← Фикх малики

Фикх малики · id 30159

شرح التفريع

القرافي

Полный текст (3 250 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

والفرق بينهما وبين المتيمم أنه لا تبطل صلاته بطريان الماء؛ بخلافهما [في] (١) السترة (٢). وقال اللخمي: يتخرج فيها قول بالقطع؛ كالقول في الأمة تعتق في الصلاة مكشوفة الرأس، والعريان يجد ثوباً، والمسافر ينوي الإقامة في أثناء الصلاة، والوالي يقدم على آخر يعزله وهو في أثناء الجمعة، ومن ذكر صلاة في صلاة، وفي الكل خلاف (٣). وفي التخريج نظر؛ بمباينة هذه المسألة لهذه المسائل، [فإن] (٤) التيمم بدل ببدل؛ بخلاف الأمة والعريان والمسافر جاء المنافي من قبله؛ بخلاف المتيمم. ولأن موضوع صلاة المسافر بخلاف صلاة المقيم؛ لأن ركعة نصف صلاته، وهو وإن أضاف إليها ثلاثة فهو في حكم [المصلي خمس] (٥) ركعات، لأن ركعته نصف صلاة الركعتين؛ غير أنا لا نعتد بها نصف صلاة، فلما تناقضت أمر بالقطع، [ولأن] (٦) طريان الماء لا ينافي الصلاة بدليل طريانه في صلاة الجنازة والعيدين، بخلاف الإقامة تنافي القصر إجماعاً. وأما الوالي يقدم؛ فأمر مبني على تقرير العزل قبل العلم أم لا، كالوكيل يعزل ولا يعلم؛ قولان، والتيمم نائب عن الوضوء في القيام إلى الصلاة، وقد

стр. 282

قام لها فاتصل به حكمه، وهو كقدوم الوالي بعد الجمعة. وأما الذاكر للمنسية؛ فلأن النسيان جاء من قبله بخلاف ضرر الماء، ولأن الوقت استخفته المنسية؛ فصارت هذه كصلاة قبل وقتها فلا تجزئ، لقوله ﵇: «فإن ذلك وقتها». وكذلك الناسي للماء في رحله، أو بدت قدمه [من] (١) الخف في الصلاة؛ فإنهما يقطعان، لأن الناسي [مفرط] (٢)، وهذا واجد للماء عند القيام للصلاة، والذي بدت قدمه بقيت رجله بغير طهارة؛ لا غسل ولا مسح، ولا [بدل فيها] (٣)، وهذا له بدل على طهارته. فرع: وإذا قلنا: لا يقطع المتيمم: قال ابن العربي: يحرم عليه [القطع] (٤)؛ لأنه مبطل [لعمل] (٥) صحيح. وقد قال مالك: ليس الذي وجد الماء بأطهر منه، ولا أتم في صلاته (٦). قال سند: [ … ] (٧) الماء، أما من تيمم وهو مرتجي الماء فلا يبعد أن يقال: يقطع؛ لأن صلاته بنيت على ما تبين فساده.

стр. 283

فإن قيل: فقد قال ﵇: إذا وجد الماء فليمسه بشره، قيل: هو محمول على ما [إذا] (١) كان متمكناً من ذلك؛ وهو في الصلاة، كالمريض يجد الماء ولا يجد من يناوله إياه، [وعجز] (٢) عن استعماله، وليس طروء الماء عندنا يبطل الصلاة، ولا يجوز له الخصم أن يبني معه؛ لأن من سبقه الحدث … يتوضأ ويبني. والفرق بينه وبين المعتدة ترى الحيض في أثناء الشهور: أن الشهور تبطل [ … ] (٣) للعدة بالحيض، أن التيمم يبطل ما تقدم في صلاته وهذا تعبد بما تقدم من الأشهر. والفرق بين [ .. ] (٤) قبل الصلاة وبين أثنائها: أن التيمم إنما يراد للدخول في الصلاة، فإذا دخلها فقد تم مقصوده؛ بخلاف قبلها لم يحصل مقصوده، فأمكن إبطاله؛ كالوضوء يبطل قبل الصلاة، وتعاد، وبعدها؛ فلا تعاد، لحصول مقصوده منه. وكالتفرقة بين متزوج الأمة بعد الطول قبل زواج الأمة أو بعده. قلت: الموانع الشرعية ثلاثة أقسام (٥): منها: ما يمنع ابتداء الحكم، ولا يمنع استمراره؛ كالاستبراء يمنع العقد ابتداءً، وإذا طرأ عليه النكاح، فإن غصبت لا يبطل النكاح. والثالث: مختلف فيه: هل يلحق بالأول أو بالثاني؟ كالطول يطرأ على

стр. 284

النكاح، والماء يطرأ على التيمم، والإحرام مانع من وضع اليد على [الصيد] (١)؛ هل يزيل يده علة؛ خلاف؟ *** * ص: (ولو فرغ من صلاته، ثم وجد الماء بعد فراغه؛ لم تكن عليه إعادة صلاته). * ت: كالحاكم يحكم بشهود الفرع ثم يجد الأصل، وكالمريض يصلي قاعداً ثم يصح، والمسافر يقصر ثم يقدم أو يصلي راكباً أو لغير القبلة. قال اللخمي: إن طرأ الماء أو كان بموضع لا يعلمه لم يعد، أو يعلمه ورأى أنه لا يصل إليه إلا بعد الوقت فتبين خطأه ووصل إليه قبل الوقت، أو المريض لا يجد من يناوله الماء فإنهم يعيدون في الوقت استحباباً (٢). وقال مالك في «العتبية»: إن تيمم وهو في صحراء ثم وجد بئراً قريباً لم يعلم به؛ أعاد في الوقت (٣). *** * ص: (ولا يجوز أن يصلي فريضتين، بتيمم واحد). * ت: هذا مبني على أن التيمم هل يرفع الحدث أم لا؟ فقال مالك، و (ش) (٤)، وجماعة، وأحمد، وابن عمر، وابن عباس ﵃: لا يرفع (٥).

стр. 285

وقال (ح) (١)، وابن المسيب، والزهري (٢)، والحسن البصري (٣): أنه يرفع ويصلي به ما لم يحدث. وجوز أصبغ لبس الخفين على المتيمم، فالمسح إذا أحدث كالمتوضئ (٤). وقال ابن القرطي: إذا طهرت الحائض بالتيمم حلت (٥). وقال ابن مسلمة: يؤم المتيمم المتوضئ؛ لأنه يطهر كالمتوضئ كما أمره الله تعالى (٦). قال اللخمي: وهذا هو الصحيح، لقوله ﵇: «جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا» (٧)، فوصف [التراب] (٨) بما وصف الله تعالى به الماء في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، ولا معنى لكونه مبيح للصلاة، ولا يرفع الحدث، وهو كلام متناقض؛ لأن [حكم] (٩) الحدث: المنع من الصلاة، فإذا أبيحت لم يمنع، ولا يقدح في ذلك أنَّه إنَّما تؤدى به صلاة واحدة، لأن علياً ﵁ كان يرى في الوضوء كذلك، وهو يرفع الحدث إجماعاً. وقيل: أن الفرض كان كذلك قبل فتح مكة (١٠).

