← Фикх малики

Фикх малики · id 30159

شرح التفريع

القرافي

Полный текст (3 250 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

مالك، وجماعة من أولاد الصحابة رضوان الله تعالى على الآباء والأبناء، ولأنه فعل خير كالصلاة. قال مالك: [الصبي] (١) المميّز يُحرم بإذن وليّه ويصح، وغير المميز يُحرم عنه وليه، ويصير مُحرِما بما أحرم به وليه. وقال أبو حنيفة: لا يصير محرمًا بإحرام وليه، ولا ينعقد إحرامه [عنه] (٢). قال اللخمي: لا يصح الإحرام إلا ممن يعقل؛ لأنَّ غيره كالبهيمة (٣). ولا يَحُجُّ بالصبي إلا أبوه أو وصيه؛ لتعلق ذلك بإنفاق المال. قال مالك: وكذلك من الولد في كفالته من خالة أو أخت وعمة، ولا يجزئ عن حَجَّةِ الإسلام لعدم [سبب] (٤) الوجوب وشرطه، [وهو] (٥) البلوغ. ويُروى عنه ﵇: «أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حَجَةُ الإسلام»، قاله الأبهري (٦). [وأما] (٧) اجتنابهم المحظورات في الإحرام؛ فلأن ذلك من أحكام الإحرام. ص: (إذا خاف الولي على الصغير ضيعةً، فحج به، فنفقته من ماله، فإن لم يخف عليه؛ فمثل نفقته في الحضر من ماله، وما زاد على ذلك ففي مال

стр. 1752

وليه، وإن قتل الصبي صيداً فجزاؤه في مال الولي، وقال بعض أصحابنا: جزاؤه في مال الصبي كجنايته). ت: قال اللخمي: أجيز للولي أن يُحرم بالصبي إذا خرج به لما يُرجَى [له من] (١) الأجر، والغالب السلامة من الجناية على الحج (٢). وإن لم يخف عليه ووجد من يكفله لم يجز له الخروج به، فإن فعَلَ ضَمِنَ الزائد على نفقة الحضر. ولم يفصل ابن الجلاب في القولين في جزاء الصيد بين أن يكون يجوز له الخروج به أم لا. وقد روي عن مالك أنَّ الجزاء والفدية في مال الأب، إلا أن يَخرُج نظرًا ولو تركه لضاع (٣). وقيل: في ماله، كجنايته (٤)؛ لأنه أبيح له إحجاجه بالإجماع، ولأن حكم الإحرام لزمه. ص: (لا يجرد المرضع ونحوه للإحرام، وإنما يُجرد المتحرك من الصغار، ولا بأس أن يؤخر إحرام الصبي عن الميقات إلى قرب الحرم، وإن بلغ في حجه مضى عليه حتى يُتِمَّه، ولم يجزئه عن فرضه). ت: لا يجرد غير المميز؛ لأنه لا يتحقق منه إرادة الإحرام، والمجنون

стр. 1753

مثله في جميع أموره. وجاز تأخير إحرامه؛ لأنه يجوز لوليه أن [يُدخله] (١) بغير إحرام إلى مكة. وينبغي لمقارب الاحتلام أن يتجرد من الميقات؛ لأنه يجنب ما يجنبه الكبير، بخلاف ابن ثمان؛ فإنه لا ينزجر. ولا يجزئه عن حَجَّة الإسلام، قال مالك وأبو حنيفة: جدد إحراما أم لا. وقال الشافعي: إن جدد إحراما، ووقف بعرفة؛ أجزأه. لنا: قوله ﵇: «وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢)، ولأن العبادات لا يجزئ نفلها عن فرضها. احتجوا بأنَّ النبيَّ ﷺ سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة، فقال «أحججت عن نفسك؟، فقال: لا فقال: حُج عن نفسك ثم عن شبرمة» (٣)، فأمره ﵇: أن يجعله حجا له، وإن كان تطوع به عن الغير. ولأن علي بن أبي طالب وأبا موسى الأشعري ﵄ أحرما باليمن، فقدما مكة، فقال لهما النبي ﷺ : «بم أحرمتما؟»، قالا: بإحرام كإحرام النبي ﷺ (٤)، وهما لم يعلما ذلك، فلا يُشترط في الحج أن يكون فيه نية للخصوص. والجواب عن الأول: أنَّ معناه: شأنك أن تحج عن نفسك قبل شُبرمة، ولم

стр. 1754

يقل له: اجعلها عن نفسك، كما تقول: عِظ نفسك ثم عِظ غيرك. وعن الثاني: لم يتعين أنهما لم يعرفاه، بل لعلهما سمعاه أو وصل إليهما بطريقة، وهو ظاهر التشبيه. ص: (ويُطاف بالصبي ويُسعى، ويُرمى عنه إذا لم يستطع أن يفعل ذلك بنفسه، ولا يركع عنه، وليركع هو عن نفسه). ت: طاف رسول الله ﷺ في حَجَّة الوداع على راحلته بالبيت، وبين الصفا والمروة، ليراه الناس ويسألوه. ولا يطوف به إلا من طاف عن نفسه؛ لئلا يدخل في طواف طوافان، أو حلال، وينويه عن الصبي، أو من لم يطف عن نفسه [وخصه] (١) به. ولا يجزئ الطائف، كما لو حج عن غيره. قال مالك: يُستحبُّ أن يطوف عن نفسه ثم عن الصبي، كما يحج عن نفسه ثم عن غيره؛ لأن عمل الإنسان عن نفسه مقدَّم، والسعي أخف؛ لأنه تبع للطواف، ولأنه في فرضيته، ولا تشترط فيه الطهارة. قال مالك: في «المدونة»: لا بأس أن يسعى عن نفسه وعن الصبي سعيًا واحدا يحمله في ذلك، ويجزئ عنهما [ .. ] (٢) في الطواف. قال مالك في كتاب ابن شعبان: لا يجزئ عن واحد منهما [إذا أشركه في طوافه] (٣).

