الخلطة أو الفرقة، وكذلك إذا افترقا في أقل من شهر؛ قاله ابن القاسم.
ص: (وإذا كان لأحد الخليطين نصاب وللآخر دون النصاب؛ فلا زكاة على من نقص ملكه عن النصاب، ولا تأثير للخلطة في ذلك، فإن أخذ الساعي الزكاة من مالك دون النصاب؛ ردها عليه صاحب النصاب، وإن كان لكل واحد منهما دون النصاب؛ فإذا ضم مال أحدهما إلى الآخر كان نصاباً، فلا زكاة على كل واحد منهما، ولا يلفق النصاب في الزكاة من أملاك عدة، وإنما تؤثر الخلطة بعد حصول النصاب في ملك كل واحد من أرباب الماشية).
ت: قال (ش): لا يعتبر النصاب في ملك كل واحد.
لنا: ما جاء في كتاب الصدقة الذي كتب أبو بكر الصديق ﵁ لأنس بن مالك وفيه: وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، فإن لم تبلغ ماشية الرجل أربعين فليس فيها شيء (١).
وظاهره الخليط؛ لأنَّ السياق فيه، ولأنَّ الزكاة إنما تجب على الغني، ومن لم يملك نصاباً ليس بغني شرعاً، ولأنه لا تجب عليه منفرداً فلا تجب في الخلطة كالعبد والذمي.
قال الباجي: رد الشاة على ناقص الملك قول أصحابنا؛ لأنه لم يدخل ضرراً.
قال: ويحتمل أن يقال: إنه إذا بين أنه إنما أخذها ليتراجعان فيها أن يتراجعا؛ لأنه حكم حاكم مسند لقول قائل لا ينقض (٢).
стр. 1332
ص: (وإن كان لكل واحد من الخليطين نصاب، وكان لأحدهما أكثر من مال الآخر؛ زكيا ماشيتهما زكاة المالك الواحد، ثم ترادا الزكاة بينهما على عدد أموالهما، مثل أن يكون لأحدهما أربعون من الغنم وللآخر خمسون، فيكون عليهما جميعاً شاة واحدة، وتكون بينهما على تسعة أجزاء، على صاحب الخمسين منها خمسة أجزاء، وعلى صاحب الأربعين أربعة أجزاء، فمن أيهما أخذت؛ رد عليه الآخر قسطه منها.
وكذلك إن كان لأحدهما أربعون من الغنم، وللآخر ثمانون؛ فعليهما شاة واحدة، على صاحب الأربعين ثلثها، وعلى صاحب الثمانين ثلثاها).
ت: الشاة على تسعة أجزاء بناء على أن الوقص يزكى وهو الذي رجع إليه مالك (١)، وعلى الآخر تكون الشاة بينهما نصفين؛ لأن العشرة الزائدة وقص لا شيء فيها، وكذلك القول في الثمانين.
فإن اختلط صاحب الخمسين وصاحب الأربعين وصاحب شاة فأخذ الساعي منها شاة:
قال مالك: هي على صاحبي التسعين؛ لأنه لم يضرهما صاحب الواحدة (٢).
قال ابن يونس: فإن كانت الشاة شاة لحم؛ تراجعا قيمة شاة وسط؛ لأنَّ الساعي ظلمه بأخذ الزيادة، أو معيبة لم تجز؛ لم يرجع عليه؛ لأنَّ الزكاة باقية عليهما إذا كانت لا تجزئ بحال كالسخلة.
أما إن كانت من ذوات العوار ورأى الساعي أخذها نظراً؛ أجزأتهما،
стр. 1333
ويتراجعا قيمتها (١).
ص: (وإذا كان لكل واحد منهما أربعون، ولأحدهما أربعون أخرى ولا خليط له فيها؛ ضُمَّت كلها، ووجبت فيها شاة واحدة، على صاحب الأربعين ثلثها، وعلى صاحب الثمانين ثلثاها).
ت: وعلى القول بأن الوقص غير مزكى تكون بينهما نصفين.
وقال سحنون وعبد الملك: لا يثبت حكم الخلطة للمنفردة (٢)، وتجب شاة وسدس، على صاحب الأربعين نصف شاة، وعلى صاحب الثمانين ثلثا شاة (٣)؛ لأنَّ الأربعين المنفردة خالطت أربعين صاحبه، ولم تتصل أربعون صاحبه بجميع الثمانين؛ بل بالأربعين فقط، وهي التي خالطها، فكان في الأربعين نصف شاة؛ نظراً لما يجب في الثمانين ثلثا شاة؛ نظراً لما يجب في مائة وعشرين.
وقيل: شاة ونصف على الثمانين شاة.
والأربعين نصف شاة لسحنون وعبد الملك أيضاً، نقله صاحب الجواهر من غير الأصل.
فلو خالط صاحب الثمانين آخر بالأربعين التي لم يخالط بها:
قال ابن المواز: صاحب الثمانين خليط لهما، وليس أحدهما خليطاً
стр. 1334
لصاحبه، فعلى كل واحد من صاحبيه [ثلاث شياه] (١)(٢)؛ لأنه خالط صاحب الثمانين، وعلى صاحب الثمانين شاة؛ لأنه مخالط لرجلين لهما ثمانون فعليه نصف شاتين.
ص: (وإذا كان لأحدهما خمس من الإبل، وللآخر تسع؛ ففيها روايتان: إحداهما: أن على كل واحد شاة.
والأخرى: أن عليهما جميعاً شاتين ويترادانهما بينهما على قدر الملكين، فيكون على صاحب الخمسة؛ خمسة أجزاء من أربعة عشر جزءاً من قيمة الشاتين، وعلى الآخر تسعة أجزاء، وإلى هذا رجع مالك واستقر قوله عليه.
وإذا كان لأربعة نفر أربعون من الغنم، لكل واحد منهم عشرة؛ فلا زكاة على واحد منهم، فإن أخذ الساعي منهم شاة متأولاً في ذلك قول من يذهب إليه؛ فإنهم يترادون الشاة بينهم على عدد أملاكهم، فيكون على كل واحد منهم ربع قيمتها).
ت: أما الأولى فهي مبنية على أنَّ الوقص مزكى أم لا، وأما الثانية فبناء على حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد ينفذ.
قال اللخمي: إن كان مذهبه أنَّ الزكاة لا تجب ها هنا وهو عالم أنها لأربعة؛ فهي مظلمة لا تراد فيها.
وإن ظن أنها لواحد يتراجعون فيها؛ لاجتماعهم (٣).