стр. 286

إذا ثبت هذا؛ فقول مالك في المدونة: لا يصلي فريضتين بتيمم واحد (١). وعن مالك: ولا يصلي المنسيَّات بتيمم واحد في فور واحد (٢). وأنكر هذا القول ابن القابسي والأبهري (٣)؛ وقال: ليس هذا أصلهم؛ لأنه يصير متيمماً للآخرة قبل وقتها، وقبل القيام لها. وقال ابن شعبان: يصلي المريض صلوات كثيرة إذا لم يقدر على استعمال الماء؛ لأنه لا يلزمه طلبه (٤). [و] (٥) حجة عدم رفعه للحدث: الخبر، والنظر. فالخبر: قوله ﵇ لعمرو بن العاص: «أصليت بأصحابنا وأنت جنب؟» كما تقدم الحديث (٦)، فجعله جنباً مع التيمم. والنظر: أنا رأينا المحدث والجنب إذا وجد الماء عاد هذا لحدثه، وهذا لجنابته، ووجب الغسل والوضوء، فلو كان يرفع الحدث لم يعد الأبطر، وسببه كما في استعمال الماء. وحجة أنه لا يجمع بين فريضتين: الكتاب، والسنة، والمعنى. فالكتاب: قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ ثم قال: ﴿فَلَمْ

стр. 287

تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]، فاشترط عدم الوجدان عند القيام؛ وهو فرع عن الطلب، ومن وجب عليه الطلب لا يكون مستغنياً عنه بالتيمم، ولأن الآية اقتضت وجوب الوضوء عند كل صلاة؛ وكذلك المتيمم، خولف ذلك في الوضوء للسنة، ولقوة الماء بقي التيمم على أصل الدليل. والسنة: قال ابن المسيب: قضت السنة ألا يجمع التيمم بين صلاتي فرض، ولأنه يتوجه الطلب عليه إذا انتقض تيممه، فلو أمكن الجمع بين صلوات لسقط وجوب الطلب، وتقديم التيمم على الوقت، والآية اقتضت التيمم عند القيام والوقت، ووجه المنسيات أنها في حكم الصلاة الواحدة، يفعلها في وقت واحد، مع أن الأبهري غلط أبا الفرج في نقلها المنسيات بتيمم واحد. قال اللخمي: إذا كان بموضع لا يوجد به الماء فهو كالمريض؛ لاستوائهما في سقوط الطلب (١). وعلل الأصحاب في هذه المسألة ثلاثة؛ عليها يدور خلافهم: * العلة الأولى: أن التيمم لا يكون قبل الوقت، وعليها تجوز المنسيات، ويمنع المريض؛ لأنه متيمم قبل الوقت. * وثانيها: التعليل بطلب الماء، فيجوز للمريض بعدم الطلب، ويمنع المنسيات للطلب. * الثالث: وهو تعليل جل الأصحاب، أن التيمم لا يرفع الحدث، فلا يصلي إلا فرضاً واحداً على كل وجه، وهو المحفوظ عن مالك، والمنصوص في سائر كتبه.

стр. 288

فإن صلى فريضتين بتيمم واحد؛ فأربعة أقوال: في الموازية: يعيد النّاسي والجاهل في الوقت جمعهما أو فرقهما. وقال ابن القاسم: الإعادة أبداً أحبُّ إليَّ. وقال أصبغ: إن اشتركتا في الوقت؛ أعاد الثانية في الوقت، وإن لم يشتركا كالعصر والمغرب أعاد الثانية أبداً؛ إلا أن هذا لم يخلفه فيه. وقال سحنون: يعيد الثانية ما لم يطل؛ كاليومين. قال اللخمي: يتحصل فيها أربعة أقوال: وجوب التيمم لكل صلاة على أي حالة كان المصلي؛ فرضاً أو نفلاً، مجتمعاً أو متفرقاً، منسيات أم لا، لإيجاب الإعادة بعد الوقت (١). وتجديد التيمم استحباباً؛ لتخصيص الإعادة بالوقت، ولم يعتبر هل هما من وقت واحد أو وقتين؟ لأن التيمم يرفع الحدث كالوضوء (٢). القول الثالث: الفرق بين ما يتوجه الخطاب في وقت واحد؛ فيجوز، وإلا امتنع، وإليه يرجع قول أصبغ (٣). ومراده: أنه عجل العصر وأشركها مع الظهر، ولو فعل ذلك في الوضوء لأعاد؛ ما لم يذهب الوقت، ولو أخر الظهر ثم جمع بينهما في وقت العصر [لم يعد] (٤)؛

стр. 289

لتوجه الخطاب حينئذ كالمنسيات، ولو صلى الظهر في أول آخر القامة، والعصر في أول القامة الثانية لأعاد العصر ما لم يذهب الوقت؛ لأن تيممه لها قبل دخول وقتها المختار. والقول الرابع: التفرقة بين من لا يقدر على استعمال الماء؛ تيمم المريض لسقوط الطلب عنه. فرع: إذا قلنا لا يجمع بين فريضتين: قال سند: فله أن يجمع بين فرض معين، وعلى الكفاية إذا قدم المكتوبة، وصلى على الجنازة بعدها إذا كانت متصلة بالمكتوبة كانت جنازة أو جنائز مجتمعة أو مفترقة إذا كان نسقاً؛ لأنها وإن تأكدت لا تبلغ رتبة المعين (١). قلت: ما ذكره من حجة أن التيمم لا يرفع الحدث باطل؛ بسبب أن الحدث والإباحة لا يعقل اجتماعهما، والحدث هو المنع، والاباحة حاصلة إجماعاً، والمستحيل فعلاً لا يرد به الشرع إجماعاً، فأمكن حمل وجوب الغسل على من وجد الماء على أنه يرفع الحدث رفعاً لغاية وجود الماء، وطريان الحدث، والفراغ من الصلاة، وثبوت شيء له ثلاث علامات أمر معقول، والجمع بين ضدين غير معقول، فكان الحمل عليه أولى؛ وقد تقدم هذا مراراً، وهو الحق الذي لا يجوز أن يفتى بغيره، فإنما هو على خلاف القياس والقواعد، والنص لا يجوز أن يفتى به، ولا يعده شرعاً ولا مذهباً، فأولى ما هو على الخلاف ضرورة العقل شبيه التيمم لا وضاءة فيه، بل يسود ويغير، وإنما شرع ضبطاً.

