صلاته. قال اللخمي عن ابن سحنون القياس أن فيه السجود (٥).

стр. 1138

وقاله (ش) (١). واعتبره مالك بسائر الأدعية. وقول ابن القاسم تبطل صلاته ليس بحسن؛ لأنه سجد متأولا لسهوه، كما لو سجد لزيادة قبل السلام لصحت صلاته لاختلاف التأويل. ووجه السجود له أنه فعله ﷺ وأصحابه بعده، فكان كالسورة مع الفاتحة. فإن ترك القنوت متعمدا: قال اللخمي لا شيء عليه. وذكر عن بن زياد أنه قال: من تركه متعمدا بطلت صلاته (٢). فأجراه مجرى السنن على الخلاف في تعمد تركها. ص: (وليس لدعاء القنوت حد محدود). ت: لأنه جاء بأدعية مختلفة فورد: اللهم أنج الوليد بن الوليد (٣)، ومرة دعا على الذين قتلوا القراء (٤). وذكر أبو داود في المراسيل: بينا رسول الله ﷺ يدعو على مضر إذ جاءه جبريل ﵇ فأومأ إليه أن اسكت فسكت، فقال: يا محمد إن الله لم يبعثك سبابا.

стр. 1139

ولا لعاناً، وإنما بعثك رحمة، ولم يبعثك عذاباً ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] ثم علمه هذا القنوت: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونخنع لك ونخلع ونترك من يكفر بك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد، إنَّ عذابك بالكافرين ملحق، فقنت به النبي ﷺ وأصحابه بعده (١). قال عياض: نستغفرك: نسألك الستر على ذنوبنا، وترك المؤاخذة. والغفران: الستر، ومنه الغفارة. ونخنع: نخضع. ونحفد: بفتح الفاء وكسرها؛ نسعى ونبادر، ومنه سميت الخدم حفدة. والجد بكسر الجيم: الحق. وقيل: الدائم. ويروى: الجد، مصدر جَدَّ. وملحق: ورى بكسر الحاء وفتحها (٢). ص: (وعنه في القنوت في الوتر روايتان: إحداهما: أنه يقنت في النصف الآخر من الشهر رمضان. والرواية الأخرى: أنه لا يقنت في السنة كلها).

стр. 1140

ت: النفي رواية ابن القاسم (١)؛ لأنه عمل المدينة، وقياساً على المغرب؛ لأنها وتر. وقال سند: قد اعتنى الناس بوتر رسول الله ﷺ ، وصفته، ولم يتخرج أحد من أهل الصحة فيه قنوتاً. وقد صلى أبي بجماعة من الصحابة في أول رمضان، ولم يقنت، وما روى أنه قنت في آخره محمول على أنه دعا فيه، والدعاء جائز في الصلاة؛ لأنه من سنته، ولو كان سنة في آخره لكان في أوله كالجهر بالقراءة. وروى ابن حبيب: يقنت في النصف الأخير، وقاله (ش)؛ لأنَّ عمر ﵁ جمع الناس على أبي بن كعب فصلى بهم عشرين ليلة فلم يقنت، فمرض فصلى مكانه معاد فقنت. وعن أبي أنه لا يقنت؛ إلا في النصف الثاني. وفي الموطأ: عن الأعرج أنه قال: ما أدركتُ الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان. قال الباجي: يريد الصحابة، ولا خلاف أن المراد به القنوت (٢). ص: (ولا بأس برفع اليدين في دعاء القنوت، ولا بأس بالدعاء في الصلاة المكتوبة في القيام بعد القراءة، وفي السجود، وبين السجدتين، وفي الجلستين بعد التشهدين، ويكره الدعاء في الركوع).

