← Фикх малики

Фикх малики · id 30159

شرح التفريع

القرافي

Полный текст (3 250 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فسألته فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم (١). وفي «البخاري» (٢): قال عمر ﵁: إذا أدخلت رجليك في الخفين وهما طاهرتان فامسح عليهما (٣)، ولم يخصص. وقياساً على المسح على الجبائر؛ يجوز المسح عليها في السفر والحضر (٤). وفي «مسلم»: عن حذيفة: خرجت أنا ورسول الله ﷺ نتماشى، فأتى سباطة قوم خلف حائط، فقام كما يقوم أحدكم، قال: ومسح على خفيه (٥). والسباطة: المزبلة، وغالبها في الحضر؛ لا سيما وقد قال: سباطة قوم، فأضافها لقوم مخصوصين. ولو كانت في الفلوات؛ لبعد ذلك. واختلف؛ لم ترك الجلوس؟ فقيل: لوجع كان به، أو لنجاسة كانت في السباطة رطبة رخوة يخشاها، أو لوجع بمأبضه، [والمأبض] (٦) باطن الركبة، والعرب تستعفى من وجع الصلب بالبول قائماً، حتى قال بعضهم: بولة في الحمام قائماً خير من فصدة (٧).

стр. 212

وفي «أبي داود»: أن رسول الله ﷺ بعث سرية فأصابهم البرد، فلما قدموا أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين (١). والعصائب: العمائم. والتساخين: الخفاف. ذكره [أبو عبيد] (٢). وأما المنع في الحضر: فلأن أكثر الأحاديث إنما وردت في السفر، والسفر مخصوص بالقصر والفطر وغير ذلك من الرخص؛ فقاسوا هذا عليه، ولذلك قالت عائشة ﵂ لما سئلت؛ قالت: ائت علياً، فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ . فلو كان أمراً مستقراً في الحضر لعلمته، ولأن الضرورة إنما تلحق في خلع الخفين في السفر؛ لئلا ينقطع عن الرفقاء. فيجوز المسح بعشرة شروط (٣): أن يكون جلداً؛ احترازاً من الخرق ونحوها (٤). طاهراً؛ احترازاً من جلد الميتة. مخروزاً، احترازاً من المربوط بالخيوط.

стр. 213

مُتَعرِياً؛ احترازاً من خُفّ على خُفّ؛ على أحد القولين. يمكن متابعة المشي عليه (١)؛ احترازاً من المُخَرَّق، والواسع (٢). ساتراً لمحل الفرض؛ احترازاً مما دون الكعبين (٣). على طهارة؛ احترازاً من لبس [المحدث] (٤) (٥). بالماء؛ احترازاً من التيمم (٦). [كامل الطهارة؛ احترازاً] (٧) أن يغسل إحدى رجليه ويلبس فيها الخف (٨). وأن يكون لبسه في عادة حلالاً (٩). [ … ] احترازاً من الخروق [ … ] (١٠). فإن لبس خفيه وهو محدث لم يجز له المسح عليهما؛ لقوله ﵊: «فإني أدخلتهما [وهما طاهرتان]» (١١)، [ولو لم] (١٢) تكن الطهارة شرطاً لم يكن لهذا

стр. 214

الكلام فائدة (١). * ت: قال عياض: قال داود: يجوز المسح عليهما إذا كانا طاهرين من النجاسة؛ إن لم يستبح الصلاة، والفقهاء على خلافه؛ بناء على: هل كلامه ﵇ على الطهارة اللغوية أو الشرعية؟ (٢). وهو مختلف فيه بين الأصوليين؛ هل يقدم العرف على اللغة أم لا؟ كما وقع الخلاف في وضوئه ﵇ مما مسته النار. وقال اللخمي: شروط المسح أربعة: كمال الطهارة، وأن يكون اللباس للعادة لا للتخفيف عن نفسه في غسل رجليه، وأن تكون طهارة ماء لا تيمم، وأن تكون طهارته الآن للوضوء لا للغسل (٣). فرع: والمرأة في المسح كالرجل؛ لاستوائهما في جميع الطهارات (٤). فإن قيل: ضرورة الأسفار خاصة بالرجال؛ قيل: الراكب في البحر والحائض تمسح؛ وإن كان لغير مشقة، وقد يحتاج النساء كالرجال. ***

стр. 215

* ص: (وإن لبسهما على طهارة تيمم، لم يجز له أن يمسح عليهما). لما تقدم من النصوص الدالة على اشتراط الطهارة، والتيمم لا يرفع الحدث (١). * ت: قال أصبغ في [«العتبية»] (٢): [إن] (٣) لبسهما قبل أن يصلي بالتيمم؛ جاز له المسح عليهما؛ [و] (٤) إن وجد الماء، لانتقاض تيممه [بتمام] (٥) صلاته (٦). وقال سحنون: لا يمسح (٧). وهو قول أصحاب مالك؛ لأنه محدث، ولأنه [يُلزم استعمال] (٨) الماء لرفع الحدث؛ إذا وجده قبل الصلاة. ومنشأ الخلاف: أن التيمم هل يرفع الحدث أم لا؟ قلت: الحدث عبارة عن المنع من الصلاة ونحوها، والتيمم مبيح بالإجماع، والإباحة تنفي المنع قطعاً؛ فينبغي أن يكون التيمم يرفع الحدث إجماعاً، فكونه لا يرفعه مشكل. وأما كونه إذا وجد الماء اغتسل أو توضأ، وهو أقوى شيء تمسك به.

