← Фикх малики

Фикх малики · id 30159

شرح التفريع

القرافي

Полный текст (3 250 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

فرع قال مالك: قول رسول الله ﷺ : التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة (١)؛ أنَّ التاسعة ليلة إحدى وعشرين، والسابعة ليلة ثلاث وعشرين، والخامسة ليلة خمس وعشرين. قال أبو محمد: إنما يصح هذا على نقصان الشهر، وأما على تمام الشهر؛ فتكون التاسعة ليلة اثنين وعشرين (٢). قال [الطبراني] (٣): قال ابن مسعود: تلتمس في ليلة سبع عشرة ليلة من رمضان (٤). وفي حديث: التمسوها في سبع عشرة، أو تسع عشرة، أو ليلة احدى وعشرين. قال زيد بن ثابت: هي ليلة تسع عشرة، فرق الله في صبيحتها بين الحق والباطل، وأعز الله في صبيحتها الإسلام، وأنزل الله فيها القرآن، وأذل أئمة الكفر. ***

стр. 1192

(باب في سجود القرآن وسجود القرآن إحدى عشرة سجدة، ليس في المفصل منها شيء). ت: سجود القرآن مشروع بالكتاب، والسنة، والإجماع. فالكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١]، في معرض الذم. وفي الصحيحين: قال ابن عمر ﵄: كان رسول الله ﷺ يقرأ القرآن، فإذا مر بسورة فيها سجدة فسجدها سجدنا معه، لا يجد بعضنا موضعاً لموضع جبهته ليسجد فيه (١). وأجمعوا على مشروعيته. قال مالك و (ش): إنه سنة. وقال (ح): واجب. وقال القاضي عبد الوهاب: أنه فضيلة؛ كتحية المسجد، وخسوف القمر. لنا ما في الموطأ: أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ سجدة وهو على منبر الجمعة، فنزل وسجد وسجدنا معه، ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى، فتهيأ الناس للسجود فقال: على رسلكم، إن الله لم يكتبها علينا؛ إلا أن نشاء (٢)، بمحضر

стр. 1193

الصحابة رضوان الله عليهم من غير نكير؛ فكان إجماعاً. واختلف هل هي سنة أو فضيلة؟ قاله ابن الكاتب، لقول مالك في المدونة: يستحب إذا قرأها في أثناء الصلاة ألا يدع سجودها. قال المازري: الاستحباب لا ينافي السنة (١). وقال عياض: استدل بعض أشياخي بهذا التشبيه على عدم وجوب الجنازة، كما قاله أصبغ؛ قال: ولا خلاف عندنا في سجود القرآن أنه سنة. واستدل [ابن القاسم] (٢) بقول مالك: تصلى بعد الفريضة بتيمم واحد، ولا يجمع بين فرضين بتيمم واحد. وأنكره بعضهم، وقال: صلاة الجنازة ليست على الأعيان؛ فتسقط في حق البعض، فهي كالنفل في حقه. ومما يدل على عدم وجوب السجود أن رجلاً قرأ سجدة بحضرة رسول الله ﷺ فلم يسجد، فقال له النبي ﷺ : كنت إماماً فلو سجدت سجدنا معك، ولم ينكر عليه ترك السجود. وعين مالك الإحدى عشرة فقال: في ﴿المص﴾ و ﴿الرعد﴾ و ﴿النحل﴾ وبني إسرائيل و ﴿مريم﴾ و ﴿الحج﴾ أولها [و ﴿الفرقان﴾] (٣) و ﴿الهدهد﴾ و ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ ﴿السجدة﴾

стр. 1194

و ﴿ص﴾ و ﴿حم (١) تَنْزِيلُ﴾. قال عبد الوهاب: هذا المشهور (١). وقال ابن يونس: وقاله ابن عمر، وابن عباس، وابن المسيب، وغيرهم (٢). قال عبد الوهاب: وعن مالك: العزائم أربعة عشرة سجدة، وزاد: الثلاث من المفصل (٣). وقال ابن حبيب: خمسة عشرة سجدة، وزاد أربعاً الأخيرة من الحج وسجدة النجم وإذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك. وقد ثبت أن النبي ﷺ سجد فيهن (٤). قال اللخمي: أثبتنا الثانية من الحج، وليس بحسن؛ لأنَّ المراد بها الركوع والسجود. وإثبات الثلاث في المفصل أحسن، ولأن سجوده ﵇ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ في الصحاح. زاد مسلم: في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ سجدة سجدتُ فيها خلف أبي القاسم فلا أزال أسجدها حتى ألقاه (٥). ولم يثبت نسخ هذه الأحكام فثبتت.

стр. 1195

وأما موضع السجود فاتفق الجميع أن سجدة الأعراف في آخرها عند قوله تعالى: ﴿وَ لَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وفي الرعد: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]، وفي النحل: ﴿وَ يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ١٥]، وفي بني إسرائيل: ﴿وَ يَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩]، وفي مريم: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، وفي الحج: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨]، واختلفوا في الثانية، ومن قاله فعند قوله: ﴿افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، وفي الفرقان: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠]. وقال مالك و (ح): يسجد في النمل عند ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: ٢٦]. وقال (ش): ﴿مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النمل: ٢٥]. واتفقوا في ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ عند قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: ١٥] واختلفوا في ﴿ص﴾ هل هي من العزائم أم لا؟ قال مالك: من العزائم. وقال (ش): ليست من العزائم بل سجدة شكر. قال اللخمي: وفائدة أنها من العزائم فعلها في الصلاة. لنا: قول ابن عباس: سجدها داود، وأمر صاحبكم أن يقتدي به، يعني: النبي ﷺ . قال المازري: وسجدها عثمان في صلاته، وسجد الناس معه. واختار أبو الحسن القابسي: أن يسجد عند قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]، وابن حبيب عند قوله تعالى: ﴿لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبِ﴾ [ص: ٢٥]، فرأى