стр. 290

للعادة؛ لأنه إذا عدم الماء، فلو أبيحت الصلاة مطلقاً لاعتاد الإقدام على الصلاة من غير فعل يتقدمها، فشرع له التيمم ضبطاً لتقدم الفعل للطهارة قبل الصلاة، حتى لا تثقل عليه بعد ذلك، كما أمر الصبيان بالصلاة تسهيلاً عليهم بعد البلوغ، وكان التراب أولى؛ لأنه متيسر لكل أحد؛ كالماء، بخلاف غيره، وقد يفقد بعض الناس. *** * ص: (لا بأس أن يصلي النافلة بتيمم الفريضة إذا أتى بها في أثرها، ولا يجوز أن يصلي الفريضة بتيمم النافلة، وصلها بها أم لا). * ت: لا يعرف منع النفل بعد الفريضة عن واحد يبيح النفل بالتيمم؛ لأن الأدنى تبيح الأعلى، والأدنى محتاج النوافل، لما جاء: أن النوافل تجبر الفرائض في موقف الحساب، فهي منها، فكانت معها في التيمم، فلو أفردت بتيمم لقطعت عنها، ولا تبعتها الفريضة، لأن الأعلى لا تبيح الأدنى؛ بدليل أن الفرائض لا تكمل النوافل بخلاف العكس. وقال بعض الأصحاب المنع منع كراهة، وإن فعل أجزأه؛ لأنه طهارة تباح به الصلاة، فجاز أن يتقدمها النفل كطهارة الماء. قال المازري: إذا قدم النفل صار هو المقصود بالتيمم، وصارت الفريضة تبعاً، فانقلبت الحقائق، بل يؤخر؛ كان النفل سنة كالوتر أم لا، وإذا قدمه؛ هل يعيد الفرض لأنه بغير طهارة، أو في الوقت كالوضوء؟ قولان (١). ***

стр. 291

* ص: (ولا بأس أن يصلي نوافل عدة بتيمم واحد إذا كن في فور واحد، فإن قطعهن وأخر بعضهن عن بعض؛ أعاد التيمم لكل صلاة). * ت: لأن الحاجة داعية للنوافل لتكميل الفرائض، فلو منع الجمع إلا بتعدد التيمم شق ذلك على النفوس، وزهدت في التنفل، ولأنها غير مؤقتة؛ فأشبهت الصلاة الواحدة حتى تفترق، فتشبه الفرائض المفترقة الأوقات. قال اللخمي: وعلى قول مالك إذا صلى فريضتين بتيمم واحد، ولم يجمع بينهما؛ يعيد الآخرة ما لم يذهب الوقت، لكون تجديد التيمم إذا تباعد النفلان استحباباً، وكذلك تباعد النفل من الفرض (١). *** * ص: (ولا بأس أن يصلي ركعتي الفجر بتيمم الوتر). لأن الأدنى يتبع الأعلى، والوتر أعلى، وقد قيل بوجوبه. (ولا يصلي الصبح بتيمم ركعتي الفجر). لأن الأعلى لا يتبع الأدنى. * ت: يصلي الفجر بتيمم الوتر؛ إذا قلنا: يجمع بين النوافل بتيمم واحد. قال شيخنا: وهو إذا أتى بالفجر عقيب الوتر، ولا يتصور إلا إذا تأخر الوتر إلى آخر الليل، ونسي الوتر أو نام عنه حتى أصبح، وهذه الصورة هي التي تشبه مراد صاحب الكتاب، وأما الأولى فلا يصح أن يريدها؛ لأنه يكون تيمم للفجر قبل دخول وقتها لدخوله عقيب الفراغ من الوتر (٢).

стр. 292

وفي بعض النسخ: (يصلي الشفع والوتر بتيمم العشاء)؛ وهو مما اختلف فيه: فقال سحنون: يستحب له أن يتيمم للوتر لتأكده (١). وقول (ح) بوجوبه. فإن لم يفعل فلا إعادة عليه. وفي «الواضحة»: يوتر بتيمم العشاء، ويصلي من النفل ما شاء (٢). فإن فرق بينهما فالظاهر من المذهب أنه لا يصلي الثاني إلا بتيمم آخر، كالنوافل إذا فرقت (٣). وقال ابن القاسم: إذا صلى الصبح بتيمم الفجر، والظهر بتيمم النافلة؛ يعيد في الوقت (٤). وعنه: يعيد أبداً، ورجع للأول. وقال أبو إسحاق البرقي: يجزئ الصبح بتيمم الفجر، بخلاف الظهر بتيمم النفل؛ فإنه لا يجزئه (٥). وقال ابن حبيب: إذا تيمم لفريضة وتنفل قبلها ثم صلاها أعاد في الوقت، وإن قصد النافلة وصلى الفريضة أعاد أبداً (٦).

стр. 293

قال ابن القاسم: لا يصلي الضحى بتيمم الصبح، وإن لم يزل في المسجد (١). *** * ص: (ولا يتيمم لصلاة قبل وقتها). لأن الآية اقتضت ذلك في الوضوء والتيمم لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦]، خرج الوضوء بفعله ﵇، [وبقي] (٢) التيمم على مقتضى الدليل، ولم يتيمم ﵇ قبل الوقت ولا صلى به صلوات، ولأن التيمم لرفع ضرورة فوات الوقت؛ فلا يفعل قبل تحقق الضرورة؛ كأكل الميتة، بخلاف الوضوء لم يشرع لضرورة، ولذلك جاز قبل الوقت؛ لأنه محصل لمصلحة الوضاءة، بخلاف التيمم، ولأن التيمم يشترط فيه تقدم الطلب، فلا يشرع إلا عند التعذر وتعين الضرورة، والوضوء لا يشترط له؛ فجاز مطلقاً، ولأنه لا يرفع الحدث، وإنما يبيح الصلاة، وإنما تباح عند القيام لها. قال أبو محمد: قاله مالك وأصحابه (٣). وقال ابن شعبان: يتيمم قبل الوقت، وفي أول الوقت، ويؤخر فعلها (٤)؛ بناء على أنه يرفع الحدث، ونقل [ابن خويز منداد] (٥) هذا [عن] (٦) مالك: يرفع الحدث (٧).