стр. 216

فجوابه: أن التيمم يرفع الحدث مسوغ إلى إيقاع الصلاة، أو طريان الحدث، أو وجدان الماء، وكون الحكم ينتفي عند أحد ثلاثة أمور معقولاً، أما اجتماع الإباحة والمنع غير معقول؛ فتأمله. *** * ص: (ومن توضأ فغسل إحدى رجليه فأدخلها في الخف، ثم غسل الرجل الأخرى وأدخلها في الخف؛ لم يجز له أن يمسح على الخفين؛ حتى يخلع الخف الأول، ثم يلبسه ثانياً؛ ليكون لبسه للخفين بعد كمال الطهارة في الرجلين [جميعاً]). * ت: لَمَّا كانت الطهارة شرطاً فيه؛ وجب تقديم جميعها قبله؛ كالوضوء مع الصلاة؛ فإن لبسهما بعد كمال الرجلين، ثم ذكر أنه نسي مسح رأسه؛ لا يمسح عليهما إن أحدث خلعهما؛ إلا أن يخلعهما بعد مسح رأسه، ثم يلبسها بعد الحدث. وقال مطرف: إذا لبس الخف قبل كمال الرجلين، [وبعد] (١) غسل رجله؛ مسح وإن لم ينزع (٢). وقاله أشهب؛ بناء على أن الحدث يرتفع عن كل عضو بانفراده (٣). قال سند: والصحيح أنه لا يطهر العضو؛ إذ لا نعقل طهارة من حدث إلا باستباحة الصلاة، ولا تستباح الصلاة إلا بتمام الأعضاء، ويؤكده أن الواجد الماء لبعض أعضائه فإنه يتيمم ولا [يجب] (٤) عليه استعماله، فلو كان يطهر في البعض

стр. 217

لا يستعمله؛ كمن معه نجاسة، ومعه ما يغسل بعضها؛ فلا يجب عليه استعماله، ثم ظاهر قوله ﵇: «وهما طاهرتان»، يقوي ذلك، فإنه يجري مجرى [التعليل] (١)، وتعليل الشارع تجب مراعاته، والعلة يجب تقديمها قبل المعلول وإجرائه. فَرْعُ: فإن نكس وضوءه، أو غسل رجليه، ولبس خفيه، ثم أكمل وضوءه: ففي «العتبية»: لا يفعل؛ فإن فعل فلا شيء عليه (٢). وقال سحنون: لا يجزئه المسح (٣). والبناء على أصلين مختلف فيهما؛ هل يصح الوضوء المنكس، وهل يرتفع الحدث عن كل عضو أم لا؟ فَرْعُ: إن لبسهما ليخفف عن نفسه غسل رجليه إذا [انتقضت] (٤) طهارته: ففي «المدونة»: يكره أن تعمل الحناء، أو رجل يريد أن ينام؛ فيتعمد لبس الخفين للمسح [عليهما] (٥) (٦).

стр. 218

قال مالك في «الواضحة» وسحنون: إن فعل أعاد الصلاة أبداً (١). وعن أصبغ في «الثمانية»: [صلاتها] (٢) تامة مع كراهة (٣)؛ لأن الشروط وجدت، والنية ليست شرطاً في لبس الخفين، [ .. ] (٤) واستثني حال المشقة إجماعاً؛ فيبقى ما عداه على الأصل، ولم يشرع المسح [لتعطيل عزيمة الغسل] (٥) بل لرفع الضرر (٦). ولا يمسح في غسل الجنابة لما تقدم عن «النسائي»: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين أن نمسح على أخفافنا، ولا ننزعها ثلاثة أيام من غائط أو بول إلا من جنابة (٧). والفرق: الوضوء يتكرر كل يوم يخفف عنه؛ بخلاف الغسل. *** * ص: (ولا توقيت في المسح على الخفين لمقيم ولا مسافر). * ت: لما في «أبي داود» عن [أبي بن عمارة] (٨) أنه قال: يا رسول الله، أمسح على الخفيين؟ قال: «نعم»، قال: يوماً؟ قال: «نعم»، قال: ويومين؟ قال:

стр. 219

«نعم»، قال: وثلاثة؟ قال: «نعم»، قال: نعم حتى سبعاً، ثم قال رسول الله ﷺ : «ما بدا لك» (١). وقال خزيمة بن ثابت: أرخص رسول الله ﷺ في المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يوماً وليلة، ولو استزدناه لزادنا (٢). وعن عقبة بن عامر الجهني: أنه قدم المدينة فدخل على عمر بن الخطاب في يوم الجمعة وعليه خفان، فقال: منذ كم لبستهما؟ فقال: منذ الجمعة، فقال: أصبت السنة (٣). وعنه أيضاً: أنه قال: قلت لعمر لم أزل أمسح على خفي من مصر إلى المدينة، فقال: أصبت السنة. وعن الحسن البصري أنه قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يوقتون في المسح على الخفين. ولأنه مسح رخصة للضرورة؛ فلا يوقت؛ كالجبائر، والقصر، والفطر، ونحوها، بل ما دامت الحاجة وسبب الترخيص (٤).

стр. 220

وأما حديث التوقيت فهو عن عاصم (١)؛ وقد قال يحيى بن [معين] (٢): كل حديث عاصم ضعيف (٣). وقد تكلم الناس في حفظه. وعن عبد الرحمان بن مهدي أنه قال: لا يصح عن النبي ﷺ في التوقيت في المسح على الخفين حديث (٤). وصح عن رسول الله ﷺ من غير ما طريق أنه قال: «إذا أدخلت رجليك في الخف وأنت طاهر؛ فامسح عليهما، وصل فيهما؛ ما لم تخلعهما، أو تصبك جنابة» (٥). وقال يحيى بن [معين] (٦) وغيره: حديثان لا أصل لهما، ولا يصحان: التسليمتان في الصلاة، والتوقيت في المسح على الخفين (٧). وقاله عبد الرحمن بن مهدي (٨). قلت: حديث التوقيت في «مسلم» وغيره من الصحاح؛ فكيف يقال لا يصح؟ ما أدري ما يعني بذلك، بل يقال: نحن نقول بالثلاث للمسافر، واليوم