стр. 1141

ت: عن مالك: لا يرفع اليدين؛ إلا في الافتتاح شيئاً خفيفاً. واستحبه (ش) في القنوت. وفي البخاري: أنه ﵇ كان يرفع يديه في الدعاء (١). وفي الموطأ: أن أبا بكر ﵁ رفع يديه إلى السماء وحمد الله تعالى بحضرة الرسول ﵇ ولم ينكر عليه (٢). وفيه: أن عمر بن الخطاب ﵁ دعا ومد يديه إلى السماء (٣). وفي أبي داود كان النبي ﷺ لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء (٤). والمشهور أنه لا يرفع يديه في التأمين، ولا في دعاء التشهد. وقد قنت ﵇ والصحابة بعده، فلو كان فيه رفع يدين لاشتهر كما اشتهر القنوت، والمشهور كراهة الدعاء قبل القراءة بعد الإحرام. وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر: يقول بعد الإحرام: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. وقاله (ح). ويكره في أثناء الفاتحة؛ لأنها أكد من الدعاء، ويباح بعدها قبل السورة؛

стр. 1142

لأنَّ أبا بكر الصديق ﵁ قال بعد الفاتحة: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ الآية [آل عمران: ٨]. ويكره في أثناء السورة في المكتوبة دون النافلة؛ لأنها في المكتوبة سنة دون النافلة فهي أفضل من الدعاء، وهو في النافلة مخير في السورة فله الدعاء. قال مالك: إذا مر في النافلة بآية استغفار استغفر، ويقول ما شاء الله أن يقول (١). ولا يكره بعد السورة في الفريضة والنافلة؛ لأنه موضع دعاء القنوت، ويكره في الركوع؛ لقوله ﵇: أما الركوع فعظموا فيه الرب (٢)، ولا يكره إذا رفع رأسه؛ لأنه موضع دعاء القنوت، ويستحب في السجود؛ لقوله ﵇: وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء، فقمن أن يستجاب لكم (٣). فإذا جلس من السجود أبيح، ويكره قبل التشهد حتى يفرغ من الثناء على الله وعلى رسوله ﷺ ، ولأنه مختلف في وجوبه فحرمته فوق حرمة الدعاء. * * *

стр. 1143

(باب في مواضع الصلاة وتكره الصلاة في معاطن الإبل، كان عليها ستر أو لم يكن، ولا بأس بها في مراح الغنم والبقر). ت: وروى ابن وهب أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة في سبع مواضع: المجزرة، والمقبرة، والمزبلة، ومحجة الطريق، والحمام، وظهر بيت الله الحرام، ومعاطن الإبل، خرجه «الترمذي» (١). وفي «مسلم»: قال: يا رسول الله ﷺ أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم، قال: أصلي في مبارك الإبل، قال: لا (٢). وفي أبي داود: قال رسول الله ﷺ : صلوا في مرابض الغنم فإنها بركة، ولا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشيطان (٣). ولا خلاف في كراهية الصلاة في معاطن الابل. وقال ابن المنذر في شرح مشكل المدونة: أعطان الإبل: جمع عطن بفتح العين والطاء، وهو الصدر. فأعطان الإبل: المواضع التي تبرك فيها على أعطانها؛ أي: صدورها، ومنه

стр. 1144

فلان ضيق العطن. ومرابض الغنم: المواضع التي تربض فيها، أي: ترقد، وتضع جنوبها فيها. فالأعطان للإبل، والمرابض للغنم والبقر والظباء. واختلف في علتها: فقيل: لأن أهلها يستترون بها عند الخلاء، وهذا في المناهل دون غيرها، وقاله ابن القاسم، قال: فإن سلمت من ذلك؛ لم تكره الصلاة فيها، نقله ابن أبي زيد في نوادره (١). وعن ابن القاسم العلة نفارها؛ لئلا تخلط على المصلي، وعليه قول ابن الجلاب: (كان [عليها] (٢) ستر أو لم يكن). ولقوله ﵇: إنها من الشيطان، والعرب تسمي كل مارد شيطاناً. هذا إذا كانت في مباركها. فإن رحلت من مواضعها ولم تؤمن فيه نجاسة؛ كره قولاً واحداً، أو أمن؛ لم تكره. وقيل: لزفرها، وثقل رائحتها، والنظافة مطلوبة في الصلاة. قال الأبهري: ولأنها خلقت من جان، وقد قال ﵇ اليوم الوادي: إن هذا واد به شطان (٣)، فخرج منه؛ لئلا يشغل أصحابه، فلم يصل في مواضع الشياطين.