стр. 1335
وإن كان مذهبه وجوب الزكاة فيها؛ تراجعوا كما إن ظن أنها لواحد.
فإن أخذ شاتين من أحدهما، فإحداهما مظلمة، ويترادان الأخرى.
فإن كانت إحداهما أفضل تحاصوا في واحدة.
وقيل: قيمة نصف كل واحدة منهما (١).
قال ابن يونس: وهو أعدل؛ إلا أن تكون الدنية لا تجزئ، فيتحاصون في الأفضل؛ إلا أن تكون شاة لحم فيتحاصون في شاة وسط (٢).
قال ابن القاسم: فإن أخذ الشاتين منهما؛ كان نصف كل شاة مظلمة، ويترادان في واحدة (٣).
ص: (وإذا كان لثلاثة نفر ثلاثون من الغنم، لكل واحد عشر منها، فأخذ الساعي شاة منها؛ فهي مظلمة ممن أخذت منه، ولا يرجع بشيء منها على خليطيه.
فإن كان لأحد الخليطين مائة وعشرة، وللآخر إحدى عشرة شاة، فأخذ الساعي منهما شاتين؛ فإنهما يترادانهما على مائة وإحدى وعشرين جزءاً، فيكون على صاحب الإحدى عشر أحد عشر جزءاً، وعلى الآخر الباقي).
ت: إنما أخذ بعضها من صاحب الإحدى عشرة؛ أنه أدخل مضرة على الآخر، ولولاه لم تؤخذ غير شاة.
стр. 1336
قال ابن سحنون: أخذ الشاتين من غنمهما أو أحدهما (١).
وقال ابن عبد الحكم: على صاحب الكثير شاة، ويتراجعان في الأخرى على مائة وإحدى وعشرين جزءا (٢).
قال اللخمي: [يجري] (٣) فيها قول ثالث أن تكون عليهما نصفين كما إذا شهد أربعة بالزنا واثنان بالإحصان، ثم رجع الجميع:
قيل: الدية عليهم أسداساً.
وقيل نصفين؛ لأن كل فريق منهم يقول لولا أنتم لم يرجم (٤).
ص: (ولا يفرق بين مجتمع؛ خشية الصدقة، وذلك بأن يكون لرجلين من الغنم زيادة على المائتين، فيكون عليهما في الاجتماع ثلاث شياه، فيفرقان غنمهما ليكون عليهما في الافتراق شاتان.
ولا يجمع بين مفترق؛ خشية الصدقة، وذلك أن يكون لثلاثة نفر عشرون ومائة، لكل واحد منهم أربعون، فيكون على كل واحد شاة، فيجمعونها ليصير على كل جميعهم شاة واحدة، فنهي عن الجمع والتفريق الناقصين للزكاة.
وإذا قدم الساعي ووجد الماشية مجتمعة أو مفترقة؛ زكاها على ما يجدها عليه من اجتماع أو افتراق، وقبل قول ربها فيها، فإن اتهمه في الجمع والتفريق
стр. 1337
لنقصان الزكاة؛ استحلفه على ذلك).
ت: قال رسول الله ﷺ : لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة (١).
واختلف هل هو محمول على الوجوب؟ أو الندب؟
فإن فعلا ذلك فراراً؛ زكيا على ما كانا عليه قبل الاجتماع والافتراق.
وعن مالك: إذا باع فراراً إبلاً بعد الحول بذهب؛ زكى الذهب، فعلى هذا محمله على الندب (٢).
قال القاضي عبد الوهاب: إذا خاف الساعي أن يكونا قصدا الفرار، أو اشترى بعض الماشية حملاً على الظاهر من الصدق، وعليه مضى السعاة، ومتى كان ظاهره الديانة والصدق، ولم تتقدم له خيانة في معاملة؛ فليس له استحلافه، أو معروفاً بخلاف ذلك؛ فله استحلافه، فقد يظهر عند اليمين ما كتم؛ لأنه حق لأدمي، وحق الأدمي يحلف فيه (٣).
ص: (ولا بأس بالجمع والتفريق، إذا لم يقصد به نقصان الصدقة، وقصد به أمراً آخر من أبواب المصلحة، ولا تأثير للخلطة في غير الماشية من أموال الصدقة، مثل الذهب والورق والزرع والثمار، ولا يلفق النصاب في ذلك من أموال عدة، ويراعى النصاب في كل ملك على حدة).
стр. 1338
ت: يفهم النهي خشية الصدقة جوازه إذا لم يقصد ذلك، ولا رفق في غير الماشية، فلا تؤثر خلطة فيه.
ص: (وتجب الزكاة في الإبل العوامل والبقر العوامل، ولا فرق بينها وبين الهوامل، وكذلك الغنم المعلوفة، وهي في ذلك بمنزلة الراعية).
ت: قال (ح) و (ش): إنما الزكاة في السائمة؛ لقوله ﵇: في سائمة الغنم الزكاة (١).
لنا: قوله ﵇: ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة، فإذا بلغت خمساً ففيها شاة (٢).
وقوله ﵇: في كل ثلاثين من البقر تبيع، وليس فيما دون أربعين من الغنم صدقة، فإذا بلغت أربعين ففيها شاة (٣)، فعم المعلوفة، ولأنَّ الزكاة إنما تعلقت بالنماء، والعوامل قائمة بدرها ونسلها، وانضم إلى ذلك منفعة ظهرها.
وجواب حديثهم: إنما يدل بمفهومه وهو غالب؛ لأنَّ السؤم غالب على أغنام الحجاز وغيرها، والمفهوم متى خرج مخرج الغالب لا يدل إجماعاً.
ص: (ولا زكاة في الخيل، ذكورها وإناثها، وهي بمنزلة البغال والحمير. ولا يجوز إخراج القيمة في الزكاة، فإن أخذ الساعي من رب الماشية سناً
стр. 1339
دون سن وجب عليه، وأخذ منه ذهباً أو ورقاً عوضاً عن ذلك، أجزأه، وأخذ الساعي لذلك كحكم الحاكم في مسائل الاجتهاد، لا ينقض ولا يرد).
ت: ووافقنا (ش) في الخيل.
وقال (ح): يجب إما دينار من كل فرس، أو يقومها ربها ويعطي ربع عشر قيمتها.
لنا: ما رواه مالك: قال ﵇: ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة (١).
وقوله ﵇: عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق (٢).
ووافقنا (ش) في القيمة.
وقال (ح): تجوز (٣).
