← Фикх малики

Фикх малики · id 30159

شرح التفريع

القرافي

Полный текст (3 250 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

واختلف في عظم الميتة وناب الفيل: فقال مالك: لا تُشترى عظامُ الميتة، ولا يُدهن بمداهنها (١). وأجازه عبد الملك ومطرف (٢). وقال [ابن وهب] (٣): إن غُليت عظام الميتة جاز بيعها، كالدباغ في الجلد (٤). وجعل مالك القرن والظلف من الميتة ميتةً، وإن أُخذ منها حيَّةً (٥). قال ابن المواز: [ما] (٦) قُطع من طرف القرن والظلف مما لا يناله لحم ولا دم، ولا يألم منها الحي؛ فهي حلال، أُخِذ في [الحياة] (٧) أو بعد الموت (٨). ص: (جلود الميتة قبل الدباغ نجسة، وبعد الدباغ طاهرة طهارة مخصوصة، يجوز معها استعمالها في اليابسات، وفي الماء وحده من المائعات، وقد كره مالك استعمالها في الماء في خاصَّةِ نفسه، ولم يضيقه على غيره). ت: قال بعض العلماء: يجوز استعمالها قبل الدباغ؛ لما روي: «أنه ﵇ أُمر أن يُستمتع بجلود الميتة إذا دُبِغت» (٩)، فاشترط الدباغ.

стр. 1927

وبعد الدباغ ثلاثة أقوال عن مالك: أنها نجسةٌ؛ لما في أبي داود: كتب رسول الله ﷺ قبل موته بشهر لجهينة: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» (١)، وقياسًا على لحم الميتة. وعن مالك: أنها طاهرة؛ لقوله ﵇ في مسلم: «أَيُّما إهاب دبغ فقد طَهُر» (٢). وقال ابن الجلاب: طهارةً مخصوصةً؛ جمعاً بين الدليلين؛ فإنَّ اليابس لا يصل إليه شيء، بخلاف المائع، والماء له قوة الدفع عن نفسه. وإذا قلنا: يُستعمل في اليابسات: قال ابن القاسم: لا تلبس وإن دبغت؛ خشية العرق. وقال سحنون: تلبس كاستعمالها في اليابس. ص: (لا يجوز بيعها ولا الصلاة عليها، وجلود الميتة ما أُكل لحمه وما لم يؤكل لحمه بمنزلة واحدة). [للاشتراك] (٣) في علة الموت. ت: عن مالك أيضًا جواز بيعها، وبالأول أخذ ابن القاسم [منح … ] (٤).

стр. 1928

ابن حبيب: يُفسَخ ما دام الجلد قائمًا، فإن فات مضى بالثمن؛ للخلاف فيه. وقال أشهب: [لا ينفسخ] (١)، وإن اجتمع على فسخه أحبُّ إليَّ. وأجاز ابن عبد الحكم الصلاة عليها وبها؛ لقوله ﵇: «أيُّما إهابٌ دُبغ فقد طَهُرَ» (٢). * * *

стр. 1929

كتاب الأشربة ص: (ما أسكر كثيره فقليله حرام من جميع الأشربة، وهو نجس، وعلى شاربه الحد). ت: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. وفي مسلم: قال ﵇: «كلُّ مُسكِرٍ خمرٌ، وكلُّ مُسكِرٍ حرام» (١). وفي مسلم: خطَبَ عمرُ ﵁ على منبر النبي ﷺ فقال في خطبته: إنَّ الخمر نزل تحريمها يوم نزل وهي من خمسة أشياء: من الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والعسل. والخمرُ ما خامر العقل (٢). ولا خلاف في تحريم الخمر من العنب، قليلها وكثيرها. وأجمعت الصحابة على أنَّ ذلك كله يقع عليه اسم الخمر، وعلى إراقتها وإن اختلفت؛ لما في مسلم: قال أنس: كنتُ ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفضيخ: البسر والتمر، فإذا مناد ينادي، فقال: اخرج فانظر، فخرجت فإذا المنادي ينادي: ألا إنَّ الخمر قد حرمت، فقال لي

стр. 1930

أبو طلحة: أهرقها، فهرقتها (١). فعندنا ما أسكر كثيره فقليله حرام من جميع الأجناس، نَيًّا أو مطبوخاً. وقاله الشافعي، وعمر، وعلي، وابن عباس، وجماعة من الصحابة ﵃. وأباح أبو حنيفة نبيذ التمر المسكر المطرب إذا لم يبلغ الإسكار. لنا: ما في أبي داود: قال ﵇: «ما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام» (٢). ويجب الحد في المسكر بأحد ثلاثة أشياء: إما معاينة شربه، أو برائحته من فيه، أو إذا تقاياً منه. قال ابن القاسم: يكون الإسكار للرائحة باثنين كالشهادة، أو بواحد إن كان الإمام أمره بذلك حين استراب (٣). وفي مسلم: أمر رسول الله ﷺ أن [يستنكه] (٤) ماعز هل شرب خمرا أم لا (٥). قال ابن القصار: ولا بُدَّ أن يكون الشاهد ممن يعرف رائحة الخمر، بأن يكون شربها ثم تاب. فإن أشكلت الرائحة، وانضم إليها اختلاط عقل؛ حُمِلَ على أنه خمر.

стр. 1931

وإن لم يكن ثَمَّ دليلٌ؛ لم يُحَدَّ، واختلاط الكلام وحده لا يوجب الحد. فإن شهد اثنان بالرائحة، وآخران ليست برائحة خمر؛ حُدَّ، كما لو قَوَّم المسروق اثنان بنصاب السرقة، وآخران بأقل؛ قال مالك: يُقطع. وجلد عمر ﵁ في قيء الخمر، وقال: ما قاءها حتى شربها. والحد المتفق عليه ثمانون، أول من جلدها عمر في الخمر، ومضى عليه العمل (١). وعن الشافعي: أربعون في غير الخمر. لنا: إجماع الصحابة ﵃. وتعليل علي ﵁ في قوله: إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى (٢)، فيجلد حد المفتري، ولم ينكر عليه أحد. ص: (لا يحل لمسلم أن يملك خمرًا ولا شرابًا مسكرا، ومَن وُجِد عنده خمر من المسلمين أريقت عليه، وكُسرت ظروفها أو شقت؛ تأديبا له). ت: أصل ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع. فالكتاب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية. والخمر: ما خامر العقل، واجتنابه بإراقته. وفي مسلم: قال أنس بن مالك: كنتُ ساقي القوم الخمر يومَ حُرمت الخمر،