стр. 1145

قال بعض المتأخرين: إذا عللت بنفارها؛ اندرجت البقر معها. قال المازري: يختلف التفريع باختلاف التعليل، فإن علل بالنجاسة فبسط ثوباً؛ فالجواز لابن القاسم، أو لأنها من الجان؛ كرهه مالك وإن بسط ثوباً، أو بالنفار؛ لم يصل مادامت فيها. وقال أبو القاسم ابن الكاتب: إنما النهي عن المعاطن التي عادة الإبل تغدو منها وتروح إليها، أما لو باتت الإبل ليلة في منهل؛ لجازت الصلاة فيها؛ لأنَّ النبي ﷺ صلَّى إلى بعير في السفر. واختلف إذا صلى في المعاطن: قال أصبغ: يعيد في الوقت. وقال ابن حبيب: يعيد أبداً، عامداً كان أو جاهلاً، كمن تعمد الصلاة في الموضع [النجس] (١)، وجعل ظن النجاسة كتحققها. قال ابن العربي: معنى قول أصبغ: إذا لم يتيقن نجاسة. قال سند: هذا أصل ابن حبيب في كل ما كانت النجاسة فيه غالباً؛ كالطريق، وعدم النجاسة أحسن، لقوله ﵇: «وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأينما أدركتني الصلاة تيممتُ وصلَّيتُ» (٢). قال عياض: مراح الغنم: مشيها، بضم الميم، ومرابض البقر: موضع بركها، وهي كالغنم؛ لسلامتها من العلل المتقدمة (٣).

стр. 1146

ص: (وتكره الصلاة في المجزرة، وعلى قارعة الطريق من غير ضرورة، وتكره الصلاة في البيع والكنائس إلا من ضرورة، ولا بأس بالصلاة في الحمام إذا كان موضعاً طاهراً منقطعاً عن المرور). ت: أصله الحديث المتقدم، ولأنَّ المجزرة محل الأوساخ، وكذلك قارعة الطريق، فكل موضع الغالب عليه النجاسة؛ تكره الصلاة فيه، وعند الضرورة يحكم له بالأصل؛ لأن الأصل الطهارة. فإن صلى في الطريق من غير ضرورة: قال ابن حبيب: يعيد أبداً كان عامداً أو جاهلاً؛ لأن الغالب النجاسة، أو ساهياً؛ أعاد في الوقت (١). قال سند: وعلى قول سحنون من صلَّى في الكنيسة من غير ضرورة؛ يُعيد في الوقت، كذلك هاهنا. وقال المازري: وعن ابن الكاتب: لا يعيد إذا صلى في الطريق؛ إلا أن تكون عين النجاسة قائمة (٢). قال ابن حبيب: لا أحب الصلاة على بساط أو حصير مبتذل يمشي عليه من لا يتحفظ، وإن صلى حيث لا يوقن فيه النجاسة؛ لم يعد (٣)، وكذلك تجوز الصلاة في المواضع المرتفعة في الطرقات التي لا يصل إليها مشي الدواب.

