← Фикх малики

Фикх малики · id 30159

شرح التفريع

القرافي

Полный текст (3 250 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ووجه عدم الوجوب: قوله ﷺ : «من مس ذكره» (١)، فعدل عن لفظ الفرج إلى الذكر. ولا ينتقض بمس دبر. وقال حمديس (٢): ينتقض إذا مس حلقة الدبر؛ على القول بإيجاب الوضوء على المرأة بمس فرجها، قال: وعلى القول الآخر لا وضوء عليه (٣). قال عبد الحق: والفرق أن المرأة تلتذ، بخلاف الدبر (٤). قال ابن سابق: ولا يلزمه (٥) ذلك؛ لأنه لم يعلل باللذة، بل بمجرد اللمس (٦). وأما ملامسته النساء: فلقوله تعالى: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وهو اللمس باليد، لقول الله : ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧]. ولقوله ﷺ لماعز: «لعلك لمست؟» (٧).

стр. 177

وقال ﷺ للأسلمي الذي اعترف بالزنا: «لعلك قبلت أو لَمَستَ؟» (١). فلو كان اللمس: الجماع كما قاله؛ لم يكن في الاستفهام فائدة؛ لأنه اعترف به. ولأنه ذكر الجنابة وحكمها، ثم ذكر الملامسة [وموجبها] (٢)، والأصل عدم التكرار. ولأنها قد ثبت: (أو لمستم)، فيحمل على مس اليد، [وثبت] (٣) ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [فلا يحمل] (٤) على الجماع؛ تكثيراً لفوائد القرآن (٥). فهذه ثلاثة أوجه من الآية. وقاله جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم (٦). احتج (ح) بأن اللمس ورد بمعنى الجماع في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وفي قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] (٧). وقال ابن عباس: واللمس، والمباشرة، والرفث، والإفضاء، في كتاب الله

стр. 178

تعالى الجماع، ولكن الله تعالى يكني (١). جوابه: المعارضة بما تقدم، وقوله : ﴿أَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ [الجن: ٨]، فأما إن حملها على [العموم] (٢) فينتقض الأمران، أو يرجح حمله على لمس اليد؛ لأنه عطف على المجيء من الغائط، وهو مختص بالطهارة الصغرى، والأصل في العطف التسوية. ورجح (ح) بأن صدر الآية فيها ذكر طهارة الماء بالحدث الأصغر والأكبر، ثم لما ذكر عدم الماء وهو التيمم ذكر الأصغر؛ وهو المجيء من الغائط، وذكر اللمس، فيحمل على الجماع ليكمل آخر الآية كما كمل أولها. ونحن نشترط اللذة خلافاً (ش) (٣). ووافقنا على أن لمس شعر المرأة لغير شهوة لا ينقض إجماعاً، فإن التذ انتقض وضوءه (٤). وعن عائشة ﵂ أنها قالت: فقدت النبي ﷺ ذات ليلة فقمت أطلبه، فوقعت يدي على أخمص قدميه، فلما فرغ من صلاته قال: «أتاك شيطان»، ولم يذكر أن صلاته بطلت، وذلك يدل على أن مجرد اللمس لا ينقض. فإن قالوا: الملموس لا ينتقض، وهذه على أحد قولي (ش) بخلاف

стр. 179

اللامس؛ فلا [حجة] (١) في الحديث. قلنا: ففي الصحيح: أن عائشة ﵂ كانت تنام بين يدي النبي ﷺ وهو يصلي، فإذا سجد غمزها فقبضت رجليها (٢)، ولم يذكر أن صلاته انتقضت، وهو هاهنا لامس، والأصل ما تدعيه الشافعية من الحائل على الرجل (٣). ثم يتأكد قولنا بأن اللمس إنما كان [ينقض] (٤) لتحريكه المذي، وإنما يتحرك مع اللذة، والمنقول عن (ح) أنه يشترط الانتشار (٥). فرع: قال ابن رشد في «المقدمات» تفريعاً على اشتراط اللذة: أن اللمس له أربعة أحوال (٦): إما أن يقصد ويلتذ. أو لا يقصد ولا يلتذ. أو يلتذ ولا يقصد.

стр. 180

أو يقصد ولا يلتذ. فيجب في الأولى، دون الثانية. وأما القصد بلا لذة: ينقض عند ابن القاسم (١). وعن مالك: لا وضوء عليه لعدم اللذة (٢). أو يقال: القصد لذة بالقلب وتحريكه. وأما اللذة مع عدم القصد: فيتوضأ عند مالك، لمس على ثوب أم لا؛ إلا أن يكون الثوب كثيفاً، والكثيف يكون هو الملموس دون البشرة، [فلا يكون] (٣) نقضاً (٤). قال بعض الفقهاء [١٣/ أ]: وهذا يحسن في اللمس. أما الضم بالكثيف وغيره سواء. [والتفصيل كله في اللامس، أما] (٥) الملموس فإن تلذذ توضأ؛ وإلا فلا، إلا أن يقصد. فرع: فإن التذ من غير مس:

стр. 181

سند: لا أعرف لمالك بذلك وضوءاً (١). وعن ابن بكير في «النوادر» (٢): عليه الوضوء؛ لأن [لذة القلب] (٣) تحرك المذي (٤). وفي الإنعاظ من غير مس قولان: قال اللخمي: رواية ابن [نافع] (٥): لا يتوضأ إلا أن يمذي. وقيل: يتوضأ؛ لأنه لا ينعكس (٦) إلا عن مذي (٧). واختار أبو الحسن [الرجوع] (٨) لعادته (٩). فإن أنعظ في الصلاة؛ ففي «الواضحة»: يتم صلاته وينظر، فإن أمذى توضأ وأعاد الصلاة، وهو قول مالك؛ لأن العادة تختلف، فلا تبطل الصلاة [بالشك] (١٠). قال أبو الحسن: يرجع لعادته، فإن كان يمذي قطع الصلاة، فإن كان إنما

стр. 182

يخشاه بعد ذهاب الإنعاظ أتمها، إلا أن يتبينه قبل تمامها، فإن شك [فيختلف] (١) في إجزاء الصلاة (٢). فرع: إن صلى خلف من [لا يرى] (٣) الوضوء من القبلة، أعاد أبداً، ومن لا يرى الوضوء من مس الذكر؛ لا يعد (٤). والفرق أن الوضوء من الملامسة مقطوع به من القرآن، ومن مس الذكر مظنون بأخبار الآحاد، وقد وقع فيها التعارض. وقال سحنون: يعيدان جميعاً [لحدث] (٥) ذلك (٦). *ص: (لا يجب الوضوء من سلس بول، ولا مذي، ولا ودي، ولا دود، ولا من خارج من قبل، ولا دبر، ولا حصى، ولا قيء، ولا قلس، ولا رعاف، ولا حجامة، ولا فصادة، ولا من يسير نوم، ولا من [قهقهة] (٧) في صلاة، ولا من مني خارج من غير القبل والدبر من الجسد، ولا مما مسته النار من الطعام والشراب، ولا من مس دبر، ولا أنثيين، ولا من مس فرج صبي ولا صبية، ولا من مس بهيمة إلا على وجه اللذة).

стр. 183

*ت: نبه هذا السائل على الخلاف فيها، وإلا فما ينقض الوضوء لا ينحصر، وكان يكتفى بذكر ما تقدم من النواقض. أما السلس مطلقاً [فلان] (١) نصوص الأحاديث تحمل على الغالب المعتاد، فما خرج عن ذلك يستصحب فيه براءة [الذمة] (٢). ويؤكده أنه ﷺ لم يوجب على المستحاضة غسلاً لخروج الاستحاضة [عن] (٣) العادة. وقال عمر بن الخطاب ﵁: إني لأجده ينحدر على فخذي مثل [الخريزة] (٤) وأنا في الصلاة؛ فلا أنصرف حتى أقضي صلاتي (٥). قيل: أنه كان مستنكحاً (٦). وفي «أبي داود» (٧): سئل النبي ﷺ عن الناسور يسيل منه؛ فقال له ﵇: إذا سال [من] (٨) قرنك إلى قدمك فلا وضوء عليك (٩).

стр. 184

وللخارج أربعة أحوال: * [أحدها] (١): لا يفارق؛ فلا يجب الوضوء، [ولا] (٢) يستحب؛ لعدم الفائدة [والخارج يسيل] (٣) في الوضوء وبعده (٤). *الثاني: أن تكون ملازمته أكثر من مفارقته؛ فلا يجب لحصول المشقة، والخروج على غير [العادة] (٥)، ويستحب لقوله ﷺ : «المستحاضة تتوضأ لكل صلاة» (٦). *الثالث: أن [تستوي] (٧) [ملازمته] (٨) عدمه؛ فقيل: يجب لخفة المشقة. وقيل: يستحب. وقيل: يستحب للخروج عن [العادة] (٩). *الرابع: المفارقته أكثر؛ المشهور: الوجوب لخفة المشقة؛ قاله عبد الحق. وقيل: يستحب [لخروجه] (١٠) عن العادة؛ قاله البغداديون.

стр. 185

وأما الدود فلأنه غير معتاد: قال ابن نافع: إلا أن [يخرج] (١) عليه [شيء] (٢) (٣). وقال ابن أبي زمنين: إن كان غير مستنكح نقض لأنه خارج من [المعتاد] (٤). ولا يستحب من الدود؛ بخلاف السلس في البول. والفرق أنه من جنس الحدث، بخلاف [الدود] (٥). [ولأن البول] (٦) يخرج من مقر الحدث، فقد يصحبه [حدث بغير سلس] (٧)؛ قاله عبد الحق. وقيل فيه [نظر] (٨)، [فإنَّ جملة البول الخارج على وجه السلس ليس بحدث] (٩)، والدود قد يخرج [ببلة ولا تظهر] (١٠). [ولا وضوء] (١١) من الدم؛ لأن الآية (١٢) خرجت مخرج البيان، فلو أن هناك

стр. 186

معنى آخر لذكره، وهي محمولة على الغالب، فيخرج الدم؛ قاله مالك (١). وقال ابن عبد الحكم: عليه الوضوء نظراً للخروج (٢)، ولأمره ﵇ المستحاضة بالوضوء، ودمها دم عرق لا حيض، بل غير معتاد. وأما الحصى يخرج من [الإحليل] (٣)؛ فإن خرج معه بول توضأ (٤)؛ وإلا فلا؛ كما تقدم في الدم والدود. وأما القيء فالكلام في طهارته: ففي «المدونة»: ما خرج بمنزلة الطعام فهو طاهر؛ لأن الأصل الطهارة، وما بعد عن الطعام فنجس؛ لشبهه بالنجاسات (٥)، ولا ينقض مطلقاً لما تقدم في الدود من القرآن. وعن [الدارقطني] (٦) أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر، فقال له ثوبان مولاه: يا رسول الله، الوضوء واجب؟ فقال ﵇: «لو كان واجباً لوجدته في كتاب الله تعالى» (٧). وهذا يؤكد ما تقدم [من] (٨) الاستدلال.