لنا: قوله ﵇: ففيها بنت مخاض، فإن لم تكن فابن لبون ذكر (٤)، فنقله
لابن اللبون، ولم يتعرض للقيمة.
وقياساً على الرقبة في الكفارة بجامع الظهرة.
وجوز مالك إعطاء [دونها دراهم] (٥)، وأجود، وأخذ دراهم، وقال: لا بأس به (٦).
стр. 1340
وقال ابن القاسم وأشهب: لا يفعل، فإن فعل؛ أجزأه (١).
وقال أصبغ: لا يجزئه (٢)؛ إلا أن يرد الفضل إن دفع أجود (٣)، أو البدل إن دفع أدنى.
لمالك ما في البخاري: أن أبا بكر الصديق ﵁ كتب في فريضة الصدقة:
من بلغت صدقته ابنة مخاض وليست عنده، وعنده ابن لبون؛ فإنه يقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين (٤)
ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة، وعنده حقة، فإن الحقة تقبل منه، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهماً (٥).
ولأنه اشترى ما عليه بما دفع من الدراهم، ومن الناس من لا يرى بشراء الصدقة بأساً.
ورأى ابن القاسم الخروج من الخلاف أولى.
* * *
стр. 1341
(باب زكاة الحبوب والثمار
وتجب الزكاة في ثلاثة أنواع من الثمار، وهي: التمر، والزبيب، والزيتون.
وتجب الزكاة في الحبوب المأكولة المدخرة كلها، وهي: الحنطة، والشعير، والأرز، والذرة، والدخن، والحمص، واللوبياء، والعدس، والباقلاء، والترمس، والجلبان، والبسيلة، والجلجلان، والماشر، وحب الفجل، وما أشبه ذلك).
ت: تجب الزكاة في الحبوب بالكتاب، والسنة، والإجماع.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].
وفي الصحيحين: قال ﵇: فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلاً العشر، وفيما سقي بالسواني والنضح نصف العشر (١).
ولا خلاف في ذلك، وإنما خالف (ح) في قليل الزبيب؛ فلم يشترط النصاب (٢).
وخالف (ش) في الجديد في الزيتون فقال: لا زكاة فيه.
لنا: قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، والظاهر عائد على الجميع.
стр. 1342
وقوله ﵇: فيما سقت السماء العشر (١)، فعم.
وإنما لم يأت أثر في الزيتون؛ لأنه لم يكن بالمدينة بل بالشام، وكان لم يفتح بعد، ولما فتحه عمر ﵁ أمر بأخذ الزكاة منه بحضرة الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يخالف أحد منهم (٢).
وعن مالك: ما كان من الحبوب يؤكل ويدخر ويخبز؛ ففيه الزكاة (٣).
وقال في مختصر ابن عبد الحكم: كل حب يأكله الناس ويدخر؛ ففيه الزكاة (٤).
قال ابن أبي زيد: إذا كان أصلاً للعيش (٥).
قال اللخمي: ورد الحديث في التمر، وهو أصل القوت وغالبه في المدينة، وأتى الحديث في الحب غير مفسر، فردَّه مالك مرة إلى غالب العيش قياساً على التمر، وإنما يكون ذلك فيما يخبز.
وعلى هذا لا تجب في القطنية؛ لأنها لا تخبز؛ إلا في الشدائد.
وقد قال جماعة: لا زكاة فيها.
وجه الأخرى: أنها تراد للقوت، وإن كان غيرها؛ يراد أكثر (٦).
стр. 1343
ص: (ولا تجب الزكاة في حب القرطم، ولا بزر الكتان، ولا ما أشبههما).
ت: اختلف فيما يراد لزيته، وفي خمسة: الزيتون، وحب القرطم، وبزر الكتان، والجلجلان، وحب الفجل.
قال مالك مرة: لا يزكى حب القرطم وبذر الكتان، وأخذ به سحنون (١)؛ لأنهما ليس مما يعيش به أحد.
وقال مرة: يزكى، وأخذ به أصبغ (٢).
وعن (ش) القولان.
وأما الجلجلان؛ فقال مرة: يزكى إذا بلغ خمسة أوسق؛ للاقتيات بزيته (٣).
قال اللخمي: وهو بالشام واليمن عمدة؛ فيزكى، وأما بالمغرب فلا؛ لأن أصل المذهب اشتراط أن تكون أصلا للعيش (٤).
قال الباجي: لا خلاف في المذهب إذا عصر الجلجلان وحب الفجل؛ أن عليه أن يخرج من زيتهما، وإن لم يعصرهما فهل يخرج من الحب أو يكون عليه العسر؟
قولان لمالك (٥).
قال سند: هذا ليس باختلاف بحيث قال: من حبه، فعند من لا يحسن عصره.
стр. 1344
كأهل المغرب فهذا عندهم كالزيتون الذي لا زيت له، فيؤخذ العشر من حبه، أو ثمنه.
وحيث قال عليه العصر؛ حيث كان يقطر يعصر، كما يطالب من باع زيتونه الذي يعصر، أو عنبه الذي يتزبب، أو رطبه الذي يتمر؛ فزيت أو زبيب.
ص: (والنصاب في الثمار والحبوب خمسة أوسق، والوسق ستون صاعاً (١)، وهي ثلاثمائة صاع.
والصاع خمسة أرطال وثلث.
والوسق (٢): ثلاثمائة وعشرون رطلاً، فمبلغ النصاب وزناً ألف رطل وستمائة رطل بالبغدادي).
ت اشترط الجمهور النصاب.
وقال (ح): يجب في القليل والكثير.
لنا ما خرجه مالك أن رسول الله ﷺ قال: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، وفي رواية: من التمر، متفق على صحته (٣).
والصاع: أربعة أمداد، بمد النبي ﷺ .
قال عبد الوهاب: وهو ألف ومئتا مد، وخمسون وقية، وثمانية أرادب وثلث.
стр. 1345
قال ابن القاسم في المجموعة: عشرة أرادب (١).
قال سند: لعله يريد بالإبراهيمي.
قال سحنون: هو ستة أقفزة وربع بإفريقية (٢).
وأما الوزن فالمد رطل وثلث بالبغدادي.
والرطل: مائة وثلاثون درهماً [بالصنجة] (٣) التي زنة العشرة منها سبعة مثاقيل بالإسكندراني، فهو بالبغدادي ألف وستمائة رطل، وبالجروي سبعة قناطير إلا ثلث، وبالمصري أربعة عشر قنطاراً وثلث.