стр. 1932

الحديث المتقدّم (١)، وقال فيه: فهرقتها. وأجمعت الأمّة على أنها لا يحِلُّ مِلكها لمسلم، وأنها تراق عليه. وأما كسر ظروفها فتأديب بالمال، كحرمان الميراث للقاتل. وقيل: يُشَقُّ ويُكسر ما أفسدته ونجسته ولا يُنتفع به إلا في الخمر، وغير ذلك يبقى، ولئلا يضيع ماليته، وتُغسل وينتفع، ولا يضر بقاء الرائحة. وفي مختصر ابن عبد الحكم: لا يُنتفع بالزقاق، وأما القلال فيطبخ فيها الماء مرتين، وتُغسل ويُنتفع بها (٢). ص: (لا يحل لمسلم أن يبيع خمراً من نصراني، ولا يوكله في بيعها من النصراني). ت في الترمذي: لَعَنَ رسول الله ﷺ في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، وساقيها، وآكل ثمنها، والمشتري، والمشترى له (٣). فإن باعها من نصراني كسرت على المسلم، وتصدق بالثمن على النصراني [وإن لم يدفع، إذا كان] (٤) معيَّناً، إلا أن يُعذر بجهل.

стр. 1933

وإن فاتت عند النصراني؛ انتزع الثمن من المسلم، وتُصدِّق به، إلا أن يُعذَر بجهل (١). فإن لم يكن النصراني دفعه: فعن مالك: لا يؤخذ منه. وعنه: يؤخذ منه ويتصدق به. واختاره ابن القاسم. قال ابن المواز: لا يؤخذ منه، وإن أخذ ردَّ عليه، وأغرم خمرًا مثلما أخذ، فتكسر على المسلم (٢)، ولو أخذ منه الثمن لكان أجيز له شراؤها. ص: (مَنْ أسلم وعنده خمر أراقها، ولم يثبت عليها ملكه). لأنَّ هذا حكم المسلم كما تقدَّم. (وإن أسلم وعنده ثمن خمر فلا بأس به). لأنه أخَذَه في وقت يُقَرُّ مِلكه عليه. (وإذا اشترى من نصراني خمرًا، ثم أسلم بائعها قبل دفع الخمر إلى مشتريها؛ فسخ البيع بينهما، ورَدَّ البائع الثمن على مشتريها إن كان قبضه، وإن أسلم مشتريها قبل قبضها فسخ بيعها، ورجع على البائع بثمنها إن كان قبضه وقد توقف مالك مرَّةً أخرى عنها وقال: أخاف أن يظلم الذمي).

стр. 1934

ت: أحوالهما أربعة: يُسلمان، لا يسلمان، البائع فقط، المشتري فقط. فإن أسلما بعد قبض الثمن والمثمون نَفَذَ ذلك؛ لانفصاله حالة الكفر. أو قبلَ قبض الثمن والمثمون فسخ البيع. أو بعد قبض الثمن فقط: قال مالك وابن القاسم بالفسخ. وقال ابن عبد الحكم: عليه قيمة الخمر. أو بعد قبض المثمون وقبل قبض الثمن؛ فالفسخ عند مالك وابن القاسم. ويقبض الثمن على قول عبد الملك في نصرانيين أسلما قبل الدخول وبعد قبض الصداق خمر، وهو أنه يدخل بها؛ [لأنها] (١) قُبِضَتْ في وقت كانت عندهم كالدراهم، وقبض البضع يجوز في الإسلام. وإن لم يسلم واحد منهما لم يُعرض لهما. أو أسلم البائع بعد قبض الثمن والمثمون؛ مضى كما لو أسلما معا، وتوقف مالك لحق النصراني. أو بعد قبض الثمن دون المثمون فسخ ورُدَّ الثمن؛ لأنَّ الذي عليه الخمر لا يقدر على أدائها، وإن كانت عنده كسرت ويُمنع من شرابها. وإن أسلم المشتري بعد قبض الثمن والمثمون نفذ. أو قبل قبضهما فسخ.

стр. 1935

أو بعد قبض المثمون وقبل دفع الثمن دفعه للبائع. أو بعد قبض الثمن وقبل قبض المثمون فسخ، ورجع المشتري على البائع بالثمن، وتوقَّف فيه مالك؛ خوفًا من ظُلم الذمي برد رأس المال، وإنما عليه خمر. وقال في «المستخرجة»: يؤخذ منه الخمر، ويُكسر على المسلم، وإن رضي الذمي برد الثمن؛ جاز (١). ص: (إن اشترى مسلم من نصراني خمرًا؛ فسخ البيع، ولم يُدفع للبائع شيء، وإن قبض النصراني الثمن أخذ منه وتصدق به؛ تأديبا له). ت: قال مالك: تُكسر على المسلم، ولا يردُّها على النصراني (٢). قال ابن القاسم: إن قبض الثمن لم ينزع منه (٣). وقال سحنون: يتصدق به (٤). قال ابن حبيب: لا يتصدق به إن كانت الخمر قائمةً. فإن كان النصراني لم يقبض الثمن ترك المسلم، وكسرت الخمر على النصراني (٥). فإن كان المسلم هو البائع:

стр. 1936

قال ابن المواز: إن قبض الثمن أخذ منه وتُصدّق به. وإن لم يقبضه: فعن مالك: لا يؤخذ من النصراني. وعنه: يؤخذ ويتصدق به. واختاره ابن القاسم. وقال ابن المواز: لا يؤخذ منه، وإن أُخِذ رُدَّ عليه وأُغرِم خمرا مثلما أخذ، تكسر على المسلم؛ لأنَّ أخذ الثمن إجازة لشرائه (١). ص: (لا يؤاجر الرجل نفسه ولا شيئًا من أملاكه في عمل الخمر من نصراني أو مسلم، فإن فعَلَ أُخِذت الأجرة فتُصُدِّق بها؛ تأديبا له، ولم يملكها واستغفر الله، ويكره شرب الخليطين من الرُّطَب والتمر، والزبيب والعنب، ويكره ذلك للخل أيضاً). ت في مسلم نهى رسول الله ﷺ عن خليط التمر والبسر، وعن خليط التمر والزبيب، وعن خليط الزهو والرطب، وقال: «انتبذوا كلّ واحدٍ على حدته» (٢). قال بعض أصحابنا: كلُّ شيئين [يصلح] (٣) أن يُنبذ كلُّ واحدٍ منهما منفردًا