стр. 187

وعنه ﵇: «لا وضوء إلا من ريح، أو صوت» (١). وعمومه ينفي ما عداه مما لا يثبت إلا بدليل راجح عليه. ولأنه خارج من غير السبيلين؛ فأشبه العرق. والحنفية قالوا: [ينقض] (٢) إذا ملأ الفم دون ما هو أقل. فنقول: لا ينقض قليله، فلا ينقض كثيره؛ قياساً على قليله على الفرق. واحتجوا بقوله ﵊: «من قاء أو قلس فليتوضأ» (٣). رواه إسماعيل [بن عياش] (٤). وروى زيد بن الحسن أنه ﵇ قال: «القلس حدث» (٥). والجواب: أن إسماعيل مضطرب الحديث. وعن الثاني: أن الدارقطني ضعفه. ثم نعارضهم بأن علي بن أبي طالب ﵁، وجماعة من التابعين لا يقولون بذلك (٦). وأما الرعاف، والحجامة، والفصادة؛ [فلما] (٧) روى حميد عن

стр. 188

[أنس] (١) أنه ﵇ احتجم فصلى، ولم يتوضأ (٢). وفي «الموطأ» عن سعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله أنهما كانا يرعفان فيخرج منهما الدم حتى تختضب أصابعهما، ثم يصليان ولا يتوضآن (٣). وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه صلى في الليلة التي طعن فيها وجرحه يثعب دماً، أي: يسيل (٤). فدل على أن سيلان الدم لا ينقض الوضوء. احتجوا أن سلمان قال: رآني رسول الله ﷺ وقد سال من أنفي دم، فقال ﵇: «[أَحْدِثْ لِمَا حَدَثَ وُضُوءًا]» (٥) (٦). وخرج عن تميم الداري أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «الوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمِ سَائِل» (٧). وعن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا رعف أحدكم فلينصرف،

стр. 189

وليغسل عنه الدم، ثم لِيُعِد [وضوءه] (١)، ويستقبل صلاته (٢)». والجواب: * عن الأول: أنه يرويه الواسطي؛ وهو متروك. * وعن الثاني: أنه ضعيف. * وعن الثالث: أن في سنده سليمان بن أرقم؛ وهو متروك. وأما يسير النوم فقد تقدم الكلام عليه. [وأما] (٣) القهقهة: فلقوله ﵊: «الضحك ينقض الصلاة، ولا ينقض الوضوء (٤)»؛ لأنها ليست جرماً [خارج] (٥) الصلاة إجماعاً، فلا تكون حدثاً داخل الصلاة كالكلام، عكسه الريح والبول. وافقنا (ش)، وابن حنبل. فإن قيل: التسوية بين خارج الصلاة والصلاة ينتقض بوجدان [المتيمم] (٦)

стр. 190

[الماء] (١) خارج الصلاة؛ يبطلها، وداخلها لا يبطله. قلنا: وجدان الماء ليس حدثاً حتى يقع النقض به، بل المتيمم محدث [حتى يستعمل] (٢) الماء لرفع حدثه المستصحب، لا أنه تجدد له حدث. والكلام [ … ] (٣) الحدث بعد عدمه، ولو [ … ] (٤) يرفع الحدث، فرقنا بضعف التيمم (٥). والقذف وذكر الفواحش أقبح من الضحك، ولا يبطل الوضوء [به] (٦). قال (ح) مع جماعة: ينقض الوضوء (٧)، لما روي أن رجلاً دخل المسجد ورسول الله ﷺ يصلي بأصحابه، فتردى في حفرة كانت في المسجد، فضحك طائفة منهم، فلما قضى رسول [الله ﷺ الصلاة أمر من كان ضحك منهم أن يُعيد الوضوء، ويُعيد الصلاة] (٨) (٩). [ … ] (١٠).

стр. 191

[وإن نوت الجنابة] (١) ولم تذكر الحيض: قال سحنون: لا يجزئها (٢)؛ لأن طريان الحيض رفع [حكم] (٣) الجنابة؛ فصار الحكم لها، [فلا بد] (٤) من القصد له. وقال ابن عبد الحكم: يجزئها (٥)؛ لأنه فرض ناب عن فرض؛ وهو الصواب. لأن الأحداث إذا اجتمعت وموجبها واحد ناب أحدهما عن الآخر (٦). قال عبد الحق: سألت أبا بكر القروي إذا [طرأت] (٧) الجنابة [على] (٨) الحيض بالاحتلام، أو يطأها زوجها غير عالم بالحيض؛ فتغسل بعد طهرها من الحيض، تنوي الجنابة، هل يجزئ القولان كالمسألة المتقدمة؟ فقال: لا، لأنها لا تملك رفع حدث هذه الجنابة في حال النية، بخلاف المسألة الأولى؛ كانت متمكنة من رفعها، فكان حكمها متعذراً، وسقط حكم الثانية؛ فلا يجزئها الغسل بنية الجنابة.