стр. 1755

وقال ابن القاسم: يجزئ عن الصبي، وأحَبُّ إليَّ أن يعيد عن نفسه (١). وقال أصبغ: بل يجب أن يعيد عن نفسه (٢)؛ لأنَّ الحامل مثل البهيمة إذا طاف راكبها. وقال عبد الملك: يجزئ عن الرجل دون الصبي؛ لأنه الطائف بنفسه، فلا يقع فعله عن غيره. ورأى ابن القاسم أنَّ الطواف إنما هو الدوران بالبيت، وقد طافا جميعًا: الرجل حامل والصبي محمول، فيجزئهما، واعتبارا بمن حمل صبيين أو ثلاثةً، فإنه يجزئهم، وإنما يعيد مراعاةً للخلاف استحبابًا. وإذا طاف به هل يرمل في الطواف والسعي؟ قاله أصبغ (٣)؛ لأنَّ ذلك من شعائر طواف القدوم. وقال ابن القاسم: لا يرمل (٤)؛ لأنه شرع لإظهار القوة والجلد، وهذا معدوم في حق المحمول. وقوله: يركع عن نفسه، هذا إذا كان يعقل؛ لأن الصلاة لا تقبل النيابة، بخلاف الإحرام والوقوف. فإن لم يعقل الصلاة فلا يركع عنه. وقال ابن عبد الحكم يركع.

стр. 1756

فصل في حج العبد (لَا يَحُجُّ العبد بغير إذن سيده، فإن أحرم بالحجّ بغير إذن سيده فهو بالخيار في فسخ إحرامه وتركه). ت: قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [ال عمران: ٩٧]، وهو غير مستطيع؛ لحجر الرّق. ولقوله ﵇: «أيُّما عبد حجَّ فَعَتِقَ فعليه حَجَّةٌ أخرى» (١)، فلا بد من إذنه؛ لأنه حقه في ماليته. وإذا منعه السيد تحلل ولا إثم على العبد، كالمحصر. فإن خالف سيده فأثِمَ وعصى، ولا هدي عليه؛ لأنه لم يفسخ الإحرام. وتحلله بالنية والحلاق كالمحصر بعدو. فإن أذن له سيده بعد أن أحله: قال ابن القاسم: [يقضيه] (٢) (٣)؛ لأنه التزمه [بالشروع] (٤)، وتحلله من جهته، فأشبه الذي أخره حتى فاته. وقال أشهب وسحنون: لا قضاء عليه (٥)؛ لأنه إنما تحلل من إحرامه بغلبة

стр. 1757

غيره، وأشبه المتحلّل بعدو. ص: (يستحبُّ لمن استأذنه عبده في الحج أن يأذن له، ما لم يَضُرَّ ذلك به). ت: لأنه فعل خير، وليس له إحلاله بعد ذلك، كما لو أذن له في الزواج؛ لأنه أسقط حقه وبقي حق الله تعالى متعلقا بالعبادة. قال مالك: ولا يضمن السيد جزاء ما فعله العبد المحرم (١). قال الأبهري: يعني: أنَّ ذلك في مال العبد، وإن لم يكن له مال ففي ذمته، ويخير العبد في جزاء الصيد - كالحُر - بين المثل والإطعام والصيام، كما يصوم ويصلي وينفق على امرأته. ص: (من خرج بعبده إلى مكة، فاستأذنه في الإحرام؛ فليأذن له وإن نقص ذلك من ثمنه، فإن لم يفعل فلا شيء عليه). ت: لأنه فعل خير لا يعطل خدمته، غير أنه ينقصها بفعل المناسك، ويُضعفه في نفسه تشعُّثُ الإحرام، فلذلك لا يجب الإذن. وأجاز مالك بيعه بعد الإحرام. وقال سحنون: لا يجوز بيعه، كما لو آجره شهرًا. [وقد يفرق] (٢): أنَّ المنافع في الحج باقية للسيد، وفي الإجارة للمستأجر،

стр. 1758

فامتنع التسليم (١). وليس للمبتاع أن يُحِلَّه؛ لأنه عيب، إن رضي به لزِمَ، وإلا رَدَّ به إن طال ما بقي من الإحرام. ص: (إن حج العبد ثم عَتِقَ في أضعاف حجه أتمه، ولم يُجزئه عن فرضه، وكذلك إذا عَتِقَ بعد فراغه فعليه حَجَّةٌ أخرى لفرضه). لأن إحرامه انعقد نفلًا إجماعاً، والنفل لا يجزئ عن الفرض. ولقوله ﵇: «أيما عبد حج فعَتِقَ؛ فعليه أن يحج لفرضه» (٢). (وإذا نذر العبد الحجَّ فمنعه منه سيده؛ لزمه أداء ذلك بعد عتقه). ت: قال ابن القاسم: للسيد حلّ عقد النذر. ومنعه أشهب؛ لأنَّ ذلك العقد لا يَضُرُّ السيد ما دام العبد في ملكه، ولا يحط من الثمن إن باعه. ص: (إذا أحرمت المرأة بحج التطوع، فحللها زوجها، فعليها القضاء إذا طلقها). ت: لأنها عطلت عليه بالإحرام الاستمتاع، فكان له أن يُحِلَّها. قال سند: إلا أن يُحرم هو بالحج وهي صحبته؛ لأنَّ مِنْعَها مضارَّةٌ.

стр. 1759

فإن أحرمت بالفريضة له إحلالها؛ لما في الدارقطني: أن رسول الله ﷺ قال في المرأة: «ليس [لها أن تنطلق] (١) في الحج [إلا بإذن زوجها] (٢)» (٣)؛ لأنَّ حق الزوج على الفور إجماعاً [فلذلك] (٤) تقدَّمَ على الحج. وقال مالك: ليس لها أن تحُجَّ الفريضة بغير إذنه، وليس الإحرام كالصلاة والصوم. قال أشهب: إحلاله لها باطل، وإن وطئها فسد حجها، وتتمه، وتقضي وتهدي في القضاء، وترجع بالهدي على الزوج، وإن فارقها وتزوجت غيره فنكاحها باطل؛ لأنها محرمة (٥). قال ابن حبيب: إن أحرمت بفريضة الحج ليس على الزوج [فوق] (٦) نفقة ما كانت تنفقه في إقامتها (٧). وحجها كحيضها وصومها لا يمنع النفقة. ص: (إذا أُعتق العبد ليلة عرفة، وأحرم ووقف بعرفة؛ أجزأه عن حَجَّة فرضه).