стр. 1937

لا يجمعان، فإن كان أحدهما لا يصلح، أو كلاهما فجمعهما جائز. قال مالك: فإن نُبذ كلُّ واحدٍ [على حِدَةٍ] (١)، ينبغي خلطهما على الشرب. ص: (يكره تخليل الخمر، فمن خلَّل خمرًا، فصارت خلاً؛ ففيها روايتان: إحداهما: أنها حلال. والأخرى: أنها حرام، فإن حالت الخمر فصارت خلا من غير فعل أحد؛ فهي حلال) ت في مسلم: سُئل رسول الله ﷺ عن الخمر: أَتَتَّخَذُ خَلَّا؟ فقال: (لا) (٢)، وهو وجه الرواية الثانية. ووجه الأولى: أن سبب التحريم والتنجيس الإسكار، وقد ذهب. ولا بأس بما خلله النصراني من الخمر؛ لأنه غير ممنوع منها. (ولا بأس بشرب العصير قبل شِدَّته، ولا بأس بشُرب العقيد بعد ذهاب ثلثه في طبخه). ت: قال مالك: كنتُ أسمع أنَّ ما ذهب ثلثاه في الطبخ لا يكره، ولا أرى ذلك، بل يُطبخ حتى لا يسكر كثيره. قال أشهب: ولو نقص تسعة أعشار (٣).

стр. 1938

قال ابن المواز: ذلك يختلف بالمواضع (١)، فما كثرت رطوبته احتاج إلى الطبخ أكثر، هذا [في] (٢) عصير العنب، وأما الزبيب والتمر فيجتهد فيهما؛ لأنَّ الماء يكفي فيهما. ص: (الفقاع مباح، وكذلك [السوبيا] (٣)، وهو شراب يشبه الفقاع). لأنهما لا يُسكر كثيرهما. ويكره الانتباذ في الدُّبَّاء والمزفّت والحَنْتَم والنَّقِير. ت: نهى رسول الله ﷺ عن الانتباذ في الدُّبَّاء والمزفت والنقير والحنتم (٤). قال ابن حبيب: النَّقِير: ما عُمِل من خشب. والمزفت: ما عُمِل داخله الزفت. والدُّبَّاء: اليقطين، وهذه تسرع بالسكر. قال ابن يونس: التحليل في جميعها أحَبُّ إليَّ (٥). وقد قال ﵇: «نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فكلوا وادخروا، [و] (٦) عن الانتباذ، فانتبذُوا، وكل مسكر حرام» (٧).

стр. 1939

وكانت عائشة ﵂ تَنْتَبِذُ لرسول الله ﷺ في جِرَارٍ خُضرٍ. وإذا قُلْنَا بالمنع: قال ابنُ المواز: لا يَشْرب ما يُنْتَبَذُ فيها. وقال: يُؤدَّبُ فيه وفي الخليطين (١). وقال عبد الوهاب: إنْ سَلِمَ من الشدَّة فلا بأْس (٢). قلت: يحتاج الفقيه [معرفة الفرق] (٣) بين المسكرات والمرقدات والمفسدات، فإنَّ أحكامها تختلف في ثلاثة: الحدُّ، والنجاسة، وتحريم القليل، وهي خاصَّةٌ بالمسكرات، والأخيران لا حدَّ فيهما، وهما طاهران، يباح قليلهما. فالمُسكِر: ما غيَّب العقل دون الحواس، مع نشوة وفرح وقوة النفس وتشجيعها، كقول الشاعر: ونشربها فتتركنا ملوكًا … وأُسدًا لا يُنَهْنِهُنَا اللقاءُ والمرقد ما غيَّب العقل والحواس كالأفيون [والسيكران] (٤). والمفسد: ما غيَّب العقل دون الحواس بغير نشوة وقوة، كعسل البلاذر. واختلف أهل العصر في الحشيشة التي هي ورق القنب: هل هي مسكرة، فتوجب الحدَّ وبُطلان الصلاة إذا صلى حاملها، أو مفسدة يُعَزَّر فيها؟ وهو رأيي،

стр. 1940

فإني ما وجدتهم يميلون للقتال والنصرة إذا أكلوها، بل عليهم الذلة والمسكنة، وربما عرَضَ لهم البكاء، وهي تهيج الخلط الكائن بين الصفراء والسوداء وغيرهما، فإن حصل فرحٌ في بعضهم بسبب غلَبَةِ الدم عليه، أما هي فلا، والخمر سرورها (١). * * *

стр. 1941

كتاب الأضحية (الأضحية مسنونة غير مفروضة، وهي على كل من قدر عليها من المسلمين من أهل المدائن والقرى والمسافرين، إلا الحاج الذي بمنى، فإنهم لا أُضحية عليهم، وسنتهم الهدي). ت: أصلها الكتاب، والسنة، والإجماع. فالكتاب: قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرُ﴾ [الكوثر: ٢]، أي: صلاة العيد ونحر الأضحية والهدي، وليس في الحج صلاة العيد. وقالوا: [صل] (١) الصبح بالمشعر الحرام، والنحر بمنى بعد ذلك. وقال ﷺ : «أُمرت بالنحر، وهو لكم سنة» (٢). وقال ﵇: «ثلاث كُتبنَ عليَّ ولم تكتب عليكم: الأضحية والوتر والسواك». و «ضحى ﵇ بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما» خرجه مسلم (٣). واتفق الأئمة على مشروعيتها، واختلف في وجوبها. قال مالك في «المدوَّنة»: مَنْ حَبَسَ أُضحيته حتى مضت أيام الذبح أثم،

стр. 1942

فعلى هذا هي واجبة. قال بعض المتأخرين: التأثيم لأنه اشترى ولم يضح، ولو لم يشتر لم يأثم. وقال في «الموازية»: هي سنة واجبة (١). وقال ابن حبيب: من تركها أثِمَ. قال ربيعة: هي من الأمر اللازم، وأفضل من صدقة سبعين [ديناراً] (٢) (٣). وقال ابن حبيب: أفضل من العتق والصدقة؛ لأنَّ إحياء السنن أفضل من التطوع (٤). دليل الوجوب: قول رسول الله ﷺ لأبي بردة بن نيار: «تجزئك، ولن تجزئ أحداً من بعدك» (٥). وقد تقدم قوله: «أُمرت بالنحر، وهو لكم سنة» (٦)، وهو دليل عدم الوجوب. وقوله: «تجزئك»، أي: عن السنَّة؛ لأنَّ السنة لها صفةٌ من لم يأت بها بطلت، وإنما لم تكن على الحاج لأنَّ كلَّ ما يُنحَر بمنى هَدي من حقه أن يوقف بعرفة، ولأنه لا يخاطب بصلاة العيد؛ لأجل الحج، فكذلك الأضحية، ولأنَّ رسول الله ﷺ قَلَّد وأشعر ما ساقه من الهدايا، ولم يضح بشيء منها.