стр. 192

وقال محمد: يجزئ في المسألتين كالبول والغائط إذ نوى أحدهما تقدم أو تأخر (١). فإن نوت استباحة الصلاة وما هي ممنوعة منه؛ قال التونسي: الأشبه الإجزاء. لأن المنع إن كان منهما فقد دخلا، أو من أحدهما فقد دخل أيضاً في نيتها (٢). قلت: يقع التداخل في الشريعة في ستة مواضع: * الطهارات؛ كالوضوء والغسل إذا تعددت أسبابهما؛ من جنس، أو أجناس، والوضوء مع الجنابة، والخبث مع الحدث. * الثاني: العبادات؛ كسجود السهو إذا تعددت أسبابه، وتحية المسجد مع الفرض، والحج والعمرة. * الثالث: الكفارات؛ كالفطر في يوم من رمضان مراراً. * الرابع: الحدود؛ إذا تماثلت، وهي أولى بالتداخل؛ لأنها مهلكة، ويحصل الزجر بواحد منها، ألا ترى أن الإيلاج سبب الحد، والغالب تكراره، فلولا التداخل هلك الزاني، وإنما وجب تكرارها إذا [تحللت من] (٣) أسبابها: لأن الأول يوجبه لسببه السابق، فلو اكتفينا به لأهملنا الجناية فيكثر [الفساد] (٤). * الخامس: العدد. * السادس: الأموال؛ كدية الأطراف مع النفس في المتقدم والمتأخر،

стр. 193

كالوطئات الأخيرة في صداق الوطية الأولى، والطريان في الوسط على قاعدة (ش)؛ لاعتباره أعظم الصدقات، والقليل في الكثير؛ كالطرف في النفس، والكثير في القليل؛ كالأطراف كلها في النفس (١). *** * ص: (ومن أنزل فاغتسل ثم خرج منه ماء بعد غسله، فلا غسل عليه، ويستحب له الوضوء عندي). * ت: لأنه فارق محله وقد أدى حكمه، ولأن المني لا حكم له ما لم يفارق اللذة؛ لأنه على خلاف العادة، فلحق بدم الاستحاضة، أو في السلس، ولا يلزم عليه النائم لأنه لا يعرى عن اللذة غالباً. والشاذ: أن عليه الغسل التفاتاً إلى اللذة المتقدمة، أو لأنه لا تشترط المقارنة. فرع: إذا قلنا بالغسل فلا يعيد ما تقدم من الصلاة؛ لأنه حدث بعد الصلاة كسائر الأحداث. وقيل: نظراً لتقدم حركته عن محله. وإذا قلنا لا يغتسل؛ ففي وجوب الوضوء واستحبابه قولان؛ ينبنيان على أنه قصر على الغسل؛ فلا أقل من الوضوء، أو ليس هو من أسباب الوضوء؛ فأشبه الاستحاضة، أو لأنه يتوقع خروج مذي معه وهو ناقض للوضوء. واختلف في أربعة مسائل:

стр. 194

إذا وطئ ولم ينزل، ثم اغتسل، ثم أنزل بعد ذلك. وإذا لاعب، أو قبل، أو تذكر ولم ينزل؛ ثم أنزل بعد ذلك بغير لذة. وإذا أنزل من إبردَة، أو ضرب، أو لدغ عقرب. أو أنزل من حكة، أو بالسخن (١). ففي وجوب الغسل على لذته أقوال، ثالثها: يجب على من [لاعب] (٢)، أو لمس؛ لأنه مني لم يغتسل منه، دون من جامع، لأنه أدى حكمه بخلاف من تذكر، [ثم أنزل، فإنه يغتسل، لأنها جنابة لم يغتسل منها] (٣). وقال ابن القاسم: إن [وطئ ولم ينزل] (٤)، فاغتسل، ثم أنزل، فإنه يتوضأ [ولا غسل عليه] (٥) (٦). [ … ] (٧). [اختلف إذا أنزل من إبردة، أو ضرب، أو لدغ عقرب] (٨): قال سحنون: لا غسل عليه لعدم مقارنة اللذة (٩).

стр. 195

باب ما يوجب الوضوء وما لا يوجبه وقال ابن شعبان: يغتسل بناء على عدم الاشتراط (١). واختلف إذا كان [عن] (٢) حكة (٣)، أو ماء سخن: [وقُبَل] (٤) الخلاف [ … ] (٥) كمن جرب اللذة، وإنما تحسن إذا لم [تكن لذة] (٦)، واشتراط اللذة وعدم اشتراطها سواء، على أن اللذة تحمل على الغالب [ … ] (٧) عمومها (٨). *** * ص: (ومن سلس منيه، أو مذيه، أو بوله؛ فلا وضوء عليه ولا غسل، ويستحب له الوضوء لكل صلاة). [تعليقاً] (٩) للنصوص على المعتاد، ويؤكد إسقاط الغسل عن المستحاضة مع أنه من جنس ما يوجب الغسل، لكنه خرج عن العادة، فوجب طرد ذلك في بقية الأحاديث، واستحباب الوضوء إما قياساً على المستحاضة، أو احتياطاً، أو للخلاف فيه. ***