стр. 1760

ت: لأنه توجهت عليه فريضة الإسلام بالحرية، ولا دم عليه [لتجاوز] (١) الميقات؛ لأنه يجوز له أن يدخل مكة حلالاً، فإذا عتق بمكة كان ميقاته من موضعه. ص: (إذا أسلم الكافر فأحرم بالحج، وأدرك الوقوف بعرفة؛ أجزأه من حجة الإسلام). ت: لصحّة فعله حينئذ. قال سند: أمره بالخروج إلى الميقات احتمال، وإن أحرم من موضعه أجزأه، ولا دم عليه؛ لأنه مر على الميقات وليس من أهل النُّسُك، وإن أسلم بعد الوقوف بعرفة أخر الإحرام إلى شهور الحج. ص: (إذا حج، ثم ارتد عن الإسلام، ثم تاب؛ فعليه حَجَّةٌ أخرى، وقد حبِطَتْ حَجَّته الأولى). لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وإذا حَبِطَ حجه لزمه ائتنافه. * * *

стр. 1761

باب جامع المناسك (أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، وقيل: عشر من ذي الحجة). ت: وقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرُ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وأقل [الجمع] (١) ثلاثة. أو يقال: الحج يفوت بخروج العشر الأول من ذي الحجة، وقاله عمر، وابنه، وعثمان، وابن عباس. وفائدة الخلاف: تعلق الدم بتأخير طواف الإفاضة. قال ابن رشد: ولأنه إذا رمى جمرة العقبة يوم النحر فقد حلّ من إحرامه، ولا يُفسد الوطء إحرامه، وترك الوطء بعد الجمرة وقبل الإفاضة من سنن الحج لا من فرائضه. وسُمِّي هذا شهرًا لأنك تقول: جئتك يوم الخميس، وإنما جاء في بعضه (٢). وقال الشافعي: شوّال وذو القعدة وتسع ليال من ذي الحجة. ويفعل في ذي الحجة عندنا بقية الرمي، والمبيت بمنى، وطواف الإفاضة. وقال ابن عمر: أشهر الحج شوّال وذو القعدة وذو الحجة.

стр. 1762

ص: (يوم الحج الأكبر: يوم النحر، والأيام المعدودات: أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، والأيام المعلومات: أيام الذبح وهي: يوم النحر، ويومان بعده، وليس في اليوم الرابع ذبح). ت: كان المشركون يقف بعضهم بعرفة وبعضهم بالمشعر، ثم يأتي من بعرفة فيقف يوم النحر بالمشعر، فصار فيه اجتماعهم، فسُمِّي الحج الأكبر في القرآن. وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وقال الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٧]. وأجمع المفسرون على أنَّ المراد بالمعدودات: أيام الرمي، ثلاثة أيام منى بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، وأنَّ المراد بالمعلومات: أيام النحر، فيوم النحر معلوم غير معدود. واليومان بعده معدودان معلومان، واليوم الرابع معدود غير معلوم. وليس في الرابع ذبح؛ لأنَّ أقل الجمع ثلاثة، وقاله عمر، وعلي، وابن عباس، وابن عمر، ولأنه لا يتعقبه مبيت بمنى، فأشبه ما بعده. ص: (لا يجوز ذبح شيء من الضحايا والهدايا ليلا، ولا بأس بذبح الهدايا قبل الإمام، ولا يجوز ذبح شيء من الضحايا قبله). ت: قال الله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٧]، ولم يذكر الليالي. قال أشهب: يذبح الهدايا ليلا (١)؛ لأنه من باب قضاء النسك، كالرمي،

стр. 1763

ولأنه لا تتقيد بالأيام؛ لأنَّ الآية لم تشترط ذلك، خرجت الأضحية. ص: (الحلاق أفضل من التقصير، ومن حلق أو قصر فليعم بذلك رأسه كله، ولا يجزئه الاقتصار على بعضه. وسُنَّة النساء التقصير، وليس لما يقصرنه حد في الطول [والقصر، وتقصر المرأة من سائر شعرها، ولا يجزئها الاقتصار] (١) على بعضه، وإن آذاها القمل فلا بأس [بحلاقه] (٢)). [ت: لأنَّ النبيَّ ﷺ ] (٣) حلق، وحلق معه طائفة من الصحابة ﵃ (٤). وفي «الموطأ»: أنَّ رسول الله ﷺ [قال: «اللهم] (٥) ارحم المحلقين»، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين، قال: «اللهم ارحم المحلّقين»، قالوا: يا رسول الله، [ … ] (٦) والمقصرين (٧). وتكرر الدعاء يدل على أفضلية الحلاق. قال ابن القاسم: إن حلق بالنُّورة؛ يجزئه (٨) كالحديد.

стр. 1764

وقال أشهب: لا يجزئه (١)؛ لمخالفة السنة. قال مالك: الحِلاق في العمرة أعجب إليَّ، إلا أن يقرب الحج جدا فيقصر؛ ليبقى شعر يحلقه في الحج (٢). وقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] يقتضي أن لا يُجزئ بعض الرأس؛ لأن الرأس اسم للجميع. قال مالك: ليس للتقصير حد في الطُّول والقصر، وما أخَذَ من ذلك أجزأه، وكذلك الصبيان (٣). وإن أخذه من أطرافه أخطأ ويجزئه. قال مالك في «المختصر الكبير»: لا يأخذ الرجل من أطراف شعره ولكن يجزه جزا (٤). قال الأبهري: يأخذ ما يقع عليه اسم التقصير، ولا يأخذ الشيء اليسير، بل يفعل ما يُعرف (٥). وقال رسول الله ﷺ : «ليس على النساء الحلق، إنما عليهن التقصير» (٦). قال اللخمي: لا يجوز أن يحلقن؛ لأنه مثلةٌ، إلا لضرورة (٧).