стр. 1943

قال القاسم بن محمد: كنا نحج مع عائشة ﵂، فلم يكن يضح أحد منا. وأما من لم يحج من أهل عرفة أو منى أو مكة، فكأهل الآفاق؛ لأن دليل الأضحية يتناول كلَّ مستقر في وطنه، خرج الحاج منها، بقي من لم يحج. ص: (وقتها يوم النحر ويوم بعده، ولا يضحي في اليوم الرابع). ت: لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]، وأقل الجمع ثلاثة. وقال ﵇: «أيام منى ثلاثة أيام» (١)، ولم يُرد الرمي؛ لأنَّ أيامه أربعة، فتعين الرمي، وقاله علي وابن عمر وابن عباس، ولأنَّ الرابع لا يتعقبه مبيت، فأشبه الخامس. قال ابن المواز: أفضل الثلاثة للذبح الأول؛ لقول علي ﵁: «الذبح ثلاثة أيام، أفضلها أولها». ولا يراعى في الثاني والثالث ذبح الإمام، بل إذا ارتفعت الشمس، بخلاف الأول، يَذْبَحُ بعده (٢). ويُستحَبُّ لمن أراد أن يضحي إذا أهل ذو الحجة أن لا يقص شيئًا من شعره، ولا يقلّم أظفاره حتى يضحي؛ لقوله ﵇: «إذا دخلت العشر، وأراد

стр. 1944

أحدكم أن يضحي؛ فلا يأخذ من شعره ولا من بَشَرِه شيئًا» (١)، فإذا ضحى أخذ من كل ما منع من أخذه. قال مالك: يضحي في اليوم الأول من الضُّحى إلى الزوال، ويُكره بعده إلى العشاء، فإن فعل أجزأه. وفي الثاني من الضُّحى إلى الزوال، فإن لم يضحٌ صَبَرَ إلى اليوم الثالث. فإن لم يضح إلى عشاء اليوم الثالث؛ أُمر بأن يضحي إلى الغروب. قاله ابن حبيب (٢). وأنكره ابن القابسي وقال: اليوم الأول كله أفضل من الثاني، والثاني أفضل من الثالث. ص: (لا يضحي بليل). ت: لقوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٧]، ولم يذكر الليل وروى ابن القاسم قول رسول الله ﷺ : «مَنْ ضحى بليل فليعد». ولأنها قربة في العيد، فلا تفعل بالليل، كالصلاة. وعن مالك الجواز؛ لأنَّ اليوم يتناول الليل، ولو حلف لا يكلمه عشرة أيام دخلت الليالي.

стр. 1945

قال اللخمي: والاتفاق على عدم الإجزاء في ليلة النحر؛ لأنَّ الواجب لم يدخل بعد، وعلى الرابعة؛ لخروج الوقت. وقال أشهب: تجزئ في الهدايا دون الضحايا، كالرمي وغيره، بجامع المناسك؛ ولأنه لو نحر الأضحية قبل الإمام أعاد، وفي الهدي لا يعيد (١) ص: (والسن الذي يُجزئ فيها: الجذع من الضأن، والثَّنِيُّ مما سواه من المعز والإبل والبقر، وأفضلها الغنم، ثم البقر، ثم الإبل، بخلاف الهدي، والضأن أفضل من المعز، وفحول كل جنس أفضل من إناثه) ت في مسلم: قال رسول الله ﷺ : «لا تذبحوا إلا المسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعةً بالضأن» (٢) ولا خلاف في جوازه، والثني أفضل؛ لأنه أكمل [خَلقًا] (٣) قال ابن حبيب: [الجذع من الضأن والمعز ابن سنةٍ تامة (٤) وقاله أشهب] (٥) (٦) قال الباجي: وعليه أكثر الناس (٧)

стр. 1946

وقال سحنون وعليُّ بن زياد: ما أكمل ستة أشهر وجاوزها (١). وقيل: ابنُ عشرة أشهر (٢). وقيل: ثمانية. قال ابن حبيب: الثَّنِيُّ من المعز ابن سنتين، وجذع البقر ابن سنتين، ومسِنُّها ابن أربع سنين، وجذع الإبل ابن خمس سنين، ومسِنُّها ابن ست سنين (٣). وقال عبد الوهاب: ثَنِيُّ المعز ابنُ سنةٍ دخل في الثانية، ومن البقر سنتان دخل في الثالثة، ومن الإبل ست سنين؛ لأنه يُلقي ثنيته (٤). والمراعى عندنا في الأفضل طيب اللحم. وقال أبو حنيفة والشافعي: أفضلها الإبل، ثم البقر، ثم الغنم. لنا: أنَّ رسول الله ﷺ ضحى بكبشين أملحين أقرنين (٥). وعن مالك: الذكر والأنثى سواء في الضحايا والهدايا (٦). في «مختصر ابن عبد الحكم»: فحل الضأن أفضل من أنثاه، وأنثاه أفضل من فحل المعز، وفحل المعز أفضل من أنثاه، وأنثاه أفضل من الإبل والبقر في الضحايا، والفحل أفضل (٧).