وذلك نقل المدينة خلفاً عن سلف، ولذلك رجع أبو يوسف لقول مالك عن قول (ح) لما ناظره بحضرة الرشيد، واستحضر أهل الأسواق فكلهم أخبر بذلك.
قال (ح): الصاع ثمانية أرطال بالبغدادي.
ص: (والجزء الواجب في ذلك معتبر بسقيه، فما سقي سيحاً؛ ففيه العشر.
وما سقي نضحاً؛ ففيه نصف العشر.
وما سقي سيحاً ونضحاً، واستوى سقيه؛ ففيه ثلاثة أرباع العشر.
فإن اختلف سقياه بالسيح والنضج؛ فإنها تتخرّج على روايتين: إحداهما: أنه يجعل الأقل تبعاً للأكثر، والأخرى: أنه يؤخذ من كل واحد منهما بحسابه.
стр. 1346
وقال ابن القاسم: ينظر للذي حيى به الزرع؛ فيكون الحكم له، ويكون الآخر تبع لا حكم له).
ت: أصل ذلك قوله ﵇: فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر (١).
وروي: فيما سقت الأنهار والعيون والسماء العشر، وفيما سقي بالسانية والنضح والغرب نصف العشر (٢).
قال ابن حبيب وأبو داود: البعل هو ما يشرب بعروقه، وزاد ابن حبيب: من غير سقي سماء ولا غيرها (٣).
وأنكر ذلك ابن قتيبة، وقال: هذا لا يعرف.
والسيح: ما سقته السواني (٤)
والسانية: البعير الذي يسنى عليه؛ أي: يسقى.
قال الخطابي: والنضح: السقي بالرشاء، ومنه يسمى البعير ناضحاً إذا كان يستقى به (٥).
والغرب: الدلو الكبير (٦).
стр. 1347
والدالية الجرارة أن تمضي للدابة فيرتفع الماء، فإذا انتهى الدلو إلى فم البئر فرغ.
والزرانيق: السواني التي تدور بالدابة.
فمتى كثرت المؤنة خفّت الزكاة اتفاقاً، وكذلك إذا استوى خفت اتفاقاً، وكان ثلاثة أرباع العشر؛ لأنه ليس أحدهما أولى من الآخر، فإن اختلفت فالخلاف المتقدم.
فوجه القول بأن الأقل تبع كالضأن والمعز إذا اجتمعا يؤخذ من الأكثر.
ووجه الأخذ من كل منهما بحسابه؛ فلأنَّ النص عام، واعتباراً لنصاب الحب إذا اجتمع قمح وشعير بحسابه.
ووجه قول ابن القاسم أن المقصود من الزرع كماله، كالرجل يداين قوماً في سقي من زرع ثم يفلس؛ أنه يبدأ بآخرهم نفقة (١).
قال ابن أبي زمنين: ما سقي بالدلو باليد كما سقي بالسواني والزرانيق (٢).
ص: (والحنطة، والشعير، والسلت صنف واحد، يضم بعضها إلى بعض، ويخرج من كل واحد منهما بحسابه).
ت: قال (ش): لا يضم الشعير إلى القمح.
لنا: القياس على الحنطة مع العلس، والضأن مع المعز، والجواميس والبقر،
стр. 1348
ويخرج من كل بحسابه كالفضة والذهب إذا جمعا.
قال ابن كنانة: العلس صنف من الحنطة يكون باليمن (١).
قال ابن حبيب: هو قول مالك وجميع أصحابه؛ إلا ابن القاسم (٢).
ويؤخذ من هذا أنه لا يضم عند ابن القاسم.
والإشقالية؛ قال أصبغ: حبة مستطيلة مصوفةٌ في طول الشعير، أقرب إلى القمح والسلت من الشعير (٣).
قال ابن كنانة: الإشقالية هي العلس، صنف من الحنطة (٤).
وقال أصبغ: صنف مفرد (٥).
ص: (ولا بأس أن يخرج الأعلى عن الأدنى، ولا يخرج الأدنى عن الأعلى، ولا يخرج بقيمته عن الأكثر من مكيلته).
لأنه من إخراج القيمة في الزكاة.
(والقطاني نوع واحد، يضم بعضها إلى بعض في الزكاة، وهي: الحمص، والباقلاء، والعدس، واللوبيا، والبسيلة، والترمس، وما أشبه ذلك، يخرج من كل بحسابه، كما ذكرنا في الحنطة والشعير).
стр. 1349
ت: قال بوجوب الزكاة في القطنية الأئمة والفقهاء؛ إلا ما خرجه بعض المتأخرين من قول مالك: ما كان يدخر ويؤكل ويخبز؛ أنَّ ما لا يخبز لا زكاة فيه.
وقد نص مالك في غير ما موضع على الزكاة فيها، ولم ينقل عنه قط عدم الزكاة فيها.
وفيها الكتاب، والسنة، والإجماع.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].
وقال ﵇: فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر، وما سقي نضحاً ففيه نصف العشر (١).
ولا خلاف في ذلك.
قال القاضي عبد الوهاب من أصحابنا من خرج رواية من البيوع أنها أصناف (٢).
وقاله (ش)؛ لجواز ربا الفضل فيها.
لنا: عموم النصوص، وتقارب المنافع، واتحاد الاسم وهي القطنية، وهو دليل اشتراكهما في معنى واحد.
قال أشهب: الكرسنة منها (٣).
стр. 1350
وقال ابن حبيب: صنف آخر (١).
قال الباجي: هي البسيلة (٢).
وقال الطرطوشي: الماش: وهو من القطنية، حب صغير يشبه الجلبان.
ص: (ولا تضم حنطة إلى تمر ولا زبيب، ولا أرز إلى عدس، ولا دخن إلى ذرة، ولا نوع من الحبوب إلى نوع غيره؛ سوى ما ذكرناه).
لتباين المنفعة والمقاصد.
(ومن كانت له حبوب من مزارع عدة في بلد واحد، أو بلدان عدة؛ ضُمَّ كل نوع منها إلى صاحبه).
ت: إن خرج من كل واحد من الأصناف التي تضم خمسة أوسق؛ لم يحتج إلى ضمه وإلا ضُمَّ.
قال سند: وإن اختلفت البلدان في الإدراك، فإنَّا نضم مثل أن يكون بعض النخل تمراً، وبعضه رطباً، وبعضها بسراً، وبعضها بلحاً؛ إذا كان الكل صيفياً أو شتوياً؛ لأن العادة تفاوت الطيب، ولا يضم صيفي إلى شتوي.
