← Фикх малики

Фикх малики · id 30159

شرح التفريع

القرافي

Полный текст (3 250 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

وقال: لعله صاد غير الذي اضطرب. وفرَّق بينه وبين الغيضة والأكمة؛ لأنه أُرسل فيهما إلى غير معين، فلم يبال ما أخذ؛ لأنه داخلٌ في نيته، وهذا كأنه قصد معيَّنا. ص: (لا يجوز أكل صيد المجوسي، ويُكره صيد اليهودي والنصراني، ولا نحرمه). ت: لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، يدلُّ على أن غير الكتابي لا تؤكل ذبيحته. ونهى رسول الله ﷺ عن أكل ذبائحهم، ونكاح نسائهم. ولأنَّ مَنْ لم تُنكح نسائهم لا تؤكل ذبائحهم، كالمرتدين. قال مالك في «المدونة»: لا يؤكل صيد الكتابي؛ لقوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] (١)، فخص الأيدي والرماح بنا. وعن مالك في «الموازية» الكراهة (٢)؛ لأنَّ الآية احتملت ابتلاء المحرمين بالصيد؛ لأنها سيقت فيهم، أو تأسيس قاعدة الصيد مطلقا، فصار ذلك شبهةً يمنع من النهوض للتحريم. وقال ابن وهب: هو حلال مطلقًا (٣).

стр. 1892

واختاره اللخمي؛ لأنَّ الصيد ذكاة، كتذكيتهم الإنسي، والصيد طعام، فيندرج في الآية (١). ص: (لا بأس باصطياد المسلم بكلب المجوسي، كذبحه بسكينه). ت: روي منعه عن جابر بن عبد الله؛ لقوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ﴾ [المائدة: ٤] فاختص بكلب المسلم. وجوابه: أنَّ المقصود تعليم الكلب لا معلّمه؛ لأنَّ المجوسي لو علم كلبًا وأسلم جاز صيده به. قال: عبد الحق: وما رُوي عن جابر بن عبد الله: «نُهينا أن نصيد بكلب المجوسي» (٢)؛ فإسناده ضعيف. ص: (إن أرسل كلبه على صيد، فشركه فيه كلب آخَرُ غير معلَّم، فقتلاه جميعا؛ لم يجز أكله). ت: لقول رسول الله ﷺ في مسلم لِعَدِي بن حاتم: «وإن وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد قتل، فلا تأكل؛ فإنك لا تدري أيهما قتله» (٣). قال ابن القاسم: وكذلك لو شركه معلم لم يرسله أحد (٤).

стр. 1893

وأجاز الشافعي أكل ما شورك فيه على أي وجه كان. ص: (إذا أرسل رجلان كلبين على صيد واحد، فقتلاه جميعا، جاز أكله، وكان الصيد بينهما جميعاً، إلا أن يكون أحدهما أنفذ مقاتله قبل إدراك الآخر له، فيكون لصاحب الكلب الأول دون الثاني). ت: لأنَّ الذكاة قد تمت قبل مجيء الثاني، فإن كان أحدهما مجوسيا لم يؤكل، كاختلاط المذكاة بالميتة، إلا أن يعلم أنَّ كلب المسلم أنفَذَ مقاتله قبل إمساك كلب المجوسي. قال أبو محمد: فإن قال المجوسي: أنا لا أكل ذبيحة المسلم؛ باعاه واقتسما ثمنه، إلا أن يكون موضع لا ثمن له، فيمكن المسلم من ذبحه (١)؛ لقوله ﵇: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» (٢). ص: (إن أرسل رجلان كلبين على صيدين، فاجتمعا على قتل أحدهما، وتركا الآخر؛ لم يجز أكله إلا أن يُعلم أنَّ الكلب الذي أُرسل على ذلك الصيد المقتول أنفذ مقاتله قبل أن يشرك الكلب الآخِرُ العَادِلُ عَمَّا أُرسل إليه).

стр. 1894

ت: لأن أحدهما لم يرسل على هذا الصيد، فلعله هو الذي قتله، وإذا اجتمع الحرام والحلالُ غُلّب الحرام، كالمذكاة بالميتة، والأجنبية بالأخت إذا اختلطا. * * *

стр. 1895

كتاب الذبائح (وذكاةُ المقدور عليه في حلقه ولبّته، وحدُّها: قطعُ ثلاثة أعضاء، وهي: الوَدَجان، والحلقوم، وليس يراعى قطعُ المريء). ت: المجمعُ عليه ما فيه أربعُ صفات: أحدُها: قطعُ ما تقدم مع المريء. والثاني: أن يستأصلها. الثالث: أن يكون الذبحُ مرَّةً واحدة. والرابع: أن تكون الخرزةُ إلى الرأس. [واختلف إذا اقتصر على ما سوى المريء] (١)، أو قطعُ النصفِ من واحدٍ فأكثر، أو الخرزةُ إلى البدن، وإذا رفع يده وأعادها في الفور، وذكر أبو التمام أنَّ المريء شرط. وجهُ المشهور: قوله ﵇: «ما أنهر الدم، وأفرى الأوداج، وذكرت اسمُ الله فكُلْ» (٢)، وإنهارُ الدم إخراجه بقوة، وذلك إنما يكون [بقطع] (٣) الأوداج، ولأنها إذا لم تُقطع جازت الحياة معه.

стр. 1896

وجه الشاذ: قوله ﵇: «الذكاة في الحلق واللبة» (١). قال صاحب «العين»: اللبة واللبب من الصدر: وسطه، والمريء مجرى الطعام، فلا يتصور الحياة بعده، وأما الحلقوم فلأنه لا يقطع الأوداج إلا بعد قطع الحلقوم. وقال ابن حبيب: إذا قطع الأوداج ونصفَ الحلقوم أُكِلت (٢). وقاله ابن القاسم. أو أقل من النصف لم تؤكل؛ لأنَّ الذكاة محلُّها الوَدَجان، والحلقوم تَبَعٌ. وقال سحنون: لا بد من الجميع، قياسا على الودجين. فإن رفع يده ثم أعادها بعد صول لم تؤكل. وقال ابن القابسي والتونسي: يُنظر: إن كانت لو تركت لعاشت أُكلت؛ لأنَّ الثاني ذكاة تامَّةٌ، وإلا فلا، وتصير كالمتردية وأخواتها (٣). قال أبو إسحاق: كان مختبرًا أو ظانا، غلبته الشاة أم لا؛ لأنَّ إنفاذ المقاتل قد تقدم، فلا تؤكل. فإن رد يده بفور ذلك: قال ابن حبيب: تؤكل (٤)؛ لأنَّ القُرب في حكم التمادي.

