والإشعار بل بالذبح.
فإن أوجبها بالقول؛ فكالبدنة إذا قُلّدت وأُشعرت.
وعلل ابن عبد الحكم الشاتين [على أنه] (١) خلاف من مالك، وهو ليس خلافًا؛ لما تقدم.
ص: (إذا ذبح رجل أضحية رجل بغير إذنه؛ ضمن قيمتها، ووجب على ربها بدلها).
ت: إن كان أجنبيا فهو ضامن، والمعصية لا تكون قُربة، وهي لا تجب إلا بالذبح، لا بالشراء على الصحيح، فهي مفتقرة إلى نية ربها، ولم توجد، ولأنها قُربةٌ بدنية، والأصل امتناع النيابة فيها، أما إذا وكله فقد نزله منزلته في النية والتضحية.
ولربها تضمينه؛ لأنه متلف، وله أخذها وما نقصها الذبح؛ لأنها ملكه، فلا تخرج عنه بغير رضاه، وعن مالك في إجزائها عن ربها روايتان؛ بناءً على تعينها بالشراء أم لا.
فإن أوجبها على نفسه بنذر أو قول؛ أجزأته على المشهور، كالهدي المقلّد، والقول الآخر: بناءً على أنها لا تتعين إلا بالذبح.
قال الطرطوشي: هذا الخلاف إذا لم يُضمّنه، أما إذا أضمنه لم تجزئ واحدًا منهما ويصنع الذابح بها ما أراد.
стр. 1962
فإن ذبحها ولده أو صديقه أو من في عياله؛ أجزأت عند ابن القاسم؛ لما في البخاري: قالت عائشة ﵂: لما كنتُ بمنّى أُتِيتُ بلحم بقر، فقلتُ: ما هذا؟ فقالوا: ضحى رسول الله ﷺ عن نسائه البقر (١)، فضحى عنهن ولم يأذن، ولأنه إذن في العادة.
وقال أشهب: لا يجزئه؛ لأنَّ الإذن العام إنما يتناول المتكرر من الأفعال غالبًا [والإذن] (٢) لا يخطر بالبال [حتى يعين .. ] (٣)، لأنَّ [ .. ] (٤) لا يتناول وكالته الهبة والصدقة حتى ينوي [ .. ] (٥).
فإن أمر من يذبحها فنوى عن نفسه؛ أجزأت صاحبها.
وقد اشترى ابن عمر شاةً من راع، فأنزلها من الجبل، وأمره بذبحها، فذبحها وقال: اللهم تقبلها مني، فقال ابن عمر: ربُّك أعلم بمن أنزلها من الجبل.
ولأنَّ نيَّةَ القُربة لربها، والذابح إنما ينوي الذبح، وقد حصلت نيَّةُ القُربة.
وقال أصبغ: لا تجزئه.
ص: (لو غصبها وذبحها عن نفسه لم تجزئه، وغرِمَ قيمتها لربها).
ت: قال مالك: لا تجزئ واحدا منهما؛ لعدم ملك الذابح، وعدم نية المالك.
стр. 1963
وقال أصبغ: تجزئ الذابح، وعليه قيمتها صحيحةً؛ لأن القيمة تقررها على ملكه.
ص: (ينبغي للمرء أن يباشر ذبح أضحيته، ولا يأمر بذلك غيره، فإن ذَبَحَ له غيره بأمره أجزأه، والاختيار ما ذكرناه).
ت في مسلم: «أَنَّ رسول الله ﷺ ضحى بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبَّر» (١)، ولأنَّ مباشرةَ القُرَب أفضل، وقد استناب رسول الله ﷺ في نحر الهدايا، ولأنه مال، والاستنابة في الأموال جائزة، كتفريق الزكاة، وإخراج الكفَّارة.
ص: (لا يجوز أن يذبح له يهودي ولا نصراني).
ت: لأنَّ الكافر ليس من أهل القُرب، فلا تجزئ، كاستنابة في الحج.
قال داود بن الحصين: كان الناس يتخيرون لذبائحهم صالح مَنْ يجدون.
قال اللخمي: يُستحَبُّ الإعادة في تارك الصلاة، للخلاف هل هي ذكية أم لا (٢).
وقال أشهب: تجزئ (٣) في ذكاة اليهود والنصراني؛ لأنه من أهل الذبح كالمسلم.
стр. 1964
ص: (ويأكل المرء من أضحيته، ويُطعم منها، ولا بأس أن يُطعم غنيًّا أو فقيرا، حرا أو عبداً، نيئاً أو مطبوخاً، ويُكره أن يُطعم منها يهوديًا أو نصرانيا، وليس لما يطعمه أو يأكله حَدٌ، والاختيار أن يأكل الأقل ويقسم الأكثر، ولو قيل: يأكل الثلث ويقسم الثلثين؛ لكان حسنًا).
ت: أصل الأكل والإطعام الكتاب، والسنَّةُ، والإجماع.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٧].
وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦].
فالبائس: الشديد الفقر، قاله العبدي.
والقانع: من لا يتعرض لسؤال
والمعتر: الزائر المعترض لما ينال من غير سؤال.
وقيل: القانع: الذي يسأل.
قال ابن حبيب: ليس عليه أن يُطعم هؤلاء (١).
قال ابن شعبان: تخصيص المساكين أحسن، وإطعام الغني جائز (٢).
وقال رسول الله ﷺ : «كنتُ نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فكلوا وادَّخِروا وتصدقوا»، خرَّجه مسلم (٣).
стр. 1965
واتفقت الأمة على جواز الأكل والإطعام.
قال مالك: ينبغي الأكل والتصدق، ولا يقتصر على أحدهما، كما قال الله تعالى.
قال ابن المواز: التصدق بها أعظم لأجره.
وكره أن يُطعم جاره النصراني، وظئره النصرانية، وقد كان يجيزه.
وكان ابن وهب يُخففه، ويحمل قوله ﵇: «لا تطعموا المشركين» على المجوس دون أهل الكتاب.
والجمهور على المنع عمومًا.
ويُكره التصدق بالجميع؛ لأنَّ رسول الله ﷺ نحر مئة من الإبل، وأمر من كل واحدة بقطعة فطبخت؛ ليكون قد أكل من جميعها، وهو يدل على أكل الأقل والتصدُّق بالأكثر.
ص: (لا يجوز بيع الأضحية بعد ذبحها، ولا يجوز بيع شيء منها، ولا يجوز أن يعطي ذابحها من لحمها أو جلدها أجرته).
