← Фикх малики

Фикх малики · id 30159

شرح التفريع

القرافي

Полный текст (3 250 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

حتى يكون مرضيًا. قال بعض أصحابنا: [وضابط] (١) المروءة: أن لا يأتي بما يُعتذر منه مما يَبْخَسُه عند أهل الفضل. * * * * ص: (الشهادة على التعديل والتزكية: أن يقول الشاهدان: نشهد أنَّ فلانًا عدل رضا، ولا يقتصران على وصف واحد من العدالة والرضا). * ت: لأنَّ الله تعالى شَرَطَهما بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. والعدالة: الاستواء والاستقامة، ولا يكفي: لا أعلم له زلةٌ، ولا أعلم فيه إلا خيرًا؛ فإنَّ التزكية إثبات العدالة، وهذا نفي، فقد لا يعلم مع هذا النفي عدالته. قال عبد الوهاب: أرضاه لي وعلي ليس بتزكية؛ لأنه قد يرضى بغير العدل (٢). فإن اقتصر على العدالة أو الرضا ولم يُسأل عن الكلمة الأخرى؛ قال اللخمي: هو تعديل؛ لأنَّ القرآن ورَدَ بأحدهما فقط في كلّ آية، فالعدل رِضًا والرضا عدل، فإن سُئِل فوقَفَ كان رِيبةً، وسُئِل عن السبب، فقد يذكر ما يقدح (٣). * * *

стр. 2732

* ص: (من عرفه الحاكم بالرضا والعدالة لم يُطالبه بالشهادة على تزكيته، وأمضى بعلمه شهادته، أو بما يوجب سقوط الشهادة لم يقبل شهادته، ولا يرجع إلى المزكي، ولا لظاهر حاله). لأنَّ العلم مقدم على الظنّ الناشئ عن التزكية، ولا يتهم في هذا؛ لأنَّ العدالة والفسق ظاهران، بخلاف الحكم بعلمه. (ولا بأس أن يكون للقاضي رجل واحد مزك يخبره بأحوال الشهود، فيقبل قوله وحده، وإن لم يشهد بما يقوله غيره) (١). * ت: يُقبل قوله في التعديل والتجريح فيما ينقله عن رجلين فأكثر، لا أقل من ذلك؛ لأنه أقامه مقام نفسه، وهو مخبر له، وهو استحسان لا قياس، وإنما ذلك في شهادة تنزل بالرجل. فأما على وجه التعديل الذي يوجب قبول قوله في المستقبل؛ فلا يجوز أقل من شاهدين. * * * * ص: (إذا سأل رجل رجلين أن يزكياه عند الحاكم؛ فحَسَنُ أن يفعلا ذلك إذا عرفاه بالعدالة). * ت: إذا سأل رجل رجلا أن يعدّلَ له شاهدًا، قال مالك: لا يجب بل حَسَنُ (٢)؛ لأنه معونةٌ على إقامة حق. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢].

стр. 2733

ولا فرق بين التعديل والتجريح. وقال ابن المواز: يجب عليه أن يزكيه أو يجرحه - إذا كان يعلم تجريحه - إذا شهد وخاف أن يتبع بشهادته باطِلٌ، أو [يُفوّت] (١) حق (٢)، وإنما لم يوجب مالك التزكية؛ لأنها أمر ظاهر لم يتعين عليه، كالشهادة على الحق. * * * * ص: (إن جاور قومًا مدَّةً يسيرةً، وسألهم أن يزكوه لا يفعلوا حتى تطول مدته [وتختبر] (٣) عدالته وأمانته). * ت: لا يجوز الاكتفاء بالظاهر حتى يُعلم الباطن، ولا تُعرف العدالة إلا بالمخالطة والمعاملة على مرور الأوقات، وقد [يتجمل] (٤) الإنسان في المدة اليسيرة، [ويَبعُدُ] (٥) الصبرُ في المدة الطويلة. قال سحنون: لا تزكّي إلا من طالت صحبته لك، في السفر والحضر (٦)، والأخذ والعطاء، وتكفي في الجرح المدة اليسيرة، ومن لم يعرف اسمه لم يُقبل تعديله. قال الباجي: معناه أنه زكَّاه على عينه، وهو أمر يندر ويَبعُد مع المدة

стр. 2734

الطويلة أن لا يعرف اسمه، إلا أن يكون مشهورًا بكنيةٍ أو لقب وخفِيَ اسمه (١). قال مالك: ولا يَسلَمُ أحدٌ من مقارفة بعض الزلل، فلا يمنع العدالة مثل الفلتة (٢). ومَن قَبلَ جوائز العمال المضروب على أيديهم؛ سقطت عدالته. والأكل عندهم المرَّةَ لا يضر، مثل صغار الذنوب، بخلاف المدمن. ولا يضر قبول جوائز الخلفاء (٣)؛ لأنَّ الذي يظلمون فيه قليل. * ص: (تجوز الشهادة على الشهادة في الحدود والحقوق كلها، وذلك أن يشهد شاهدان على شهادة شاهدين، يشهدان جميعًا على شهادة كل واحد من الشاهدين الأولين، ولا يصح أن يشهد كلُّ واحد منهما على شهادة واحد من الشاهدين الأولين). * ت: أجازها علي ﵁، ولم ينكرها أحد من الصحابة رضوان الله عليهم. ومنعها أبو حنيفة في القتل والحدود؛ لأن شهادة النساء لما لم تجز في الحدود لضعفها فكذلك الشهادة على الشهادة. والجواب: أن شهادة النساء إنما امتنعت هناك لعدم الضرورة لهنَّ فيه؛ لاطلاع الرجال عليه، ولم تمتنع في الأموال، ولم تُمنع شهادتهنَّ على الشهادة في شهادة الرجال لضعفهنَّ، بل لما ذكرنا.