стр. 1196

الأول أن ذكر الركوع يقتضي الفعل عنده، ورأى الثاني أنه متصل بها، وحث عليها. وقال مالك: يسجد في ﴿حم﴾ السجدة عند قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]. وقال (ش) و (ح): ﴿وَهُمْ لَا يَسْئَمُونَ﴾، وقاله ابن وهب منا؛ لأنه تمام الأول، ولمخالفة الكافر المتكبر بالسيئات. قال اللخمي: السجود يتضمن ثلاث معان: مدح من سجد، وذم من [عند] (١)، [وأمر بالسجود] (٢). فالأول في الرعد والنحل والحج، فندبنا عند ذكر الممدوحين، وفي الفرقان وغيرها وعيد؛ فندبنا عند نفورهم، وهذه السورة فيها الأمران، فكان السجود عند ذكر التكبر أولى؛ لأنه زاد فيصير مجمعا عليه (٣). ص: (والسجود في الحج في السجدة الأولى، ولا يترك السجود في ﴿ص﴾، ويسجد في ﴿حم﴾، والسجدة عند تمام الآية الأولى؛ وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، ولا يسجد في النجم ولا في سورة الانشقاق ولا في سورة القلم. وقال ابن وهب عن مالك: يسجد في ذلك كله).

стр. 1197

ت: لأنَّ الذي استقر عليه أمر النبي ﷺ إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل منها شيء، والعمل على ذلك، ولا يتواطؤ على ذلك ترك سنة وهي متكررة؛ لأنهم معدن التلاوة. قال مالك في الموطأ: الأمر المجمع عليه عندنا أنها إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل منها شيء. يريد: الإجماع وقع على هذه [العزائم، وأنَّ] (١) الخلاف في غيرها، قاله ابن يونس (٢). وفي الصحيحين: أنه ﵇: قرأ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ فلم يسجد (٣). وفي أبي داود: أن ﵇ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة (٤). والمفصل ما دون الحواميم لكثرة ما فصل بـ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في خط المصحف، وجاءت فيها أحاديث. ففي أبي داود أن النبي ﷺ أقرأ عمرو بن العاص خمس عشرة سجدة، منها ثلاثة في المفصل، وفي الحج سجدتان (٥). وجوابه: لم يقل سجد فيها، ولا أمر به، ولعله أخبرهم أنه سمع

стр. 1198

القرآن منه كله أو أكثره. وعنه: ﵇ أنه قال: في الحج سجدتان، ومن لم يسجدهما، فلا يقرأهما (١)، وقاله عمر ﵁، وعلي، وابن عباس، وجمع من الصحابة رضوان الله عليهم. وتقدمت أحاديث فيها. والقاضي أبو محمد يرى أن السجود مأمور به في المفصل؛ لكنه في الإحدى عشر أكد من الباقي؛ لقول مالك: من العزائم إحدى عشر؛ فيكون غيره ليس من العزائم وهو مأمور به. واختار المتأخرون السجود في المفصل لكن من حكى الحصر حكى ما رأى، والمثبت مقدم على النافي، وقد يكون الترك للدلالة على عدم الوجوب (٢). ص: (ولا يتلو سجدة على غير طهر، ولا وقت نهي. وإن تلا في وقت نهي، أو على غير طهر؛ ألغى السجدة، ولم يقرأها، ثم قرأها بعد ذلك إذا تطهر، أو خرج وقت النهي ويسجد لها). ت: لأنها صلاة لا تفعل في وقت نهي ولا بغير وضوء، ولا ينبغي التعرض لنفي الأمر بشيء لا يفعل فإن تلاها؛ ألغى السجدة خاصة، ذكر السجدة أول التلاوة أو آخرها. قال عبد الحق: ليس عليه أن يتعدى جملة الآية (٣).

стр. 1199

قال المازري: يشترط فيها الطهارة والستارة والاستقبال؛ لأنها جزء صلاة (١). قال ابن المسيب وعثمان بن عفان رضي الله [عنهما] (٢): الحائض تومئ برأسها، وتقول: اللهم لك سجدت. لنا: القياس المتقدم. قال سند: إذا تركها ليس عليه إعادتها إلا لاستدراك فضيلة، ولأنه قد قيل بوجوبها، وإلا فالقضاء من خصائص الواجبات. وفي فعلها بعد الصبح والعصر ثلاثة أقوال: قال مالك: يقرؤها ما لم يسفر بالضياء، وما لم تصفر الشمس، ويسجدها كصلاة الجنازة، وللخلاف في وجوبها. وعنه: المنع كالنوافل، وهو أولى. قال ابن يونس: وهو في الموطأ وغيره (٣). وقال مطرف وعبد الملك: يسجد بعد الصبح ما لم يسفر لا بعد العصر؛ لأن الطائف يركع بعد الصبح لا بعد العصر، ولأنَّ النهي بعد العصر أشد؛ لأنَّ تأخير الفريضة إليه محرم أو مكروه على الخلاف، وتأخير الصبح إلى الإسفار غير محرم اتفاقاً؛ بل مكروه أو جائز. قال اللخمي: لو قيل: يسجد بعد الإسفار لكان وجيهاً؛ لأنه وقت للفريضة

стр. 1200

مع الاختيار، والاصفرار وقت للفريضة مع الضرورة (١). ولا يختلف المذهب أنه لا يسجد وقت الاصفرار، وقاله (ح). وقال (ش): يسجد في الاصفرار والإسفار. لنا: النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند غروبها. قال ابن حبيب يسجدها الماشي، وينزل إليها الراكب، وفي سفر القصر يسجد على دابته إيماء (٢). ص: (ولسجود التلاوة تكبير في خفضه ورفعه، وليس له تسليم). ت: إن كان في صلاة؛ قال مالك: يكبر لسجودها ورفعها، أو في غير صلاة؛ كان مالك يضعف التكبير لها؛ لأنَّ التكبير إنما هو حيث الإحرام، ولا إحرام، ولأنها ليست من الصلاة المعهودة التي شرع فيها التكبير، ثم رجع له. قال ابن القاسم: ذلك كله واسع (٣). وبالتكبير قال (ش). وعن (ح) كذلك، وعنه: التكبير للرفع دون الخفض. وفي أبي داود عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة كبر، وسجد وسجدنا معه (٤).