стр. 294

* ص: (ولا يتيمم لها في أول وقتها، ويؤخر فعلها، ومن شرط التيمم أن يكون متصلاً بصلاته). وتوجيهه ما تقدم من تحقق الضرورة؛ كأكل الميتة. *** * ص: (ومن كان آيساً من الماء تيمم في أول الوقت وصلَّى). لئلا تفوت فضيلة أول الوقت لغير مصلحة. وقال بعض أصحابنا: يتيمم في وسط الوقت، لجواز وجود الماء، فيجتمع الفضلان: الطهارة بالماء، والوقت (١). (ومن كان راجياً للماء تيمم في آخر الوقت). لأن شرطه عدم، ولم يغلب على الظن حصول الشرط، ولأن فضيلة أول الوقت يجوز تركها لغير ضرورة، وفضيلة الماء لا يجوز تركها لغير ضرورة، فقدمت على فضيلة الوقت، ومن كان بين الرجاء والخوف [تيمم في وسط الوقت] (٢) لتقابل الاحتمالين. * ت: إذا وجد الماء الآيس بعد ذلك في الوقت لا يعيد، لأنه دخل بوجه مشروع، وغير واجد الماء. وقيل: لا يعيد إذا وجد ماء غير ذلك الماء، أما لو وجده بعينه لأعاد؛ لخطئه في التقدير.

стр. 295

وأما متعين وجود الماء فيؤخر: قال مالك: يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت. قال ابن عبدوس: وذلك في الظهر إلى أن يخاف دخول وقت العصر. قال ابن حبيب إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، وفي العصر إلى مثليه، وفي المغرب إلى مغيب الشفق، وفي العشاء إلى ثلث الليل. قال ابن القاسم: فإن تيمم أول الوقت وصلَّى أعاد؛ إن وجد الماء في الوقت. وقال ابن حبيب: [وإن] (١) خرج الوقت؛ لأنه يتيمم في وقت لا يشرع له التيمم، فصلاته باطلة (٢). والأول أحسن؛ لأنه يتيمم وهو غير واجد للماء وقد دخل وقت العبادة، وإيقاع الصلاة آخر الوقت توسيع للمصلي لا حق عليه، فله أن يعجل لبراءة ذمته. ولو أخر الآيس من الماء والشاك إلى آخر الوقت جاز كما كان ذلك في الوضوء، وإنما التعجيل من باب الأولى (٣). والشاك قد شك هل بالموضع ماء أم لا؟ أو يعلم الماء فيه وشك هل يدركه في الوقت أم لا؟ فإذا وجد الماء في الوقت أعاد الثاني دون الأول؛ لأن العدم في حقه أقوى بتعلق الشك بأصل الماء في نفسه، والثاني إنما شك في إدراكه فأخطأ التقدير.

стр. 296

وقال ابن حبيب: يؤخران إلى آخر الوقت كمتيقن وجود الماء في الوقت، فإن تيمما في أول الوقت، [وصليا] (١) ثم وجد الماء في الوقت [أعادا] (٢)، فإن جهلا الإعادة حتى خرج الوقت لا شيء عليهما؛ بخلاف الذي يعلم أنه يدرك في الوقت. وقال مطرف وعبد الملك: لا يعيد؛ لأنه خالف جزماً ويقيناً. قال ابن رشد في المقدمات: معنى من هو بين الرجاء والخوف تيمم في وسط الوقت؛ أن تيمم في آخر ما يقع عليه اسم أول الوقت لئلا تفوته فضيلة أول الوقت وفضيلة الماء معاً (٣). قال المازري: المشهور في الراجي والآيس ما قاله في الجلاب، وروي آخر الوقت في الثلاثة طلباً لفضيلة الماء، وتغليباً لها على الوقت. وقيل: وسط الوقت في الكل؛ إلا الراجي يؤخر إلى آخر الوقت جمعاً بين الفضيلتين: الوقت والماء، والراجي يتعين في حقه آخر الوقت لقوة رجائه. وقيل: الكل إلى آخر الوقت إلا الآيس؛ تغليباً لفضيلة الماء على فضيلة الوقت، والآيس منعه ليأسه من فضيلة الماء، فيقدم أول الوقت لئلا تفوته الفضيلتان (٤). قال اللخمي: المختار عندي في الكل أن يخيروا بين أول الوقت، ووسطه،

стр. 297

وآخره؛ كالمتوضئ على [الخيار] (١)، والأحسن ما في الجلاب عن مالك (٢). تنبيه: قلت: مشروعية التيمم تقتضي أن فضيلة الوقت أفضل من فضيلة الماء للوضوء، إذ لولا ذلك لأخرت الصلاة شهوراً حتى يجد الماء، والفائت حينئذ إنما هو فضيلة الوقت، لكن لما شرع التيمم دل ذلك على أن فضيلة الوقت أفضل عند الشارع من فضيلة الوضوء؛ فتأمله. *** * ص: (لا فضيلة في تكرار التيمم). لما تقدم في حديث عمار من قوله ﵇: «إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك». وفي بعض طرقه: «إنما كان يكفيك أن تفعل هكذا» وضرب ﵇ بيديه الأرض، فنفض يديه، ومسح وجهه وكفه. ولأنه لم ينقل عن أحد أنه فضيلة. *** * ص: (والاختيار الاقتصار على ضربة واحدة للوجه، ومسحة لليدين إلى المرفقين). لقوله ﷺ : «التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين»، قاله عمر بن الخطاب.

стр. 298

ولأنهما عضوان مفترقان؛ يستقل كل واحد منهما بمرة، كالوضوء. * ت: هذا هو المشهور. *** * ص: (يبدأ بمسح اليمين قبل اليسرى، فإن مسح اليسرى قبل اليمنى أجزأه). * ت: هذا مبني على صفة التيمم: ففي المدونة التيمم من الجنابة والوضوء سواء، يضرب الأرض بيديه ضرباً خفيفاً، ثم ينفض ما تعلق بهما نفضاً خفيفاً، ثم يمسح بهما وجهه، ثم يضرب بهما الأرض ثانية فيمسح يمناه بيسراه، ويسراه بيمناه من فوق اليد، وباطن اليد إلى المرفقين (١). وقال ابن حبيب يذهب باليسرى على اليمنى إلى المرفق، ثم يعيدها [على] (٢) باطن اليد إلى أصل الكف، ثم يحول الكف اليمنى على ظاهر أصابع اليسرى ذاهباً إلى المرفق، ثم يعيدها على باطن اليسرى إلى أطراف أصابعها (٣). وعن غير ابن حبيب: إذا بلغ باليسرى إلى أصل الكف اليمنى تمادى إلى آخر أصابعها، ثم يمسح اليسرى باليمنى. قال أبو محمد: وهذا أحسن (٤).