стр. 1947

وقال ابن حبيب: الفحل السمين أفضل من الخصي السمين، والخصي السمين أفضل من الفحل المهزول، والفحل أفضل من النعجة. واستحب جماعةٌ من الصحابة ﵃ الفحل السمين الأقرن الأملح، وهو ما كان بياضه أكثر من سواده، ويرتع في سواده، ويشرب في سواده، تام الذنب، وافر الأذنين والبصر، من أطيب الكسب (١)؛ لقوله ﵇ لما سئل: أي الرقاب أفضل؟ فقال: «أغلاها ثمنًا» (٢). والفحل أحبُّ إليهم من الخصي (٣). والجمهور على جواز السمين. وفي البخاري: قال أبو أمامة: كنا نسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون. وقال ابن القُرْطي: يكره؛ لئلا يتشبه باليهود. ص: (لا يضحى بشيء من الطير، ولا بشيء من الوحش). ت: لأنه لم يُنقل عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من أصحابه، وقياسًا على الهدايا. قال ابن شعبان: اتفق أصحابنا في المتولد من إناث الوحش وفحول الأهلية

стр. 1948

على المنع؛ لأنَّ الولد من البهائم تبع لأمه، واختلفوا فيه إذا كانت الأم أهليَّةً والفحل وحشيا (١)؛ لاجتماع الحظر والإباحة. ص: (لا بأس أن يضحي الرجل عنه وعن أهل بيته بشاة واحدة، والبَدَنةُ والبقرة في ذلك سواء) ت في الترمذي: قال عطاء بن يسار: سألت أبا أيوب الأنصاري: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان الرجل يضحي عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويُطعمون، حتى تباهى الناس، فصارت كما ترى (٢)، قال: حديث صحيح. وأضحية الإنسان عن غيره خمسة أقسام: الأول: يضحي عمن تلزمه نفقته، وهم الأولاد إذا كانوا فقراء، ذكورا أو إناثًا، والأبوان الفقيران، فعليه أن يضحي عنهم. الثاني: أن يتطوع بالنفقة عنه لقرابة، كمن تقدم مع [اليُسر] (٣)، والجدين، والأخ، وابن العم، فلا يلزمه الأضحية عنهم. قال ابن حبيب: إن ضحى على الأبوين المسلمين فعن كلّ واحدٍ بشاة، إلا أن تكون زوجة الأب، فيجمعها في شاة، كما لو بعث بها للأب، فإنه يجمعها معه.

стр. 1949

قال ابن مسر: وذلك بإذن الأب. قال ابن حبيب: وله أن يُدخل من له فيه عُلقة [رِقّ] (١)، وليس ذلك عليه ولا عليهم، وليس عليه أن يُدخل من بلغ من ولده وإن كان فقيرا، إلا أن يشاء؛ لسقوط نفقته عنه، فإن أدخله أجزأ الولد - وإن كان مليًّا - إذا كان في نفقته وفي بيته، وكذلك الصغير الموسر (٢). وإن أدخل من ضمه لعياله من قريب أجزأ عنهم، ولا يجزئ إدخال الشريك والمرافق في السفر ونحوهما من الأجنبيين (٣). قال الباجي: فاشترط ابن حبيب في الإدخال ثلاثة: الإنفاق عليه، والقرابة، والمساكنة، قال: ومن ذلك النكاح والولاء؛ إذ هو لحمَةٌ كلحمة النسب (٤). الثالث: أن يتطوع بالنفقة من غير قرابة، فإن أدخله لم يجزئه ولم يجزئهم. الرابع: من وجبت نفقته معاوضةً، كالزوجة والأجير بنفقته، فلا يُجزئ في الأجير، ويُجزئ في الزوجة ولا [يجب] (٥) عليه؛ لأنَّ نفقتها معاوضة، بخلاف الولد، والأبين. والفرق بينها وزكاة الفطر: أنَّ زكاة الفطر [زكاة أبدان، كالنفقة] (٦) فوجبت، والأضحية قُربة كالصدقة، ولا يجب، ويلزمها أن تضحي عن نفسها.

стр. 1950

الخامس: أن لا يكون في نفقته ولا قرابته، فلا يجوز ولا يجزئ، وعليهم الإعادة. ص: (لا بأس أن يضحي عن أم ولده وعبده). ت: لا تجب على عبد ولا مكاتب ولا مدبر؛ لعجزهم. قال ابن القاسم: وللسيد التطوع بذلك. ص: (يضحي عن المولود [يولد له] (١)). للزوم نفقته له. (وإذا أسلم النصراني في أيام الذبح ضحى عن نفسه). لأنه أسلم في وقتها، بخلاف زكاة الفطر. (ولا يضحى عن جنين في بطن أمه). لأنَّ الأحكام لم تجر عليه، كالإرث وغيره، فكذلك الأضحية. (ولا يجوز أن يشترك اثنان فما فوقهما في أُضحية واحدة يُخرجون الثمن ويقتسمون اللحم). ت: لأن المطلوب من كلِّ واحدٍ إراقة الدم، ولم يوجد إلا بعض دم، وتضحية الإنسان عنه وعن أهل بيته شركة في ثواب لا في لحم، ولأن الاشتراك في الثمن يوجب صحة القسمة، وهي ممنوعة اتفاقا.

стр. 1951

وأما قول ابن عباس: كنا مع رسول الله ﷺ ، فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة سبعة، وفي البعير عشرة (١)؛ فقال القاضي أبو إسحاق، وابن القصار: يحتمل أن يكون الهدي له ﵇ ونحر عنهم؛ لأنه أب لهم، وأزواجه أمهاتهم. وفي أبي داود: أنه ﵇ لما ذبح سمى الله تعالى وقال: «هذا عني وعمن لم يضح من أمتي» (٢). قال الباجي: فعلى هذا التأويل يجوز للإمام أن يُدخل غيره من رعيته في أضحيته (٣). ص: (لا بأس أن يبدل الرجل أضحيته بأعلى أو بأدنى منها، والاختيار أن لا يبدلها بأدنى منها). ت: لأنها لم تتعين بالشراء، أو للغرماء أخذها، وتورث عنه. ولقول حكيم بن حزام: أعطاني النبي ﷺ دينارًا لأشتري له أضحية، فاشتريتُ أُضحية بدينار، ثم بعتها بدينارين، واشتريتُ له أخرى بدينار، وأتيته بالدينار وبالذي اشتريت، فتصدق به النبي ﷺ ودعا لي بالبركة (٤). فإن باع أُضحيته، واشترى من ثمنها مثلها أو أفضل منها، وفَضَلَ شيء؛ تصدق به؛ لأنه جعله الله، وله أن يصنع به ما شاء.