стр. 221

والليلة للمقيم، وإنما يمنع (ش) مفهومه لا منطوقه، وما ذكرناه من الطرقات مقدم على المفهوم إجماعا. وعن المتطرقات: قوله تعالى: (وأرجلَكم) بالخفض؛ حملت على المسح على الخفين، وقراءة النصب؛ على الغسل؛ لأن العطف في الأول على الرأس؛ وهو ممسوح، وفي الثاني على الوجه؛ وهو مغسول، ولم يقع في قراءة الخفض توقيت (١). وقيل في تأويل الأحاديث: إن التوقيت كان في سؤال السائل الثلاث واليوم والليلة (٢). *** * ص: (ويستحب مسح أعلى الخفين وأسفلهما، فإن مسح أعلاهما دون أسفلهما؛ أعاد في الوقت استحبابا، وإن مسح أسفلهما دون أعلاهما؛ أعاد في الوقت، وبعده إيجابا). * ت: لما في «أبي داود» (٣) عن المغيرة بن شعبة قال: وضأت رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فمسح أعلى الخفين وأسفلهما (٤). وفي «الترمذي» (٥) عن المغيرة: رأيت رسول الله ﷺ مسح على الخفين على [ظهورهما] (٦) (٧).

стр. 222

قال «الترمذي»: حديث حسن (١). وفي «أبي داود» (٢): عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: لو كان الدين يؤخذ [بالقياس] (٣) [لكان أسفل الخف] (٤) أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهر [خفيه] (٥). [واختلف] (٦) الناس لاختلاف هذه الأخبار. قال ابن القصار: مذهب مالك أن الأعلى والأسفل [من سنة المسح] (٧) وكماله (٨). وقاله ابن عمر وغيره (٩). وقيل: لا يجوز مسح الأسفل؛ وقاله (ش)، (ح)، والأوزاعي (١٠). [وسبب الخلاف تعارض الأحاديث] (١١)، وأشبه بحالة الغسل تسويته بين البدل والمبدل، ولأن الأعلى إنما يمسح لأنه ساتر [لما يجب غسله من

стр. 223

الرجل] (١)، فكذلك الأسفل، ولأنه لو تخرق الأسفل لم يجز المسح؛ وإن بقي الأعلى. فإن اقتصر على [مسح أعلى الخف دون أسفله] (٢): قال ابن القاسم في «المدونة»: لا يجزيه أحدهما عن الآخر؛ إلا أنه أحب إلي أن يعيد الصلاة في الوقت لأن عروة (٣) كان لا يمسح بطونهما (٤). قال أبو محمد: يعني يعيد الوضوء أبداً، والصلاة في الوقت (٥). قال ابن القصار: روي قول عروة عن النبي ﷺ ، وعن أنس بن مالك، وعدد من الصحابة ﵃، وعن التابعين، ولذلك رأى مالك الإعادة في الوقت ليأتي بالكمال (٦). ووقته: قال أصبغ: وقت الصلاة المفروضة؛ لقوة الخلاف فيه (٧). ووقع في «المنتقى»: لا يعيد في الوقت؛ [ثم قال: يعيد في الوقت] (٨)؛ لأنه ترك ما لا يسوغ عند هذا القائل (٩).

стр. 224

وقال ابن نافع: يُعيد أبداً؛ نظراً للمبدل منه وهو الغسل، وقياساً على الجبيرة إذا أخل يمسح بعضها (١). قال سند: وقول مالك: لا يجزئ الأعلى عن الأسفل؛ يحتمل تحصيل الكمال ولا تصح به صلاة كما قال ابن نافع (٢). فإن اقتصر على الأسفل: فالمشهور: عدم الإجزاء، وعليه جمهور الفقهاء (٣). وذكر ابن يونس عن أشهب الإجزاء؛ قياساً على مسح الرأس، إذا [مسح] (٤) ثلثه، ولأن المسح مبني على التخفيف، ولأن الأسفل في حكم النعل؛ لا الخف، لأن المحرم لا يلزمه فدية، ويلزمه في الخف؛ إذا كان له ظاهر دون أسفل؛ فتعلق الحكم بالأعلى مطلقاً، ولأنه [لم] (٥) يرد حديث بالاقتصار عليه (٦)، [وورد] (٧) في الاقتصار على الأعلى (٨). قال ابن يونس: وهو خرق إجماع الصحابة. ***

стр. 225

فرع: باب جواز المسح على الخفين وفي صفة المسح طرق ثلاثة: قال ابن القاسم في المدونة: أرانا مالك المسح على الخفين، فوضع يده اليمنى على أطراف أصابعه من ظاهر [قدمه] (١)، وأطراف اليسرى من تحت أصابعه من باطن خفه فأمرهما على موضع الوضوء؛ من أصل الساق [حذو] (٢) [الكعبين] (٣) (٤). قال ابن شبلون: وعلى هذا تكون يده اليمنى على ظاهر رجليه جميعا (٥). وفي «الواضحة» عن مالك: يجعل يده اليمنى على ظاهر أطراف أصابع رجله اليمنى، ويده اليسرى تحتها، ويمرهما لموضع الوضوء؛ ثم يجعل يده اليمنى تحت أصابع رجله اليسرى، ويده اليسرى فوقها، ويمرهما لموضع الوضوء. وإليه ذهب أبو محمد؛ ونقله في «مختصره» (٦)، لأنه أيسر، ويبعد اليمنى عن موضع الوسخ، و [حت] (٧) اليسرى به الذي هو الأسفل، وتحصل البداية [بالأعلى] (٨)، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَينِ﴾، فجعلهما الغاية، فالبداية تقابلهما.

стр. 226

الطريقة الثانية: أن يبدأ بهما من الكعبين إلى الأصابع؛ ليذهب وسخ إن وجد عنه، ولا يقبل له على ثيابه (١). الطريقة الثالثة: [أن يبدأ] (٢) باليمنى كالطريقة الأولى، [وباليسرى] (٣) كالطريقة الثانية، واختارها ابن عبد الحكم (٤)؛ لأنه ربما كان في خفه نجاسة، فلو مسح باليسرى أسفله من الأصابع إلى ظاهر العقب مسح خفيه برطوبة يده [من] (٥) آثار القشب (٦). وترجيح قول مالك أن المسح إنما يكون بعد زوال ما على الخفين من طين وغيره قبل المسح (٧). *** * ص: (ولا يجوز المسح على جوربين غير مجلدين، وقد اختلف قوله في المسح على الجوربين المجلدين؛ فروي عنه جواز المسح عليهما، وروي عنه المنع منه، والروايتان معاً لابن القاسم). * ت: [وافقنا] (٨) في غير [المجلدين] (٩) (ش) (ح) بالمنع (١٠).