стр. 2735

ولنا: القياس على جميع الحقوق. وتجوز إذا كان [المنقول] (١) عنه مريضًا، أو غائبًا، أو ميتًا (٢)، أما الحاضر القادر فلا؛ لإمكان أن يكون تأخُرُه لريبة (٣)، ولا [يَنقُلُ] (٤) عن الواحد أقل من اثنين؛ لأنَّ النقل بعض شهادة شاهد. * ص: (الشهادة على الشهادة في الزنا جائزة، [وذلك] (٥) أن يشهد أربعة على شهادة كل واحد من شهود الأصل الأربعة). * ت: منعها أبو حنيفة كما تقدم. قال ابن القاسم: يشهد أربعةٌ على شهادة أربعة، أو اثنان على شهادة اثنين، واثنان على شهادة اثنين آخرين (٦). وقال عبد الملك: يشهد أربعةٌ على شهادة كلّ واحد من الأربعة، ويجوز اثنان على كلّ واحدٍ، فيصيرون ثمانيةً على أربعة، ويجوز في تعديلهم ما يجوز في تعديل غيرهم: اثنان على كلّ واحد، أو أربعة على جميعهم (٧). وقال مطرف: لا يجوز في نقل الزنا إلا ستَّةَ عشر رجلا، ولا يعدل كل

стр. 2736

واحد من شهود الزنا إلا أربعة (١). * * * * ص: (إذا عدل الرجل رجلان، وجرحه آخران؛ فروايتان: إحداهما: يُحكم بأعدل البينتين). لأن زيادة العدالة توجب القوة؛ لأنها سبب القبول، فيقدم الأعدل. (والأخرى: أنَّ الجرح مقدم). * ت: لأنَّ الجرح يخفى، واطلع الجارح على ما لم يطلع عليه المعدل؛ لأن العادة إخفاء القبيح. قال سحنون: يُقبل التجريح وإن جرحه أحدهما بغير ما جرحه به الآخر؛ لاجتماعهما على أنه رجل سوء (٢). وقال أيضا: لا بُدَّ أن يجتمعا على معنى واحد، إما كذَّابٌ أو شارب خمرٍ أو نحوه، ولو قال أحدهما: هو خائن، وقال الآخر: [يأكل أموال] (٣) اليتامى؛ فهو معنى واحد يقع به الجرح (٤). * * * * ص: (إذا شهد شاهدان على شهادة شاهدين، ثم أنكر الشاهدان الأولان الشهادة، أو نسياها، أو رجعا عنها؛ سقطت شهادة الشاهدين الآخرين).

стр. 2737

* ت: لأنَّ الحكم إنما يثبت بشهود الأصل، بدليل أنهم لو ارتدوا أو فسقوا بعد أن شهدوا على شهاداتهم وقبل الحكم؛ امتنع الحكم، كذلك إذا رجعوا أو نَسُوا. * * * * ص: ([إن] (١) رجعا بعد الحكم بشهادتهما، وادعيا الغلط أو تعمَّدَا الكذب؛ لم يُنقض الحكم). لأنه [انبرم] (٢) بقول عدلين، فلا تبطله بقول فاسقين، وهما صارا فاسقين الآن بالاعتراف بالكذب، أو لنفي هو مُختَلُّ القول، والآن حدث وصفُ الخَلَلِ بالغلط. (وغَرِمَا ما أتلفاه للمشهود عليه بشهادتهما). لأن العمد والخطأ في أموال الناس سواء. (وقال عبد الملك: لا شيء عليهما إذا غلطا). لأنه مما تعم به البلوى في الشهادة، فلو فتح باب الغُرم استَدَّ بابها، وزهد الناس فيها. (ويغرمان إذا تعمدا الكذب، فإن رجع أحدهما غَرِمَ النصف). لأنه نصف السبب المتلف. (ولو شهدا بالقتل، وقُتِل الرجلُ، وأقرا بالكذب أو الغلط؛ غرمت عاقلتهما

стр. 2738

الدية في [الخطأ] (١)، وفي العمد من مالِ القاتل، ولا يلزمهما القود). لأن غيرهما المباشر، وهو مقدم على [التسبب] (٢). (وقال أشهب: يقتص منهما إذا تعمدا؛ لأن الحاكم أسيرهما، ويغرمان الدية إذا غلطا. وإن رجعا عن الشهادة بالطلاق لا غُرمَ عليهما). لأنهما إنما فوتا على الزوج استمتاعاً لا قيمة له شرعاً، والصداق تقابله الوطأة الأولى. (وفي العتق يغرمان القيمة). لأن العبد مال، بخلاف الزوجة. (فإن شهدا أنه تزوجها وطلقها قبل الدخول غرما نصفَ الصَّداق). لأنه الذي غرمه الزوج بالطلاق. (فإن شهدا عليه بالدخول وهو منكر له مُقرّ بالنكاح والطلاق؛ غرما نصف الصداق الذي لزمه بالدخول). لأنه الذي أتلفاه. (وإن شهدا أنه نجزَ كتابة مكاتَبِهِ؛ غرِمَا قيمة الكتابة، أو أعتق أم ولده لم يغرما شيئًا).

стр. 2739

لأنَّ الفائتَ بشهادتهما استمتاعٌ لا قيمة له شرعاً. * ت: متى رجعا أو أحدهما قبل الحكم لم يُحكم بشيء؛ لبطلان الحجة، ويؤدّبان إذا تعمَّدا الكذب. ووجه القول بالقود: أنَّ رجلين شهدا عند علي بن أبي طالب ﵇ أنَّ هذا سرق، ثم جاءاه بآخر فقالا: وهمنا، لا ندري أهو هذا أو هذا، فردَّ شهادتهما وقال: لو أعلم أنكما تعمَّدتما الكذب لقطعتكما (١). ولاحظ المشهور: أنَّ الحاكمَ غيرُ مضطرٍّ، ولو شاء ردَّهما أو تثبَّت وكشف فاطلع على [الحال] (٢) منهما أو من الناس. * * * * ص: (إن رُدَّت [شهادته] (٣) في العتق، لكونه وحده، ثم [اشتراه] (٤)؛ عتَقَ عليه؛ لإقراره بحريته). * ت: قال ابن حبيب: وكذلك إن ملكه بأي وجه كان يعتق عليه. يريد بالقضاء (٥). قال أشهب: هذا إن أقام على قوله بعد الشراء، وإن قال: كنت كاذباً؛ لم

стр. 2740

يعتق عليه، ويُحلَّف، فإن نكل عَتَقَ عليه، وولاؤه للمشهود عليه بعتقه (١). فإن مات العبد عن مالٍ فلا حق لبائعه فيه، إلا أن يعترف بعتقه، ويأخذ المشتري منه ثمنه، وإن لم يُقرَّ؛ وقفت البقية. فإن طال الأمر جدا؛ تصدق به. قال أشهب: فإن كان المشهود عليه مات فالمال لعصبة المشهود عليه بعتقه، ولا يأخذ المشتري الثمن؛ لأنه في ذمة وليّهم الميت، وهذا المال ليس من تركته (٢)، ولو كان على الميت دينٌ ما قُضِي من هذا المال، فإن ترك الميت مالا أخذ المشتري الأقل من الثمن أو ما تَرَكَ. هذا إذا كان الورثة رجالاً. فإن كانوا نساءً فلا شيء للمشتري الشاهد من تركة الميت؛ لأنه كان منكرا للعتق. ولو لم يترك البائع مالاً لأخذوا مال العبد بحق ميراثهم إياه بالولاء، ولم يلزمهم أن يدفعوا منه ثمنه؛ لأنه دينٌ على وليهم، فلا يلزمهم قضاؤه من ميراثهم من العبد، كغيره من الديون، فلا يستحقُّ من التركة شيئًا. قال مالك: فإن اشترى بعضه عتق ذلك، ولا يُقوم عليه باقيهِ (٣). * * *