стр. 1765

وقال رسول الله ﷺ : «لتأخذ من جميع قرونها»، فإن قصرت بعضه لم يجزئها. قال مالك: إن نسيت التقصير حتى خرجت؛ قصرت وأهدت للتأخير، وإن لم تذكر إلا بعد سنين. وإن أصابها زوجها قبل التقصير فلتُهد (١)؛ لأنه محظور قبل التقصير. قال مالك: لا يدخل أحد الكعبة حتى يحلق (٢). قال الأبهري: كره ذلك لئلا يتناثر منه قمل أو دنس في الكعبة (٣). قال مالك: دخول البيت كلما قدرت عليه [حسن] (٤)، والصلاة فيه، ولا يعتنق شيئًا من أساطينه (٥). وقد دخل النبي ﷺ البيت، وصلَّى فيه، ولم يُنقل عنه أنه اعتنق. قال مالك: لا يتعلق بأستار الكعبة عند الوداع، وكذلك عند قبر النبي ﷺ (٦)؛ لأنه لم يُنقل عن الصحابة ﵃. ص: (خُطب الحج ثلاثة: خطبة يوم السابع بمكة قبل يوم التروية، وخطبة يوم عرفة، وخطبة يوم النفر بمنى، وهو ثاني يوم النحر، ويجلس

стр. 1766

الخطيب بين الخطبتين في يوم عرفة، ويخطب قبل الصلاة، ولا يجهر فيها، وخطبة يوم السابع والحادي عشر بعد صلاة الظهر، ولا يجلس فيهما). ت: لأنَّ رسول الله ﷺ صلى الظهر بمكة يوم السابع، وخطب. واختلف في الجلوس: فمنعه ابن المواز، وابن الجلاب. وقال مطرف وعبد الملك: يجلس. وهذه الخطبة تعليم لما [يعمله] (١) الحاج يوم عرفة. أما خطبة يوم عرفة فأصلها أنه ﵇: لما زاغت الشمس يوم عرفة أمر بالقصواء فرحلت له، حتى إذا انتهى بطن الوادي خطب الناس (٢)، ويجلس في هذه عند الجميع جلسةً خفيفة، فهي تعليم لما [يعملونه] (٣) إلى يوم النحر. وروي عنه ﵇: أنه خطب بين أوسط أيام التشريق (٤)، وهي تعليم للرمي والإفاضة، إلى آخر النسك. وقال عبد الملك، ومطرف: يجلس كسائر الخطب (٥)

стр. 1767

ص: (يُستحب المقام بالمحصّب عند الصَّدَر من منى قبل دخول مكة، ومن تركه فلا شيء عليه). ت: رُوي عن النبي ﷺ أنه فعل ذلك. قال مالك في «المختصر»: ويقيمون حتى يصلوا العشاء (١). ووسع لمن لا يُقتدى به في ترك النزول به. ومن أدرك وقت شيء من الصلوات قبل أن يأتي أبطح مكة صلاها. والنزول بالمحصب يستحبُّ وليس بنسُكِ يوجب دما؛ لقول عائشة ﵂: نزول الأبطح ليس بسنة، إنما هو منزل نزله النبي ﷺ ؛ لأنه أسمح لخروجه، خرجه الصحيحان (٢). وسمي محصّباً لاجتماع الحصباء فيه؛ لأنَّ السيل يجرها إليه، وسُمِّي أبطح؛ لأنه موضع منهبط. ص: (يستحبُّ المقام بالمُعَرَّس لمن قفل إلى المدينة، والصلاة به، ومن أتاه في غير وقت صلاة فليقم حتى يصلي، إلا أن يخاف [فوتًا أو ضرورة] (٣)، فينفر قبل أن يصلي، ويُستحب للراكب أن يحرّك دابته [ببطن محسر] (٤)، وللراجل أن

стр. 1768

يُسرع فيه حتى يخرج منه). [ .. ] (١)، لما أتى رسول الله ﷺ محسر أركض راحلته برجله [قدر رمية حجر .. ] (٢). * * *

стр. 1769

فصل في طواف الوداع ([وطواف الوداع مستحب] (١) غير مستحق). ت: لقوله ﵇: «لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت» خرَّجه مسلم (٢)، [ويسمى طواف الصدر] (٣). قال مالك: وهو على النساء والعبيد والصبيان (٤). ومن خرج يعتمر من الجعرانة أو التنعيم فلا توديع عليه [عند] (٥) الجميع. فإن [خرج يعتمر] (٦) من الجُحفة: روى ابن القاسم عن مالك: يودّع، وروى أشهب أنه مخير؛ نظرًا إلى أنه سفر بعيد يشبه الأقاليم، أو إلى أنه نوى الرجوع فأشبه التنعيم. وليس بركن اتفاقًا؛ لحصول التحلل قبله، ولسقوطه عن أهل مكة. قال مالك: لا دم فيه. وقال أبو حنيفة: فيه الدم.