ص: (وتؤخذ الزكاة من وسط الثمار والحبوب، المضموم بعضها إلى بعض، ولا يؤخذ من أعالي ذلك، ولا من أدانيه، وإن كان جيداً كله؛ أخذ منه، وإن كان رديئاً كله؛ أخذ منه).
стр. 1351
ت: قال مالك: العجوة من الوسط (١)؛ لأن عليه أن يأتي بالوسط اعتباراً بالماشية تعد سخالها ولا يؤخذ منها.
وقال أشهب: يؤخذ من كل صنف بقدره (٢)؛ لأن أصل الزكاة أن تؤخذ من عين المال.
وعن مالك: إن كان جيداً كله أخذ منه.
وعنه: إذا كان كذلك يتبع رب الحائط بالوسط (٣)، كما لا تؤخذ السخال ولا خيار الماشية.
ص: (وتجب الزكاة في الثمار بطيبها وبدو صلاحها، وتجب في الحبوب بيبسها وإفراكها).
ت: قال المغيرة: تجب الزكاة بالخرص (٤)، والخارص كالساعي في الماشية.
وقال ابن مسلمة: بالجذاذ (٥).
فتكون ثلاثة أقوال:
بالطيب لمالك، وبالخرص بالجذاذ، ولا خلاف أنه لو باع بعد الإزهاء
стр. 1352
والخرص رطباً أو عنباً؛ أن الزكاة عليه، ولو تعلق الوجوب بالجذاذ لما لزمه شيء.
قال اللخمي: فائدة الخلاف: إذا مات بعد الطيب، أو بعد الخرص وقبل الجذاذ؛ فمتى مات بعد السبب؛ فلا زكاة على الوارث، بل على الميت، وقبل السبب فالزكاة على الوارث، ويشترط في حصته خمسة أوسق (١).
ص: (ومن باع ثمره بعد بدو صلاحها؛ فزكاتها على بائعها، فإن وجده المصدق مفلساً ووجد الثمرة بيد مشتريها؛ لم يأخذ منه شيئاً، واتبع بذلك بائعها.
وقال أشهب: يأخذ المصدق الزكاة من مشتريها، ثم يرجع بذلك المشتري على بائعها).
ت: ظاهر المذهب: جواز بيعه لنصيب الفقراء.
ونص عليه ابن القاسم (٢).
وقاله (ح)، وبعض الشافعية.
وقال بعضهم: لا ينفذ بيعه في نصيبهم.
لنا: أن له الرفع من غيره فكان تصرفه في المال اختياراً للدفع من غيره.
قال [مالك] (٣): لا بأس ببيع الزرع عند حصاده، ويكون المبتاع أميناً يخبره
стр. 1353
بكيله، ويخرج الزكاة على قوله، فإن كان المبتاع ممن لا يقبل خبره كالفاسق والكافر؛ تحرى الزرع (١).
قال مالك: إن اشترط الزكاة على المبتاع؛ (٢) جاز، وأخذت منه.
قال اللخمي: إذا كان المشتري أميناً يوثق بقوله، وإلا فعليه أن يخرصه (٣).
ولو منع ذلك لما فيه من البيع والسلف؛ لم يبعد، وإنما جاز؛ لأنَّ الظاهر أنه لا يتصرف في العشر، فتبعد التهمة في القرض.
فإذا لم يشترط وتعذر الأخذ منه:
قال ابن القاسم: إذا وجد الطعام بعينه أخذت الزكاة من المبتاع (٤).
قال سند: وينفسخ البيع في ذلك القدر.
ويرجع المبتاع على البائع بقدر ذلك من [التمر] (٥)، كاستحقاق بعضه.
وقال أشهب: لا شيء على المبتاع وإن كان الطعام بيده (٦)؛ لأن البيع كان جائزاً، كالصبي يبيع أبوه عبده، ويأكل ثمنه؛ فلا قيام للصبي فيه.
ورأى في الأولى أن الحق تعلق بعين الثمرة، وإنما يسقط إذا أتى بالبدل؛ ولم يأت به، كالراهن يبيع الرهن ويتعذر أخذ الحق منه.
стр. 1354
ويعضد الثاني بيع العبد الجاني والتزام الجناية، ثم يعجز فلا يرد البيع وتبقى الجناية عليه ديناً.
وما نقله ابن الجلاب عن ابن القاسم وأشهب هو عكس قول كل واحد منهما، والنسخ كلها على هذه؛ إلا أن يكون لابن القاسم قولان، ولأشهب قولان.
ص: (ومن باع ثمرة مع أصلها قبل أن يبدو صلاحها؛ فزكاتها على مشتريها. ومن وهب ثمرة بعد بدو صالحها؛ فزكاتها على واهبها.
فإن وهبها قبل بدو صلاحها؛ فزكاتها على موهوبها.
وإن مات رب الثمرة بعد أن بدا صلاحها، فالزكاة فيها واجبة.
وإن مات قبل بدو صلاحها؛ فلا زكاة فيها؛ إلا أن يكون في حصة كل واحد من الورثة نصاب كامل).
ت: إن باع قبل الصلاح واشترط الزكاة على البائع؛ لم يجز؛ لأنه غرر للجهل بالمقدار.
وقيل: إذا وهبها بعد صلاحها زكاتها منها.
قال اللخمي: وهو أبين إذا كان سقيها على الموهوب له، وإن كان على الواهب فعلى الواهب؛ لأنَّ الهبة تتضمن جميعها كالبيع (١).
وإذا مات قبل بدو الصلاح؛ فالزكاة على الوارث إذا حصل له نصاب لكل واحد منهم؛ لأن السبب إنما تحقق بعد الانتقال إليهم.
стр. 1355
* ص: (ويخرص الكرم والنخل على أربابها إذا بدا صلاحها، ويخلى بينهم وبينها، فإن شاءوا باعوا أو أكلوا، وضمنوا حصة الزكاة، وإن شاءوا تركوا ولم يضمنوا).
ت: كان رسول الله ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود خيبر فيخرص عليهم النخل حين يطيب أوله قبل أن يؤكل منه شيء، ثم يخير اليهود بين أن يأخذوها بذلك الخرص أو يرفعوها إليه.
وعن رسول الله ﷺ أنه أمر أن يخرص العنب، كما تخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيباً، كما تؤخذ زكاة النخل تمراً (١).
وفي الموطأ: قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أنَّ النخل تخرص على أربابها، وثمرها في رؤوسها إذا طاب، وتؤخذ منه صدقته عند الجذاذ، وكذلك العمل في العنب (٢).