ت: لقول علي بن أبي طالب ﵁: أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه، وأن أتصدق بلحومها وجلودها و [جلالها] (١)، ولا يُعطي في جزارتها شيئًا من لحمها، وقال: «نحن نعطيه من عندنا»، خرجه مسلم (٢).
стр. 1966
قال ابن المواز: ولا يتصدق بجلدها أو لحمها على من (١) يعلم أنه يبيعه، ومن تصدق به عليه فلا يبيعه ولا يبدله بمثله، وكذلك لو وهبته لخادمك، قاله مالك.
وقال [أصبغ] (٢): يجوز له البيع (٣).
كما تُصدّق على بريرة بشاة، فأعطت منها النبي ﷺ ، وقال: «هو لها صدقة ولنا منها هدية» (٤).
ولو بقيت على حكم الصدقة لحرمت على رسول الله ﷺ ؛ لأنه لا يأكل الصدقة، وقياسًا على الزكاة.
وجه الأول: القياس على ما إذا انتقل إليه بالميرا.
قال مالك: ويُنقض البيع (٥).
فإن فات:
قال ابن القاسم في «العتبيَّة»: يتصدق بالثمن، ولو استنفقوه لم يؤخذ منهم (٦).
وقال ابن عبد الحكم: يصنع به ما شاء (٧).
فإن سرقت رؤوس الضحايا من الفرن:
стр. 1967
استحبَّ ابن القاسم أن لا يغرمه شيئًا؛ لأنه كالبيع.
قال ابن حبيب: يأخذ القيمة يصنع بها ما شاء؛ لأنَّ من حلف لا يبيع ثوبًا، فغصبه غاصب؛ لا يحنث بأخذ قيمته.
ص: (لا بأس بادخار لحوم الأضاحي ما شاء الإنسان وما بدا له).
لما في مسلم: قال ﵇: «كنتُ نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فكلوا وتصدقوا وادَّخِروا» (١).
(ويسمي المرء على أُضحيته، فإن نسي التسمية فلا شيء عليه، وإن تعمد تركها لم تؤكل).
ت: أصله قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُمْ مِنْ شَعَيْرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦]، فأمر تعالى بالتسمية قبل النحر والوجوب السقوط، وسنة نحر الإبل وهي قيام.
وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، فأباح مع وجودها، ومنع مع عدمها.
وقال رسول الله ﷺ لعَدِي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله؛ فكُلْ» (٢).
стр. 1968
ولأنه ﵇ ذَبْحٌ وسمى عند الذبح (١).
والسهو لا [يَضُر] (٢)؛ لأن ترك السنن سهوا لا يُبطل.
وقول مالك وابن القاسم: لا تؤكل في العمد (٣).
قال ابن يونس: منهم من حمله على التحريم تغليظاً؛ لئلا يُستخفَّ بالسنن، ومنهم من حمله على الكراهة؛ لقوله ﵇: «الذكاة في الحلق واللبة» (٤)، ولم يذكر التسمية (٥).
ص: (لا يجوز لأحد أن يذبح قبل الإمام متعمداً، فمن فعل أعاد، سواء [ذبح] (٦) قبل الصلاة أو بعدها).
ت: لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١].
قال الحسن البصري: نزلت في قوم ذبحوا قبل النبي ﷺ .
وفي مسلم: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ أول ما نبدأ به في يومنا هذا: أن نصلي ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو
стр. 1969
لحمٌ قَدَّمَهُ لأهله، ليس من النُّسُك في شيء» (١).
وكان أبو بردة قد ذبح قبل الإمام، فأمره ﵇ بالإعادة (٢).
وقياساً على ما إذا ذبح قبل الصلاة مع أبي حنيفة، أو قبل وقت الصلاة مع الشافعي.
قال ابن المواز: لا يُراعى في اليوم الثاني والثالث ذبح الإمام ولا غيره، بل إذا ارتفعت الشمس، وإن فعل بعد الفجر أجزأه في هذين اليومين (٣).
ص: (ينبغي للإمام أن يُحضِرَ أُضحيته للمصلَّى، فيذبحها؛ ليعلم الناس بذبحه، فيذبحوا بعده، فإن لم يفعل فليتوخ الناس قدر انصرافه وذبحه، ثم يذبحوا بعده، فإن توخوا ذلك فذبحوا، ثم تبين لهم أنهم ذبحوا قبله؛ لم تجب عليهم إعادة، [وكذلك] (٤) مَنْ ذَبَحَ في قرية ليس لها إمام متحريا ذبح من يليه من الأئمة، فصادف ذبحه قبله؛ أجزأه).
ت في البخاري: «أَنَّ رسول الله ﷺ كان ينحر ويذبح بالمصلى» (٥)، وجرى العمل على ذلك في الأمصار، ولأنه يكون الناس بذلك على يقين بذبحهم بعده، ولأنَّ الأضحية سنة عامة.
стр. 1970
قال الباجي: فالأفضل إظهارها؛ إحياء للسُّنَن (١).
قال ابن حبيب: يُستحَبُّ إظهارها؛ ليعلم الجاهل سنتها وما يلزمه منها.
فإن لم يفعل ففرضهم [الاجتهاد] (٢)، فإن تبيَّن الخطأ أجزأت، كالقبلة مع الغيم.
فإن ذبح في وقت لو ذبح الإمام في المصلى كان ذابحاً قبله؛ لم يجزئه، فإن توانى الإمام بعد وصوله إلى داره أجزأ؛ لأنَّ الإمام متعد بالتأخير.
ومن لا إمام له عليه الاقتداء بأقرب الأئمة إليه.
قال بعض الشيوخ: لا يلزمهم التأخير إلى الزوال ليحصل اليقين، كما يصلي المصلي إلى الجهات الأربع، بل يكتفي بالاجتهاد.
ص: (الأيام المعلومات: أيام الذبح: يوم النحر، ويومان بعده، والأيام المعدودات: ثلاثة أيام بعد يوم النحر، فيوم النحر معلوم غير معدود، واليومان بعده معلومان معدودان، واليوم الرابع معدود غير معلوم).
ت: قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
وقال تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٧].
فالمعدودات: أيام منى أيامُ الرمي، ولذلك سُمِّيت معدودات، ولم يُسَمَّ يوم النحر معدودًا؛ لأنَّ النفر لا يجوز في غده، والرابع معدود؛ للرمي فيه، وغير
стр. 1971
معلوم؛ لامتناع النحر فيه، واليومان معدودان معلومان؛ لجواز النحر والرمي فيهما.