стр. 299

وقال ابن القابسي [وأعاب قول ابن حبيب] (١): فإن التيمم بدل عن الوضوء، فكما لا [ينتقل] (٢) في الوضوء من يد [حتى] (٣) يكمل جميعها؛ فكذلك التيمم (٤). قال ابن محرز: قال أبو الحسن: قول ابن حبيب إلى أصل الكف؛ منكر، والصواب: أن يصل بالمسح إلى أطراف أصابعه كما يفعل باليمنى على اليسرى، وإنما مال إلى استحسان ما [ذكرنا] (٥) من ظن أن التيمم يحمل شيئاً من التراب، فمسح على مسح باطن الكف. قال عبد الحق: فليس الحكم في المذهب للتراب؛ لزواله بأول التيمم، ويصير المسح بغير تراب، وإنما هي عبادة (٦). قال ابن محرز: وإني لأعجب من قول ابن مسلمة: إنه يضرب بيديه الأرض، ولا يأخذ فيهما شيئاً، ثم يقبض راحته ولا يمسح باطنها. وقال عبد الملك نحوه. والذي ذهب إليه ابن مسلمة: ليس لأجل استيفاء ما في الكف من تراب، ولكن لاستيفاء حكم الضرب فيها، لأن حكم الضرب يذهب بالمسح؛ لأنه لو تيمم على جبل لم يتعلق باليد شيء، [فإنه] (٧) يتيمم بضربتين للوجه واليدين،

стр. 300

وإن كانت الضربة الثانية لا يعلق منها شيء؛ ولكن يتجدد حكم الضرب، وأصل مالك: أن التيمم غير مفتقر لشيء يعلق باليد. وقال ابن عبد الحكم: ليس في ذلك حد، وأراهم التيمم؛ فمسح [بطون] (١) الكفين بعضها ببعض، ومسح الذراعين على نحو الوضوء. وقال: لا فرق بينهما (٢). وقدمت اليمنى لفعله ﵇ ذلك، وقياساً على الوضوء. فإن قدم اليسرى أجزأه، لقول علي ﵁ وابن مسعود [﵁] (٣): ما نبالي بدأنا بأيماننا أو بأيسارنا (٤). وتقدم الكلام على تخليل الأصابع، والخاتم. *** * ص: (ويرتب تيممه، فيبدأ بوجهه قبل يديه، فإن نكسه فبدأ بيديه قبل وجهه، أجزأه). * ت: لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، والواو لا تقتضي الترتيب، والتيمم كالوضوء في الترتيب، والموالاة، فمن أوجبه في أحدهما أوجبه في الآخر، وقد تقدم الكلام عليه في الوضوء. وقال الأعمش: يبدأ بيديه قبل وجهه. وخالفه جميع الفقهاء، لأنه مروي عن أبي موسى الأشعري.

стр. 301

وفي «أبي داود»: أنه ﷺ ضرب بيديه الأرض، ثم ضرب بشماله [على] (١) يمينه، وبيمينه على شماله، ثم مسح وجهه (٢). وجوابه: أن حديث «الصحيحين» يعارضه (٣)، وهو أولى. وأما الموالاة؛ فمن [نسي] (٤) تيممه حتى طال؛ أعاد التيمم، لأن التيمم لا يجوز تقديمه على الصلاة، بخلاف الوضوء. *** * ص: (لا يجوز رفع الحدث، ولا إزالة نجس بشيء من المائعات كلها؛ سوى الماء الطاهر). * ت: الكتاب، والسنة. فالكتاب: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، فبين تعالى أن عدم الماء يوجب التيمم ويلزم الانحصار فيه، وقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُم به﴾ [الأنفال: ١١]. قال أئمة اللغة: والطهور: ما كان مطهراً لغيره، كالسحور لما يتسحر به، والبخور لما يتبخر به، والحنوط لما يتحنط به، وهذا الاسم خاص في اللغة بالماء والتراب، فلا يقال: خل طهور، ولا لبن طهور؛ فلا يتطهر بغيرهما.

стр. 302

ولأنه ﵇ ما استعمل المائعات، ولا الماء المضاف؛ فتعين الماء المطلق. فرع: قال عبد الحق: سئل أبو الحسن عن دلو جديد دهن بزيت، ثم استقى به؛ قال: لا يجوز الغسل بذلك، ويعيد غسل ذلك، وغسل ما أصاب ثيابه من ذلك الماء، وعليه إعادة الاستنجاء. وسئل الشيخ أبو محمد؛ فرأى أن عليه إعادة الاستنجاء دون الغسل للثياب، وقال: لا أبلغ به ذلك؛ للخلاف في الماء المضاف. قال عبد الحق: اختلف أصحابنا في الماء المضاف إذا أزال عين النجاسة؛ هل يزول حكمها؟ والصواب: بقاؤها؛ لأنه لا تؤدى به الصلاة فلا تزول به النجاسة. حجة الإزالة: ضعف أمر النجاسة؛ لأنها تزال بغير نية، وللخلاف في الماء المضاف؛ هل يرفع الحدث أم لا؟ وقد سبق الكلام على إزالة النجاسة. *** * ص: (ولا يجوز الوضوء بنبيذ التمر، ولا نبيذ الزبيب، ولا بالخمر عند وجود الماء، ولا عند عدمه). * ت: تقدم انحصار الطهر في الماء والتراب. وقال (ح): يجوز الوضوء بمطبوخ التمر إذا أسكر إذا عدم الماء، ولا يجوز بالنبيذ النقيع، [وروي] (١) أنه رجع عن هذا ومنع مطلقاً.

стр. 303

لنا: أن الله تعالى نقلنا عند عدم الماء إلى التيمم؛ فدل ذلك على نفي الواسطة، ولو جاز بنبيذ التمر لجازت المائعات؛ لعدم الفرق بينه وبين نبيذ العسل، ولو حلف لا يشرب ماء فشرب نبيذاً لم يحنث، فلا يكون مندرجاً فيه، ولو [أمر] (١) وكيله بشراء ماء فاشترى له نبيذاً لم ينفذ، ولقوله ﵇: «خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء؛ إلا ما غير لونه، أو طعمه، أو ريحه». والنبيذ متغير؛ فيمنع الوضوء به، ولأنه ﵇ توضأ بالماء القراح وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» (٢)، فمن قال إنها مقبولة بالنبيذ فقد خالف هذا الحديث. وانعقد الإجماع على منع الطهارة بالخمر المتفق على تحريمه، فيقاس النبيذ عليه بجامع السكر، أو لأنه لا يجوز الوضوء به مع وجود الماء؛ [فكذلك] (٣) مع عدمه كنبيذ الزبيب. احتجوا بما روي عن ابن مسعود قال: كنت مع رسول الله ﷺ ليلة الجن فقال: «أمعك ماء؟» فقلت: لا إلا نبيذ، فقال: «تمرة طيبة، وماء طهور»، وتوضأ منها وصلى بنا (٤). جوابه: منع الصحة، ويكفي قول ابن معين: كان أبو زيد راويه نباذاً بالكوفة، فروى هذا الحديث لينفق سلعته. وقد أنكر بنو عبد الله [حضوره] (٥) مع النبي ﷺ ليلة الجن، ولو صح