стр. 1897

وقال سحنون: لا تؤكل (١)؛ لأنا لا نأمن أن يكون التلف بالأول. ولو قطع الحلقوم ولم تساعده السكّين؛ لِكَلالِها؛ فقلبها وقطع الأوداج من داخل؛ لم تؤكل، ومتى استكمل دائرة الحرة؛ أجزأ. فإن قطع نصفها وجاز الباقي للبدن؛ أُكلت عند ابن القاسم دون سحنون (٢). وإن صار جميعها للبدن؛ لم تؤكل عند مالك وابن القاسم وسحنون وأشهب (٣)؛ لقوله ﵇: «الذكاة في الحلق واللبة» (٤). والذابح فوق الخرزة ليس بقاطع الحلقوم. وأُكلت عند ابن وهب، وابن عبد الحكم، وأبي مصعب (٥)؛ لأن الذبح وقع في الحلق، ولا تبقى معه الحياة. قال اللخمي: على هذا القول لا يكون الحلقوم شرطًا عندهم (٦). قال بعض أصحابنا: إذا فعل الجازر ذلك ضمن الشاة على القول الأول (٧). ص: (يُستحب للمرء أن يوجه ذبيحته إلى القبلة، فإن ذبح لغير القبلة فلا شيء عليه).

стр. 1898

ت: لفعل رسول الله ﷺ ذلك، ولأنه لا بد من جهة، والقبلة أفضل، فإن تركها ناسيا فلا شيء عليه، وعامدا قال ابن القاسم: تؤكل، كما لو ذبح بيساره، فإنه إنما ترك مندوبا. وقال ابن المواز: لا أُحِبُّ أن تؤكل (١)؛ لأنه ترك سنة كالتسمية، أو فعلا يُشترط فيه النية، فيفسد بترك التوجه عمداً، كالصلاة. ص: (التسمية شرط في صحة الذبيحة، فمن تركها عامدا لم تؤكل، أو ناسياً أُكلت). ت: قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]. ولقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]. وقال ﵇: ما أنهر الدم وذكرت اسم الله عليه؛ فكُلْ (٢). قال عبد الوهاب: التسمية سنة، وترك السنن ناسيا لا يبطل العبادة، ومن أصحابنا من حمل منع مالك في العمد على التحريم؛ لئلا يُستخَفَّ بالسنن. وقيل: شرط مع الذكر دون النسيان.

стр. 1899

ومنهم من حمله على الكراهة؛ لقوله ﵇: «الذكاة في الحلق واللبة» (١)، ولم يذكر التسمية، وقياسًا على الصلاة على النبي ﷺ (٢). قال ابن القاسم: التسمية أن يقول: بسم الله والله أكبر، كذلك قال ﵇. قال ابن حبيب: إن قال: بسم الله، فقط، أو: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ أجزأه، والأولى ما مضى عليه الناس، وهو: بسم الله والله أكبر (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] فلم يشترط سوى مجرد اسم الله. وكذلك قوله ﵇: «وذكرت اسم الله» (٤)، ولأن المقصود أن لا يُهديها [لغير الله] (٥). ص: (لا بأس بذبيحة المرأة والصبي إذا أصابا [وجه الذبح] (٦)). ت: [لما رُوي: أنَّ امرأةً ذبحت شاةً] (٧) بحجرٍ، فسُئل النبي ﷺ عن ذلك، فأمر بأكلها (٨). وروي: أنَّ النبيَّ ﷺ أرخص في ذبيحة المرأة والصبي.

стр. 1900

ولأنَّ مقاصد الذكاة حاصلةٌ منهما، كإزالة النجاسة. وقال أبو مصعب: لا أحبُّ ذبيحتها، ولو في حال الضرورة. قال اللخمي: لا تصح من صبي لا يميز معنى العبادة (١). قال الباجي: لأنه معنى يُعتبر فيه بالدين، فاعتبر فيه بالذكورة والأنوثة، كالإمامة (٢). قال مالك: تؤكل ذبيحة المرأة وإن ذكت من غير ضرورة. وفي «الموازية»: تكره منهما من غير ضرورة، وتؤكل إن فعلاه (٣)؛ لأنَّ الغالب فيهما الجزع، فيُتوقع الخلل. قال مالك: تذبح المرأة أُضحيتها، ولا يذبح الصبي أُضحيته (٤)؛ لأنه ليس من أهل القُرب. ص: (لا تجوز ذبيحة السكران والمجنون). ت: أما السكران المطبق عليه فلعدم نيته، وأما من معه بقيَّةٌ من عقله فإذا أصاب وجه الذبيحة، جاز. وأجاز مالك مرةً أكل ذبيحة تارك الصلاة.