ولا يقال: ينبغي أن يسمى الأول معدوداً؛ لرمي جمرة العقبة فيه، فقد شارك ما بعده؛ لأنا نقول: لا يرمي فيه إلا جمرة العقبة دون بقية الجمار، فكان النحر أخص به.
* * *
стр. 1972
كتاب العقيقة
(العقيقة مستحبَّةٌ غير مستحقة، وهي شاة عن الذكر والأنثى، ولا يُجمع اثنان في شاة واحدة).
ت: في أبي داود: قال رسول الله ﷺ : «كل غلام رهين بعقيقته، تُذبح عنه يوم سابعه، ويُحلق رأسه، ويسمى» (١).
وعق رسول الله ﷺ عن الحسن كبشا، وعن الحسين كبشا (٢).
ويدلُّ [على] (٣) عدم الوجوب قوله ﵇: «مَنْ وُلِد له مولود وأحَبَّ أن ينسك عنه فليفعل» (٤).
وكانت في الجاهلية، وأقرها الإسلام.
وقال أبو حنيفة والشافعي عن الذكر شاتان، وعن الأنثى شاة.
لنا: في التسوية القياس على الأضحية، فإن ذبح شاة عن اثنين لم تجزئ، كالأضحية.
стр. 1973
ص: (وهي من الإبل والغنم والبقر، وسِنُّها سِنُّ الضحايا، ولا يجوز فيها من العيوب ما لا يجوز في الضحايا، ووقتها يوم السابع من ولادة المولود إذا وُلد قبل الفجر، وإن وُلد بعده ألغى ذلك اليوم، وحَسَبَ سبعةً بعده، وتُذبح العقيقة في صدر النهار، ولا يُعَقُّ بليل).
ت: قال مالك: يجوز فيها الإبل والبقر والغنم، كالأُضحية (١).
وقال ابن المواز: لا يُعَقُّ بالإبل والبقر؛ لأنَّ الحديث إنما فيه الشاة، إنما ذُكرت تخفيفا عن الأمة (٢).
وعق رسول الله ﷺ عن الحسن والحسين يوم سابعهما.
ويلغى اليوم إذا وُلد بعد الفجر؛ لأنَّ الليل تابع للنهار، بدليل هلال رمضان.
وقيل: يُحسب ذلك اليوم؛ لأنَّ به تكمل سبعة، واشتراط الكمال لا دليل له فيه.
وذبحها في صدر النهار [دون الليل] (٣)؛ اعتبارا بالضحايا.
فإن كان السابع يوم الأضحى، وليس عنده إلا شاةٌ واحدة:
قال مالك: يَعُقُ بها (٤).
قال العتبي: إلا أن يكون السابع آخر أيام الأضحى، فتكون الأضحية أولى؛
стр. 1974
لأنها أوجب (١).
قال مالك: يَعُقُّ العبد عن ولده الحر، ويضحي عنه إن أذِنَ السيد، وإلا فلا (٢)، ويُعَقُّ عن اليتيم (٣)، ولا يُعَقُّ عمَّن مات قبل السابع (٤).
ص: (لا بأس بالأكل منها والإطعام بغير حد، ولا بأس بكسر عظامها).
ت: قال عبد الوهاب: يتصدَّق منها؛ لأنه الأصل في [القربة] (٥)، والأكل تبع، كالأضحية (٦).
قيل لمالك: أيُعمل منها الطعام الطيِّبُ ويُدعى إليه؟
قال: ما رأيتهم يفعلون ذلك، إنما كانوا يأكلون ويطعمون ويبعثون إلى الجيران (٧).
وقاله ابن القاسم.
ونقل ابن بشير الجواز؛ لأنه طعام سرور، كالولائم.
وكانت الجاهلية تقطعها من المفاصل، ولا تكسر لها عظما؛ تفاؤلا لئلا
стр. 1975
تنكسر عظامُ المولود ويَضعُف، وليس الكسر مسنونا ولا مستحبا، بل تكذيبا للجاهلية، كالضحايا.
وسئل مالك عن ادخارها؟
قال: شأن الناس يأكلونها، وما بذلك بأس (١).
ص: (لا يُلطَّخُ المولود بشيء من دمها).
ت: قال رسول الله ﷺ : «يُعَقُّ [عن] (٢) المولود، ولا يُمَسُّ رأسه بدم» (٣).
وأمر رسول الله ﷺ أن يُحلق رأس حسن وحسين يوم سابعهما، ثم يتصدق بوزن شعرهما فضة (٤)، وأن تُخلق رؤوسهما بعد الحلاق بخلوقٍ بدلا من الدم الذي كانت تفعله الجاهلية (٥).
وفي أبي داود عن بريدة: كنا نفعل ذلك في الجاهلية، فلما جاء الإسلام صرنا نحلق رأسه ونلطخه بزعفران بدلا من الدم (٦).
стр. 1976
وفي النسائي: قال رسول الله ﷺ : «في الغلام عقيقة فأهريقوا عنه، وأميطوا عنه الأذى» (١)، وإذا أمر بإماطة الأذى [فلا يُطرح] (٢) عليه النجاسة، [قياسا] (٣) على المضحى عنه.
ص: (لا يُعَقُّ عن كبير).
لفوات الوقت.
(ومن فاتته العقيقة يوم سابعه فلا عقيقة عليه بعد ذلك، وقد قيل: يُعَقُّ عنه في السابع الثاني).
ت: وجه قول ابن القاسم: قوله ﵇: «كلُّ غلام مرتهن بعقيقته، يُذبح عنه يوم سابعه» (٤).
وعن مالك: يعق عنه في الثاني، فإن لم يفعل ففي الثالث، ولا يفعل بعد ذلك (٥)؛ لأنه مروي عن عائشة ﵂، ولأنه نُسُك فكان له ثلاث، كالضحايا.
ص: (ليس على الناس التصدق بوزن شعر المولود ذهبًا أو وَرِقًا، فمَن فعل ذلك فلا بأس به).
стр. 1977
ت في الترمذي: عقَّ رسولُ اللهِ ﷺ عن الحسن والحسين، وقال: «يا فاطمة، احلقي رأسه وتصدقي بوزن شعره فضَّةً».
قال عليٌّ ﵁: فوزناه فكان درهما أو بعض درهم (١).
قال مالك: إنما هي صدقة كسائر الصدقات، والصبيُّ والصَّبية سواء في حلق الرأس يوم السابع.
