ص: (ووقتها طلوع الفجر من يوم الفطر، وقد قيل: غروب الشمس من ليلة الفطر).
ت في وقت الوجوب أربعة أقوال:
فعن مالك وهو مذهب ابن القاسم في المدونة: غروب الشمس من ليلة الفطر (١)؛ لقوله في الحديث: من رمضان، وذلك أول الفطر.
وعن مالك طلوع الفجر (٢)؛ لقوله في الحديث: زكاة الفطر، ولا يفهم منه إلا يوم الفطر، ولأنها الوقت الذي كان بالأمس ممنوعاً، ولزم هذا الاسم ذلك اليوم فقال: يوم الفطر.
قال عبد الوهاب: قال جماعة من أصحابنا: تجب بطلوع الشمس من يوم
الفطر؛ لقوله ﵇: أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم (٣)، والسؤال والطلب من
طلوع الشمس عادة، وقد قرنها الله تعالى بصلاة العيد، والصلاة بعد الشمس (٤).
قال اللخمي: قيل: الوجوب في جميع ذلك اليوم إلى غروب الشمس.
قال: والأقوال كلها مروية عن مالك؛ إلا طلوع الشمس (٥).
стр. 1367
ص: (ويستحب إخراجها قبل الغدو إلى المصلى يوم الفطر).
ت: في مسلم: أمر رسول الله ﷺ أن تؤدى زكاة الفطر قبل خروج الناس إلى المصلى (١).
ولأنه يستحب الأكل ذلك اليوم قبل الخروج إلى الصلاة، فترفع للفقير ليأكل، وقاله جمهور أهل العلم.
قال سند: بعد الفجر إلى الغدو إلى المصلى.
قال: وهذا على من رأى الوجوب متعلقاً بالفجر، ومن رأى طلوع الشمس؛ لا يستحب تقديمها.
ص: (ولا يجوز إخراجها قبل يوم الفطر على موجب القياس، وقد جوز إخراجها قبل ذلك باليومين والثلاثة استحباباً).
ت: هذا قول مالك (٢).
قال سند: هو مبني على إخراج الزكاة قبل وجوبها.
وقال ابن مسلمة، وعبد الملك: إن قدمها بيومين؛ لم تجزه (٣).
قال ابن حبيب كانوا بالمدينة يبعثونها إلى المسجد، ثم تفرق يوم الفطر بعد صلاة العيد، والأحسن لمن وليها بنفسه إخراجها يوم الفطر قبل الخروج إلى
стр. 1368
المصلى، وإن قدمها يسيراً قبل يوم الفطر؛ أجزأه عند المصريين، ولم تجزه عند عبد الملك، إلا أن يبعث بها إلى من يجمعها عنده (١).
وقوله: (على موجب القياس)؛ يريد أنه قبل وقت الوجوب كالصلاة قبل الزوال.
قال اللخمي: إن علم أنها قائمة بيد [من] (٢) أخذها؛ أجزأت قولاً واحداً؛ لأن تركها مع القدرة على نزعها كرفعها حينئذ (٣)
فإن قدمها التقديم الجائز فهلكت:
قال محمد: إن قدمها بيومين؛ لم يضمنها، وكذلك زكاة المال قبل الحول.
وقال الشافعية: إن مات الفقير أو استغنى أو ارتد قبل وقت الوجوب؛ لم تجزه.
ص: (ومن فضل له يوم الفطر عن قوته وقوت عياله صاع؛ لزمه إخراجه، ولا يعتبر في ذلك وجود النصاب في ملكه).
ت: قال مالك و (ش) والجمهور: تجب على من يجوز له أخذها.
وقال (ح): لا تجب إلا على مالك النصاب، أما من تحل له فلا.
لنا: ظاهر الحديث، ولأنه يخرجها على من ينفق عليه من صغير وعبد.
قال عبد الوهاب: يخرجها إذا كان لا يلحقه ضرر من فساد معيشته أو جوع
стр. 1369
عياله (١)؛ لأنَّ الدّين يسر، فإن كان ماله الشيء اللطيف وله عيال أجحف به إخراجها وقد يؤديه ذلك إلى السؤال وليس من شأنه.
وعن مالك: إذا كان له قوت خمسة عشرة يوماً أخرجه، لقوله ﵇: اغنوهم عن سؤال هذا اليوم (٢).
ومفهومه: أنها مواساة ممن هو غني، ولم يختلف المذهب أنه لا يشترط النصاب؛ لأنها لو تعلقت بالمال لزادت بزيادته، ونقصت بنقصانه.
وإذا أخرجها الفقير:
روى ابن القاسم عن مالك: لا يعطى منها؛ لأنه يصير إذا أخذها كأنه لم يخرجها، ثم رجع فأجازه؛ لأنَّ الإجزاء قد تقدم، والأخذ سبب آخر.
قال سند: هذا إذا رد عليه عين ما أعطاه، أما إذا خلط ذلك الإمام لم يكره وفاقاً.
وقال عبد الوهاب: يسقطها الدين كزكاة العين؛ لأنها تجب في الحول مرة كزكاة العين.
قال أشهب: لا يسقطها (٣)؛ لأنها زكاة تتعلق بالحب كالزرع.
فإن قدر على البعض:
قال سند: ظاهر المذهب وجوبه؛ لقوله ﵇: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما
стр. 1370
استطعتم (١)، ولأنها تتبعض على الشريكين في العبد.
وقال بعض الشافعية: لا تجب.
ص: (ويستحب للفقير إذا أخذ من الزكاة يوم الفطر ما يفضل له عن قوته وقوت عياله أن يخرجها عنه، ولا يلزمه ذلك؛ لأنَّ غناه حدث بعد الوجوب.
ومن أخرها يوم الفطر مع قدرته عليها؛ لزمه إخراجها بعد ذلك، وكانت في ذمته.
ويجب على المرء إخراجها عمن تلزمه نفقته من والديه الفقيرين المسلمين، وولده الأصاغر الفقراء، وزوجته المدخول بها، وعبيده المسلمين كانوا للتجارة أو للقنية، ومعتقيه إلى أجل، وأمهات أولاده، ومدبريه، وفي المكاتبين روايتان: إحداهما: وجوبها على السيد.
والأخرى: سقوطها عن السيد وعنهم).
ت: عن مالك: يؤديها الفقير، يؤديها مما يأخذ، ولم يفرق بين يوم الفطر أو قبله؛ لأنَّ وقت الأداء قائم، وإنما يسقط عنه للعجز، فإذا زال أدى.
