* ص: (مَنْ نَذَرَ هَدْيَ غُلامٍ غَيْرَهُ لم يلزمه شيء، وإن نَذَرَ هَدْيَ عبد نفسه باعه وأخرج ثمنه في هَدْي).
ت: قال رسول الله ﷺ : «لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم» (١).
والفرق بين نذرِ الحُرّ وعبد غيرك - وإن كان كلاهما غير ملك لك -: أنَّ الحُرَّ جرت فيه سُنَّةٌ، وهي قصة إبراهيم ﵇، بخلاف العبد؛ لقوله ﵇: «لا نذر فيما لا يملك ابن آدم».
* ص: (من نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام حافيًا؛ فلينتعل، ويُستحَبُّ له أن يُهدي هديا).
لأنَّ رسول الله ﷺ رأى امرأةً تمشي حافيةً ناشرةً شعرها، فاستتر بيده وقال: «ما شأنها؟» فقالوا: نذرت أن تحُجَّ حافيةً ناشرةً شعرها، فقال ﵇: «مروها فلتختمر، ولتنتعل، ولتمش» (٢).
والهدي مستحَبُّ عِوَضًا عما تركت.
ومتى حرَّم على نفسه طعامًا أو شرابًا أو أَمَةً؛ فهو حلال له، ولا كفارة عليه فيه، إلا أن ينوي بتحريم الأمة عتقها، فتصير حرَّةً، ويحرم عليه وطؤها إلا
стр. 1857
بنكاح جديد بعد عتقها).
ت: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، ولم يجعل في ذلك كفّارةً.
وروى ابن وهب: أنّ رسول الله ﷺ قال لأم ولده: «أنت علي حرام، والله لا أمسك»، فكفّر عن يمينه دون التحريم.
وقال أبو حنيفة: يلزمه كفّارة يمين في المأكول والمشروب دون الملبوس.
ص: (من حلف بالله سبحانه، أو باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته، ثم حنث؛ فعليه الكفارة، مثل أن يقول: والله، أو: الرحمن، أو: الرحيم، أو ما أشبه ذلك من أسماء الله تعالى، أو يقول: وعزة الله، أو: قدرة الله، أو: وعظمة الله، أو ما أشبهه من صفات الله تعالى، وكذلك لو قال: وكلام الله تعالى ثم حنث لزمته الكفارة).
ت: قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٤].
قال زيد بن أسلم: نهاهم أن يُكثروا الحلف به تعالى، وإن كانوا يصلحون به بين الناس (١).
والأيمان ثلاثة:
جائزة بالله تعالى وأسمائه.
стр. 1858
وممنوعة بالمخلوقات كالنبي والكعبة؛ لقوله ﵇: «مَنْ كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» (١)، ولا كفارة فيها، ويستغفر الله تعالى.
ومختلف فيها [بصفات] (٢) الله تعالى، نحو: وعزة الله، وقدرة الله.
والمشهور الجواز ولزوم الكفَّارة.
وعن مالك النهي عن ذلك (٣)؛ لقوله ﵇: «ليس منا من حلف بغير الله».
قال اللخمي: محمله على المخلوقات (٤).
وهذه صفة الذات.
وأما صفات الفعل: نحو الخلق والرزق والإحياء والإماتة؛ فلا كفارة فيها.
[وأما لو قال] (٥): والخالق والرازق والمحيي والمميت ففيه الكفارة.
ص: (من حلف بالقرآن ثم حنث؛ لزمته الكفارة)
ت: اختلف في القرآن والمصحف، أو ما أُنزل:
المشهور: الكفَّارة.
وعن مالك: لا يكفر (٦)
стр. 1859
قال سحنون: من حلف بالتوراة والإنجيل في كلمة واحدة فكفَّارةٌ واحدة؛ لأنَّ ذلك كله كلام الله تعالى، وهو صفة من صفات ذاته، فكأنه حلف بصفة واحدة (١).
قلت: القرآن وهذه الكتب اشتهرت أسماؤها في العرف في الأصوات المسموعة المحدثة، دون مدلولها القديم، والكفَّارة إنما تجب في الحلف بقديم، فيكون الصحيح عدم الكفارة، وقاله أبو حنيفة.
ص: (من حلف بملة من الملل، ثم حنث؛ فلا شيء عليه، وكذلك لو قال: هو يهودي أو نصراني أو مشرك إن كَلَّم زيدًا، ثم كلمه؛ فليستغفر الله تعالى، ولا شيء عليه)
لأنه لم يحلف بقديم.
وقال أبو حنيفة: كلها أيمان.
(ومن قال: علي عهد الله إن فعلت كذا وكذا، ثم حنث؛ لزمته الكفارة، وكذلك الميثاق).
ت: لأنه صفة الله تعالى ترجع إلى الكلام القديم.
قال ابن الحارث: اتفقوا في هذه الصورة، واختلفوا إذا قال: وعهد الله لا فعلت كذا، أو: لأفعلن كذا؛ فعليه الكفارة عند مالك.
وقال عبد الرحمن الدمياطي: لا كفارة في قوله: وعهد الله، حتى يقول:
стр. 1860
[عليّ] (١) عهد الله.
ص: (إن قال: عليَّ عهود الله؛ فعليه ثلاثة أيمان، وكذلك: كفالات الله، ومواثيقه).
ت: لأن أقل الجمع ثلاثة.
قال الأبهري: إنما يلزم ثلاثة إذا أراد الحالف ثلاثة أيمان، وإلا فليس عليه إلا كفارة واحدة، وقاله ابن عبد الحكم؛ لأنَّ ذلك كله يرجع إلى الكلام.
قلت فيه إشكالان:
أحدهما: أن أقل الجمع ثلاثة إذا نُكِّر، وهذا اسم جنس أضيف، فَيَعُمَّ كلَّ عهد وميثاقه.
وثانيهما: أن لفظ «على» ليس من صيغ القسم، بل صيغ النذر، فلا بد من نقل عرفي ينقله للقسم، فيشتر تحقيقه، فإن لم يكن العرف كذلك في بلد الحالف لم تصح هذه الفتاوى.
وهو مأخوذ من الإلزام والالتزام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، أي: أوفوا بما أمرتكم أوف بما وعدتكم به، ومنه: عهدة البيع، أي: ما يلزم من الرد بالعيب وغيره.
وقد بسطت ذلك في كتاب «القواعد».
стр. 1861
ص: (إن قال: أقسم، أو أحلف، أو أشهد، أو أعزم؛ فإن أراد: بالله؛ فهو حالف، وعليه الكفارة في حنثه، وإن لم يرد ذلك فلا شيء عليه).
