وأخذت منه، وقدر الجزية أربعون درهما على أهل (١) الورق، وأربعة دنانير [على أهل الذهب] (٢)، لا يزاد على ذلك، ولا بأس بالنقصان لمن لم يطقهما).
ت: لأنَّ الشَّرك قد شملهم، فلا اعتبار بأنسابهم.
وقال ابن الجهم: تؤخذ من كلّ من دان بغير دين الإسلام، إلا ما أجمع عليه من كفار قريش، فلا يقبل منهم إلا الإسلام.
وفي «كتاب القرويين»: أنَّ قريشاً أسلمت كلُّها.
والمرتد لا تؤخذ منه الجزية، ولا يسترق، لقوله ﵇: «مَنْ بدل دينه فاقتلوه» (٣).
وفرض عمر ﵁ الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق أربعين درهما، وصوبت الصحابة ﵃ رأيه.
وعن ابن القاسم: لا ينقص أحد منها لفقره.
المشهور: قول عمر بن عبد العزيز ﵁ أن خففوا عن محتاجهم، ثم إن احتاجوا فاطرحوا عنهم، ثم إن احتاجوا فأنفقوا عليهم وأسلفوهم من بيت المال.
وتؤخذ عند وجوبها.
واختلف فيه:
стр. 1822
وقال أبو حنيفة: تجب في أول حول حين تنعقد لهم الذمة، وبعد ذلك عند كل أول حول.
وقال الشافعي: لا تجب بآخر الحول.
وليس عن مالك في ذلك نص، وظاهر مذهبه: آخِرُ الحول، وهو القياس؛ لأنها بدل التأمين والإقامة، وكالزكاة على المسلم، والجامع: أنه مال متعلق بالحول.
قال بعض [أصحابنا] (١): إنما هذا الخلاف في الجزية الصلحية، وإنَّ الصحيح أخذُها أوَّل الحول؛ لأنه حقن الدماء بعقد الصلح، فقد تحقق للعوض حينئذ.
وأما العنوة ففي آخره؛ لأنه عبد للمسلمين، وهي كالخراج، فتؤخذ بعد انقضاء المنفعة والمدة.
فإن منعوا الجزية:
قال مالك: إذا انتقل قوم من العدو إلى بلادنا، وضُرِبت؛ فإن شاءوا أقاموا عليها، أو رجعوا إلى بلادهم.
قال ابن المواز: لا خيرة لهم بعد اختيارهم الجزية، ولا يمكنون من الرجوع بل قبل ذلك.
ص: (من أسلم من أهل الذمة، وقد وجبت عليه الجزية؛ فإنها تسقط عنه ولا تُؤخذ منه، سواء أسلم في بعض الحول أو بعد تمامه، وكذلك لو مرت
стр. 1823
عليه سنون لم يؤد فيها الجزية، ثم أسلم قبل الأداء؛ سقطت عنه).
ت: قال الشافعي: لا تسقط بالإسلام.
لنا: قوله ﵇: «الإسلام يجب ما قبله» (١).
وكتب عمر بن عبد العزيز: «أن ضَعُوا عمَّن أسلم من أهل الجزية حين يسلمون»، والوضع إنما يكون فيما وجب لا المستقبل، فلا يحتاج عمر التنبيه عليه، ولأنها صغار، والإسلام ينافيه.
ص: (من أسلم من أهل الصلح فأرضُه مِلك له، ومن أسلم من أهل العنوة فلا ملك له على أرضه، وهي في لجماعة المسلمين، ولا زكاة على أهل الذمة في شيء من أموالهم كلها: زروعهم، وثمارهم، ونواضحهم، ومواشيهم، وناضهم)
ت الصلح يقرر الأملاك، والعنوة تسلب الأملاك، فاستصحب الحالان، فإن كانت أرض العنوة عامرةً، ووجد الإمام من يسكنها ويؤدي خراجها؛ تركها وقفًا للمسلمين ولم يقسمها، وقد أوقف عمر بن الخطاب ﵁، ولم ينكر عليه أحد.
وإلى رأي الإمام قسمتها فيما يفتتحه بعد ذلك؛ لأنَّ رسول الله ﷺ لم يُنقل عنه أنه قسَمَ إلا خيبر، ولا زكاة على الذمة كالصلاة.
стр. 1824
ص: (لا شيء على أهل الذمة في تجاراتهم إذا تاجروا في بلادهم التي صولحوا عليها، وأُخِذ منهم الجزية فيها، فإن تَجَروا من بلادهم إلى غيرها أُخِذ منهم العشر في تجاراتهم).
ت: لقول عمر ﵁ للذمة: إن تجرتم في بلادكم فليس عليكم إلا الجزية، وإن تجرتم إلى غيرها أُخِذ منكم العشر، ومضى على ذلك الأئمة بعده.
ص: (فإن حملوا متاعاً فباعوه أخذ منهم عشر ثمنه، فإن حملوا مالاً فاشتروا به متاعاً أُخِذ منهم عُشر قيمته)
ت: قال ابن القاسم: إذا قدم إلى [غير] (١) أفقه لا يؤخذ منه حتى يبيع (٢)؛ لأن البيع هو النفع الذي حصل لهم ببلاد الإسلام.
وقال ابن حبيب: يؤخذ منه عشر ما معه قبل بيعها، ويحال بينه وبين إمائه ساعة يقدم، وقاله أصحاب مالك المدنيون (٣)؛ لأن عمر ﵁ كان يأخذ منهم العشر من القطنيَّة، ونصف العشر من الحنطة [والزبيب] (٤) بمال.
قال ابن القاسم: حتى يشتري (٥)
وقال غيره: يؤخذ عشر المال اشترى أم لا.
стр. 1825
بناءً على أنَّ المأخوذ على الانتفاع في القطر الثاني، أو الوصول [إليه] (١)، وعلى الأول قال في «المدونة»: يؤخذ عشر السلعة.
ونقل ابن الجلاب [أنه يؤخذ] (٢) عُشر [القيمة.
وقيل: إن كانت تنقسم أُخِذ] (٣) عُشرها، وإلا فتسع القيمة؛ لأنَّ لنا عُشر السلعة في عينها.
فإذا أعطانا قيمة ذلك فقد اشترى سلعةً ثانية، فلنا عشرها، وكذلك أبدًا، كلما أعطانا قيمةَ عُشر صار كمشتريه، حتى يَدِقَّ العُشر فلا يُعلَم قدره، فيؤخذ منه التسع من أول مرة.
وأجيب: [بأنَّ الواجب] (٤) عُشر واحد، وإذا تصرف بعده لم يلزمه شيء مادام في ذلك القُطر، إلا أن يسافر إلى قطرٍ ثانٍ، وغاية العشر أن يكون [كشراء] (٥) سلعة أخرى، إلا أن يؤدِّيَ العُشر من مالٍ آخر، فلهذا القول اتجاه.
وإذا كانت تنقسم، وأُخِذ عُشرها، ثم استُحِقَّت السلعة من الذمي، أو ردَّها بعيب؛ أَخذ العشر الذي أعطاه.
ص: (وإن باعوا ثم اشتروا في مكان واحد لم يؤخذ منهم إلا عشر واحد، وكذلك لو اشتروا ثم باعوا في مكان واحد، ولو باعوا في بلد ثم حملوا
стр. 1826
الثمن إلى بلد آخر، فاشتروا به؛ أُخِذَ منهم عُشران: عُشر في البيع، وعُشر في الشراء؛ لانتفاعهم بالقطر).
ت: قال ابن القاسم: من كان من مصر فدخل الشام فأوطنها، ثم قدم مصر بتجارة؛ لا يؤخذ منه شيء؛ لأنها بلده التي صولح عليها، وإن رجع إلى الشام التي أوطنها أُخذ منه العشر (١).