والفرق بين الزكاة والأضحية أن الزكاة حق أدمي تتعلق بالذمة بخروجها عن وقتها كزكاة المال، والأضحية إراقة دم في وقت معين كرمي الجمار إذا مضت أيامها لا تقضى.
وروي عن رسول الله ﷺ : أدوا الزكاة عمَّن تمُونُون (٢).
стр. 1371
ولوجوبها سببان: الملك، والقرابة.
والملك ملك يمين، وملك نكاح.
فالقرابة: الآباء والأبناء بشرط الحاجة.
وقاله (ش)، وابن حنبل.
وقال (ح): تجب على الآباء عن الأبناء، لا عن الأبناء للآباء.
قال سند: إذا كانت زوجة الأب فقيرة على الابن نفقتها، فيؤدي زكاة الفطر عنها، قاله جمهور الأصحاب، ورووه عن مالك.
وقال المخزومي: لا ينفق عليها، إذا لم تكن أمه، فعلى هذا لا يزكي عنها (١).
قال ابن القاسم: فإذا كان [له] (٢) زوجتان أو خدم؛ لا يلزمه إلا نفقة واحدة، وخادم واحد (٣).
وإن كان زوج الأم فقيراً أنفق عليها خاصة، وزكى عنها.
ولا يختلف في الولد الصغير الموسر أن زكاته لا تجب على أبيه.
قال مالك: يؤدي الوصي زكاة الفطر عن اليتيم، وعن عبده من ماله (٤).
قال ابن حبيب: ينبغي له الإشهاد على ذلك، ويصدق المأمون إذا لم
стр. 1372
يَشْهَد (١).
قال ابن أشرس: لا يزكي عن امرأته؛ لأنَّ النفقة عليها من باب المعارضة كالأجير بنفقته (٢).
لنا: قوله ﵇: أدُّوا الزكاة عمَّن تمُونُون (٣).
ولا فرق بين الغنية والفقيرة؛ لأنها تابعة للنفقة، فإن قدر على النفقة فقط؛ سقط عنها؛ لأنها لا نفقة عليها، وعنه لعجزه، ويستحب له ذلك، ولا يجزئه إخراجها عن نفسها وهو موسر؛ لأنه المخاطب بها.
قال مالك: يخرج عن خادمها.
قال بعض أصحابنا: إن كانت تخدم نفسها ليس عليه إخدامها، ونفقة خادمها وزكاتها عليها، أو ممن لا تخدم نفسها في العادة؛ أخدمها.
قال مالك: يزكي عن خادم واحدة من خدمها (٤)؛ لأنها لا بد لها منها.
وعن ابن القاسم يزكي عن خادمين إن كان لها شرف وغناء، ويزكي وينفق على الأربع والخمس في مثل بنات الملوك ونحوه (٥).
وبوجوبها عن العبد:
стр. 1373
قال بعض العلماء: وإن كان [زمناً] (١).
وقال داود: تجب على العبد من كسبه، وعلى السيد تمكينه من ذلك.
لنا ما في الحديث المتقدم من قوله: حر أو عبد.
وقال (ح): تسقط زكاة الفطر في عبيد التجارة، وتجب زكاة العين فيهم؛ لأنه لا تجب زكاتان في مال واحد.
لنا: عموم الحديث، قال (٢): يزكي عن الأبق القريب ترجى رجعته، دون الميؤوس منه كالمال الضائع.
ووجه وجوبها على سيد المكاتب؛ لأنه ملكه جعل عليه نفقة نفسه، والكل ماله، كما لو جعل عليه خراجاً، ونفقته على نفسه.
وجه الرواية الأخرى: أنه أحرز ماله ونفسه وبقي أجنبياً، ولذلك يطالب سيده بأرش جنايته ودين المعاملة، ولأن الزكاة تابعة للنفقة، ولا تجب عليه هو؛ لأنه لا يزكي ماله، فكذلك رقبته.
ص: (وإذا كان عبد بين اثنين؛ فعلى كل واحد منهما أن يخرج عنه بقدر ملكه فيه، وكذلك إن كان بين جماعة شركاء؛ فعلى كل واحد بقدر ملكه فيه).
وروي عن مالك: أن على كل واحد عنه زكاة كاملة، وأنكر سحنون هذه الرواية (٣)
стр. 1374
ص: (وإن كان بعضه حراً وبعضه مملوكاً؛ ففيها روايتان: إحداهما: أن الصاع عليه وعلى السيد بقدر الحرية والرق، والأخرى: أن على السيد بقدر الرق، ولا شيء على العبد. وقال عبد الملك: الصاع كله على السيد).
ت: وجه توجيه الصاع توزيع النفقة.
وجه الرواية الأخرى: ظاهر الحديث وهو صاع.
ووجه التوزيع في معتق البعض توزيع الخدمة.
وجه السقوط عنه أن السيد له نصف الخدمة، وعليه نصف النفقة، فعليه نصف الصاع، ويسقط عن العبد؛ لأنَّه لا يزكي ماله فكذلك نفسه.
وجه قول عبد الملك ورواه عن مالك القياس على الإرث.
وقال ابن مسلمة: إن كان له مال؛ أخرج بقدر حريته، وإلا؛ أخرج السيد الجميع؛ لأنه لا يخرج نصف صاع.
ص: (ومن ولد له مولود يوم الفطر؛ استحب له اخراج الصدقة عنه.
ومن اشترى عبداً ليلة الفطر؛ ففيها روايتان:
إحداهما: أن زكاته على بائعه.
والأخرى: أن زكاته على مشتريه).
ت: قال سند: إن ولد بعد طلوع الشمس؛ لم تجب زكاة الفطر عند الجميع، وقبله؛ يتخرج على وقت الوجوب ما هو؟ وكذلك يتخرج شراء العبد.
стр. 1375
قال ابن المواز: إن ابتاعه قبل غروب الشمس؛ زكَّى المشترى (١).
يريد: بلا خلاف.
واختلف قول مالك إذا ابتاعه يوم الفطر:
قال: يزكي المشتري، ثم رجع فقال: البائع (٢).
وهو على الخلاف؛ هل وقت الوجوب طلوع الفجر؟ أو الشمس؟
ص: (وإن أسلم نصراني يوم الفطر؛ استحب له إخراج زكاة الفطر، وإن أسلم قبل يوم الفطر؛ وجب عليه إخراجها، وان أسلم في أيام النحر؛ لزمته الأضحية).
ت: إن أسلم قبل الفجر؛ وجبت عليه الزكاة؛ لإدراكه وقت الوجوب كالمولود.
وقال أشهب: إذا لم يسلم قبل يوم الفطر بيوم وليلة حتى يلزمه صوم يوم منه؛ لم تجب عليه الزكاة، لما روى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: إنما هي عن من أطاق الصوم، ذكره الخطابي في شرح السنن (٣).