стр. 1770

وعن الشافعي القولان. لنا: أنه بعد التحلل. ص: (من صدر من منى يوم النفر الأول، فطاف ونفر؛ أجزأه ذلك لإفاضته ووداعه). لأنه جعل آخر عهده بالبيت. (وإذا طاف المعتمر وسعى فليس عليه أن يودع إذا انصرف مكانه). لأنه جعله آخر عهده بالبيت. (ومَن وَدَّعَ ثم بات بمكة استحسنًا له أن يعيد وداعه). ليكون متصلا بخروجه. (ومَن وَدَّعَ ثم تأخر لشراء حاجة فليس عليه إعادة؛ لأنه لا يكاد ينفك عنه أحد). ت: قال ابن القاسم: إن أقام بمكة بعض يوم أعاد؛ لخروج المتقدم عن أن يكون وداعًا، فإن خرج من فوره فأقام بذي طُوًى فليس عليه العودة. وقال مالك في «مختصر ما ليس في المختصر»: إن أقام الغد بمكّة فهو في سعة؛ لأنه قضى حق البيت. ص: (إن ترك الوداع رجع إن كان قريبًا، وإن تباعد فلا شيء عليه). ت: رد عمر ﵁ رجلا لم يودّع من مر ظهران (١)، ولم يحد ذلك مالك،

стр. 1771

بل قال: إن كان قريبا. قال ابن القاسم: يرجع ما لم يخف فوات أصحابه. ص: (إن نسي طواف الإفاضة وقد ودع أجزأه وداعه عن إفاضته إذا بَعُد). ت: قال مالك والجمهور بالإجزاء. وقال ابن عبد الحكم، وابن حنبل: لا يجزئ؛ لأنه عبادة مستقلة، فيفتقر إلى نية التعيين، كالصلاة، ولأنَّ المندوب لا يُجزئ عن الفرض. لنا: أن الحج عبادة واحدة، فلا يفتقر أركانه إلى نية، كركعات الصلاة، وما تجدد من النية لا يضر، كمَن صلَّى ركعتين من الفريضة ظن أنه في نافلة، وصلى بقيتها بنية النافلة، فإنها تجزئه. * * *

стр. 1772

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى الله على سيدنا محمد كتاب الجهاد (الجهاد فرضٌ على الكفاية، وليس هو فرضًا على الأعيان). ت: أصلُ وجوبه: الكتاب، والسنة، والإجماع. فالكتاب: قوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة: ٤١]. وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]. وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. وقال رسول الله ﷺ : «أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله»، خرجه مسلم (١). وأجمعت الأمة عليه. ويدل على أن فرضه كفاية قوله تعالى: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى

стр. 1773

﴿الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]. قال سحنون: كان فرضاً على الأعيان أول الإسلام (١)؛ لقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]، فالثقيل من له ضيعة، والخفيف من لا ضيعة له، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]، والطائفة غير معلومة، [فكان على] (٢) غير معين. وضابط الكفاية: إذا جوهد العدو، وحُمِيت ثغور الإسلام؛ سقط الفرض عن بقية المسلمين، [فيكون] (٣) نافلةً وقربةً. ويكون فرضاً على الأعيان [ .. ] (٤): ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦]. قال ابن المواز: إنما الانحياز إلى والي جيشه الأعظم الذي دخل معه، أو ينحازون إلى سرية خلفها ممن يليها (٥).

стр. 1774

وقيل: يُعتبر القوة والجَلَد (١)؛ لأنه المقصود والمعوّل عليه، والأول أظهر، وهذا إذا علمت القوة والجَلَد، فإن جُهل اعتبر العدد. قال ابن رشد: الفرار من الزحف عند حصول الضعف - في العدد أو القوة على القولين - من أكبر الكبائر عند مالك وأصحابه. ولا يَحِلُّ الفرار وإن فرَّ إمامهم، وهذا ما لم يبلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفًا، فيحرم الفرار وإن زاد العدو على الضعف؛ لقوله ﵇: «ولن يُغلب اثنا عشر ألفا من قلة» (٢). ولا تجوز المهادنة إلا لضرورة تدعو [إليها، والقتال] (٣) واجب، ولا يُترك إلا بإجابتهم إلى الإسلام أو بذل الجزية لنا في دارنا (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وإنما اشترطناه أن تكون في ديارنا لنأخذها على وجه الذل والصغار. ص: (لا يلزم النساء، ولا العبيد، ولا الصبيان). ت: في البخاري: قالت عائشة ﵂: استأذنتُ رسول الله ﷺ في الجهاد،

стр. 1775

فقال: «جهادكنَّ الحج» (١). ولضعفهنَّ عليه، واحتياجهن فيه إلى مخالطة الرجال. وهو [ .. ] (٢)، وليس في الحديث ما يمنع من تطوعهن به، بل الحج أفضل لأنهن يستترن فيه، وإذا سقط الحج والجمعة عن العبيد فأولى الجهاد؛ لحقوق السادات. وقوله ﵇: «رُفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» (٣) يقتضي سقوطه عن الصبيان. ص: (لا يُقتل العدو حتى يُدعى إلى الإسلام، إلا أن يعجلوا عن ذلك فيقاتلوا). ت: أصل ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع. فالكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦]. وفي مسلم: لما بعث رسول الله ﷺ معاذ إلى اليمن قال: «إنك تأتي قوما

стр. 1776

من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله» (١). وخرج أيضا: أنه ﵇ كتب إلى كسرى وقيصر يدعوهم إلى الله (٢). ولا خلاف في وجوب الدعوة قبل القتال لمن لم تبلغه (٣). ولمالك فيمن بلغته؛ قولان (٤). قال اللخمي: وسواء أتينا أو أتيناهم إلى بلادهم. فالوجوب بعموم الآية، وقياسًا على قتال من لم تبلغه. وروى ابن وهب: أنَّ النبي ﷺ أمر عليا بالدعوة ثلاثًا (٥). وفعله ﵁ (٦). ولأن المقصود إنما هو التوحيد، فيحتاط في ذلك بتقديم الدعوة. ووجه سقوطها: قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]. وقوله ﵇: «أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» (٧)، ولم يذكر

стр. 1777

الدعوة في شيء من هذه الأدلة، فمن [ادَّعى] (١) زيادةً فعليه الدليل. ولأنه ﵇ كان يُغير على بني المصطلق، فقتل [مقاتلتهم] (٢)، وسبى ذراريهم (٣). وكان ﵇ إذا سمع أذاناً أمسك، وإلا أغار بعد ما أصبح (٤)، ولا تكون الإغارة إلا [بعد] (٥) دعوة. قال مالك: وإذا دُعُوا فإنما يُدعون إلى الإسلام جملة من غير تفصيل للشرائع (٦)؛ لأنَّ [الفرائض] (٧) إنما لزم فعلها بعد الإيمان؛ لأنه يُشترط في صحتها، إلا أن يسألوا عنها فتُبيَّنَ لهم، ويُدعوا إلى الجزية [ … ] (٨) لا أن [ .. ] (٩) عنها فتبين. وقوله: إلا أن يعجلوا، قيل ذلك لأنَّ التوقف حينئذ تمكين للعدو من المسلمين.