ص: (إذا [أكرى الذمي] (٢) إبله من بلد إلى غير بلده؛ أُخِذ منه عُشر كرائه في البلد الذي [أكرى] (٣) إليه، وقال ابن القاسم: إذا أكرى الذمي من بلده إلى بلدٍ غير بلده؛ لم يؤخذ منه شيء، فإن أكرى إلى بلده راجعاً أُخِذ منه عُشر كرائه، وقال أشهب: لا شيء عليه، وقال ابن المواز: يؤخذ منه العشر، سواء أكرى من بلده أو من غير بلده).
ت: في «المدونة»: قال مالك: لا يؤخذ منه شيء (٤)؛ لأنها سلعة باعها ببلده.
وقال ابن القاسم: إن أكرى راجعاً أُخِذ منه العُشر في بلد العقد (٥).
ورأى أشهب أنَّ الكِراء غلَّةٌ كاللبن والنتاج (٦).
стр. 1827
وقال ابن حبيب: إن أكرى من بلده أُخِذ منه العشر بالبلد الآخر؛ لأنها نهاية كرائه، فهو كعرض قدم فباعه، فإنه يؤخذ منه عشره (١).
وهو قول ابن الجلاب.
ورأى ابن المواز أنه إن أكرى من بلده فقد حصل النفع بتمام السفر، أو من غير بلده فقد انتفع بالعقد.
ص: (يؤخذ من الذمي العشر كلما تَجَر، وإن تجر في السنة مرارا، وإن تَجَر عَبيدُ أهل الذمة أُخِذ منهم العشر، كما يؤخذ من أحرارهم).
لأنَّ المنفعة تحصل لهم كما تحصل لساداتهم.
ت: قال الشافعي: لا يؤخذ منه إلا مرةً في السنة، كالجزية.
لنا: أن عمر ﵁ كان يأخذ منهم كلما قدموا.
ولأن الانتفاع متكرر، والجزية لحقن الدم وهو [غير] (٢) متكرر؛ لأنَّ الإباحة لم تعقبه.
ص: (تجار أهل الحرب إذا دخلوا بأمان مطلق للتجارة؛ أُخذ منهم العشر، ولم يزد عليهم، إلا أن يُشترط عليهم عند دخولهم أكثر من ذلك، فيؤخذ منهم ما اشترط عليهم)
ت: قال ابن القاسم - وهو المشهور -: ليس لما يصالحوا عليه حد؛ لأنَّ
стр. 1828
الأصل في أموالهم الإباحة، بخلاف الذمة.
وعن مالك: عليهم العشر كالذمة، بجامع الكفر.
وقال أشهب: إن نزلوا من غير مقاطعة؛ لا يزاد على العشر (١).
يريد: وإن صولحوا على شيءٍ أُخِذ منهم ذلك.
قال فضل بن سلمة: إذا لم يُشترط عليهم يُحملون على عاداتهم.
قال اللخمي: إن لم تتقدم لهم عادةٌ، ولم ينظروا في ذلك حتى باعوا؛ أُلحقوا بالذمة، وإن لم تكن لهم عادةٌ، ولم يبيعوا؛ فما تراضوا عليه (٢).
قال ابن القاسم في «المستخرجة»: إن نزلوا ولم يبيعوا أُخِذ منهم ما صولحوا عليه ناجزا، بخلاف الذمة (٣).
وقال ابن نافع: لا يؤخذ حتى يبيعوا، كالذمة (٤).
وقال أشهب: [لهم] (٥) الرجوع بسلعهم، إلا أن يُشترط فيعمل به (٦).
قال أصبغ: لا يدورون في سواحل الإسلام لبيع ولا غيره، ولا الأزقة، ولا ينزلون إلا في موضع تُؤمن عورتهم فيه، والأسواق والطرق الواضحة لحوائجهم،
стр. 1829
ولهم الأمان في أنفسهم وأموالهم في ديار الإسلام أجمع. (١)
فإن قَدِموا بخمرٍ أو خنزير:
قال مالك في «المجموعة»: يُتركون ويؤخذ عُشر الثمن، فإن خيف من خيانتهم جُعِل عليهم أمين.
قال ابن نافع: ذلك إذا حملوه لأهل الذمة، لا لبلد ليس فيه ذمة (٢).
وقال ابن شعبان: لا يجوز الوفاء بذلك، ولا النزول بمثل هذا، ويُراق الخمر، وتُعرقب الخنازير.
قال ابن بشير: بناءً على أنهم مخاطبون بالفروع أم لا؟
فإن نزلوا على أن يُقروا على ذلك، فهُمْ [بحدثان] (٣) نزولهم؛ [قيل لهم] (٤): إن شئتم فعلنا ذلك، وإما فارجعوا، وإن طال مكثهم فعل ذلك بهم وإن كرهوا.
ص: (يُخفّف عن تجار [أهل الذمة] (٥) فيما حملوا إلى مكة والمدينة من الحنطة [والزبيب] (٦)، فيؤخذ منهم في ذلك نصف العشر، ويخفف عنهم في قرى مكة والمدينة كما يُخفّف فيهما، ويؤخذ منهم العشر كاملا فيما حملوه
стр. 1830
من البر، والعروض، والقَطَاني، وسائر التجارات سوى الحنطة [والزبيب] (١).
ت: كان عمر ﵁ يفعل ذلك في هذين للحاجة إليهما، فيكثر جَلْبُهما للمدينة (٢).
وعن مالك: يؤخذ العشر فيهما (٣)؛ لأنَّ [الغنى] (٤) حصل بالمسلمين عنهم في هذا الوقت.
* * *
стр. 1831
كتاب الأيمان والنذور
(ومَن نذر طاعةً من طاعات اللهِ لزمه الوفاء بها، سواء أطلقها أو علَّقها بصفة، مثل أن يقول: لله عليَّ أن أصوم، أو أتصدق، أو أصلي، أو أحج، أو: أُعتق، فيلزمه ذلك، إن كان مطلقا لزمه بإطلاقه، وإن كان مشروطاً فيوجد بشرطه، وكذلك سائر ما ينذره من القُرب والطاعات يلزمه الوفاء إن قدر عليه، وإن عجز عنه انتظر القدرة عليه).
ت: يدلُّ على وجوب الوفاء بالنذر الكتاب، والسنة، والإجماع.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١].
وقد قال رسول الله ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه» (١).
والإجماع على ذلك في الجملة.
وذم الله تعالى على من لم يوفِ به؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُم مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ [التوبة: ٧٥، ٧٦].
فإن لم يسم مخرجاً - كقوله: لله عليَّ نذرٌ - قال مالك: عليه كفارة يمين (٢)؛ لقوله ﵇ في مسلم: «كفارة النذر كفارة يمين» (٣).
стр. 1832
ص: (مَنْ نذَرَ نحر بدنةٍ فلم يجدها ففيها روايتان: إحداهما: أنه يذبح بقرةً، فإن لم يجدها فسبع من الغنم، والرواية الأخرى: عليه بدنة واجبة في ذمته، لا يجزئه الإتيان بغيرها مع القدرة عليها، ولا مع العجز عنها).
ت: وكذلك إذا قصرت نفقته عنها، روى جابر: «نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبع، والبقرة عن سبع» (١)، فجعل أحدهما يَسُدُّ مَسَدَّ الآخر، وقاله خارجة بن زيد، وسالم بن عبد الله.
قال اللخمي: لا يعرف الناسُ البُدْنَ إلا من الإبل، وهو الذي يقصده الناذر (٢).
ص: (من نذر أن يزني، أو يسرق، أو يقتل، أو يعصي الله تعالى بضرب من المعاصي؛ فقد خرج في نذره، ولا يجوز له فعل شيء مما نذره على نفسه، ولا كفارة عليه في تركه، وكذلك سائر ما ينذره من المعاصي).