وفي الخبر: أنها طهرة للصائم من اللغو والرفث (٤)، وهذا يوجب اختصاصها بالصائم، وهو ينتقض بالمولود.
стр. 1376
فإن أسلم بعد الفجر؛ استحب مالك له الزكاة لتقدم السبب فلا تجب، أو بعد طلوع الشمس لم تجب اتفاقاً، وتستحب لبقاء وقت أدائها، كما يمسك إذا أسلم في نهار رمضان.
قلت: أيام النحر كل جزء منها سبب لتوجه الخطاب بالأضحية، كأجزاء القامة في الصلاة، وسبب الزكاة الغروب فقط، أو طلوع الفجر، أو الشمس، وبقية الزمان ظرف الأداء لا سبب للتكليف، كالعام بجملته ظرف لقضاء رمضان لا سبب له.
والأزمنة في الشريعة وقعت على سبعة أقسام منها هذان القسمان وغيرها استوعبتها في كتاب اليواقيت في أحكام المواقيت، وبه يظهر الفرق بين الأضحية وزكاة الفطر، وبه يظهر الفرق بين قولنا أن يوم الفطر كله ظرف للأداء إلى غروب الشمس، وبين قول رابع لم يحكه صاحب هذا الكتاب؛ أنها تجب وجوباً موسعاً من الغروب للغروب، مع اتفاق الكل على جواز التأخير أن معنى هذا القول أن كل جزء من أجزائه سبب للوجوب، يتوجه به الخطاب على من تقدم زوال عذره عليه.
ص: (ويجوز دفع الصاع إلى مسكين واحد، أو مسكينين، أو أكثر من ذلك، ويجوز دفع أصوع عدة إلى مسكين واحد، ولا تدفع إلا إلى حر مسلم فقير).
ت: قال أبو مصعب: لا يعطي مسكين أكثر من صاع (١)؛ لأن فيها شائبة الكفارة.
واستحبه مالك، وغلب في الأول أنه لم يرد في ذلك تحديد فيرجع لاجتهاد
стр. 1377
الإمام، والعبد غني بنفقة سيده، والفقر شرط كزكاة المال، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠].
وقال ﵇: لا تحل الصدقة لغني (١).
وأما الكافر؛ فلأنه ليس من أهل الطهرة.
ولقوله ﵇: أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردَّها على فقرائكم (٢).
ص: (ويجوز دفعها إلى الصغير والكبير، ولا يجوز دفعها لأحد ممن تلزمه نفقته، ولا بأس بدفعها لمن لا تلزمه نفقته من أقاربه).
ت: لم تخص النصوص [صغيراً ولا] (٣) كبيراً فتدفع للكل؛ إلا من تلزمه نفقته؛ فإنها ترجع إليه بسد خلتهم فلم يخرجها.
ويكره لمن لا تلزمه نفقته من أقاربه خوف المحمدة.
وعنه: لا بأس بذلك، وكان يعطي زكاته أقاربه (٤)، قال مطرف.
والمشهور استواؤهم.
ومنع ابن حبيب دفعها للأجداد والجدات، وبني البنين وبني البنات (٥)؛ مراعاة لقول من يقول: لهم النفقة عليه.
стр. 1378
قال عبد الوهاب: يكره تخصيص الأقارب بها، ويجزئ إن فعل (١).
ص: (ويجوز إخراجها من الحبّ من سائر الأقوات، ولا يجوز فيها سويق ولا دقيق، ولا خبز ولا شيء من الفواكه كلها، رطبها ويابسها، ولا يخرج عنها ثمناً).
ت: تقدم قوله ﵇: أنه فرض زكاة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير (٢).
وفي الحديث الآخر: صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من زبيب (٣).
قال مالك: يجوز إخراجها من القمح والشعير، والسلت، والذرة، والدخن، والتمر، والأرز، والزبيب، والأقط.
زاد ابن حبيب: العلس (٤).
وقال أشهب: لا تتعدى الأربعة التي في الحديث: الشعير، والتمر، والزبيب، والأقط.
فرأى مالك أن ما ذكره غالب عيش الناس، وأن العلة الإغناء عن الطلب كما أشار إليها الحديث، فتحصل بها الكفاية.
стр. 1379
واتفقوا على أن الأفضل القمح، وقاله الأئمة، والسلت ملحق به؛ لأنه من جنسه، وأفضل من الشعير.
واختلف في العلس هل هو من جنس القمح والشعير والسلت أم لا؟
فإن قلنا: من جنسها؛ أخرجه، وكذلك إن قلنا: من غير جنسها؛ لأنه في معناها كالدخن.
والأقط: ماء الجبن يطبخ فيجمع أقطه ويبقى ماؤه، فيكون طعاماً للبوادي يقتاتون به عند عدم الحب.
قال مالك: لا يخرج أهل مصر إلا القمح؛ لأنه جل عيشهم إلا أن يغلو سعرهم ويكون عيشهم الشعير ويرفع بالمدينة التمر؛ لأنه جل عيشهم (١).
قال أشهب: السلت أحب إليَّ من الشعير، والشعير أحب إلي من الزبيب، والزبيب أحب إليَّ من القطنية، ومن كان عيشه شيئاً أخرج منه (٢).
وأما السبعة الباقية فيخرج منها ما هو قوته، فإن أخرج من غيره؛ لم يجزه (٣).
قال ابن القاسم: إذا كانت القطنية جل عيش قوم؛ أجزتهم (٤)، لقوله ﵇: أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم (٥).
стр. 1380
وقال ابن حبيب: لا يجزئ؛ لأنها في الغالب لا تكون عيشاً، وإنما تستعمل إداماً فلا تجزئ كالزيت والعسل.
قال ابن القاسم: بلغني عن مالك أنه كره التين، وأرى أنه لا يجزئ (١).
وحكى أبو إسحاق قولاً بالإجزاء.
وعند مالك: يعتبر عيش البلد، ولو كان المكفر يتقوت بخلافه (٢).
واعتبر ابن المواز قوته هو قوت عياله (٣).
قال الأبهري: إن خص نفسه بقوت غير قوت البلد؛ استحب له الإخراج منه، وإن أخرج من الغالب؛ أجزأه، وإن أكل دون الغالب؛ فعليه الإخراج من الغالب إن أمكنه، وإلا، أخرج من قوته (٤).
قال ابن حبيب: إنما نهي عن السويق والدقيق؛ لأجل ريعه، فإن أخرج ريعه، أجزأه (٥).