لقوله تعالى: ﴿وَلَاكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، فإذا لم يرد: بالله؛ لم يُعقد.
(ومن قال لرجل: أقسمت عليك لتفعلنّ كذا، فلم يفعله، فإن أراد بذلك مسألته؛ فلا شيء عليه).
لأنه لم يَعقد اليمين.
(وإن أراد عقد اليمين على نفسه حنث بتركه المُقسم عليه.
ولا كفارة في اليمين اللاغية، ولا في اليمين الغموس، وهي اليمين الكاذبة، وإنما الكفَّارة في اليمين المعقودة على الأفعال المستقبلة التي يصح البِّر والحنث بها.
ولغو اليمين: أن يحلف الرجل على شخص يراه من بعيد أنه زيد، ثم تبين أنه عمرو، أو يحلف على طائر أنه غراب، ثم تبين أنه غير ذلك، أو يحلف على شيء على علمه، ثم تبين له أنه خلاف ما حلف عليه، فلا يكون عليه في شيء من ذلك كفارة.
والكذب في اليمين: أن يحلف الرجل على شيءٍ قد فعله أنه لم يفعله، أو على شيء لم يفعله أنه فعله، فيكون آثما في يمينه، ولا كفارة عليه).
ت: قال الشافعي: تجب في الغموس الكفارة.
وهي عندنا أعظم من أن تكفّر.
стр. 1862
قلت: اللغو بهذا التفسير قال الشافعي: فيه الكفارة، واللغو عنده: ما لم يقصد به الانعقاد، بل عادة في الكلام من غير قصد، نحو قولهم: [لا] (١) والله، بلى والله، وهو الظاهر من الآية؛ لأنَّ اللغو بتفسيرنا قصد انعقادها، فهي منعقدة، وإنما تبين خلاف ذلك، والغموسُ أيضا منعقدة على الكذب.
ص: (من حلف فاستثنى عَقِيبَ يمينه أسقط الاستثناء عنه حكم اليمين، وصار كمن لم يحلف، فإن قطع يمينه ثم استثنى بعد قطعه؛ لم ينفعه استثناؤه إذا كان مختارا لقطعها، وإن انقطعت عليه يمينه بسعال أو عُطاس أو تثاؤب أو ما أشبه ذلك، ثم وصل يمينه واستثنى عقيبها؛ صَحَ استثناؤه).
ت: قال رسول الله ﷺ : «من حلف فاستثنى عاد كمن لم يحلف» (٢)، [فبين] (٣) أنَّ الاستثناء على اليمين.
وإن [قطع لم ينفعه] (٤)؛ لقوله: «فاستثنى» [فالفاء] (٥) أوجبت التعقيب، فإذا قطع فقد اختار عقدها على نفسه.
[إلا إن تخلل بخلل] (٦) العطاس ونحوه، فلو قال: لا إله إلا الله، وتخلله العطاس قبل قوله: إلا الله؛ لم يكن كفرًا، ومع الاختيار كفرًا، كذلك الاستثناء.
стр. 1863
قال القاضي إسماعيل: لا يتصل باليمين إلا وقد أراده صاحبه قبل أن يُتِمَّ بيمينه، فإن لم يعزم إلا بعد فراغه فزمن العزم يتخلل بعد اليمين، فلا يصح معه النَّسَق، وهو يريد يرفع يمينا قد انعقدت، فلا يصح، والأول مذهب (المدوَّنة).
والاستثناء [بـ «إنْ» و «إلا أن»] (١) و «إلا»؛ نحو: إن شاء الله، وإن شاء فلان، وإلا أن يكون كذلك، وإلا أن يفعل فلان كذا، والله لا أكلتُ طعاما إلا لحما.
قلت: قاعدة العرف: أنَّ كلَّ كلام لا يستقل بنفسه إذا اتصل بما يستقل بنفسه صيره غير مستقل بنفسه، فالإقرار أشدُّ هذه الأمور، ولو قال: له عندي عشرة إلا اثنين؛ لم يلزمه إلا ثمانية، وصار: (له عندي الذي شأنه أن يستقل بنفسه غير مستقل بنفسه لمَّا لَحِقَه ما لا يستقِلُّ إلَّا بنفسه، وهو: «إلا اثنين».
فلو قال كلامًا مستقلا بنفسه نحو وقته منها، أو منه العشرة، وكذلك: أنتِ طالق ثلاثا إذا لحقه: «إن دخلت الدار».
وهو نحو عشرة: الشرط والغاية والصفة والتمييز والحال والطرف، وهي مستوعبةٌ في كتاب «القواعد»، فلذلك لم يشترط المشهور من أول الكلام؛ لأنَّ هذا هو شأن هذه الأمور التي لا تستقل.
وأما: «أن لا يكون كذا» فهو استثناء من الأحوال، ليس من باب حَلّ اليمين، وكذلك: «لا أكلتُ طعامًا إلا لحما» استثناء لبعض الطعام، لا حال اليمين، بل هي منعقدة فيما بقي بعد الاستثناء، فليس الباب واحدا فتأمله.
стр. 1864
ص: (لا يصح الاستثناء بمشيئة الله تعالى في عتق، ولا طلاق، ولا نذر، ولا شيء من الأيمان سوى اليمين بالله تعالى وحدها).
ت: قال أبو حنيفة والشافعي: يصح في جميع الأيمان التي يحلف بها.
لنا: ما في مسلم: قال ﵇: «إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت» (١)، فالمشروع إنما هو اليمين بالله تعالى، فقوله ﵇: «من حلف واستثنى» (٢) ينصرف للمعهود في الشرع، ويصير معنى الكلام: من حلف بالله واستثنى.
ص: (لا يكون الاستثناء إلا لفظا، ولا يصح [نيةً] (٣) ولا عقدًا).
ت: قال اللخمي: على قول مالك: أنَّ اليمين تنعقد بالنية؛ يصح الاستثناء بالنية، ولم يختلف أنَّ [المحاشاة] (٤) تصح بالنية؛ لأنها إخراج قبل اليمين (٥).
وإذا قلنا: يصح اليمين فهو كالطلاق بالنية.
والفرق: أن اليمين إلزام، والاستثناء حَلٌّ، والإلزام [أغلظ] (٦) من الإباحة، فأمكن انعقاد اليمين بالنية، ولا ينعقد الاستثناء إلا باللفظ.
قلت: الاستثناء سبب شرعي حال لليمين، وإذا كان السبب هو اللفظ لا
стр. 1865
تقوم النية مقامه، والمراد بالنية هاهنا الكلام النفساني، وكذلك الطلاق بالنية؛ لأن ذلك قياس في الأسباب من غير معنى معقول، وهو ممنوع.