стр. 1778

ص: (لا بأس [بتحريق أرض العدو، وقطع] (١) أشجارهم [وثمارهم، وهدم بنيانهم، وعقر دوابهم، وكلّ ما فيه] (٢) نكاية لهم، ولا يُحرق النخل ولا يُغرق، وتقام الحدود في أرض العدو). ت: [الأصل] (٣): قطع رسول الله ﷺ نخل بني النضير وحرق (٤)، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥]. واللينة: النخلة والشجرة، قاله ابن عباس (٥) وقال تعالى: ﴿وَلَا يَطَعُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٌّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحُ﴾ [التوبة: ١٢٠]. ولقوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر: ٢]، وكانوا يهدمون بيوتهم ليرموا بها [المسلمين] (٦). قال سحنون: نهي الصديق ﵁ عن قطع الشجر وإخراب العامر فيما يُرجى مصيره للمسلمين (٧). وفي أبي داود: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا هريرة، إذا غزوت فلا تحرقن نخلا ولا تغرقها» (٨).

стр. 1779

ولأنها تنتقل إلى دار الإسلام، كالحمام، إلا أن يكثر نفعهم بها، فيجوز إتلافها؛ لأنها ليست [بأعظم حرمةً] (١) من الخيل والأنعام التي تُعرقب إذا عُجِزَ عنهما. قال مالك: تُحرق وتُغرَّق (٢)؛ لأنه لا طريق لإتلافها [إلا ذلك] (٣). قال المهلب: نهيه ﵇ عن التحريق ليس للتحريم [بل للتواضع] (٤)، وأن يُشبه بعذاب الله تعالى. وقد سمل رسول الله ﷺ أعين العرنيين (٥)، ومعناه: بمراود محماة بالنار. وأما إقامة الحدود فلأن أدلتها لم تخصص أرضا دون أرض، فإن زنى الأسير بحربيَّة في بلادها، ثم تخلّص وأتى إلينا: قال ابن القاسم: يُحَدُّ (٦)، كانت [حرَّةً] (٧) أو مملوكة. وقال عبد الملك: لا حَدَّ عليه في زناه، ولا في سرقته منهم (٨).

стр. 1780

ص: (مَنْ غلَّ شيئًا من المغانم قبل حيازتها وإحرازها فعليه العقوبة، ولا قطع عليه، ومن سرق شيئًا من المغانم بعد حيازتها وإحرازها فعليه القطع، وقال عبد الملك: لا قطع عليه إلا أن يسرق زيادة ربع دينار على سهمه). ت: قال رسول الله ﷺ : «لا قطع على خائن» (١)، والغلول خيانة، فيؤدب ولا يُحرم سهمه؛ لأنه استحقه بالقتال. وقوله ﵇: «من وجدتموه قد غل فاحرموه سهمه، وأحرقوا رَحلَه» (٢) تغليظ. أما بعد حوزها فقياسًا على مال الأجنبي، وقاس عبد الملك على الأمة المشتركة إذا زنى بها، فإذا زاد ربع دينار فهو فيه، كمال الأجنبي. ص: (إذا زنى بأمةٍ من المغنم فعليه الحد. وقال عبد الملك: لا حد عليه). ت: جعله ابن القاسم كالأجنبي من الغنيمة. وقال عبد الملك: كالشريك. قال سحنون: إن [أعتق] (٣) مضى عتقه، وغرم نصيب أصحابه، وإن أولدها لم يُحَدَّ ويدفع قيمتها يوم [أحبَلَها] (٤) لأمير الجيش، فإن تفرقوا تصدق به، وإن كان عديما بنصيبه بحساب أم الولد، ويُباع باقيها؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا

стр. 1781

غَنِمْتُم مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، فلم يُخرج إلا الخمس، وترك الباقي ملكًا لهم. ص: (الغنيمة كلها مخمسةٌ؛ عينُها وعَرْضُها وأسلابُها). ت: أصلها الكتاب، والسنة، والإجماع. فالكتاب: قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، فإخراج الخمس يدل على أن الباقي لهم. وروى ابن وهب: أنَّ رسول الله ﷺ [لم] (١) يأخذ من غزوة [أصابَ] (٢) فيها مغنما إلا الخمس، وقسم الأربعة أخماس على الجيش (٣) في غزوة بني المصطلق وحنين وخيبر، ثم لم يزل المسلمون على ذلك. قال المازري: ولا خلاف أنَّ ما غنمه المسلمون بقتال أو إيجاف [أنه يخمس] (٤). والإيجاف: هو الإسراع، وجيف الخيل والركاب: إسراعها. قال العبدي: الإيجاف: الحملات في الحرب. قال الباجي: وكذلك ما أُخذ على وجه المغالبة بموضع يمكنهم الخلاص

стр. 1782

فيه، فإنه يُخمَّس، وما تركوه فرقًا من القتال ولم يوجف عليه فيُصرف في جميع مصالح المسلمين، كالخُمس؛ لأنه لم يختص به أحد بسبب قتال، فاستوى فيه المسلمون. وصفة التخميس: أن يُقسم كلُّ صنفٍ منها خمسة أجزاء، الوصفاء صنف، فإذا فرغ [الوصفاء] (١) فُعِل بالنساء المشبهات بعضها بعضا كذلك، فإذا اعتدلت القسمة من أهل المعرفة بقسمة الغنائم كُتِب في رقعة: هذا الرسول الله ﷺ ، أو: الخُمس، ثم يُقرع، بحيث وقع سهم الخُمس كان للإمام، وكذلك فعله ﵇ (٢). واختلف في المتاع: فقيل: يُجمع في القسم ابتداء. وقيل: إن حمل كلُّ صنف القَسْم بانفراده لم يُجمع، وإلا جمع. قال سحنون: ينبغي للإمام [أن يأمر] (٣) ببيع [الغنيمة] (٤) من العروض بالعين، ثم يُقسم، فإن لم يجد من يشتريها قسمها بالقيمة على خمسة أجزاء بالقرعة (٥). قال ابن حبيب: سمعتُ أهل العلم يقولون: ما يُستطاع قسمته قسمه الإمام، وإلا قسم ثمنه (٦).