وقال أصبغ: والخبز كذلك (٦).
وجوز (ح) الدقيق والسويق.
لنا: قوله ﵇: صاعاً من شعير، وهو اسم للحب لا للدقيق، ولأنَّ الحب
стр. 1381
كامل المنفعة، يزرع ويسلق ويخزن بخلاف السويق والدقيق.
ويستحب غربلة الحب من غير إيجاب.
ووافقنا (ش) في القيمة والعروض.
وقال (ح): يجوز.
وعن ابن القاسم: إن فعل؛ فلا بأس به (١).
ص: (ويستحب للمسافر إخراجها في المكان الذي هو فيه عن نفسه وعياله، وإن أخرجها عنه أهله؛ أجزأه، ولا يلزم المرء إخراجها عن عبده الكافر، ويجوز للمرأة أن تدفع الزكاة إلى زوجها إذا كان فقيراً، ولا يجوز للزوج أن يدفعها إلى زوجته وإن كانت فقيرة؛ لأنه تلزمه نفقتها).
ت: إنما يستحب للمسافر؛ لأنَّ الوجوب لحقه في ذلك الموضع فتعلق حق أهله به.
وأما قوله: (وعن عياله)؛ ففيه خلاف.
فعن مالك: يؤديها عن نفسه، ويؤخر الأداء عن أهله، ولعلهم أدوا (٢).
ووافقنا (ش) في العبد الكافر؛ لقوله ﵇ في الحديث المتقدم من المسلمين، ولأنه ليس من أهل الظهرة، كالأب الكافر.
وقال (ح): يزكي عن العبد الكافر.
стр. 1382
ومنع ابن القاسم المرأة أن تدفع لزوجها وإن كان فقيراً مطلقاً (١).
وقال أشهب: إن ردَّ ذلك عليها فيما يلزمه من مؤونتها؛ لم تجزها (٢).
وعن مالك: المنع أيضاً (٣).
وقال ابن القصار: منع ابن القاسم كراهة، ويجزئ إن فعلت (٤)، وأما الزوج فلا يعطي إلا أن يكون عليها دين.
قال [اللخمي] (٥): إذا أعطى أحد الزوجين الآخر ما يقضي به دينه؛ جاز؛ لأنَّ منفعته لا تعود على المعطي (٦).
* * *
стр. 1383
(باب قسم الصدقات
قال: ووجوه الصدقة التي يجب صرفها فيها ما ذكره الله تعالى في كتابه بقوله : ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠].
والفقر والمسكنة اسمان لمعنى واحد، وهو لمن يملك شيئاً يسيراً لا يكفيه ولا يغنيه، ولا يقوم بمؤونته).
ت: اختلف الناس في هذه اللام:
قال مالك وأبو حنيفة والجمهور: لام المصرف.
وقال (ش): لام التمليك.
وفائدة الخلاف: إذا دفع لصنف مع وجدان البقية؛ يجزئه عندنا، ولا يجزئه عند (ش).
ولا خلاف أنه لا يجب استيعاب كل واحد من أفراد الصنف، ولو وجبت للجميع لما جاز إسقاط بعضهم [كالغنيمة] (١).
وروى أشهب مسنداً عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال في الآية: إنما هو علم أعلمه الله تعالى، فإذا أعطيته صنفاً من هذه التسمية أجزاك، وقاله ابن عباس.
стр. 1384
وعن مالك: أن الفقر والمسكنة اسمان مفترقان، فالمسكين الذي لا غنى له، وهو يسئل، والفقير الذي لا غنى له وهو يتعفف (١).
وقال عبد الوهاب: الفقير الذي له علقة من مال، والمسكين الذي لا شيء له (٢).
وقال (ش): الفقير الذي لا شيء له، والمسكين الذي له علقة، لقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ﴾ [الكهف: ٧٩]، فوصفهم بالمسكنة، وإن كانت لهم سفينة.
لنا: الكتاب، والسنة، واللغة على أن المسكين أضعف.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦]، وهو الذي لصق جلده بالتراب.
وفي مسلم: قال ﵇: ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يُفطن له فيتصدق عليه، ولا يسئل الناس شيئاً (٣).
قال الشاعر:
أما الفقير الذي كانت حلوبته … وفق العيال فلم يترك له سبد
فجعل للفقير بلغة من العيش، فيكون المسكين دونه.
وجه من قال: الفقير لا شيء ء له، فلأن اشتقاق الفقير من فقار الظهر، فهو
стр. 1385
كمن أصيبت فقارته؛ فيخشى عليه الموت.
وجه من قال: الفقير لا يسأل؛ قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣].
وجه التسوية: أنه في العرف كذلك.
قلت: من أحسن ما لزم الشافعية أن اللام لبيان المصرف دون الملك؛ إجماعنا على أن الإمام يجوز له صرف زكاة الرجل الواحد لصنف واحد، ولو استحقها الثمانية لما جاز له ذلك كالغنيمة.
قاعدة: إذا أضيف ما يقبل الملك لمن يقبل الملك معيناً؛ ثبت الملك اتفاقاً، نحو: هذا المال لزيد، أو ما لا يقبل الملك لم يثبت الملك اتفاقاً، قبله المضاف إليه أم لا، نحو: ابن زيد وابن الحمار، أو ما يقبل الملك لمن يقبله وهو غير معين ولا محصور؛ ففيه اختلاف، نحو: الصدقة للفقراء، والكفارة للمساكين.
فمن لاحظ القبول؛ أثبت الملك، ومن لاحظ عدم الحصر؛ نفاه بخلاف الغنيمة إذا أضيفت، لأن الجيش محصور.
وبهذه القاعدة يستدل على أن العبد يملك بقوله ﵇: من باع عبداً وله مال (١)، فإن المال يقبل الملك، والآدمي يقبله وهو معين، والنزاع في كون الرق مانعاً، والأصل عدمه، ويرد عليهم أيضاً في دعوى التفاوت بين المسكين والفقير؛ إجماعنا على صرف الكفارة للفقراء، مع أن المذكور المساكين، وأنهم
стр. 1386
سواء هنالك.
* ص: (فيجوز أن يُدفع له من الزكاة ما يُغنيه نصاباً أو ما فوقه، قاله مالك.
وقال عبد الملك: لا يُدفع إليه نصاب، وينقص منه شيء.
ويجوز دفعها إلى من له نصاب، لا كفاية له فيه).
ت: القولان لمالك؛ بناء على أن الدفع للحاجة فيكون بقدرها، أو لوصف الفقر فلا يخرج به عن حد الفقراء، والغنى الشرعي نصاب.