ص: (لا يباع شيءٌ من لحم العقيقة، ولا إهابها، ولا بأس بالانتفاع بجلدها، وهي في ذلك مثل الأضحية). قياساً عليها.
(ويُسمَّى المولود، ويُعَقُّ عنه يوم سابعه).
للحديث السابق.
ت: قال ابن حبيب: لا بأس أن يُتخيَّر له اسم في تلك الأيام، ولا يوقعه عليه إلا في السابع، وسمَّى رسول الله ﷺ الحسن والحسين وزينب وأمَّ كلثوم يوم السابع (٢).
قال اللخمي: هذا إذا كان يَعُقُّ عنه، وإلا فلا بأس أن يُسمَّى يوم الولادة، وقد أُتِيَ رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي طلحة يومَ وُلِد فحنَّكه بتمرة، وسماه عبد الله (٣)(٤).
стр. 1978
قال ابن يونس: لا يسمى من مات قبل السابع (١).
قال ابن حبيب: [أحب] (٢) إلي أن يسمى (٣).
* * *
стр. 1979
كتاب أمهات الأولاد
(لا يجوز بيع أمهات الأولاد في الحياة ولا بعد الوفاة، ولا يجوز رهنهن ولا إجارتهن، ومن باع أم ولده فُسخ بيعُه، ورُدَّ الثمن على المبتاع، ولو أعتقها مبتاعها رُدَّ عتقه، وإن ماتت عند مبتاعها لم يضمن ثمنها ولا قيمتها).
ت في الدارقطني: قال رسول الله ﷺ في أمهات الأولاد: «لا يبعن، ولا يوهبن، ولا يورثن، يستمتع منها سيدها ما دام حيًّا، فإذا مات فهي حرة» (١).
قال سحنون أجمع الصحابة بالمدينة على منع البيع، وقضى به عمر وعثمان ﵄.
فينقض كتابتها وتدبيرها عند المبتاع، وإن لم يُعلم موضع المبتاع فعلى البائع طلبه لِيَرُدَّ الثمن، ماتت أم الولد أو بقيت، وكذلك إن مات البائع يتبع بالثمن، مليا أو معدوماً.
قال اللخمي: إذا رَدَّ بيعها تُحفّظ من سيدها؛ لئلا يبيعها، ويُمنع من السفر بها، وإن لم يمكن التحفظ منه عَتَقتْ عليه، كقول مالك: إذا باع امرأته لا يكون بيعها طلاقًا، وقيل: تطلق عليه إذا خيف عودته لذلك (٢).
قال مطرف: إن أولدها المبتاع لم يُفتها ذلك، ولحقه الولد بغير قيمة عليه؛ لأنَّ البائع [أباحه] (٣) فرجها (٤).
стр. 1980
فإن زوجَّها المبتاع، فولدت:
قال عبد الملك: تُرَدُّ مع ولدها للبائع، [ولولدها] (١) حكم أم الولد.
قال أصبغ: أولدها المشتري أو زوجَّها لا شيء للبائع من الولد ولا قيمته؛ لأنه أباحها.
* ص: (مَنْ آجَرَ أُمَّ ولده فُسِخَتْ إجارته، فإن لم تُفسَخْ حتى انقضت لم يرجع المستأجر على سيدها بشيء).
ت: لأنَّ مانع بيعها مانع إجارتها؛ لأنه لم يبق له إلا الاستمتاع.
قال مالك: لا تؤاجر إلا برضاها (٢).
قال بعض أصحابنا: إذا جازت إجارتها برضاها جازت كتابتها بطريق الأولى؛ لتعجيل العتق.
* ص: (إذا أقرَّ الرجل بوطء أَمَتِهِ صارت فراشاً له، ولحق به ولدها إذا قامت لها بيَّنةٌ على ولادتها).
ت: لقول عمر ﵁: ما بال رجال يطؤون ولائدهنَّ، ثم يدعوهنَّ يخرجن؟! لا تأتيني وليدة يعترف سيدها بوطئها إلا ألحقت به ولدها (٣).
وإذا لم يعترف بالولد فأربعة أحوال:
стр. 1981
إما أن يعترف [بالولادة] (١) ويدَّعِي الاستبراء، أو ينكره، أو ينكر الولادة [ .. ] (٢) ويدعي الاستبراء، أو [ينكرهما.
فإن اعترف بالولادة] (٣) وادعى الاستبراء جاز نفيه، وصدق في الاستبراء بغير يمين، قاله ابن المواز.
وقيل: [اليمين تلزمه] (٤)، فإن نكل لحق به [ولده] (٥)، ولا يرد الثمن.
وإن اعترف بالولادة ولم يدع استبراء، وأتت به لأقل من ستة أشهر من يوم الإصابة؛ انتفى بغير يمين، وإن اختلفا في وقت الإصابة؛ حلف السيد وبَرِئ.
وإن أنكر الولادة وادعى الاستبراء، ولا ولد معها؛ صُدِّق مع يمينه إن ادَّعت عليه العلم، وإن كان غائبا في الوقت الذي تدعي فيه الولادة؛ لم يحلف.
فإن شهدت امرأتان بالولادة كانت أم ولد عند ابن القاسم.
[ومنعه] (٦) سحنون إذا لم يكن معها ولد.
وإن كان معها ولد:
قال مالك في «المدونة»: يُقبل قولها؛ قياساً على الحرائر.
وقال أيضا: إن شهد رجلان بإقراره بالوطء وامرأتان بالولادة؛ كانت أم ولد.
стр. 1982
وقال ابن المواز: تصدق إذا صدقها جيرانها أو أحدٌ حَضَرَها، وليس يَحضُرُ لمثل هذا الثقات.
وإن أنكر الولادة ولم يدع الاستبراء؛ لحقه عند مالك.
فإن ادعى الاستبراء فلا يلزمه إذا أتت به بعد الاستبراء لأكثر من ستة أشهر، وإن أتت به بعد الاستبراء لأقل من ستة أشهر لحق به.
قال مالك: يُقبل قوله في الاستبراء بغير يمين، كدعواها العتق.
وقال عبد الملك: لا بُدَّ من اليمين؛ لأنَّ الحرائر فيهنَّ اللعان، واليمين عوضه (١).
* ص: (كلُّ ما وضعته من علَقَةٍ أو مضغة أو ما فوق ذلك؛ فهي به أم ولد).
لما في الدارقطني: قال رسول الله ﷺ : «أم الولد حرة وإن كان سقطا» (٢).