стр. 1901

وقال في «كتاب ابن حبيب»: لا تؤكل؛ لقوله ﵇: «ليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة» (١). والمجنون إن أفاق أحيانًا، فذكى حال إفاقته؛ أُكلت إذا أصاب وجه الذكاة. * ص: (لا بأس بذبائح أهل الكتاب). ت: بشروط: أحدها: أن يكون المذكَّى ملكًا، لهم ومما يجوز لهم أكله، ومما لم يُهلَّ به لغير الله تعالى. فإن كان ملكًا لمسلم لا لهم؛ فلمالك في جوازه قولان. قال ابن المواز: ما ذبحه لنفسه أحبُّ إليَّ مما ذبحه لمسلم، وقد كان من مضى يختارون لذبائحهم أهل الفضل، فلا ينبغي لمسلم ذلك وإن كان شريكًا له فيها، فإن فعَلَ أُكلت (٢)؛ لأنه وكيل له، يده كيده. وتؤكل ذبيحة السامرية، وهم من اليهود لا يؤمنون بالبعث، قاله عمر بن الخطاب وغيره. وما حرموه على أنفسهم ولم يحرمه القرآن أجازه مالك مرةً، ورجع للكراهة؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وهذا ليس من طعامهم ولا نهي للتحريم لأن تحريمه [ .. ] (٣)، وقد يكون عندهم استحسانًا،

стр. 1902

قاله أبو إسحاق. قال ابن حبيب: ما حرَّم الله تعالى عليهم لا يحلُّ أكله ولا ثمنه، وما حرموه هم، كالطريف فمكروه أكله وثمنه (١). ووجه الجواز: أنَّ المراد من طعامهم: ذبائحهم، وهم قد ذبحوا، والمانع إنما يظهر بعد الذكاة، فلا يرفع حكمها. وما أهلوا به لغير الله تعالى، أو ذبحوه لأعيادهم وكنائسهم كرهه مالك من غير تحريم. قال ابن القاسم: وكذلك ما يسمون عليه المسيح ﵇. وكره مالك ما ذُبح لعيسى أو ميكائيل من غير تحريم، والمحرم ما ذُبح للأصنام؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]. قال ابن المواز: وما ذبح للكنيسة؛ لقرب مما أُهِلَّ به لغير الله، وترك مالك التحريم لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. قال ابن حبيب: لا بأس بما ذُبح للصليب والكنيسة (٢). قال اللخمي: وعلى هذا يجوز عنده ما ذُبح لعيسى وميكائيل ﵈، والنُّصُبِ والأصنام (٣).

стр. 1903

قال ابن شهاب: لا يُذبَح للعوامر من الجان؛ لنهيه ﷺ عن الذبح [للجان] (١) (٢). ص: (لا تؤكل ذبائح المجوس). لأنهم ليسوا أهل كتاب. والاختيار: ذبح الغنم والبقر، ونحر الإبل، فمن ذبح بعيرا من ضرورة فلا بأس بأكله، وإن كان من غير ضرورةٍ كُرِه أكله). ت: لأنَّ رسول الله ﷺ نحر الإبل (٣)، ولا يُحفظ عن أحد فيها ذبح، وذبح ﵇ الغنم، ولم يرد عن أحد نحرُها، ولأنَّ عُنُقَ البعير طويل، فلو ذُبح صعب موته، فيكون تعذيبا، وعُنق الغنم قصير لا تعذيب، وخروج الدم أيسر من [الذبح] (٤)، ومنحرها يقرب من جوفها، فيجري مجرى [الذبح] (٤)، ومبنى الذكاة على إخراج الفضلات بأيسر الطرق، والوَدَجان في الحلق، وهما مجمع عروق الجسد. قال الطرطوشي: [تلزم] (٥) النعامة على الإبل، ولا مطمع في الفرق حتى يشيب الغراب.

стр. 1904

و فرق ابن رشد [بأنها لا لبة لها] (١) تُنحر فيها (٢). [قال] (٣) اللخمي: [وموضع النحر] (٤) في نقرة [النحر] (٥)، ويجري [منه ما أنهر] (٦) الدم، [ولا يجتزئ] (٧) بالطعن في الحلقوم بإفراده دون أن يصيب شيئًا من الأوداج؛ لأنه لا يُسرع معه الموت، وإذا نحر في المنحر قطع الودجين؛ لأنهما مجتمعان فيه (٨). والمستحب في البقر الذبح لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، ويجوز النحر؛ لأنَّ النبيَّ ﵇ نحر عن أزواجه، ولأنَّ عنقها أقصر من الإبل وأطول من الغنم، حصل فيها الشبيهان، فجاز الأمران. قال مالك: إن نحر شاةً أو ذبح بعيرا أشبه الذبح من القفا. وقال أشهب: يؤكل وبئسما صنع؛ لأنه جائز مع الضرورة (٩). فلو لم يكن ذكاةً لما جاز، كالطعن في الفخذ. وقال ابن بكير: يؤكل البعير بالذبح؛ لأنَّ له موضعاً يُذبح فيه، ولا تؤكل

стр. 1905

الشاة بالنحر؛ لأنَّ منحرها يقرب من جوفها، فيكون كالطعن في الجوف. (وإذا نحر الفيل انتفع بعظمه وجلده). قال الباجي: لأنه لا عُنُق له، ويتعذر ذبحه؛ لغلَظ عنقه وإيصاله بجسمه، وله منحر (١). ص: (وإذا ندَّت الإنسية وتوحشت لم تجز ذكاتها بما يذكى به الصيد، ولم يجز أكلها إلا بذبحها أو نحرها). ت: لقوله ﵇: «الذكاة في الحلق واللبة» (٢)، ولأنه لم ينتقل للصيد في الجزاء، فلا ينتقل للذكاة. ويجوز في الضحايا والهدايا والعقيقة دون الوحش. وجوزه ابن حبيب في البقر؛ لأنَّ لها أصلا في التوحش دون الإبل والغنم (٣). ص: (إن تردت الشاة أو البعير في بئر، ولا يتوصل منهما إلى الحلق واللبة؛ لم يجز أن يذكيهما في سائر الجسد). ت: لظواهر النصوص المتقدمة، وقياسًا على المقدور عليه، وأجازه ابن حبيب؛ لأنَّ بعيرًا وقع في بئر رأسه تحته، فطعنوه في عجزه حتى مات، فأمرهم النبي ﷺ بأكله، ولأنه معجوز عنه، كالصيد.