стр. 1201

وبعدم التسليم؛ قال مالك، و (ح). وقال ابن حنبل: يسلم. وعن (ش) قولان. لنا: أن التحريم مع التسليم، فحيث لا تحريم لا تسليم كالطواف. * ص: (ولا بأس بقراءة السجدة في المكتوبة والنافلة إذا لم يخف أن يخلط على غيره ممن خلفه صلاته، وقال ابن القاسم: لا يسجد في المكتوبة إماماً كان أو منفرداً). ت: قراءتها في النافلة جائز اتفاقاً. قال ابن بشير: إذا كان فذاً أو في جماعة يأمن التخليط عليهم. وإن لم يأمن؛ فالمنصوص جوازه، لما ثبت من فعل الأولين في قيام رمضان (١). وأما المكتوبة؛ فكره مالك للإمام قراءتها ولو في الصبح؛ إلا أن يكون من خلفه قليلاً يأمن عليهم. وعنه: الجواز مطلقاً؛ لما تقدم أن أبا رافع صلى مع أبي هريرة العتمة، فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، فسجد فيها، فقلت له: ما هذه السجدة؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجدها حتى ألقاه (٢).

стр. 1202

قال ابن حبيب: لا يقرأها الإمام في صلاة السر؛ لئلا يخلط عليهم، ويقرأ بها في الجهر والسر؛ إذا أمن التخليط. قال ابن يونس: وروي عن مالك وهي أصح [من] (١) رواية ابن القاسم؛ لأنَّ النبي ﷺ سجدها في الفريضة والنافلة (٢). قال ابن بشير: علة المشهور بأنه يزيد في عدد سجود الفريضة، والصحيح الجواز؛ لأنَّ النبي ﷺ واظب على قراءة السجدة في الأولى من صلاة الصبح، وكان يواظب عليه الأخيار من أشياخي (٣). قال اللخمي: إن قرأ الإمام السورة التي فيها السجدة؛ لا يقرأ السجدة، فإن قرأها سجد، ويعلن قراءة السجدة في صلاة السر ليعلم من خلفه إذا جهر بالسجدة (٤). وإن كانت صلاة سر ولم يجهر بها؛ ففي السليمانية قولان: أحدهما: يتبعونه ولا شيء عليهم، قاله ابن القاسم. قال عبد الحق: وهو ضعيف، لو كان عليهم الاتباع ما كان لهم الإمساك. وثانيها: لا يتبعونه؛ لأنهم لا يدرون أنه قرأ السجدة، ولعله سجد سهواً، قاله سحنون. وقال: تصح صلاتهم وإن لم يتبعوه.

стр. 1203

قال المازري: من علل بالتخليط؛ أجاز للإمام الذي يؤمن به أو الفذ أو بالزيادة في الصلاة؛ منع الإمام والفذ (١). فرع: قال أشهب: لا يقرأ الإمام يوم الجمعة سورة فيها سجدة (٢)؛ لأنَّ النزول لها يخل بالخطبة، فإن فعل سجدها وسجد الناس معه، فإن لم يفعل سجدوا ولهم الترك؛ لأنه لم يسجد (٣). قال ابن يونس: ينبغي إعادة قراءتها إذا صلى ويسجد. قال مالك: لا ينزل ولا يسجد، والعمل على فعل عمر الآخر. ص: (ومن سجد في صلاته؛ كبَّر إذا سجد، وإذا رفع). للحديث المتقدم. (ومن جلس إلى قارئ يستمع قراءته، فمر بسجدة؛ فسجد فيها سجد السامع معه). ت: أصل سجود السمع ما في مسلم: قال ابن عمر: ربَّما قرأ رسول الله ﷺ القرآن، فيمر بسجدة فيسجدها، حتى ازدحمنا عنده، حتى ما يجد أحدنا مكاناً يسجد فيه في غير الصلاة (٤).

стр. 1204

قال اللخمي: يسجد السامع بخمسة شروط: بلوغ القارئ، وطهارته، وسجوده، وألا تكون قراءته ليسمع الناس حسن صوته، ويكون المستمع قصد الجلوس للاستماع (١). واختلف إذا كان غير بالغ، أو على وضوء ولم يسجد: ففي المدونة: لا يسجد المستمع للصبي (٢). قال اللخمي: على قوله في العتبية: تجوز إمامة الصبي في النافلة (٣)؛ يسجد [بسجوده] (٤) (٥). قال مالك: ولا يسجد لقراءة المرأة، إنما يسجد مع الرجل، وليس على من يسمع سجدة أن يسجد لها. قال سند: يحتمل قوله هذا أن المستمع لم يجلس لذلك، أو القارئ ليس أهلاً كالفاسق والمرأة والصبي، وهو ظاهر لأجل اختلال الإمامة. قال ابن القاسم: إذا لم يسجد القارئ يسجد المستمع؛ لأنَّ السجود عند السماع سنة، وترك الإمام لا يوجب ترك المأموم كسجود السهو للتلاوة؛ لأنَّ المأموم يكتفي بقراءة الإمام. قال المازري: وقال غيره: لا يسجد؛ لأنَّ رجلاً قرأ آية من القرآن فيها