قال اللخمي: ينظر إلى زكاة الناس، فإن كانوا يخرجون زكاة واحدة في العام؛ أعطى ما يغنيه لذلك الوقت، إذا اتسعت الزكاة، أو زكاتين؛ أعطى ما يبلغه إلى الثانية (١).
وعن المغيرة: لا يعطى من بيده نصاب، أو يفضل عن داره وخادمه بعد دينه نصاب؛ لخروجه عن وصف الفقر بالغنى الشرعي، ولأنها تجب عليه فلا تجب له (٢).
* ص: (والعاملون عليها): جباة الصدقة وسعاتها، يدفع إليهم أجرة معلومة منها بقدر عملهم، ولا يجوز أن يستأجروا بجزء منها؛ للجهالة بقدره.
﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾: الكفار يتألفهم المسلمون على الإسلام بدفع شيء من أموال الصدقة إليهم قبل إسلامهم، وقد سقط في هذا الوقت سهمهم؛ للغنى
стр. 1387
عنهم، فإن احتيج في وقت إلى تأليفهم؛ جاز أن يدفع إليهم).
ت عن مالك: العاملون عليها؛ من يسقيها ويرعاها، والأول المعروف.
قال ابن القاسم: إذا كان العامل كافراً أساء من استعمله، ويرد ما أخذ، ويعطى أجرته من غير الصدقة بقدر عمله.
وقوله: يتألفهم المسلمون على الإسلام:
قال اللخمي: يريد: إذا كان مثلهم يرجى (١).
وقال عبد الوهاب هم قوم كانوا في صدر الإسلام يظهرون الإسلام، فيدفع إليهم لينكف غيرهم بانكفافهم (٢).
قال ابن حبيب: هم قوم لهم في الجاهلية شرف، كانوا يتألفون بكثرة العطاء ليرغبوا في الإسلام فيسلم أتباعهم معهم، ولم يزل سهمهم حتى ولي عمر ﵁ وكثر المسلمون فقطعه، فكلمه أبو سفيان وكان منهم، فقال له: قد أغنى الله عنك وعن أضرابك، وأعز الإسلام وأهله، فلا حق لكم في صدقات المسلمين.
قال صفوان ابن أمية: أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين، وإنه لأبغض الخلق إليَّ، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إليَّ (٣)، وهو حجة القول الأول؛ بأنه لا يبغضه وهو مؤمن.
وقال ﵇: إني لأعطي الرجل، وغيره أحبُّ إليَّ منه، خشية أن يكبه الله
стр. 1388
تعالى في النار (١)، وهو حجة القول الآخر.
ومن الناس من تؤتى بالإحسان أكثر من الهوان، أو قد يخشى عليه الردة؛ فيمنعه العطاء من ذلك، وهو معنى قوله ﵇: خشية أن يكبه الله في النار.
ص: (وفي الرقاب) في عتق الرقاب وفكها من الرق، فيجوز للإمام أن يشتري رقاباً من مال الصدقة، فيعتقهم ويكون ولاؤهم لجماعة المسلمين.
وإن اشتراهم صاحب الزكاة فأعتقهم؛ جاز له ذلك.
﴿وَالْغَارِمِينَ﴾: الذين عليهم من الدين بإزاء ما في أيديهم من المال، فيجوز أن يدفع إليهم شيء من الصدقة، وإن كانت لهم أموال؛ لأن أموالهم ديون عليهم، فإن لم تكن لهم أموال؛ فهم فقراء وغارمون يستحقون الأخذ بالوجهين جميعاً).
ت: عن مالك: الرقاب المكاتبون يعانوا بما يعتقون به (٢).
حجة الأول: أن الرقبة متى ذكرت في الكفارة وغيرها؛ المراد رقبة كاملة، ولو أراد المكاتبين لذكرهم باسمهم الأخص، ولأن الولاء في الكتابة للسيد.
قال مالك: ولم يبلغني عن أبي بكر وعمر وعثمان ولا أحد ممن يقتدى به أنه فعل ذلك (٣).
стр. 1389
قال أصبغ: إن فعل؛ فليعد أحب إليَّ، ولا يجب؛ للخلاف في ذلك (١).
حجة الأخرى: أن الأمر لم يرد بالعتق، وإنما قال: ﴿فِي الرِّقَابِ﴾.
قال اللخمي: من أجراها مجرى العتق في الواجب؛ لا يعتق بعض رقبة، بقي الباقي رقيقاً أو أعتق ما أتم به عتقه.
وعلى القول بإجزاء المكاتب؛ يجوز عتق بعض عبد وإن لم يتم عتقه؛ لأنه لا ولاء للمسلمين في المكاتب.
ولو دفع الزكاة للإمام فرأى أن يعتق منها ولد رب المال أو ولده؛ جاز؛ لأن ولاءه للمسلمين.
وهل تشترط السلامة من العيوب؟
قال أصبغ: لا يجزئ المعيب (٢).
قال ابن القاسم: إلا العيب الخفيف (٣).
وجوزه ابن حبيب مطلقاً؛ لحصول الفكاك من الرق.
والغارم من ادان في غير سفه ولا فساد، ولا يجد وفاء، أو معه مال بقدر دينه.
قال اللخمي: للغارم شروط: ألا يكون عنده ما يقضي منه دينه.
وأن يكون الدين لآدمي.
стр. 1390
وألا يكون في فساد فلا يعطى للكفارات.
وقال ابن عبد الحكم: إذا استدان في سفه وحسنت حالته؛ أعطي؛ لأنه غارم.
ولو اتلف غني ماله في محرم لم يعط بالفقر؛ لأنه يصرفه في مثل الأول، إلا أن تعلم توبته أو يخاف عليه (١).
قال ابن المواز: لا يقضى منها دين عن ميت.
وقال ابن حبيب يقضى؛ لأنه من الغارمين (٢).
ص: (﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: الغزو والجهاد، يدفع من الصدقة إلى المجاهدين ما ينفقونه في غزوهم وجهادهم؛ أغنياء كانوا أو فقراء.
﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: المنقطع به بغير بلده، يدفع إليه من الصدقة كفايته، وليس عليه رد ذلك إلى معطيه إياها إذا عاد إلى بلده، ولا إخراجه في وجوه الصدقة إذا عاد إلى بلده، فهذه وجوه الصدقة التي يجب صرفها فيها، ولا يجوز العدول بها عنها).
ت بالغزو قال الجمهور.
وقال ابن حنبل: الحاج.
لنا: أنه حيث ذكر سبيل الله فهو الغزو، ولأن الدفع إما لحاجتنا كالعاملين والمؤلفة قلوبهم، أو لحاجتهم إلينا كالفقراء والغارمين، والوصفان منفيان في الحاج.