стр. 196

* ص: (ومن سلس مذيه لشهوة، متصلة، أو طول عزبة، يمكنه [رفعها] (١) بالتسري، أو النكاح؛ فعليه الوضوء). * ت: قيل: لهذه المسألة صورتان: أن يخرج لطول العزبة من غير تفكر ولا تذكر. والأخرى: أن يخرج للذة، ولكن يكثر عند سماعه أو من تفكره، وهما من شأن الصحة دون العلة. قال ابن أبي زمنين: إن خرج لغير لذة فلا وضوء. قال المازري: إن قدر على رفعه بالتداوي، أو الزواج، أو صوم لا يشق؛ لا يعذر به (٢). واختار التونسي قول ابن الجلاب. قال سند: والأشبه فيما يكون بلذة. قال: ويلزم ابن الجلاب أن يراعي في [غلبة] (٣) المني في عدم الغسل. وخالفنا (ش)؛ فأوجب الغسل (٤). لنا: ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ في قوله: إني لأجده ينحدر على فخذي مثل الخريزة، فإذا وجد أحدكم ذلك فليغسل فرجه، وليتوضأ وضوءه للصلاة (٥).

стр. 197

وأراد الاستحباب لقوله: إني [لأجده] (١) وأنا في الصلاة فلا أنصرف حتى أقضي صلاتي (٢). وسئل سليمان بن يسار عن البلل يجده (٣) فقال: انضح ما تحت ثوبك واله [عنه] (٤) (٥). وقال ابن المسيب: إذا توضأت فانضح ما تحت ثوبك بالماء (٦). يريد ليذهب الوسواس. فإذا وجد ماء يقول: هذا الماء الذي نضحته (٧). واختار اللخمي الوضوء لكل صلاة؛ وإن لم يمكنه رفعها (٨). وأنا استحب له الوضوء. واستحب له ابن حبيب غسل الفرج (٩)، وكذلك المستحاضة قياساً على الوضوء. وقال سحنون: ليس عليه ذلك (١٠)؛ اعتباراً بسائر النجاسات السائلة؛ كالقروح ونحوها، لا يغسل منها إلا ما يتفاحش.

стр. 198

وعن مالك: يستحب له الغسل (١)؛ كان مستنكحاً أم لا، فإن خرج في الصلاة من طول عزبة قال: فإن عليه الوضوء، يريد: [لا يتمادى و] (٢) يقطع. قال سند: وإن كان مستنكحاً تمادى على صلاته اتفاقاً. وفي «الموطأ»: عن ابن المسيب: لو سال [من قرني] (٣) إلى قدمي ما انصرفت (٤). ويستحب أن يداوي ذلك بخرقة، ولا يجب عليه ذلك؛ لأنه يصلي بالخرقة الخبيثة كما يصلي بثوبه النجس؛ إلا أن يكون يرى مصلحة مثل صون المسجد أن تقطر فيه نجاسة، ويهون عليه تبديل الخرقة بخلاف الثوب. وهل عليه تبديل الخرقة وغسلها؟ [ … ] (٥). *** * ص: (وإذا أمذى صاحب السلس مذياً لشهوة؛ فعليه الوضوء، أو بال صاحب السلس (٦) بول العادة؛ فعليه الوضوء). [ … ] (٧).

стр. 199

باب في إزالة النجاسة (وإزالة النجس من الثوب، والجسد، والمكان؛ [مسنونة غير] (١) مفروضة؛ إلا أن تكون في أعضاء الوضوء فيجب إزالتها لذلك لا لنفسها، لأنه لا يصح تطهير الأعضاء مع وجودها فيها). * ت: الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]، وإذا منعهم مواضع الصلاة للنجاسة فللصلاة أولى. وفي «مسلم»: مر رسول الله ﷺ على قبرين فقال: «إنهما [يعذبان] (٢)، وما يُعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يتنزه من البول»، ودعا بعسيب رطب، فشقه باثنين، ثم غرس على هذا واحداً، وعلى هذا واحداً؛ ثم قال: «لعله يُخفّف عنهما، ما لم يَيْبَسَا» (٣). ومعنى لا يتنزه: لا يتوقى.

стр. 200

وفي «أبي داود»: بينما رسول الله ﷺ يصلى بأصحابه، إذ خلع نعليه، فوضعهما على يساره، فلما رأى ذلك القوم خلعوا نعالهم، فلما قضى رسول الله صلاته قال: «ما حملكم على إلقاء نعالكم؟»، قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ﷺ : «إنه أتاني جبريل ﵇ فأخبرني أن فيها قذراً» (١). وفي «أبي داود»: أن خولة بنت [يسار] (٢) قالت: يا رسول الله، ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا [حائض] (٣) فيه، [فكيف أصنع إذا طهرت؟ قال: «اغسليه] (٤)، ثم صلي»، قالت: فإن لم يخرج الدم؟ قال: «يكفيك الماء، ولا يضرك أثره» (٥). وفي «مسلم»: قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر [إلى] (٦) أثر الغسل فيه (٧). وأما الإجماع: فقال اللخمي: أجمع العلماء على أن المصلي يتقرب إلى الله بجسد طاهر، وثوب طاهر، في موضع طاهر (٨).