стр. 1205

سجدة عند رسول الله ﷺ ، فسجد الرجل وسجد معه رسول الله ﷺ ، ثم قرأ آخر آية فيها سجدة، وهو عند رسول الله ﷺ ، فانتظر الرجل أن يسجد رسول الله ﷺ فلم يسجد، فقال: يا رسول الله قرأت السجدة فلم تسجد، فقال رسول الله ﷺ : كنت إماماً، فلو سجدت سجدتُ معك (١). قال ابن يونس: وهو أصوب للحديث (٢). فرع: كره مالك أن يستمع الناس حسن قراءته؛ لأنَّ القرآن للتذكر والمواعظ. ودليل الاستماع ما في مسلم: أن رسول الله ﷺ قال لابن مسعود: اقرأ علي القرآن، قال: فقلت: يا رسول الله، أقرأُ عليك، وعليك أنزل، فقال: إنّي أحبُّ أن أسمعه من غيري، قال: فقرأت سورة النساء، حتى إذا بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، رفعت رأسي، أو غمزني رجل إلى جانبي، فرفعت رأسي فوجدت عينيه تذرفان (٣). [قال عياض: واختلف إذا سجد أو] (٤) جلس للوجه المكروه؛ [لم يسجد، سجد القارئ أو لم يسجد] (٥). قال المازري: كالقاصد للقراءة وسجوده بالناس لا إرادة التعليم؛ لا

стр. 1206

يسجد معه (١). قال اللخمي: أرى أن يسجد وإن قصد القارئ استماع حسن قراءته؛ لأنَّ الظاهر أنهم في طاعة، والسرائر إلى الله تعالى (٢). فرع: اختلف في المعلم والمتعلم المحتلم: قال مالك وابن القاسم: يسجدان أول مرَّة، ثم يسقط التكرر كمس المصحف للمعلم والمتعلم يتوضئان له أو لا، فإذا تكرر سقط. وقال ابن عبد الحكم وأصبغ: لا يسجدان أولاً ولا آخراً؛ لمشقة التكرر (٣). فلو كان ليس بمعلم، ولكن قرأ حزباً ثم أعادها اتفاقاً أو لغرض ما: قال المازري: الأظهر عندي السجود على أصل المذهب؛ كما لو أعاد في مجلس آخر. وقال (ح): لا يسجد استحساناً؛ كما لو اجتمع للسجود سببان في مجلس واحد أنه [١٤٤/ ب] فعل المأمور مرة فاكتفى به، وحصل التداخل كما في الحدود إذا أقيم الحد ثم تكرر السبب؛ أقيم، وإن لم تتقدم إقامته؛ تداخل. ولو قرأ على المعلم متعلم سجدة؛ فسجد، ثم قرأ آخر سجدة؛ سجد، وقد يتخرج على قول ابن القاسم في المعلم والمتعلم أنه يسجدان أول مرة أن هذا

стр. 1207

كذلك؛ لأنَّ المعلم لم يسجد للسجدة الواحدة إلا مرة واحدة، ومن أسقط مطلقاً بمشقة التكرر ففيه نظر، وقارئ القرآن يسجد إذا تكررت سجدتان عليه بخلاف المتعلم والمعلم. والفرق أن المعلم انتصب لذلك مع الأيام؛ فمشقته أعظم من مشقة غيره، وكان اختيار شيخنا إذا تكررت سجدة واحدة بعينها على المعلم إذا كان المكرر لها جماعة واحداً بعد واحد؛ سجد كل واحد من المتعلمين دون المعلم؛ إلا مع أولهم لحصول التكرر فيه دونهم، وإن كان المكرر واحداً؛ سقط السجود عنهما جميعاً بعد المرة الأولى. ص: (ومن سمع رجلاً يقرأ سجدة، ولم يكن جلس إليه؛ لم يسجد بسجوده). ت: قال (ح): يسجد المستمع والسامع. وقال (ش): إذا لم يقصد؛ هو مخير. لنا: أنه إذا لم يقصد، لم يأثم به، فلا يؤمر باتباعه كما في الصلوات. ولقول عثمان وابن عباس ﵃: إنما السجدة على من جلس لها (١). وقاله جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم. * * *

стр. 1208

(باب في السلام من الصلاة والسلام فرض من فرائض الصلاة، وركن من أركانها، ولا يصح الخروج منها إلا به). ت: لقوله ﵇: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (١). والإجماع على أنه تتم به الصلاة، فيكون تحليلها واجباً قياساً على التحريم. وعينه مالك و (ش). ولم يعينه (ح)، وجوز كل ما يناقض الصلاة من قول أو فعل. لنا: الحديث المتقدم وهو يقتضي حصر التحليل في التسليم؛ لأنَّ المبتدأ محصور في خبره، أو لأنه خرج البيان فلا يكون لها تحليل غيره، ولأنه فعل النبي ﷺ وأصحابه، ولم ينقل عنهم الخروج بغيره. احتجوا بما روي أنه ﵇ قال: إذا رفع الإمام رأسه من السجدة الأخيرة وقعد وأحدث قبل أن يسلم؛ فقد تمت صلاته. ولأن المأموم يقضي قبل السلام، فلو كان من الصلاة لوجبت المتابعة فيه. والجواب للأول: منع الصحة.

стр. 1209

والثاني: أن المتابعة عارضه تفريق صلاة المأموم وهو أولى، ولأنَّ الصلاة مبنية على التعظيم، وقصد الحدث يأباه، ولأن محاسن الشريعة تأباه. فرع: ظاهر المذهب افتقاره لنية التحلل ليتميز بالنية عن غيره من أنواع السلام، كما اشترط في تكبير التحريم ليتميز. وقيل: لا يتميز. وقيل: لا يفتقر كسائر الأركان. ص: (ولفظه: السلام عليكم، لا يجزئ غيره). ت: لا خلاف أن التحليل يقع بهذا اللفظ. وقال (ش): يجوز بالتنوين والتنكير. وهو قول عندنا. قال اللخمي: هي تحية أهل الجنة، قال الله تعالى: ﴿سَلَامُ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ [الزمر: ٧٣]، ﴿سَلَامُ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤] (١). وظاهر قول مالك إذا قاله الإمام؛ أن صلاته باطلة. وقال ابن شبلون: يجزئه؛ لأنَّ المعنى متقارب. قال مالك في المبسوط: يستحب لمن أراد أن يسلم أن يقول: السلام عليك