стр. 1952

ص: (وإذا أوجب رجل أضحيته بعينها لم يجز له أن يبدلها بغيرها، ومن ضاعت أُضحيته فأبدلها، ثم وجدها في أيام الذبح أو بعدها؛ فليس عليه ذبحها) لأنه قد ضحى. (وإن لم يبدلها؛ ذبحها إن وجدها في أيام الذبح؛ لبقاء زمن القربة، وإن وجدها في غير أيام الذبح فليس عليه ذبحها، إلا أن يكون أوجبها قولا، فيلزمه ذبحها) ت: إيجابها بعينها أن يقول: الله علي أن أذبح هذه الأضحية، أو: قد أوجبتها أُضحية، فذلك كالتقليد والإشعار في الهدي، يوجب التعيين واللزوم. قال بعض شيوخنا: على القول بوجوب الأضحية إذا لم يبدلها ووجدها؛ يحتمل أن يقال: هي كزكاة الفطر تُقضى، ويحتمل أن يقال: واجب زوال وقته، كالرمي. ص: (لا يضحى بعوراء، ولا عمياء، ولا عجفاء، ولا سكّاء، ولا شديدة العرج، ولا بينة المرض، ولا بأس بالجماء، والمكسورة القرن إذا كانت لا تدمى، ولا بأس بالخرقاء والشرقاء، والعضباء. والسكاء المخلوقة بغير أذنين، والجماء المخلوقة بغير قرنين، والعضباء: الناقصة الخلق، والخرقاء: المقطوعة بعضُ أُذُنِها من أسفلها، والشرقاء: المشقوقة الأذن، والعجفاء التي لا تُنقي، وهي التي لا شحم فيها، ولا مخ في عظامها؛ لشدَّةِ هُزالها، والعرجاء: البيِّنُ ظَلْعُها، وهي الشديدة العرج

стр. 1953

التي لا تلحق بالغنم). ت: في النسائي: قال رسول الله ﷺ : «أربع لا تجزئ في الأضاحي: العوراء البيِّنُ عَوَرُها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البيِّنُ ظَلْعُها، والعجفاء التي لا تُنْقِي» (١). المشهور: إذا كثر العيب من غير هذه مُنع أيضاً؛ قياساً عليها. وقصر ابن [القصار] (٢) وغيره من [البغداديين] (٣) عدم الإجزاء على هذه الأربعة التي في الحديث. وما يكون بجميع الجسد: [المرض] (٤) والعُجف البين [ .. ] (٥) الجرباء جربا كثيرًا؛ لأن الجرب يُفسد اللحم ويضر بآكله، وخفيف الجرب لا بأس به. ولا تجزئ البشمة؛ لأنَّ البشم يُفسد اللحم، وهو التخمة من الأكل، قال اللخمي: إلا أن يكون خفيفًا (٦). قال مالك في «الموازية»: تجزئ الهرمة (٧). قال أصبغ: ما لم يكن بينا (٨).

стр. 1954

ولا تجزئ المجنونة جنونًا لازماً، وأما في بعض الأوقات فخفيف. ومتى أذهب العور الانتفاع بأكثر العين لم تجزئ، أو أيسره أجزأت؛ لأنَّ الأقل تبع للأكثر، وإن ذهَبَ الأكثر من كل عين لم تجزئ، أو الأيسر منها أجزأت. ولا تجزئ العمياء، ومتى كان البياض على الناظر لم تجزئ وهي عوراء، أو خارجًا عن الناظر أجزأت. والخرقاء: التي تُخرق أذنها للسَّمَةِ. وقال ابن الجلاب وعبد الوهاب: هي المقطوع بعض أُذُنِها من أسفله. والمقابلة التي قطع من أُذُنها من قبل وجهها. قال ابن شعبان: هي التي قطع من مقدَّم أُذُنها شيءٌ، ثم تُرِكَ معلَّقا (١). والمدابرة: التي قطع من أُذُنِها من قبل قفاها. قال ابن شعبان: وتُرِك معلقًا (٢). والسكاء: الصغيرة الأذنين. قال ابن القاسم: نحن نسميها الصمعاء، ولو خُلقت بغير أُذنين لم تجزئ (٣). قال أشهب: إذا ذهب أيسر الأذن، أجزأت، أو أكثره؛ لم تُجزئ. واختلف في الثلث:

стр. 1955

قال ابن حبيب: هو كثير، كالثلث من الذنَب (١). وقال ابن المواز: النصف كثير، من غير أن أحد فيه حَدًّا (٢). قال الباجي: الأظهر من مذهبنا أنَّ ثلث الأذن يسير، وثُلُثَ الذنب كثير؛ لأنَّ الذنب عضو لحم وعظم، والأُذن طرَفُ جلد، لكن كثيره ينقص الجمال (٣). والشق أيسر من الشين. قال اللخمي: يجزئ الشقُّ وإن بلغ النصف (٤). قال [الباجي] (٥): لا يمنع الشقُّ، إلا أن يبلغ مبلغا يشوه (٦). وذهاب الأسنان من التكسير ونحوه - لا تجزئ؛ لأنه نقص من خَلْقها، أو من إثغار أجزأت. أو من هرم: قال مالك: لا بأس به؛ لأنه معتاد لا عيب. وقال ابن حبيب: لا تجزئ. ولا تجزئ مع البكم، ويُتَّقى النتن.

стр. 1956

قال ابن المواز: تجزئ المستأصلة القرنين، كالجلحاء (١)؛ لأنَّ القرن لا منفعة فيه، وإنما منع إذا أدمى لأنه مرض. قال أبو إسحاق: لأنه ليس نقصاً في الخلقة؛ لأنَّ النعاج لا قرون لها، بخلاف المخلوقة بغير أذنين، أو قُطعت أذناها؛ لأنه خلاف المعتاد في الخلق. قال ابن حبيب: لا تجزئ العضباء، وهي: مكسورة الداخل والخارج، وإن لم تَدْمَ؛ أجزأت (١). قال ابن شعبان أكره الأقصم، وهو كسر القرن الخارج، والأعضب كسر الداخل، وإذا عُضب من القرن نصفه [وجب اتقاؤه] (٢). وقيل: إن لم يَدْمَ؛ أجزأ (٣). قال الجوهري: العضباء المكسورة داخل القرن، ويقال: التي انكسر أحد قرنيها. قال اللخمي: أجاز في المدونة مكسورة القرن إذا لم يَدْمَ، ولم يراع قدر ما ذهب منه، وأرى أن لا يجزئ إذا ذهب ما يكثر له شينها، وليست كالجماء، لأنه لا يشينها ذلك (٤). وفي «الموازية»: إذا يبس الضرع؛ لا خير فيها، أو بعضُه؛ أجزأت (٥).