стр. 227

وجوز ابن حنبل (١)، وأبو يوسف (٢)، وجماعة؛ لما في «الترمذي» (٣): أنه ﵇ مسح على الجوربين (٤). وقد ضعفه «أبو داود» (٥). والأصل العمل؛ إلا ما أجمع عليه من الخف. وما روي [عن السلف محمول] (٦) على المجلدين إلى فوق الكعبين، اللذين يمكن متابعة المشي فيهما، فهما ممكنة [ … ] (٧) تحت الخف، واللفائف لا يمسح عليها اتفاقاً، ولأن المشي بهما نادر، والرخصة [معلقة بالأغلب] (٨). وسبب اختلاف قول مالك في المجلدين (٩)؛ اختلاف الناس في صحة الآثار في ذلك، فقد [صححها] (١٠) «الترمذي» (١١). وإذا قلنا بعدم الصحة؛ يلاحظ القياس على الرخص إذا عقل معناها (١٢) [ … ]

стр. 228

فرع: اختلف قول مالك في الجرموقين؛ فقال: لا يمسح؛ إلا أن يكون من فوقهما [ومن تحتهما جلد] (١) مخروز قد بلغ إلى الكعبين، ثم رجع إلى المنع مطلقاً (٢). وسواء على قوله لبسهما على [رجل] (٣) أو خف، وعلى الأول ابن القاسم لأنهما بالجلد (٤) كالخف، وقياساً على الرخصة بجامع الضرورة. ويفرق [بينهما] (٥) بأن لبسهما [ليس] (٦) عاماً في الأمصار، فضرورتها ليست عامة، أو يمنع القياس على الرخصة على أحد القولين، أو معارضة بالقياس على البرقع والقفازين (٧). واختلف في تفسيرهما: فقيل: الجوربان المجلدان (٨). وقيل: خف على خف (٩).

стр. 229

وقيل: خفان ذو ساقين غليظين، يلبسهما مشاة المسافرين. وقال ابن حبيب: خفان غليظان؛ لا ساق لهما (١). قال سند: هذا هو الموق (٢). قال الخطابي: معنى ما جاء عنه ﵊ أنه مسح على موقيه، [وهما] (٣) نوع من الخفاف ساقه إلى العقب (٤). وقال القاضي عبد الوهاب في «الإشراف»: الموق الجرموق (٥). *** * ص: (ولا بأس بالمسح على خفين مخرقين إذا كان الخرق يسيراً، وليس لذلك حد من ظهور أصابع محصورة). لعموم الأحاديث المتقدمة. وقيل: يجمع عليه؛ فإن خفاف الصحابة رضوان الله عليهم لا تسلم من القطع غالباً، وليس للناس كلهم الجديد، فتعذر اليسير مغتفر في الشريعة في صور كثيرة؛ كالجهالة، والغرر، وغيرهما، فكذلك هاهنا، لا سيما في المسح المبني على التخفيف، ولأن التحريم استوى فيه الصحيح والخرق اليسير في حق المحرم؛ فيستويان في حق الحلال (٦).

стр. 230

* ت: هذا إذا كان الخرق من الكعبين فدون، أما فوق الكعبين لا يضر، ونبه ابن الجلاب على تحديد (ح) الخرق بثلاثة أصابع (١)، والتحديد يفتقر إلى سمع فيه (٢). ولنا في حد الكثير قولان: أحدهما: ظهور القدم أو جلها، فلا يمسح لتحقق البدل، والقليل في حيز التبع (٣). وثانيها: إمكان مداومة المشي فيه، وإلا لم يمسح (٤)؛ لعدم علة الجواز، وهو الانتفاع بالمشي، فلو شك في [اليسارة] (٥) لم يمسح، لأن الأصل الغسل حتى تظن الشروط للممسوح. *** * ص: (إن لبس خفين فوق خفين؛ فقد اختلف قوله في المسح على الخفين الأعليين؛ فروى ابن عبد الحكم عنه جوازه، وروى ابن وهب المنع منه). * ت: قال اللخمي: الخلاف إنما هو فيمن لبس ولم يمسح على الأسفل، أما لو أحدث فمسح على الأسفل ثم لبس الأعلى؛ مسح عليه قولاً واحداً (٦). وقال سند: القولان مطلقاً لمالك؛ بناء على أن الضرورة العامة إنما هي في

стр. 231

الخف الواحد، ومنع القياس على الرخص، ولم يمسح ﵊ إلا على خف واحد، أو يقال: الثغور الباردة يحتاج فيها لذلك ضرورة، والقياس على الرخص جائز. *** * ص: (فإن مسح على الأعليين ثم خلعهما؛ مسح على الأسفلين). لتعيينهما حينئذ، أو كما لو نزع الجبيرة والخف عن الرجل. فإن نزع الأعليين غسل رجليه: لتعيين البدل وهو الغسل بذهاب الخف. فإن أخر ذلك ناسياً غسلهما حين يذكر: لأن تفريقه الطهارة ناسياً لا يضر. وإن أخر ذلك عامداً استأنف الوضوء: لوجوب الحوالة مع الذكر. * ت: قال الباجي: الشاذ أنه ينتقض وضوءه إذا نزع الأسفلين؛ لأن بالنزع انتقضت الطهارة في الرجلين، فيصير محدثاً مطلقاً لأن الحدث لا يتبعض، وكما لا يرتفع في عضو دون عضو لأن الموالاة واجبة مطلقاً فيبطل الوضوء لبطلانها (١). وجوابه: أن الخلع ليس حدثاً يجده؛ بل يصير كأنه غسل جميع أعضائه إلا رجليه، فإذا غسلهما كملت طهارته، فكما لا يقال إذا بقي رجلاً وهو يتوضأ تجدد حدث فكذلك هاهنا، وأما الموالاة فلا تجب إلا مع [الذكر] (٢) كما تقدم تقريره