стр. 201

إذا ثبت هذا؛ فهل الإزالة واجبة، أو سنة مؤكدة؟ وإذا أوجبناها؛ فهل هي من فروض الإسلام، أو من فروض الصلاة؟ فهل تجب مع الذكر والنسيان، أو مع الذكر فقط؟ قال القاضي عبد الوهاب: وفائدة الخلاف إذا صلاها متعمداً، قادراً على إزالتها، فعلى الوجوب؛ تجب الإعادة، وعلى السنة، لا إعادة إلا استحباباً (١). وقال ابن القصار: إذا قلنا بالوجوب؛ أعاد الصلاة أبداً، ناسياً كان أو عامداً، وإن قلنا سنة مؤكدة فتركها عامداً؛ أعاد أبداً، أو ناسياً أو مضطراً؛ أعاد في الوقت (٢). وقيل: إنها فرض إسلامي لا تعلق لها بالصلاة؛ قاله ابن العربي (٣). وقيل: شرط في الصلاة كالوضوء. وهل مطلقاً؛ أو مع الذكر؟ قال ابن وهب: يُعيد فيها الصلاة؛ العامد، والناسي (٤). والمشهور: إسقاطها مع النسيان، ويعيد المتعمد أبداً، والناسي في الوقت (٥).

стр. 202

وأما اللخمي وغيره من المغاربة المتأخرين يرون فيها ثلاثة أقوال (١): الوجوب مطلقاً؛ رواية ابن وهب (٢). وعدمه مطلقاً؛ لأشهب (٣)، لاستحبابه الإعادة في الوقت مع العجز والنسيان. والوجوب مع الذكر والقدرة دون النسيان والعجز؛ وهو المشهور (٤)، لأنه أوجب الإعادة على غير العمد (٥) (٦). وروي: إن خرج الوقت، وأمر المعذور في الوقت خاصة (٧). قال المازري: اختلف حذاقنا عن (٨) المذهب عن ذلك، فالجاري في المذاكرات أن فيها قولين: أنها فرض. وأنها سنة، من غير تعبير (٩). ومنهم من يقول: ثلاثة أقوال؛ كما تقدم (١٠).

стр. 203

فوجه الوجوب: [النصوص] (١) المتقدمة. ووجه السنة: حديث خلع النعلين، واعتداده ﵇ بما مضى من صلاته (٢). وما [روي أن المشركين] (٣) ألقوا على ظهره سَلَى جَزُورٍ وهو يصلي ساجداً، ولم يقطع (٤). ولأنها لا تمنع مس المصحف [فلم تكن واجبة؛ كالغسل] (٥) يوم الجمعة. ولحصول الاتفاق على جواز الصلاة مع اليسير من جنسها؛ كيسير الدم، فلو كانت واجبة لبطلت؛ كالمعتبر في الوضوء والغسل. وعلى هذا القول تدل أصول قول مالك لأمرهم الناسي بالإعادة في [الوقت] (٦)، ولو [كانت إزالة النجاسة فرضاً] (٧) لوجبت الإعادة [لو نسي شيئاً] (٨)؛ كاللمعة في الوضوء، [ولطولب بالإعادة أبداً] (٩)، فإن الإعادة أبداً قد تكون

стр. 204

مع السنة المؤكدة، لمن ترك التسمية على الذبيحة عامداً؛ [لم تؤكل] (١). وقال علي وسحنون في تارك السورة مع الحمد في الركعتين الأوليين عامداً؛ لا تجزيه صلاته في قولهما أنها غير واجبة، مع أن هذا ليس قول جميعهم، بل قال الأكثر منهم: يُعيد العامد في الوقت فقط. ووجه أنها فرض إسلامي قوله ﵎: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ وبقوله ﵇: «تنزهوا عن البول، فإن عامة عذاب القبر منه» (٢). قال ابن العربي: وهو الصحيح عندي؛ لأنه ثبت أنها من معالم الدين وشعائره. وعمدة الجمهور: الجمع بين الأدلة، فيحمل بعضها على العمد، وبعضها على النسيان. قلت: قد تقدم أنها أربعة مسائل؛ قال مالك فيها بالوجوب مع الذكر: النجاسة، والتسمية (٣)، وترتيب الصلوات، وموالاة الطهارة (٤)، لضعف مدرك الوجوب بمعارضة النسيان؛ فيضعف العمل به. *** * ص: ([ولا يجوز] (٥) إزالة النجاسة بما سوى الماء الطاهر من المائعات، ولا بشيء من الجامدات سوى الاستجمار وحده).