والمحاشاة معناها: استعمال اللفظ العام في الخاص، فهو العام المخصوص، وقصد المتكلم كافٍ في ذلك إجماعاً، ولكن هاهنا مغلطة يغلط فيها كلُّ مُفت رأيتُه، وهي: التباس النية المؤكّدة بالنية المخصصة، والمخصصة هي المنافية، والمؤكدة هي الموافقة، فإذا قال: والله لا [لبست] (١) ثوباً، وقال: أردتُ الكتان، لم أر من يفتي بعدم حنثه بالصُّوف، وهو باطل إجماعاً؛ لأنها موافقة للفظ في الكتان، وإنما المخصصة أن ينوي إخراج الصوف، وهذا مبسوط في كتاب «القواعد».
ص: (لو حلف لا يكلم زيدًا، ثم كلمه، وأراد بذلك شهرًا؛ جاز أن يكلمه بعد الأجل الذي نواه).
ت: النية تنفع في الفتيا دون القضاء.
ص: (ومن حلف على شيء واحدٍ مِرارًا، ثم حنث؛ فعليه كفارة واحدة، [إلا أن يريد بأيمانه كفَّاراتٍ عِدَّةً] (٢)).
ت: قال ابن القاسم: كفَّارةٌ واحدةٌ، حلف في مجلس أو مجالس، نوى بالثانية عين الأولى أو لم ينو شيئًا، إلا أن ينوي ثلاث كفارات.
стр. 1866
وإن قال: عليَّ ثلاث [نذور] (١)، فحنث، فعليه ثلاث كفارات.
وإن قال: عليَّ نذر إن فعلت كذا، ثم قال: عليَّ نذر [إن فعلتُ] (٢) كذا، ففعل؛ فكفارتان، إلا أن يريد بالثاني عين الأول.
ص: (إن حلف على أشياء مختلفة يمينًا واحدًا، ثم فعل شيئًا منها؛ حنث في يمينه، ولزمته الكفارة، ثم لا شيء عليه فيما فعله بعد ذلك، وتتخرج فيها رواية أخرى: وهي أنه لا يحنث حتى يفعل جميع ما حلف عليه)
لأنه لم يفعل جميع ما حلف عليه.
(ولو حلف على شيء واحد أنه لا يفعله، ثم فعل بعضه؛ حنث في يمينه، ويتخرج فيها قول آخر: أنه لا يحنث حتى يفعله كله)
ت: قال ابن حارث: اتفقوا إذا حلف لا يفعل شيئًا، ففعل بعضه؛ أنه حانث.
واختلفوا إذا حلف لا يدخل دار فلان، فدخل برجله الواحدة، ثم تذكر فرجع: قال ابن القاسم: إن كان قد منع الباب من الانغلاق حنث.
وقال ابن حبيب: إن كان اعتماده على الرّجل الخارجة، أو عليهما جميعاً؛ لم يحنث، وعلى الداخلة حنث.
قال ابن الماجشون: إن دخل يده أو رأسه لم يحنث، أو صدره حنث؛ لأنه
стр. 1867
جل بدنه، وإن رقد فأدخل [رجليه] (١) لم يحنث (٢).
وعلى قول ابن القاسم يحنث بكل ما منع الباب من الانغلاق.
ص: (إن حلف أن لا يلبس ثوبًا وهو لابسه؛ إن نزعه عقيب يمينه فلا شيء عليه، وإن استدام لبسه حنِثَ في يمينه ولزمته، إلا أن يكون [نوى] (٣) استئناف لبسه، وكذلك لو حلف أن لا يركب دابَّةً وهو راكبها، أو لا يدخل داراً وهو فيها).
ت: حكى اللخمي الاتفاق في الثوب والدابة أنه يحنث، على ما تقدم تفصيله، والخلاف في الدار (٤).
قال ابن القاسم: لا شيء عليه إن لم يخرج (٥)؛ لأن الاستقرار لا يسمى دخولاً، ودوام اللبس والركوب يسمى لبسا وركوبا.
وقال أشهب: إن لم يخرج مكانه حنث (٦).
ص: (إن حلف أن لا يأكل من رُطَبِ نخلة، فأكل من تمرها؛ حنث، وإن حلف لا يأكل من تمرها، فأكل من رطبها أو طلعها؛ لم يحنث).
стр. 1868
ت: لأنَّ الثمر من الرُّطَب، والرُّطَب والطلع ليس من التمر.
فإن أطلق ولم يعيّن، ولم يقل: منه، بل قال: بُسرًا، فأكل رُطَبًا، أو رُطَبًا فأكل تمرا:
قال ابن القاسم: لا يحنث بما كان تولد مما حلف عليه، إلا أن يقول: منه، إلا في الشحم من اللحم، والمرق من اللحم، والنبيذ من التمر، والعصير من العنب، والخبز من القمح؛ فإنه يحنث وإن لم يقل منه.
قال ابن وهب: إذا حلف على البسر حنث بالرُّطَب والتمر، أو على الزبد حنث بالسمن وإن لم يقل: منه، كالشحم من اللحم (١).
يريد: وكذلك كلُّ متولّد عن المحلوف عليه يحنثه بأكله وإن لم يقل: منه.
وإن قال: والله لا أكلتُ من البسر؛ لم يحنث بالرُّطَب ولا التمر؛ لأنَّ المراد الجنس.
ولو قال في نخلة بعينها: لا أكلتُ من بسرها؛ حنث برطبها وتمرها، ولا يحنث إذا قال بسرًا، وإن قال: لا أكلتُ بُسرها، فأكل بلحها؛ لم يحنث، إلا أن تكون نيته اجتنابها (٢).
ص: (إن حلف لا يأكل لحمًا، فأكل شحمًا؛ حنث في يمينه، ولو حلف أن يأكل شحمًا، فأكل لحما؛ لم يحنث في يمينه).
стр. 1869
ت: لأنَّ الله تعالى حرم لحم الخنزير، فناب ذكر اللحم عن ذكر شحمه، وحرم الله تعالى على بني إسرائيل الشحم، فلم يندرج فيه اللحم.
قلت: لا يقول أحد من أهل اللغة: إنَّ اسم أحدهما يتناول الآخر، وإنما اندرجت أسماء الخنزير مع لفظ اللحم بالإجماع لا باللفظ، وكلامنا في هذه المسألة إذا انفرد اللفظ.
وقول جماعة منا: إنَّ الشحم متولّد عن اللحم باطل؛ لإجماع أهل العلم بهذا الشأن أنَّ الشحم يتولد من الغذاء لا من اللحم، وأن ما صار من الغذاء شحما لا يصير لحما، وما صار لحما لا يصير شحما.
