بإفاقته إن كان طارئًا بعد البلوغ؛ لأنه كان على رُشد، أو قبل البلوغ لم يُدفَع إليه إلا بعد ثبوت الرشد، وعمَّن يُخدَع في ماله إذا عُلِم منه الضبط.
والحجر للآباء والسلطان والسيد، فللآباء في الصغار حيًّا، ويُقيم لهم عند الموت وصيًّا، وفي الإناث وإن كبرن، ما لم يدخل بهن أزواجهن، والسلطان في الصغار عند عدم الأب والوصي، وفي الكبار مع وجود الأب إذا حدث بعد البلوغ ما يوجب الحجر، فذلك للسلطان دون الآباء، والسيد في عبده.
* * *
* ص: (ولا يُحجر على فاسق إذا كان مُصلِحاً لماله).
* ت: قال الشافعي: يُحجر [على الفاسق] (١).
لنا: أنه إنما يُستدام الحجر على البالغ [للتبذير] (٢)، ولو طرأ الفسق على الكبير لم يُحجَر عليه، فكذلك إذا بلغ فاسقا.
قال اللخمي: أرى أنَّ [المُثمر لماله] (٣) إذا كان يستعين به على الفسوق أن يُحجَر عليه لحق الله تعالى؛ لأن تغيير المنكر فرض إذا كان لا يزجره إلا الحجر، مع بقاء المال معه (٤).
* * *
ص: (لا يجوز للمرأة ذات الزوج أن تهب ولا تُعتق ولا تتصدق بأكثر من ثلثها إلا بإذن زوجها.
стр. 2802
فإن فعلت خُيّر زوجها في إجازة ما زاد على الثلث أو رَدَّه، وقيل: يَرُدُّ الكل إذا زادت على الثلث).
* ت: قال أبو حنيفة والشافعي: لها التبرع مطلقا.
لنا: قوله ﵇: «تُنكَح المرأة لمالها وجمالها» (١)، فدل على تعلقِ حقه به، والعادة [تجمله] (٢) به، ولذلك يَقِلُّ المهر ويكثر بكثرة مالها وقلته.
وقال ﵇: «لا يجوز لامرأة أن تقضي في ذي بال من مالها إلا بإذن زوجها» (٣)، وما له بال فوق الثلث.
فقال مالك: يَرُدُّ الجميع (٤)؛ لأنه من الضرر (٥).
وقال المغيرة: يجوز قدر الثلث (٦)؛ قياسا على المريض (٧).
(ويجوز بيع المرأة ذات الزوج وشراؤها إذا لم تُحابِ، ولا مَنْعَ للزوج في ذلك).
لأنه لم يتضرر.
стр. 2803
(وإن تبرعت بأكثر من الثلث، ولم يعلم بذلك الزوج حتى طلق أو مات؛ نفذ فعلها).
الزوال المانع.
(وكذلك العبد إذا عتق بعد تبرعه وقبل علم السيد).
* * *
* ص: (وإذا استدان السفيه بغير إذن وليه لم يلزمه ذلك بعد زوال حجره).
والفرق: أنه حُجر عليه لِحَقِّ نفسه، فلو لَحِقَه الدين والتبرع بعد زوال الحجر لم يُفد الحجر شيئًا، والعبدُ حُجر عليه لِحَقِّ سيده، فلا يُبْطِلُ الحجر [ما لزمه] (١) بعد العتق؛ لبقاء حق السيد قبل العتق غير مضيع، ولأنَّ السفيه ناقص التصرف في نفسه، غير أهل للتصرُّف، فلا تثبت آثار تصرُّفه، والعبد أهل لذلك، بدليل أنه لو أذِنَ له سيّده لصح، فلزمت آثار تصرفه.
* * *
* ص: (وإذا أذن وليُّ السفيه له في التجارة في مال بعينه، واستدان دينا؛ وجب دينه في ماله لا في ذمَّته، فإن فضَلَ عن ماله فضل لم يتبع بالفضل في ذمته).
* ت: لأنه إنما داينوه على ذلك المال، هذا قول ابن الجلاب.
وقال ابن القاسم: لا يلزمه في ذلك المال الذي أُذِنَ له فيه، ولا فيما بقي؛ لقوة الحجر عليه، وعدم خروجه من الولاية، والإذن إنما كان للاختبار، بخلاف العبد المأذون، فإنَّ الحجر عليه إنما هو لحق سيده.
* * *
стр. 2804
* ص: (الوصي مُصدَّق فيما ذكر من نفقة اليتيم، وكذلك ولي السفيه).
ت: إذا أتيا بما يُشبه؛ لأنَّ النفقة لا بُدَّ منها، وإقامة البينة تشقُّ على الأولياء، وقد تتعذر، فيؤدي لعدم النفقة.
* * *
* ص: (إذا بلغ اليتيم فادَّعى الوصي ردَّ المال إليه لم يُصدَّق إلا ببينة).
* ت: لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦]، فلولا أنه يضمن لم يؤمر بالإشهاد، ولعدم المشقة في ذلك.
بخلاف الإنفاق، والفرق بين الولي والمودع يُصدَّق في رد الوديعة: أنه يَرُدُّ إلى من ائتمنه، وولي اليتيم والسفيه يدفع لغير من ائتمنه، فلا يُصدق على غير من ائتمنه، كما لو قال المودع: دفعت إلى غير المودع؛ لم يصدق.
* * *
* ص: (لا بأس بالتجارة في مال اليتيم، ولا ضمان على الوصي في ذلك).
* ت: قال عمر: اتَّجروا في أموال اليتامى؛ لا تأكلها الزكاة (١).
وورد مرفوعاً.
ولأنه مصلحة لهم، ولا يضمن؛ لأنه أمين.
* * *
* ص: (ولا بأس أن يخلط الوصي نفقة يتيمه بماله إذا كان الرفق في ذلك لليتيم، ولا يجوز إذا كان الرفق للولي، وينبغي لولي اليتيم التوسعة عليه في نفقته وكسوته على قدر حاله، ولا بأس بتأديبه).
стр. 2805
* ت: لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، فمتى لم تكن المصلحة له لم يجز.
ولقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
ولأن المشقة قد تقع في الانفراد في البيت الواحد.
ويوسع عليه؛ لقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾، [الطلاق: ٧].
وقال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الله إذا أنعم على عبد أحب أن يَرَى أثر نعمته عليه» (١)، فلا يزيد عما يحتاجه اليتيم، ولا يَنقُصُ عنها.
وتأديبه إحسان؛ لقوله ﵇: «ما نَحَلَ والد ولدا أفضل من أدب حسن» (٢).
وقال ﵇: «مروا الصبيان بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر» (٣)، وليكن التأديب بالرفق إذا احتاج إليه.
* ص: (ينفق على أم اليتيم من ماله إذا احتاجت، ويُخرج الزكاة من ماله، وزكاة الفطر، ويضحي عنه من ماله).
* ت: لأن نفقة الأم واجبة عليه في ماله، وكذلك الزكاة، والأضحِيَّة مأمور بها.
стр. 2806
كتاب الرهون
والرهن في البيع والحقوق كلها جائز.