стр. 205

* ت لنا: الكتاب، والسنة، والمعنى. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، [يخص] (١) الماء باسمه وصفته؛ فيكون ما عداه يخالفه في ذلك. وفي الصحاح عن أسماء قالت: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن إحدانا يصيب ثوبها دم الحيض، فكيف تصنع؟ قال ﵇: «تحتّه، ثم تقرصه، ثم لتغسله بالماء» (٢). وهذا خرج مخرج البيان؛ فيكون المزيل يخص فيه، و [لا يجوز إلحاق] (٣) غيره معه. وأما المعنى: فلأنها طهارة للصلاة؛ فلا تجوز بغير الماء؛ كالوضوء. ولأن الماء ألطف من غيره، وأرق؛ فلا يثبت غيره بالقياس، وقاله (ش)، ومحمد، وزفر (٤). وقال (ح): تُزال بكل مائع، طاهر، مزيل للعين؛ لأن المقصود إزالة العين (٥)،

стр. 206

واستحسنه اللخمي (١). قال بعض أصحابنا: يجوز بالماء المتغير (٢). وإذا قلنا يختص بالماء: قال سند: ففي المضاف قولان (٣). قال الباجي: ولا يفتقر تطهير النجاسة لإمرار اليد، لأن المقصود إزالة العين، والحكم بأي وجه كان من غلبة ما عليها أو غير ذلك؛ لأن رسول الله ﷺ أوتي بصبي فبال على ثوبه، فدعا رسول الله ﷺ بماء فأتبعه إياه (٤). ***

стр. 207

باب جواز المسح على الخفين (والمسح على الخفين جائز لمن لبسهما على طهارة بالماء كاملة). لما في [«مسلم»] (١) عن المغيرة بن شعبة قال: كنت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة في مسير، قال: أمعك ماء؟ قلت: نعم، فنزل عن راحلته، فمشى حتى توارى في سواد الليل، فقضى حاجته، ثم جاء فأفرغت عليه من الإداوة، فغسل وجهه، وعليه جبة من صوف، فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها، حتى [أخرجها] (٢) من أسفل الجبة، فغسل ذراعيه، ومسح برأسه، ثم أهويت لأنزع خفيه، فقال: «دعهما، فإني أدخلتهما [وهما] (٣) طاهرتين»، ومسح عليهما (٤). وهذا يدل على جواز المسح على الخفين، ولباس الثياب الضيقة؛ لا سيما في الأسفار، و [إخراج] (٥) اليد من تحت الثوب لمثل هذه [الضرورة] (٦)، [إلا] (٧) في الجامع والمحافل، وجواز التفريق اليسير في الطهارة، وأن القاضي

стр. 208

للحاجة يغيب عن الحاضرين لئلا يسمع صوته، وعن التجافي عن القبيح، والكناية عنه بالحاجة؛ وهي عادة العرب، وصون الألسن عما يصان عنه الأبصار، وصب الماء على المتوضئ، واشتراط الطهارة في هذا المسح. وعن جرير أنه قال: ما يمنعني أن أمسح وقد رأيت رسول الله ﷺ [يمسح، قالوا] (١): أقبل نزول المائدة، أو بعده؟ قال: والله ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة (٢). قال النخعي: و [كان يعجبهم حديث] (٣) جرير لكونه بعد المائدة (٤). قال [«النسائي»] (٥): قبل موت النبي ﷺ بيسير (٦). * ت: [وروى مالك] (٧) أنه ﵊ مسح على خفيه في السفر (٨). قال ابن أبي زيد: ومن رواية غيره أنه ﷺ مسح عليهما في الحضر (٩). قال ابن القصار: لا يصح مسح الحضري منه (١٠).

стр. 209

وقد قال الحسن البصري: روى المسح على الخفين عنه ﵊ سبعون نفساً؛ قولاً، وفعلاً، بألفاظ مختلفة، وأحوال [متفرقة] (١)، حتى جرى ذلك مجرى التواتر (٢). وهو قول: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس (٣). قال مطرف: لم يختلف فيه أهل السنة (٤). قال ابن القصار: رويت عن مالك روايات؛ [وجوازه] (٥) هو مذهبه ومذهب أصحابنا (٦). قال المازري: روي عن مالك (٧) قولة شاذة (٨)، أنه لا يمسح عليهما في سفر ولا حضر (٩). وعنه: يمسح فيهما (١٠). وعنه: في السفر فقط (١١).

стр. 210

وأظن ما روي عنه في المنع أنه قال: لا أمسح (١)، ولعله اختار ذلك لنفسه، ولم ينكر الجواز، وإن كان لفظ الرواية [يقتضي] (٢) إنكاره، فلعله تمسك بالآية، وقدمها على الأحاديث (٣). وقد روي عنه أنه قال: لا أقول (٤) مقالة ما قلتها قط: قد أقام رسول الله ﷺ بالمدينة عشر سنين، وأبو بكر وعمر وعثمان في خلافتهم، خمساً وثلاثين سنة، فلم يرهم أحد يمسحون، [وإنما] (٥) جاءت أحاديث، وكتاب الله أحق أن يتبع، ويعمل به (٦). يعني: أن الله تعالى [حض] (٧) على غسل الرجلين، وهو أصل متفق عليه، واختلف في المسح؛ فلا يترك المجمع عليه للمختلف فيه (٨). قال ابن وهب آخر ما فارقته عليه جوازه في السفر والحضر (٩). وفي «مسلم»: عن شريح بن هانئ قال: أتيت عائشة ﵂ أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبي طالب فسله، فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ ،