ثم الجنس شاهد بأنَّ الآلية [ .. ] (١) وغيرهما غير ناشئين عن اللحم، وخلاف ذلك مكابرة، وهذا كمن يقول: الرّجلُ متولدة عن اليد، والأنف متولدة عن الشفة، فهذه المسألة صعبة جدا لا تجوز الفتوى فيها إلا [ .. ] (٢).
ص: (إن حلف أن لا يأكل رؤوساً، فأكل رؤوس الطير؛ حَنِث في يمينه).
ت: قال أشهب: لا يحنث إلا برؤوس الأنعام الأربع؛ لأنَّ عليها يقع الأيمان، بخلاف لو حلف لا يأكل بيضا؛ يحنث ببيض الطير استحبابا، دون بيض الحوت.
والفرق عنده: تقارب أنواع البيض في الصورة والطعم، بخلاف رؤوس الحيوان.
стр. 1870
قلت: هذه المسألة عويصة جدًّا، والخلاف فيها بين ابن القاسم وأشهب على قاعدتين، لم أر أحدا يحركها (١):
إحداهما: أنَّ العرف كما ينقل اللفظ المفرد - نحو: الدابة والبحر - ينقل المركّب، كقولنا: الخمر حرام، نُقل لتحريم شُربها، والأم حرام، نُقل للاستمتاع بها، والميتة حرامٌ، نُقل هذا المركب لتحريم أكلها، واللفظ لعين إنما يقتضي تحريم هذه الذوات.
كذلك نقل العرفُ لفظ الأكل مع الرؤوس إلى رؤوس الأنعام، فلم يفهم من قول القائل: أكلتُ رأسًا، أو: لا آكل رأسًا إلا ذلك، فخالف: رأيتُ رأسًا، أو ضربتُ رأسًا، باق على شياعه اللغوي في الرؤوس، حتى يصدق برأس الآدمي وغيره، ولا يتصور فيه خلافُ أشهب، بل يستوي الرؤوس.
فمنشأ الخلاف هذه القاعدة، فابن القاسم لم يتضح له هذا النقل، فاستصحب اللغة، وأشهبُ جَزَمَ به فخصَّص، وهو الحق، فالكلام بينهما في تحقيق مناط في النقل العرفي.
وثانيهما: أنَّ جمعًا كثيرًا من المالكية وغيرهم يُخرجون ذلك على أنَّ عادة الناس جرت بأكل رؤوس الأنعام دون غيرها، وهذا باطل؛ فإنَّ العرف الفعلي لا يقضى به على الألفاظ، بخلاف العرف القولي؛ لأنَّ القولي هو غلبة استعمال اللفظ في غير مسماه، حتى يصير أشهر في ذلك الثاني، فيبطل الأول، ومبادرته للذهن يقضي به عليه، والفعلي: أن يُفعَل نوع من ذلك المسمى دون غيره، ومباشرة المسمى وتركه لا يعكس على الموضع، فلو حلفت الملوك لا تدخل
стр. 1871
بيتًا، فدخلت بيوت العامة حنَّثناها، أو لا تأكل طعامًا حنَّثناها بأكل أطعمة العامة، وإنما المعتبر العرفُ القولي، وبُسِط ذلك في كتاب «القواعد».
ص: (لو حلف لا يأكل لحمًا، فأكل سمكًا؛ حنث في يمينه).
ت: قال أشهب: لا يحنث إلا بلحم الأنعام الأربع؛ لأنها المقصودة بالأيمان (١).
قال اللخمي: مخالفته في الوحش ليس بحسن؛ فإنها تُقارب الأنعام في الطعام (٢)، وبعضُها في الخلقة، كما قاله في البيض، وأكل لحم الإبل في الحاضرة نادر وهو يحنث به.
وإن حلف لا يأكل حيتانًا لم يحنث بذوات الأربع؛ لأنه خصص.
ولو حلف لا يأكل لحم بقر لم يحنث بأكل الغنم (٣).
ص: (لو حلف لا يدخل بيتًا، فدخل بيوت الشَّعر أو الخِرَق؛ حنث في يمينه، ولو دخل مسجدًا لم يحنث في يمينه).
ت: لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ [النحل: ٨٠].
ونقل ابن حارث الاتفاق في المسجد على عدم الحنث.
стр. 1872
قلت: نقل العرفُ هذا المركب - وهو الحلف على دخول البيت - إلى بيوت السكن، فاختص به، كما تقدم في الرؤوس.
ص: (من حلف لا يأكل خبزًا وزيتا، فأكل الخبز دون الزيت؛ حيث في يمينه، إلا أن يريد: خبزاً بزيت، فلا يحنث حتى يجمعهما، وكذلك لو حلف لا يأكل تمرا وسَوِيقًا. ولو حلف لا يأكل خبزا بزيت أو ثمرا بسويق؛ لم يحنث).
ت: قيل: لا حنث عليه إذا حلف لا يأكل خبزاً وزيتا.
قال اللخمي: وهو أَبينُ؛ لأنَّ الخبز والزيت مؤتدم، فهو حلف على خبز مؤتدم، بخلاف لو حلف على خبز وكعك، أو جبنا وزيتا؛ لأنَّ أحدهما لا يؤكل بالآخر (١).
قلت: الخلاف بيننا وبين الشافعي في الحقيقة الواحدة؛ كالرغيف، والمعطوف؛ كالخبز والكعك والزيت، والثالث: [التثنية] (٢) والجمع، نحو: رجلين ورجال، فعندنا يحنث بالبعض في الصور الثلاث، وعنده: لا يحنث [إلا] (٣) بالجميع في الصور الثلاث.
واتفقنا إذا قال: لا أكلتُ خبرًا ولا زيتاً، أنه يحنث بأحدهما، واتفق النحاة على أن لفظ [ .. ] (٤) وإن [ .. ] (٥) معنى غير المتقدم [ .. ] (٦)، تأكيد وإذا ثبت
стр. 1873
الحنث في المعطوف ثبت في الآخرين، إذ لا قائل بالفرق، ولأصحابنا مدارك استوعبتها في «الذخيرة»، وكلّها عليها أسئلة.
* ص: (كفارة اليمين بالله ﵇ إطعام عشرة مساكين، مُدًّا مُدًّا بمُدّ النبي ﷺ ، وذلك بالمدينة وسائر الأمصار، وسطًا من الشبع، وهو رطلان بالبغدادي، من الخبز وشيء من الإدام، أو كسوتُهم، إن كانوا رجالا فثوبا ثوبًا، وإن كن نساءً فثوبين ثوبين، درع وخمار لكل امرأة منهنَّ، ويجوز في ذلك إطعام الصغير وكسوته، وهو في ذلك مثل الكبير، أو عتق رقبة مؤمنة ليس [فيها] (١) شرك لأحد، ولا عتق، ولا تدبير، ولا كتابة، وهذه الأشياء الثلاثة على التخيير، فإذا لم يقدر على شيء منها صام ثلاثة أيام متتابعات، فإن فرقهنَّ أجزأت عنه).