стр. 2741

كتاب الأقضية القضاء هو الفصل. وأصله قوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١٠٥]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. وفي أبي داود: قال علي ﵁: بعثني رسول الله ﷺ قاضيًا إلى اليمن (١). وفي «الموطأ»: قال رسول الله ﷺ : «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحُجَّته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيتُ له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئًا، فإنما أقطع له قطعةً من النار» (٢). ولأنَّ النهي عن المنكر واجب، وأحد الخصمين على منكر، فيتعيَّن إزالته. ولأنه يسُدُّ باب الخصومات ويقطعها. وعلى الإمام أن يحكم بين الناس إن كان أهلًا، أو يُقِيمَ مَنْ يحكم.

стр. 2742

فإن لم يكن بالموضع وال؛ كان ذلك لذوي الرأي والثقة، فما اجتمعوا عليه أقاموه. والقضاء من فروض الكفاية إن كان بالبلد عدد يصلحون لذلك، وإن لم يصلح إلا واحد تعين وأجبر على الدخول، فإن امتنع الجميع وهم يصلحون أثموا كلهم. قال المازري: طلب القضاء تارةً يكون واجبًا، ومندوبا، ومحرَّمًا، ومكروها: فإن عَلِمَ الصالح أنه إن لم يَلِ ضاعت الحقوق، وكثر الهرج، أو تقدَّمَ مَنْ لا يحل أن يتولاه؛ وجب القبول إذا عُرض عليه، ويؤمر بالسعي في طلبه إن قصد العمل بالحق، وكذلك إن كان في يدِ مَنْ لا يحِلُّ أن يتولاه؛ يسعى في إخراجه منه. والمستحبُّ: أن يكون رجلٌ عالمٌ خَفِيَ علمه، فيلي القضاء ليظهر علمه، ويزيد اشتهاره بولاية القضاء، ليعلم الجاهل، ويفتي المسترشد، أو يعلم أنه أنهض من غيره وإن كان الغير صالحًا لذلك، ونحو ذلك من الأسباب. والمكروه: نقيض هذا على حسب قرائن الأحوال. والمحرم: أن يسعى في طلبه الجاهل، والعالم الذي يقصد به كسب الدنيا. وشروط القضاء التي لا ينعقد ولا يدوم إلا بها عشَرَةٌ (١): الإسلام؛ لأنَّ الكافر لا يحكم على المسلمين. والعقل؛ لأنه لا يتأتى من غير العاقل.

стр. 2743

والذكورية؛ لأنَّ المرأة تمنعها الأنوثة من مصالحه، كالخلافة، ولا يُعلَم أنَّ امرأة وليته قط. والحرية؛ لأنَّ نقص الرِّقَّ يمنع هذا المنصب الجليل، ومنافع الرقيق مستحقة لغيره. قال المازري: وهذه العلَّة تَطَّرِدُ فيمن فيه عقد حريَّة. والبلوغ؛ ليحصل وازع التكليف. والعدالة، لحصول الإجماع على أنَّ الفاسق لا يتولى خليفة، ولا يولى قاضيًا، إلا شذوذ من المتكلمين أجازوه في القضاء. والعلم؛ ليتأتى منه الحكم، قال القاضي عياض: لا تنعقد ولاية الجاهل مع وجود العالم العدل المستحق، ورُخّص فيمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد إذا لم يوجد مَنْ بَلَغَها. وسلامة حاسة السمع والبصر من العمى والصمم، واللسان من البكم؛ للإجماع في ذلك، ولأنَّ الأعمى إنما يعلم صوت من يتكرر إليه، والشهود والخصوم قد لا يتكررون، والصمم تفوت معه مصالح القضاء، وقَلَّ أن يوجد أبكم إلا أصم، وفي الإلجاء للكتابة تضييق على الناس، وما كلُّ الناس يكتب، ولا كل الناس يفهم الإشارة. واختلف إذا طرأت إحدى هاتين الآفتين بعد العقد؛ هل يبطل العقد ويعزله عن القضاء أم لا؟ وكونه واحدا، فلا يصح تقديم اثنين على أن يقضيا معا في كل قضية؛

стр. 2744

لاختلاف الاجتهاد والأغراض، فتتعطل المصالح. * * * * ص: (إذا تداعى رجلان شيئًا، ولا يد ولا بينة لواحد منهما؛ قسم بينهما بعد أيمانهما). لتساويهما، وحلفا؛ لاحتمال النكول، فيترجح صاحبه. (فإن كان في يد أحدهما فالقول قوله مع يمينه). لأنَّ اليد مرجحة، والسبب الواحد لا يُحكم به، كالشاهد. (فإن نكل عن اليمين حلف الآخر، وأخذه). لأنه ضعف بنكوله، فانتقلت اليمين إليه. (فإن نكَلَ أُقر في يد صاحب اليد). لأنَّ نكوله أضعف دعواه، وترجح الآخر باليد. فإن كان لأحدهما بينة حكم له ببينته، كانت له يد أم لا. لأنَّ البيئة أرجح من اليد، لأنها تفسر، واليد لا تفسر، ولقوله ﵇: «البينة على المدعي (١)، واليمين على من أنكر» (٢) وفائدة ذلك: الحكم بها. (فإن كان لكل واحد بينةٌ حُكم بأعدلهما).

стр. 2745

لأنَّ سرَّ البينة العدالة، فيقع الترجيح بها لأنها سِرُّها. (فإن تكافَأَنَا حُكم لصاحب اليد). لأنها مرجحة. (فإن لم يكن في يد أحدهما قسم بينهما بعد أيمانهما). لما روى ابن وهب: أنَّ رجلين اختصما إلى النبي ﷺ في دابَّةٍ وجداها عند رجل، وأقام كل واحد شاهدين أنها دابته، فقضى بها رسول الله ﷺ بينهما نصفين (١)، ولتساويهما في الأسباب. وعُرضت الأيمان عليهما ليترجح أحدهما بنكول الآخر، فإن تعذر ذلك؛ قُسِم بينهما. (فإن حلف أحدهما ونكل الآخر؛ كان للحالف). لترجحه. (فإن نكلا عن اليمين لم يُحكم بينهما بشيء، وتُرِكَا على ما كانا عليه). لأن تساقط البينتين يمنع الحكم بهما. * ص: (إذا ادعى رجل على رجل [دعوى] (٢)؛ لم يحلف له بمجرد دعواه، حتى يُثبِتَ أنَّ بينهما خُلطةً، فيحلف ويُبرأ.