стр. 232

في موضعه. قال المازري: الجمهور على بطلان طهارة الرجلين بالخلع؛ فيجددان. وقال داود: لا يبطل؛ قياساً على حلق شعر الرأس بعد الوضوء. وجوابه: الفرق [عندنا أن المسح] (١) هنالك أصل، وهنا بدل؛ فيرجع إلى المبدل عند وجوده، ومعارض بالقياس على الجبيرة (٢). فإن نزع أحد الخفين الأسفلين: فقال ابن القاسم في «العتبية»: يمسح على الأسفل من [تلك] (٣) الرجل ويجزئه (٤)؛ لأنه الذي ظهر فيه البدل، وقياساً على ما إذا كان أحد الخفين بلفافة والآخر بغير لفافة، أو قياساً على ما إذا لبس في رجل خفاً وفي الآخر خفين. وقال سحنون: ينزع الآخر ويمسح الأسفلين (٥)؛ قياساً على نزع أحد الأسفلين على الرجل ينزع للآخر، والخفان في حكم الخف الواحد، ولأن تحت الخف الباقي خف بعضه المسح، وتحت الخف الذي بقي بعد النزع الرجل، وحكمها الغسل، فقد صار ما تحت الخفين مختلفاً؛ وهو خلاف موطن الإجماع، وابن القاسم يلاحظ الخفين؛ وحكمهما واحد، ولا يعتبر ما تحتها.

стр. 233

فرع: قال سحنون في «العتبية»: يجوز الركوب بالمهاميز، وللمسافر المسح عليهما، ولا يتركهما؛ لأن المسح مبني على التخفيف (١)، وهما حائلان يحتاج إليهما، والإيعاب (٢) غير واجب. *** * ص: (ولا بأس بالمسح على خفين واسعين). * ت: اتفق القائلون بالمسح عليه في الواسعين؛ قاله سند، لأنه يمكن متابعة المشي فيها، ولأن المشقة وإن كانت سبب الإباحة فقد تخفى مع بقاء الرخصة، كالقصر للملك الخافية مشقته، ومسح راكب السفينة اكتفاء بالظنة، ولأن التزام الناس الضيق حرج، وإنما يخرج في الواسع إذا خرج العقب وأكثر الرجل يبقى فيه؛ والحكم للأغلب، ولأن العادة أن الناس لا بد أن يكون فيهم من خفه كذلك؛ فيكون هذا كالمجمع عليه في عصر الصحابة، كما تقدم في الفتق اليسير، ولأن النصوص دلت على الجواز مطلقاً من غير تفريق. *** * ص: (فإن أخرج رجليه من قدم الخف إلى ساقه بطل مسحه). لأنه في حكم المخلوع حينئذ، ووجب عليه غسل رجليه. (فإن خرج عقبه إلى ساق الخف فلا شيء عليه). لأن الحكم للغالب (٣).

стр. 234

(إلا أن تخرج الرجل كلها أو جلها، فيجب غسلهما جميعاً). لأن الأقل تبع للأكثر، ومتى خرجت رجل وجب عليه غسلها؛ لئلا يجتمع البدل والمبدل مسحاً وغسلاً (١). * ت: إن أخرج العقب وحده بقصد النزع فخرج على الخلاف في رفض النية، وإلا مسح اتفاقاً، وإذا خرجت الرجل إلى ساق الخف لا ينفع بقاؤها في الساق، بدليل أنه لو لبس الخف في الساق، [ولم يدخل الرجل] (٢) في قدم الخف؛ لامتنع المسح وفاقاً، فدل على أن البدل إنما هو المقدم (٣) لا الساق. *** * ص: (وإن أخرج إحدى رجليه؛ أخرج الأخرى وغسلهما جميعاً، ولم يجز له أن يمسح إحداهما، ويغسل الأخرى). لئلا يجتمع البدل: وهو المسح، والمبدل: وهو الغسل؛ في الرجل الأخرى، كما لا يتيمم في وجهه ويغسل يديه. * ت: قال القاضي في الإشراف عن أصبغ: لا ينزع الأخرى (٤) وقال اللخمي: لو لم ينزع الأخرى لم أر عليه الإعادة (٥). حجة أصبغ: قوله ﵊: «فامسح عليهما ما لم تنزعهما أو تصبك جنابة» (٦)،

стр. 235

فشرط في المنع نزعهما، فنزع أحدهما لا يمنع، وقياساً على نزع أحد الجبيرتين على أحد الرجلين، فإنه يغسلها، ويمسح على الأخرى (١). قال المازري: وكل المسح بدل على كل الغسل؛ فلا يتبعض، والخلاف فيمن أطعم خمسة في كفارة، وكسا خمسة؛ فالمشهور عدم الإجزاء (٢) (٣). فرع: قال عبد الحق: لو لم يقدر على نزع الأخرى، وخاف فوات الوقت؛ قال بعض شيوخنا: يغسل الواحدة، ويمسح الأخرى من فوق الخف؛ لأنه حينئذ كالجبيرة لأجل الضرورة (٤). قال ابن يونس: قاله [الإبياني] (٥). وقيل: يخرق الخف (٦) لأن العبادة أولى من مالية الخف (٧). وقيل: يتيمم؛ لأن الرجلين في حكم العضو (٨) الواحد، وقد بعدت طهارة الماء لسبب (٩).