стр. 1210

أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم؛ لأن عائشة وابن عمر ﵃ كانا يقولان ذلك (١). ص: (وفرضه تسليمة واحدة على الإمام، والمنفرد يسلم بها تلقاء وجهه، ويتيامن بها قليلاً). ت: الكلام في ثلاثة مواضع: في عدده، وهيئته، ولفظه. المشهور أنه يسلم واحدة. وعن مالك: يسلم الفذ تسليمتين، عن يمينه، ويساره، وبه كان يأخذ في خاصة نفسه، وعلى هذا يسلم الإمام تسليمتين. وعنه: إن كان على يساره أحد؛ سلم تسليمتين، وإلا فواحدة تلقاء وجهه. وقال (ش) في القديم: إن اتسع الناس وكثر اللغط حول المسجد؛ فبتسليمتين، وإلا فواحدة، وبالتسليمتين قال الأئمة. واختلف في الثانية بالوجوب والندب: فقال ابن حنبل: بوجوبها. و (ح) و (ش): بندبها. واختلاف العلماء لاختلاف الأحاديث.

стр. 1211

وعمل المدينة على تسليمة تلقاء الوجه، ويتيامن قليلاً. وفي «الترمذي»: كان رسول الله ﷺ يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه، يميل إلى الشق الأيمن شيئاً (١). وقياساً على الإحرام. قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن تسليمة واحدة تجزئه (٢). وذكر أبو عمر في الاستذكار: أن أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وجماعة من الصحابة؛ لم يسلموا إلا بواحدة (٣). قال الأبهري: وما روي عن ابن مسعود وغيره من الصحابة: أنه كان يسلم اثنتين؛ فلأنه قد يجوز أن النبي ﵇ فعل ذلك في وقت، وترك. وترجيح ما قلناه بالعمل. وإذا قلنا يسلم الإمام تسليمتين: قال مالك: لا يقوم المأموم حتى يسلمهما الإمام (٤). قال ابن وهب: إن قام بعد الأولى؛ أساء ولم يعد. وقال الليث: يقوم بعد الأولى قبل الثانية.

стр. 1212

قال سند: على قول مالك لا يسلم المأموم إلا بعد الثانية وإن سلم بعد الأولى؛ أجزأه. قال مالك: ولا يؤخر السلام بعد سلام الإمام لدعاء أو غيره، بل يسلم بتسليمه كما يكبر بتكبيره. واختلف هل الانحراف شرط أو مستحب؟ ينبني على من سلّم عن يساره ابتداءً، ثم تكلم قبل الأخرى. قال ابن القرطي: صلاته باطلة؛ لأنَّ القضاء بعد الفراغ. وقال مطرف: تامة؛ لقوله ﵇: تحليلها التسليم، فعله سهواً، أو عمداً، إماماً أو فذاً؛ لأنه إنما ترك التيامن. قال اللخمي: إن قصد الخروج لم تبطل، أو الفصل ليعود فيسلم وطال؛ بطلت، أو سهواً يظن أنه سلم الأولى ويرى أن الثانية تخرج من الصلاة؛ لم تبطل، أو فضيلة فطال الأمر؛ بطلت. وأما لفظه: فـ (السلام عليكم)، قاله مالك (١). وقال (ح) و (ش): (السلام عليكم ورحمة الله) مرة عن يمينه، وأخرى عن يساره، كان مأموماً أو غيره. لنا: قول عائشة ﵂: كان ﵇ قول مرة واحدة (السلام عليكم)، ولقوله ﵇: صلوا كما رأيتموني أصلي (٢)، والأمر للوجوب.

стр. 1213

ص: (ويستحب للمأموم أن يسلم ثلاثاً؛ اثنتين عن يمينه وشماله، والثالثة أن يردها على إمامه، واللفظ في ذلك كله سواء (السلام عليكم)). ت: اختلف في ثلاثة مواضع: هل يبدأ بيمينه أو الإمام؟ وإذا قلنا بيمينه؛ فهل يثني بيساره أم بالإمام؟ وإذا بدأ بالإمام؛ فهل يسلم عن يساره إن كان أحد أم لا؟ فقال مالك: يسلم أولاً عن يمينه (١). وقال الليث: على الإمام. لنا: ما في أبي داود: قال رسول الله ﷺ : سلموا على اليمين، ثم سلموا على قارئكم (٢). وفي الموطأ: أنَّ ابن عمر كان يفعله (٣). والمعروف من قول مالك البداية باليمين، ثم الإمام. وعنه: يساره ثم الإمام (٤)؛ لأنَّ جواب التحية واجب، والإمام قد انقطع [اتصال] (٥) تحيته بسلام المأموم، فيبقى متصلاً بتحية المأموم؛ لقوله تعالى:

стр. 1214

﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]. قال المازري: وحكى عبد الوهاب: التخيير لتقابل الأدلة. قال الأبهري: قال مالك: إن ترك الرد فلا شيء عليه؛ لأنَّ غيره من المأمومين قد رد، والواحد كاف في رد السلام، ولأنه ليس متفق على أن الرد على الإمام سنة، ولا أن فيه حديثاً ثابتاً عن الصحابة بخلاف المسلم. وإذا قضى المسبوق روى ابن القاسم عن مالك: لا يرد على الإمام لطول الفصل، ثم أحب إليَّ أن يرد، وأخذ به ابن القاسم (١)؛ لأنه صار من سنة صلاة المأموم. قال اللخمي: إن كان الإمام لم ينصرف ولا من على يساره؛ ردَّ عليهما (٢). فرع: إن رد المأموم قبل أن يسلم لنفسه: قال ابن حبيب: يسجد بعد السلام، ولو تكلم حينئذ؛ أبطل صلاته، بخلاف بعد سلامه لنفسه (٣). وإذا قلنا: يسلم على يساره؛ فالظاهر يؤخره حتى يسلم من على يساره، ومن أخر سلامه لم ينتظر؛ لأنه لا بد منه. فإن لم يكن على يساره أحد:

стр. 1215

قال مالك: لا يسلم كالمنفرد. قال سند: وعلى قوله: يسلم المنفرد اثنتين؛ يسلم المأموم اثنتين، كان أحد أم لا. فإن كان على يساره مسبوق: قال سند: يحتمل عدم الرد لتأخير سلامه، ويحتمل الرد؛ لأنه لا بد منه. فرع: قال مالك: يسمع المأموم نفسه ومن يليه، ولا يجهر السلام جداً (١). قال المازري: يخفي تسليمة الرد على يساره؛ لأنَّ التسليمة الأولى تستدعى الرد؛ فيجهر بها، والرد لا يستدعي رداً فيسر (٢). فرع: ذكر القاضي عبد الوهاب في تسليم الإمام من سجود السهو روايتان: يجهر كتسليم الصلاة، وهو المعروف من قول مالك؛ ليقتدي به. والأخرى: يخفيه كصلاة الجنازة (٣). قال مالك: ولا يحذف سلامه وتكبيره حتى لا يفهم، ولا يطيل جداً (٤). قال في الواضحة: يحذف الإمام سلامه، ولا يمده (٥).

стр. 1216

وفي أبي داود والترمذي» قال رسول الله ﷺ : حذف السلام سنة (١). قال «الترمذي»: حديث [حسن] (٢) صحيح. قال ابن المبارك معناه: لا يمد مداً. وكان عمر بن عبد العزيز يحذف سلامه ويخفيه. وفائدته: أن يقع سلام المأموم بعد كمال سلام الإمام، ولا يحذفه جداً حتى لا يفهم عنه، ولا يطيل؛ لئلا يسبقه المأموم فتبطل صلاته. ص: (ومن ترك السلام ناسياً حتى قام؛ رجع إن كان [قريباً] (٣) فأتم صلاته، وإن تباعد؛ أعاد صلاته). ت: يرجع؛ لأنه عمل يسير سهواً، والتباعد يبطل الصلاة لذهاب موالاتها، ولأن العمل الكثير يبطلها، وكذلك إذا انتقض وضوءه من قرب أو بعد. قال مالك: إذا انصرف فذكر عن قرب؛ جلس مستقبل القبلة، وكبر وتشهد وسلم وسجد لسهوه، وان تباعد؛ أعاد صلاته. وقال ابن حبيب: إن ذكر عن قرب ولم يبرح؛ استقبل القبلة بغير تكبير، ثم سلم، ولا يتشهد، ثم يسجد لسهوه بعد سلامه. وإن قرب وقام من مجلسه؛ كبر ثم جلس وتشهد وسلم وسجد بعد سلامه لسهوه، وإن تباعد أو أحدث؛ ابتدأ (٤).

стр. 1217

قال أبو محمد وابن شبلون: كل امرئ يرجع بحرام، فرجع بغير إحرام؛ لم تبطل صلاته. قال المازري: إذا قلنا يرجع بتكبير على المشهور اختلف؛ هل يوقعه قائماً؟ أو بعد أن يجلس؟ وسبب الخلاف أن الناسي هل نوى بانصرافه الخروج من الصلاة فلا يخرج عندنا؛ لأنه لا يخرج إلا بالسلام؟ (ح): يرى الخروج منها بالمضاد، فإن راعينا خلافه افتقرنا في رجوعه إلى تكبير (١). ص: (وإن أحدث بعد التشهد، وقبل السلام؛ أعاد الصلاة). ت: وقاله (ش). وقال (ح): يجزئه. وحكاه الباجي عن ابن القاسم: أن صلاته كاملة (٢). لنا: أنه أحدث قبل كمالها فهو في بعضها بغير طهارة فلا تصح. قال بعض أصحابنا وقول ابن القاسم يحتمل وجهين: * أحدهما: أن الإمام إذا تعمد فساد الصلاة لم تفسد صلاة المأموم بذلك. * وثانيها: أن يكون حدثه غلبة فلا يضرهم ذلك، كما لو قام بعد ما

стр. 1218

أحدث، فيسلمون وتجزئهم، فلا عبرة بسلامه بعد حدثه. ص: (وإن أحدث المأموم بعد التسليمة الأولى؛ فلا شيء عليه). ت متفق عليه بين أرباب المذاهب، ولم يشترط أحد تسليمتين؛ إلا ابن حنبل، وقد خرج بالأولى من الصلاة فلا يضره الحدث. ص: (ويستحب للإمام إذا فرغ من صلاته أن يقوم من مجلسه إذا كان في مسجد جماعة أو عشيرة، فإن كان في رحله في السفر أو في أهله في الحضر؛ فلا بأس بجلوسه، والقيام أحبُّ إلينا). ت: لما في مسلم: أن النبي ﷺ كان إذا سلم من الصلاة لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام (١). وقال ابن مسعود يجلس على الرضف خير له من ذلك. والرضف: الحجارة المحماة. وكان الصديق ﵁ إذا سلم كأنه على الرضف حتى يقوم. وقال عمر بن الخطاب ﵁: جلوسه بدعة. وقال ابن شهاب: هي السنة. أما في السفر وأهله ونحو ذلك: قال مالك: هو بالخيار (٢).

стр. 1219

واختلف في التعليل؛ لئلا يغترَّ به الداخل، فيظنه في الصلاة فيحرم معه، أو لأنَّ تقدمه ولاية، فإذا انقضت لا يديمها بعد عدم سببها. وبه يقع الفرق بينه وبين المسافر، ومن هو وحده، أو ليراه من لم يسمع تسليمه فسلم، قاله ابن بشير (١)، فعلى هذا لو تزحزح بحيث يبصره غيره؛ أجزأه. قال الأبهري: قيل: معنى قول مالك: إذا كانت الصلاة يتنفل بعدها؛ ينصرف يتنفل، وإلا فله الجلوس. وقد روي أنه ﵇ كان يقبل بوجهه على الناس إذا صلى الصبح. وإذا سلم المصلى أقبل على الذكر والدعاء والتسبيح؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨]. قيل: إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء، وارغب إلى ربك فسأله الإجابة. وفي الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال: تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر (٢).