стр. 2746

فإن نكل؛ لم يُحكم عليه بالنكول، وحلف المدعي، واستحق. فإن لم يحلف لم يُحكم له بشيء). * ت: نقل الأبهري عن علي ﵁ أنه قال: اليمين مع الشاهد (١). فإن لم تكن بينةٌ؛ فاليمين على المدعى عليه إذا كان قد خالطه. فإن نكل؛ حلف المدعي. وقاله عمر بن عبد العزيز، والفقهاء السبعة (٢). ولأن كثيرًا من الناس يهابون الأيمان وهم صادقون، فلو حُلفوا نكلوا فغَرِموا فتضرَّروا، وكذلك يهابون التقدم للحاكم فيمتهن الأرذالُ أشراف الناس بالباطل، فيسأل الحاكم: هل بينهما خُلطةٌ، أو يليق به ما ادعى عليه به؟ قال اللخمي: أرى إن كانت الدعوى من الصالح ومَن يُرى أنه لا يدعي باطلا أن تُراعى الشبهة (٣). قال سحنون: لا بُدَّ من الخلطة بين أهل السوق والذين يجتمعون في المساجد إذا ادعى بعضهم على بعض، وذلك ليس بخلطة. قال ابن كنانة: تثبت الخلطة بشاهد واحد، أو امرأة (٤). وقال ابن المواز: إن أقام شاهدًا واحدًا حُلف معه المدعي، ثم يحلف

стр. 2747

[المدَّعى عليه] (١) (٢). ودليلنا على ردِّ اليمين: قوله ﷺ : «أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟»، قالوا: لم نَحضُر، قال: «فتبرّئكم يهود بخمسين يمينًا؟» (٣). وقاله عمر وعثمان وعليٌّ ﵃، ولا مخالف لهم. ولأن أصول الدعاوى لا يُحكم (٤) فيها بسبب واحد، بل بشاهدين، أو بشاهد وامرأتين، أو بشاهد ويمين، فلا بدَّ مع النكول من يمين. * * * * ص: (اليمين في الحقوق كلها بالله الذي لا إله إلا هو فقط، ويحلف في المسجد، ولا يحلف عند منبر من المنابر، إلا منبر رسول الله ﷺ ، ولا يحلف عنده إلا في ربع دينار فصاعدًا، ويحلف على أقل من [ذلك] (٥) في سائر المساجد). * ت: كان رسول الله ﷺ يحلف بهذا اللفظ فقط. ولليمين لفظ ومكان وزمان. فاللفظ؛ هو اسم الله تعالى مع التوحيد، فإن قال: والله، أو: والذي لا إله إلا هو؛ فمقتضى قول مالك: أنها أيمان جائزة (٦).

стр. 2748

وقال أشهب في «الموازية»: لا تجزئه في الوجهين (١). قال اللخمي: أرى أن تجزئه؛ لأنه يلزم بكلّ واحدٍ الكفَّارة (٢). قال ابن القاسم: رأيتُ المدنيين يزيدون عند المنبر: الرحمن الرحيم، وأبى ذلك مالك (٣). وأما موضع الحَلِف؛ فقال مالك وابن القاسم: إن كان الحق أقل من ربع دينار حلف في مكانه، أو ربع دينار فأكثر حُلِّف حيث يعظم من المسجد (٤)؛ ليرتدع عن اليمين [الباطلة] (٥)، ولا يأتي في أقل من ذلك إلى المسجد. وقال رسول الله ﷺ : «مَنْ حلف على منبري هذا يمينا كاذبة فليتبوأ مقعده من النار» (٦). قال مالك: يُحلف في مكة عند الركن (٧). وربع دينار أقل ما (٨) يستباح به يد السارق، فلذلك خُصص. قال مالك: ويُحلف قائما (٩)؛ لأنه أرهب وأشهر.

стр. 2749

ولقوله تعالى: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٧]. وقال عبد الملك ومطرّف: يُحلَّف قائماً مستقبل القبلة، إلا أن يكون الدين أقل من ربع دينار، فيُحلف في مكانه جالساً (١). وأما الزمان؛ [فهو بعد] (٢) العصر، وهو مختص ببعضها، لقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦]؛ لأنه وقتُ ارتفاع الأعمال. * * * * ص: ([تُستحلف] (٣) المرأة في المسجد ليلاً إن كانت ممن لا تخرج نهاراً). * ت: قال مالك في «المدونة»: ولا تخرج [ليلاً] (٤) إلا في الشيء الكثير، وتُحلَّف في بيتها في ربع دينار فأقل إن كانت ممن لا تخرج (٥). وقال في «الواضحة»: تخرج في ربع دينار، كالرجل (٦). قال عبد الوهاب: إن كانت من أهل القَدْر والشَّرَف بعث إليها الحاكم من يُحلّفها، لأنَّ لخصمها إحلافها دون تبذلها (٧).

стр. 2750

* ص: (يُحلف [اليهودي والنصراني حيث يعظمان] (١) من الكنيسة والبيعة، ولا يحلفان إلا بالله ). * ت: لأن المقصود الردع عن اليمين الفاجرة. وهل يُحلفون بالله الذي لا إله إلا هو فقط، أو اليهودي بالله الذي أنزل التوراة على موسى، والنصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى؟ قولان لمالك؛ لأنَّ منهم من ينكر التوحيد، فلا يُلزم بالخروج عن دينه. * * * * ص: (إذا ثبت [الحقُّ] (٢) ببينة، فادعى الخصم أنه قد قضاه؛ خُلّف صاحب الحق: أنه ما اقتضاه، وبرئ من دعواه. فإن نكل حلف الذي عليه الحق، وسقط الحق عنه. فإن نكل غَرِمَ الحقِّ، وإن مات الذي له الحق حلف [وارثه ما يعلم أنَّ مورثه] (٣) اقتضى حقه ولا شيئًا منه واستحق). لأنه الممكن في حقه. فإن نكل؛ حُلف الذي عليه الحق، وبرئ. * ت: إنما حلّف الذي له الحق لأنه مدعى عليه بسقوط حقه الثابت،

стр. 2751

ونكوله كشاهد يحلف معه الآخر. ولا يحلف الوارث الصغير إذا بلغ؛ لبعده عن الاطلاع على ذلك (١). قال الأبهري: وقد يقال: إنه يحلف؛ لأنه يعلم ذلك بالخبر (٢) كما يحلف مع الشاهد في إثبات حق لأبيه، ويَرُدُّ بالعيب إذا وقف عليه. [قال ابن القاسم في «العتبيَّة»] (٣): إذا ادعى الغريم القضاء؛ أُعْرِمَ الآن (٤). وقيل: يؤخر؛ لأنَّ له ردَّ اليمين، ولا يُستحَقُّ عليه شيء إلا بعد يمين الطالب (٥). * * * * ص: (إن حلف على دعوى، ثم وجدت عليه بينة، وللمدعي عذر في تأخيرها؛ حكم له بها، وإن لم يكن له عذر فروايتان: إحداهما: يُحكم له بها). لأنها حُجَّةٌ شرعية، وتقديم اليمين من الغريم طلب لأسهل الطرق. (والأخرى: أنه لا يحكم له بها). لأنه أسقط حقه منها بعدوله لليمين. * ت: إذا لم يعلم بها قُضِي بها بعد أن يحلف: أنه ما كان يعلم بها.