стр. 236

قال عبد الحق: ينبغي أن يقطعه إن قل ثمنه، وإن كان لغيره أعطاه قيمته، وإلا مسح عليه كالجبيرة (١). وقال مطرف وعبد الملك في مسافر مسح على خفه، ثم أصابت خفه نجاسة، ولا ماء معه: ينزعه، ويتيمم (٢). *** * ص: (وليس عليه أن [يتبع] (٣) غضون الخفين بالمسح). * ت: قاله مالك؛ لأن المسح مبني على التخفيف، ولأن الغضون في حكم الباطن، ولأن ذلك حرج (٤). ولأنه مروي عن ابن عباس، وعطاء (٥). وقال ابن شعبان عليه اتباعها، وهي التي على ظهور القدمين، وكذلك غضون [الجبهة] (٦) في التيمم؛ لأنها من ظاهر محل الفرض (٧). *** * ص: (ولا بأس بالمسح على خفين قصيرين، إذا كانا يبلغان الكعبين). لأنه يسمى خفاً، ولأن المقصود ستر محل الفرض؛ وقد ستره، ولأنه ملبوس

стр. 237

معتاد، ويستر محل الفرض، وتدعو الضرورة له كالكامل، فيجوز قياساً عليه. * ت: إن كان دون الكعبين امتنع؛ لأنه لا يسمى خفاً، ولجمعه بين الغسل فيما بقي، والمسح فيما يستر، ولا يجمع بين البدل والمبدل. قال المازري: وعن مالك في المحرم يلبس خفاً مقطوعاً دون الكعبين أنه يمسح عليهما، ويغسل ما ظهر (١). وهذا لا يعرف عن مالك؛ بل عن الأوزاعي، فوهم في نسبتها لمالك (٢). ولأنه إذا [غسل] (٣) بعض الرجل تعلق الحدث به؛ فيكون محدثاً، والمحدث لا يمسح كما لو لبسه محدثاً، واعتباراً بمن نزع عن بعض [رجله] (٤) بعد المسح. *** * ص: (ولا يجوز المسح على [شمشكين] (٥)؛ إلا أن يجاوز الكعبين). لأن الأصل غسل جميع الرجلين، وهذان لا يسميان خفين، ولا يستران محل الفرض، ولا مشقة في نزعه، وإن غسل مع المسح اجتمع البدل والمبدل، وهو [غير] (٦) معهود في الشريعة؛ فلا يجتمع الوضوء والتيمم، وإذا [تلفق] (٧)

стр. 238

خصال الكفارات من البدل والمبدل؛ وقد تقدم بسطه. *** * ص: (لا يمسح على النعلين وإن كانا مقطوعي العقبين). لأنهما ليسا بخفين، ولا يستران محل الفرض. ص: (وإذا اضطر المحرم إلى لبس خفين تامين؛ جاز أن يسمح عليهما. وإن لبسهما من غير ضرورة؛ لم يجز له المسح عليهما؛ لأنه عاص بلبسهما، وعليه خلعهما). وفي «الترمذي» (١): أن رجلا سأل رسول الله ﷺ ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا يلبس [القميص] (٢)، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف؛ إلا ألا يجد النعلين فيلبسهما، وليقطعهما أسفل من الكعبين» (٣). وقال حديث حسن صحيح (٤). ت: إذا اضطر إلى التامين؛ مسح عليهما لأجل الضرورة؛ قياساً على الحلال، أو لغير الضرورة يمتنع المسح؛ إلا على قول شاذ، وهو على الخلاف في المسافر سفر معصية؛ هل يقصر أم لا؟

стр. 239

ولأن الرخصة بعضها لا تثبت مع المعاصي بخلاف العزائم؛ فتصح الصلاة في الدار المغصوبة وإن لم يجز القصر، والفطر من المعصية. والفرق بين المحرم لا يمسح مع العصيان، والغاصب للخف يمسح مع العصيان؛ لأن المسح مشروع للحلال، فإذا [غصب] (١) ومسح أتى بالمشروع مع المعصية: يجزيه (٢). وعن مالك في «المختصر»: لا يمسح (٣). فقيل: إذا كانا دون الكعبين. وقيل: مطلقاً؛ لأنه عاص بلبسهما. أما المضطر فلا خلاف فيه عندنا. *** * ص: إن لبس خفين مقطوعين لم يجز له المسح عليهما؛ لقصورهما عن الكعبين. * ت: قال المازري: الوليد بن مسلم عن مالك أنه يمسح ويغسل ما ظهر (٤). وقد تقدم وجه إنكاره إن صح أنه أنكر أن الظاهر من الرجل في حكم اليسير؛ فيعفى عنه، كما يعفى عن الخرق اليسير، والفرق على المشهور [أن] (٥) الخرق لا ينفك عنه الخف غالباً، بخلاف القصر عن الكعبين لا ضرورة فيه.

стр. 240

* ص: (وما أصاب الخف أو النعل من البول والعذرة؛ فواجب غسلهما منه، وما أصابه من أرواث الدواب فمنه روايتان إحداهما: غسله، والأخرى: مسحه). * ت: الخلاف في النعل هل هو كالخف أم لا؟ وأرواث الدواب هل هي كالبول أم لا؟ قال مالك: الخف والنعل سواء؛ لما في «أبي داود»: أنه ﷺ قال: «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه؛ فطهورهما التراب» (١). «وإذا وطئ بنعليه فطهورهما التراب» (٢). فسوى ﷺ بينهما. ولأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يصلون في النعال والخفاف، بل ما كانت تصلى في المدينة إلا في النعال غالباً، ولهذا تردد قول مالك في المسح على الخفين في الحضر، ولم ينقل عن واحد منهم أنه نزع خفيه أو خلعهما لذلك. وقال ابن حبيب: إنما يعفى عن أرواث الدواب في الخف دون النعل؛ لخفة نزعه بخلاف الخف. وقال ابن القاسم: كان مالك دهره يقول: إذا وطئ على أرواث الدواب بخفه أنه يغسله ولا يصلي فيه قبل أن يغسله، وآخر ما فارقناه عليه أنه قال: أرجو

