← Фикх малики

Фикх малики · id 30159

شرح التفريع

القرافي

Полный текст (3 250 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

ووجه إحدى الروايتين إذا فات الإبان: قوله ﷺ : «ليس لعرق ظالم حقٌّ (١)». ووجه الأخرى: أنَّه يضر الغاصب، ولا ينتفع بالأرض، وقد قال ﵇: «لا ضرر ولا ضرار» (٢). قال مالك في «المجموعة»: إذا سنبل الزرع لا يُقلع، لأنه فساد (٣). * * * * ص: (إن لبِسَ الثَّوب ضمِنَ ما نقصه لبسه، وإن أبلاه بلبسه إِيَّاه خُيّرَ ربه بين أخذه وما نقصه، وتركه وأخذ قيمته كُلّها. وقيل: له ما نقصه، وليس له أخذ القيمة كلّها وتركه). * ت: حيث لزمته [قيمة النقص] (٤). ولأنه انتفع بملك غيره بغير شبهة، بل بجناية. وخير في إبلائه لأنَّه باقٍ على ملكه وقد جنى عليه، فلُوحِظَ الشيئان. ولاحظ في القول الآخر أنَّ الثَّوب قائم لم يتلف، بل بعض أجزائه؛ فاختص الضمان بها. * * *

стр. 2872

* ص: (إن غصَبَ أمَةً فوطئها فهو زان، وعليه الحَدُّ). لعدم الملك والشبهة. (وعليه ما نقصها وطؤه). لأنها جناية. (ولا يلحق به الولد، وهو عبد للسيد). لأنه ولادة أمته. (فإن ولدت عنده من غيره فمات ولدها فلا ضمان عليه فيه). لأنه لم يقصد لغصبه بل تَبعَ الأم، كعضو من أعضائها إذا ذهَبَ بأمر رباني لا يضمن. ولأنه تابع لأمه في الرق والحرية، غير مستقل بشيء في نفسه. (وإن ماتت الأم وبقي ولدها خُيّر بين أخذ الولد ولا شيء له في الأم). لأنه كعضو منها، فذهابها كذهاب عضو منها، إذا أخذها لا يضمنه. (أو يتركه ويأخذ قيمة الأم). لأنها المغصوبة. (وإن وجدهما جميعًا حيين كان له أخذهما). لأنَّ الولد تبع لأمه؛ كنسل الحيوان. (وإن ماتا فله قيمة الأم دون ولدها). لأنها المغصوبة، ويندرج الولد معها.

стр. 2873

* ت: [إن أتلف] (١) الغاصب الولد ضمنه. وقال أشهب: هو ضامن له بالقيمة يوم ولدته (٢)؛ لأنه مغصوب ثان مع أمه، لأن رده كان واجباً عليه ولم يرده (٣). وقال أيضاً: لرب الأمة إلزام الغاصب قيمة الأم يوم غصبها، ويأخذ الولد إذا فقدت وحدها (٤)؛ كسلعتين غصبهما فتَلِفَت إحداهما. قال التونسي: ليس هذا بجيد؛ لأنه إذا ضمن الأم يوم الغصب كان الناشئ عنها على ملكه لا يضمنه. وقال أشهب أيضاً: إذا ماتا؛ ضَمِنَهما معاً. فإن زوجها الغاصب على أنها أمة ولم يعلم الزوج بالغصب؛ فلرَبِّها أخذها وأخذ ولدها رِقاً، ويثبت نسبه منه. فإن تزوجها على أنها حرة فتبيَّن أنها مغصوبة؛ فلرَبِّها أخذها وفسخ نكاحه، وعلى الزوج قيمة ولدها، ويثبت نسبه من أبيه؛ لدخول أبيه على حريته. * * * * ص: (إذا قتل العبد عنده قاتل خيَّر بين تضمين الغاصب قيمته يوم غصبه). لأنه غصبه.