стр. 1220

كتاب الزكاة (والزكاة مفروضة في الأموال النامية العين والحرث والماشية). ت: أصل وجوبها: الكتاب، والسنة، والإجماع. فالكتاب: قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية [التوبة: ١٠٣] (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. قال اللخمي: فلم يرفع القتل والقتال [إلا بأداء الزكاة] (٢)، ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ١١]، وقال تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] (٣). وفي الموطأ: سئل عبد الله بن عمر: عن الكنز ما هو؟ فقال: المال الذي لا تؤدى منه الزكاة (٤).

стр. 1221

وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ في معناه: لا ينفقون ما وجب إنفاقه منها. وقيل: الضمير عائد على الزكاة، وإن لم يتقدم لها ذكر. وقيل: يعود على الفضة، والذهب داخل فيها بالمعنى. وقيل: لما كان مقصودها واحداً؛ جاز رجوع الضمير إليهما بلفظ واحد، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، ولم يقل: يرضوهما لما كان رضا أحدهما رضا للآخر. وقيل: يعود على الكنوز. والمراد بالإنفاق إخراج الزكاة. وفي الصحيحين: قال رسول الله ﷺ : بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان (١). وفيهما أيضاً: قال رسول الله ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال: ادعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم (٢). وانعقد الإجماع على وجوبها (٣).

стр. 1222

فيقع البحث على الشيء الواجب فيه، والنصاب، والقدر الذي يؤخذ، والوقت الذي تجب فيه، والمخاطب بها، ومصرفها. فالجنس: العين، والحرث، والماشية. فالعين: الذهب والفضة. والحرث: الطعام المقتات الذي هو أصل العيش. والماشية: الإبل، والبقر، والغنم (١). والنصاب من الفضة: خمسة أواق. ومن الذهب: عشرون ديناراً (٢)، ومن الحبوب: خمسة أوسق، ومن الماشية سيأتي إن شاء الله. والمأخوذ من نصاب الورق؛ خمسة دراهم، ومن نصاب الذهب؛ نصف دينار، ومن الحرث العشر، أو نصفه. والوقت: مرور الحول في العين، وإخراج النصاب من المعدن، ومجيء الساعي بعد الحول في الماشية، وبدو الصلاح في الثمار والزرع. والمخاطب: الحر، المسلم. ومصرفها يأتي إن شاء الله. وشروط وجوبها أربعة: الإسلام، والحرية، والنصاب، والحول في العين،

стр. 1223

ومجيء الساعي في الماشية، وفي الحرث يوم حصاده (١). أما الإسلام: فلأنَّ الكافر غير مخاطب بالفروع. والحرية: لأنَّ ملك العبد [مزلزل] (٢) لتوقع الانتزاع. والنصاب: لقوله ﵇: ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة (٣) (٤)، قال: في العشرين ديناراً نصف دينار (٥). والحول: لقوله ﵇: لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول (٦) (٧). وسميت زكاة؛ لأنَّ الخروج يوجب النماء والبركة في المخرج منه (٨). والزكاة: النماء والزيادة (٩). وقيل: لأنها تزكو عند الله تعالى (١٠)، وفي الحديث: فيربيها كما يُربي أحدكم فلوه، أو فصيله، حتى تكون أعظم من الجبل (١١). وقيل: لأنها تؤخذ من الأموال (١٢).

стр. 1224

وقيل: لأنها تأخذ من الأموال النامية (١). أو لأن فاعلها يزكو بفعلها، قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] (٢). ولها أسماء: الزكاة، والنفقة، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤]. والصدقة؛ لأن صاحبها مصدق بوجوبها، أو يصدق إيمانه؛ لأنها على خلاف الجبلة. وعفواً؛ لقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وحقاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] (٣). ص: (ولا زكاة في أقل من مائتي درهم من الورق، فإذا بلغت مائتي درهم؛ ففيها خمسة دراهم (٤)، ولا زكاة في أقل من عشرين ديناراً من الذهب، فإذا بلغت عشرين ديناراً من الذهب؛ ففيها نصف دينار، وما زاد على النصاب فبحساب ذلك، قل أو كثر (٥)). ت في مسلم: قال رسول الله ﷺ : ليس فيما دون خمس أواق صدقة (٦).

стр. 1225

زاد البخاري: من الورق (١). وفي أبي داود: قال ﵇: إذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، ولا شيء عليك - يعني في الذهب - حتى تكون لك عشرون ديناراً، فإذا كانت لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول ففيها نصف دينار (٢). قال المازري: الإجماع في الورق. والجمهور على ما تقدم في الذهب (٣). وقال عطاء والزهري وغيرهما: من ملك ما يبلغ قيمته مائتي درهم وجبت فيه الزكاة، وإن قل عدده عن العشرين. قال اللخمي: وما لم يبلغ قيمته نصاب [الفضة] (٤) لم تجب فيه زكاة وإن زاد عدده على عشرين ديناراً (٥). وسبب الخلاف القدح في حديث الذهب عندهم فألحقوه بالفضة، واعتبرنا نحن العمل بالمدينة، وقاله (ش). وعن الحسن البصري: نصابه أربعون ديناراً في إحدى الروايتين. وانعقد الإجماع على خلافه (٦).