* ت: أصله الكتاب، والسنة، والإجماع.
فالكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وفي «الصحيحين»: أنَّ رسول الله ﷺ اشترى طعامًا بالمدينة، ورهن فيه درعه (١).
ولا خلاف في جوازه، ومنهم من منعه في الحضر.
لنا: الحديث المتقدم.
ولأنه توثقة فيجوز في الحضر، قياسا على الضامن.
* * *
* ص: (إذا باع واشترط رهنا بعينه؛ لزم دفعه، أو مطلقا فامتنع من دفعه؛ خير البائع في إمضاء البيع بغير رهن وفسخه).
* ت: يُجبر على تسليم الرهن المعين.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يلزم، وهو عقد جائز، فإن أقبضه الراهن؛ لزم، وإلا فلا.
стр. 2807
لنا: أنه عقد، فلم يكن من شرط لزومه القبض، كسائر العقود.
وإن أعطى في المطلق ثوبًا، أو حُلِيًّا، أو دارا ونحوه؛ لزم البائع قبوله، أو عبدا، أو دابَّةً؛ لم يلزمه قبوله؛ لمشقة حفظه.
فإن أراد المشتري ثوبًا، وكرهه البائع؛ لأنه يضمن، أو دارا، وامتنع البائع؛ ليأخذ شيئًا يبيّنُ به، ويكون تحت علقه؛ قدّم المشتري؛ لأنَّ ذلك كله رهن، إلا أن يشترط صنفًا فيوفي له به.
* * *
* ص: (إن اشترط أن السلعة المبيعة رهن إلى أجل ثمنها؛ جاز في العروض والعقار دون الحيوان).
* ت: متى كان الأجل تتغير السلعة فيه امتنع؛ لأنه لا يدري كيف يقبضها، وإلا جاز، وأما الحيوان فلا يجوز؛ لأنَّ تأخر القبض فيه غرر، وأما الثلاثة أيام فيجوز؛ للأمن فيها غالبًا.
* * *
ص: (والرهون مضمونةٌ وغير مضمونة، فالمضمون: الأموال الباطنة، كالعروض والحُلِيّ، وغيرُ المضمون: الأموال الظاهرة، كالعقار والحيوان).
* ت: من قبض المنفعة نفسه يضمن، كالدين، أو لمنفعة غيره لا يضمن، كالمودع، والمرتهن قبض لنفسه فيضمن، إلا أن تقوم بينةٌ، أو يظهر ذلك؛ لأنه ليس متعديًا في القبض، كالغاصب، وقال ﷺ : «الرهن ممن رهنه، له غنمه وعليه غرمه» (١).
стр. 2808
* ص: (من ارتهن ما لا يُضمن على أنه ضامن لم يلزمه ضمانه، أو ما يُضمن على أنه لا ضمان عليه لم يسقط عنه ضمانه).
ت لأنه سنة الرهن، وشرط ما هو على خلاف العقد، كما لو شَرَطَ في الوديعة الضمان، أو شرط في البيع عدم الدَّرَك.
وقال رسول الله ﷺ : «كلُّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق» (١).
وقال أشهب: له شرطه؛ لقوله ﷺ : «المسلمون عند شروطهم» (٢).
* * *
* ص: (إن قامت البينة على الهلاك في رهن [باطن] (٣) فروايتان: لزوم الضمان، وسقوطه).
* ت بالسقوط قال ابن القاسم؛ لأنَّ سببه التهمة، وقد زالت التهمة بالبينة - بأنه أخفاه أو أتلفه ونحوه، ألا ترى أنَّ العرف لما نفى التهمة في الربع والحيوان سقط الضمان وليس هو كالغاصب لا تفيده البينة.
واحتج أشهب على أنه [ضامن] (٤) بقوله ﵇ لصفوان: «بل عارية مؤادة» (٥)، أي: لا بُدَّ من أدائها وإن شهد على هلاكها البينة.
стр. 2809
* ص: (ونسل الحيوان رهن مع أمهاتها، وفراخ النخل والشجر رهن مع أصولها، وثمر النخل والشجر لا يدخل في الرهن إلا أن يشترط، وألبان الإبل والغنم وأصوافها لا تدخل في الرهن إلا أن يشترط ذلك).
* ت: الغلات غير المعينة لا تدخل في الرهن، كغلات العبيد والدور والحيوان ونحوه.
والمعيَّن غير منفصل عن الأصل ولا متميز، نحو: كبر الصغير، وسِمَنِ الهزيل فيندرج اتفاقا.
والمميز: نسل، أو كالنسل، نحو فراخ الشجر، فيندرج، والذي ليس كالنسل نحو الثمر واللبن والصوف لا يندرج.
وقوله ﵇: «الرهن من راهنه، له غنمه وعليه غُرمه» (١) يقتضي أن المنافع وما لا يكون له غنم ليس رهنا.
قال الأبهري: الثمرة خراج، والخراج بالضمان، وقياسًا على اللبن؛ فإنه لا يكون رهنا.
قال مالك: الغلة لا تكون رهنا إلا أن تشترط فتكون رهنا إلى [أجل] (٢)(٣)
قال ابن القاسم: إذا كمل نباتُ الصوف كان رهنًا (٤).
ومنعه أشهب، كاللبن في ضروعها (٥).
стр. 2810
ويَدُلُّ على أنَّ النسل رهن: أنَّ الولد يلحق بأمه في التدبير والكتابة وغنم الزكاة والحرية والرق وغيرها.
وكل عقد ثبت للأم لا سبيل إلى حلّه فهو للولد إذا حدث، إلا الإجارة والنكاح.
والسيد يتصرف في خراج الأمة، ولا يتصرف في ولدها الحادث بعد العقد الكائن في الأم.
ومتى اشترط رهن ما لا يندرج اندرج، كسلعتين يضمهما في الرهن.
* * *
* ص: (يجوز رهن الغرر والمجهول، كالآبق، والشارد، والأجنَّةِ في بطون أمهاتها).
* ت: لأنه إذا جاز له دفع ماله بغير توثقة جاز مع توثقة مجهولة.
فإن كان في أصل عقد البيع أو [القرض] (١) امتنع؛ لأنَّ البائع حَطَّ من الثمن لشيء لا يدري هل يحصل أم لا، فهو بيع مجهول.
ومنع مالك رهن الجنين في كتاب الصلح من (المدوّنة) (٢).
وجوزه ابن مسر، كالآبق، ويصح بالقبض (٣).
والمعروف لمالك المنع في الأجنَّة دون الآبق والشارد؛ لقوة الغرر في الأجنة.
стр. 2811
* ص: (ونفقة الرهن على راهنِهِ، ومنفعته وخراجه له دون مرتهنه).
ت الملك له، فتكون عليه النفقة، وله الغلة، كالبيع، وهو معنى قوله ﷺ : «الرهن ممن رهنه، له غُنمُهُ، وعليه غُرمُهُ» (١)، ولأنَّ الخراج بالضمان.
* * *
* ص: (إن اشترط الانتفاع بالرهن إلى أجَلِ الثمن جاز في البيع، وامتنع في القرض).
لأنه سلف جَرَّ نفعاً.