стр. 2874

(أو القاتل قيمته يوم قتله). لجنايته عليه. (فإن ضَمَّنَ الغاصب رجع على القاتل بالقيمة يوم القتل). لأنه قتله حينئذ، وبالتضمين صار على ملك الغاصب. (فإن قتله الغاصب خُيِّرْتَ بين قيمته يوم غصبه أو يوم قتله). لتحققِ السببين. * ت: إن كانت قيمته يوم الغصب مئةً ويوم القتل ثمانين؛ فله أخذ المئة من الغاصب، ويرجع الغاصب على القاتل بثمانين، وله أخذ الثمانين من القاتل؛ لأنه غريم غريمه، ويرجع على الغاصب بعشرين، إلا أن يريد بقبضه من القاتل رفع حكم الغصب، فلا يرجع بشيء عليه. فإن كانت قيمته يوم القتل أكثر: قال ابن المواز: يرجع الغاصب على القاتل - إذا غَرِمَ - بالقيمة ما بلغت. وهو ظاهر «الجلاب»، لأنَّه لما ضمِنَه فقد قُتل على ملكه، فنماؤه له. وقال أشهب: لا يرجع إلا بما غَرِم، لأنه لا يربح بالغصب. فإن زادت قيمته يوم قتل الغاصب على يوم الغصب: قال ابن القاسم: ليس له إلا قيمة يوم الغصب. وقال ابن الجلاب: يُخَيَّر.

стр. 2875

وقاله ابن القاسم أيضًا؛ لأنَّ مِنْ حُجَّتِه أَنْ سَقَطَ عنه الغصب ويأخذه بالتعدي (١). * * * * ص: (إن غصَبَ ثوبًا فصبغه صبعًا يَنقُصه، فلك أخذه ناقصاً، أو تركه وأخذُ قيمته يوم غصبه). لأنَّ التعدي وقع على الثوب وهو في ضمانه، فإن واخَذَهُ بالغصب أخذ القيمة، أو يُسقط الغصب عنه فيأخذه. (فإن زاد الصبغ في ثمنه فأخذته دفعت للغاصب ما زاد). لأنه عين ماله. (أو يتركه ويأخذ قيمته). مآخذةً له بالغصب. (فإن امتنعت من دفع الزيادة، وامتنع من دفع القيمة؛ بيع الثوب ودَفَعَ لك القيمة، والفضل للغاصب). * ت: ليس له أخذه ناقصاً مع الأرش، بخلاف إذا لَبِسَه ونقصه. والفرق: أنَّ اللبس صَوَّنَ به ماله وانتفع، وفي الصبغ تضرر. وخُيِّرت في الزيادة لأنَّه ملكك، ولئلا يتوصل الغاصب لملك الغير بالصبغ ونحوه. وقال ابن الجلاب: يُعطى ما زاد الصبغ، فإن لم يزد فلا شيء له.

стр. 2876

وفي «المدونة»: قيمةَ الصَّبغ (١)، لأنَّه قد غَرِمَ فيه قيمةً محققة، فإعطاؤه دونها ظلم. وقال أشهب: لا شيء له في الصبغ؛ كالبناء الذي لا قيمة له بعد القلع (٢). وقال ابن مسلمة: إن نقَصَهُ الصبغ غَرِمَ النقص، وإن زاد لم يكن فيه شيء، إلا أن يكون إذا غُسل خرج منه شيء له قيمة، فيُخَيَّرُ صاحبه: إن شاء أعطاه الثّوبَ فغسله، أو يعطيه قيمة ما يخرج منه (٣). ووجه قول ابن الجلاب: أنَّ الظالم لا ينبغي أن يُظلم، فيُعطى ما زاد؛ لأنه متعد بوضع الصبغ، فلا يلزمه قيمته. * * *