стр. 1906

ص: (إذا ذُكِّيت الذبيحة فوجد في جوفها جنين ميت؛ فلا بأس بأكله إذا كان قد تم خلقه ونبت شعره، وإن لم يتم خلقه ولم ينبت شعره لم يجز أكله، وإن انفصل منها حيًّا، فاستهل صارخا انفرد بحكم نفسه، ولم يجز أكله بذكاة أمه، فإن ذُكِّي جاز أكله، وإن مات قبل ذكاته لم يجز أكله). ت: قال ﵇ في أبي داود: «ذكاة الجنين ذكاة أمه» (١). ولأن التذكية بحسب الإمكان في الشرع، والممكن فيه ذكاة أمه، وإذا لم توجد فيه حياة لم تنفع ذكاة أمه، وعلامة الحياة تمام الخلق؛ لأنه علامة نفخ الروح فيه. فإن ذُكِّيت الأم فخرج حيًّا ومات بالحضرة: قال ابن المواز: يكره أكله (٢). وقال يحيى بن سعيد: لا يؤكل إلا أن يموت قبل خروجه وبعد ذكاة أمه (٣). قال ابن حبيب: إن خرج حيًّا وهو بحيث لو تُرِك عاش، أو يُشَكٍّ في ذلك؛ لم يؤكل إلا بذكاة، فإن لم يذك الأم وإن ألقت الولد ميتا لم يؤكل. وكذلك إن كان حيًّا أو يُرَى أنه لا يعيش، أو يُشَكٍّ هل يعيش أو لا؟ لم يؤكل وإن ذُكِّي، وإلا صحت ذكاته.

стр. 1907

ص: (وإذا انخنقت الشاة، أو وقذت، أو تردت، أو نطحت، أو أكل السبع بعضها، فبلغ ذلك منها مبلغا ليس لها بعده حياة؛ ففيها روايتان: إحداهما: جواز ذكاتها، والأخرى: أنها لا تذكى ولا تؤكل). ت: لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، قيل:: الاستثناء منقطع، معناه: إلا ما ذكيتم من غير هذه؛ لأنَّ الذكاة إنما تعمل في الحي، وهذه في حكم الميتة، وحركاتها بعد ذلك كاضطراب الميت، [ .. ] (١) متصل من هذه؛ لأنه الأصل، ولأنها قد أدركت ذكاتها، فهي كالمريضة [ .. ] (٢). قال ابن رشد: [ .. ] (٣) أن تذكى وإن وصلت إلى الإياس ما لم ينفذ لمقتلها، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك. وعلى القول الأول: لا تذكَّى إن صارت في حد الإياس وإن لم ينفذ [لها مقتلا] (٤)، وإذا أنفذ المقاتل لم تؤكل اتفاقا في المذهب. قال مالك: إذا تردَّت من جبل فاندق عنقها، [أو أصابها ما] (٥) لا تعيش معه؛ [فلا بأس بأكلها، ما لم يكن قد نخَعَها] (٦)، فإذا قطع النخاع لم تؤكل،

стр. 1908

وكذلك التي خرق السبع أمعاءها؛ لأن الحياة مستعارة. قال مالك: إن ضرب رجلا، فشق حشوته، فعاش ثلاثة أيام، فإنه يقتل قاتله بغير قسامة إذا كان قد أنفذ مقاتله، كما إذا خرق السَّبُعُ حشوة الشاة فإنها لا تؤكل. وأما النطيحة والموقوذة فإن ذُكِّيت وهي تَطرِفُ بعينها، أو تحرك ذنبها؛ أُكلت، وكذلك التي عقرها السبع، إلا أن يقع بها ما لا تحيا بعده، فلا تؤكل وإن ذكيت. قال ابن المواز: إن ذُبحت الصحيحة ولم تتحرك، وأنهر دمها، أُكلت، والمريضة إذا وقعت للموت فإن ذُكِّيت وطَرَفت بعينها، أو حركت ذنبها، أو ركضت برجلها، أو استفاضت نفسها؛ أُكلت؛ لقول علي ﵁: إذا كانت العين تَطرِفُ، والذَّنَبُ يتحرَّك، والرّجل يركض؛ فهي ذكية. قال ابن حبيب: ما أصاب المتردية والنطيحة وأكيلة السبع والمنخنقة والموقوذة مما لا حياة بعده، من نثر الدماغ أو الحشوة، أو شق الأوداج أو المصران، أو انقطاع النخاع؛ لم يؤكل. قال ابن رشد: معنى قوله في خرق المصران: أنه مقتل في أعلاه مجرى الطعام والشراب، أما حيثُ الرَّجيع فليس بمقتل؛ لأنَّا وجدنا الحيوان يعيش بعده طويلاً، ولا يعيش بعد مجرى الطعام إلا ساعة؛ لأنَّ عمر ﵁ لما خرج اللبن من جُرحه عَلِمَ أنه أنفذت مقاتله. وأما كسر الرأس ولم ينتشر الدماغ، وشق الجوف ولم تنتشر الحشوة ولم يُشَقُّ المصران، أو كسر الصلب ولم ينقطع النخاع فهذه هي التي تؤكل إذا

стр. 1909

ذُكِّيت، إلا أن تصير إلى حدّ الإياس، فلا تؤكل وإن طرفت بعينها أو استفاضت نفسها. والإنسان إذا أُنفذت مقاتله ورث وإن لم تزهق نفسه، وإن مات وارثه قبله استحق الإرث. ص: (لا تجوز ذكاة المقدور عليه من الإنسي والداجن من الواحش بالنَّبلِ والضواري من الكلاب وغيرها، ومن ذبح شيئًا من الحيوان من قفاه لم يجز أكله). وذلك بمنزلة شق جوفه؛ لأنه قطَعَ نُخاعه قبل الودجين والحلقوم، فهو ميتةٌ قبل الذكاة. والمقدور عليه والداجن من الوحش لا يذكى بذكاة الصيد، لأن تلك رخصة للضرورة، وهي منتفية فيهما. * * *