* ت: قال مالك: [أكره في البيع] (٢) اشتراطه في الحيوان والثياب (٣)؛ لأنه لا يدري كيف يرجع، بخلاف الدور.
وأجازه كله ابن القاسم إذا سمى أجلا (٤)، كالإجارة، فتكون إجارة وبيعاً.
والفرق لمالك بين الإجارة والرهن في الحيوان أنه يتغير فيدخل الغرر في الثمن للجهل بما يقابله، ولا ضرورة تدعو لذلك، [والضرورة تدعو للإجارة] (٥).
فإن ضاع المشترط منفعته، وهو مما يغاب عليه:
قيل: يضمنه لأنه رهن، ولأنه مختص به دون غرمائه.
وقيل: لا يضمنه، كالعين المستأجرة.
стр. 2812
وقيل: يُنظر إلى القَدْر الذاهب منه بالإجارة لا يُضمن؛ لأنه مستأجر، ويُضمن ما عداه؛ لأنه رهن.
* * *
ص: (إن ارتهن عبداً له مالٌ؛ لم يندرج ماله.
فإن فَلَسَ سيده؛ فالمرتهن أولى برقبة العبد من الغرماء.
فإن فضل شيء؛ فهو أُسوةُ الغرماء في مال العبد).
ت: إن اشترط المال اندرج، كالبيع، وماله كثمرة النخلة؛ لأنَّ الجميع خراج.
وأجاز في «المجموعة» ارتهان ماله دونه، وله معلومه ومجهوله يوم الرهن إن قبضه (١).
ولا يكون ما وُهِبَ للعبد رهنا معه، وإن اشتَرَطَ ماله معه وما ربح في ماله المشترط معه فهو رهن، كما يدخُلُ فيما أوصى به ربح ما علمه الموصي ولا يَدخُلُ ما لم يعلمه من ماله (٢).
وقيل: يندرج ما وُهِبَ له، كما إذا بيع بالخيار واشترط ماله فإنه يندرج ما وُهِبَ له في أيام الخيار، أو صدقة أو وصية (٣).
* * *
ص: (إن رهن أمة عبده حَرُمَ وطؤها على العبد حتى يفتحها سيده).
لأن ذلك كالانتزاع.
стр. 2813
(وكذلك لو رهن العبد معها لم يطأها العبد حتى تخرج من الرهن).
* ت: رأى مالك تحريمها حتى تنفك (١)، وعلى هذا لو وطئها لم يُحد؛ للشبهة؛ لأنه كالانتزاع، ولتعلق حق المرتهن.
وقال ابن المواز: هو انتزاع تام (٢)، لا ترجع إليه إلا بِرَد جديد.
قال مالك: إن [وطئ الأمة العبد أو السيد] (٣) فسد الرهن، ووطء السيد أشدُّ فسادا (٤).
يريد - والله أعلم: إذا كان بإذن المرتهن.
وفرق ابن المواز بين رهن العبد له الوطء؛ لأن ملكه لم يقع فيه انتزاع، والرهن في رقبته خاصةً، بخلاف رهن الأمة.
وقال ابن مسلمة: ذلك انتزاع، وتُمنع منه أمته وإن افتكه، إلا بأمرٍ جديد (٥).
ولو رهن السيد العبد وللعبد زوجةٌ؛ لم يُمنع من وطئها، بخلاف الأمة.
* * *
* ص: (من رهن أمته؛ حرم وطؤها عليه.
فإن وطئها بإذن المرتهن؛ بطل رهنها، أو بغير إذنه فلم تحمل فهي رهن بحالها، وإن حملت وله مال كانت له أم ولد، ودفع إلى المرتهن حقه، وإن لم
стр. 2814
يكن له مال بيعت وقضى الحقَّ من ثمنها، وما فضل اتبعه به في ذمته.
فإن كان ثمنها أكثر من الحق؛ بيع بقدره، وما بقي فبحساب أم الولد لا يباع، ولا يباع الولد، كان الراهن موسرًا أو معسرًا).
لتخلقه على الحرية.
* ت: امتنع الوطء لأنه تعرض لإبطال الحق؛ لأنَّ المرتهن لا يقدر على بيعها حاملا.
ولأنه تصرف في الرهن، وهو ممنوع؛ لأنه توثقة وبحوز المرتهن.
وإذا أذن له فقد أبطل حقه؛ لأنَّ من شرط الرهن القبض، وقد بطل بحوز الراهن لها بالوطء، وقد تَحمِلُ.
وإن لم يأذن سقَطَ الحدُّ؛ لأنها ملكه، ولَحِقَهُ الولد؛ لأنه من أمته، وإقدامه على الوطء رضا منه بدفع الحقِّ من ماله، كما لو أعتق العبد.
ولا يلزم رهن آخر؛ لأن الشرط إنما تناولها.
ولا تباع في الإعسار إلا بعد الوضع؛ لئلا يباع الولد وهو حر؛ لأنَّ الجنين جزء المبيع.
وقوله: كان ما بقي بحساب أم الولد، ظاهِرُهُ أنها لا تعتق.
وقال اللخمي: تعتق (١)، وهو أصل المذهب أنَّ أم الولد لم يبق فيها إلا الاستمتاع، فإذا حَرُمَ عَتَقَت، كما إذا ظهر أنَّ أم الولد ذاتُ مَحرَم.
стр. 2815
* ص: (فإن وطئها المرتهن فهو زان، وعليه الحد، ولا يلحق به الولد، وولدها رهن معها، يُباع ببيعها).
لأنها ليست ملكه، ولا له شُبهة ملك.
فإن أحلها له الراهن لزمه قيمتها، حملت أم لا، ولا تلزمه قيمة ولدها.
لأنه تخلق على الحرية.
ولأنه لما أحلها له أسقط حقه من الولد، ودخل على أنه حُر.
وقاصه الراهن بما لزمه من القيمة.
* ت: عليه للراهن إذا لم يأذن له ما نقصها وطؤه، بكرا كانت أو ثيبًا إذا أكرهها، أو طاوعته وهي بكر، وإن كانت ثيبا فلا شيء عليه.
والصواب أن عليه ما نقصها؛ لأنه أدخل على سيدها فيها عيب الزنا.
وإن وطئها جاهلا بالتحريم لم يُحَدَّ؛ لأنَّ الحد يُدرأ بالشبهة، والجهل بالتحريم شُبهة.
والولد رهن؛ لأنَّ النسل يصير رهنا في الحيوان، والإحلال شُبهة إذا ظنَّ أنه يبيح الوطء.
* * *
* ص: (ومن آجر داره من رجل جاز رهنها منه ومن غيره).
* ت: لأنَّ الرقبة ملكه، فله التصرُّف فيها بما لا يناقض الإجارة، فإذا رهنها منه فقد حازها الراهن أيضا.
стр. 2816
قال ابن القاسم: كالذي يُخدم العبد ثم يتصدق به على آخر، فحوز الأول حوز الثاني.
وقال أيضا: لا يكون مَحُوزًا للرهن؛ لأنه محوز بالإجارة (١).