стр. 2752

واختصم إلى عمر بن الخطاب ل يهودي يدعي على مسلم، فأمره بالبينة، فقال: ما تَحضُرُ لي اليوم بينة، فأحلَفَ له المطلوب، ثم جاءه المدعي بعد ذلك بالبينة، فقضى له بها وقال: البيئة العادلة خيرٌ من اليمين الفاجرة (١). ولأن الطالب يقول: لم أعلم أنه يحلِفُ كاذبًا. ووجه الرواية الأخرى: أنه لو ترك حقه وأخَذَ أدنى منه على وجه الصلح؛ لم يكن له الرجوع بعد ذلك إلى أصل الحق. قال مالك: فإن قال: بيّنتي غائبة فأحلفه لي، فإذا قَدِمَت قمتُ بها؛ فإن كانت بعيدة الغيبة، وخِيفَ تطاول الأمر وذهاب الغريم؛ أحلَفَهُ، ويقوم ببينته إذا قَدِمَت، وإن كانت على نحو ثلاثة أيام لم يُحلفه إلا على إسقاطها (٢). * ص: (ولا يَحكُمُ [الحاكم] (٣) بعلمه في حد [ولا حق] (٤)، وله أن يشهد بما علمه عند غيره من الحكام، كواحد من الشهود). * ت: لقوله ﵇ في حديث هلال بن أمية في اللعان: «إن جاءت به على نعت كذا فهو لهلال، أو على نعتِ كذا فهو لِشَريك بن سَحْمَاء»، فجاءت به على النعت المكروه، فقال ﵇: «لو كنتُ راجما أحدًا بغير بينة لرجمتها» (٥)،

стр. 2753

فأخبر ﵇ أنّها زنت، ووقف الرجم على البيّنة. ولأنه ﵇ لم يحكم بقتل المنافقين مع علمه بكفرهم. وقال: «لئلا يتحدث الناس أنّ محمّدًا يقتل أصحابه» (١)، فجعل التّهمة سبب المنع، فغيره بطريق الأولى. وقال الصديق ﵁: لو رأيت رجلًا على حدّ من حدود الله تعالى ما أقمت عليه الحدّ حتّى يشهد على ذلك أربعة شهداء. ويجوز التعديل والتجريح بعلمه، والفرق من وجهين: الأول: أنَّ قبول الشّاهد ليس حكمًا؛ لأنّ لغيره أن يردّه وينكر عدالته، وإذا قَبلَ قول الكافر على الكافر - كما رآه بعضهم - فلغيره أن لا يقبله في واقعة أخرى، ولو حكم في أمرٍ مختلف فيه لم يَجُز لغيره [تغيره] (٢)، وصار مُجمَعًا عليه بعد الحكم، فالحكم بعدالة زيد لو كان حكمًا لامتنع إبطالها. الثاني: أنَّ عدالة العدل، وفسق الفاسق لا يخفى على النّاس غالبًا، فلا تهمة على الحاكم فيهما، والحكم بالعلم إنّما امتنع خشيةً من قضاة السّوء، والتهمة على الأخيار، وإذا لم يحكم بعلمه رفعه إلى من هو فوقه، فشهد به (٣). فإن لم يكن [فوقه] (٤) أحدٌ؛ قال مالك: يرفعه إلى من دونه (٥).

стр. 2754

وقد قاضى عمر خصمًا له إلى أبي بن كعب، فحكم عليه باليمين. وقال بعض العلماء: إن كان الذي دونه في حكمه لم يرفع إليه؛ لأنه منفذ لحكم نفسه. * * * * ص: (ولا ينبغي للحاكم أن يحكم إلا بحضرة الشهود [ليسمعوا الدعاوى، وينقلوها] (١) إليه، فيحكم بشهادتهم لا بعلمه). * ت: قال الأبهري: لأنَّ قضاة المدينة كانوا يُحضرون الشهود، فيحفظون الإقرارات، فيشهدون بها عندهم، فيحكمون بالشهادة لا بالإقرار عندهم؛ لئلا يحكموا بعلمهم. * ص: (إذا حكم الحاكم بحكم، وأنكر أنه حكم به، وشهد به عليه شاهدان؛ ثبت الحكم بشهادتهما). * ت: وكذلك لو نسي وشهِدَ [عنده] (٢) شاهدان أنه حكم؛ عمل بها؛ لتعلق حقّ الغير، فلولا ذلك لضاعت حقوق الناس؛ ولأنَّ الحاكم يتهم في إنكاره لأجل عداوة أو صداقة، وقياسًا على جحد المشهود عليه من الخصوم. * * * * ص: (إن أنكر المحكوم عليه الحكم؛ لم يُقبل قول الحاكم أنه حكم إلا ببينة على حكمه). * ت: قال رسول الله ﷺ : «لو أُعطي الناس [بدعواهم] (٣) لادَّعى قوم

стр. 2755

دماء قوم وأموالهم، لكن البينة على مَنْ ادَّعى، واليمين على من أنكر» (١). والحاكم مدع للحكم، فعليه البينة. ولأنه شاهد على فعل نفسه، فلا يُقبل، ولا يُقبل مع شاهد واحد؛ لأنه ليس بمال، فلا بد من شاهدين. وقال [أصبغ] (٢) في «الواضحة»: يُصدق القاضي (٣). * * * * ص: (إذا كتب حاكم إلى حاكم كتابًا في حق ثبت عنده؛ لم يحكم بكتابه إلا ببينة تشهد على الكتاب، ولا تُقبل على خطه دون لفظه). * ت: الضرورة تدعو إلى [النقل بسبب أنَّ] (٤) البينة قد لا توجد في بلد الخصم، وكذلك لو وصل إليه من غير جهة صاحب الحق فلا بد من شاهدين؛ لأنه يجوز تزويره، فلا يُعلم صدقه إلا بالبينة، وهو غير المال المشهود فيه، الذي يكفي فيه الشاهد واليمين وشهادة امرأتين مع رجل. ولا يكتفي بعلامة القاضي؛ لأنها تزور. فإن أشهد على كتابه ولم يقرأه، بل أشهدهم أنه كتابه؛ فعن مالك روايتان: إحداهما: جوازها؛ لأنَّ إقراره بأنَّ ما فيه له يكفي، وقياسًا على قراءته عليهم، وعلى المكتوب إليه قبول الشهادة ونفوذ الحكم، وكذلك الوصية