стр. 1147

وعن مالك قال: لا بأس بالصلاة في المساجد [بالأفنية] (١) يمشي فيها الكلاب والدجاج وغيرها (٢). وفي البخاري: عن ابن عمر: كنت أبيت في المسجد في عهد رسول الله ﷺ ، وكنت شاباً عزباً، وكانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد، ولم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك. والبيع لليهود، والكنائس للنصارى. وكره عمر بن الخطاب ﵁ الصلاة فيها، ودخولها. قال مالك: لنجاستها، والصور التي فيها، ولأن الصور تلهي عن الصلاة. وقيل: أنها على غير التقوى. أو لأنها مأوى الشياطين، وقد قال ﵇: إن هذا واد به شيطان (٣)، ولم يصل فيه. فإن صلى في الكنيسة: قال سحنون: يعيد في الوقت، صلى لضرورة أو لغير ضرورة كثوب النصراني. وكره (ش) الصلاة في الحمام. ومنعها ابن حنبل. لنا: أن الكراهة لتوقع النجاسة، فإذا تيقن الطهارة؛ صحت الصلاة،

стр. 1148

ولقوله ﵇: جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً (١). وقال بعض المتأخرين: تكره الصلاة فيها مراعاة للخلاف. وعن مالك: ليس بموضع قراءة القرآن (٢). ص: (ولا بأس بالصلاة في المقبرة الجديدة، وتكره في المقبرة القديمة. وقال ابن القاسم: لا بأس بالصلاة في المقبرة مطلقاً، ولم يفرق بين الجديدة والقديمة). ت: منع أحمد الصلاة في المقبرة؛ وإن لم تنبش (٣). وروي عن (ش) أصل الجواز. وهو مروي عن مالك أن رسول الله ﷺ صلى على قبر السوداء. قال سند: يحمل قول مالك في الإجازة على ما إذا كانت لم تنبش، أما إذا خرج التراب المشوب بصديد الموتى فلا؛ لأنه لم ينبش قبر مسلم، ولا دفن في قبر نجس. قال عبد الوهاب: يكره في الجديدة، ولا يجوز في القديمة إذا كان فيها نبش؛ إلا أن يجعل بينه وبينها حائل، هذا كله في مقابر المسلمين. أما مقابر المشركين؛ فمكروهة من غير تفصيل (٤).

стр. 1149

قاله المازري، ووافقنا (ح)، و (ش) على الجواز. وقال الشافعية: فإن جهلت هل نبشت أم لا؟ فقولان؛ نظراً للأصل والغالب. لنا: على الجواز قول نافع: صلينا على عائشة ﵂، وأم سلمة ﵂ في البقيع، والإمام أبو هريرة، وحضر ابن عمر ﵁. ووجه النهي؛ نهيه ﵇ أن تتخذ القبور مساجد (١). وفي مسلم: قال رسول الله ﷺ : لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها (٢). وينهى عن الصلاة في مقبرة المشركين؛ لأن الصلاة رحمة وليسوا من أهلها، ولأنهم لا يتحفظون على قبورهم من النجاسة، ولأنها بقعة عذاب. قال ابن حنبل: إذا صلى في المقبرة؛ فهي باطلة. قال الأبهري: إلا إن بسط على المنبوشة حائل؛ جازت الصلاة. قال اللخمي: تكره الصلاة وإن كانت جديدة طاهرة؛ للحديث. قال: وأرى أن تمنع الصلاة في المقبرة، وإلى المقبرة، والجلوس عليها، والاتكاء (٣) وفي مسلم: قال ﵇: لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها (٤)، ولأنَّ