وفرق بينه وبين الراهن لفضل الرهن: أنَّ حوز الرهينة شملها، وفي الإجارة الرقبة باسم صاحبها، فهما وجهان مختلفان، فحق المستأجر في المنافع خاصةً، وحوز الرقبة ليس مقصوداً لنفسه، [وكذلك] (٢) لو قام الغرماء لم يشاركهم في الرقبة، وفي الرهن الأول حاز لنفسه الرقبة لحقه فيها.
وكذلك قال مالك في «الموازية» إذا رهن الدار من غير المستأجر: لا يصح؛ لأنها محوزَةٌ بوجه آخر، بخلاف فضلة الرهن (٣).
وقال ابن نافع: ذلك حوز (٤)، كالمخدم مع الموهوب.
قال اللخمي: إن لم يرض المستأجر بحوز الرقاب للمرتهن، ولم تكن يد المرتهن معه؛ فليس بحوز، وإلا فهو حوز (٥).
* * *
* ص: (يجوز رهن المشاع).
ومنعه أبو حنيفة.
стр. 2817
لنا: أنَّ بيعه جائز، فلو لم يصح [قبضه] (١) لم يصح بيعه.
ولقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فعَمَّ، كان الشياع في ربع أو حيوان أو عَرْض.
وكما لو رهن دارًا من رجلين في عقد واحد، وسلمها لهما.
(ولا يصح رهن بعض داره حتى يُسلّم الدار كلها للمرتهن).
ليتحقق الحوز.
(ومن له سهم في دار جاز له رهنه إذا رفع يده [وحلَّت] (٢) يد المرتهن فيه).
* ت: ولو رهن بعض حصته في الدار فلا بد من تسليم الحصة كلها؛ لأنَّ بقاء يده يمنع الحوز، وغايته أن [يكونا كالشريكين] (٣)، ويد الشريك جائلة في جميع الملك، فلم يتحقق الحوز؛ لتصرفه في الرهن بعد رهنه.
وقيل: تكون يد المرتهن مع الراهن جائلة؛ فيكريان معا، ويصح الحوز؛ لأنه كان يتصرف في جميع الدار، صار إنما يتصرف في بعضها، ولم يكن المرتهن يتصرف في شيء منها، صار يتصرَّفُ في بعضها، وأي حوز أعظم من التصرف؟!
* * *
* ص: (يجوز رهن الحائط بعد مساقاته).
لأنَّ الرقبة مِلكُه.
стр. 2818
(وينبغي للمرتهن أن يستخلف مع العامل في الحائط غيره).
تحقيقا للحوز.
(ومن رهن رهنا على أقل من قيمته فليس له رهن فضله من آخر إلا بإذن مرتهنه.
فإن أذن له في رهنه، فهل يصح أم لا؟
رواتان).
* ت: عن مالك: أنَّ رهنه بعد مساقاته ليس بحوز (١)؛ لأنه محوز للعامل، وهو وكيل الراهن.
وقال أيضا: إن جعل مع العامل رجلا صح؛ لأنه حائز له (٢).
وقال ابن نافع: ذلك حوز (٣)؛ لارتفاع تصرف الراهن في الرقبة.
ومتى رهن فضلة الرهن إذا رهنه على أقل من قيمته عند الأول؛ جاز إذا كان تحت يده، أو عَدلٍ ورضي بحوز الفضلة للمرتهن، ويكون رهنا بالدينين.
واختلف إذا لم يرض وقد علم برهن الفضلة أو لم يعلم.
وقال أبو حنيفة: لا يكون رهنا إلا بالدين الأول (٤).
لنا: القياس على الضمين، بجامع التوثقة (٥).
стр. 2819
فإن رهن الفضلة من غير الأول:
قال مالك: إن رضي الأول جاز؛ لأنه إذا رضي حاز للثاني، وإلا فلا (١)؛ لعدم الحوز، ويدخل الغرماء في الفضلة.
وقال أيضا: لا يجوز (٢)؛ لأنَّ الأول إنما حاز لنفسه، فمتى لم يحز الثاني لنفسه بطل إذا مات الراهن أو فلس قبل الحوز.
فإن كان على يد عدل ورهن من غير الأول:
قال مالك: يجوز إذا رضي الأول (٣).
وقال أصبغ: يجوز وإن لم يرض إذا رضي العدل (٤).
فإن ضاع الرهن:
قال ابن القاسم: إذا كان تحت يد الأول سقط ضمان الفضلة عنه التي رهنها بعده (٥)، ويرجع الثاني بدينه على صاحبه، كان تحت يد الأول أو عَدْلٍ (٦).
قال ابن يونس: إنما يصح عدم الضمان إذا أحضر الثوب وقت ارتهان الثاني، أو عَلِمَ بالبينة وجوده، وإلا ضمِنَ الجميع؛ لأنه قد يكون تلف قبل ذلك، ووجب عليه ضمانه، وقاله بعض أصحابنا (٧).
стр. 2820
وقال أشهب: يضمن الرهن كله إذا كان يُغاب عليه (١)؛ لأنه رُهِنَ له أولا، وإنما لهذا فضله إن كان قائما.
* * *
* ص: (من ارتهن فضل رهن بإذن مرتهنه، ثم حلَّ الحقان جميعا؛ بيع الرهن، وبدئ بالأول، والباقي لمرتهن الفضلة).
لأن حق الأول وجب في الرهن قبل الثاني، والثاني على ذلك دخل: إن فضَلَ شيء أَخَذَه، وإلا فلا شيء له.
ولو رهن رهنا، ثم رهَنَ نصفه من آخر بإذن الأول؛ فلكل واحد نصف ثمنه.
لدخول الأول على التشطير، كان دينه أكثر أو أقل، بخلاف المسألة الأولى إنما دخلا على الفضلة التي قد لا تكون.
(ومن شرط الرهن اتصال حيازته وقبضه.
فإن ردَّه إلى ربه بعارية أو غيرها بطل رهنه، وإن استأجر دارا ثم ارتهنها ثم آجرها من ربها بطل رهنه).
* ت: صفة الحوز أن يرفع الراهن يده، ويجعل يد المرتهن أو يدَ عَدْلٍ عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فجعل من صفاتها القبض، وهو ارتفاع يد الراهن ووضع يد المرتهن، بأي أنواع التصرف كان.
ولا بد من الشهادة على معاينة القبض، ولا يكفي الإقرار؛ لأنه يتهم أن يكون ينتفع به، ويُشهد على الإقرار.
стр. 2821
ولأنه إقرار على الغرماء إذا قاموا، ولا يُعتبر الإقرار إلا على المقر لا على غيره.
واستدامة الرهن تشترط خلافًا للشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فلازم بين الوصفين، فلا يفترقان، فمتى ردَّه بإجارة أو عارية أو أشباه ذلك، وقام الغرماء قبل قبض المرتهن له؛ كان أُسوَةَ الغرماء.
قال مالك: إذا حبَّسَ الحبس سنين، ثم سكنه بكراء أو غيره؛ فلا يبطل حبسه، وكذلك الصدقة، ولو كان رهنا لبطل (١).
والفرق: أنَّ الرهن بعد الحوز على ملك الراهن، والصدقة والحبس انتقل الملك فيهما، فإذا حِيزًا لا تهمة بعد ذلك في العود، كما لو رجعت بشراء، وليس في الرهن إلا الحوز، وقد بطل.