стр. 2756

المكتوبة التي لا تُقرأ، والكتاب الذي لا يُقرأ إذا أقر صاحب الحق بذلك. ولأنه لو قرأه عليهم ما حفظوه، وإنما الغرض في ذلك الإقرار. وكان رسول الله ﷺ يكتب إلى عماله فيقبلون كتابه من غير قراءة عليهم عند الكتابة. والرواية الأخرى: أنه لا تصح الشهادة على كتاب حتى يُقرأ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف: ٨١]، وما في الكتاب غير معلوم، ولأنَّ الخط قد يُزوّر ويزور الكتاب المطوي، فإذا قُرِئَ عُلِمَ الأول. * * * * ص: (إذا أنكر الخصم، فشهد شاهدان على خطه دون لفظه؛ ففيها روايتان: إحداهما: أنه يحكم له بالشهادة على الخط). لأنه قد يُعلم، كالصوت للأعمى. (والأخرى: لا يحكم بها). لأنَّ التزوير كثير. (وعلى الأولى؛ ففي احتياجه لليمين روايتان. وإذا شهد واحد على الخط فهل يُحكم له بالشهادة على الخط مع يمينه، أو لا يحكم له؟ رواتان).

стр. 2757

* ت: روى ابن عبد الحكم، عن مالك الرجوع عن قبول الشهادة على الخط (١)؛ لكثرة التزوير، وهو الذي استقر قوله عليه. ووجه الاحتياج لليمين: ضعف الشهادة على الخط. ولاحظ في الرواية الأخرى: أنَّ كتابته بيده كإقراره بلسانه، والإقرار لا يحتاج معه إلى يمين، فكذلك الخط، وكذلك الشاهد الواحد مع اليمين، كما لو شهد على إقراره. ويدلُّ عليه: أنَّ الرجل إذا أقرَّ بالطلاق لزمه، وإن كتبه بخطه لزمه ذلك إذا أراد به الطلاق، فقد نابت الكتابة منابَ اللفظ (٢). فرع: من «المجموعة»: إذا كتب قاض إلى قاض، فإن كان الذي كتب عند المكتوب إليه مُستحِق القضاء في فهمه ودينه وعلمه وورعه وفطنته، غير مخدوع، قَبِلَه (٣). قال أشهب: إن كتب غير العدل: أنَّ بيّنة فلان ثبتت عندي؛ لم يقبل كتابه، وإنما يقبل كتابَ مَنْ لو شهد عنده قَبِلَه (٤). فإن جهل حاله والمجهول من قُضاة الأمصار كالمدينة والعراق والقيروان؛ نفذه.

стр. 2758

وأما قضاة الكور الصغار فلا ينفّذه حتى يسأل العدول عنه وعن حاله (١). * * * * ص: (الحبس في الحقوق كلها واجب عن معاوضة مال أو غير مال). * ت: لأن فيه تخليص الحقوق؛ لأنَّ من الناس الملد الذي لا يعطي إلا بالتضييق. ويحبس الحُرَّ والعبد حتى يستبرئ أمره، ويكشِفَ عن حاله. فإن اتهم أن يكون غيَّب مالا حبَسَه، وإلا لم يحبسه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]، أي: ملازما. ولما جازت ملازمته ومنعه من التصرف جاز حبسه، ولا خلاف فيه بين فقهاء الأمصار. وإذا عجز عن إثبات فقره لم يُخرج من السجن، وإذا ثبت فقره أُحلِفَ أنه لم يكتم شيئًا، وأنه لا دين له ولا وديعة ولا شيءَ يَقْدِرُ على القضاء منه، وأنه إن وَجَدَ ليقضينه. قضى بذلك أبو بكر، وعمر ﵄. * ص: (لا حبس على مُعسِرٍ، ويجب إنظاره). لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةً﴾ [البقرة: ٢٨٠]، ولأنَّ حبسه ضرر من غير فائدة.

стр. 2759

وليس للحبس حد. ولأن الغرض اختبار حاله، فإذا ظهر في المدة القريبة اقتصر عليها، وإلا تمادى به على ما يغلب على ظنه. وينظر الحاكم في حال المحبوسين، ولا يهمل أمرهم. لئلا يتضرّروا، وهو مسؤول عنهم. فمَن عَلِمَ إعساره أنظره، ومَن عَلِمَ لَدَدَهُ أَطال حبسه. لأنه متعد بترك قضاء الحق، ورُوِيَ: أَنَّ رسول الله ﷺ حَبَسَ في تهمة (١). * ت: من أشكل أمره، سأل جيرانه. ومَن يَعرِفَ حاله؛ فإن لم يجد له مالاً أَحلَفَه وخلى سبيله، وليس للغريم ملازمته، خلافًا لأبي حنيفة في الملازمة لا بمعنى المطالبة، بل يكون معه حيث دار. لنا: أنَّ الآية المتقدمة أوجبت الإنظار مطلقا. * * * ص: (وإذا حَكَم الرجلان رجلا فحكم بينهما، فرضي أحدهما وسخط الآخر؛ لزمه حكمه إذا حكم بما يجوز، وافق حكم قاضي البلد أو خالفه، ما لم يخالف الإجماع). ت: لأنهما لما حكماه فقد رضيا بحكمه، فيلزمهما كما يلزم المسلمين

стр. 2760

حكم الإمام إذا نصبوه، أو حاكم إذا رضوه، كذلك هاهنا، إلا أن يكون جورًا بينا. قال اللخمي: يُشترط في المحكم العدالة، ورتبة الاجتهاد، أو عاميًا يسترشد بالعلماء، فإن حكَمَ ولم يسترشد؛ رُدَّ حكمه وإن وافق قول قائل. وإن كان من أهل الاجتهاد مالكيًا ولم يخرج عن مذهب مالك لَزِمَ حكمه، وإن خرج لم يلزم حكمه إذا كان الخصمان مالكيين؛ لأنهما إنما حكماه في مذهب مالك وأصحابه، وكذلك الشافعيان والحنفيان (١). وقال أبو حنيفة: إن وافق حكمه قاضي البلد؛ لزم، وإلا فلا. لنا: قوله ﵇: «المسلمون عند شروطهم» (٢). ولأنهما رضياه كما لو رضيا بقاضي البلد. فإن حكما رجلين فحكم أحدهما؛ لم يجز حتى يَحكُمَا معاً. ويصح التحكيم في الأموال وما في معناها، دون اللعان والحدود والقصاص والطلاق والعتاق والنَّسب والولاء، وإنما ذلك لقضاة الأمصار العظام والإمام. * ص: (إذا حكماه في شهادة، فشهد على أحدهما بشهادة، فأنكرها؛ لم تلزمه). * ت: لأن الشهادة علمٌ يؤديه للحاكم، فإذا عَلِمَ أنه شهد عليه بالباطل فله إنكاره.