стр. 1910

كتاب الأطعمة (لا بأس بأكل ميّتِ الحيتان، طافيًا كان أو راسبا، وصيد البحر كله حلال، ويُكره أكل كلب الماء وخنزيره من غير تحريم له، وكَرِه مالك تسميته خنزيرا). ت: قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦]، فصيده ما أُخِذ منه حيًّا، وطعامه ما مات فيه. وقال رسول الله ﷺ لما سُئل عن الوضوء بماء البحر: «هو الطهور ماؤه، الحِلُّ ميتته» (١). وقال الصديق ﵁: السمكة الطافية حلال لمن أكلها. وقال أبو حنيفة: لا بد أن يكون موته بسبب. وكره مالك تسميته خنزيرًا؛ لتناول لفظ الآية، والصواب عدم دخوله، كما أنَّ ميتة البحر لم تندرج في الميتة. قال القاضي: ولا فرق في ميتة البحر بين ما له شبهة (٢) في البر، وما لا شبهة له؛ للعمومات المتقدمة. ص: (لا بأس بأكل السرطان والسلحفاة والضفدع). ت: ما يعيش من دواب البحر في البر اليومين والثلاثة:

стр. 1911

المشهور يؤكل بغير ذكاة؛ تغليبا لحكم البحر عليه، والعمومات المتقدمة. وقيل: لا يؤكل؛ لقوة شبهه بحيوان البر، وعلى هذا الخلاف في السرطان و [السلحفاة] (١) والضفدع. وما كان لا يعيش من ذلك إلا في البر لا يؤكل إلا بذكاة. قال مالك: هي ترس صغير في البرية. قال بعض علمائنا: الضفادع نوعان: بحرية وبرية، فالبرية لا تؤكل إلا بذكاة. ص: (لا بأس بأكل ما صاده المجوسي من الحيتان كلها). لأنها لا تحتاج إلى ذكاة. (ولا بأس بأكل الطير كلها، ما كان منها ذا مخلب أو غير مخلب، كالبزاة، والعقبان، والرخم، والحديان، والغربان، وسائر السباع وهي في ذلك بخلاف سباع الوحش، ولا يؤكل شيء من سباع الوحش، كالأسد، والذئب، والفهد، والنمر، والضبع). ت: قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] ولم يذكر [ذوات المخلب] (٢). وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ولم يخصَّ نوعًا من الصيد.

стр. 1912

وكره مالك في «العتبية» الخطَّاف. وعن النبي ﷺ أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير، خرجه مسلم (١). قال عبد الملك: الأسود والنمور والذئاب حرام (٢). قال الأبهري: نهى مالك عن السباع على الكراهة؛ لاختلاف الصحابة ﵃ في أكلها. وكان ابن عباس وعائشة ﵄ يحتجان بالآية، ولا يذهب التحريم على مثلهما. قال ابن حبيب: لم يختلف المدنيون في العادية، مثل الأسد والذئب، وغيرهما - كالثعلب والضبع - يُكره من غير تحريم (٣)؛ لتعارض الحديث المتقدم مع ما روي عنه ﵇: أنه أجاز أكل الضبع، وهو ذو ناب (٤)، فيحمل النهي على العادي، والآخر على غير العادي، ولأنَّ ما يعدو تعافه النفوس. ص: (لا بأس بأكل الوبر، والثعلب، والأرنب). ت: لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]، وليس في المتلو إلا الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهِلَّ لغير الله به، فبقيت هذه على الإباحة.

стр. 1913

قال عياض: الوَبْرُ فوق اليربوع ودون السُّنّور، قيل: يأكل البقول كالأرنب. وقال ابن شعبان: كل ما يأكل البقول فارق السباع (١). وأما الثعلب فأجازه ابن الجلاب. وكرهه مالك في «المدونة» (٢)؛ لاختلاف الصحابة فيه. ص: (يُكره أكل الهر، وحشيا كان أو إنسيا). لما في أبي داود: «نهى رسول الله ﷺ عن أكل الهر» (٣)، وهو عام في الوحشي والإنسي، وهو ليس بعادٍ، فحطت الكراهة. (ولا بأس بأكل الحُمُر الوحشية، ولا تؤكل الحُمُر الأهلية، ولا البغال، ويكره أكل الخيل). ت: عقَرَ أبو قتادةَ حمار وحش، فقال النبي ﷺ : «أمعكم من لحمه شيء؟»، قالوا معنا رجله، فأخذها فأكلها (٤). وحكى ابن حارث الاتفاق على جواز أكله. فإن تَأَنَّسَ وصار يعمل عليه: قال مالك: لا يؤكل، لشبهها بالأهلية.

стр. 1914

وقال ابن القاسم: يؤكل (١)؛ لأن أصلها صيد مباح. قال الله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، فبين تعالى ما خلقها له. قال عبد الوهاب: الحُمُر الأهلية عند مالك مغلظة الكراهة، ومن أصحابنا من يقول: حرام لا كتحريم الخنزير (٢). لمالك: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية، [فلتعارض] (٣) دليل الإباحة ودليل التحريم كرهت. وجه التحريم: ما في البخاري: نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية (٤). وفي الترمذي: حرَّم رسول الله ﷺ لحم الحمر الأهلية ولحوم البغال (٥). وعن ابن عباس وعائشة ﵄ إباحةُ الحُمُر الأهلية. واختلف في العلَّة: فقيل: نهيه ﵇ يوم خيبر من أجل الظهر.

стр. 1915

وقيل: لأكلها العذرة. وقيل: لأنها كانت نهبة. قال الباجي: البغال متولد بين الحُمُر والخيل، فإن قلنا: الحُمُر مكروهة؛ كرهت البغال، أو محرمةٌ؛ حرمت (١). وكره مالك أكل الخيل؛ للخلاف فيها. وأباحها أبو حنيفة، والشافعي. لنا: قوله تعالى: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]. وقال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥]. فبيَّن تعالى ما هو للأكل وما هو [للركوب والزينة] (٢)، ولأنَّ الخيل تحتاج للجهاد، وإباحتها تقللها. ص: (لا تؤكل الكلاب). لنهيه ﵇ عن أكل كلَّ ذي ناب من السباع (٣). قلت: حكمة تحريم السباع أنَّ الأغذية تغيّر الأخلاق، فمن اغتذى بشيء اكتسب خُلقه، وكذلك العرب لما اغتذت بالإبل كان إيثارها عظيما؛ لأنَّ الإبل