وقال ابن القاسم: إذا قام المرتهن بِرَدَّه قُضِي له به، إلا أن يفوت بحبس، أو عتق، أو تدبير، أو بيع، أو إجارة، أو قيام الغرماء (٢).
يريد: إذا قام بعد انقضاء الإجارة، أما قبل وقال: جهلتُ أنه يَنقُضُ الرهن، وأشبه ما قال؛ حُلف ورَدَّه، ما لم تقم الغرماء.
قال مالك وابن القاسم: إذا أعاره إياه ليس له الردُّ، إلا أن يعيره على ذلك.
فإن أعاره على ذلك فلم يردَّه حتى قامت الغرماء على الراهن، أو مات؛ فهو أُسوة الغرماء (٣).
стр. 2822
وقال أشهب: العارية والإجارة سواء، يُرَدَّان ما لم تقم الغرماء أو يُحدِث بيعا أو تدبيرا أو تحبيسا (١).
قال ابن القاسم: إن أكرى الدار من رجل بإذن الراهن، ثم أكراها المكتري من الراهن؛ فإن كان من ناحية الراهن لَزِمَ الكراء وفسد الرهن، أو أجنبيا صح ولا يَفْسُدُ الرهن (٢)؛ لأنه مغلوب على الرد، كالعبد إذا أبق بعد أن حيز فأخذه الراهن.
* * *
* ص: (وإن رهنه بدون ما يسوى، فتلِفَ في يده؛ ضمن القيمة كلها، ورد على الراهن الفضل، [وإن كانت القيمة] (٣) أقل؛ رجع عليه بتمام حقه).
* ت: يضمن ما يُغاب عليه، فإن قامت البينة أسقط ابن القاسم الضمان؛ لأن سبب الضمان التهمة، وقد انتفت بالبينة، كما أنَّ العرف لما شهد في العقار والحيوان لم يُضمنا.
وضمنه أشهب مع البينة؛ لقوله ﵇ لصفوان بن أمية لما استعار منه السلاح، فقال: أغصبًا يا محمد؟ فقال: «بل عارية مؤداة» (٤)، أي: لا بُدَّ من أدائها.
ولا يكون الرهن بما فيه، بل يُضمن ويتقاصان.
وقوله ﵇: «الرهن بما فيه» (٥) محمول على ما يُغاب عليه إذا لم تُعلم قيمته
стр. 2823
ولا صفته، فلا طلبة لأحدهما على الآخر.
قال أصبغ: إن جَهِلَ المُرْتَهنُ صفته، ووصفه الراهن؛ حُلِّفَ، فإن نكَلَ بطَلَ حقه، وكان الرهن بما فيه (١).
أما إذا جُهِلَ مطلقا، فاحتمل أن يكون أعظم من الدَّين أو أقل أو مثله، والمثل الوسط؛ فيُحمل عليه، كما إذا قال: عندي من خمسين إلى ستين، يُحكم بخمسة وخمسين، ويُقسم المشكوك بينهما، ولأنَّ الأصل براءة الذمة، فلا تُعمَّر بالشك.
وإذا ضَمَّنَا المرتهن القيمة؛ فيوم ضاع لا يوم ارتهنه عند ابن القاسم؛ لأنَّ التلف سبب الضمان، فلا يُعتبر ما قبله.
وقيل: يوم ارتهنه؛ لأنَّ سبب الضمان التهمة، وهي من يوم القبض.
ولأنه قبض لمنفعة نفسه، [كالقرض] (٢).
* * *
* ص: (إذا أخرج لك رهنك، فقلت: ليس هذا رهني؛ صُدِّقَ مع يمينه).
لأنك تدعي عليه الضمان.
فإن ادعى رَدَّه لم يُقبل قوله.
ت: يُصدَّق الراهن، إلا أن يقبض ببينة، فلا يُصدق في أنه [عين] (٣)
стр. 2824
الرهن، ولا يصدَّق في التلف؛ لأنه ضامنٌ له، ولا في الرد إلا ببينة؛ لأنه ضامنٌ ليس بأمين.
* * *
* ص: (إن أقرَّ بسلعة في يده لرجل وادَّعى أنها رهن؛ لم يُصدَّق إلا ببينة).
* ت: لأنَّ الأصل عدم تعلق توثقة بها.
فإن تصادقا على الرهن، واختلفا في القضاء، والرهن بيد المرتهن؛ صُدِّق، أو بيد الراهن وطالَ؛ صُدِّق، فإن قَرُبَ القبض فأيُّهما يصدق؟
قولان.
قال اللخمي: وتصديق الراهن أصوب؛ لأنه شأن تسلُّمه له، إلا أن تكون عادتهم التسليم قبل القبض (١).
* * *
* ص: (إن تلف واختلفا في تلفه وصفته وقيمته؛ صُدِّق المرتهن مع يمينه، فإذا حلف على تلفه وصفته قومه أهل البصيرة به، فإن جهل صفته حلف على قيمته).
لأنه الغارم.
فإن جهل قيمته حلف الراهن على صفته إن عرفها، أو قيمته إن جهل صفته.
* ت: يحلف المرتهن؛ لأنه قبض لمنفعة نفسه، ليكون أولى به في الموت والفَلَسِ من الغرماء، لا لمنفعة الراهن، بخلاف المودع، قبض لحق غيره، ولا
стр. 2825
هو كالغاصب يضمن وإن ثبت عدم إتلافه للمغصوب.
لقوله ﵇: «الرهن ممن رهنَهُ، له غُنمُهُ، وعليه غُرمُهُ» (١)؛ لأنه ليس متعديا بالقبض.
والرهن والعارية عند مالك سواء.
واختلف هل عليه يمين؟
قال بعض القرويين: يُحلف، كان متهما أم لا.
وقال ابن يونس: أحَبُّ إلينا تحليف المتهم: لقد ضاع، وما فرطت فيه.
زاد ابن مزين ولا أعلم له موضعاً منذ ضاع.
وقال العتبي: لا يمين عليه؛ لأنه يضمن، فكيف يُحلّف ويضمن؟! إلا أن يقول الراهن (٢): أخبرني ثقة بكذبه، وأن الرهن عنده.
والذي هو غير متهم يُحلّف: ما فرطتُ ولا ضيعتُ، ولا يُحلّف على الضياع، وهو مصدق، ونقل عياض أنه يُحلّف على الضياع.
قال أشهب: يُحلَّف على الصفة إذا اختلفا فيها، إلا أن يتبين كذبه (٣).
ومتى ادعى أحدهما ما يكذبه العرف لم يلتفت لدعواه.
* * *
* ص: (إن ارتهن رهنا فتلِفَ، واتفقا على قيمته، واختلفا في قدر الحق الذي رهن فيه؛ صدق المرتهن في قدر قيمة الرهن، وحلف على ما ادعاه كله،
стр. 2826
وحكم له بقدر قيمة رهنه، وحلف الراهن على الفضل وبرئ.
فإن نكل غَرِمَ الفضل بنكوله ويمين خصمه، وكذلك لو كان الرهن قائما بحاله واختلفا في قدر ما رهن به).