стр. 2877

باب العمران (مَنْ عَمَرَ أرضًا لا يظنُّها لأحد، ثم استُحِقَّتْ؛ فله أخذها عامرةً ودفع قيمة عمارتها للباني، فإن امتنع كان لصاحب البناء دفع قيمتها غير مبنية، فإن أبي كانا شريكين؛ لصاحب البناء بقدر بنائه، ولصاحب الأرض بقدر قيمة أرضه). * ت: أقطع الصديق ﵁ رجلا أرضًا فغرس فيها، فاستُحِقَّت فاختصما إلى عمر ﵁؛ فقضى للأول أن يعطيه قيمة ما أحيا، قال: لا أفعل، فقال للآخر: «أعطه قيمة أرضه بيضاء»، فلم يفعل، فقضى أن تكون الأرض بينهما، هذا بقيمة أرضه وهذا بقيمة عمارته. وبدأ ربُّ الأرض لأنَّ حقه متقدم على حَقِّ [الباني] (١)، والأرض [ملكه] (٢)، والمحيي عَمَرَ في شُبهة ملك، وكانت له قيمة البناء قائما؛ لأنه لم يتعد في البناء فيُطالب بالقلع، ولا دخل على القلع كالمستأجر. والقيمة يوم الحكم؛ [لأنَّ] (٣) قبل ذلك لم يجب أخذها للمستحق. وكانا شريكين عند الامتناع؛ لأنَّ لكُلِّ واحدٍ حقًا (٤). قال الأبهري: لصاحب الأرض قيمة الأرض بلا بناء، ولصاحبِ البناء بقدر قيمة البناء بلا أرض، فيشتركان بذلك.

стр. 2878

وقال عبد الملك: تُقوَّمُ الأرض بَراحًا، ثم تُقوم بعمارتها، فما زادت بالعمارة شارك [الباني] (١) به، وإن شاء اقتسما أو تركا (٢). والصواب أن يُقوَّمَ لكُلِّ واحدٍ عين شيئه، فقد لا تزيد العمارة في هذه الأرض شيئًا، وقد تنقصها العمارة فتذهب مجانًا. قال أبو بكر ابن الجهم: إذا دفع رَبُّ الأرض قيمة العمارة وأخذها؛ كان عليه كراء ماضي السنين. * * * * ص: (إن اشترى دارا فاستُحِقَّت؛ فليس عليه رَدُّ الغلة، وكذلك العبد). * ت: في الترمذي: قضى رسول الله ﷺ أنَّ الخراج بالضمان (٣). وفيه: أن رجلا ابتاع غلامًا، فأقام عنده ما شاء الله، ثم وجد به عيبًا؛ فرَدَّه عليه رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، قد استغل غلامي، فقال له رسول الله ﷺ : «الخراج بالضمان» (٤). ومن بنى في أرض قوم بغير إذنهم ثم استحقوها؛ فإن شاؤوا أعطوه قيمة عمارتها منقوضا وأخذوها، وإن شاؤوا أمروه بنقله عنهم، ولا يكون له نقض ما لا منفعة له به إذا قلعه، وهو لصاحب الأرض. * * *

стр. 2879

* ص: (ما أفسدته المواشي بالليل من الزرع والنخل والشجر والثمر؛ فضمانه على أربابها، وإن زاد على قيمتها، وما أفسدته من ذلك بالنهار؛ فلا ضمان على أربابها فيه، وما أتلفته من الأموال - سوى الزرع والثمار - من النفوس والعروض؛ لم يضمنوه، ليلا كان أو نهارا). * ت: في أبي داود: كانت للبراء بن عازب ناقة ضارية، فدخلت حائطًا فأفسدت، فكُلِّمَ رسول الله ﷺ فيها، فقضى أنَّ حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وحفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل (١). ولأنه لا ضرورة بهم إلى انتشارها ليلا، لعدم الراعي، بخلاف النهار. قال ابن سحنون: إنما ذلك بالمدينة، لأن حوائطهم محظورة، وأما السواحل؛ فيضمن أربابها ما أفسدت ليلا أو نهارا. قال بعض أصحابنا: ولو كانت الزرع كثيرةً ممتدَّةً لا يُقدر على حراستها؛ لم يكن على أرباب المواشي شيء. ولو عكس لكان أولى؛ لِتَعَيُّن حفظ المواشي بالرعاة. وقال مالك: إذا كانت المواشي تعدوا في زرع النَّاس؛ أرى أن تُغَرَّبَ فتباع ببلد لا زرع فيه، إلا أن يحبسها أربابها عن الناس (٢) وعلى البائع أن يبيّن أنها تعدوا، لأنه عيب، وإذا عُرِفَتْ أنها تعدوا، وتُقدّم