стр. 1391
وقال (ح)، وعيسى بن دينار: إذا كان الغازي غنياً ببلده ومعه ما يغنيه في غزوه؛ لا يأخذ الزكاة.
لنا: عموم قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
وسمي ابن السبيل؛ لأنَّ الطريق ولدته، تقول العرب للضيف: بارك الله في طريق ولدتك؛ أي: طريق سلكتها فأخرجتك إلينا.
وله ثلاثة شروط: أن يكون في سفر مباح، وفقيراً بموضع الأخذ وإن كان غنياً، ولا يجد من يسلفه.
ومتى كان في سفر معصية فالمذهب أنه لا يعطى، وإن خيف الموت.
وإن وجد من يسلفه وهو غني ببلده:
قال مالك: لا يعطى (١).
وقال ابن القاسم: يعطى (٢).
وقال ابن عبد الحكم: لأنه يخاف أن يتلف ماله ويبقى الدين عليه؛ إلا أن يجد من يسلفه، على أنه إن تلف ماله؛ برئ من الدين (٣).
قال مالك: يعطى ابن السبيل إذا كان عليه [هيئة] (٤) ذلك، وإن لم يجد من [يسلفه] (٥) ولا يلزمه الرد (٦)؛ لأنه أخذ بوجه جائز، ولا يجوز العدول عن هذه
стр. 1392
الوجوه؛ لأنَّ ﴿إِنَّمَا﴾ صيغة حصر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهُ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١]، وآية الزكاة بصيغة ﴿إِنَّمَا﴾.
وفي أبي داود: قال زياد بن الحارث: أتيت النبي ﷺ فبايعته، فأتاه رجل فقال: اعطوني من الصدقة، فقال له النبي ﷺ : إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها هو، فجزاها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك (١).
ص: (ويجوز أن تصرف الصدقة في وجه من الوجوه المذكورة دون وجه، ويجوز أن يفضل صنف منها على صنف، ويجوز تفضيل شخص منها على شخص).
ت: قال (ش): يجب استيعاب الأصناف إذا وجدها. وأجمعوا على أنه إذا لم يجد إلا صنفاً واحداً؛ أنه يدفع له، ولو كانت حقاً للجميع لما سقط نصيب الغائب؛ كالغنيمة.
قال مالك: يقدم الإمام ذا الحاجة على غيره بالاجتهاد، مهما فعل من ذلك لا يعترض عليه؛ إلا أن الأحسن إيثار أهل الحاجة (٢).
ص: (ولا يجوز صرف شيء من الصدقة في غير هذه الوجوه الثمانية من عمارة المساجد أو بناء القناطير أو تكفين الموتى أو فك الأسارى، أو غير
стр. 1393
ذلك من المصالح أو شيء من المصارف.
ولا يجوز دفعها إلى غني، ولا كافر، ولا عبد، ولا إلى أحد ممن تلزم رب المال نفقته، فإن دفعها إلى غني أو عبد أو كافر مجتهداً ثم تبين له بعد ذلك حالهم؛ وجب عليه الإعادة).
ت: العبد غني بسيده، والكافر ليس من أهل الطُّهرة.
ومنع ابن حبيب دفعها لمن لا يصلي بناء على أصله في تكفيره (١).
وظاهر المذهب عدم الإجزاء إذا دفعها لغير أهلها.
وفي الأسدية عن ابن القاسم: أنه لا يضمن.
وفرق بعضهم فقال: لا يجزئه في العبد والكافر؛ لأنهما ظاهران؛ فهو مفرط، والغني يكتم غناه؛ فيجزئه.
قال اللخمي: إن كانت الصدقة بأيديهم؛ انتزعت منهم، وإن أكلوها غرموها على القول الحسن؛ لأنهم صانوا أموالهم بها، وإن هلكت بأمر من الله تعالى وقد أغروا من أنفسهم؛ غرموها، وإن لم يغروا؛ لم يغرموها (٢).
فإن غره العبد هل تكون خيانة في رقبته؛ لأنَّه غره؟ أو ديناً في ذمته؛ لأنَّ هذا متطوع بالدفع إليه؟
قال بعض أصحابنا فيه نظر، وهل من وجبت عليه؛ لأنها لم تصل لمستحقها؟ أم لا يغرمها؛ لأنه كلف بالاجتهاد وقد فعل؟ قولان.
стр. 1394
ص: (ويستحب له أن يدفعها إلى من يفرقها عنه ممن يعرف وجوه الصدقة، وأن لا يليها بنفسه؛ لئلا يستحمد بفعله، ويبرأ من اجتلاب الحمد والثناء.
ولا يخص بها أحداً من أقاربه إذا لم تلزمه نفقته، ولكن يعطيه كما يعطي غيره من الأجانب).
ت: قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، فالسر أفضل.
وعلل مالك كراهة أن يخص بها أحداً من أقاربه؛ بأن يحمدوه عليها (١).
وعنه: لا بأس بذلك (٢).
* * *
стр. 1395
كتاب الصيام
أصله الكتاب، والسنة، والإجماع.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَات﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤]، وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وفي الصحيحين: قال ﵇: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً (١).
والإجماع منعقد عليه.
والصوم في اللغة: الإمساك والوقف، صام عن الشيء إذا أمسك عنه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]؛ أي: صمتاً، وصام الرجل: إذا وقف عن السير.
وفي الشرع: إمساك عن شهوتي البطن والفرج: الطعام والشراب والجماع.
* ص: (ويجب الصيام لرمضان بالشهادة، ولا يحتاج إلى الاستفاضة، ولا يجب الصوم بشهادة واحد، ولا الفطر بشهادة واحد، ويجب الصوم والفطر
стр. 1396
بشهادة شاهدين عدلين مرضيين).
ت: طرق الوجوب ثلاثة:
رؤية مستفيضة؛ لقوله ﵇: صوموا لرؤية الهلال (١)، ولأن الرؤية بالعين مقطوع بها، وإذا وجب بالمظنون [كان بالمتحقق] (٢) أولى.
أو شهادة؛ لقوله ﵇: إذا شهد عدلان فصوموا وأفطروا وانسكوا، فإن غم عليكم، فأكملوا العدة ثلاثين يوماً (٣).
أو إكمال شعبان ثلاثين يوماً؛ للحديث المتقدم.
قال مالك و (ش): يكتفي بالشهادة ولا يحتاج للاستفاضة، وإن كانت السماء مصحية.
وقال (ح): إن كانت السماء مصحية لا بد من الاستفاضة.