стр. 1226

قال مالك: أوقية الفضة: أربعون درهماً (١). ويدل عليه الحديث السابق. وفي حديث مسلم قالت عائشة ﵂: كان صداق رسول الله ﷺ لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشا، قالت: أتدري ما النَّش؟ قلت: لا، قالت: نصف أوقية، قالت: فتلك خمسمائة درهم (٢). قال مالك: ليس لأوقية الذهب وزن يُعلم (٣). وقال أشهب: أربعة دنانير (٤)، فجعل الدينار عشرة دراهم. والدينار: درهم وثلاثة أسباع درهم، والعشرة [دراهم] (٥): سبعة دنانير (٦). قال اللخمي: متفق عليه (٧). ويؤخذ من الزائد على نصابه؛ لما في أبي داود: قال رسول الله ﷺ : قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهماً درهماً، وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم، فما زاد فبحساب ذلك، - شك الراوي - أهو من قول علي أم يرفعها إلى النبي ﷺ (٨).

стр. 1227

وقياساً على ما وجبت فيه الزكاة من جنسها، وعلى الزيادة في نصاب الحرث فقد اتفق عليه، وقاله (ش). وقال (ح)، والحسن، والزهري، وغيرهم لا يزكي حتى يبلغ أربعين درهماً (١). والفرق بين الماشية والعين إمكان التوزيع، وإيجاب الكسر من الماشية يشق ويوقع الشركة والضرر. ص: (ومن كانت معه عشرون ديناراً من الذهب، أو مائتا درهم ناقصة، وهي تجوز بجواز الوازنة؛ فالزكاة فيها واجبة). ت: لأن الغرض يحصل بها كالوازنة (٢). وقيل: لا زكاة فيها لنقصانها عن المحدود في السنة. وقيل: إن كان النقص يسيراً زكيت، وإلا فلا (٣). ومنشأ الخلاف: النظر إلى لفظ الأحاديث أو المقاصد، فإن الغني بالنصاب لا يصير غير غني بنقصان الحبتين. قال ابن القصار: معنى (تجوز بجواز الوازنة)؛ أي: تنقص في ميزان دون آخر، فإن نقصت في الجميع؛ لم تزك، وفي الأولى يحقق النصاب في ميزان

стр. 1228

معتبر؛ فتجب الزكاة (١). وقيل: أن ينقص الحبة والفلس ولو في كل الموازين احتياطاً للزكاة، ولا يخل مثل هذا بالغني. قال القاضي عبد الوهاب: إنما زاد مالك الحبتين وما عادة الناس فيه المسامحة (٢). قال الباجي: وعليه جمهور أصحابنا. قال: وحمل العراقيون قول مالك على الدراهم والدنانير الموزونة. قال: والأظهر عندي أنه في المعدودة كالفرادى، ينقص بعضها اليسير، وتجري مجرى الوازنة (٣). قال ابن المواز: إذا نقص كل مثقال ثلاث حبات وهي تجوز بجواز الوازنة؛ زكيت (٤)؛ لحصول المنفعة المقصودة. والوزن لا يراد لعينه بل للمنفعة كما قالوا: لا يجوز التفاضل في خبز الحنطة والأرز؛ لاتفاقهما في الاسم، وتقارب المنفعة مع اختلاف الأصول فهذا أولى لاتفاق الأصل. قال ابن رشد: وقيل: تجب الزكاة إذا كان يسيراً، وإن لم تجز بجواز الوازنة.

стр. 1229

وقال ابن لبابة: لا تجب، وإن جازت بجواز الوازنة (١). قال (ح) و (ش): إن نقص النصاب حبة لم تجب الزكاة. لنا: أن الحديث لم يقتض أنها مائة درهم في جميع الموازين، وقد ثبت كونها كذلك في بعضها، والمثبت مقدم على غيره كالبينات، ولو شهد أن قيمته في السرقة ثلاثة دراهم، وشهد آخرون أن قيمته درهمان؛ قطع. قال ابن بشير: إن نقصت في العدد لا خلاف في عدم وجوب الزكاة، وإن نقصت في الصفة يكون معدنها رديئاً، وغش من أصل الخلقة، واصطلح الناس على التعامل به ولا يرجعون عليه؛ فيقتضي المذهب أنها كالكاملة، وإن كان بإضافة غش إليه يسير جداً؛ لم يراعه به فكالأولى، أو كثير؛ فكالمشهور يحتسب بما فيه من الخالص، ويلغى الغش. وقيل: يجعل الأقل تبعاً للأكثر خالصاً وغشاً وهو على الخلاف في الأتباع هل تعطى حكم متبوعاتها أو حكم نفسها؟ (٢). قلت: الدرهم الشرعي: سبعة وخمسون حبة وستة أعشار حبة وعشر عشر حبة حب الشعير الوسط (٣) والرطل: مائة وثمانية وعشرون درهماً؛ قاله في الجواهر (٤). ودرهم مصر: أربعة وستون حبة (٥).

стр. 1230

ودرهم المغرب: اثنان وثلاثون حبة. والدراهم تختلف في الأقاليم، وكذلك الأرطال، فيحتاج الفقيه في الفتيا لتحرير ذلك. فإذا قيل له في أقل من مائتي درهم لا يقول الزكاة فيها، فإن الدرهم قد يكون أكبر من الدرهم الشرعي؛ فتجب الزكاة. وإذا قيل له عن مائة درهم لا يقول فيها الزكاة، فإن الدرهم قد يكون أنقص، فلا بد من حساب ذلك. ومن أطلق أخرق الإجماع، وكذلك الأوسق فإنها بالأرطال، وفيه بحث كثير ذكرته في الذخيرة. ص: (وتبر الذهب والفضة بمنزلة المضروب منها). ت: لقوله ﵇: في الرقة ربع العشر (١)، فعم. فإن كان المال نوعاً واحداً؛ أخذ منه، أو أنواعاً، أخذ من كل صنف بقدره. قال في الموازية له أن يقطع من الذهب أو الفضة قطعة، ولا يقطع من الدنانير (٢)؛ لأنه يفسد السكة، ويخرج من جنس ذلك من غير عينه، ولا يخرج من الجيد رديئاً، والظاهر أنه لا يجزئ، كشاة معيبة عن صحيحة.
следующие страницы →