стр. 1916

إذا اجتمعت على علفها، لا تدافع بعضها بعضاً وإن كانت جائعة، وكثر حقد العرب لأن للإبل ذلك، ومنه قوله ﵇: «الرضاع يغير الطباع» (١). والسباع نفوسها مفرطة الظلم والقساوة والفساد [ … ] (٢) لذلك فحرمها الله. ويقال: أكل أربع أربعًا فاكتسبوا أربعًا: أكلت الفِرُنْجُ الخنزير فاكتسبت عدم الغيرة، وأكلت الترك الخيل فاكتسبت القساوة، وأكلت السودان القرود فاكتسبت الرقص، وأكلت أهل مصر الفأر فاكتسبوا الخيانة. ولما كانت سباعُ الطير أقل [ .. ] (٣) وفسادًا في الحيوانات؛ استُخفَّ أمرها، بخلاف سباع الوحش فهذا هو سِرُّ [ .. ] (٤). ويَرِدُ علينا في الآية أنها مكية، ولا حُجَّة فيها؛ فإنَّ رسول الله ﷺ لم يجد في المستقبل محرما فيما أوحي إليه في الماضي، ولا يمنع ذلك أن تجد منه محرمًا فيما يوحى إليه في المستقبل، والحديث بعد الآية، فليس في الآية حُجَّةٌ إلا في نفي التحريم إلى تلك الغاية، والخصم يسلمه. ويرد على الشافعية في الحديث: أنَّ الأصل في المصدر أن يكون مضافًا للفاعل دون المفعول بإجماع النحاة، فتكون السباع آكلةً لا مأكولة. فإن قلت: أكلها فعلها، ونحن لا ننهى عن فعل السباع؛ قلتُ: يكون الأكل بمعنى المأكول ومصدر الحديث، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣]،

стр. 1917

وهذا وإن كان خلاف الظاهر - لأنه مجاز - فالإضافة إلى المفعول أيضا خلاف الظاهر، ويلزم تعارض الاحتمالين، فيبقى الحديث مجملاً لا دليل فيه، فيستصحب الأصل في الإباحة، وهو المطلوب. ص: (الخنزير محرَّم، لحمه وشحمه، ولا بأس بالانتفاع بشعره في الخرز وغيره). ت: الكتاب، والسنة، والإجماع. فالكتاب: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]. وفي «الصحيحين»: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الله حرَّم عليكم الميتة والدَّمَ ولحم الخنزير، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنه يُطلى بها السُّفُن ويستصبح بها؟»، قال: «لعن الله اليهود، حُرّمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها» (١). وأجمعت الأمة على تحريمه، إلا قول داود شحمه غير حرام؛ لتخصيص الآية اللحم. قال اللخمي: جلده كلحمه؛ لأنَّ الشاة تؤكل سميطًا. فإن دبغ: قال الأبهري: لا ينتفع به؛ لأنَّ الإباحة إنما وردت في جلد الميتة؛ لقوله ﵇: «هلا أخذتم إهابها، فدبغتموه، فانتفعتم به» (٢).

стр. 1918

وقال اللخمي: يُنتفع به، كجلد الميتة (١). قال ابن القاسم: لا بأس ببيع شعره، كصوف الميتة (٢). وقال أصبغ: لا خير في شعر خنزير (٣). وأما اللبن فحرام؛ لأنَّ المقصود اجتناب كله جملةً. ص: (لا بأس بطعام أهل الكتاب وذبائحهم، وتكره شحوم اليهود من غير تحريم). ت: قال الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. ولأنَّ كلَّ مَنْ حلَّت نسائهم حلت ذبائحهم، كالمسلمين. قال عبد الوهاب: أما إذا خيف منهم استعمال النجاسة - كالخمر والخنزير - وجب اجتنابها (٤). وكره مالك في «المدوَّنة» أكل ذبائحهم، والشراء من مجازرهم من غير تحريم، وقال: أمر عمر ﵁ أن لا يكونوا جزارين ولا صيارفة، وأن يقاموا من أسواقنا كلها؛ لأنَّ الله تعالى أغنانا بالمسلمين عنهم. ولأنا لا ندري ما فعلوه في هذه الذبيحة، فلعله لم يفرِ الأوداج، أو وجدها

стр. 1919

[لازوقاً] (١)، أو ذبحها لعيد أو كنيسة. وعن مالك في الشحوم التحريم والإباحة أيضاً (٢). وجه التحريم: أنهم يعتقدون الذكاة لا تبيحها، فلا تَحِلُّ بذكاته، كالمسلم يَحِلُّ بذكاته اللحم دون الدم، ولأنها ليس من طعامهم، ولأنها ليس فيها قصد الذكاة، فأشبهت ذكاة المجنون. وجه الكراهة: اختلاف التأويل في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، هل ذبائحهم أو ما أحل لهم؟ وجه الإباحة: أنَّ اعتقادهم تحريم الشحوم منسوخ بهم، كالمسلم يعتقد أنَّ الذكاة تبيح اللحم دون الشحم، [فإنَّ ذلك غير مؤثر] (٣). قال عبد الله بن مغفل: أصبت جرابًا من شحم يوم خيبر، فالتزمته وقلت: لا أعطي اليوم من هذا أحدًا، فالتفت فإذا رسول الله ﷺ متبسماً فقال: «خَلَ بينه وبين جرابه يذهب به إلى أصحابه» (٤)، ولولا الإباحة لمنعه منه ﵇. ص: ([لا يؤكل] (٥) ما ذكَّاه اليهودي [من الإبل؛ لتحريمها] (٦) عليهم).