стр. 2761

قال ابن القاسم: ولكن إن كان الشاهد عدلاً؛ قُبِلَ عليه في الأموال (١). وقول مالك: لا يُقبل عليه وإن كان عدلا (٢). قال ابن القاسم: محمله عندي في غير الأموال (٣). وكذلك إذا قال في المخاصمة: رَضِيتُ بما يشهد به فلان؛ فله مناكرته، ويقول: ظننت أنه يشهد بالحق. والفرق بين التحكيم والشهادة أن التحكيم رضا باجتهاد غير معين، والشهادة لا اجتهاد فيها، فيَنفُذُ الاجتهاد ما لم يخالف نصا أو إجماعاً؛ لدخولهما على ذلك. قلت: لا يُقبل من القاضي قضاؤه ويُنقض إذا خالف أحد أربعة: الإجماع والنص والقياس الجلي والقواعد الشرعية، وكذلك إذا وقع حكم في مذهب كذلك لا يجوز أن يفتي به، فكذلك التحكيم. * * * * ص: (ينبغي في كتابة الوثيقة أن يُمل الذي عليه الحق. فإن أملاه الذي له الحق بحضرته ورضاه، أو رجلٌ غيرهما بحضرتهما ورضاهما، جاز، وأجرة الكاتب على أرباب الحقوق إذا كانوا جماعة بالسوية). * ت: أصل ذلك قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنِ إِلَى

стр. 2762

أَجَلٌ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبُ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ولأنَّ الدين عليه، فإملاؤه إقرار. ولأنه يرفع الشبهة، فقد يقول الذي عليه الحقُّ إذا أملى الطالب: خَفِيَ عليَّ بعض الذي أملاه. واختلف في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، هل الهاء في ﴿وَلِيُّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] للطالب أو المطلوب؟ وقيل: السفيه: الجاهل بالإملاء. وقيل: سفيه المال. والضعيف: العاجز لخرسه. وقيل: هو الأحمق الضعيف العقل. وفي كون أجرة الكاتب على قدر الحقوق؛ لأن ثمرتها تعود إلى الحق. وقيل: على عدد الطالبين؛ لأن التعب واحد. * * * * ص: (يُحكم على الغائب في الحقوق كلها، والوكالات، والمقاسمات، والمداينات، وسائر المعاملات، وقد كُرِه في الربع والعقار، إلا أن تطول غيبته ويَضُرَّ ذلك بخصمه.

стр. 2763

وقال أشهب: يُحكم عليه في الربع وغيره). * ت: قال أبو حنيفة: يسمع الحاكم البينة ولا يحكم عليه. لنا: قوله ﵇ لهند حين قالت له: إنَّ أبا سفيان رجلٌ شحيح، ما يعطيني ما يكفيني وولدي، أفأخُذُ منه؟ فقال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (١). وفعل ذلك عمر ﵁، ولم ينكر عليه أحد. ولأنَّ ذلك ذريعة لبطلان الحقوق، فمن أراد ذلك غاب. ولأنه لا فائدة في سماع البيئة إذا لم يُحكم بها. احتجوا: بقول رسول الله ﷺ لعلي: «إذا أتاك الخصمان فلا تقض لأحدهما دون أن تسمع من الآخر» (٢). [جوابه] (٣): أنه محمول على الحاضرين؛ لقوله: «إذا أتاك الخصمان». وهل يباع عليه ربعه؟ لمالك قولان. والفرق بين الربع وغيره أنه مأمون، أو يقال: تأخير بيعه ضرر على الخصم بتأخير حقه.

стр. 2764

قال بعض أصحابنا: إن قَدِمَ وأثبت أنه كان قضى الحق الذي عليه رجع على المقضي له فغرمه ما أخذ فقط، ولا يَنقُضُ بيع داره التي بيعت عليه، إلا أن يجد شيئًا بِيَدِ مَنْ اشتراه لم يتغير، فله أخذه ودفع ثمنه. * * *

стр. 2765

كتاب الوكالة (الوكالة جائزة في البيع والشراء والخصومة والقضاء والاقتضاء وغيرها). ت: لقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩]. وأمر رسول الله ﷺ رجلا أن يشتري له أضحية بدينار، فاشترى له شاتين بدينار، فباع واحدةً بدينار، وأتاه بشاةٍ ودينار، فدعا له رسول الله ﷺ بالبركة (١). وأجمعت الأمة على جواز الوصية، والوصي يبيع ويشتري، ويقضي ويقتضي، وهي وكالة. ووكل علي ﵁ عقيلاً في الخصومة، وقال: هذا عَقيل، ما قُضِي عليه فعلي، وما قُضي له فلي. * * * * ص: (والوكيل أمين لا يضمن إلا أن يتعدى، ويصدق في رد السلعة أو ثمنها للآمر). * ت: لأنه أقامه مقام نفسه، ورضيه، كالمودع، وإذا وكله في الحكومة فقد رضي إنكاره وإقراره، ويُصدَّق في رد السلعة، كالمودع. وإذا أبضعت معه سلعة فقال: رددتها قبل أن أخرج؛ قال مالك: صُدِّق، إلا

стр. 2766

أن يقبضها ببينة (١). * * * * ص: (إن باع الوكيل ولم يُشهد على المشتري، وجحده؛ فهو ضامن؛ لتعديه). * ت: لأنه لما سلم السلعة ولم يقبض الثمن فقد عرَّضها للتلف (٢). وما الذي يضمن؟ (٣). قال ابن أبي زيد: القيمة؛ لتعديه على السلعة، ولم يتعد على الثمن. وقال ابن شبلون: الثمن؛ لتفريطه في [تحصيله] (٤)، أو لأنَّ من استهلك سلعةً بعد [قيامها على ثمن يضمن] (٥) ذلك الثمن. وقيل: يضمن الأقل منهما. وكذلك إن وكَّله [ليسلم] (٦) في طعام، فقال: فعلتُ، وأنكر ذلك المسلم إليه؛ قال أبو بكر بن عبد الرحمن: يضمن رأس المال. وقيل: يضمن الطعام. قال أبو محمد: هذا كله فيما جرت العادة بالإشهاد فيه، وإلا لم يضمن.