لنا: الحديث المتقدم وهو في الصحيحين.
واتفقوا على أنه لا يقبل في الفطر واحد؛ إلا أبا ثور.
ولم يكتف سحنون بشاهدين في الصحو؛ لأنه ريبة.
قال بعض أصحابنا: إن كان في المصر الكبير (٤).
стр. 1397
وظاهر قول مالك الاكتفاء بهما، ولا بد أن يكونا عدلين حرين، فإن كان في أحدهما بقية رق؛ فلا يصام ولا يفطر بهما كسائر الحقوق، ولا يقبل النساء في أحكام الأبدان؛ إلا في الولادة والاستهلال للضرورة، ولا ضرورة هاهنا.
قلت: اتفق الناس على قبول المؤذن الواحد، وأنه رواية؛ فيلزم ذلك في الصوم، بجامع العبادة وقبول الرواية في دخول الوقت الذي يجب به، فيحتاج إلى الجواب عنها أصحابنا ومن وافقهم.
ص: (ومن رأى هلال رمضان وحده؛ لزمه الصيام، فإن أفطر متعمداً؛ فعليه القضاء والكفارة).
ت لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وقوله ﵇: صوموا لرؤيته (١)، ولأنه إذا لزمه الصوم برؤية غيره المظنونة فرؤيته المقطوعة أولى.
ولا خلاف في القضاء، وأما الكفارة فأوجبها مالك كسائر الأيام.
وقال أشهب: إن أفطر متأولاً؛ لم تلزمه كفارة (٢).
يريد: وإن أفطر متعمداً؛ كفّر.
وقال ابن حبيب: إن كان يعلم أن صومه يلزم؛ فعليه الكفارة (٣).
وقال (ح): لا كفارة عليه مطلقاً إذا لم يعلم الإمام بصومه.
стр. 1398
لنا: القياس على سائر الأيام.
قال مالك: ويجب عليه أن يعلم الإمام [لعلَّ] (١) غيره رآه معه (٢)، فيجب عليه أداؤها كسائر الحقوق، وهذا إذا كان عدلاً لا مطعن عليه.
قال عبد الوهاب: لا يجب على الفاسق والعبد والمرأة الإعلام (٣).
وقال أشهب: إذا لم يكن منكشفاً؛ فعليه الإعلام (٤).
ص: (وإذا رؤي الهلال في بلد من البلدان رؤية ظاهرة، أو ثبت عند أهله بشهادة قاطعة، ثم نقل ذلك عنهم إلى غيرهم بشهادة شاهدين؛ لزمهم الصوم، ولم يجز لهم الفطر.
وقال عبد الملك مثل ذلك في الرؤية الظاهرة، وقال في الشهادة: لا يلزم ذلك إلا أهل البلد الذي ثبتت عندهم الشهادة؛ إلا أن تكون الشهادة ثبتت عند الإمام، فيلزم الناس كلهم الصوم).
ت: رواية ابن القاسم وأشهب عن مالك لزوم الصوم والقضاء إن فات، إذا ثبت في بلد من غير استفصال.
وقال عبد الملك: لا يلزم الأداء والقضاء؛ إلا برؤية عامة للبلد، وأما بالشهادة والتعديل؛ فلا؛ إلا عند من علم من الحاكم، ويلحق بالبلد حاضرتهم؛
стр. 1399
إلا أن يكتب أمير المؤمنين إلى بلد بما يثبت عنده؛ فيلزم القضاء، والخليفة في المسلمين كأمير المصر في قراها، قال: وهذا قول مالك (١).
وجه الأول: القياس على الاستفاضة.
وجه الثاني: ما في أبي داود عن كريب، أن ابن عباس سأله لما قدم من الشام على هلال رمضان متى رأيت الهلال؟ قال قلت: رأيته ليلة الجمعة، قال: أنت رأيته؟ قلت: نعم، ورأى الناس، وصاموا، وصام معاوية، قال ابن عباس: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصومه حتى نكمل ثلاثين، أو نراه، فقلت له: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ (٢).
وظاهر كلام ابن الجلاب لا بد في النقل إلى البلدان من شاهدين.
قال أبو محمد وابن ميسر: يكفي الواحد؛ لأنه من باب الرواية، كما ينقل الرجل إلى أهله فيلزمهم (٣)
قلت: اتفق أرباب العلم برؤية الهلال وأوقات الصلوات أنها تختلف باختلاف المطالع وتباعد الأقطار، وأنَّ فجر قوم يكون ظهراً لقوم، وغروب قوم طلوعاً لقوم، وكذلك جميع أجزاء النهار.
واتفقوا على أن لكل قوم فجرهم وزوالهم وغروبهم، ولا يكلف بلد بزوال غيره، فكذلك الهلال وجب أن يكون لكل قوم هلاهم، وهو مذهب (ش).
وأما ثبوته عند الإمام فلا أثر له، فإن العبادات لا تدخلها أقضية الحكام،
стр. 1400
وإنما هي من باب الفتوى والرواية لا من باب الحكم، فالإمام وغيره في ذلك سواء، وإنما يظهر أثر الإمام فيما طريقه الحكم حتى يقال: حكم على عمله، ولذلك إذا كان مذهبه يقتضي الصوم بشهادة واحد وأمر بالصوم؛ إنما هو فتوى لا يجب بها على مخالفه في المذهب شيء.
ص: (ومن رأى هلال شوال وحده؛ أفطر سراً ولم يُظهر الفطر جهراً؛ خوفاً من التهمة والذريعة لأهل البدع).
ت: اتفق العلماء على أن الفطر لا يثبت بشهادة واحد؛ إلا أبا ثور.
قال ابن حنبل: لا يجوز له الفطر؛ لأنَّ الفطر لم يثبت.
جوابه: أنه قطع به برؤيته.
قال أشهب: إن أفطر في الحضر واطلع عليه ولم يذكر ذلك قبل؛ عوقب إن كان غير مأمون، وعنف إن كان مأموناً، وإن أفشى ذلك قبل؛ لم يعاقب، ويتقدم إليه في الإمساك عن المعاودة، فإن عاود عوقب؛ إلا أن يكون من أهل الدين والمروءة؛ فيعنف (١).
ص: (فإذا أصبح الناس غير عالمين بالصوم، ثم ثبتت الشهادة؛ لزمهم الكف عن الطعام في بقية يومهم، وعن جميع ما ينافي الصوم، ووجب عليهم القضاء.
وإذا ثبتت الشهادة على هلال شوال نهاراً؛ وجب الفطر والصلاة إن كان
стр. 1401
ذلك قبل الزوال، وإن كان بعد الزوال لم يصلُّوا صلاة العيد في يومهم، ولا في غدهم).