(وللسيد أن يستمتع بأم ولده حياته، فإذا مات عتقت من رأس ماله، وإن كان عليه دين لم تبع في دينه).
ت لقول رسول الله ﷺ في أمهات الأولاد: «لا يوهبن، ولا يورثن، يَستمتع منها سيدها ما دام حيًّا، فإذا مات فهي حرة» (٣).
وتعتق من رأس المال؛ لأنه لم يبق فيها إلا الوطء.
стр. 1983
وهي لا تورث ولا تباع في الدين؛ لأنها حرَّةٌ بقي فيها الاستمتاع.
ص: (مَنْ كان عليه دينٌ يحيط بماله، فوطئ أمَةً له، فحملت؛ صارت أم ولد له، ولم تُبع في دينه).
ت: هذا إذا وطئ قبل أن يُحجَر عليه، فإن وطئ بعد الحجر بيعت في الدين بعد الوضع، والفرق بينها وبين العتق يُرَدُّ بالدين: أنَّ الوطء فعل أقوى من القول؛ لأنَّ المريض يُرَدُّ عِتقُه.
وإن وطئ أمَةً فحملت [صارت] (١) أم ولد.
ص: (إذا أُعتقت أم الولد بعد وفاة سيدها تبعها مالها).
لقوله ﵇: (مَنْ أعتق عبدًا وله مال فماله له، إلا أن يستثنيه سيده) (٢).
(ولا بأس أن يوصي الرجل لأم ولده).
لأنها لا ترثه.
(وللرجل أن ينزع مال أم ولده، ما لم يمرض مرضًا مخُوفًا).
لأنها ملكه، كالعبد القن، وفي المرض المخوف تعلق حقها بمالها، وهو حينئذ ينزع لورثته لا له.
(وليس للرجل أن يُجبر أم ولده على النكاح).
стр. 1984
ت: فيها ومن فيه عُلقَهُ رِقٌ أربعة أقوال:
الإجبار؛ لشائبة الرقّ.
وعدمه؛ لشبهة [العتق] (١).
والإجبار فيمن له انتزاع ماله، فتخرج المكاتبة، والمكاتب، وأم الولد في المرض المخُوف، والمعتق إلى أجل إذا قَرُبَ الأجل.
والإجبار في الذكور؛ لأنَّ بأيديهم [الطلاق] (٢)، إذا أُعتقوا، بخلاف الإناث.
ص: (يُكره له أن يزوجها برضاها).
لمنافاته لمكارم الأخلاق؛ لأنها كالزوجة.
(وولد أم الولد من زوجها بمنزلتها يعتقون بوفاة سيدها، فإن ماتت هي قبلهم وقبل وفاة سيدها وقفوا حتى يموت سيِّدُ أمّهم، ولسيد أمهم أن يؤاجرهم).
ت: كان ربيعة يقول: إنهم أحرار؛ لأن أم الولد إنما فيها الوطء، ولا وطء في ذريتها ولا خدمة، فلا فائدة في تأخيرهم.
لنا: أنها لو كانت رقيقاً كانوا أرقاء، فكذلك إذا كانت في حالة تبعوا ما فيها، والعتق إنما يتم بوفاة السيد، فيوقفون حتى يموت.
стр. 1985
ص: (إذا قُتلت أم الولد فقيمتها لسيدها، وإن جُرحت فأرش جراحها لسيدها).
لئلا يتجرأ على أمهات الأولاد.
(وإن جنت جنايةً فهي على سيدها، وهو مخير في افتدائها بقيمتها أو أرش جنايتها).
ت: قيمة يوم الحكم [ولو زادت قيمتها] (١).
وقال المغيرة: الأقل من جنايتها أو قيمتها يوم جنت.
وقال ابن عبد الحكم: لا شيء على سيدها، وذلك في ذمتها؛ لأنها بقيت كالزوجة.
قال مالك وأشهب: تقوم بغير مالها.
وقال المغيرة وعبد الملك: بمالها.
قال مالك: ولا يقوم ولدها معها، وإن ولدته بعد الجناية؛ لأنَّ ولَدَ الأمة لا يُسلّم معها لمزايلته لها يوم الحكم.
ص: (إن جني عليها جناية فلم يقبض السيد أرشها حتى مات؛ فأرش جنايتها لورثته، وقيل: يتبعها كمَالِها، وعِدَّةُ أم الولد من وفاة سيدها حيضةٌ، وإن كانت ممن لا تحيض فثلاثة أشهر، وإن كانت مرتابةً أو مستحاضة فتسعة أشهر، أو حاملا فوضع حملها)
стр. 1986
ت: رجع مالك إلى أنَّ [مالها] (١) دون الورثة، وأخذ به ابن القاسم.
وعِدَّةُ أمِّ الولد حيضة؛ لأنها عن وطء ملك، كالاستبراء، ومن لا تحيض فثلاثة أشهر، قال الله تعالى: ﴿وَالَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَائَثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤].
ولأنه أقلُّ ما يُعلَم به البراءة، ولو جُعِلت على النصف من ذلك لم يُعلم به البراءة، وما طريقه العلم تستوي فيه الحرة والأمة، كوضع الحمل.
والتسعة في المرتابة والمستحاضة أقصى مدة الحمل غالبا، والحامل وضع الحمل؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
ص: (عِدَّتُها من طلاق زوجها حيضتان).
لأنَّ عِدَّة الأمة نصفُ عِدَّة الحرة، وهي مملوكة.
(وعِدَّتُها من وفاته شهران وخمس ليال).
لأنه نصفُ عِدَّةِ الحرة في الوفاة.
(وحكمها في حياة سيدها حكم العبيد، لا ترث ولا تورث بالسبب والنسب، ولا تُقبل شهادتها، ولا يُحَدُّ قاذفها).
لأنها رقيق توطأ بملك اليمين.
* * *
стр. 1987
كتاب التدبير
(والتدبير: أن يقول الرجل لعبده أو أمته: أنتَ مدبَّر في حياتي، وحر بعد موتي، وأراد بذلك التدبير؛ كان مدبَّرًا، أو أراد الوصية كان وصية، وإن لم تكن له نية فهو وصية).
ت: لا يجوز الرجوع في التدبير؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وهذا عقد.
وفي الدارقطني: قال ﵇: «المدبر لا يباع ولا يوهب، وهو حر من الثلث» (١).
ولأنه عتق معلق بالموت، كأم الولد، لا يجوز الرجوع فيه.