стр. 2767

قال أبو محمد: لا يضمن السمسار الطوَّافُ في الأسواق إذا قال: بعتُ الثوب من فلان، وأنكر فلان الشراء؛ لأنَّ عرف الناس عدم إشهاد السمسار. قال أبو بكر بن عبد الرحمن: إن اتُّهم استُحلِف. قال أبو العباس الإبياني: يضمن؛ لعدم الإشهاد. وفي «المدونة» في القراض قال مالك: إذا دفع العامل ثمن سلعة بغير بينة، فجحده البائع وحبَسَ السلعة؛ فهو ضامن، وكذلك الوكيل على شراء سلعة بعينها أو بغير عينها، فدفع الثمن، فجحده البائع وحبَسَ السلعة؛ يضمن، وإن علم رب المال بقبض الثمن بإقراره عنده أو بغير ذلك وجحده؛ فله (١) تغريم العامل؛ لأنه أتلف بعدم الإشهاد، إلا أن يدفع الوكيل الثمن بحضرة ربّ المال. * * * * ص: (إن وكلت زوجها في بيع أو شراء، وقالت: لم يعطني شيئًا؛ حلف وبرئ، وكذلك الموكل في دين) (٢). * ت: لأن الوكيل أمين يُصدَّق على من ائتمنه. فإن قال: دفعته لغيره لم يصدق إلا ببينة؛ لأنَّ غيره لم يأتمنه، والمال في ذمة الوكيل، لا يبرأ منه إلا ببينة، وكلُّ مَنْ كان في ذمته شيء لا يبرأ منه إلا ببينة،

стр. 2768

وكلُّ مَنْ كان في يده مال أمانةً صدق في رده لمن ائتمنه. قال الأبهري: ولا خلاف في هاتين الجملتين (١). * * * * ص: (إذا وكله بقبض ماله فقال: أخذتُه، ولم يوصله لربه؛ لا يبرأ الذي عليه الحق إلا ببينة، وإلا [غرم] (٢) الحق، ولا ينفعه إقرار الوكيل). * ت: لأنَّ الغريم مدع، وعلى صاحب الحق اليمين، وأمانة الوكيل بينه وبين الموكل لا الغريم. قال مطرف: هذا في الوكيل المخصوص، أما المفوض والوصي فيبرأ من دفع إليهما (٣). وقال ابن القاسم، وعبد الملك، وابن عبد الحكم في المفوض والمخصوص: يُصدقان مع أيمانهما، كالمودع في رد الوديعة (٤). * ص: (إن باع ووكل في قبض الثمن، فقال الوكيل: قبضته ودفعته لربه، فعلى الغريم البينة بدفعه للوكيل، وليس على الوكيل إلا اليمين في دفعه). * ت: لأنَّ الغريم مدع لبراءة ذمته، فعليه البيئة، وإلا يحلف صاحب الحق أو وكيله؛ لأنَّ البيئة على المدعي، واليمين على المنكر، كما جاء في الحديث،

стр. 2769

والوكيل مؤتمن اكتفي بيمينه، والغريم ليس مؤتمنا. قال ابن المواز: ولا ضمان على الوكيل للدافع إليه بترك الإشهاد على الموكل ليبرأ الدافع إليه؛ لأنه لما سلَّمَ إليه بغير إشهاد فقد رضِي بأمانته في التسليم، فيُصدق مع يمينه، ويحلف الموكل أنَّ الوكيل لم يدفع إليه شيئًا، ولا عَلِمَ أنه قبض، ويحلف الوكيل أنه سلَّمَ إليه (١). * * * * ص: (ولا يخاصم عن الغائب قريبه إلا بوكالة [أو أمر يُعرَف] (٢)). * ت: أو بأمر حاكم؛ لأنَّ الأصل عدم الولاية على مال غيره إلا بسبب شرعي. ولقوله ﵇: «كلُّ أحد أحق بماله من ولده ووالده والناس أجمعين» (٣). * * * * ص: (وإذا اشترى الوكيل بعد موت [الموكل] (٤) ولم يعلم بموته؛ لزِمَ الشراء ورثته، وإن لم يكن قبض الثمن لزم في تركته، وإن اشترى بعد علمه لم يلزم الورثة، وغَرِمَ الثمن، وكذلك ما باع بهذا المعنى). * ت: لأن الأصل بقاء جواز التصرف حتى يعزله هو أو ورثته، وإنما امتنع بعد علمه بالموت؛ لأنَّ العزل الذي كان للمورث انتقل إليهم، والغالب عليهم تجديد التصرفات بالعزل وغيره؛ لأنَّ الإنسان مشغوف بذلك، بخلاف احتمال

стр. 2770

العزل من جهة المورث، فيتوقف حتى يأذنوا، وتصرفه في موضع الغالب فيه العزلُ تَعَدِّ، فإن جَهِلَ عُذر (١). وقال مطرف: هو باق على وكالته بعد علمه حتى يعزل له الورثة (٢)، كالخليفة يقدّم قاضيًا، فيموت الخليفة، فالقاضي باق حتى يُعزل. وقال أصبغ: تنفسخ وكالته بموت الآمر، ولا يجوز اقتضاؤه ولا خصومته (٣)، كالمرأة تجهل الطلاق أو الموت، عِدَّتُها من يوم الطلاق أو الموت. * * * * ص: (إن فوض إليه البيع والشراء واقتضاء الديون، وأشهد له بذلك، ثم خلعه وأشهد على خلعه، ولم يعلم بذلك غرماؤه؛ فلا يبرأ غريم بما دفع إليه بعد خلعه، كان ثمنا لما باعه الوكيل أو من غيره، وقيل: إن لم يعلم الوكيل والغريم بالحجر فالغريم يبرأ، وإن علم أحدهما والآخَرُ عالم أو غير عالم لم يبرأ الغريم). * ت: وجه الأول: أنَّ الأصل عدم سلطان [أحدٍ على مال] (٤) غيره، فإذا عُزِلَ فُقِدَ سبب صحة التصرُّف، فلا يبرأ الغريم بدفعه إلى غير وكيل. والفرق بين الموت والعزل: أنَّ الموت لم يقع فيه عزل ممن ولاه، بل انعزل شرعاً؛ لانتقال الملك لغيره، فهو من حقوق الله تعالى، كالقبلة إذا جهلها، وعزل الموكّل وصف حقيقي، فلا يَضُرُّ جهل غيره، كالاستحقاق.
следующие страницы →