стр. 1920

ت: اختلف في ذي الظفر: فقال ابن القاسم لا يؤكل ما حرَّمه الله عليهم ولا ما حرموه على أنفسهم. وقال ابن عبد [(١)] الحكم: يؤكل القسمان؛ لأن تحريم الله نسخ. وقال أشهب: لا يؤكل ما حرمه القرآن دون ما حرموه. وكل ذي ظفر [(٢)]، كالإبل، وحُمر الوحش، والنعام، والإوز، وكلّ ما ليس مشقوق الظلف، ولا منفرج القائمة. فرأى ابن القاسم أنها ذكاة بغير نية، ولو ذبحوه لمسلم؛ لأن تذكيته كالقتل في ذي الظفر عندهم، فهو كقول [(٣)] مالك فيمن رمى شاةً بسكين لا يريد ذبحها؛ لا تؤكل وإن فرى الأوداج. ورأى ابن وهب أنها ذكاةٌ قصَدَها، كموكّل، واعتقاده أنها فاسدة اعتقاد فاسد لا عبرة به. ص: (لا بأس بما لا ذكاة له من طعام المجوس، ولا يحِلُّ أكل ذبائحهم، ولا يؤكل جبنهم للإنفحة التي فيه). ت: أكل الصحابة ﵃ أطعمتهم التي لا تحتاج إلى ذكاة [حين] (٤) فتحوا بلادهم، وتخصيصا للآية: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] يقتضي تحريم ذبائحهم، وأن أنافحهم نجسة.

стр. 1921

ص: (ما وقعت فيه الميتة أو غيرها من النجاسات في الطعام والشراب، فإن كان جامدًا طرحت وما حولها، وانتفع بباقيه، وإن كان ذائبًا فهو نجس، وأريق كله). ت في البخاري: وقعت فأرة في سمن فماتت، فسئل النبي ﷺ عنها، فقال ﵇: «ألقوها وما حولها وكلوه» (١). وقال ﵇ في أبي داود: (إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا [تقربوه] (٢)) (٣). قال سحنون: إن طال مقامها مما يُعلم أنه يذوب في خلال ذلك؛ طرح الجامد كله، والسمن أقرب لذلك من العسل. ص: (لا بأس بالإسراج بالدهن النجس، ولا بأس باستعماله في الصابون، ويتحفظ منه، ويُغسل ما أصابه من الثياب). ت: قال مالك: لا بأس أن يُعلف النحل العسل النجس. قال ابن يونس: لا يوقد الزيتُ النجِسُ في المساجد. وقال عبد الملك: لا يجوز الانتفاع به مطلقا، ولو جاز ذلك لجاز في لحم الميتة (٤).

стр. 1922

ص: (لا يطهر الزيت النجس بغسله، ولا يجوز أكله ولا بيعه). ت: قال مالك إجازة غسله من النجاسة. ومنع مالك أيضاً بيع العسل النجس والزيت من مسلم أو نصراني (١). قال أشهب بين أو لم يبين. وقال ابن وهب: يجوز إذا بين. قال ابن حبيب: يفسخ البيع إن كان قائما، وإن فات؛ رد الثمن. قلت: اتفق العلماء في منع غسله إذا كانت النجاسة دهنا، كشحم الميتة وما لا يخرج مع الماء في الغسل، فاعلم ذلك. ص: (لا بأس بعلف الدواب الطعام النجس، ما أُكل لحمه وما لم يؤكل لحمه، ولا بأس أن يأكل المضطر من الميتة شِبَعَهُ، ويتزود لحاجته، فإذا وجَدَ ذكيا حرمت عليه). ت: قال ابن حبيب: لا يعلف الطعام النجس لحمام ولا دجاج، كالميتة (٢). وقال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفِ لِإِثْمِ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]. واتفقت الأمة على الجواز. قال ابن حبيب: يأكل بقدر ما يسد رمقه ويحفظ نفسه؛ لأنَّ الإباحة لحفظ

стр. 1923

النفس لا للترفيه. وجه قول مالك: أنَّ الضرورة حاصلة فيما دون التلف، فيأكل ويشبع ويتزود؛ لئلا يدوم العدم فيهلك، فإن استغنى طرحه. ص: (إن اضطر لميتة وهو في سفرِ معصية لم يأكل منها حتى يفارق المعصية). ت: قال ابن يونس: له أكلها لإحياء نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، ولأنَّ عليه فرضان: ترك المعصية، وإحياء النفس، وترك فرض لا يوجب ترك فرض آخر. ص: (من وجد ميتةً وصيدا وهو [مُحرِم، فليأكل] (١) الميتة، ولا يقتل الصيد، إلا أن تكون الميتة متغيرةً يخاف على نفسه من أكلها). ت: لأنَّ الله تعالى لم يرخص للمُحرم في قتل الصيد في حالة، ورخص في أكل الميتة عند الضرورة. قال الأبهري: لأنه إذا قتل الصيد وهو مُحرِم صار ميتةً، فميتة لم [ … .] (٢) أولى؛ لأنَّ [ .. ] (٣) أخرى.

стр. 1924

* ص: (من وجد ميتةً ومالا لغيره؛ أكلَ من مال غيره [وضمنه، وقد قيل: لا ضمان] (١) عليه فيما اضطر إليه. ولا يأكل من الميتة مع وجوده، إلا أن يخاف القطع، فيجوز له أكلها). [قلت: قاعدة] (٢): إذا دار زوال الأملاك بين الرتبة العليا في الزوال والرتبة الدُّنيا، وهو زواله مع القيمة؛ فإنه أقرب الزوالين، [فحمله] (٣) على الأدنى أولى؛ استصحابًا للملك بحسب الامكان، والقول الآخر يرى أنه يجب عليه إحياؤه، والواجب لا يؤخذ فيه عوض. * ص: (لا يشرب المضطر خمرًا، ولا يتعالج بها، ولا بشيء من النجاسات). لقوله ﵇: «إِنَّ الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حَرَّم عليها» (٤)، ومعناه: لم يشرع، وجوزه الشافعي. (وإذا كانت في حلقه غصَّةُ طعام، ولم يجد ما يسيغها به إلا خمرا؛ فلا بأس أن يشربها ليدفع بها غصته حكاها الشيخ أبو بكر الأبهري عن أبي الفرج). لأنَّ الغصة تذهب قطعا بالخمر، ولولا ذلك لتلفت نفسه، بخلاف التداوي. (وإذا ماتت دجاجة فأخرجت منها بيضةٌ فهي نجَسٌ، لا يَحِلُّ أكلها).