стр. 304

لأمكن أن يكون منسوخاً بآية التيمم؛ فإن ليلة الجن بمكة قبل الهجرة، وآية التيمم مدنية، مع أن لفظه محتمل أنه ما [نبذ] (١) في تمر ولم يتغير، ويؤيده قوله ﷺ : «وماء طهوراً». وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ الوضوء بالنبيذ. ولم يصح. *** * ص: (ولا يجوز الوضوء بالأمراق، ولا بالأدهان، ولا بشيء من الألبان). * ت: أجمع على ذلك المسلمون؛ إلا الأصم بن كيسان أجاز الوضوء بكل مائع (٢). لنا: أن الله تعالى لم يجعل بين الماء والتيمم واسطة؛ فوجب نفيها، ويؤكده ما تقدم من الاستدلال. *** * ص: (ولا يجوز الوضوء بماء الزعفران، ولا بماء الورد، ولا بماء العصفر والعجين). * ت: لا خلاف فيه إلا ما حكي عن الأصم. قال اللخمي: المياه المستخرجة من الرياحين والأشجار طاهرة غير مطهرة (٣)، لما تقدم من الدليل.

стр. 305

باب في غسل المرأة من الجنابة والحيض (وليس على المرأة نقض شعرها عند غسلها لجنابتها، ولا لحيضتها، ويجزئها أن تحثي الماء على رأسها، وتضغثه في كل حفنة بيديها). لما في «مسلم» عن أم سلمة أنها قالت: قلت يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي فأنقضه لغسل الجنابة قال: «لا، إنما يكفيك أن تحثي الماء على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيض عليك الماء فتطهرين» (١). وفي رواية: «فأنقضه للحيضة والجنابة». زاد «أبو داود»: «واغمزي قرونك عند كل حفنة» (٢). وفي «مسلم»: عن عائشة ﵂ أنها بلغها عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن شعورهن فقالت: يا عجباً لابن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن لقد كنت أغسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد فما أزيد أن أغرف على رأسي ثلاث غرفات (٣). * ت: التضغية: أن تجمعه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص: ٤٤]،

стр. 306

أي: أغصاناً مجتمعة. قال سند: ضغث الشعر غاية في غسله، كعرك الثوب، والصب مع التخليل. *** * ص: (ليس على الحائض غسل ثيابها إذا طهرت من حيضتها). لأنها طاهرة، وقد كان ﵇ يصلي في الثوب الذي يجامع فيه قبل غسله، وإن كان معرضاً للنجاسة بالجنابة، كما هو معرض مع الحيض، ولقوله ﷺ لعائشة ﵂: «إن حيضتك ليست في يدك» (١)، وكان يضاجعها حائضاً؛ فدل ذلك على طهارة جسدها. *** * ص: (فإذا أصاب ثوبها شيء من دم حيضتها فعليها غسله إذا كان الدم كثيراً، وإن كان يسيراً فعنه في ذلك روايتان: إحداهما: أنه عفو كسائر الدماء. والأخرى: أنه بخلاف سائر الدماء، يغسل قليله وكثيره؛ كالمني، والغائط، والبول). لما في «مسلم»: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت يا رسول الله، إن إحدانا يصيب ثوبها دم الحيضة كيف تصنع؟ فقال رسول الله ﷺ : «تحته، ثم تقرضه، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه». قال عياض: تقرصه مثقَّل ومخفَّفٌ؛ روي بهما، وهو تقطيعه بأطراف الأصابع مع الماء، فيتحلل بذلك الماء، ويخرج من الثوب (٢).

стр. 307

* ت: قال الهروي: قرصته بالماء: قطعته، وحتُّ الشيء: [قشره] (١). وحكه (٢). والمراد بالنضح هاهنا: الغسل؛ وهو من كلام العرب (٣). وفي رواية المقداد في المذي: «وانضح فرجك» (٤)، وفي الرواية الأخرى: «واغسل ذكرك» (٥). وفي «أبي داود» (٦): «فلتقرصه بشيء من ماء، ولتنضح ما لم تر، [وتصلي فيه]» (٧). فالدم سومح في يسيره لقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، على أن غير المسفوح طاهر حلال للضرورة التي تلحق الناس في ذلك، لأن اللحم لا يخلو عنه، وقد قالت عائشة ﵂: لولا قوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] لتتبع الناس ما في العروق، ولقد كنا نطبخ البرمة تعلوها الصفرة (٨). وهو الفرق بين يسير النجاسة ويسير الدم؛ لأن يسير النجاسة لا يجوز أكله. ولأنَّ الإنسان لا يخلو جسده غالباً من بثرة، أو دم برغوث (٩).

стр. 308

فقيل: دم الحيض هل يلاحظ فيه أنه دم، أو أنه خارج من مخرج الأحداث فتعلّق بها، ولأن يسيره لا تدعو الضرورة لملابسته بخلاف سائر الدماء؟ واختلف في حد اليسير الذي يعفى عنه: قدر الدرهم لا تعاد منه الصلاة إذا رآه بعدها، ولكن الفاحش (١). قال ابن عبد الحكم: الدرهم قدر فم المخرج، لأنه عفي عنه في الاستجمار (٢). وفي «العتبية» عن مالك إنكار التحديد بالدرهم وقال: لا أجيبكم إلى هذا الضلال، والدراهم تختلف، ولكن إذا كثر وتفاحش (٣). قال سند: [وهذا] (٤) أحسن؛ لأن التقدير لا بد فيه من التوقيف، فيرجع إلى العرف. وعن مالك في «الواضحة»: الدرهم [كثير] (٥)، والخنصر قليل (٦). قال سند: وظاهر المذهب العفو عن يسير دم الحيض في حق الحائض، وفي [حق] (٧) غيرها. قال التونسي: كما يعفى عن يسير الدم يصيبه من جسد غيره.