* ت: لما كانت العادة أنَّ الرهن يقارب الدين، وهو وثيقة بالدين، فصار شاهدًا؛ لأن الشهادة وثيقة أيضاً، فصدق مدعي مقدار [قيمته] (١)، كالشاهد واليمين.
ويحلف الراهن على نفي الزائد إن شاء؛ لأن الأصل البراءة منه.
وقال بعض القرويين: يحلف المرتهن على قيمة الرهن بكماله، كما لو ادعى عشرين، وشهد شاهد بخمسة عشر، فإنما يحلف مع شاهده.
قال عياض: وقول مالك أصح؛ لأنَّ الرهن متعلق بجميع الدين، والشاهد لا تعلق له بشيء منه إلا بما شهد به.
وخيره ابن المواز بين الحلف على جميع دعواه أو قيمة الرهن.
قال مالك: إذا اختلفا في مبلغ الدين فالرهن كشاهد للمرتهن إذا قبضه.
فإن كانت قيمته يوم الحكم والتداعي لا يوم التراهن مثل دعوى المرتهن فأكثر؛ صدق مع يمينه، لأنه إنما يُباع له ويستحقه يوم الحكم، فهو وقتُ الشهادة، لا يوم الرهن.
ويُنظر له يوم الحكم إذا كان قائماً، كان يُغاب عليه أم لا، على يد المرتهن
стр. 2827
أو عدلٍ؛ لأنه حينئذ كشاهد أدى شهادته حينئذ، أما إن ضاع صَدَق في قيمته يوم قبضه؛ لأنه كشاهد شهد ثم ذهب، فإنما يُنظر لشهادته حين شهد، ولما كانت عادة الناس لا يرهنون إلا المقارب فقد صدقه العرف، فقوي سبَّه، فحلف.
* * *
* ص: (لا يبيع المرتهن الرهن إلا بإذن راهنه، فإن باعه بغير إذنه؛ لم يُجز بيعه).
* ت: لأنه لم يوكَّل في بيعه، فهو مُتعدّ، فلربه ردُّه ويدفع ما عليه لمشتريه إن حَلَّ الأجل، وإن لم يَحِلَّ خُيّر في إجازة البيع وقبض الثمن، ولا يردُّه للمرتهن، ويجعله بيد عَدْلٍ إلى الأجَل؛ لتعلقِ حق [الرهن] (١) به، إلا أن يأتي برهن مثله، وله قبض الثمن، ويوقف الرهن له.
قال أشهب: إن فات غَرِمَ المرتهن الأكثر من الثمن أو قيمته يوم البيع، يأخذ ذلك الراهن، ولا يحبس منه المرتهن شيئًا إن لم يَحِلَّ الأجل؛ لأنه فسَخَ الرهن بالبيع (٢).
وابن القاسم يرى في مثل هذا إيقاف الثمن.
* * *
* ص: (فإن وكله في بيعه في حقه جاز بيعه في اليسير كالقَضْب ونحوه مما لا يبقى، أو ينقص ببقائه، ويُكره في الربع وما تكثر قيمته أن يبيعه إلا بإذن الحاكم إذا غاب ربه.
وقال أشهب: لا بأس ببيع الربع وغيره)
стр. 2828
* ت: له بيعه بالتوكيل، خلافًا للشافعي.
لنا: القياس على توكيل الأجنبي، وكُره فيما يبقى لأنه قد يستعجل في البيع - لحقه - فيرفعه للسلطان، وما لا يبقى يُخشى هلاكه، فيعذر فيه، ولا يوصل للسلطان في كل وقت.
قال الأبهري: ما ليس بطونًا كالثمار، ولم يخَفْ فساده؛ لا ينبغي بيعه بغير أمر السلطان؛ لأنه يتهم في التقصير والمحاباة، ومتى باع بغير أمر الحاكم نفذ؛ لأن الراهن سلطه عليه بالتوكيل، وتنتفي الكراهة في البيع في موضع ليس فيه حاكم إذا أصاب وجه البيع.
واستحبَّ مالك توكيل غير المرتهن.
وقال أشهب: لا بأس ببيع الربع وغيره؛ لأنه وكله، كالأجنبي (١).
* ص: (إذا وكل وكيلا على بيع رهن، ودفع الحقَّ لربه؛ فليس له إخراجه من الوكالة إلا برضا المرتهن).
* ت: لأنها وكالة تعلق بها حق المرتهن.
وقال القاضي إسماعيل والشافعي: له عزله، كسائر الوكالات.
* * *
* ص: (وإن كان له حقان؛ أحدهما برهن، والآخر بغير رهن، فقضاه أحد الحقين، وادعى أنه الذي بالرهن، وأنكر ذلك المرتهن؛ تحالفا، وقسم ما
стр. 2829
قضاه بين الحقين على قدرهما).
* ت: لاستواء دعاويهما، كما لو تداعيا شيئًا في أيديهما فإنه يُقسم بينهما بعد أيمانهما.
قال ابن يونس: هذا إن ادعيا البيان عند القضاء.
وقال أشهب: القول قول المقتضي؛ لأنه مؤتمن مدعى عليه، فإن نكل أحدهما، قدم الحالف.
قال اللخمي: هذا إذا حلَّت المئتان، وإلا صدق من ادعى أنه من الحال، وإن لم يَحِلَّا وأجلهما سواء أو متقارب حلفا وقسماه.
والقياس: أن يكون القول قول الدافع؛ لأنه متطوع بالتعجيل، ويقول: تبرعتُ لأخُذَ الرهن، وإن تباين الأجلان صدّق مدعي الأقرب مع يمينه (١)، كالحال مع المؤجل.
وكذلك قال ابن المواز: يُصدَّق مدعي الدفع عن الحال دون المؤجل - كان القابض أو الدافع - مع يمينه.
قال مالك: إن قال أحدهما: قد بيّنتُ لك، وقال الآخر: شرطتُ عليك أنها لكذا، قسم بينهما.
قال ابن المواز: بعد أيمانهما إن نكلا جميعاً أو حلفًا، فإن نكل أحدهما؛ قدم الحالف.
стр. 2830
* ص: (إذا قضى بعضُ الحقِّ فليس له أخذه ولا شيئًا منه إلا بعد قضاء الحق كله).
ت: لأنَّ العادة أنَّ الرَّهن بالدَّين وأجزائه، وقياسًا على الموت، فإنَّ التركة محبوسة بجميع الدين حتى يوفَّى كله، فإن كان بدينين قضى أحدهما.
حكى ابن شعبان: يُخرَّج من الرَّهن بقدره (١).
ومنعه ابن المواز.
قال اللخمي: الأول أحسن، إلا أن تكون عادتهم خلافه (٢).
* * *
* ص: (إن رهن من آخَرَ فضلة الرَّهن بإذن الأول، فحَلَّ الثاني قبل الأول وهو مما يُقسم قسم بينهما، فبيع للثاني نصيبه، وأمسك الأول نصيبه حتى يحل أجله، أو مما لا ينقسم بيع كله وقُضِي المرتهنان حقهما).