ت: قال رسول الله ﷺ : «لا نذر في معصية الله» (٣).
وقال ﵇: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصيه» (٤).
ولا كفارة عليه؛ لأنه ليس يمين.
قال اللخمي: يُستحَبُّ أن يأتي بقربة؛ لقوله ﵇ «من [حلف] (٥) باللات
стр. 1833
والعزى فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال الرجل: تعال أقامرك، فليتصدَّق (١).
ص: (من نذر فعل طاعة وعلقه بفعل طاعة أخرى؛ فهو بالخيار: إن شاء فعل الطاعة الأولى، ولزمه الطاعة الأخرى، وإن شاء ترك الأولى ولم تلزمه الأخرى.
مثل ذلك: إن حججت العام فعلي صدقة ألف درهم، فإن حج لزمته الصدقة، وإن لم يَحُجَّ لم يلزمه، وإن قال: إن لم أحج العام فعلي صدقة ألف درهم؛ كان بالخيار: إن شاء حج ولم تلزمه الصدقة، وإن شاء ترك الحج ولزمته الصدقة.
ولو جعل وجود معصيته شرطًا في وجوب طاعة عليه؛ لم يجز له فعل المعصية، ولم تلزمه الطاعة المنذورة، فإن فعل المعصية لزمته الطاعة المعلقة بها.
مثل ذلك: أن يقول: إن شربت خمرًا فعليَّ صدقة ألف درهم، فلا يجوز له شرب الخمر، ولا تلزمه الصدقة بألف، فإن شرب الخمر لزمته الصدقةُ والحَدُّ.
ولو ألزم نفسه طاعةً لعدم معصية؛ لزمته الطاعة، ولم يجز له فعل المعصية، [فإن فعل المعصية] (٢)؛ سقط عنه ما علقه بها من الطاعة.
مثال ذلك: أن يقول: الله عليَّ صدقة دينار إن لم أشرب خمرا، فيلزمه التصدق بالدينار، والكف عن الخمر، فإن شرب الخمر سقطت عنه الصدقة، ولزمه الحد).
стр. 1834
قلت: هذا كله واضح التطبيق على فعل المعصية [ … ] (١) من غير حكم حاكم [ … ] (٢) المعصية [ … ] (٢) الذي أعتقده المذهب.
ووافقني جماعة من أهل [المصر] (٣)، وخالفني جماعة، وقالوا: لا يلزمه طلاق ولا عتق إلا بحكم حاكم واستدلوا بظواهر من المذهب، واستدللت أنا أيضا بظواهر، [والموضع وجه] (٤) الفقه فيه عويص، يلحق طرف منه بقواعد التقادير، وهي خفية التفاصيل على أكثر الفقهاء، [وها أنا أُورِدُ] (٤) النصوص والبحوث في ذلك:
قال مالك في «المدونة»: إن حلف بعتق عبده ليضربنه ألف سوط؛ عَتَقَ مكانه، وقوله: عَتَقَ مكانه، ظاهر في عدم الاحتياج للحاكم.
وقيل في كتاب النذور: علي نذر إن لم أشرب خمرا، أو أقتل فلانا، ونحوه من المعاني، فلا يفعل، ويكفّر كفَّارة يمين، إلا أن يجعل لنذره مخرجًا، فإن اجترأ وفعل المعصية فقد أثم وسقط عنه النذر، كان له مخرج أم لا. وظاهر هذا أيضا تعجيل الحنث.
وقال أيضًا: من حلف بطلاق، أو عتق، أو مشي، أو بالله ليضربن فلانًا، أو ليقتلنه؛ فإن ضرَبَ أجلاً فهو على بِرِّ، وإنما يَحنَثُ إِذا حَلَّ الأجل ولم يفعل، وإن لم يضرب أجلا فهو على حنث، ولا ينبغي له أن يفعل ذلك، وليكفّر أو يمشي، ويطلق عليه الإمام أو يُعتق إن رفع ذلك إليه بالقضاء، فإن اجترأ بفعل
стр. 1835
ذلك قبل النظر فيه زالت عنه أيمانه.
فقوله: يطلق عليه الإمام أو يُعتق، إن رجع ذلك إليه بالقضاء تمسك به من اشترط الحكم في الطلاق والعتق؛ لأنه لم يقل: طلقت عليه امرأته، ولا عتق عليه عبده.
وكذلك قوله: بالقضاء، إشارة إلى أنه لا يعتق بالفتوى.
وقال ابن أبي زيد في «النوادر ومن الواضحة»: من حلف بالطلاق ليضربن امرأته مثل عشرة أسواط؛ فقد أساء، ويُخلَّى وذلك، وإن حلف على مثل ثلاثين أسواطًا، فإن رفع إلى الإمام قبل أن يفعل طَلَّق عليه، وإن لم يطلق عليه حتى فعَلَ لا يُطلق عليه. وهذا أيضا يُشعر باشتراط الحكم.
وفي «العتبية»: إن حلف على ضرب لا يُترك، وأكثر فيه، عُجِّل عليه الطلاق، وهذا محتمل.
ومن «الواضحة»: إن حلف بعتق عبده ليضربنه أكثر من مئة سوط فليعتق عليه الإمام، وهو ظاهر في اشتراط الإمام مثل لفظ «المدونة».
قال عبد الملك: لو لم يضربها حتى باعها، فأولدها المبتاع؛ فسخ البيع، وتعتق على بائعها، ويُرَدُّ الثمن، ولا ثمن عليه في ولده، وهو حر، وهذا محتمل للقضاء والفتيا.
قال مالك: إن حلف بعتق ميمون ليضربن مرزوقا، فباعه، فإنه يُعتق ميمونا، كما لو مات مرزوق أو أعتقه، وهو ظاهر في عدم اشتراط القضاء؛ لقوله: كما لو مات مرزوق أو أعتقه، فإنه إذا أعتقه كان الضرب ممكنًا عادةً، غير أنه معصية.
стр. 1836
قال مالك: وإن حلف ليضربن أمته ضربًا لا ينبغي؛ فإنه يُمنع وتعتق عليه.
وهو ظاهر في عدم اشتراط الحكم.
وقال مالك في «المدونة» في كتاب الأيمان بالطلاق: امرأتي طالق لو كنتُ حاضرًا لِشَرِّكَ مع أخي لفقأتُ عينك. فإنه حانث، قال ابن يونس: قال أصبغ: يحنث إذا علق بالماضي، كان الفعل حرامًا أم لا، لأنه غيب لا يُدرى أكان فاعلا أم لا.
وقال مالك وابن القاسم: إن كان ممكنا شرعاً لم يحنث، كالمستقبل، وإلا حنث، إلا أن تكون له نيَّةٌ في فعل غير ما سمى، قال: وهو أشبه بظاهر «المدوَّنة»؛ لتعليله بالتحريم.
وفي «الجواهر»: إن علق على الماضي، والفعل ممتنع عادةً وشرعاً، وأراد حقيقة الفعل؛ حنث، والمبالغة لم يحنث، وظاهر هذا لزوم الحنث من غير احتياج للحكم.
ويؤيده: أنَّ مالكًا ألزمه الصدقة، كما أفاد صاحب الجلاب.
والمشي إلى مكة، والنذور، وكفارة اليمين - كما نقلته من «المدونة» ــ، وهذه الأمور لا يدخلها حكم الحاكم اتفاقا، فإن كان الحنث واقعا تنزيلا للمتعذّر شرعاً كالمتعذّرِ حِسًّا؛ استوى في ذلك الطلاق والصدقة، وإن لم يكن واقعاً فينبغي أن لا تلزمه الصدقة ونحوها، والنقل خلافه.