وقاله الجمهور.
وقال (ح): هو خطر وقمار فلا يتعلق به حكم.
قال مالك: صورته أن يقال: ينقص هذا العنب إذا تزيب، فإن بلغ خمسة أوسق؛ وإلا فلا، وكذلك النخل (٣).
قال سند: يأتي الخارص للنخلة أو للدالية يحرزها، ثم يحرز ما تنقص.
стр. 1356
فإن كان الحائط جنساً واحد؛ حرز نخله رطباً فما اجتمع من رطبه حرزه تمراً؛ لأنَّ النقص في الجنس واحد.
أو أجناس؛ خرص كل نخلة رطباً، ثم خرصها تمراً؛ لاختلاف الأجناس في الجفاف وكذلك العنب.
واختص بوقت الطيب لا قبل ذلك؛ لأنه وقت الحاجة للتصرف.
فإن لم يجد من يخرصه من أهل المعرفة، وكان يبيعه رطباً كل يوم أو عنباً ولا يعرف خرصه:
قال مالك: يؤدي الزكاة من ثمنه (١).
قال سند: إذا علم أن في جملته نصاباً، فإن شك؛ لم تثبت الزكاة، ويسأل عن قدر ما باع وأكل أهل المعرفة.
ويشترط في الخارص العدالة والمعرفة؛ قاله علي بن زياد، وابن نافع (٢).
قال مالك والجمهور يكفي واحد للحديث المتقدم.
وقال بعض الشافعية: لا بد من اثنين.
ص: (وإن أصاب الثمرة جائحة بعد خرصها؛ فلا ضمان على أربابها فيها.
وإن بقي بعد الجائحة نصاب كامل؛ وجبت الزكاة فيه.
وعنه في تخفيف الخرص وترك العرايا والثنايا روايتان:
стр. 1357
إحداهما: أنه يخفف خرص الثمرة على أربابها، ويترك لهم ما يعرون وما يأكلون.
والرواية الأخرى: أنه يخرص عليهم الثمرة كلها، ولا يترك منها شيء).
ت رأى ابن القاسم في الخرص أنه لم يشرع للضمان بل للضبط وتيسير التصرف، فما أجيح كأنه لم يكن.
وروى أشهب في المجموعة: أنَّ من خرص دالية خمسة أوسق؛ لا شيء عليه فيما يفسد بعد ذلك (١).
ورأى أن بالخرص تعلقت الزكاة، وصار الفقراء شركاء فيما أصيب بعد
ذلك بجائحة أو سرقة على الجميع، وما بقي للفقراء عشره.
وكان رسول الله ﷺ يأمر بالتخفيف للساقطة واللاقطة وما ينال العيال؛ ولأن الطير والمار يتناول.
ووجه المشهور وهو قول مالك: لا يترك للفساد والأكل شيء؛ لأنَّ الزكاة وجبت في الجملة فكان الخرص للجملة، والخارص وكيل فلا يهمل حق موكله.
قال عبد الوهاب: الصواب الترك لما يفسد ويذهب بغير سببهم دون الأكل والعرايا على القول بأن الزكاة تجب بالطيب، وعلى القول بأنها لا تجب إلا بالجذاذ يترك لهم؛ لأنهم الآن لم يجب عليهم شيء (٢).
стр. 1358
* ص: (وإذا زاد الخرص؛ فليس عليهم إخراج الصدقة من زيادته، ولو أخرجوها؛ لكان حسناً، وروى ابن القاسم وغيره أنه قال: تؤدى زكاة ما زاد على ما خرص عليه؛ لقلة إصابة الخراص اليوم، فإن نقص الخرص؛ لم تنقص الزكاة).
ت: قال ابن يونس: قال مالك: إذا خرص أربعة أوسق فجاءت خمساً؛ أحببت أن يزكي، وهو محمول على الإيجاب (١).
وعن مالك: إن خرص عالم؛ فلا شيء عليه؛ لأن الحكم لا ينقض، كحكم الحاكم، أو جاهل زكى الزيادة (٢).
وقال ابن نافع: يزكي؛ خرص عالم أو جاهل (٣)؛ للقطع بالخطأ، ولا يختلف أن الحاكم إذا قطع بخطئه أنه ينقض.
وقال أشهب: إن كان في زمان العدل؛ عمل على الخرص، زاد أو نقص، أو الجور؛ عمل على ما وجد، زاد أو نقص (٤).
والفرق بين الزيادة والنقصان تبيين الخطأ في الزيادة، وفي النقصان يحتمل أنه من أهله.
وإذا قلنا: لا ينظر للخرص:
قال مالك: لا يقبل قول صاحب الثمرة أن الخرص نقص (٥).
стр. 1359
ص: (وما أكل من الزرع بعد إفراكه، ومن القطاني بعد يبسها؛ حسب ذلك على أربابها).
ت: إنما يحسب ما أكل بعد تعلق الزكاة به، وقبل الوجوب لا يلزم.
قال ابن القاسم: لا يحسب ما أكلت الدواب بأفواهها عند الدراس، ويحسب ما علفها منه (١).
قال مالك: لا يحسب ما أكل بلحاً، وليس كالفريك أو الحمص يؤكل، هذا يتحراهما، فإن بلغ خرصهما خمسة أوسق عند اليبس؛ أخرج حباً يابساً من ذلك الصنف، أو من ثمنه (٢)؛ لأنَّ الحبوب إذا انعقدت تعلقت الزكاة بها؛ لأنه بدو صلاحها، والبلح قبل بدو الصلاح؛ لأنه بالحلاوة.
ص: (وما كان من ثمار النخل لا يتمر، ومن العنب لا يزبب، ومن الزيتون لا يعصر؛ أخرجت زكاته من ثمنه.
وما كان من ذلك يبقى ويتناهى فبيع قبل تناهيه؛ ففيه روايتان:
إحداهما: أنه يخرج زكاته من ثمنه.
والأخرى: أنه يخرج من حبه أو دهنه).
ت: قال مالك: ما لا يتمر وما ذكر معه يخرص أن لو كان ذلك فيه ممكناً، فإن وصل نصاب التمر أخرج العشر أو نصفه على قدر السقي، وإن كان الثمن أقل من عشرين ديناراً أو أكثر، وإلا لم يزك.
стр. 1360
فإن كثر ثمنه وهو فائدة؛ يزكي بعد حول من يوم القبض.