ومنه: أنتَ حُرّ عن دُبُرٍ مني، أو: أنتَ مدبَّر، أو: إذا مِتُّ فأنتَ حرّ بالتدبير، ونحوه مما يُعلم أنه أراد به التدبير دون الوصية، فإنه يجوز الرجوع فيها.
وحيث صوّبناه صُدّق بغير يمين.
وإذا قال: أنتَ حُر بعد موتي، وأراد بيعه:
قال ابن القاسم: يُسأل ويُصدَّق، فإن أراد التدبير امتنع البيع، وهو على الوصية حتى يريد التدبير.
وقال أشهب: إن قاله من غير إحداث سفرٍ، ولا لما جاء من الحض على
стр. 1988
الوصية، وهو صحيح؛ فهو تدبير.
* ص: (لا يجوز بيع المدبر، ولا هبته).
لما تقدم أول الباب، وقضى عمر بإبطال بيعه، ولم ينكر عليه، فكان إجماعاً.
(ولا بأس بإجارته).
لأنه مالك لمنافعه، بخلاف أم الولد لا يملك فيها إلا الوطء.
(وولده من أمته بمنزلته، وولد المدبرة من زوجها بمنزلتها).
ت: إنما يكون ولده بمنزلته إذا حملت به أمته بعد التدبير، أما قبله [فهو رق] (١) لسيده.
ومتى وضعته لأقل من ستة أشهر من يوم التدبير كان رقيقا، أو لستة أشهر كان مديرا.
قال ابن حبيب: إن أحدث السيد دينا فلا يباع الولد وهو صغير، ويوقفُ إلى حد التفرقة فيباع، وكذلك هو المدبر دونه (٢)(٣)
وأما ولد المدبرة فسواء حملت به قبل التدبير أو بعده، إذا وضعته بعد التدبير.
والفرق: أنَّ أمة المدبر ليس فيها عقد تدبير، بخلاف ولد المدبرة صادف التدبير فيها فشمله؛ لأنه جزؤها.
стр. 1989
ص: (لا بأس على السيد في وطء مدبرته).
ت: وكذلك الموصى بعتقها؛ لأنهما لا يعتقان إلا بعد الموت، فالاستيلاد لا يزيدها إلا خيرًا، فالعتق من رأس المال.
دون [المكاتبة] (١)؛ لأنها تستعجل العتق بالأداء، وقد تحمل فيمنعها سيدها لذلك من السعي.
والمعتقة إلى أجلٍ؛ لأنها قد تحمل، فتريد أن تبيّن بنفسها عند انقضاء الأجل، فيمنعها سيدها؛ لأجل ولده، ولأن وطأها يشبه نكاح المتعة؛ لأنه وطء مؤقت.
والمعتق بعضها، والمشتركة؛ لأنَّ فيهما [شريك] (٢)، والوطء [في غير ما يملك] (٣) حرام.
والمخدمة، لأنَّ الحمل إذا حصل نقص الخدمة المستحقة عليها.
ويجوز وطء المستأجرة؛ لأنَّ [الأصل عدم الحمل] (٤).
ص: (وله أن يجبرها على النكاح، وأن ينتزع مالها).
لأن أحكامها حكم العبيد، إلا ما فيما يَنقُضُ التدبير.
стр. 1990
(إلا أن يمرض مرضًا مخُوفًا).
لأن انتزاعه لورثته، مع أنَّ الحرية تقتضي أن ينفعها مالها، وقد قربت.
(والمدبر يُعتق من الثلث، فإن لم يكن للسيد مال غيرُه عَتَقَ ثُلُثُه وَرَقُ ثُلُثَاه لورثته، وإن كان على سيده من الدين ما يغترقه بعد موته؛ بيع في دينه، وبطل تدبيره).
ت: قال رسول الله ﷺ : (المدبر لا يُباع ولا يُوهب، وهو حر من الثلث) (١).
ولأنه عتق بعد الموت فيُخرج من الثلث، كالوصية.
قال مالك: يعتبر قيمته يوم النظر في أمره، لا يومَ موتِ سيده، حتى لو تلف المالُ بعد الموت لم يعتق إلا ثلثه.
قال اللخمي: ولو كان الثلث لا يحمله يوم الموت، ثم صار يحمله؛ عَتَقَ كله (٢)، وكذلك حوالة الأسواق بالزيادة والنقص وحدوث العيب.
قال ابن المواز: لو كانت أموال السيد مأمونةً العتق بنفس الموت، من غير نظر ولا تقويم، وإن هلك المال المأمون بعد ذلك نفذ العتق (٣).
وكذلك غير المأمون إذا حازه الوارث، وتصرف فيه بنفسه، والثلث يحمله، ثم هلك المال، بخلاف المال الموقوف.
ومتى كان على السيد دينٌ [يغرق] (٤) ماله لم يبق ثُلُثُ يعتق فيه، فإن اخترق
стр. 1991
بعضه بيع بقدر ما على سيده من الدَّين، وعتق ثلث ما بقي منه.
قال ابن القاسم: إذا بيع بماله (١).
وقال يحيى بن عمر: بغير ماله (٢).
ص: (المدبر في حياة سيده بمنزلة العبد القن في جراحه، وحدوده، وقذفه، وجميع أحكامه غير أحكام العبيد، ومن باع مدبَّره فسخ بيعه).
لما تقدَّم من الأدلة.
(فإن أعتقه مبتاعه قبل فسخ بيعه ففيها روايتان: إحداهما: أن عتقه نافذ، والأخرى: أنه مردود، فإن مات عند مبتاعه فقد فات ردُّه، ويُستحب للبائع أن يجعل الفضل من ثمنه عن قيمته في مدبَّرٍ مثله، ويتخرج فيها وجه آخر، وهو: أن يفسخ بيعه ويرد الثمن على مبتاعه، ويكون موته كعتقه، ولا يضمن مبتاعه قيمته؛ اعتبارا بأم الولد).
ت: اختلف إذا فاتت بعتق أو حمل أو موت أو حدوث عيب:
فقال مالك: لا يَنفُذُ العتق، ويرجع المشتري بجميع الثمن (٣).
وقال مرة: هي في ضمان المشتري وأنَّ البيع منعقد حتى يُنقض، فإن حدث عيب رده وما نقصه العيب، وإن فات كان من المشتري، وإن أعتقه مضى عتقه، واستيلاده والولاء للمشتري.
стр. 1992
قال مالك في «الموازية»: لا حُجَّة للمشتري على البائع، علم المشتري أنه مدبر أم لا.
وقد أجاز بيعه جماعة من العلماء.