* ت: وبُدئ الأول حتى يستوفي لأنَّ الثاني على ذلك دخل إذا كان لا ينقسم، وما ينقسم يُقسم إن كان فيه فضل عن دين الأول؛ لأنَّ هذه حقيقة الفضلة، وقد دخل الأول على القسمة؛ لعلمه بأنَّ الثاني يحل قبله.
قال ابن القاسم في «العتبية»: إن حَلَّ الثاني أولاً ولا فضل فيه؛ لم يبع إلا عند أجل الأول، أو فيه فضل بيع الآن وعُجِّل للأول حقه، وأخذ الثاني الفضل، وإن حل الأول بيع وأُعطي الأول (٣).
стр. 2831
وهل يُعجل للثاني أو يُطبع عليه ويبقى رهنا حتى يحل دينه؟ خلاف، وإن حَلَّا جميعاً بدئ بالأول، وللثاني الفضل.
* * *
* ص: (إن باعه الراهن بغير إذن المرتهن لم يجز بيعه، أو بإذنه جاز، وقضى حقه بعد أن يحلف أنه ما أذِنَ له في بيعه إلا ليستوفي حقه).
* ت: امتنع البيع لإبطاله التوثقة، هذا إذا باعه وهو في يد المرتهن، فإن سلمه خرج من الرهن.
وقال بعض الفقهاء: لو لم يسلمه لحلف أيضًا، وأُوقف الثمنُ إذا قال: إنما أذنتُ له ليُحيي الرهن.
* * *
* ص: (إذا رهن نصيبه من الدار لم يكن له أن يستأجر نصيب شريكه لأنه يؤدي لبطلان رهنه ببطلان الحوز، إلا أن يقاسمه حتى يحوز المرتهن الرهن).
* ت: فإن اكترى من غير قسمةٍ وسكَنَ؛ بطل الحوز إن لم يقم المرتهن بقبض حصة الراهن بالمقاسمة حتى ينتفي الشياع وعموم التصرف.
قال مالك: ولا يُمنع الشريك أن يُكري نصيبه ممن شاء (١)، والله أعلم.
* * *
стр. 2832
كتاب العارية
(العارية على ضربين: مضمونة وغير مضمونة، فالمضمونة: الأموال الباطنة، كالثياب والحُلِّي والسلاح وسائر العروض، وما لا يُضمن: كالحيوان والرِّبَاع).
ت: العارية تمليك منافع من غير عوض، وهي مندوب إليها؛ لأنها معروف؛ لقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧].
وقال ﵇: «كل معروف صدقة» (١).
واستعار رسول الله ﷺ من صفوان أدرعاً (٢)، فبعث إليه مئة درع وأداتها.
وقال الشافعي: العارية مضمونة.
وقال أبو حنيفة: غير مضمونة.
وفرَّق مالك كما تقدَّم؛ لما ورد: «ليس على المستعير ضمان» (٣).
ولأن المستعير ليس متعدياً بالقبض، كالغاصب، ولا مثل المقترض الذي يردُّ البدل، بل يردُّ العين، كالمستأجر.
وقوله ﵇: «العارية مضمونة، والزعيم غارم» (٤).
стр. 2833
معناه: ضمان الرد؛ لقول صفوان لرسول الله ﷺ : أغصب أم عارية يا محمد؟ فقال له ﵇: «بل عارية مضمونة» (١)، أي: مردودة؛ لأن صفوان ظن عدم الرد.
ويضمن ما يغاب عليه؛ لقوله ﵇: «بل عارية [مؤداة] (٢)» (٣)، أي: لا بد من ردها.
ولأنه قبض لمنفعة نفسه كالمقترض، وإنما يصدق على التلف من قبض لمنفعة غيره كالمودع.
وضمنه أشهب على الإطلاق، قامت البينة أم لا، يغاب عليه أم لا.
ويروى: «ليس على المستعير ضمان» (٤)، جُمِعَ بينه وبين قوله ﵇: «عارية مضمونة» «مؤداة»، وقوله ﵇: «على اليد ما أخذت حتى ترده» (٥).
فما قاله مالك من التفصيل للتهمة فيما يغاب عليه.
* * *
* ص: (لا يقبل قوله في تلف ما يغاب عليه إلا ببينة [ويضمنه] (٦)، فإن قامت له بينة ففي سقوط الضمان عنه روايتان).
стр. 2834
* ت: سقوط الضمان لابن القاسم (١)؛ لأنَّ الضمان [عنده للتهمة] (٢)، وهي تزول بالبينة، لا أنه كالغاصب متعد بالقبض حتى يضمن مطلقا، وضمنه أشهب مع البينة (٣).
والفرق على القولين بينه يضمن عند عدم البينة وبين العامل في القراض والمستأجر يصدقان في التلف مع أيمانهما وإن كان الجميع قبض لمصلحة نفسه: أن أكثر المنفعة في الإجارة للمؤجر، وفي القراض لرب المال، بخلاف المستعير والمرتهن، فلما كان الأقل للمستأجر والعامل صارا كأنهما لا منفعة لهما، كالمودع، ولذلك ضمن الغاصب والمقترض مطلقا؛ لأنَّ المنفعة كلها في القبض لهما.
ولاحظ أشهب حديث صفوان، وقوله ﵇: «على اليد ما أخذت حتى ترده» (٤)، فجعل اليد يد ضمان لا يد أمانة؛ سدًّا للذريعة.
* * *
* ص: (إن أعار إلى مدَّةٍ معلومةٍ فليس له الأخذُ قبل تلك المدة، وإن أعار مطلقا فحتى ينتفع به انتفاع مثله).
* ت: لأنه ألزم نفسه ذلك فيلزمه، كما لو نذَرَه، أو هديًا أو أُضحِيَّةً، وقياسًا على الهبة، وهذا قد وهبه المنفعة تلك المدة لفظا أو عرفًا، فكما لا يرجع في الهبة لا يرجع في العارية.
стр. 2835
فإن لم يعيّن مدةً ولا عُلِم له مدَّةٌ تنقضي فيها، بل قال: أعيرك هذه الأرض، أو هذه الدابة؛ فقيل: له الخيار في تسليم ذلك وإمساكه، وإن سلمه كان له رده وإن قَرُبَ، كما لو قال: آجرتك مشاهَرَةً ولم يعيّن مدةً.
وقيل: يلزمه أن يستوفي المعارُ ما يرى أنه أعير إليه؛ لأنه ملكه المنفعة، وذلك دليل على رضاه أنه ينتفع بها انتفاع مثلها، والعرف شاهد على مقدارها.
* * *
* ص: (إن أعاره الأرض مدَّةً للبناء، فانقضت المدة؛ فله أمره بنقض بنائه، أو يعطيه قيمته منقوضا ويأخذه.
فإن لم يضرب مدَّةً فعليه تمكينه من الانتفاع بالبناء مدة مثله، ويخير بعدها كما تقدم.
وقيل: إذا لم يضرب لذلك أجلًا أعطى قيمة البناء قائما، ويُخرجه من أرضه).
* ت: قال ابن المواز: يسقط من القيمة أجرة القلع؛ لأنه على ذلك دخل أن يُفرّغَ الأرض للمعير، وما لا قيمة له بعد القلع - كالجص ونحوه - لا شيء للبانى فيه (١).