стр. 2880

إلى أربابها في ذلك؛ ضَمِنُوا ما أفسدت ليلًا أو نهارًا وإن كانت أكثر من قيمتها، بخلاف جنايات العبيد، لأنها لا تعقل؛ فكأن أربابها المفسدون. ويُقَوَّمُ الزرع على الرجاء والخوف، وأما النفوس والعروض فلا ضمان؛ لقوله ﵇: «جَرحُ العَجماء جُبَارٌ» (١). والجبار: الهدر. قال مالك: إن وجد دابَّةً في زرعه فربطها حتى ماتت ضمنها؛ لأنه متعد بربطها. * * * * ص: (إذا اشترى أمَةً فأولدها فاستُحِقَّت؛ فروايتان: إحداهما: يأخذها سَيِّدُها وقيمة ولدها من واطئها. والأخرى: يأخذ قيمة الأمة من واطئها، وتكون أم ولد له، ولا شيء للسيد في ولدها، ولو ولدت أولادًا فماتوا؛ لم يكن له فيمن مات منهم شيء، ولو استُحِقَّت قيمة الولد على الأب فوجده معسرًا والولد موسرًا؛ أخذها من الولد، ولم يرجع بها الولد على الأب، وإن غَرِمَها الأب وهو موسر؛ لم يرجع بها على الولد، موسرًا كان الولد أو معسرًا، ولو قَتَلَ الولد قاتل، فأخذ الأب ديته؛ فعليه الأقل من الدية أو القيمة). * ت: إذا كانت ثيبا لا أرش للوطء أو بكرا.

стр. 2881

قال مالك وابن القاسم: لا شيء عليه (١). وقال المغيرة: صداق المثل في البكر والثيب (٢). فلاحظ مالك أنه شيءٌ لَمْ يُصوّن به ماله، ولاحظ المغيرة أنَّه يبذل فيه المال بالتزويج. والولد حر؛ لأنَّ الواطئ بَنَى على ذلك، واعتقاده شبهة توجب الحرية. وفي أخذ الأمة وقيمة ولدها ثلاثة أقوال: الروايتان السابقتان، ورجَعَ مالك للثانية لما استحقت أم ولده إبراهيم؛ لأنه وطء بشبهة؛ فهو حر، ولا قيمة للحرّ، كما لو وطئ أمة ولده أو أمةً مشتركةً. ووجه الأولى: أنها باقية على ملكه، ونسلها تبع لها؛ فيأخذها وقيمة الولد يوم الحكم عبدًا، وقاله علي بن أبي طالب ﵁، وبه أخذ ابن القاسم، واعتقاده الإباحة كاعتقاد الزوج ذلك، وهو لو تزوجها كان الولد رقيقا؛ فله هاهنا القيمة، ويوم الحكم هو يوم الاستحقاق، وقبل ذلك لا استحقاق، فلا قيمة. والقول الثالث: يأخذ قيمتها وقيمة ولدها يوم الاستحقاق، لأنَّ في أخذها عارًا عليه وعلى ولده، وإذا أخذ المُستَحِقُّ القيمة فقد أخذ حقه من غير [ضرر] (٣). واختلف هل يقوم الولد بماله؟ قاله المخزومي (٤).

стр. 2882

أم لا؟ قاله ابن القاسم (١). قال ابن القاسم: لو رضي المستحق بأخذ قيمتها وقيمة ولدها يوم الاستحقاق (٢)؛ لم يكن للأب أن يأبى ذلك، و [يُجْبَرُ] (٣) عليه في [قولي] (٤) مالك. قال أشهب: هذا خطأ، ولو قلتُ بهذا لقلتُ: قيمتها يوم أحَمَلَها دون قيمة ولدها (٥)، لأنها بالحمل خرجت عن ملك سيدها، وتعينت له القيمة. وإنما لم يكن عليه في الميت من الولد شيء؛ لأنه يؤدي القيمة لنفي شبهة الرّق عنهم، فإذا ماتوا بطَلَ ذلك. وما حكاه ابن الجلاب: إذا أعسر الأب أخذت من الولد، ولم يرجع على الأب هو قول ابن القاسم (٦)؛ لأن القيمة فداؤه. قال اللخمي: ولو قيل: هي على الولد في يُسر الأب؛ لكان وجها (٧). وقيل: لا يلزم الابن شيء وإن أعسر الأب (٨)؛ لأنها وجبت عليه، فلا