стр. 1783

قال الباجي: الأظهر عندي من فعل رسول الله ﷺ قسمة ذلك، ولأنَّ حقهم متعلق بالعين، فلا يباع إلا لضرورة (١). ص: (النُّفَل من الخُمس). ت: لأنَّ الله تعالى إنما استثنى الخمس، وترك البقية للغانمين، فلو كان من غير الخُمس لكان المستثنى أكثر من الخُمس. وروى ابن وهب: أنَّ رسول الله ﷺ إنما نفَّل يومَ حُنين من الخُمس. وروى ابن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ بعث سريةً قِبَلَ نجد، فغنموا إبلا كثيرة، وكان سهمانهم أحد عشر بعيرًا أو اثني عشر بعيرًا، ونُقلوا بعيرًا (٢)، فدل على أنَّ النفل من الخمس، والنفل زيادة على السهم أو هبة لمن ليس من أهل السهم، ففعله الإمام لرأي يراه الإمام، كحراسة أو [تجسس] (٣) أو غيرهما. ص: (ليس للقاتل سلَبٌ، إلا أن ينقله الإمام لضرب من الاجتهاد، فيكون له من الخمس دون جملة الغنيمة). ت: قال مالك: لم يبلغني أنَّ رسول الله ﷺ قال: «من قتل قتيلا فله سَلَبه» إلا يومَ حُنَين، ولا فَعَلَ ذلك أبو بكر، ولا عمر (٤).

стр. 1784

وقالت طائفة: وهو للقاتل؛ لظاهر الحديث (١). وعمل أهل المدينة على أنه من الخمس إذا قاله الإمام (٢). ولأن رسول الله ﷺ أعطاه أبا قتادة من غير بينة، ولم يُحلّفه مع شهادة، ولو كان من أصل الغنيمة لاحتاج إلى ذلك. وأعطى رسول الله ﷺ سلب أبا جهل أحد قاتليه، مع قوله ﵇: «كلاكما قتله» (٣)، ووقعت وقائع لم يُعط فيه السلب للقاتلين. ولأن قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] يقتضي أن البقية للغانمين على السواء، ولو استَحَقَّ كلُّ غالب سلب مقتوله لم تُقسم غنيمةٌ. قال مالك: أكره للإمام أن يقول: قاتلوا وللمرء كذا، ومن قاتل موضع كذا فله كذا، ونحوه، وأكره أن يسفك أحدٌ دمه على مثل هذا (٤). وإنما يقاتل لإعزاز الدين، فإن جاءه رزق قبله، قال رسول الله ﷺ : «مَنْ جاهد لِعَرَضٍ من الدنيا فلا أجر له» (٥). قال سحنون: [وقال النبي ﷺ ] (٦): «من قاتل يريد وجه الله فهو الشهيد». قال المهلب: إن كان أصل نيته إعزاز الدين، ثم دخل عليه حبُّ الغلبة

стр. 1785

والمغنم؛ لا يضره. قال ابن بطال: إذا كان ابتداء العمل الله، فما عرض بعد ذلك فمن وسواس الشيطان، ولا يزيله عن حكمه إعجاب المرء اطلاع الناس عليه، ولا بروزه بذلك، إنما يستحق العقاب على ابتداء النية لغير الله تعالى. قال ابن رشد: هذه الخطرات لا تملك (١). قال اللخمي: السَّلَب: ما كان من اللباس مثل الدرع، والثياب، والسيف بحليته، والمنطقة دون ما فيها من الدنانير، والخاتم، والعمامة، والبيضة (٢). قال سحنون: لا شيء له في الطوق، والسوارين، والقرطين، والتاج، وإن كان عليه، وله ساعداه وساقاه، وفرسُه بما عليه من لجامٍ وسَرْجِ (٣). ص: (ما حازه المشركون من أموال المسلمين ثم غنمه المسلمون؛ فلا يجوز لهم قسمته إذا عرفوا أنه لمسلم، وإن لم يعرفوا ذلك حتى اقتسموه، ثم ثبت؛ فصاحبه بالخيار: إن شاء أخذه وأعطى ثمنه، وإن شاء تركه، فكان ملكًا لمن وقع في سهمه). ت: رُوي أنَّ رجلاً وجد بعيرًا له في المغنم، وقد كان المشركون أصابوه قبل ذلك، فسأل عنه رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : «إن وجدته قبل أن يُقسم فهو لك، وإن وجدته قد قسم فأنت أحق به بالثمن إن شئت» (٤).

стр. 1786

ولأن الأصل بقاء ملكه عليه، وذهبت لابن عمر فرس أخذها العدو، فظهر عليه المسلمون، فردت عليه في زمان النبي ﷺ (١). وإنما كان عليه الثمن؛ لأنَّ مَنْ في يده أخذه بحكم الإمام، فكان يؤدي لبطلان حقه من الغنيمة؛ لأنَّ الإمام لا يَعْرَمُه له، ويتعذر الرجوع على الغانمين؛ لتفرقهم. فإن كان صاحبه غائبًا، وكان لا حِمْلَ [له] (٢)، وقد وُجِدَ [ .. ] (٣) قبل القسمة؛ حمل إليه، أو له مؤنة يأتي على أكثره (٤)؛ بيع وبعث ثمنه إليه. قال المازري ولا بد من إثبات ملكه ويمينه أنه ما باع ولا وهب، كالاستحقاق. وقال الباجي: أما إن باعه منهم فلم يوفوه ثمنه، أو خافهم فصالحهم به، ونحوه؛ فلا حق له فيه؛ لأنه أخرجه عن ملكه مختارا. قال ابن حبيب: إن وقع في المغانم وعُرف بعينه، وصاحبه غائب، فبيع؛ فذلك خطأ، ولربه أخذه بغير ثمن (٥)، ويرجع المشتري في المغانم إن أدركها. وقال سحنون: لا يأخذه إلا بالثمن؛ لأنها قضيةٌ من حاكم وافقت اختلافًا (٦).