وعلى القول بأنه من المشتري ففي «المدونة»: إن مات فله من الثمن ما يرى أنه كان يباع به على رجاء العتق وخوف الرقّ إن لم يحمله الثلث أو عَرَضَ دَين.
قال ابن القاسم: فإن لم يبلغ أعان به في رقبته.
وقال سحنون: بل يرجع المشتري عليه بذلك إذا لم يعلم المشتري أنه مدبر؛ لأن ذلك عيب، فإن علم لم يرجع.
وقال أشهب: يُجعل الثمن كله في رقبة.
قال اللخمي: وقيل: الثمن كله سائغ لبائعه؛ لانفساخ التدبير بالموت (١) فإن فات بعتق:
قال مالك وابن القاسم وأشهب: لا يرجع المشتري بشيء، علم أنه مدبر أم لا.
وقال ابن وهب وابن كنانة: يُجعل الثمن كله في مثله.
قال اللخمي سبب الخلاف: الخلاف في جواز بيعه، والصواب أحد أمرين: إما أن يقال: إنَّ الولاء بيد البائع، فيصير كأم الولد إذا بيعت، أو لم يثبت فنمضي هذه الوجوه بالثمن، فيصنع بها البائع ما شاء (٢).
стр. 1993
قال ابن القاسم: إن غُمِّيَ خبره ولم يُعلم مات أو عتق؛ جُعِل الثمن في مدبر (١)
قال أصبغ: هذا استحسان، والقياس: إذا أيس منه جُعِل كالميت، كما تعتَدُّ امرأة المفقود للموت دون الحياة (٢)
قال ابن المواز: هذا غلط، وقد طلب عمر المدبرة التي باعتها عائشة، فلم يجدها، فأخذ الثمنَ فجعله في مدبّرة (٣)
والفرق بين من غُمِّي خبره فجعل الثمن كله في مدبّر، وبين من مات عند المبتاع فجعل فضل الثمن [في مدبّر] (٤): أنَّ الميت فاته العتق، [ … .] (٥) فضل، كعضو منه بقي، والذي غُمِّي خبره [ … .] (٦) كالهدي إذا بيع وغُمِّي خبره.
والفرق بين المدبر يباع فيموت والمكاتب يسوغ ثمنه كله: أنَّ المكاتب له تعجيز نفسه إذا لم يكن له مال ظاهر، فرضاه بالبيع رضا بالتعجيز، والمدبر ليس له فسخ تدبيره.
فإن لم ينقض البيع حتى مات السيد، والثلث يحمله؛ نقض وعَتَقَ، وإن
стр. 1994
كان [عليه] (١) دَيْن يُرُدُّه مضى البيع، وإن لم يكن له مال غيرُه عَتَقَ ثُلثه، ومضى البيع في [ثُلُثِيه] (٢)، وللمشتري الردُّ بعيب الحرية إلا أن يعلم بالتدبير عند البيع.
ص: (إذا قُتل المدبر؛ فقيمته لسيده، وإن مات [ورثه] (٣) بالرّق، وإن جُرِحَ فأرش جراحه لسيده).
ت: لأنه القيمة، لأنه ملكه، ويصنع به ما شاء، لأنه لا صنع له في [قتله] (٤)، بخلاف البيع يجعل الثمن في مدبّر، وأرش الجراح للسيد ليس كماله، ويصنع به السيد ما شاء.
ص: (إن جنى جناية فجنايته في خدمته دون رقبته).
لأنها هي التي يقدَّر على إسلامها.
(والسيد بالخيار بين افتكاكه بأرش جنايته وإسلام خدمته للمجني عليه، فيقاصه من خدمته حتى تبقى الجناية، فإن استوفى ذلك والسيد حي رجع مدبَّرًا على حاله).
لأن السيد يملك باقي خدمته بعد جنايته.
(وإن مات السيد قبل ذلك وله مالٌ يَخرُج من ثُلُثِه عتق، وما بقي من أرش
стр. 1995
جنايته دَيْنٌ في ذمته).
لأن الجناية لا يبطل أرشها فهو كالحر.
(وقد قيل: لا شيء عليه من أرش جنايته).
لأن الأرش كان متعلقاً بالخدمة، وقد بطلت بالعتق، كما إذا مات.
(فإن لم يكن للسيد مال غيرُه عَتَقَ ثُلثه ورَقَّ ثُلُثاه للورثة، وكان عليه ثلث ما بقي من أرش جنايته دَيْنًا في ذمته على المشهور، ويخير الورثة في افتكاكه بثلثي ما بقي من أرش جنايته، وفي إسلام ثلثيه).
لأنه قد صار رِقًا، وإنما خُيّر الورثة فيه وقد كان السيد أسلَمَهُ، ولأنه إنما أسلم الخدمة، فلما صار رقيقًا خُيّروا.
(وإن جرح اثنين تحاصا في خدمته).
لاستوائهما في السبب، وحكمهما كما تقدم [ … .] (١).
(وإن جرح واحدًا فأسلم إليه، ثم جرح آخر بعده؛ تحاصًا في خدمته، ويتخرج فيها قول آخر، وهو أن يخيَّر المجروح الأول في افتكاكه وإسلامه، فإن افتكه اختص (٢) بخدمته، وإن أسلمه بطل حقه من خدمته).
ت: قال ابن يونس: لا يخير السيد هاهنا، ولا مَنْ أُسلِمَ إليه أولا، بخلاف العبد (٣).
стр. 1996
ص: (إن جنى المدبر على سيده بطلت خدمته بالتدبير، وقاصه من أُجرتها بأرشها، قاله ابن القاسم.
وقال غيره: لا يضمن لسيده أرش جنايته).
ت: على قول ابن القاسم: إن مات السيد قبل أن يتمها؛ عَتَق في ثلثه وأُتبع بقيتها، وإن عتق بعضُه بالثلث أتبع بحصة ما عتق.
وغيره يقول: لا يختدمه بالجناية؛ لأنَّ له رقبته، ولو فداه من أجنبي لم يتبعه.
ص: (إذا جرح السيد مدبَّره لم يضمن له أرش جراحه، وإن قتله فلا ضمان عليه).
لأنه إنما يضمن لنفسه، فلا فائدة في ذلك.
(وإن قتل المدبر سيده عمدًا بطل تدبيره، أو خطأ لم يبطل تدبيره).