стр. 1150

الميت محترم لا يمتهن بالقعود والاتكاء. قلت: هذه المسألة مبنية على بحثين: البحث الأول: تعارض الأصل والغالب، فالأصل عدم النجاسة، والغالب وجودها في القديمة التي نبشت، فمن الناس من رجح الأصل، ومنهم من رجح الغالب، ومن اعتبر الغالب؛ منهم من جعله كالمحقق؛ فأبطل الصلاة، ومنهم من سلك مسلك الاحتياط؛ فلم يبطلها. البحث الثاني: إن قلنا إن الإنسان ينجس بالموت؛ فظاهر، وإن قلنا لا ينجس وهو المذهب؛ فلا خلاف أن عذرته التي في فرجه وبوله وصديده ودمه؛ نجس، فمتى نبشت المقبرة اختلط التراب بهذه النجاسات، فهذه أوجه الفرق بين القديمة والجديدة. وقد جاء في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة وضع مسجده ﵇ في موضع كان مقابر المشركين، وهو دليل الجواز مطلقاً. ص: (ومن صلى في موضع نجس ناسياً أو مضطراً؛ أعاد في الوقت). ت: مذهبنا و (ح): أنه إذا اضطر لمكان نجس؛ ركع وسجد. وقال (ش): إذا لم يجد ما يفرشه على النجاسة المضطر إليها؛ صلى إيماء، ويعيد أبداً. لنا: أنه أتى بما أمر به من الطهارة والركوع والسجود أكد فلا يترك، ويعيد في الوقت إذا صلى بنجاسة ناسياً ليأتي بالصلاة كاملة.

стр. 1151

قال مالك في المدونة: الوقت في الظهر والعصر اصفرار الشمس، وفي المغرب والعشاء الليل كله. والفرق أن الإعادة في الوقت في معنى التنفل، فكما لا يتنفل عند الاصفرار لا يعيد، والتنفل بالليل للفجر؛ فأعاد فيه، وسواء كانت هذه النجاسة في موضع جبهته أو قدميه أو كفيه. قال مالك: من ليس معه إلا ثوب نجس؛ صلى به، وأعاد في الوقت. قال ابن القاسم: وقته للغروب (١). قال سند: قيل: هذا خلاف لمالك. وقيل: الفرق بين حالة الذكر؛ أنه أكد، والسهو معفو عنه. ص: (فإن بسط على النجاسة حصيراً أو ثوباً صفيقاً؛ فلا بأس بالصلاة عليه). ت: لأنه يصلي على طاهر. قال سند: ويستوي في ذلك الأصحاء والمرضى. ونقل ابن يونس عن بعض الأصحاب أنه خاص بالمرضى ويمنع للأصحاء (٢)؛ لأنه محرك لتلك الزيادة. وجوابه: أنه يصير كمن صلى على حصير بطرفه نجاسة، أو على سقف

стр. 1152

نجاسة، أو على سقف بطرفه نجاسة، فإن حركة موضع النجاسة لا تضر إذا صلى على غير الطاهر منه، وكالمركب يكون ببعض خشبه نجاسة وهو يتحرك بحركة المصلي. * * *

стр. 1153

(باب في صلاة الوتر والوتر مسنون غير واجب ولا مفروض). ت: اختلف فيه في خمسة مواضع: في وجوبه، وعدده، وهل يفتقر إلى نية؟ وهل يختص بقراءة؟ وفي آخر وقته. ففي وجوبه؛ ثلاثة مذاهب: مذهب مالك و (ش) وجماعة: أنه سنة. وذكر اللخمي عن سحنون: أنه يُجرح تاركه. وعن أصبغ: يؤدب تاركه (١). قال اللخمي: فجعلاه واجباً (٢)؛ وفيه نظر، ولعل هذا قولهما في السنة المؤكدة لا سيما الوتر. قال المازري: قيل: إنما جرحه سحنون؛ لأنَّ تركه عنوان سوء حاله، واستخفافه بالدين؛ لا لوجوبه، والتجريح قد يكون بسقوط المروءة. قال: ولا أحفظ اعتذاراً عن أصبغ، والتأديب شديد لا يكون إلا على ترك