стр. 1787

وقال ابن محرز: كلام سحنون يدلُّ على أن مذهبه في القاضي إذا حكم بجهل، فوافق مذهب بعض الأئمة، وإن لم يقصد موافقته أنه لا ينقض حكمه، ولا يثبت من أحكام القضاة إلا ما حكموا به عن قصد الحق، باجتهاد أو تقليد، لا بالجهل والتخمين أو قصد الباطل فلا؛ لأنه لا يَحِلُّ بالإجماع. واختلف إذا وجد فرس في فخذه رسم حبس: قال أصبغ: لا يُقسم، ويكون حبسا في السبيل (١). وقاله سحنون في (العتبيَّة) (٢). وقال في كتاب ابنه: يُقسم (٣). فإن علم أنه لمسلم، ولم يُعلم صاحبه؛ قال مالك في «المدونة»: يُقسم (٤)؛ لأنه ليس في وقفه فائدة؛ لأن مالكه لا يُعرَف، والغانمون يستحقونه، حتى يُعلَم صاحبه. قال عبد الوهاب: ولا يُقبل قوله إلا ببينة (٥). وقال ابن الجلاب: يوقف؛ رجاء أن يُعرَف ربُّه، كاللُّقَطَة. قال المازري: والفرق: أنَّ اللُّقَطَة لم يَزُل مِلكُ ربها عنها إجماعا، وفي زوال ملك هذا خلاف.

стр. 1788

فإن بيع حُرّ في المغانم: قال في «الموازية»: لا يتبع الحر بذلك الثمن (١). وقال أشهب: يتبع (٢). وقال ابن القاسم: الصغير والكبير القليل الفطنة والأعجمي لا يُتبع، وإن نودِي عليه وهو ساكت عالم متعمد، أتبع إذا لم يجد المشتري على من يرجع (٣). قال اللخمي: أرى أن يَعْرَمَ الإمام الثمن من باقي الخُمس [إن بقي منه شيء (٤). وقال سحنون: هي مصيبة نزلت به، ولا يُعطى من الخمس] (٥) ولا من بيت المال (٦). قال يحيى بن يحيى: إذا أصاب العدوُّ لمسلم دنانير أو دراهم أو تبر فضة أو ذهب؛ إن عُرِفَ قبل القسم أخذه، وإلا فلا سبيل له عليه؛ لأنه يُعطى مثله، وقاله سحنون (٧). ص: (من حاز المشركون أمّ ولده، ثم وقعت في سهم رجل قبل العلم بأنها أمّ ولد لمسلم، ثم عُلِم بذلك [بعد] (٨) القَسْم؛ لم يجز لمن حصلت في

стр. 1789

سهمه أن يسترقها، ولا يستحل فرجها، وعلى سيدها أن يفديها بقيمتها). ت: إن قسمت بعد معرفتها أُخِذت بغير شيء، وتحرُمُ على آخِذها؛ لأنه لم يبق فيها إلا الوطء، كالحرة، ويفديها سيدها بقيمتها؛ لما فيها من الرق، وهو قول مالك [المروي] (١) في «المدونة». وقال في «الموطأ»: يفديها الإمام لسيدها، فإن لم يفدها فعلى السيد فداؤها؛ لأنَّ الإمام أدخله في ذلك بما فعله من القسمة، بخلاف الأمة التي تركها، وهذا لا يقدر على الترك، ولاحظ في الأول بقية ملكه فيها، واختصاص منفعته بها. ص: (من كان أسيرًا في أرض العدو، فخرج إلى أرض الإسلام، وخلف ماله في أيديهم، ثم غزا مع المسلمين، فغنموا ماله؛ فهو أحقُّ به قبل القسم بغير ثمن، وبعد القسم بالثمن). ت: أصله حديث صاحب الجمل المتقدم. وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح ومعاوية بن أبي سفيان ﵃: ما أحرزه العدو من أموال المسلمين، فاعترفه أصحابه قبل أن يُقسم؛ فهو مردود إليهم. وقاله جماعة من الصحابة والتابعين. ولأن الأصل بقاء ملكه، وقد عادت إلى المغانم، فزالت شُبهة الملك للعدو.

стр. 1790

ص: (إذا أتى الحربي مسلما، وخلف ماله وولده في أرض العدو، ثم غزا مع المسلمين، فغنموا ماله وولده؛ ففيها روايتان: إحداهما: أنَّ ماله وولده فيء للمسلمين، والأخرى: أنَّ ولده مسلمون بإسلامه إذا كانوا صغارا، لا يملكون، وهو أحق بماله قبل القسم بغير ثمن، وبعد القسم بالثمن). ت: وجه الأولى - وهو قول ابن القاسم -: أنه كان ممنوعا من [ماله، و] (١) للكافر شبهة وضع اليد، ولأن ولده لو أقاموا لنشؤوا كفَّارًا. قال عبد الحميد: قال الشيخ أبو الحسن: [ذلك] (٢) في حمل وطئه قبل إسلامه، أما من وطئ بعد الإسلام فتبع له. قال اللخمي: الولد من وطء بعد الإسلام لا يُسترقُ قولا واحدًا (٣). قال مالك: وكذلك إن أسلم وأقام، فدخلنا إليهم، فماله وولده في (٤). وقال سحنون وأشهب ولده أحرار تبع له، وماله له، وامرأته فيء، [وكذلك لو هاجر وحده] (٥)، وترك ذلك كله بأرضه، [ .. ] (٦) (٧). [وقال ابن المواز] (٨): إذا قَدِم إلينا حربي بأمان، فأسلم، ثم غزا مع
следующие страницы →