* ت: قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَرَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
قال رسول الله ﷺ : «مَنْ حلَفَ على يمين، فرأى غيرها خيرا منها؛ فليكفر عن يمينه، وليأتِ الذي هو خير» (٢).
قال مالك: عيش غير أهل المدينة غير عيش أهل المدينة، فيكفر بالوسط من عيشهم.
стр. 1874
قال ابن القاسم: حيث أخرج مُدًّا؛ أجزأه (١).
وأفتى ابن وهب بمد ونصف (٢).
وأشهب بمد وثلث (٣).
ويُعطى الفطيم والرضيع من طعام الكفارة إذا أكل الطعام
وإذا أعطى الخبز وحده وفيه عَدْلُ ما يُخرج من الحب أجزأه.
وفي «شرح ابن مزين»: يجزئ الخبز بغير إدام.
قال اللخمي: قول مالك بالإدام أحسن؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وعدم الإدام يُبعده عن الوسط إلى الدناءة (٤).
وفي «المدونة»: يُعتبر عيش البلد.
وفي «الموازية»: عيش المكفّر (٥).
وتكسى المرأة ثوبين؛ لأنها كلها عورة، ويُكسى الصبي كسوة مثله، والصبية كسوة مثلها، وإن كانت تؤمر بالصلاة لم يعطها خماراً.
قال ابن القاسم في «العتبيَّة»: يُعطَى الصغير كسوة كبير (٦).
стр. 1875
وعنه: لا يعجبني كسوة المرضع على حال (١).
ويُشترط في الرقبة السلامة من العيوب، ولا [مَنْ] (٢) يعتق عليه إذ ملكه، ولا أم ولد، ولا مَنْ يُستحَقُّ عِتقه عليه.
فاشتراط الإيمان قياسًا على كفَّارة القتل، والسلامة من العيوب لأنَّ الله تعالى أطلقها، والإطلاق يقتضي السلامة والكمال، وهو يقتضي عدم الشرك فيها، وعقد عتق.
واستحسن المتابعة في الصوم؛ لأنه أكمل، ومتفق عليه.
ص: (لا يُطعم ولا يكسو في ذلك إلا مؤمنا حُرًّا فقيرًا، فإن أطعم كافرًا أو عبداً أو غنيًّا مجتهداً، ثم تبين له بعد ذلك؛ لم يجزئه، وكانت عليه الإعادة).
ت: جوز أبو حنيفة أهل الذمة أن يُعطى لهم.
لنا: القياس على الحربي، ولا يتقرب إلى الله تعالى بأعدائه، والعبد مستغن بنفقة سيده.
وقال ﵇: «لا تحلُّ الصدقة لغني» (٣).
قال اللخمي: إذا دفع لغير أهلها إن كانت قائمة انتزعت وصرفت لغيرهم، وإن ضاعت يضمنونها، إلا أن يعلموا إنها كفارة ويُغَرُّوا من أنفسهم.
стр. 1876
واختلف إذا أكلوها وصوّنوا بها أموالهم:
قال اللخمي: الغُرم أحسن؛ لأنهم صوّنوا بها أموالهم (١).
ص: (لا يجزئ أن يُطعم مسكينًا واحدًا عشرة أمداد في يوم واحد، ولا في أيام عدة).
لأنَّ الله تعالى قال: ﴿عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩].
(ومن وجبت عليه كفارتان في يمينين، فأطعم في أحدهما عشرة مساكين في يوم، ثم أطعمهم عن الكفارة الأخرى في يوم آخر؛ أجزأه).
ت: قال ابن القاسم لا يعجبني ذلك، وإن لم يجد غيرهم جاز، فإن فعل أجزأه؛ لئلا تختلط النيَّة في الكفارتين.
قال أبو محمد: فلو حصلت النيَّة في كلّ كفَّارة، وخلصت، جاز، وصوبه أبو عمران (٢).
ص: (لا يجزئه أن يطعم خمسة مساكين، ويكسو خمسةً، ولا تجزئه الكفارة إلا بجنس واحد).
ت: هذا مذهب «المدوّنة» (٣).
стр. 1877
وعن ابن القاسم: [يجزئه (١)؛ لأنَّ كلَّ] (٢) واحدة من الكفارتين تَسُدُّ مَسَدَّ الأخرى.
* ص: (الاختيار أن لا يكفّر قبل حنثه، فإن كفّر قبل حنثه ففيها روايتان: إحداهما: أنها تجزئه. والأخرى: أنها لا تجزئه حتى يحنث في يمينه).
قال رسول الله ﷺ : «مَنْ حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها؛ فليكفر عن يمينه، وليأتِ الذي هو خير» (٣).
ورُوي: «فليأتِ الذي هو خير، وليكفر عن يمينه» (٤).
وكان ابن عمر ﵄ يقدم الكفارة تارةً، ويؤخرها تارةً أخرى.
قلت: قاعدة شرعية عامة: متى كان للحكم سببان، أو سبب وشرط، فتقدم الحكم عليهما؛ لم يجز إجماعاً، كالتكفير قبل الحلف، وإخراج الزكاة قبل النّصاب والحولِ، أو بعدهما أجزأ إجماعاً، كالتكفير بعد الحنث، والزكاة بعد النّصاب والحول، أو وقع بينهما؛ فقولان في بعض الصور، كالزكاة، والكفّارة، والعفو بعد الجرح وقبل الزهوق قول واحد، وإسقاط الشفعة بعد البيع وقبل الأخذ قول واحد.
стр. 1878
فتأمل هذه القاعدة في مواردها، وبها يبطل قياس استصحاب تعجيل الزكاة على تعجيل الصلاة؛ لأن الصلاة قبل جميع أسبابها إذا وقعت قبل الزوال، وإنما وزانها الزكاة قبل النصاب.
ولهذه القاعدة منع القائلون بتعجيل زكاة العين تعجيل زكاة الزرع؛ لأنَّ الزرع هو النّصاب، وقد بسطت هذا في كتاب «القواعد».
* * *
стр. 1879
كتاب الصيد
(والصيد جائز بسائر السلاح: السيوف، والسهام، والرماح).
ت: أصله: الكتاب، والسنة، والإجماع.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤].
معناه: وصيد ما علمتم.
و الْجَوَارِحِ: الكواسب.
و مُكَلِّبِينَ: معلمين.