ت: يجب القضاء لما في «النسائي»: قال ﵇: من لم يبيت الصيام من الليل، فلا صيام له (١).
ومن أصبح منهم ينوي الاحتياط، لم يجزه، للتردد في النية.
ومن لم ينو شيئاً ولم يأكل ولم يشرب:
فقال عبد الملك: إذا ثبت عند حاكم بالشهادة أو الاستفاضة؛ أجزأ من علم ومن لم يعلم وإن لم يبيته، والغافل والمريض والجاهل.
وقال مالك وسحنون: لا يجزئ إلا من يبيت الصوم (٢)؛ للحديث المتقدم.
ومن أكل وشرب؛ يلزمه الكف بقية يومه.
ومن أصبح صائماً لغير رمضان؛ لم يجزه لعدم التبييت.
ويجب الفطر إذا ثبت شوال؛ لتحريم صوم يوم الفطر.
ولا يصلون بعد الزوال؛ لفوات الوقت؛ كالوتر والكسوف.
وقال (ش): تقضى.
ص: (ومن رأى هلال رمضان نهاراً قبل الزوال، أو بعده؛ لم يلزمه الصيام، وهو لما يستقبل، ومن رأى هلال شوال نهاراً قبل الزوال، أو بعده؛ لم
стр. 1402
يجز له الفطر).
ت: إن رئي بعد الزوال؛ فهو للمستقبل اتفاقاً، أو قبل الزوال:
قال أشهب، و (ش)، و (ح)، وجمهور الفقهاء للمستقبل، لما روى أبو وائل قال: جاءنا كتاب عمر بن الخطاب ﵁: أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهاراً فلا تصوموا ولا تفطروا حتى [تمسوا] (١)؛ إلا أن يشهد رجلان أنهما رأياه بالأمس عشية.
وقاله ابن عمر وابن عباس ﵃.
وقال ابن حبيب والثوري: للماضي (٢)؛ لقوله ﵇: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته (٣)، فيجب الصوم عند الرؤية.
قلت: إذا لم ير الهلال قد يكون في آخر الشعاع فلا يأتي نصف الليل إلا وقد بعد عن الشعاع وظهر، فما يأتي عند الزوال أو الضحى إلا وقد بعد وكبر، يراه ذو الأعين الجيدة، فيكون للمستقبلة قطعاً.
وأما إن كان الغيم فلم ير، ثم بصر قبل الزوال كبير فهو كبير، وانما يتجه مع الصحو، وإن كان عدم رؤيته لكونه مع الشمس لا في آخر الشعاع؛ لم ير قبل الزوال البتة.
стр. 1403
ص: (ولا يصح الصوم كله، فرضه ونفله، معينه ومطلقه؛ إلا بنية ومن الليل قبل طلوع الفجر).
ت لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
والإخلاص: قصد التقرب إلى الله تعالى، وقوله ﵇: إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، أخرجه البخاري (١).
وفي «النسائي»: لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل (٢).
وقال (ح)، وعبد الملك: يصح رمضان بنية قبل الزوال؛ لأن الرسول ﷺ بعث إلى العوالي يوم عاشوراء أنَّ من آكل منكم فليمسك بقية نهاره، ومن لم يأكل فليصم، وكان صوماً واجباً معيناً.
لنا: الكتاب، والسنة، والنظر.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
والحديث المتقدم يدل عليه أيضاً.
ولأن النية شرط فتتقدم المشروط كالصلاة وغيرها.
ص: (ولا بأس بتقديم النية في أول الليل، ولا يفسدها ما يحدث من الأكل والشرب والجماع بعدها قبل الفجر، ويجزئ صوم رمضان بنية في أوله
стр. 1404
لسائره، ولا يحتاج إلى تجديد النية في كل ليلة ما لم يقطعها بفطر، وكذلك كل صوم متصل مثل صوم الظهار أو كفارة القتل أو صيام النذر، وكل صوم متتابع فكذلك حكمه).
ت: القياس مقارنة النية للفجر كسائر العبادات، ولكن قوله ﵇: من الليل، يقتضي جواز التقديم، ولأن الضرورة تدعو إلى ذلك، فمن الناس من لا يعرف الفجر، ومن يعرفه قد لا يرى أوله، وقد ينام حتى يتعداه، فتجوز قبل الفجر أو معه إن أمكن؛ لأنه القياس.
ولا يفسدها ما يحدث من المفطرات؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فلو كانت النية تمنع لامتنع ذلك.
والصوم ينقسم:
إلى ما تجب متابعته؛ كرمضان، والظهار، وقتل النفس، أو نذر شهراً بعينه، أو نذر متابعته مما ليس بعينه.
وإلى ما تمتنع متابعته؛ كالاثنين والخميس.
وإلى ما يخير في متابعته؛ كرمضان للمسافر، وقضائه، وكفارة اليمين، وإماطة الأذى، وجزاء الصيد.
فيكفي في الأول نية واحدة.
وقال (ح) و (ش): لكل يوم نية تخصه.
لنا: الكتاب، والسنة، والنظر.
стр. 1405
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وهو يقتضي صوم ليله ونهاره، وأن يكون عبادة واحدة بنية واحدة، كما لو نذر اعتكافه فيكفيه بنية واحدة عند الجميع، خرج الليل وبقي النهار على مقتضى الدليل.
وقال ﵇: لكل امرئ ما نوى (١)، وهذا نواه فيكون له.
ولأنه نوى صوم ما تجب متابعته، ولا يتخلل بين نيته وفعله غيره، فصح بنية واحدة كاليوم الأول.
وفيما لا يصح متابعته قولان.
والتخيير فيه لمالك فيه قولان؛ بناء على أن الزمن يقبل الصوم والفطر للمسافر، أو يلاحظ كون رمضان في نفسه شيء واحد.
قال ابن الجهم في قضاء رمضان النية لكل ليلة.
قال ابن القاسم: من شأنه يوم بعينه أو سرد الصوم؛ تكفيه نية واحدة.
ص: (ومن نوى صوم رمضان من أوله ثم أفطر بمرض أو حيض أو سفر أو نسيان ثم أراد الصيام؛ لزمه تجديد النية لما بقي منه، وكذلك إذا أفطر متعمداً؛ لزمه تجديد النية).
لأن النية الأولى قد انقطعت فتجدد.
(ومن تطوع بالصوم؛ لزمه إتمامه، فإن أفطر متعمداً؛ كان عليه القضاء، وإن أفطر لعذر مرض أو حيض أو نسيان؛ فليس عليه القضاء، وعلى الناسي