стр. 309

قال اللخمي: الخلاف في يسير الدم إذا كان في ثوب شخص فلبسه غيره (١). قال سند: ما أراه إلا نظراً [منه] (٢) لا نقلاً. واختلف في يسير القيح والصَّديد، كما اختلف في دم الحيض نظراً لأصله؛ وهو دم أو هو أقبح، ولا تدعو إليه عموم البلوى. *** * ص: (وإذا أصاب ثوبها شيء من دم حيضتها ولم تعلم جهته؛ غسلت الثوب كله). لأنها لا تتيقن طهارته إلا بذلك، كما [تمسك] (٣) جزءاً من الليل في الصوم، ويصلي خمساً إذا نسي صلاة وجهل عينها. (فإن عرفت جهته غسلت الجهة وحدها). * ت: لم يخالف [فيه] (٤) إلا بعض الخوارج؛ فقال: يغسل الثوب كله. لنا: ما في «مسلم»: قالت عائشة ﵂: إن رسول الله ﷺ كان يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه (٥)، فقولها: فيه، يدل على عدم غسلها كله. وفيه أيضاً: عنها ﵂[أنها] (٦) نزل بها رجل، فأصبح يغسل ثوبه، فقالت:

стр. 310

إنما كان يجزيك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر نضحت حوله (١). وقال عمر ﵁: اغسل ما رأيت، وانضح ما لم تر (٢). ولم يخالفه أحد؛ فكان إجماعاً. ولكن المطلوب إزالة عين النجاسة، فإذا زالت بقية الثوب طاهرة؛ فلا فائدة في غسل غيره. *** * ص: (إن شكت هل أصابها شيء من دمها أم لا؟ فإن كان الثوب مصبوغاً يخفي الدم فيه؛ نضحته، وإن لم يكن مصبوعًا فلا شيء عليها). أصل النضح حديث عائشة ﵂ المتقدم: وإن لم تر نضحت حوله (٣). وفي «الترمذي» (٤): قال ﵇ في بول الغلام الرضيع: «ينضح، ويغسل بول الجارية». وقال: حديث صحيح (٥). وقال عمر ﵂: اغسل ما رأيت، وانضح ما لم تر (٦). قال مالك: والنضح من أمر الناس، وهو طهور لما شك فيه (٧). *ت: وليس الشك في البدن كالشك في الثوب، وإن كان الخلاف فيهما،

стр. 311

وقد فرقت السنة بينهما؛ فجاء في الثوب النضح، وفي البدن الغسل، وهو قوله ﵇: «فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده منه» (١). ولأن النضح ثبت على خلاف القياس، لا يزيل نجاسة إن كانت؛ بل ينشرها وإن كان طاهراً فلا معنى لنضحه، فيقتصر به على مورد النص، ويغسل الجسد تحصيلاً ليقين الطهارة. وقال ابن شعبان: ينضح الجسد، لأنه الموجب في الثوب الشك؛ وهو مشترك بينهما، ولأن الأصل فيهما الطهارة (٢). واختلف هل هذا النضح واجب؟ وهو المذهب؛ لقوله: وهو طهور لا شك فيه، والتطهير واجب للصلاة (٣). أو مستحب؟ قاله عبد الوهاب: لا يزيل نجاسة بالضرورة، والوجوب يتبع المصلحة؛ وهي منفية (٤). واختلف هل يفتقر إلى نية لشائبة التعبد؟ نقله عبد الحق عن بعض القرويين. أم لا يفتقر؟ وهو ظاهر المذهب؛ قاله ابن محرز (٥).

стр. 312

قال ابن القاسم: يعيد في الوقت، ووافقه سحنون وغيره (١). وعن أشهب وابن القاسم: لا إعادة عليه (٢). واختلف فيمن أصاب ثوبه ماء مشكوك فيه: فقال مالك: إن غسل ثوبه بماء سقطت فيه فأرة؛ رجوت أن يكون في سعة (٣). *** * ص: (ويستحب للجنب إذا أراد نوماً ليلاً أو نهاراً أن يتوضأ قبل نومه كوضوئه للصلاة، وليس على الحائض ولا على النفساء أن تتوضاً عند النوم حتى يطهرا؛ فيغتسلا). لما في «البخاري»: عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه، وتوضأ وضوءه للصلاة (٤). وفي «مسلم»: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لرسول الله ﷺ : هل ينام أحدنا وهو جنب؟ قال: «نعم، ليتوضأ، ثم لينم حتى يغسل إذا شاء» (٥). قال بعض العلماء: ولم يختلف فيه، إنما الخلاف في وجوبه وفي استحبابه. قال ابن عبد البر: ما أوجبه أحد إلا بعض الظاهرية (٦).

стр. 313

وزعم اللخمي أن المذهب اختلف في وجوبه؛ لقول مالك في المجموعة: هو شيء ألزمه الجنب (١). قال سند وهو تأويل فاسد. فإن المراد باللزوم التأكيد في الطلب، ولذلك عطف عليه الوضوء من الغمر فقال: وكذلك الوضوء من الغمر. وقد روى ابن قتيبة: أنه ﵇ نام ولم يتوضأ، ليدل على الجواز، وكان منه ﵇ نادراً (٢) وعلله ابن الجهم: كان على الجنب أن لا ينام حتى يغتسل، فرخص له في أحد الطهارتين؛ لئلا يدركه الموت وهو على غير طهارة. وقال الأبهري: لينشط فيغتسل. قال القاضي عياض: يجري الخلاف في وضوء الحائض قبل أن تنام على الخلاف في التعليل؛ فتتوضأ على الأول دون الثاني (٣). والفرق بينها وبين الجنب من وجوه: * الأول: أن الجنب قادر على الاغتسال؛ فلعله ينشط للغسل. * الثاني: أن أمر الجنب لا يطول فلا يشق عليه الوضوء، ولو أمرت الحائض لطال عليها ذلك الطول أمد الحيض، وتعذر رفعه.

стр. 314

* وثالثها: أن الجنب ترتفع جنابته باستكمال الماء فشرع فيها بالوضوء، والحيض لا يرتفع به بل بذاته، وإنما الغسل مبيح للوضوء؛ فلم يشرع لها الوضوء لعدم اعتبار أصله، والنفساء مثلها. قال ابن حبيب: وضوء الجنب للنوم أكد من وضوء الطاهر للنوم، فإنه لغيره مستحب أيضاً، والمرأة مثل الرجل، كانت الجنابة بوطء أو باحتلام (١). قال أبو عمران: ولا يتوضأ بماء مضاف، ولا ماء ورد، بل ما تجوز به الصلاة. قال عبد الحق: إذا ارتفع دم الحيض بقي حكمها كحكم الجنب؛ في منع القراءة، والوضوء للنوم؛ حتى تغتسل، لتمكنها من رفع الحدث كالجنب (٢). قال ابن حبيب: إذا عدم الجنب الماء تيمم للنوم (٣). وقال مالك: إن أحدث بعد الوضوء لم يعد وضوءه (٤) لأن هذا الوضوء لرفع الجنابة للنوم، فلا يرفعه إلا حدث الجنابة لا حدث الوضوء كغسل الجنابة، و [قاله] (٥) ابن القاسم. قال اللخمي: إن عللنا بموته على أحد الطهارتين يعيد الوضوء إن أحدث، وتيمم إن عدم الماء، وعلى تعليل رجاء الغسل منه لا يعيده ولا يتيمم إن عدم الماء (٦).