وأما الظواهر التي تمسكوا بها فلا حجَّةَ فيها؛ لأنَّ قول مالك: طلَّقَ الإمام عليه، صادق فيما أجمع عليه، كقوله: امرأته طالق؛ فإنَّ الإمام يطلق في جميع
стр. 1837
الصور المجمع [ … ] (١)، وإنما كان يحصل المقصود لهم لو وجدوا نقلا إذا لم يطلق عليه الإمام لا يلزمه طلاق، وهذا هو المفيد، وكان [ … . بين … .. ] (٢) الظواهر وما ذكروه.
أما كون الإمام يُطلق إذا رفع إليه فلا حُجَّة فيه، فإنَّ كلَّ مُجمَعِ عليه كذلك، وكيف يكون [ … ] (٣) إلا بالقضاء دون الفتوى، وتلزمه الصدقة ونحوها مما لا يدخلها الحكم، بل الحقُّ، وهو المستفاد من نقل ابن يونس وغيره أنَّ المعدوم حسا كالمعدوم شرعا، والمعدوم حِسَّا يلزم فيه الأحكام بغير قضاء، فكذلك المعدوم شرعا [ … ] (٤).
فإن قلت: إذا قلت: لزمه الطلاق وغيره فكيف يُصنع بقول مالك: إن فعل سقطت عنه الأيمان، والواقع كيف يرتفع؟
قلتُ: نحن إنما نُلزمه الطلاق بناء على [فرض] (٥) عدم الشرط [دائما] (٥)، بناءً على أنَّ الشرع أمر [بدوامه] (٥) دائماً، فإذا فعل وقع نقيض هذا التقدير، فإنَّ الوجود نقيض العدم، فامتنع علينا أن يعتقد دوام العدم مع الوقوع الموجود في بعض الأوقات، وإذا لم يعتقد دوام عدم الشرط امتنع إلزام الطلاق؛ لأنَّ سبب لزومه فرض دوام العدم.
فإن قلت: إذا حكم الإمام بلزوم الطلاق، ثم فعل بعد الحكم بلزوم الطلاق
стр. 1838
له، أسقط عنه الطلاق، كما إذا فعل قبل الحكم، أو حكم الحاكم يمنع من ذلك.
قلت: ظاهر «المدوَّنة» من جهة مفهوم اللفظ لا من جهة منطوقه يقتضي أنَّ الطلاق لا يرتفع، لقوله: إن اجترأ فعل قبل النظر فيها زالت عنه أيمانه، فاشترط في زوالها أن يكون قبل، ومفهوم هذا الشرط يقتضي أنَّ بعد النظر فيه لا تزول أيمانه.
ولكن المفهوم في «المدونة» - والذي أعتقده - أنَّ أيمانه تزول إذا فعل بعد الحكم، فإنَّ الحكم لم يُلزمه الطلاق إلا تقديرًا للمعدوم الشرعي كالمعدوم الحسي، وهذا التقدير قد زال بالفعل، كما لو اعترف عند الحاكم أنه طلق امرأةً بعينها ونسيها، فإن الحاكم يقضي بطلاق جميع نسائه، فإن ذكر بعد ذلك عين المطلقة سقط ذلك الحكم، وكذلك إذا اعترف عند الحاكم أنه حلف بيمين ونسيها؛ فإنه يقضي عليه بالطلاق.
ولأنه من جملة الأيمان، فإن تذكَّر اليمين التي حلف بها سقط الطلاق، وبطل ذلك الحكم؛ لبطلان التقدير الذي حُكم لأجله.
وكذلك لو حكم بزوال العصمة في المفقود أو المنعي لها زوجها، ثم تبين أنَّ الزوج مقيم بالبلد لم يُفقد، أو حي لم يمت؛ بَطَلَ ذلك الحكم، ونظائره كثيرة.
ولا عجب أن ينتفي الحكم لانتفاء سببه الذي لأجله حكم الحاكم، كذلك هاهنا ترجع المرأة إلى زوجها وإن ولدت الأولاد من زوج آخر، إذا فعل الحالف المحرم المحلوف عليه قبل الحكم أو بعده، وهو الذي يقتضيه ما ذكرته من القواعد الظواهر التي ذكرتها، وغيرها من الظواهر [مرجوع] (١)، لمعارضتها بالظواهر والقواعد.
стр. 1839
ص: (من سمَّى لنذره مخرجًا، أو نوى به شيئًا؛ لزمه ما سماه أو نواه، وإن لم يسم له مخرجًا، ولا نوى به شيئًا؛ لزمه كفارة يمين).
لقوله ﵇: «كفارة النذر كفارة يمين» (١).
(والنذر في الرضا والغضب سواء، يلزمه فيه الوفاء).
لأنَّ الغضب لا يُسقط الأحكام.
(ومن نذر طاعةً واستثنى فيها لزمه الوفاء بها، ولم تسقط عنه باستثنائه، مثال ذلك: أن يقول: علي الحج إن شاء الله تعالى، فيلزمه الحج، ولا يسقط بالاستثناء، ولو قال: إن كلمتُ زيداً فعليَّ الحج إن شاء الله، فكلمه؛ لم يلزمه الحج إن أعاد الاستثناء على كلام زيد، وإن أعاد على النذر لم يسقط عنه).
ت: الاستثناء إنما يؤثر في اليمين بالله تعالى، وفي النذر الذي لا مخرج له؛ لأنَّ كفَّارته كفارة يمين؛ لقوله ﵇: «من حلف واستثنى عاد كمن لم يحلف»، ولم يقل: من نذر، بل قال: «مَنْ نذر أن يطيع الله فليطعه» (٢).
وإن عطف الاستثناء على الفعل، ويمينه بطلاق أو عتاق أو غير ذلك:
قال مالك: لا ينفعه.
وقيل: ينفعه.
مثاله: إن فعلت كذا، أو إن لم أفعل كذا؛ فامرأته طالق، أو: علي الحج إن شاء الله، [أو] (٣): إلا أن يشاء الله.
стр. 1840
قال ابن القاسم لا [ينفعه استثناؤه] (١).
قال عبد الملك وأصبغ: [ينفعه إن نوى الفعل، وإن] (٢) نوى الطلاق أو العتاق؛ لم ينفعه.
قال ابن رشد: وهو الأصح؛ لأنه علق بصفة لا يصح وجودها، وهو أن يفعل الفعل والله تعالى لا يشاؤه، وذلك مستحيل إلا عند القدرية.
وعلى ابن القاسم درك عظيم في قوله: لا ينفعه وإن عاده على الفعل (٣).
ولا خلاف أنه إذا ردَّ ذلك لمشيئة نفسه أنه ينفعه، كقوله: إن فعلت كذا، أو إن لم أفعل كذا؛ فامرأته طالق إلا أن يبدو لي، أو: إلا أن أرى غير ذلك.
قال ابن المواز: يبدو لي في الفعل، أو أرى غيره (٤).
قلت: هذه المسألة صعبة جدا، ولم أر أحدًا من الفقهاء تعرض لتحريرها، بل الكلام المنقول فيها عليه ظلمة بعيد من الصواب، وتحريرها وكشف الغطاء عنها: أنَّ الله تعالى شرَعَ الأحكام، وشرَعَ لها أسبابًا وجعل الأحكام على قسمين: منها ما قرره الله تعالى في أصل شرعه، كوجوب الصلاة، ومنها ما وكله لخيرة عبيده، كنقل المندوبات للواجبات بطريق واحد وهو النذر، فمن شاء أوجب على نفسه مندوبا بالنذر، ومن شاء لم يوجبه.