стр. 1925

ت: لأنها تنجست بالوعاء. قال سحنون: وكذلك إن سُلِق بيض في ماء نجس؛ لوصول النجاسة بداخل البيضة (١). ص: (إن سُلِق بيض؛ فوُجِد في بعضه فرخ مَيِّت؛ فهو نجس لا يجوز أكله). لأن الفرخ نجس الماء، فينجُسُ البيض. (ولا بأس بالانتفاع بشعر الميتة وصوفها، ولا يجوز الانتفاع بريشها ولا عظمها ولا قرنها، وتكره المداهن والأمشاط من العاج). ت: وافقنا أبو حنيفة في الشعر والصوف. ومنعه الشافعي. لنا: ما في الدارقطني: قال رسول الله ﷺ : «لا بأس بمسك الميتة [إذا دبغ] (٢)، ولا بأس بصوفها وشعرها إذا غُسل بالماء» (٣). ولأنه لا حياة فيه، فلا ينجس، كالواخذة في حياتها. والريش والقَرْنُ والعظم فالحياة تَحُلُّ فيه، بدليل أنه لا يجوز أخذه منها حالة الحياة.

стр. 1926

واختلف في عظم الميتة وناب الفيل: فقال مالك: لا تُشترى عظامُ الميتة، ولا يُدهن بمداهنها (١). وأجازه عبد الملك ومطرف (٢). وقال [ابن وهب] (٣): إن غُليت عظام الميتة جاز بيعها، كالدباغ في الجلد (٤). وجعل مالك القرن والظلف من الميتة ميتةً، وإن أُخذ منها حيَّةً (٥). قال ابن المواز: [ما] (٦) قُطع من طرف القرن والظلف مما لا يناله لحم ولا دم، ولا يألم منها الحي؛ فهي حلال، أُخِذ في [الحياة] (٧) أو بعد الموت (٨). ص: (جلود الميتة قبل الدباغ نجسة، وبعد الدباغ طاهرة طهارة مخصوصة، يجوز معها استعمالها في اليابسات، وفي الماء وحده من المائعات، وقد كره مالك استعمالها في الماء في خاصَّةِ نفسه، ولم يضيقه على غيره). ت: قال بعض العلماء: يجوز استعمالها قبل الدباغ؛ لما روي: «أنه ﵇ أُمر أن يُستمتع بجلود الميتة إذا دُبِغت» (٩)، فاشترط الدباغ.

стр. 1927

وبعد الدباغ ثلاثة أقوال عن مالك: أنها نجسةٌ؛ لما في أبي داود: كتب رسول الله ﷺ قبل موته بشهر لجهينة: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» (١)، وقياسًا على لحم الميتة. وعن مالك: أنها طاهرة؛ لقوله ﵇ في مسلم: «أَيُّما إهاب دبغ فقد طَهُر» (٢). وقال ابن الجلاب: طهارةً مخصوصةً؛ جمعاً بين الدليلين؛ فإنَّ اليابس لا يصل إليه شيء، بخلاف المائع، والماء له قوة الدفع عن نفسه. وإذا قلنا: يُستعمل في اليابسات: قال ابن القاسم: لا تلبس وإن دبغت؛ خشية العرق. وقال سحنون: تلبس كاستعمالها في اليابس. ص: (لا يجوز بيعها ولا الصلاة عليها، وجلود الميتة ما أُكل لحمه وما لم يؤكل لحمه بمنزلة واحدة). [للاشتراك] (٣) في علة الموت. ت: عن مالك أيضًا جواز بيعها، وبالأول أخذ ابن القاسم [منح … ] (٤).

стр. 1928

ابن حبيب: يُفسَخ ما دام الجلد قائمًا، فإن فات مضى بالثمن؛ للخلاف فيه. وقال أشهب: [لا ينفسخ] (١)، وإن اجتمع على فسخه أحبُّ إليَّ. وأجاز ابن عبد الحكم الصلاة عليها وبها؛ لقوله ﵇: «أيُّما إهابٌ دُبغ فقد طَهُرَ» (٢). * * *

стр. 1929

كتاب الأشربة ص: (ما أسكر كثيره فقليله حرام من جميع الأشربة، وهو نجس، وعلى شاربه الحد). ت: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. وفي مسلم: قال ﵇: «كلُّ مُسكِرٍ خمرٌ، وكلُّ مُسكِرٍ حرام» (١). وفي مسلم: خطَبَ عمرُ ﵁ على منبر النبي ﷺ فقال في خطبته: إنَّ الخمر نزل تحريمها يوم نزل وهي من خمسة أشياء: من الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والعسل. والخمرُ ما خامر العقل (٢). ولا خلاف في تحريم الخمر من العنب، قليلها وكثيرها. وأجمعت الصحابة على أنَّ ذلك كله يقع عليه اسم الخمر، وعلى إراقتها وإن اختلفت؛ لما في مسلم: قال أنس: كنتُ ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفضيخ: البسر والتمر، فإذا مناد ينادي، فقال: اخرج فانظر، فخرجت فإذا المنادي ينادي: ألا إنَّ الخمر قد حرمت، فقال لي

стр. 1930

أبو طلحة: أهرقها، فهرقتها (١). فعندنا ما أسكر كثيره فقليله حرام من جميع الأجناس، نَيًّا أو مطبوخاً. وقاله الشافعي، وعمر، وعلي، وابن عباس، وجماعة من الصحابة ﵃. وأباح أبو حنيفة نبيذ التمر المسكر المطرب إذا لم يبلغ الإسكار. لنا: ما في أبي داود: قال ﵇: «ما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام» (٢). ويجب الحد في المسكر بأحد ثلاثة أشياء: إما معاينة شربه، أو برائحته من فيه، أو إذا تقاياً منه. قال ابن القاسم: يكون الإسكار للرائحة باثنين كالشهادة، أو بواحد إن كان الإمام أمره بذلك حين استراب (٣). وفي مسلم: أمر رسول الله ﷺ أن [يستنكه] (٤) ماعز هل شرب خمرا أم لا (٥). قال ابن القصار: ولا بُدَّ أن يكون الشاهد ممن يعرف رائحة الخمر، بأن يكون شربها ثم تاب. فإن أشكلت الرائحة، وانضم إليها اختلاط عقل؛ حُمِلَ على أنه خمر.
следующие страницы →