والتكليب: تعليم الكلاب للصيد، ثم كثر حتى قيل لكلِّ معلّم جارح مكلَّبٌ.
مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ؛ أي: ما في طبعكم من إغراء الجارح على الصيد.
وكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ دليل الإباحة، أُدركت ذكاته أم لا، أكل من الجارح منه أم لا.
وفي الكلام تقديم تقديره: اذكروا اسم الله وكلوا.
وفي مسلم: قال رسول الله ﷺ لعَدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله؛ فكُلْ» (١).
стр. 1880
والإجماع على إباحة ما صاده المسلم بكلبه المعلم إذا لم يكن أسود.
ص: (لا بأس بصيد المعراض إذا أصاب الصيد بحده، فجرحه فمات، وإن أصابه بعرضه لم يجز أكله، إلا أن يدرك ذكاته فيذكيه).
ت: قال رسول الله ﷺ العدي بن حاتم لما سأله عن الصيد بالمعراض: «إذا أصاب بحده فكل، وإن أصاب بعرضه، فقتل؛ فإنه وقيد، فلا تأكل»، خرجه مسلم (١).
قال ابن يونس: وهو خشبة في رأسها كالزج (٢)، فهو كالسيف والرمح.
قال عبد الحق: وقيل: عُودٌ محدود الأعلى، لا حديدة فيه، فإن أصاب بالمحدودِ أُكل، أو بعرضه فلا.
ص: (لا يؤكل ما رُمِي بالبندق، إلا أن يذكَّى، فإن مات قبل ذكاته لم يجز أكله).
لأنه وقيذ.
قلت: ظاهر مذهبنا ومذهب الشافعي: تحريم الرمي بالبندق، وبكل [ما شأنه] (٣) أن لا [يخزق] (٤)؛ «لنهيه ﵇ عن الحذف، وقال: «إنه لا يُصاد به.
стр. 1881
الصيد، ولا يُنكأ به عدو، وإنما يفقع العين، ويكسر السن» (١)، إلا أن يرمي به ما يباح قتله، كالعدو والثعبان ونحوه.
ص: (لا يؤكل صيد الحبالة - وهي الشَّرَك - إلا أن يدرك ذكاته).
ت: لأن بحصوله فيها صار مقدوراً عليه، والمقدور عليه لا بد من ذكاته.
قال المازري: ولأنَّ ذكاة الصيد تكون بفعل الصيد ابتداءً وانتهاءً، والحبالة انتهاء فعله فيها نصبها، فما مات فليس من فعل الصائد، ولأن الصيد هو الذي يفعل ما يؤدي لقتله.
ص: (من رمى صيدا بحجرٍ له حَدٌ، فإن [جَرَحه] (٢) بحده فقتله؛ جاز أكله، وإن لم يجرحه ولكن [رضه أو دقه؛ لم يجز أكله] (٣) إلا أن يذكيه).
[لأنه وقيد] (٤).
(ومن رمى صيدا بسيف، فقطع يده أو رجله، ومات من ذلك؛ جاز أكل الصيد وحده، ولم يجز أكل يده أو رِجْلِه، وإن قطع رأسه أو وسطه أو ما لا حياة له بعده؛ جاز أكل الصيد كله).
ت: قال رسول الله ﷺ : «ما أُبِينَ عن حي فهو ميتة» (٥).
стр. 1882
ويروى: «عن حي وهو حي».
والمعنى: حي يمكن أن يعيش بعده، فلذلك أُكلت الرؤوس والوسط.
ص: (مَنْ رمى صيدًا بعينه فأخطأه، وأصاب غيره، فقتله؛ لم يجز أكله).
لأنه لم يسم الله تعالى عليه.
(ولو رمى جماعةً ولم يُرِد واحدًا منها بعينه؛ جاز أكل ما صاد منها).
لأنه نواها من حيث الجملة، ولم يخصص.
(ومن رمى صيدًا، فأنفَذ مقاتله، ثم سقط في ماء فغرق؛ جاز أكله).
لتقدم الذكاة على الغرق.
(ومن رمى طائرًا فسقط في الأرض ميتًا؛ لم يجز أكله).
إذ لعل السقطة قتلته.
إلا أن يكون أنفَذَ بالرَّمية مقاتِلَه.
لأنه لم يسقط إلى مذكى.
(ومن رمى صيدًا بسهم مسموم فقتله، لم يجز أكله).
لأن موته قد يكون بالسم لا بالسهم، ولأنه يُخاف على آكله منه.
(ومن ترك التسمية على الصيد عامدًا لم يجز أكله، وإن تركها ناسيًا جاز أكله).
стр. 1883
ت: لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].
وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكَنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤].
وقال رسول الله ﷺ لعَدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله؛ فكُلْ» (١)، فكانت التسمية شرطًا.
فمن الأصحاب من حمل المنع على التحريم إذا منع؛ لئلا (٢) يُستخفَّ بالسنن.
وقيل: على الكراهة؛ لأنه قول باللسان، فلم يكن شرطًا في الذبيحة، كالصلاة على النبي ﷺ عند الذبح.
وظاهر «المدونة» (٣) وجوبها مع الذكر، وسقوطها مع النسيان.
قاله الباجي وابن يونس.
وقال ﵇: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» (٤).
وقال أشهب: لا يؤكل إن تركها مستخفًّا (٥)؛ لأنه تلاعب بالدين، أو جهلا أُكِلت؛ لأنه لم يقصد التقرب لغير الله.
ونقل ابن شعبان قوله مطلقا فقال: أجازها أشهب مع العمد؛ لقوله:
стр. 1884
﴿اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، أي: على المأكول لا على الجوارح، وإلا لقال: عليهنَّ (١).
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، أي: ذُبح لغير ملتِكم.
ص: (لا بأس بالاصطياد بسائر الجوارح المعلمة، من الكلاب، والفهود، والبزاة، والصقور، والعُقبان، والشواهين، وما أشبه ذلك).
ت: لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكَنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، وهو عام.
قال ابن حبيب: تعليم الكلاب أن تدعوه فيجيب، وتُشليه فينشلي، وتزجره فينزجر.
وأما الباز والصقر والعقاب فإنما تعليمه أن يجيب إذا دُعِي، وينشلي إذا أُشلي، وأما الانزجار فلا (٢).
قال عبد الحق: هذه التفرقة بين سباع الطير وغيرها وفاقٌ لابن القاسم، إنما [جمع] (٣) بينهما إذا كان ذلك يمكن فيها، وابن حبيب تكلّم على المعلوم من حالها.
قال عبد الحق: لا يكون الكلب بأول مرَّةٍ معلَّمًا، وإن أمسك وقفه حتى
стр. 1885
يُختبر مرارا ويستمر، وما ورد الشرع به مطلقا يحمل على العادة.