وجعل الأسباب على قسمين أيضًا منها ما قدَّره في أصل الشرع، كالزوال
стр. 1841
ورؤية الهلال لوجوب الصلاة والصوم، ومنها ما وكل سببيته بخير عبيده، فإن شاؤوا جعلوه سببًا، وإن شاؤوا لم يجعلوه، وهي التعاليق كلها، فدخول الدار ليس سببًا لطلاق امرأة أحدٍ في الشرع، بل إن شاء المكلف علق عليه الطلاق، فصار حينئذ سببًا لطلاقها، وإن شاء لم يعلق، فلا يكون سببًا، وكذلك سائر التعاليق.
إذا تقررت هذه القاعدة فنقول: إذا قال: إن كلمت زيداً فعلي الحج إن شاء الله، وأعاد الاستثناء على لزوم الحج على تقدير الكلام، لزمه الحج بسبب أنَّ الله تعالى إذا شاء وصف عبده بسبب شرعي، فقد شاءه [له] (١)، كذلك السبب، من شاءه بالبيع الصحيح فقد شاءه بانتقال الملك، ومن شاءه بالطلاق فقد شاءه بزوال العصمة، وهو قد جزم بجعل كلام زيد سببًا لوجوب الحج عليه، فيكون سببًا، فإذا كلَّمَ زيدًا فقد شاءه الله بفعل سبب لزوم الحج، فقد شاءه بلزوم الحج، فيلزمه.
وإن عاد الاستثناء على كلام زيد، ومعناه: أني لم أجزم بجعل كلام زيد سببًا لوجوب الحج علي، بل ذلك مفوض إلى مشيئة الله، إن شاء جعله سببًا، وإن شاء لم يجعله؛ فنقول حينئذ: كلُّ سبب فوضه الله تعالى للعبد لا يصير سببًا حتى يجزم بجعله سببًا، فإذا لم يجزم وفوَّض سببيته إلى الله تعالى لم يكن سببا، فإذا وقع الكلام بعد هذا وقع الكلام ليس سببا، فلا يلزم به حجٌّ، كحاله قبل هذا الكلام.
وكذلك: إن دخلت الدار فأنتِ طالق، إن أعاده على الطلاق لزمه، وإن أعاده على دخول الدار لم يلزمه به طلاق كما تقدم، وكذلك جميع التعاليق، إذا
стр. 1842
لم يجزم فيها بجعل الشرط شرطًا لا يلزم به شيء إجماعاً، وعلى هذا التقدير ينبغي أن تكون المسألة مُجمَعًا عليها، ولا يكون على ابن القاسم درك عظيم، وتسقط تلك التهويلات، ومن قال لابن رشد أنَّ ابن القاسم أراد بعوده على الفعل ما قاله عنه؟! وابن القاسم أجل من ذلك.
فإن قلت: يلزمك هذا في اليمين بالله تعالى؛ قلتُ: مَنْ شاء الله تعالى بالحلف فقد شاءه بلزوم الكفَّارة على تقدير الحنث، هذا حق، غير أنَّ الاستثناء بمشيئة الله تعالى في اليمين ليست من هذا الباب، وضعها الشرع سببًا حالا مبطلا لحكم اليمين وآثاره، كما وقع الطلاق رافعاً وحالا لعقد النكاح، وخصصنا نحن حله به لأن كلام الشرع يُحمل على عرفه، فقوله ﵇: «من حلف على يمين» يُحمل على اليمين المشروعة، وهي اليمين بالله تعالى، فيختص الحَلُّ بها، أو يبقى ما عداه على مقتضى الأصل، والاستثناء هاهنا تعليق صرف على وضع اللغة.
وبسط هذا الموضع مذكور في كتاب «القواعد» وكلام «الذخيرة»، فتأمله فهو نفيس.
ص: (من نذر المشي إلى بيت الله مطلقا؛ فليمش في حج أو عمرة إن كان قد حج مرَّةً، وإن كان ضرورةً لم يحُجَّ فليمش في عمرة، ثم يُهِلَّ بالحج من مكة، فيكون قد قضى نذره وفرضه، وعليه دم لمتعته، وذلك إذا اعتمر في أشهر الحج، ولو مشى في حجه لنذره وهو ضرورة؛ أجزأه عن النذر، وهو كمن تطوع بالحج قبل فرضه، وذلك جائز عندنا، والاختيار غيره، وهو أن يبدأ بفرضه، وإن مشى في حج فليمش المناسك كلها حتى يُفيض ماشيًا، وإن مشى
стр. 1843
في عمرة فإذا طاف وسعى فقد قضى مشيه)
ت: إذا مشى في عمرة مشى من حيث حلف، إلا أن تكون له نيَّةٌ، فيمشي من حيث نوئ، هذا هو المشهور؛ لأنه الموضع الذي يتناوله الوجوب بالنذر، ولأنه مقتضى لفظه، لأن موضع حنثه لا يعلمه حالة النذر.
قال ابن المواز: إن حلف بمصر وحنث بالمدينة؛ رجع إلى مصر حتى يمشي منها؛ إلا أن ينوي غيرها (١)
وقال أصبغ: إن كان لا يستطيع المشي والموضع قريب؛ رجع حتى يمشي ما استطاع، ويركب ويُهدي، فإن بَعُدَ فمن حيث حنث، وأهدى وأجزأه (٢)؛ لأنَّ المستطيع تراعى قدرته، فيمشي من حيث حلف؛ لأنه مقتضى لفظه.
وإذا كان يعلم من نفسه إذا رجع لا يفعل المنذور [وسيركب] (٣)، وهو لا مشقة عليه في رجوعه؛ رجع؛ لعدم المشقة، أو عليه مشقة لم يرجع؛ لأنه لا يرجع إلا للركوب، وليس هذا المنذور بل المشي.
قال أبو إسحاق: إن كان على بِرِّ لا يرجع؛ لأن يمينه لم تكن واجبةً عليه إلا من يوم حنث، فأشبه من حلف بموضع وحنث فيه.
قال ابن المواز: إذا لم يكن في أشهر الحج؛ لا بأس أن يبتدئ بنذره (٤)
قال اللخمي: يخير بين الحج والعمرة، إلا أهل المغرب، فالمشهور عندهم
стр. 1844
الحج، ولا يعرف العمرة عندهم إلا أهل العلم، أو من حجّ (١).
ويمشي المناسك، وإن كان اللفظ إنما يتناول المشي إلى مكة؛ لأنَّ المشي إليها إنما كان لهذه القربة، ولو اقتصرنا على اللفظ لما لزمه حج ولا عمرة.
وقال بعض العلماء: يركب المناسك؛ لأنَّ اللفظ لم يقتض [مشيها] (٢).
قال اللخمي: هذا هو الأصل.
ولو قال: عليَّ المشي إلى مصر في حجّ لم يكن عليه أن يمشي إلا إلى مصر، ثم يركب ويحج، كذلك إذا قال: عليَّ المشي إلى مكة (٣).
قال الباجي: لم يختلف أصحابنا أن كمال السعي تمام العمرة، وإنما الحلق تحلل منها (٤).
ص: (إن مشى وهو ضرورة في حج، ونوى بذلك قضاء فرضه ونذره؛ ففيها روايتان: إحداهما: أنها لنذره، وعليه قضاء فرضه، والأخرى: أنها لا تجزئه عن واحد منهما، وعليه حَجَّتان لنذرِه وفرضه، وقال عبد الملك والمغيرة: تجزئه لفرضه، وعليه قضاء نذره).
ت: وجه الأول: أنَّ التشريك يوجب الضعف، والنذر أضعف، فجعلت له.
стр. 1845
قال ابن المواز: هذا إذا لم ينو بنذره حجًّا ولا عمرة، أما إن نوى حجًّا فلا يجزئه عن واحدٍ منهما؛ لأنَّ هذا لم يكن له أن يُحرم بعمرة عن النذر، ولاحظ عبد الملك من طاف بالصبي ونوى عن نفسه.