стр. 1154

واجب، أو يكون عقابه على استخفافه بالدين. قال ابن خويز منداد: من استدام ترك السنن؛ فسق، فإن تركها أهل بيت جبروا، فإن امتنعوا؛ حوربوا (١). قال ابن بشير: اختلف الأصوليون؛ هل يجب الأمر بالمعروف في المندوب، أو يكون الأمر به مندوباً؟ ولعل أصبغ بنى على أحد القولين، وفي كون الوتر واجباً أو فرضاً قولان (٢). لنا: حديث الأعرابي لما سأل رسول الله ﷺ عن فرض الصلاة، فقال له ﵇: خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هل عليَّ غيرهنَّ؟ قال: لا، إلا أن تطوع، فقال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال النبي ﷺ : أفلح إن صدق، مخرج في الصحاح (٣). قال اللخمي: يدل من خمسة أوجه: * أحدها: قوله ﵇: خمس صلوات؛ يدل على نفي السادسة. * الثاني: قوله ﵇: لا. * الثالث: قوله ﵇: إلا أن تطوع، فجعل ما بعد الخمس تطوعاً. * الرابع: قول الأعرابي: لا أزيد على هذا، ولا أنقص، وأقره عليه. * الخامس: قوله ﵇: أفلح إن صدق.

стр. 1155

وفي الموطأ: قال ﵇: خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن؛ كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة (١). فحصر ﵇ الواجب في الخمس، وأوجب الجنة بهنَّ؛ وهو ينافي وجوب غيرهن من الصلوات. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: أمرت بالوتر، وهو لكم سنة. وكان ﵇ يوتر على الراحلة (٢)، والواجب لا يفعل على الراحلة، ولو كان فرضاً؛ لكان محصوراً بعدد. وورد أنه ﵇ أوتر بواحدة، وثلاث، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، و [لو كان فرضاً] (٣) لكان له وقت محدود كسائر الفرائض. ص: (وهو ركعة واحدة بعد شفع منفصل منها بتسليمة واحدة). ت عن مالك هو واحدة (٤). وفي كتاب الصوم من المدونة: يوتر بثلاث (٥).

стр. 1156

قال المازري: لم يختلف المذهب في كراهة الاقتصار على ركعة في حق المقيم. واختلف في المسافر: ففي المدونة: لا يوتر بواحدة. وفي كتاب ابن سحنون: يوتر بواحدة. و (ح): الوتر بثلاث بتسليمة واحدة. وقال (ش): أقله ركعة، وأكثره إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين، أو بتسليمة واحدة (١). وفي الصحاح: قال رسول الله ﷺ : صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى (٢). وفي مسلم:: قال رسول الله ﷺ : الوتر ركعة من آخر الليل (٣)، وكذلك يفعل ابن عمر. وفي الموطأ: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، يوتر منها بواحدة (٤). فإن صلى الوتر خلف من يراه ثلاثاً:

стр. 1157

قال مالك: لا يخالفه. وقال أشهب: يسلم من اثنتين ثم يقوم إلى الثالثة (١)؛ لأنَّ الوتر واحدة كقيام الإمام الخامسة. ورأى مالك أنها مسألة خلاف، فبسلامه قبله يفسد صلاته، ولقوله ﵇: فلا تختلفوا عليه (٢)، ولأنَّ المسافر إذا صلى خلف مقيم وافقه. ص: (ويكره أن يوتر بركعة ليس قبلها شفع، أو بثلاث بتسليمة واحدة؛ إلا أن يكون مع إمام يرى ذلك فيوتر بوتره، ولا يخالفه في فعله). ت: قال (ش): يكفيه ركعة. لنا: قوله ﵇ في الحديث المتقدم: توتر له ما قد صلى (٣)، فدل على أنها توتر شفعاً متقدماً. وفي التمهيد: نهى ﵇ عن البتيراء؛ أن يصلي الرجل ركعة واحدة يوتر بها (٤). وإنما أباح مالك الوتر بركعة للمسافر في أحد قوليه؛ لأنَّ السفر عذر أثر في إسقاط الفرض. واختلف في المرض:

стр. 1158

قال سند: لا يبيح. وفي النوادر: عن سحنون أنه أوتر بواحدة في مرضه (١). قال أشهب من أوتر بواحدة دون شفع؛ يعيد وتره بعد شفع ما لم يصل الصبح (٢). وقال سحنون: إن كان بالقرب؛ شفعها بركعة، ثم أوتر، فإن تباعد؛ أجزأه (٣)؛ لأنَّ سلامه لا يمنعه من تداركه. وروى مالك: أن ابن عمر أوتر بواحدة والسماء مغيمة لما خشي الصبح، فانكشف الغيم فرأى عليه الليل فشفع بواحدة. ويشترط اتصاله بالشفع عند مالك فلا يتنفل في المسجد، ويوتر في البيت. وعنه: جواز ذلك؛ لأنه يوتر ما قبله وقد وجد، كما أن المغرب وتر صلاة النهار وإن لم تقارن، ورأى في الأول أنه متعلق بالشفع حتى قال بعضهم: الكل بتسليمة واحدة فيها؛ في حكم الصلاة الواحدة، ولأنه فعله ﵇. وقوله: (أو بثلاث بتسليمة واحدة)؛ لأنه ﵇ كان يفصل بين كل ركعتين ويوتر بواحدة. ولقوله ﵇: فليصل ركعة توتر له ما قد صلى (٤). فإن فعل ذلك؛ كره له، وأجزأه على ظاهر المذهب.

стр. 1159

ص: (والوتر في الليل كله واسع، وآخره أفضل من أوله، ويكره تأخيره إلى طلوع الفجر). ت: في مسلم: قالت عائشة ﵂: من كل الليل أوتر رسول الله ﷺ (١). وفي رواية من أول الليل، وأوسطه، وآخره، وانتهى وتره إلى السحر. وسأل رسول الله ﷺ أبا بكر فقال: أصلي ثم أوتر قبل أن أنام، وقال لعمر: كيف توتر، فقال: أصلي ثم أنام، ثم أقوم فأصلي فأوتر، فقال لأبي بكر: أخذت بالحزم، وقال لعمر: أخذت بالقوة (٢). وصوّب فعلهما. فالأفضل تأخيرها؛ إلا لمن الغالب عليه ألا ينتبه، لقوله ﵇: من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر من أوله، ومن طمع أن يقوم من آخره فليوتر من آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة (٣). وواظب ﵇ على آخر الليل، ولا يؤخره لبعد الفجر؛ لقوله ﵇: فإذا خشي أحدكم الصبح فليصل ركعة توتر له ما قد صلَّى (٤)، فدل على أن الفجر ينافيه. ص: (ومن آخره قاصداً أو ساهياً؛ أوتر ما لم يصلي الصبح، فإذا صلى الصبح فلا وتر عليه). ت: قال مالك و (ح): يصليه إذا طلع الفجر ما لم يصلي الصبح.

стр. 1160

قال المازري: قال بعض المتأخرين: وهو وقت ضرورة للوتر، وقال بصلاته حينئذ ابن عباس، وابن عمر، وجماعة من الصحابة رضوان الله عليهم (١). وعند (ش) فيه حينئذ قولان. وحكى اللخمي عن أبي مصعب من أصحابنا: المنع، واختاره (٢). قال المازري: قال سعيد بن جبير: من فاته الوتر أوتر من الليلة المقبلة. وقال طاووس: يصليه وإن صلى الصبح (٣). لنا: ما في «الترمذي» قال ﵇: من نام عن وتره فليصله إذا أصبح (٤). وفي الموطأ: رقد ابن عباس ثم استيقظ، فقال لخادمه: انظر ما صنع الناس - وكان بصره ذهب - فذهب الخادم، ثم رجع فقال: انصرف الناس من الصبح، فقام فأوتر، ثم صلى الصبح (٥). وقاله جماعة من الصحابة. قال اللخمي: قال ابن الجهم: إنما قاله مالك للخلاف في الفجر؛ هل من الليل أو من النهار أو قائم بنفسه؟ قال اللخمي وأرى ألا يقضى بعد الفجر؛ لما في مسلم قال ﵇: بادروا
следующие страницы →