* ص: (ومن أرسل شيئًا من الجوارح المعلمة على صيد، فأمسكه حتى مات ولم يؤثر فيه؛ لم يجز أكله، وإنَّ أثر فيه بتخليب أو تنييب جاز أكله).
* ت: قاله ابن القاسم؛ لأنه كما قتله المعراض بعرضه، وكما لو ضربه بعصا.
[وقال] (١) أشهب: يؤكل؛ لقوله تعالى: ﴿مِمَّا أَمْسَكُنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]؛ أي: قتلن بإرسالكم.
ولقوله ﵇ لعدي بن حاتم: «كُل ما أمسك عليك كلبك، فإن أخذه ذكاة» (٢).
* ص: (إذا أدرك الصائد الصيد في أفواه الكلاب أو مخاليب البزاة حيًّا، وأمكنه تخليصه، ولم يفعل حتى مات؛ لم يجز أكله، إلا أن يكون الكلب أو البازي قد أنفذ مقاتله، فيجوز أكله).
* ت: لأنَّ التذكية بالعقر إنما جازت للضرورة، فإذا قدر عليه ذكى بالذبح، فإن مات بعد القدرة وقبل الذبح فهو ميتة.
فإن ذكاه في أفواهها وهي تنهشه لم يؤكل؛ لاحتمال موته بنهشها، إلا أن يوقن أنه ذكاه مجتمع الحياة، وإن لم [يقدر على إزالته ولا على تذكيته - لمنع] (٣)
стр. 1886
الجوارح له ـ؛ أَكل.
قال اللخمي: هذا على القول بأنَّ التعليم [يصح وإن لم] (١) ينزجر (٢)، وإلا لم يؤكل.
ص: (لا بأس بالصيد وإن غاب عن الصائد مصرعه، ما لم يبت عنه، فإن بات عنه لم يجز أكله).
ت: يؤكل الغائب بشرطين: أن يتبعه فيعجز عن إدراكه، وأن يعلم صيده وأن الأثر لكلبه أو سهمه، وإلا لم يؤكل؛ لأنَّ الأصل عدم الإباحة حتى يتحقق سببها.
فإن غلب على ظنه أنه هو هل يأكله عملا بالظن، أو لا يأكله؛ لعدم اليقين؟ قولان.
قال في «المدونة»: لا يؤكل ما بات عنه وإن أنفذت مقاتله؛ لأنها السنة، والحيوان بالليل [له] (٣) انتشار من السباع والهوام، فلا يتحقق أن الكلب هو الذي أنفذ مقاتله، قاله التونسي، وكذلك قد يتقلب على السهم فيكون ذلك بفعله، أو [تُلجنه] (٤) الهوام بالليل إلى الحركة.
وقال عبد الملك: يؤكل إذا أُنفذت مقاتله (٥)
стр. 1887
وفي النسائي: قال عَدِيٌّ بن حاتم: يا رسول الله، إنَّا أهل صيد، وإن أحدنا يرمي الصيد، فيغيب عنه الليلة والليلتين، فيتبع الأثر، فيجده ميتًا، قال: «إذا وجدت السهم فيه، ولم تجد [فيه أثر] (١) سبع، وعلمتَ أنَّ سهمك قتله؛ فكله» (٢).
وقياسًا على غيبة النهار، وإن لم تنفذ مقاتله لم يؤكل؛ لاحتمال قتل الهوام له.
وقال ابن المواز: يؤكل في السهم دون غيره (٣)؛ لأنَّ أثره معلوم يختص به إذا وجد موضع الإصابة، والجوارح تشاركها السباع في الأثر.
ص: (لا بأس بأكل الصيد، وإن أكل الكلب المكلب أو البازي منه).
ت: لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكَنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤].
قال مالك: أكل أكثره أو أقله.
وفي أبي داود: قال رسول الله ﷺ : «إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه» (٤).
قال ابن المواز: والعمل على هذا (٥)، ولأنها ذكاة، فلا يضر تعقبها الأكل، كالذبح.
стр. 1888
ص: (ما انفلتت عليه الكلاب أو غيرها من الجوارح لم يجز أكله).
ت: لأنَّ الإرسال شرط، للكتاب، والسنة، والمعنى.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكَنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، ولا يُمْسِك علينا حتى يكون نحن أرسلناها.
[وأما السنة فقول النبي ﷺ ] (١): «إذا أرسلت كلبك المعلّم» (٢)، فجعل الإرسال شرطًا.
ولأنه لولا اشتراط الإرسال لم يكن للتعليم فائدة؛ فإنه يمسك على نفسه بغير تعليم، وقد قال ﵇ لِعَدِيّ: «وإن أكل فلا تأكل، إني أخاف أن يمسك على نفسه» (٣).
ص: (من أرسل كلبه على صيد بعينه فتركه، ومر إلى غيره فقتله؛ لم يجز أكله، وإن أرسله على جماعة ولم يُرد واحدا منها [بعينه؛ جاز له أكل ما أصاب منها] (٤)).
ت: لأنه لم يرسله على غير ذلك، فأشبه إذا انبعث عليه بغير إرسال.
قال المازري: الإرسال والنية شرطان؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكَنَ
стр. 1889
﴿عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، ولا يكون ممسكه علينا حتى يكون نحن الذي أرسلناها.
ولأن من شرط الذكاة النية، وهذه ذكاة.
ولأن الكلب إن أمسك على نفسه لم يؤكل، فلا يمتاز على إمساكه علينا إلا بالنيَّة، فإذا أُرسل على جماعة فقد نوى كلَّ واحدٍ منهما من حيث الجملة، فيندرج في عموم الآية، فإن عدل لغير الجماعة المنوية لم يجز أكله إلا أن [يذكيه] (١).
فإن أمسك من الجماعة [اثنين] (٢) جاز أكلهما، كما لو مرق السهم من واحد إلى آخر.
وقال ابن المواز: لا يؤكل إلا [الأول] (٣)، بخلاف السهم؛ لأنه رمية واحدة في السهم، والكلب إذا قتل واحدا احتاج إلى إرسال ثان (٤).
فإن نوى واحدةً بغير عينه فصاد اثنين؛ أكل الأول فقط؛ لأنَّ النية لواحد فقط، فإن لم يعلم الأول لم يؤكل واحد منهما، كالمذكاة تختلط بالميتة.
ص: (وإذا أرسل الصائد كلبه على صيد، فرأى جيفةً، فعدل إليها، ثم ذهب في طلب الصيد فأصابه، لم يجز أكله، إلا أن يذهب في طلبه في فور إرساله).