стр. 241

أن يكون واسعاً، وما كان الناس يتحفظون هذا التحفظ (١). ففرق بينهما؛ بسبب أنه ورد أنه ﵊ خلع نعله في الصلاة وقال: إن جبريل أخبرني أن فيهما قذراً. أخرجه (أبو داود) (٢). فجمع بينه وبين الحديث المتقدم، فحمله على العذرة ونحوها، ويحمل المتقدم على الأرواث؛ لأنها لا تنفك عنها الطرقات غالباً، فيشق الاحتراز منها بخلاف النجاسة المغلظة، والغسل بتكراره [يفسد] (٣) الخف. وأيضاً: لم يتفق على نجاسة الأرواث؛ بخلاف البول والعذرة. ولو قلنا بالمسح؛ [فيمسح] (٤) حتى لا يخرج من الخف شيء (٥)، وهل يختص ذلك بالمواضع التي تكثر فيها الدواب كالأمصار الكبار أو غيرها؛ إذ لا مضرة في التحرز؟ قاله سحنون. وروي التسوية في المنع لإمكان التحرز؛ وقياساً على الأبوال، ولأن الحاجة للتحرز للإنسان في بول نفسه أشق من التحرز من الأرواث في الطرقات، فلو سومح في الروث لسومح في البول. فرع: وإذا قلنا بالغسل من العذرة ولم يجد ماء:

стр. 242

قال ابن حبيب: لا يجزئه المسح؛ بل ينزعهما ويتيمم، لأنه أرخص في الصلاة بالتيمم، ولم يرخص له في الصلاة بالنجاسة (١). وعن مالك: إذا توضأ، ثم وطئ على الموضع الجاف: لا بأس بذلك، وقد وسع الله تعالى على هذه الأمة (٢). وقال ابن اللباد: معناه: إذا مشى على أرض طاهرة؛ لما روي: أن الدرع «يطهره ما بعده» (٣). وكان الرجل لا يسلم من مباشرة نجاسة، [فإذا] (٤) مشى بعد ذلك على أرض طاهرة مسحها، والرخصة في الاكتفاء بذلك. وقال اللخمي: لم يرد مالك ما قاله [ابن اللباد] (٥)؛ إنما أراد إذا رفعها بالحضرة قبل أن يتعلق من تلك النجاسة شيء؛ إلا ما لا قدرة له عليه (٦). واختلف في من يمشي حافياً: هل يجزئه مسح رجله قياساً على الخف والنعل؛ وقاله أبو إسحاق (٧)؟ أو لا بد له من الغسل قياساً على البدن؟ والفرق في الأول: أن الخف يفسده

стр. 243

الغسل بخلاف الرجل (١). أو يفرق بين الفقير والغني؛ فيمسح [الفقير] (٢)، والغني [يغسل] (٣) (٤). ثلاثة أقوال. قال سند: وهذا يبطل [بالنعل] (٥)؛ فإنه يجوز له دلكه، ويصلي فيه، وإن وجد منه بدل فالنزع. وروى ابن وهب عن عطاء: كان أصحاب رسول الله ﷺ يمشون حفاة، فما وطئوا عليه من قشب رطب غسلوه، أو يابس لم يغسلوه (٦). *** * ص: (وما أصاب الثياب من العذرة والبول والأرواث؛ غسل، ولم يقتصر على مسحه). * ت والفرق أن الخفين تباشر الطرقات، وفيها الأرواث غالباً؛ بخلاف الثياب. وقد كانت الصحابة رضوان الله عليهم يمسحون على الخفين ولا يغسلونها، للمشقة، بخلاف الثياب، فإنها مما يندر وصول الأرواث إليها. قال الباجي ولا خلاف في المذهب أنه مأمور بغسل الثوب والجسد منه

стр. 244

ما لم يشق؛ كالمجاهد في أرض العدو [يمسك] (١) فرسه فلا يكاد ينجو من بوله، فليس عليه غسله (٢). وفي أرض الإسلام: قال مالك: يتقي جهده، ودين الله يسر. فظاهر كلامه: الأمر بالتوقي إلا من ضرورة إلى ذلك؛ من معيشة في السفر بالدواب، ولأن الغسل يفسد الخفاف دون الثياب. ***

стр. 245

باب التيمم * ص: (ومن عدم الماء في سفره تيمم، وكذلك من عدمه في حضره). * ت: التيمم لغة: القصد، [ومنه قولهم] (١): يممت المكان إذا قصدته؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا آمِينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]. ومعناه شرعاً: طهارة ترابية، [تشتمل] (٢) على مسح الوجه واليدين بالصعيد. وأصلها: الكتاب، والسنة، والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، والصعيد: الأرض بعينها. ومنه قوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، أي: حجراً أملس، ولو كان تراباً لم يكن زلقاً. وأما السنة: فما في «مسلم»: عن عمار بن ياسر أنه قال لعمر بن الخطاب: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا، ولم نجد الماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت، فقال النبي ﷺ : «إنما كان يكفيك أن

стр. 246

تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح وجهك وكفيك» (١). ومن طريق آخر: «إنما كان يكفيك أن تعمل هكذا» وضرب بيده الأرض، فنفض يديه، فمسح وجهه وكفيه (٢). وفي «الترمذي»: قال ﵊: «الصعيد الطيب وضوء المؤمن وإن لم يجد الماء عشر سنين». وقال: حديث حسن (٣). وانعقد الاجماع على مشروعيته؛ من حيث الجملة. ويتيمم المسافر عند عدم الماء، ووجوده وهو يخشى مرضاً، أو موتاً، أو سباعاً، أو لصوصاً، تحول بينه وبين الماء، أو يخاف أن رفيقه يذهب بماله، أو رحاله، أو يخاف العطش على نفسه إن استعمل الماء. وأما المقيم العادم للماء فثلاثة أقوال: قال مالك في «المدونة»: يتيمم في الحضر من لم يجد الماء، وكذلك المسجون. وقال في المغافر وأطراف الفسطاط يخاف إن ذهب إلى النيل طلعت الشمس: يتيمم. وهو أحد قولي ابن القاسم. والثاني: أنه يتيمم، ويعيد الصلاة إذا توضأ بعد الوقت، رواه ابن حبيب