стр. 211

فسألته فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم (١). وفي «البخاري» (٢): قال عمر ﵁: إذا أدخلت رجليك في الخفين وهما طاهرتان فامسح عليهما (٣)، ولم يخصص. وقياساً على المسح على الجبائر؛ يجوز المسح عليها في السفر والحضر (٤). وفي «مسلم»: عن حذيفة: خرجت أنا ورسول الله ﷺ نتماشى، فأتى سباطة قوم خلف حائط، فقام كما يقوم أحدكم، قال: ومسح على خفيه (٥). والسباطة: المزبلة، وغالبها في الحضر؛ لا سيما وقد قال: سباطة قوم، فأضافها لقوم مخصوصين. ولو كانت في الفلوات؛ لبعد ذلك. واختلف؛ لم ترك الجلوس؟ فقيل: لوجع كان به، أو لنجاسة كانت في السباطة رطبة رخوة يخشاها، أو لوجع بمأبضه، [والمأبض] (٦) باطن الركبة، والعرب تستعفى من وجع الصلب بالبول قائماً، حتى قال بعضهم: بولة في الحمام قائماً خير من فصدة (٧).

стр. 212

وفي «أبي داود»: أن رسول الله ﷺ بعث سرية فأصابهم البرد، فلما قدموا أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين (١). والعصائب: العمائم. والتساخين: الخفاف. ذكره [أبو عبيد] (٢). وأما المنع في الحضر: فلأن أكثر الأحاديث إنما وردت في السفر، والسفر مخصوص بالقصر والفطر وغير ذلك من الرخص؛ فقاسوا هذا عليه، ولذلك قالت عائشة ﵂ لما سئلت؛ قالت: ائت علياً، فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ . فلو كان أمراً مستقراً في الحضر لعلمته، ولأن الضرورة إنما تلحق في خلع الخفين في السفر؛ لئلا ينقطع عن الرفقاء. فيجوز المسح بعشرة شروط (٣): أن يكون جلداً؛ احترازاً من الخرق ونحوها (٤). طاهراً؛ احترازاً من جلد الميتة. مخروزاً، احترازاً من المربوط بالخيوط.

стр. 213

مُتَعرِياً؛ احترازاً من خُفّ على خُفّ؛ على أحد القولين. يمكن متابعة المشي عليه (١)؛ احترازاً من المُخَرَّق، والواسع (٢). ساتراً لمحل الفرض؛ احترازاً مما دون الكعبين (٣). على طهارة؛ احترازاً من لبس [المحدث] (٤) (٥). بالماء؛ احترازاً من التيمم (٦). [كامل الطهارة؛ احترازاً] (٧) أن يغسل إحدى رجليه ويلبس فيها الخف (٨). وأن يكون لبسه في عادة حلالاً (٩). [ … ] احترازاً من الخروق [ … ] (١٠). فإن لبس خفيه وهو محدث لم يجز له المسح عليهما؛ لقوله ﵊: «فإني أدخلتهما [وهما طاهرتان]» (١١)، [ولو لم] (١٢) تكن الطهارة شرطاً لم يكن لهذا

стр. 214

الكلام فائدة (١). * ت: قال عياض: قال داود: يجوز المسح عليهما إذا كانا طاهرين من النجاسة؛ إن لم يستبح الصلاة، والفقهاء على خلافه؛ بناء على: هل كلامه ﵇ على الطهارة اللغوية أو الشرعية؟ (٢). وهو مختلف فيه بين الأصوليين؛ هل يقدم العرف على اللغة أم لا؟ كما وقع الخلاف في وضوئه ﵇ مما مسته النار. وقال اللخمي: شروط المسح أربعة: كمال الطهارة، وأن يكون اللباس للعادة لا للتخفيف عن نفسه في غسل رجليه، وأن تكون طهارة ماء لا تيمم، وأن تكون طهارته الآن للوضوء لا للغسل (٣). فرع: والمرأة في المسح كالرجل؛ لاستوائهما في جميع الطهارات (٤). فإن قيل: ضرورة الأسفار خاصة بالرجال؛ قيل: الراكب في البحر والحائض تمسح؛ وإن كان لغير مشقة، وقد يحتاج النساء كالرجال. ***

стр. 215

* ص: (وإن لبسهما على طهارة تيمم، لم يجز له أن يمسح عليهما). لما تقدم من النصوص الدالة على اشتراط الطهارة، والتيمم لا يرفع الحدث (١). * ت: قال أصبغ في [«العتبية»] (٢): [إن] (٣) لبسهما قبل أن يصلي بالتيمم؛ جاز له المسح عليهما؛ [و] (٤) إن وجد الماء، لانتقاض تيممه [بتمام] (٥) صلاته (٦). وقال سحنون: لا يمسح (٧). وهو قول أصحاب مالك؛ لأنه محدث، ولأنه [يُلزم استعمال] (٨) الماء لرفع الحدث؛ إذا وجده قبل الصلاة. ومنشأ الخلاف: أن التيمم هل يرفع الحدث أم لا؟ قلت: الحدث عبارة عن المنع من الصلاة ونحوها، والتيمم مبيح بالإجماع، والإباحة تنفي المنع قطعاً؛ فينبغي أن يكون التيمم يرفع الحدث إجماعاً، فكونه لا يرفعه مشكل. وأما كونه إذا وجد الماء اغتسل أو توضأ، وهو أقوى شيء تمسك به.
следующие страницы →