стр. 2883

يُنتقل لغيره، كسائر الحقوق. وإذا قُتل الولد وأخذ الأب ديته: قال أشهب: لا شيء للمستحق من قيمته، كما لو اقتص الأب من القاتل، أو هرب قاتله، أو مات الولد وترك مالاً كثيراً؛ لكان لأبيه (١). ووجه ما ذهب إليه ابن الجلاب: أنَّ القاتل متلف القيمة بقتله الخطأ، فالدية بدل النفس، فله أخذها، فإذا كانت أقل فهي التي أخذها الأب، أو القيمة أقل فنقول: الزائد نشأ عن الحريَّة، وهي ليست للمستَحِقٌ. وإن قُتل عمداً فاقتصَّ الأب لم تكن عليه قيمةٌ، كموته، والأب فعل ما يجوز له. قال اللخمي: كلُّ هذا على مَنْ يرى أنَّ القيمة يوم الحكم، أما من قال: يوم وُلِد؛ فلا ينظر إلى عمد ولا خطأ ولا موت، ولا ما أخذ قليلا أو كثيراً؛ لأنَّ القيمة ثابتة عليه وإن لم يأخذ شيئاً (٢). وإن أخذ الأبُ الدِّية فأنفقها لم يكن للمستحق على العاقلة مقال؛ لأنَّهم غرموا بالحرية، بل على الأب؛ لأنَّه يُستحَقُّ بالرِّق. فإن صالح الأب في العمد والخطأ على أقل من الدِّية: قال ابن القاسم: عليه القيمة ما لم تكن أكثر مما أخذ، ويرجع المستحق

стр. 2884

على القاتل بالأقل من بقية الدية أو بقية القيمة (١). وقال أشهب: لا شيء على الأب فيما أخذ، لأنه أخذ دية حر، كما لو مات (٢). * * * * ص: (إذا غَرَّت الأمة فادَّعت الحرية، فتزوجها رجل على أنها حُرَّة، وأولدها؛ ففيها روايتان: كالمسألة التي قبلها). * ت: قال أشهب: ويُصدَّق الزوج أنه تزوجها وهي حُرَّة، وإن لم تقم بينةٌ، وعلى السيد البينة أنه تزوجها أمَةً إن أراد أخذ الولد، وإلا فليس له إلا قيمته يوم الحكم مع أُمه (٣). ووجه الرواية الأخرى: أنَّ الغرور لما أثر في زوال الملك عن الولد؛ وجب أن يؤثر في زواله عن الأم، فيأخذ قيمتها. ولا شيء له في الولد؛ لأنه يُخلَق على ملك الأب في الأم، فهو حر كولد أمّ الولد، ولأنَّ العار يلحق الأب والولد بأخذها، ولا يتضرر المستحق بأخذ القيمة؛ لأنها تقوم مقامها. قال ابن القاسم: إن علم الزوج قبل البناء أنها أمَةٌ أُذِنَ لها أن تستخلف رجلًا على إنكاحها؛ فله فراقها، ولا صَداقَ لها، وإن بنى بها فلها المسمى، إلا أن يزيد على صداق المثل؛ فيُرَدُّ ما زاد، وله البقاء على نكاحها ولها المُسمَّى (٤).

стр. 2885

فإن نقص المُسمَّى عن صَدَاقِ مثلها؛ أتَمَّ لها (١). وقال أشهب: لا شيء عليه فيما نقص من ذلك (٢)، كما لو زنى بها طائعة (٣). يريد: فلا شيء عليه؛ فكذلك ما زاد على المُسمَّى. * * * * ص: (إذا غَرَّتْ أمُّ الولد حُرَّا؛ قُوِّمَ الولد على أبيه على أنَّه حُرٌّ بعد موت سَيِّدِها. فإن لم يُقَوَّمْ حتى مات السيد فلا شيء لورثته، لعتق الولد بموت السيد تبعاً لأمه). * ت: يقوم الولد على الرجاء لعتقه ببقائه بعد موت السيد، وخوف الرق بموت الولد قبل السيد؛ لأنَّ الأب دخل على أنَّ الولد حُرّ؛ فلم يجز استرقاقه. وإن قُتِلَ فللأب دِيَةٌ حُرّ، وعليه الأقلُّ مما أخذ أو القيمة يوم القتل، على الرجاء والخوف، لأنَّ الولد لو لم يُقتل ما لزِمَ إلا القيمة، ولما أخذ الدية لم يلزمه إلا ما أخذ، فكان عليه الأقل؛ قاله ابن يونس. وقيل: يغرم الأقل مما أخذ أو قيمة الولد عبدا؛ لأنَّ الواجب في ولد أم الولد إذا قُتِلَ قيمته. قال ابن يونس: وهذا ضعيف؛ لأنَّ القاتل يتحامل عليه بخلاف الأب،