стр. 247

واختاره؛ لأن الله تعالى إنما ذكر التيمم في المريض والمسافر، وكذلك المسجون إذا حبس عنه الماء إلى آخر الوقت؛ يصلي بالتيمم ويعيد إذا وجد الماء بعد الوقت؛ لأنه لما تعارضت المدارك أخذنا بالاحتياط؛ فيصلي ليدرك فضيلة الوقت، ويعيد خوف عدم الأجزاء. الثالث: يطلب الماء في الحضر، ولا يتيمم وإن ذهب الوقت؛ إلا أن يكون له عذر؛ قاله مالك في «الموازية» (١)؛ لأن التيمم إنما شرع للمريض، والعاجز عن استعمال الماء، والمسافر العادم، لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية، فلم يتعداهما الحكم عملاً بظاهر النص، ويتأكد المشهور: أنه لا يعيد بعد الصلاة، فقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، ومعنى الوجود: القدرة؛ بدليل التيمم مع رؤية الماء إذا خاف السباع أو العطش، وهذا قائم للصلاة فيتيمم. وفي «مسلم»: أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلَّم عليه، فلم يرد رسول الله ﷺ حتى أقبل على الجدار، فمسح وجهه [ويديه] (٢)، ثم ردَّ ﵊ (٣). زاد «أبو داود»: ثم اعتذر إليه؛ وقال: «إني كرهت أن أذكر الله تعالى على غير طهر» (٤). وهذا في الحضر.

стр. 248

وتيمم ابن عمر وهو بالمربد وهو بطرف المدينة (١). ولأن التيمم إنما شرع للمسافر لإدراك فضيلة الوقت، فوجب تحصيلها من الحاضر كالمسافر، وإنما خصت الآية المريض والمسافر لأن الماء يكثر تعذره عندهما ويغلب، والوصف إذا خرج مخرج الغالب لا يكون له مخرج إجماعاً. فإن قيل: جعل الله القصر والفطر للمسافر والمريض فلم يتعد ذلك إلى غيرهما؛ قيل: جعل ذلك للمشقة ولم يساوهما غيرهما فيها، وهاهنا لإدراك فضيلة الوقت، وقد وقعت المساواة فيها، فيقع الاستواء في الحكم، كما يجب افتراق الأولين في الحكم كما وقع الاستواء في الجمع بين الصلاتين لحدوث الاستواء في العذر، وكذلك الرهن إنما نص على المسافر ويجوز في الحضر [لدافع] (٢) الحاجة إليه، مع أن الحاضر يقدر على الإشهاد أكثر. قال القاضي عبد الوهاب: ولا إعادة عليه خلافاً (ش)؛ لأنها صلاة لزم أداؤها بالتيمم؛ فلا تنتقض كصلاة المسافر (٣). والمريض له ثلاثة أحوال يجوز له فيها التيمم: وهو أن يعدم الماء. أو يعدم من يناوله إياه. أو يخاف من استعماله موتاً، أو زيادة مرض، أو تأخير برء (٤).

стр. 249

* ص: (فإن وجده غالياً غلاء متفاحشاً؛ تيمم، ولا قدر لذلك ولا حد له، ويحتمل أن يحد بالثلث). * ت: المال له حرمة، والصلاة لها حرمة، والمال لا بدل له، والطهارة لها بدل، فكان التحامل عليها أولى، ولأن في الغلاء مسألة؛ وهو لو كان الماء منه على نصف مثل، عليه فيه مشقة؛ فالمال أولى، والله تعالى يقول: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. قال الأبهري: وليس عليه شراؤه بما لا يعرفه من الثمن؛ لئلا يشتري بالدينار ما يساوي درهماً، وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال (١). فإذا وجده بثمن مثله، أو ما يقاربه؛ لزمه شراؤه إذا قدر عليه، لأن القدرة على الثمن قدرة على الماء، أصله: الرقبة في الكفارة. واختلف في الحد الذي يبيح التيمم: فعن مالك: لا يشتريه بأضعاف ثمنه، فقربه بعشرة دراهم ودراهمه كثيرة؛ قال: ما هذا على الناس، إنما عليه أن يشتري بالثمن المعروف في ذلك الموضع (٢). قال اللخمي: يريد ابن الجلاب: إذا بلغت الزيادة الثلث جاز له التيمم. ويحتمل ما قاله اللخمي إذا زاد على الثلث تيمم. قال اللخمي: ينظر إلى ثمنه بذلك الموضع، فإن كان رخيصاً اشتراه، وإن زاد مثليه مثل أن يكون ثمنه درهماً فلا مضرة أن يشتريه بثلاثة دراهم أو أربعة؛

стр. 250

لأن مجموع ذلك حقير، والصلاة أولى بالاحتياط، وإن كان غالياً؛ كانت الزيادة مع الثمن مضرة به (١). فرع: فإن بذل له الماء بثمن في الذمة، ولا ثمن معه: قال ابن العربي: يلزمه شراؤه؛ لأنه قادر على ذلك، فأشبه ما لو كان معه ثمنه، وقد جرت العادة بالبيع معجلاً ومؤجلاً فلا يحصر في أحدهما (٢). فرع: يلزمه قبول هبة الماء لأنه مبتذل؛ فلا [منة] (٣) فيه في قبوله؛ بخلاف هبة ثمنه؛ لوجود المنة في قبوله (٤). قلت: قول ابن الجلاب: يحد بالثلث باطل قطعاً، فإن الراوية العظيمة إذا كانت بدرهم تصير بدرهم ونصف؛ لا نجد في قواعد الشريعة ما يبيح التيمم في هذه الحالة، بل يعتمد على ما هو مضر عادة. *** * ص: (إن كان معه ماء وهو يخاف العطش على نفسه، وعلى غيره؛ تيمم، وأعده لشربه). لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
следующие страницы →