ت: لهم قتله في العمد، فإن استحيوه رقَّ لهم، ولا يتبع بشيء، ويعتق في الخطأ في ثلث ماله دون ديته، واختدم بالدية، فإن لم يحمله الثلث عَتَقَ ما حمله، وأتبع بحصة ما عَتَقَ من الدِّية، وإن كان له مالٌ أُخِذ منه ما لزمه من ذلك.
ص: (إن قاطع السيد مدبَّره على مال جعله عليه، وعجل له العتق، ثم مات السيد؛ لم يسقط ذلك عنه).
لأنه دين ترتب عليه، ولا يُعتبر خروجه من الثلث؛ لتعجيل العتق في الحياة.
стр. 1997
(وإن كاتبه ثم مات قبل أداء الكتابة؛ عَتَق وسقطت الكتابة عنه، إن خرج من ثُلثه، وإن لم يكن له مال غيره عتق ثُلثه وسقط عنه ثُلُثُ الكتابة، [وكان] (١) ثلثاه مكاتبا بثلثي الكتابة، فإن أداه عتق، وإن عجَزَ رَقَّ ثُلُثَاه لورثته).
ت: وإن أدى في حياة السيد عتق، وإن عجز بقي مدبَّرا.
وإن مات السيد وحمله الثلث على أنه لا كتابة فيه عتق.
قال ابن يونس: ويُقوم بماله، ولا يؤخذ منه في العتاقة.
[وعتق منه محمله] (٢) إذا لم يحمله الثلث، ويوضع عنه من كل نجم بقدر ما عتق منه، [فإن عتق ثلثه] (٣) أُسقط من كل نجم بقي ثلثه، وإن لم يبق عليه إلا نجم واحد عتق ثلثه وسقط ثلث ذلك النجم.
وإن كان دين على سيده يغترقه سقط التدبير، وبقيت الكتابة، ويُباع على أنه مكاتب لا تدبير فيه، كمكاتب تُباع كتابته للدين، فإن كان فضل بيع بقدر الدين منها.
قال اللخمي: هذا إذا كانت قيمته [مكاتبًا وغير مكاتب سواء، أو كانت قيمته مكاتبا أكثر.
واختلف إذا كانت قيمته] (٤) غير مكاتب مئةً، ومكاتبا خمسون، والدَّينُ خمسون؛ قال ابن القاسم: يبقى مكاتبًا ولا يباع للغرماء مكاتبا؛ لاحتمال أن يعجز
стр. 1998
بعد البيع فيسقط حقه من [التدبير] (١)، ولا يعجز الآن، وهو يقول: أنا أسعى.
وقال عبد الملك: يُعجز، ويباع لهم؛ لأنَّ للغرماء البيع في التدبير والكتابة بعد الموت، فيرد كتابته، ويعتق بعضه.
ص: (مَنْ دَبَّرَ بعض عبده لزمه تدبيره كله، ومَن دَبَّرَ شركًا له في عبده؛ تقاومه هو وشريكه، فإن صار له كان مدبَّرًا كله، أو لشريكه رَقَّ كله وبطَلَ تدبيره، وقد قيل: إنَّ لشريكه أن يتمسك بنصيبه ولا يقومه على شريكه).
ت: إذا دبر بعض عبده لزمه الباقي؛ قياسا على العتق.
كان للشريك أن يتماسك، ويُمضي تدبير شريكه، وأن يقوم؛ للضرر الذي دخل عليه، وإن شاء قاواه.
وقال عبد الملك وأشهب: لا بُدَّ من المقاواة -؛ لحق العبد - وإن دبره بإذن الشريك، فإن كان الذي دبَّر عديما تقاوياه، فإن وقع عليه بيع في نصيب صاحبه.
يريد: فيما عَجَزَ عنه أتبع به، ولا يباع من نصيب الذي دبر شيء.
وقال ابن القاسم: لا مقاواة فيه.
قال ابن القاسم: فإن قاواه جاهلا بعدمه فله فسخ المقاواة.
وقال أصبغ: لا تُفسخ، ويباع منه كله بقدر ما عليه، وما بقي كان مدبّرًا، كمن دبر وعليه دين (٢).
стр. 1999
ص: (إذا دبّر الرجلان عبدا بينهما، فأجيز وكره)
ت: القولان لمالك.
وجه الكراهة: أنه يؤدي إلى العتق من غير استكمال إذا مات أحدهما، فإن نزل مضى.
قال ابن القاسم: إن دبّرا معا، ومات أحدهما؛ لا يقوم عليه حصة الآخر، وإن لم يحمل الثلث حصته رق باقيها، ولا مقاواة للورثة على الشريك، فإن مات الآخر عمل كذلك (١).
وكذلك إن دبّرا في عقدين، ولا يقوم على الميت نصيب الحي وإن حمله [الثلث] (٢)، ولا على الحي ما عجز عن ثلث الميت.
فإن دبّر أحدهما ثم أعتق الآخر، أو أعتق أحدهما حصته من مدبّر بينهما؛ قوّم على المعتق قيمة عبد، قاله جميع الرواة؛ لأنه صار لما هو أفضل مما كان فيه، وقيل: لا يعتق؛ لأنه بيع للولاء.
قال سحنون وعبد الملك: إن أعتق أحدهما ودبَّر الآخر بعده؛ عتق نصيب المدبر على المعتق؛ لأنه ليس له إلا التقويم، أو العتق ناجزا.
فإن اختلفا أيهما تقدَّم؛ فالمُعتق مدَّعَى عليه ويحلف، فإن نكل حلف المدبّر أنه دبَّرَ أوَّلاً، ووجبت له القيمة، فإن أبى فلا شيء له، ويعتق عليه نصيبه (٣).
стр. 2000
ص: (إذا دبَّر الذميُّ عبداً، ثم أسلم العبد؛ أُوجِرَ عليه من مسلم، أو دفعت إليه أجرته، فإذا مات عَتَق من ثُلُثِه، ويتخرج فيها قول آخر، وهو أنه يُباع عليه ويُدفع إليه الثمن؛ اعتبارًا بأم الولد إذا أسلمت قبله).
ت: إن أسلم السيد وقد أوجر عليه؛ رجع إليه مدبره، وله ولاؤه، وإن لم يُسلم حتى مات عتَقَ في ثلثه، وولاؤه للمسلمين، إلا أن يكون للنصراني [أب] (١) أو ولد مسلم؛ فولاؤه له.
ووجه التحريم: أنَّ مالكًا قال مرَّةً في أم الولد للنصراني تُسلم: إنها [ .. ] (٢) وهي [ … .] (٣) من المدبر.
* * *