وعنه: يُجزئه عن نفسه دون الصبي.
وروى عن مالك: تجزئ عن الصبي، ويعيد لنفسه (١)؛ لأن الطواف عن الصبي تطوع لا يضره نقصه، وعن الكبير واجب لا بد من تمامه.
ووجه الثاني: أنَّ التشريك أوجب قصوره عن كلّ واحدٍ منهما، ولا يصح نصفُ حَجَّةٍ.
قال ابن القاسم: لو قَرَنَ يريد بالعمرة نذره، وبالحج فرضه؛ لم يجزئه عن الفريضة، وعليه دم القران.
قال ابن حبيب: ويُجزئه عن نذره (٢).
ص: (إن مشى في حج أو عمرة، ثم عجز عن المشي في أضعاف ذلك؛ ركِبَ عند عجزه، ثم مشى إذا قدر، فإن كان ما ركِبَ كثيرًا فعليه إعادة الحج أو العمرة، وقضى ما ركبه، فيمشي فيه، ويركب [فيما] (٣) مشى، حتى يتصل مشيه، وإن كان ما ركب يسيرًا فعليه الهدي، وليس عليه عودة).
ت: قال مالك: لا يجزئه أن يمشي عِدَّة أيام ركوبه؛ إذ قد يركب موضع
стр. 1846
ركوبه، بل يمشي ما ركب فيه.
وقاله ابن عمر وابن عباس ﵃.
قال ابن المواز: إن مشى الطريق كله في عَودِهِ؛ صح (١).
وإذا لزمه الهدي فلم يجد؛ صام عشرة أيام.
قال مالك: إن ركِبَ عَقَبَةً ومشى عقَبَةً حتى بلغ؛ يعيد المشي كله من أوله (٢)، إن كان نذره من المواضع القريبة كالمدينة ونحوها.
أما من مصر فيرجع لما عجز عنه.
وعن مالك: يجزئ مشيه، ولا عودة عليه (٣).
قال اللخمي وهو أحسن؛ لأن نذره لو كان من المدينة وعاد، ولم يوف بنذره؛ لم يعد ثالثةً؛ للمشقة، وهي من مصر أعظم، وأما إن كان أبعد من ذلك كإفريقية؛ فلا [يكلف] (٤) العودة، وهذا [إذا كان] (٥) مضمونًا، [وأما في] (٦) عام بعينه فمَرِضَ فيه؛ لم يكن عليه أن يقضي ما مرض، وكذلك لو مرض كلَّه لم يقض شيئاً (٧).
стр. 1847
ص: (إن نذر المشي وهو كبير مُفنَّد أو مريض مرضاً متطاولا لا يُرجى برؤه؛ ركِبَ في نذره، وأتى بالهدي بدلا عن مشيه).
ت: لأن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية، وهي لا تطيق ذلك، فقال النبي ﷺ : «إِنَّ الله لَغَني عن مشي أختك، فلتركب ولتُهد بدنة»، خرجه أبو داود (١).
قال مالك: يخرج ماشياً ولو نصف ميل، ويُهدي (٢).
قال اللخمي: إن نوى أن يمشي ما يقدر عليه لم يكن عليه هدي، وكذلك الشابُّ الضعيفُ البنية والمرأة، يمشيان ما أطاقا، ثم يُهديان، إلا أن ينوي أن يمشي ما قدرا عليه (٣).
وإن طمع المريض بالبرء انتظر الصحة، إلا أن يعلم أنه لا يقدر على المشي.
ص: (إن قال: إن كلَّمتُ فلاناً فأنا محرم بحَجَّة، ثم كلمه؛ لزمه الحج، وأخر الإحرام إلى أشهر الحج إن كان كلمه قبل ذلك، وإن قال: أنا مُحرم بعمرة إن كلمتُ زيداً، فكلمه؛ لزمه الإحرام بالعمرة عند كلامه، ولم يؤخره عن ذلك)
ت: لا يكون محرما بنفس الحنث، كما لو قال: [فأنا] (٤) أصوم، أو: أصلي.
стр. 1848
وسواء: أنا مُحرم أو: أنا أُحرم، وقال سحنون: فأنا مُحرِم فهو مُحرِم بنفس حنثه، بخلاف فأنا أُحرم، كما لو قال: فأنتِ طالق، وأنا أطلقك، يلزم الطلاق عند الشرط في الأول دون الثاني، ولأنَّ الإحرام يوسع فيه، بدليل النيابة فيه عند قوم، ويُحرم عن المغمى عليه عند قوم.
لنا: أنَّ الإحرام عبادة تفتقر للنية، فلا يلزم بمجرد الشرط حتى ينوي.
وفرق مالك بين العمرة والحج: أنَّ العمرة لا وقت لها، وإن كان لا يصل من بلده حتى يخرج أشهر الحج؛ لزمه الإحرام من وقت حنثه، وإن كان قبل أشهر الحج إذا كان لو أخر عن وقت حنثه فإنه الحج، وإلا فله التأخير إلى وقت يُدرك فيه.
وقال ابن القابسي: يخرج من بلده غير مُحرِم، فأينما أدركه أشهر الحج أحرم (١)؛ مراعاةً لقول من يقول: لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهره.
قال اللخمي: إن أحرم قبل ذلك وكانت تلك نيته؛ لزمه (٢).
ص: (إن قال: علي المشي إلى بيت الله ، أو: الكعبة، أو إلى مكة، أو: إلى المسجد الحرام، أو زمزم، أو: الحَجَر، أو المقام؛ لزمه الحج والعمرة، فإن قال: علي المشي إلى منى، أو عرفة، أو: الحرم؛ لم يلزمه شيء).
ت: لا يلزم عند مالك إلا مَنْ قال: مكة، أو بيت الله، أو: المسجد الحرام، أو: الكعبة، أو: الحَجَر الأسود، أو الركن، دون الصفا والمروة
стр. 1849
والمقام وزمزم ومنى وعرفات والمزدلفة وذي طوى.
وقال أصبغ: يلزمه في كل ما سمى من الحرم أو مواضع مكة (١).
وقال ابن حبيب: إذا سمَّى الحرم أو ما هو فيه، ولا يلزمه ما هو خارج الحرم، إلا عرفات؛ لأنه إذا نذر عرفات فقد نذر الحج (٢).
وقال أشهب: إذا قال: عليَّ المشي إلى الصفا والمروة، أو: ذي طُوى، أو: عرفة؛ لزمه، إلا أن ينوي الموضع المسمى، فلا شيء عليه (٣).
قال أبو محمد: إن قال: الحطيم؛ لزمه على مذهب ابن القاسم؛ لاتصاله بالبيت، وكذلك: الحجر.
وإنما لزم من سمَّى مكة أو المسجد؛ لأنَّ ذلك يحتوي على البيت، وهو لا يُؤتَى إلا في حجّ أو عمرة، بخلاف الحرم؛ لأنَّ عادة الناس يريدون بمكة البيت.
ولو نوى بيوت مكة لم يلزمه شيء، إلا أن تكون يمينه توثقةً، فلا تنفعه النية؛ لأنَّ اليمين على نية المستحلف، وإذا لم تكن له نية في الحرم حُمِلَ اللفظ عليه لغةً؛ لعدم العادة، فيُحمل على أوله، فهذا الفرق عند ابن القاسم.
ص: (لو قال: عليَّ إتيان مكة، أو المضي إليها، أو الانطلاق، أو: الذهاب؛ لم يلزمه شيء عند ابن القاسم، ولزمه الحج أو العمرة عند أشهب).