واختلف إذا بلغ نصاباً:
فروى ابن القاسم فيه عشر ثمنه (١).
وروى ابن نافع: يشتري زبيباً للزكاة، فإن لم يوجد بالبلد زبيب؛ أخرج من ثمنه (٢).
قال ابن المواز: ليس له إخراج الزبيب بل الثمن.
وقال عبد الملك: يؤخذ من عينه (٣).
فرأى ابن القاسم أنَّ العنب لا يؤخذ في الزكاة بدليل ما يتزبّب، فرجع للثمن أو القيمة.
ورأى مالك ألا يخرج عن الجنس؛ لأنه الأصل.
ورأى ابن المواز أن الواجب تعلق بغير الجنس؛ لتعذر الجنس، فلا يجزئ الجنس، كما لو أعطى عن خمس ذوذ بعيراً.
ورأى عبد الملك أن الوجوب تعلق بالعين لتعذر غيرها.
وإذا قلنا: من ثمنه؛ فذلك إذا باعه، فإن أكله، أدى قيمته.
قال الباجي: وهذه رواية ابن القاسم عن مالك، وظاهرها التقويم يوم الإزهاء،
стр. 1361
فيؤدي الزكاة على تلك القيمة (١).
وإذا كان يبقى ويكمل فبيع قبل تناهيه وكماله:
فمذهب ابن القاسم والجمهور أنه يخرج تمراً أو زبيباً، وقاله أشهب (٢)؛ إلا في الزيتون فخيره بين الزيت وقيمة الزيت؛ لأن الزيت لا يعرف قدره فيرجع للقيمة، والتمر والزبيب عرف قدره.
قال ابن القاسم: إن باع الجلجلان حباً فأخرج من حبه؛ أرجو أن يكون خفيفاً (٣).
قال القاضي عبد الوهاب من أصحابنا من جعل الإخراج من ثمنه رواية من أخرج القيمة في الزكاة (٤).
ص: (ولا زكاة في العنب الجبلي؛ إلا أن يكون محوزاً أو محضراً قبل تناهيه، فتجب الزكاة فيه في المستقبل، بعد حوزه وحضره).
لأن الزكاة فرع الملك.
(ولا زكاة في الحلبة).
لأنها لا تقتات ولا تدخر للعيش.
ولا زكاة في شيء من الفواكه كلها، رطبها ويابسها، ولا في البقول، ولا
стр. 1362
في القصب، ولا في القطن، ولا في الخشب، ولا الأسل ولا الكولان، ولا في العسل، ولا في قصب السكر، ولا في التين والرمان والجوز واللوز والعناب، وما أشبه ذلك).
ت: قال مالك: ما وجد من العنب الجبلي ونحوه في أرض العدو؛ ففيه الخمس إن جعل في الغنائم.
ووافقنا (ش) في الفواكه.
وقال (ح): تجب في جميع الأشجار الجوز واللوز والتين والرمان، ما يبس وما لم ييبس.
قال عبد الوهاب: تجب الزكاة في الثمار ذات الأصول، ما ادخر منها وما لم يدخر.
لنا: قوله ﵇: ليس في الخضراوات صدقة (١).
قال مالك في الموطأ: السنة التي لا اختلاف فيها عندنا أنه ليس في الفواكه صدقة (٢).
وقال (ح) في البقول العشر وما أنبتت الأرض؛ إلا القصب والحطب والحشيش.
لنا: الحديث المتقدم، وإجماع أهل المدينة، ونقلهم الخلف عن السلف مع وجود البقول عندهم، فلو أخذ منها عشر في زمنه ﵇ لنقل.
وأما القطن ونحوه؛ فلأنه غير مقتات.
стр. 1363
والأسل: السمار.
والكولان: الديس، وقيل: السعدي.
ووافقنا (ش) في العسل.
وقال ابن حنبل: فيه العشر.
لنا: أنه كان في زمانه ﵇، فلو أخذ منه زكاة لنقل، ولأنه مائع يخرج من حيوان فأشبه اللبن.
ووافقنا (ش) على قول عبد الملك: تجب الزكاة فيه.
قال ابن القصار: إنما تكلم مالك على بلده؛ لأن التين لم يكن عندهم، فأما الشام وغيره ففيه الزكاة؛ لأنه يقتات عندهم (١).
وأما الرمان والجوز فيجري فيها قول (ح)، وعبد الملك.
* * *
стр. 1364
(باب زكاة الفطر
وزكاة الفطر مفروضة (١)، قيل: بالقرآن، وقيل: بالسنة).
ت: أصلها الكتاب، والسنة.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى *وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤].
قال سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز: هي زكاة الفطر.
قال مالك: هي في عموم قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، لتسمية النبي ﷺ إياها زكاة.
وقيل في الآية الأولى: تزكَّى زكاة الفطر، وتصلى صلاة العيد.
وقيل: تزكى بالإسلام، وصلى الصلوات الخمس.
قال اللخمي: فرض معناه: قَدْر (٢).
وقال ابن عبد الحكم: أوجب (٣).
стр. 1365
ص: (وهي صاع بالمدني من الحنطة وغيرها).
ت: وقاله (ش)، وابن حنبل.
وقال (ح): من البر نصف صاع، ومن غيره صاع (١).
لنا: حديث أبي سعيد الخدري: كنا نخرج زكاة الفطر على عهد رسول الله ﷺ صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط (٢).
قال ابن المواز: كان الصحابة ﵃ يسمون القمح الطعام (٣).
قال مالك و (ش) وابن حنبل: الصاع: خمسة أرطال وثلث بالبغدادي.
وقال (ح): ثمانية أرطال؛ لما روي أن النبي ﷺ كان يتوضأ بالمد، ويتطهر ويغتسل بالصاع (٤).
والمد رطلان.
لنا: نقل المدينة خلفاً عن سلف أن المد رطل وثلث.
ولما ناظر مالك أبا يوسف بحضرة الرشيد أحضر قوماً كثيراً، ومعهم أصوع ينقلون عن آبائهم أنهم كانوا يؤدون الزكاة بها إلى النبي ﷺ ، فوجدت خمسة أرطال وثلث.
стр. 1366
ص: (ووقتها طلوع الفجر من يوم الفطر، وقد قيل: غروب الشمس من ليلة الفطر).
ت في وقت الوجوب أربعة أقوال:
فعن مالك وهو مذهب ابن القاسم في المدونة: غروب الشمس من ليلة الفطر (١)؛ لقوله في الحديث: من رمضان، وذلك أول الفطر.