ت: إن طال انشغاله لم يؤكل؛ لانقطاع الإرسال، وإن قل ففي الأكل
стр. 1890
قولان، واختار اللخمي الجواز؛ نظرًا لليسارة.
ص: (ولو أرسل كلبه في غار أو وادٍ لا يدري أفيه صيد أم لا، فوجد فيه صيدًا، فأصابه، جاز أكله).
ت: أجاز مالك [ .. ] (١) اسم الإرسال [ .. ] (٢)، كما إذا أُرسل في [غار أو في غيضة أو وراء أكمة، ولا يدري هل هناك شيء أم لا؟ أو على جماعة] (٣) وينوي ما وراءها.
قال أشهب وسحنون: لا يؤكل إلا ما رآه وقت الإرسال؛ لأنَّ النية لغير المرئي قصد لغير مقصود [ .. ] (٤) يرى أنَّ الجارح أقامه مقام نفسه، بدليل الجماعة المرئية.
قال الباجي: إنما جوزه ابن القاسم إذا أمِنَ اختلاط غيره به، كالغار (٥).
ولا يجوز إذا لم يأمن، كالغياض.
قال المازري: وجوزه أصبغ؛ لأنَّ الدخول نادر.
فإن رأى الكلب [يحدُّ] (٦) نظره إلى ناحية فأرسله؛ أجاز مالك مرَّةً، وكرهه أخرى.
стр. 1891
وقال: لعله صاد غير الذي اضطرب.
وفرَّق بينه وبين الغيضة والأكمة؛ لأنه أُرسل فيهما إلى غير معين، فلم يبال ما أخذ؛ لأنه داخلٌ في نيته، وهذا كأنه قصد معيَّنا.
ص: (لا يجوز أكل صيد المجوسي، ويُكره صيد اليهودي والنصراني، ولا نحرمه).
ت: لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، يدلُّ على أن غير الكتابي لا تؤكل ذبيحته.
ونهى رسول الله ﷺ عن أكل ذبائحهم، ونكاح نسائهم.
ولأنَّ مَنْ لم تُنكح نسائهم لا تؤكل ذبائحهم، كالمرتدين.
قال مالك في «المدونة»: لا يؤكل صيد الكتابي؛ لقوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] (١)، فخص الأيدي والرماح بنا.
وعن مالك في «الموازية» الكراهة (٢)؛ لأنَّ الآية احتملت ابتلاء المحرمين بالصيد؛ لأنها سيقت فيهم، أو تأسيس قاعدة الصيد مطلقا، فصار ذلك شبهةً يمنع من النهوض للتحريم.
وقال ابن وهب: هو حلال مطلقًا (٣).
стр. 1892
واختاره اللخمي؛ لأنَّ الصيد ذكاة، كتذكيتهم الإنسي، والصيد طعام، فيندرج في الآية (١).
ص: (لا بأس باصطياد المسلم بكلب المجوسي، كذبحه بسكينه).
ت: روي منعه عن جابر بن عبد الله؛ لقوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ﴾ [المائدة: ٤] فاختص بكلب المسلم. وجوابه: أنَّ المقصود تعليم الكلب لا معلّمه؛ لأنَّ المجوسي لو علم كلبًا وأسلم جاز صيده به.
قال: عبد الحق: وما رُوي عن جابر بن عبد الله: «نُهينا أن نصيد بكلب المجوسي» (٢)؛ فإسناده ضعيف.
ص: (إن أرسل كلبه على صيد، فشركه فيه كلب آخَرُ غير معلَّم، فقتلاه جميعا؛ لم يجز أكله).
ت: لقول رسول الله ﷺ في مسلم لِعَدِي بن حاتم: «وإن وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد قتل، فلا تأكل؛ فإنك لا تدري أيهما قتله» (٣).
قال ابن القاسم: وكذلك لو شركه معلم لم يرسله أحد (٤).
стр. 1893
وأجاز الشافعي أكل ما شورك فيه على أي وجه كان.
ص: (إذا أرسل رجلان كلبين على صيد واحد، فقتلاه جميعا، جاز أكله، وكان الصيد بينهما جميعاً، إلا أن يكون أحدهما أنفذ مقاتله قبل إدراك الآخر له، فيكون لصاحب الكلب الأول دون الثاني).
ت: لأنَّ الذكاة قد تمت قبل مجيء الثاني، فإن كان أحدهما مجوسيا لم يؤكل، كاختلاط المذكاة بالميتة، إلا أن يعلم أنَّ كلب المسلم أنفَذَ مقاتله قبل إمساك كلب المجوسي.
قال أبو محمد: فإن قال المجوسي: أنا لا أكل ذبيحة المسلم؛ باعاه واقتسما ثمنه، إلا أن يكون موضع لا ثمن له، فيمكن المسلم من ذبحه (١)؛ لقوله ﵇: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» (٢).
ص: (إن أرسل رجلان كلبين على صيدين، فاجتمعا على قتل أحدهما، وتركا الآخر؛ لم يجز أكله إلا أن يُعلم أنَّ الكلب الذي أُرسل على ذلك الصيد المقتول أنفذ مقاتله قبل أن يشرك الكلب الآخِرُ العَادِلُ عَمَّا أُرسل إليه).
стр. 1894
ت: لأن أحدهما لم يرسل على هذا الصيد، فلعله هو الذي قتله، وإذا اجتمع الحرام والحلالُ غُلّب الحرام، كالمذكاة بالميتة، والأجنبية بالأخت إذا اختلطا.
* * *
стр. 1895
كتاب الذبائح
(وذكاةُ المقدور عليه في حلقه ولبّته، وحدُّها: قطعُ ثلاثة أعضاء، وهي: الوَدَجان، والحلقوم، وليس يراعى قطعُ المريء).
ت: المجمعُ عليه ما فيه أربعُ صفات:
أحدُها: قطعُ ما تقدم مع المريء.
والثاني: أن يستأصلها.
الثالث: أن يكون الذبحُ مرَّةً واحدة.
والرابع: أن تكون الخرزةُ إلى الرأس.
[واختلف إذا اقتصر على ما سوى المريء] (١)، أو قطعُ النصفِ من واحدٍ فأكثر، أو الخرزةُ إلى البدن، وإذا رفع يده وأعادها في الفور، وذكر أبو التمام أنَّ المريء شرط.
وجهُ المشهور: قوله ﵇: «ما أنهر الدم، وأفرى الأوداج، وذكرت اسمُ الله فكُلْ» (٢)، وإنهارُ الدم إخراجه بقوة، وذلك إنما يكون [بقطع] (٣) الأوداج، ولأنها إذا لم تُقطع جازت الحياة معه.