стр. 1850
ت: قال ابن المواز: لا يأتيها ماشيًا؛ لأنه يخفّف عن نفسه بترك الركوب نفقةً وجبت في طاعة (١).
قال ابن يونس: إذا مشى على قول أشهب أخرج نفقة الركوب في هدايا. وقال غيره: يدفعه لمن ينفقه في حج حسبما كان ينفقه فيه.
والفرق عند ابن القاسم: أنَّ المشي فيه عادة بالحج والعمرة، وهذه الألفاظ ليس فيها عادة، فيحمل على بيوت مكة، [حتى] (٢) ينوي القُربة.
قال ابن يونس: إن قال: عليَّ أن أسير، أو أذهب إلى الكعبة؛ ينبغي أن يلزمه ماشيًا أو [راكبًا] (٣)
ص: (من قال: عليَّ المشي إلى المدينة، أو: بيت المقدس، فإن أراد الصلاة في مسجديهما؛ لزمه إتيانهما راكبًا، والصلاة فيهما، وإن لم يرد ذلك فلا شيء عليه)
ت: روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تُشَدُّ الرحال إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا»، خرجه مسلم (٤).
ولأن الصلاة تضاعف فيها، وإذا لم يُرد الصلاة فلم ينذر طاعةً.
فإن كان بمكة أو بالمدينة، وقال: علي أن أصلي بالبيت المقدس؛ صلَّى
стр. 1851
بموضعه؛ لأنه أفضل.
ولو نذر أحدهما وهو بالبيت المقدس أتاهما.
وإن نذر مكي الصلاة بمسجد رسول الله ﷺ أتاه، وهو أحوط من الخلاف، ولا يأتي المدني مكة.
ص: (لو قال علي المشي إلى مسجد المدينة، أو: مسجد بيت المقدس؛ لزمه إتيانهما راكبا، والصلاة فيهما).
ت: لأن ذكر موضع الصلاة يدل على الصلاة.
وقال ابن وهب وأصبغ: عليه أن يأتيهما ماشيًا.
قال القاضي إسماعيل: من نذر المشي إلى المسجد الحرام للصلاة فقط لم يكن عليه أن يمشي، ولا يدخل إلا مُحرِمًا.
قال اللخمي: القول بالمشي في ذلك كله أحسن؛ لأن المشي والصلاة قربةٌ؛ لقوله ﵇: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟»، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «كثرة الخُطى إلى المساجد» (١)(٢)
ص: (إن نذر المشي إلى مسجد من المساجد سوى المسجد الحرام، و مسجد المدينة، وبيت المقدس؛ فإن كان قريبا لا يحتاج إلى راحلة مضى إليه، وصلى فيه، وإن كان بعيدًا لا ينال إلا براحلة صلَّى في مكانه، ولا شيء عليه)
стр. 1852
ت: لقوله ﵇: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلّا لِثَلاثَةِ مَساجِدَ»، الحديث المتقدم (١)، فمن نذر غيرها صلَّى بموضعه.
وقال ابن المواز: وقيل: مثل الأميال اليسيرة يأته ماشيًا، يصلِّي فيه، كما جعل على نفسه، والمشي ضعيف.
قال ابن عباس ﵄: من نذر مشيه إلى مسجد قباء وهو بالمدينة، مشي إليه (٢)؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كان يأتيه ماشيًا وراكبًا، ويصلي فيه، وهو على ثلاثة أميال.
ص: (من نذر أن ينحر بدنةً بغير مكة، ولم يُرد بذلك [تعظيم] (٣) البلدة التي نذر النحر بها؛ ففيها روايتان إحداهما: أنه يلزمه النحر بها، والأخرى: أنه ينحر البدنة في مكة، ولا يسوقها إلى غيره).
ت: كمن نذر أن يصلي بمصر، فإنه يصلي بموضعه، وقاله ابن عمر.
قال اللخمي: الرواية الأخرى أحسن، إذا قصد رفق مساكين تلك البلدة، وإن قصد الهدي بذلك الموضع فهو نذر معصية، ويستحب له أن يبعث به إلى مكة (٤).
ص: (من نذر أن يتصدق بماله كله لزمه إخراج ثلثه، ولم يلزمه إخراج ماله كله).
стр. 1853
لأنَّ رجلًا تصدق بماله كله، فأجاز له رسول الله ﷺ الثلث.
(ومن قال: كلُّ مال أكسبه أبدًا فهو صدقة؛ فلا شيء عليه فيما يكسبه، ولو ضرب بذلك أجلًا يبلغه عُمره - مثل سنة أو سنتين - لزمه أن يتصدق بثلث كسبه).
ت: إذا لم يعيّن أجلًا أدخَلَ المشقة على نفسه، وإذا عيّن أجلًا أبقى بقيَّةً.
ص: (ومن نذر أن يتصدق بشيء من ماله بعينه، فإن كان قدرَ ثُلثه أو أقل منه؛ لزمه التصدق به، وإن كان أكثر من ذلك ففيها روايتان: إحداهما: أنه يتصدق به كله، وإن كان أكثر من ثلثه والأخرى: أنه لا يلزمه إلا قدرُ ثُلثه).
ت: في «الصحيحين»: قال ﵇: «لا صدقة إلا عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول» (١).
قال اللخمي: فإن كان جميع ماله لا فضل فيه لم يلزمه شيء، وإن كان الفضل نصف ماله، أو ثلاثة أرباعه؛ أخرج جميع ذلك الفضل؛ لأمره ﵇ بالوفاء بالنذر.
وقال أبو طلحة: إنَّ أفضل أموالي بيرحاء، وإنه صدقة أرجو برها وذُخرها، فقال له ﵇: «اجعلها في أقاربك وأبناء عمك» (٢)، فأمضى جميع [صدقته] (٣)؛ لإبقائه الكفاية (٤).
стр. 1854
والفرق بين التسمية وأن يَعُمَّ مالَه: أن المسمّي قد أبقى لنفسه ولو ثياب ظهره، وما لا يعلمه من ميراث وغيره، والتعميم أدخل المشقة.
ص: (من نذر أن يُهدِيَ شيئًا من ماله؛ فإن كان مما يُهدى مثله لزمه إهداؤه، وإن كان مما لا يُهدى مثله؛ باعه واشترى بثمنه هديا وأهداه).
ت: إن كان معينا - كالبقرة والشاة - لزمه إهداؤه، إذا كان بموضع يَبْلُغُ منه سالما من العيوب، وفي سنّ ما يُهدى.
فإن كان من الإبل بَعَث به وإن بَعُدَ موضعُه، وإن كان من البقر والغنم، وخِيفَ أن لا يَبْلُغَ؛ لبعدِ سفر، أو لغير ذلك باعه، وابتاع بثمن الغنم غنما، وبثمن البقر بقرا.
وجائز أن يبتاع بثمن البقر إبلا؛ لأنها لما [لم] (١) يبعث [بها] (٢) صارت كالعين.
قال مالك: لا أحبُّ شراء الغنم بثمنها حتى تقصر عن ثمن بعيرٍ أو بقرة، [ويشتري] (٣) ذلك من مكة أو موضع يصل.
وإذا بعث به إلى مكة، فهل نفقته من رأس المال أو الثلث؟ فقولان.
وما لا يُهدى مثله - كالدار - إذا لم يبلغ ثمن هدي - وأدناه شاةٌ - قال مالك: يبعث به إلى خزانة الكعبة، يُنفق عليها.
стр. 1855
وقال ابن القاسم: يتصدق به حيث شاء (١).
ص: (إن نذر هَديَ رجلٍ حُرِّ؛ حَجَّ به، وأهدى عنه، فإن امتنع من الحج معه لم يلزمه شيء).
لأنه لما نذر هديه نوى إيصاله.