стр. 1957

قال مالك: إذا طال الذنب فقطع منه قدر قبضة أرى أن تُجتنب (١) قال ابن المواز: القطع الكثير مكروه، واليسير جائز، والثلث كثير عندي (٢) قال ابن حبيب: إن جهل فضحى بذات عيب؛ لا يبيع لحمها وإن أبدلها؛ لأنه ذبحها قربةً (٣) ص: (الاختيار أن يتقى العيب كله، والسليم أفضل من المعيب) قياسا على العتق. قال عروة بن الزبير: يا بَنِيَّ، لا يضحينَ أحدكم بشيء يستحيي أن يهديه لكريمه، فإنَّ الله تعالى أكرم الكرماء. (ومن اشترى أُضحية سليمة ثم حدث بها عيب لا تجزئ معه؛ فعليه بدلها) ت: لأنها إنما تتعين بالذبح، بخلاف الهدي يحدث به عيب بعد التقليد؛ لأنه وجب بالنية والفعل. قال القاضي إسماعيل: لو قال بلسانه أوجبتها، امتنع إبدالها. يريد ولا يضره عيب دخلها؛ لأنه أوجبها بالنية والقول. قال عبد الحق: رأيتُ هذا لغير واحد من البغداديين، وأن أحدا لو تعدى فذبحها عن صاحبها، أجزأت.

стр. 1958

فإن وجد بها عيبًا قديمًا بعد الذبح ورجع بقيمته: فقال أصبغ: إن لم تجزئ [به، وكانت] (١) أيامُ الذبحِ باقيةً، أعاد الأضحية، أو خرجت صنع به ما شاء. قال [أبو إسحاق] (٢): وإن كانت تجزئ معه تصدق بما أخذ؛ لأنَّ القربة تمت. قال ابن القاسم: بخلاف ما يرجع به في عيب عبد [أعتقه، فهذا] (٣) يصنع به ما شاء، وإن كان لا يجزئ مثله (٤). قال ابن يونس: يريد: إذا كان تطوعاً (٥)؛ لأنَّ المعيب يتطوع به في العتق دون الأضحية. ص: (إن انكسرت أضحيته فجبرها، فصحت؛ أجزأه ذبحها). لأنَّ المعتبر حالة الذبح، بخلاف الهدي. (وإذا اشترى جماعة أضاحي فاختلطت؛ جاز أن يصطلحوا فيقتسمونها). ت: إن اختلطت قبل الذبح جازت القسمة. قال سحنون: إذا استوت في السَّمَن، وإلا كُره؛ لأخذ الدنية، إلا أنها

стр. 1959

تجزئ، ولا يأخذ للفضل (١). أو بعد الذبح: قال يحيى بن عمر: يتصدقان بأضحيتهما، ولا يأكلان شيئاً (٢)؛ لأنَّ كلَّ واحد قد يأخذ شاة صاحبه، فيصير بيعاً. قال ابن المواز: وإذا اختلطت الرؤوس عند الشواء؛ أكره أخذ متاع غيرك، ولعله لم يأخذ متاعك، ولو اختلطت برؤوس الشواء لكان خفيفًا؛ لأنه ضامن، كما تضمن لحوم الأضاحي بالتعدي، والزرعُ الذي لم يبد صلاحه، [وكلب] (٣) الغنم (٤). فإن ذبح كلُّ واحدٍ منهما أُضحية صاحبه خطاً: قال ابن القاسم: لا يجزئهما، ويضمن كلُّ واحد منهما لصاحبه القيمة (٥). وقال أشهب: يجزئهما، كما لو اشترى كبشا فضحى به، ثم استحقه صاحبه (٦). وجه عدم الإجزاء: أنَّ الذابح لم ينوها عن مالكها، فلم تحصل فيها نيَّة التقرب بالنسبة إلى مالكها، بخلاف الهدايا؛ لتعينها بالتقليد والإشعار، فاستغنت

стр. 1960

عن النية بعد ذلك من صاحبها. فإن كان قد أوجبها على نفسه فالمشهور إجزاؤها؛ لأنه [تعيين] (١)، كالهدي. وقيل: لا تجزئ، على القول بأنها لا تتعين بالقول. وإذا قلنا: لا تجزئ: قال ابن القاسم في «العتبيَّة»: إن أخذ قيمتها، لم تُجزئ ذابحها، ولا يبيع لحمها؛ لأنه قصد بها النسك، كما لو وجدَها مَعِيبةً بعد الذبح عيبا لا تجزئ معه، وإن أخذها ربُّها وترك التضمين فله بيع لحمها؛ لأنه ليس بقربة. قال اللخمي: لا يبيعه؛ للخلاف في إجزائها. قال ابن القاسم: ولا تجزئ الذابح، ضَمِنَ القيمة أم لا؛ لأنه لم تحصل في ضمانه إلا بالذبح، فصار مضحيا بلحم. وقال أشهب: تجزئه؛ كمن ضحى، ثم استُحِقَّت أُضحيته، بجامع أنَّ كليهما أقدم يعتقد الملك. قال مالك: إن ذبَحَ كلُّ واحدٍ منهما هدي صاحبه؛ أجزأهما. وعنه: لا يجزئهما إن كان الهدي شاتين، ويضمن كلاهما ما أتلفه. قال الأبهري: والأول أحبُّ إلينا؛ لوجوب الهدي بالتقليد والإشعار بل بالذبح. وأما إن كان الهدي شاتين فلا يجزئ؛ لأنَّ الشاة لا توجب بالتقليد