وعن مالك طلوع الفجر (٢)؛ لقوله في الحديث: زكاة الفطر، ولا يفهم منه إلا يوم الفطر، ولأنها الوقت الذي كان بالأمس ممنوعاً، ولزم هذا الاسم ذلك اليوم فقال: يوم الفطر.
قال عبد الوهاب: قال جماعة من أصحابنا: تجب بطلوع الشمس من يوم
الفطر؛ لقوله ﵇: أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم (٣)، والسؤال والطلب من
طلوع الشمس عادة، وقد قرنها الله تعالى بصلاة العيد، والصلاة بعد الشمس (٤).
قال اللخمي: قيل: الوجوب في جميع ذلك اليوم إلى غروب الشمس.
قال: والأقوال كلها مروية عن مالك؛ إلا طلوع الشمس (٥).
стр. 1367
ص: (ويستحب إخراجها قبل الغدو إلى المصلى يوم الفطر).
ت: في مسلم: أمر رسول الله ﷺ أن تؤدى زكاة الفطر قبل خروج الناس إلى المصلى (١).
ولأنه يستحب الأكل ذلك اليوم قبل الخروج إلى الصلاة، فترفع للفقير ليأكل، وقاله جمهور أهل العلم.
قال سند: بعد الفجر إلى الغدو إلى المصلى.
قال: وهذا على من رأى الوجوب متعلقاً بالفجر، ومن رأى طلوع الشمس؛ لا يستحب تقديمها.
ص: (ولا يجوز إخراجها قبل يوم الفطر على موجب القياس، وقد جوز إخراجها قبل ذلك باليومين والثلاثة استحباباً).
ت: هذا قول مالك (٢).
قال سند: هو مبني على إخراج الزكاة قبل وجوبها.
وقال ابن مسلمة، وعبد الملك: إن قدمها بيومين؛ لم تجزه (٣).
قال ابن حبيب كانوا بالمدينة يبعثونها إلى المسجد، ثم تفرق يوم الفطر بعد صلاة العيد، والأحسن لمن وليها بنفسه إخراجها يوم الفطر قبل الخروج إلى
стр. 1368
المصلى، وإن قدمها يسيراً قبل يوم الفطر؛ أجزأه عند المصريين، ولم تجزه عند عبد الملك، إلا أن يبعث بها إلى من يجمعها عنده (١).
وقوله: (على موجب القياس)؛ يريد أنه قبل وقت الوجوب كالصلاة قبل الزوال.
قال اللخمي: إن علم أنها قائمة بيد [من] (٢) أخذها؛ أجزأت قولاً واحداً؛ لأن تركها مع القدرة على نزعها كرفعها حينئذ (٣)
فإن قدمها التقديم الجائز فهلكت:
قال محمد: إن قدمها بيومين؛ لم يضمنها، وكذلك زكاة المال قبل الحول.
وقال الشافعية: إن مات الفقير أو استغنى أو ارتد قبل وقت الوجوب؛ لم تجزه.
ص: (ومن فضل له يوم الفطر عن قوته وقوت عياله صاع؛ لزمه إخراجه، ولا يعتبر في ذلك وجود النصاب في ملكه).
ت: قال مالك و (ش) والجمهور: تجب على من يجوز له أخذها.
وقال (ح): لا تجب إلا على مالك النصاب، أما من تحل له فلا.
لنا: ظاهر الحديث، ولأنه يخرجها على من ينفق عليه من صغير وعبد.
قال عبد الوهاب: يخرجها إذا كان لا يلحقه ضرر من فساد معيشته أو جوع
стр. 1369
عياله (١)؛ لأنَّ الدّين يسر، فإن كان ماله الشيء اللطيف وله عيال أجحف به إخراجها وقد يؤديه ذلك إلى السؤال وليس من شأنه.
وعن مالك: إذا كان له قوت خمسة عشرة يوماً أخرجه، لقوله ﵇: اغنوهم عن سؤال هذا اليوم (٢).
ومفهومه: أنها مواساة ممن هو غني، ولم يختلف المذهب أنه لا يشترط النصاب؛ لأنها لو تعلقت بالمال لزادت بزيادته، ونقصت بنقصانه.
وإذا أخرجها الفقير:
روى ابن القاسم عن مالك: لا يعطى منها؛ لأنه يصير إذا أخذها كأنه لم يخرجها، ثم رجع فأجازه؛ لأنَّ الإجزاء قد تقدم، والأخذ سبب آخر.
قال سند: هذا إذا رد عليه عين ما أعطاه، أما إذا خلط ذلك الإمام لم يكره وفاقاً.
وقال عبد الوهاب: يسقطها الدين كزكاة العين؛ لأنها تجب في الحول مرة كزكاة العين.
قال أشهب: لا يسقطها (٣)؛ لأنها زكاة تتعلق بالحب كالزرع.
فإن قدر على البعض:
قال سند: ظاهر المذهب وجوبه؛ لقوله ﵇: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما
стр. 1370
استطعتم (١)، ولأنها تتبعض على الشريكين في العبد.
وقال بعض الشافعية: لا تجب.
ص: (ويستحب للفقير إذا أخذ من الزكاة يوم الفطر ما يفضل له عن قوته وقوت عياله أن يخرجها عنه، ولا يلزمه ذلك؛ لأنَّ غناه حدث بعد الوجوب.
ومن أخرها يوم الفطر مع قدرته عليها؛ لزمه إخراجها بعد ذلك، وكانت في ذمته.
ويجب على المرء إخراجها عمن تلزمه نفقته من والديه الفقيرين المسلمين، وولده الأصاغر الفقراء، وزوجته المدخول بها، وعبيده المسلمين كانوا للتجارة أو للقنية، ومعتقيه إلى أجل، وأمهات أولاده، ومدبريه، وفي المكاتبين روايتان: إحداهما: وجوبها على السيد.
والأخرى: سقوطها عن السيد وعنهم).
ت: عن مالك: يؤديها الفقير، يؤديها مما يأخذ، ولم يفرق بين يوم الفطر أو قبله؛ لأنَّ وقت الأداء قائم، وإنما يسقط عنه للعجز، فإذا زال أدى.
والفرق بين الزكاة والأضحية أن الزكاة حق أدمي تتعلق بالذمة بخروجها عن وقتها كزكاة المال، والأضحية إراقة دم في وقت معين كرمي الجمار إذا مضت أيامها لا تقضى.
وروي عن رسول الله ﷺ : أدوا الزكاة عمَّن تمُونُون (٢).