стр. 315

قلت: سؤال: إذا قلتم: حدث الجنابة يرتفع بالنسبة إلى النوم لا مطلقاً؛ فقولوا من غسل إحدى الرجلين يرتفع الحدث عنها بالنسبة إلى لبس الخف خاصة لا مطلقاً، مع أنه منكر على المذهب. جوابه: أن الحدث هو المنع من الأفعال، والوضوء من الجنب تقدم به على النوم، وهو مما يطلب له رفع الحدث، وليس رفع الحدث معتبراً في لبس الخف؛ لأنه لا يجوز للمحدث لبسه إجماعاً، وإنما المنع من الصلاة بالمسح عليه، وغسل أحد الرجلين لا يترتب عليها ذلك، بخلاف وضوء الجنب يترتب عليه إباحة النوم من غير حائل. *** * ص: (ولا بأس أن يأكل الجنب قبل غسله ووضوئه؛ إن كانت يده طاهرة لا نجاسة عليها). لما في «أبي داود»: كان ﵇ إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ، وإذا أراد أن يأكل غسل يديه فأكل وشرب (١). * ت: روي غسل اليدين فقط للأكل والشرب. [ورواه] (٢) ابن وهب عن ابن عمر، وأنس، وعمرو بن العاص، وعن فقهاء الأمصار. وفي «مسلم»: إذا أراد أن ينام أو يأكل وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة (٣).

стр. 316

قال الباجي: لما اجتمعا في اللفظ عبر عنهما بالوضوء المشترك بينهما، والفرق بينهما: أن النوم موت؛ فشرع له الطهارة كغسل الميت، والأكل قوام الحياة؛ فلا تشرع له الطهارة، كسائر تصرفات الأحياء (١). ***

стр. 317

باب الحيض والاستحاضة ودم النفاس (وليس لقليل الحيض حَدٌّ، والدفعة من الدم حيض، والصفرة والكدرة حيض). * ت: الذي تراه المرأة من الدماء ثلاثة (١): دم حيض؛ وهو الجاري على العادة. ودم الاستحاضة؛ وهو دم علة. ودم نفاس؛ وهو عقيب الولادة. واختلف الناس في بدئه: فأكثر الناس: أنه عام في بنات آدم. وقيل: أوله [أُرسل] (٢) على بني إسرائيل [بسبب] (٣) فجرة فجرتها امرأة منهن (٤). ودم الفساد وهو دم الاستحاضة لا حكم له؛ كالسلس (٥). ودم النفاس يوجب ما يوجبه الحيض، ويمنع ما يمنعه (٦).

стр. 318

ودم الحيض يتحادر من أعماق البدن إلى الرحم، فيجمعه الرحم طول مدة الطهر، ولذلك سمي الطهر قرءًا، من قريت الماء في الحوض إذا [جمعته] (١) فيه (٢). ويقال: حاضت المرأة، وتحيضت حيضاً، ومحاضاً، ومحيضاً؛ إذا سال دمها على العادة، وإلا قيل: استحيضت؛ فهي مستحاضة. وقيل: الحيض؛ من قولهم: حاضت الشجرة؛ إذا خرج منها ماء أحمر (٣). ودم الحيض: أسود غليظ. ودم الاستحاضة: أحمر رقيق. قال مالك: الدفعة من الدم حيض (٤). يريد في العبادة؛ لا في العدة والاستبراء، لقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، فيعتزلهن في قليل الأذى وكثيره. والأمر باعتزالهن يقتضي معرفة سبب الاعتزال قبل أن يعتزل، فلو كان لا يعلم إلا بعد يوم وليلة، أو ثلاثة أيام؛ لكان الأمر معلقاً على ما لا يعرفه (٥). قال الطرطوشي: الحيض هو السيلان، حاض الوادي إذا سال، وحاضت الشجرة إذا سال صمغها، وهذا المعنى في الدفعة الواحدة.

стр. 319

وفي «مسلم»: جاءت فاطمة بنت أبي جحش إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدعُ الصلاة؟ فقال: «لا، إنما ذلك عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي» (١). زاد «الترمذي»: «[وتوضئي] (٢) لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت» (٣). فعلق الحكم على وجود المطلق من غير تحديد. ولأن المبتدأة تترك الصلاة بأقل ذلك اتفاقاً، فلو لم يكن حيضاً لما تركت الصلاة [المتيقنة] (٤) بدم مشكوك فيه، ومدرك أقله وأكثره عوائد النساء. وروي أنه ﵇ قال: «أقل الحيض ثلاثة أيام» (٥)، وهو ضعيف. وقال (ح) (ش): لا يكون حيضاً في الصلاة إلا ما كان في العدة والاستبراء. فحدده (ح) بثلاثة أيام (٦)، فما نقص فليس بحيض. وروي (٧) عن مالك في العدة والاستبراء؛ لا في ترك الصلاة (٨).

стр. 320

وحدد (ش) يوماً وليلة (١)، فإن نقص لم يكن حيضاً. قال ابن خويز منداد تفرقة مالك بين الصلاة والعدة استحسان، والقياس أن الدفعة فيها حيض، [فتنقضي] (٢) العدة في عشرة أيام وبعض يوم (٣). قال سند المعروف من المذهب الفرق بينهما (٤). بسبب أن مقصود العدة براءة الرحم؛ [ولا] (٥) يحصل بالدفعة، لأن الحامل إذا وضعت أحد الولدين كان الدم السائل حينئذ يمنع الصلاة ولا يبيح المرأة، فإذا لم يستلزم براءة الرحم لم يبح المرأة بالشك، ويكون الجهل بالبراءة كالعلم بالشغل، كما كان الجهل بالتماثل في الربا كالعلم بالتفاضل في بيع صبرة بر [بصبرة بر] (٦). ولأن الدم ينافي الصلاة بذاته، لأن المستقذرة لا تصلح للتقرب، وهو في العدة بدلالته لا بذاته، بدليل أن غيره يقوم مقامه في الدلالة من الشهور وغيرها، ولا يقوم مقامه في منع الصلاة [والصوم] (٧) شيء، فحينئذ قد يمنع العبادة ما لا يكون عدة. [وإنما فرق بين العدد وغيرها استظهاراً في العدة، واحتياطاً للنسب] (٨)،
следующие страницы →