стр. 1961

والإشعار بل بالذبح. فإن أوجبها بالقول؛ فكالبدنة إذا قُلّدت وأُشعرت. وعلل ابن عبد الحكم الشاتين [على أنه] (١) خلاف من مالك، وهو ليس خلافًا؛ لما تقدم. ص: (إذا ذبح رجل أضحية رجل بغير إذنه؛ ضمن قيمتها، ووجب على ربها بدلها). ت: إن كان أجنبيا فهو ضامن، والمعصية لا تكون قُربة، وهي لا تجب إلا بالذبح، لا بالشراء على الصحيح، فهي مفتقرة إلى نية ربها، ولم توجد، ولأنها قُربةٌ بدنية، والأصل امتناع النيابة فيها، أما إذا وكله فقد نزله منزلته في النية والتضحية. ولربها تضمينه؛ لأنه متلف، وله أخذها وما نقصها الذبح؛ لأنها ملكه، فلا تخرج عنه بغير رضاه، وعن مالك في إجزائها عن ربها روايتان؛ بناءً على تعينها بالشراء أم لا. فإن أوجبها على نفسه بنذر أو قول؛ أجزأته على المشهور، كالهدي المقلّد، والقول الآخر: بناءً على أنها لا تتعين إلا بالذبح. قال الطرطوشي: هذا الخلاف إذا لم يُضمّنه، أما إذا أضمنه لم تجزئ واحدًا منهما ويصنع الذابح بها ما أراد.

стр. 1962

فإن ذبحها ولده أو صديقه أو من في عياله؛ أجزأت عند ابن القاسم؛ لما في البخاري: قالت عائشة ﵂: لما كنتُ بمنّى أُتِيتُ بلحم بقر، فقلتُ: ما هذا؟ فقالوا: ضحى رسول الله ﷺ عن نسائه البقر (١)، فضحى عنهن ولم يأذن، ولأنه إذن في العادة. وقال أشهب: لا يجزئه؛ لأنَّ الإذن العام إنما يتناول المتكرر من الأفعال غالبًا [والإذن] (٢) لا يخطر بالبال [حتى يعين .. ] (٣)، لأنَّ [ .. ] (٤) لا يتناول وكالته الهبة والصدقة حتى ينوي [ .. ] (٥). فإن أمر من يذبحها فنوى عن نفسه؛ أجزأت صاحبها. وقد اشترى ابن عمر شاةً من راع، فأنزلها من الجبل، وأمره بذبحها، فذبحها وقال: اللهم تقبلها مني، فقال ابن عمر: ربُّك أعلم بمن أنزلها من الجبل. ولأنَّ نيَّةَ القُربة لربها، والذابح إنما ينوي الذبح، وقد حصلت نيَّةُ القُربة. وقال أصبغ: لا تجزئه. ص: (لو غصبها وذبحها عن نفسه لم تجزئه، وغرِمَ قيمتها لربها). ت: قال مالك: لا تجزئ واحدا منهما؛ لعدم ملك الذابح، وعدم نية المالك.

стр. 1963

وقال أصبغ: تجزئ الذابح، وعليه قيمتها صحيحةً؛ لأن القيمة تقررها على ملكه. ص: (ينبغي للمرء أن يباشر ذبح أضحيته، ولا يأمر بذلك غيره، فإن ذَبَحَ له غيره بأمره أجزأه، والاختيار ما ذكرناه). ت في مسلم: «أَنَّ رسول الله ﷺ ضحى بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبَّر» (١)، ولأنَّ مباشرةَ القُرَب أفضل، وقد استناب رسول الله ﷺ في نحر الهدايا، ولأنه مال، والاستنابة في الأموال جائزة، كتفريق الزكاة، وإخراج الكفَّارة. ص: (لا يجوز أن يذبح له يهودي ولا نصراني). ت: لأنَّ الكافر ليس من أهل القُرب، فلا تجزئ، كاستنابة في الحج. قال داود بن الحصين: كان الناس يتخيرون لذبائحهم صالح مَنْ يجدون. قال اللخمي: يُستحَبُّ الإعادة في تارك الصلاة، للخلاف هل هي ذكية أم لا (٢). وقال أشهب: تجزئ (٣) في ذكاة اليهود والنصراني؛ لأنه من أهل الذبح كالمسلم.

стр. 1964

ص: (ويأكل المرء من أضحيته، ويُطعم منها، ولا بأس أن يُطعم غنيًّا أو فقيرا، حرا أو عبداً، نيئاً أو مطبوخاً، ويُكره أن يُطعم منها يهوديًا أو نصرانيا، وليس لما يطعمه أو يأكله حَدٌ، والاختيار أن يأكل الأقل ويقسم الأكثر، ولو قيل: يأكل الثلث ويقسم الثلثين؛ لكان حسنًا). ت: أصل الأكل والإطعام الكتاب، والسنَّةُ، والإجماع. فالكتاب: قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٧]. وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]. فالبائس: الشديد الفقر، قاله العبدي. والقانع: من لا يتعرض لسؤال والمعتر: الزائر المعترض لما ينال من غير سؤال. وقيل: القانع: الذي يسأل. قال ابن حبيب: ليس عليه أن يُطعم هؤلاء (١). قال ابن شعبان: تخصيص المساكين أحسن، وإطعام الغني جائز (٢). وقال رسول الله ﷺ : «كنتُ نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فكلوا وادَّخِروا وتصدقوا»، خرَّجه مسلم (٣).

стр. 1965

واتفقت الأمة على جواز الأكل والإطعام. قال مالك: ينبغي الأكل والتصدق، ولا يقتصر على أحدهما، كما قال الله تعالى. قال ابن المواز: التصدق بها أعظم لأجره. وكره أن يُطعم جاره النصراني، وظئره النصرانية، وقد كان يجيزه. وكان ابن وهب يُخففه، ويحمل قوله ﵇: «لا تطعموا المشركين» على المجوس دون أهل الكتاب. والجمهور على المنع عمومًا. ويُكره التصدق بالجميع؛ لأنَّ رسول الله ﷺ نحر مئة من الإبل، وأمر من كل واحدة بقطعة فطبخت؛ ليكون قد أكل من جميعها، وهو يدل على أكل الأقل والتصدُّق بالأكثر. ص: (لا يجوز بيع الأضحية بعد ذبحها، ولا يجوز بيع شيء منها، ولا يجوز أن يعطي ذابحها من لحمها أو جلدها أجرته). ت: لقول علي بن أبي طالب ﵁: أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه، وأن أتصدق بلحومها وجلودها و [جلالها] (١)، ولا يُعطي في جزارتها شيئًا من لحمها، وقال: «نحن نعطيه من عندنا»، خرجه مسلم (٢).
следующие страницы →