قال علي بن أبي طالب ﵁: ويُهدي عنه شاةً.
لو نذر حمل رجل على رقبته؛ حجّ ماشيًا، وحج بالرجل راكبًا، وأهدى عنه، فإن لم يَحُجَّ معه حَجَّ هو ماشيًا، ولم يلزمه غير ذلك.
ت: إن نوى حمله على عُنُقِه دون إحجاجه؛ قال مالك: يحج ماشيًا ويُهدي، ولا شيء عليه في الرجل، وإن نوى بحمله إحجاجه من ماله؛ فعل ذلك بالرجل، إلا أن يأبى، ولا شيء عليه في نفسه، وإن لم تكن له نيَّةٌ حَجَّ راكبًا، وحجّ بالرجل معه، ولا هدي عليه (٢).
وإنما قال ابن الجلاب يَحُجُّ ماشيًا، ويَحُجُّ بالرجل راكبًا؛ لأنه يحتمل أن يريد التعب بحمله، أو إيصاله، فأخذ بالأحوط، فيحج ماشيًا؛ لاحتمال إرادة التعب، وبالرجل راكبًا؛ لاحتمال قصد إيصاله، ويُهدِي؛ لاحتمال إرادة التعب.
قال بعض شيوخنا الهَدي مستحَبُّ، كقول مالك فيمن حلف أن يمشي حافيا: إن أهدى فحسن.
стр. 1856
* ص: (مَنْ نَذَرَ هَدْيَ غُلامٍ غَيْرَهُ لم يلزمه شيء، وإن نَذَرَ هَدْيَ عبد نفسه باعه وأخرج ثمنه في هَدْي).
ت: قال رسول الله ﷺ : «لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم» (١).
والفرق بين نذرِ الحُرّ وعبد غيرك - وإن كان كلاهما غير ملك لك -: أنَّ الحُرَّ جرت فيه سُنَّةٌ، وهي قصة إبراهيم ﵇، بخلاف العبد؛ لقوله ﵇: «لا نذر فيما لا يملك ابن آدم».
* ص: (من نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام حافيًا؛ فلينتعل، ويُستحَبُّ له أن يُهدي هديا).
لأنَّ رسول الله ﷺ رأى امرأةً تمشي حافيةً ناشرةً شعرها، فاستتر بيده وقال: «ما شأنها؟» فقالوا: نذرت أن تحُجَّ حافيةً ناشرةً شعرها، فقال ﵇: «مروها فلتختمر، ولتنتعل، ولتمش» (٢).
والهدي مستحَبُّ عِوَضًا عما تركت.
ومتى حرَّم على نفسه طعامًا أو شرابًا أو أَمَةً؛ فهو حلال له، ولا كفارة عليه فيه، إلا أن ينوي بتحريم الأمة عتقها، فتصير حرَّةً، ويحرم عليه وطؤها إلا
стр. 1857
بنكاح جديد بعد عتقها).
ت: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، ولم يجعل في ذلك كفّارةً.
وروى ابن وهب: أنّ رسول الله ﷺ قال لأم ولده: «أنت علي حرام، والله لا أمسك»، فكفّر عن يمينه دون التحريم.
وقال أبو حنيفة: يلزمه كفّارة يمين في المأكول والمشروب دون الملبوس.
ص: (من حلف بالله سبحانه، أو باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته، ثم حنث؛ فعليه الكفارة، مثل أن يقول: والله، أو: الرحمن، أو: الرحيم، أو ما أشبه ذلك من أسماء الله تعالى، أو يقول: وعزة الله، أو: قدرة الله، أو: وعظمة الله، أو ما أشبهه من صفات الله تعالى، وكذلك لو قال: وكلام الله تعالى ثم حنث لزمته الكفارة).
ت: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٤].
قال زيد بن أسلم: نهاهم أن يُكثروا الحلف به تعالى، وإن كانوا يصلحون به بين الناس (١).
والأيمان ثلاثة:
جائزة بالله تعالى وأسمائه.
стр. 1858
وممنوعة بالمخلوقات كالنبي والكعبة؛ لقوله ﵇: «مَنْ كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» (١)، ولا كفارة فيها، ويستغفر الله تعالى.
ومختلف فيها [بصفات] (٢) الله تعالى، نحو: وعزة الله، وقدرة الله.
والمشهور الجواز ولزوم الكفَّارة.
وعن مالك النهي عن ذلك (٣)؛ لقوله ﵇: «ليس منا من حلف بغير الله».
قال اللخمي: محمله على المخلوقات (٤).
وهذه صفة الذات.
وأما صفات الفعل: نحو الخلق والرزق والإحياء والإماتة؛ فلا كفارة فيها.
[وأما لو قال] (٥): والخالق والرازق والمحيي والمميت ففيه الكفارة.
ص: (من حلف بالقرآن ثم حنث؛ لزمته الكفارة)
ت: اختلف في القرآن والمصحف، أو ما أُنزل:
المشهور: الكفَّارة.
وعن مالك: لا يكفر (٦)
стр. 1859
قال سحنون: من حلف بالتوراة والإنجيل في كلمة واحدة فكفَّارةٌ واحدة؛ لأنَّ ذلك كله كلام الله تعالى، وهو صفة من صفات ذاته، فكأنه حلف بصفة واحدة (١).
قلت: القرآن وهذه الكتب اشتهرت أسماؤها في العرف في الأصوات المسموعة المحدثة، دون مدلولها القديم، والكفَّارة إنما تجب في الحلف بقديم، فيكون الصحيح عدم الكفارة، وقاله أبو حنيفة.
ص: (من حلف بملة من الملل، ثم حنث؛ فلا شيء عليه، وكذلك لو قال: هو يهودي أو نصراني أو مشرك إن كَلَّم زيدًا، ثم كلمه؛ فليستغفر الله تعالى، ولا شيء عليه)
لأنه لم يحلف بقديم.
وقال أبو حنيفة: كلها أيمان.
(ومن قال: علي عهد الله إن فعلت كذا وكذا، ثم حنث؛ لزمته الكفارة، وكذلك الميثاق).
ت: لأنه صفة الله تعالى ترجع إلى الكلام القديم.
قال ابن الحارث: اتفقوا في هذه الصورة، واختلفوا إذا قال: وعهد الله لا فعلت كذا، أو: لأفعلن كذا؛ فعليه الكفارة عند مالك.
وقال عبد الرحمن الدمياطي: لا كفارة في قوله: وعهد الله، حتى يقول:
стр. 1860
[عليّ] (١) عهد الله.
ص: (إن قال: عليَّ عهود الله؛ فعليه ثلاثة أيمان، وكذلك: كفالات الله، ومواثيقه).
ت: لأن أقل الجمع ثلاثة.
قال الأبهري: إنما يلزم ثلاثة إذا أراد الحالف ثلاثة أيمان، وإلا فليس عليه إلا كفارة واحدة، وقاله ابن عبد الحكم؛ لأنَّ ذلك كله يرجع إلى الكلام.
قلت فيه إشكالان:
أحدهما: أن أقل الجمع ثلاثة إذا نُكِّر، وهذا اسم جنس أضيف، فَيَعُمَّ كلَّ عهد وميثاقه.
وثانيهما: أن لفظ «على» ليس من صيغ القسم، بل صيغ النذر، فلا بد من نقل عرفي ينقله للقسم، فيشتر تحقيقه، فإن لم يكن العرف كذلك في بلد الحالف لم تصح هذه الفتاوى.
وهو مأخوذ من الإلزام والالتزام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، أي: أوفوا بما أمرتكم أوف بما وعدتكم به، ومنه: عهدة البيع، أي: ما يلزم من الرد بالعيب وغيره.
وقد بسطت ذلك في كتاب «القواعد».