فإن كانت المدة مجهولة:
فقال ابن القاسم وأشهب له إخراجه بحدثان ذلك، ويعطيه قيمة بنائه قائم (٢)؛ لأنَّ الباني فرّط في عدم اشتراط الأجل، لكن لا يُلزمه بهد بنائه؛ لأنه
стр. 2836
ليس متعديا، بل يعطيه القيمة.
وعن أشهب: له إخراجه إن احتاج لعرصته أو بيعها، وأمَّا لِشَرٍّ بينهما فلا (١).
وقال أصبغ: إذا لم يسكن فليس له إخراجه وإن أعطاه القيمة إلا برضاه (٢).
وقال ابن القصار: تلزمه العارية بالقول والقبول، وللمستعير الانتفاع بالبناء مدَّةَ مثله (٣)؛ لدخول المعير على تمكينه من الانتفاع، وهو له عرف فيرجع إليه.
وعن ابن القاسم: إذا لم يضرب أجلا فله أن يبلغ الأمد الذي يُعار لمثله (٤)؛ لأن العرف كالشرط.
* ص: (للمستعير أن يُكرِيَ ويُعير المدة التي استعار لها من مثله). لأنه ملك المنفعة، كالمستأجر.
وإن تعدى بالدابة المكان الذي استعار إليه وسلمت؛ فعليه أجرة المثل في المسافة الزائدة، وإن تلفت في تعديه؛ فلك تضمينه قيمتها يوم التعدي ولا كراء لك.
لأنَّ التضمين يصيرها على ملكه، فتكون المنافع له. أو تأخذ كراءها. لاستيفائه المنفعة.
стр. 2837
(ولا قيمة لك).
لأنك بقيت الدابة على ملكك حيث [اخترت] (١) الكراء.
* ت: قال مالك: له كراء المسافة الزائدة التي تعدى فيها، إلا أن تتغير، وهذا إذا جاوزها نحو بريد (٢).
أما إذا كثرت الأيام فلك تضمينه القيمة بلا كراء، أو الكراء ولا قيمة؛ لأنه حبسها عن أسواقها، وغصبه منافعها، ومن منافعها بيعها وقد فوته عليه، فيضمن القيمة.
ولم يفرق ابن الجلاب بين قليل الزيادة وكثيرها.
وفي «المدونة»: إن جاوز ما هو من منازل الناس لم يضمن، وإلا ضمن (٣)؛ لأنَّ العادة أذنت في ذلك، ولا بُدَّ للناس من ذلك.
وقيل: يضمن ولو خطوةً (٤)؛ لأنها تعدّ، قياسًا على الغاصب يضمن بالمعتاد وغيره.
وقال عبد الملك وأصبغ: إن كانت الزيادة مما لا خيار لربها فيها إذا سلمت ورجع بها سالمة للموضع الذي استعارها إليه، فماتت أو ماتت في الطريق؛ فليس لربها إلا كراء الزيادة، كرده لما تسلَّف من الوديعة، أو كثيرةً مما له تضمينه وإن رجعت بحالها؛ فهو ضامن (٥).
стр. 2838
قال ابن يونس: إنما يصح هذا إذا كانت الزيادة يسيرةً، لا تُعِينُ على هلاكها، فيكون هلاكها بعد ردّها للموضع المأذون فيه بأمر من الله تعالى، فيكون كهلاك ما تسلّف من الوديعة بعد ردّه، أما المعينة على هلاكها - كاليوم - وإن كان لا يضمن إذا ردَّها بحالها ضمن هاهنا (١).
قلت: تضمينه القيمة إذا ردَّها بعد التعدي يُشكل بالغاصب إذا ردَّ المغصوب بعينه بعد التعدي وقد فوَّتَ أسواقه كما قال مالك، والاتفاق على أنه لا يضمن قيمةً، وغاية هذا أن يكون غاصبا، والفرق مشكل.
* ص: (إن انفلتت الدابة أو البعير، أو أبَقَ العبد، أو ماتا؛ لم يضمنهما، ويُصدق مع يمينه).
* ت: لأنهما مما لا يُغاب عليهما، ويتعذَّر عليه الإشهاد على الإباق والانفلات، وأما إن ادعى موتهما في مدينة أو سفر مع رفقة، ولم يُعلم ذلك إلا من قوله؛ لم يُصدَّق؛ لأنَّ شأن ذلك الشهرة، ويقدر على إظهاره، فيُعلم كذبه، فإن لم يظهر كذِبُه صُدَّق مع يمينه.
* * *
стр. 2839
كتاب الوديعة
(لا يضمن المودع إلا أن يتعدَّى).
* ت: أصل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
وقوله تعالى ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وقوله -﵇-: «أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخُن مَنْ خانك» (١).
ولا يضمن، كان متهما أم لا؛ لأنه رضي بأمانته، وقبض لمنفعة غيره، بخلاف المرتهن والمستعير، ولا يودع غير مأمون؛ لأنه إضاعة [للمال] (٢).
* * *
* ص: (يصدق في تلفها وردّها لربها مع يمينه، إلا أن يقبضها ببينة، فلا بد من البينة).
لأنه لما أشهد عليه فقد ائتمن في الحفظ دون الرد؛ ولأن العادة أنه إذا أشهد عليه يُشهد عليه إذا رَدَّ، فادعاؤه الرد بغير بيّنةٍ خلاف الظاهر.
(ويُصدق في التلف، قبض ببينة أم لا).
لأنه أمين.
стр. 2840
* ت: إذا صُدِّقَ في التلف؛ قال مالك: يحلف، كان مُتهما أم لا؛ لأنَّ الناس قد استخفوا بالأمانة، إلا أن يكون مشهوراً بالخير (١).
وقيل: [لا يمين] (٢) عليه مطلقا؛ لأنه أمين.
وإنما فرق بين الرد والتلف إذا قبض ببينة؛ لأنَّ الرد يمكن الإشهاد عليه دون التلف، وكذلك يحلف إذا ادعى الرد؛ لأنَّ المالك يدعي تيقن كذبه، فيحلف كان متهما أم لا، وفي الضياع لا عِلم عنده فلا يحلف إلا المتهم.
فإن نكل؛ ضَمِنَ، ولا تُرَدُّ اليمين هاهنا.
فإن قبضها بمحضر قوم ولم يقصد إشهادَهم عليه؛ فهو كقبضه بغيرِ بيِّنة.
* * *
* ص: (إن استودع في الحضر، فعرض له سفر؛ فله إيداع غيره، ولا يضمن، فإن استودع غيره من غير عذر ضَمِنَ).
لأن المالك لم يأتمن غيره، فقد تعدى.
(فإن خاف عورة منزلِهِ فلا بأس بإخراجها منه عند من يثق به، وإن حمل معه متاعا إلى بلد، فعرضت له إقامة في أضعاف سفره؛ فلا بأس أن يبعث به مع غيره ولا ضمان عليه).
ت: إذا خاف عورة منزلِهِ، أو أراد سفراً، وليس ربُّها حاضرًا؛ فلا يضمن بالإيداع؛ لأنَّ المالك فوَّض النظر إليه في أمرها، وهذا من النظر.