стр. 2886

بدليل ولد الغارة، يلزم الأب في ولدها القيمة على الرجاء والخوف، بخلاف القاتل. وإذا غَرَّرت مدبَّرةٌ ففي ولدها القيمة، على رجاء أن يعتقوا إذا حملهم الثلث، أو ما حمل الثلث، ولا دين على السيد، أو يَرِقُوا، بخلاف ولد أم الولد، قاله ابن القاسم (١)؛ لأنه أقرب للعتق؛ لقلة أسباب رقه. ولا شيء على الأب في ولد المكاتبة؛ لأنها إن أدت؛ عتق بعتقها، أو عجزت، فَيَرِقُ، فيلزم الأب قيمة الولد، ولكن تؤخذ القيمة من الأب على أنه عبد، تُوضَع على يد رجل، فإن عجزت؛ أخذ السيد القيمة، أو أدت؛ رجعت للأب. قال ابن الموَّاز: أَحَبُّ إليَّ تعجيلها للسيد، يحسبها في الكتابة إن كانت أقل منها أو مثلها، وإن كانت أكثر لم يلزم الأب إلا الأقل من بقية الكتابة أو قيمة الولد (٢). وعلى الأب في ولد المعتقة إلى أجل قيمته على أنه حر لذلك الأجل. قال ابن القاسم: إن غرَّت الأمة عبدًا فولدها رق لسيدها (٣)؛ إذ لا بُدَّ من رقه مع أحد الأبوين. قال ابن المواز: يرجع على مَنْ غَرَّهُ بالمهر، ولا يرجع من غرَّه عليها، وإن لم يغره منها أحد رجع عليها بالفضل على صداق مثلها؛ لأنه رغب فيها لحريتها (٤).

стр. 2887

* ص: (إن جنى على بهيمة فعليه ما نقص من ثمنها). كما لو أتلفها كلها عليه قيمتها كلها. وإن قطع ذنبها أو أذنها، وشانَها شَيئًا فاحشا، وهي من دواب الركوب والزينة؛ ففيها روايتان: إحداهما: أنَّ عليه ما نقص من ثمنها، بالغا ما بلغ. لأنه الذاهب بجنايته. والأخرى: أنه يُخَيَّر بين قيمتها وتركها للجاني. لتعذر التجمل بها. أو يأخذها والأرش. لأنها عين ماله. وإن كانت من دواب الحمل؛ فما نقص من ثمنها بالغا ما بلغ. لأن منافعها المقصودة باقيةٌ، وهي الحمل، والذاهب يُجبر بالأرش. إلا أن تكون الجناية أذهبت جُلَّ منافعها؛ فروايتان كما تقدم. * ت: إتلافُ جُلَّ المنفعة كإتلاف الجميع؛ لأنَّ النَّاس إنما يقصدون الأعيان لأغراضهم، فإذا بطَلَ الغَرَضُ بقيت العين كالمعدومة، كما إذا قطَعَ ذَنَبَ حمار القاضي أو عرَّجه، وكذلك غير القاضي إذا عُلم أنَّه لا يركب مثل هذا. * * *

стр. 2888

كتاب الكفالة والحوالة الكفالة هي الحمالة والضمان، جائز في الحقوق كلها، وتمتنع في الحدود والكتابة. * ت: أصلها الكتاب، والسنة، والإجماع. فالكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرِ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]؛ أي: ضامن (١). وقال رسول الله ﷺ : «الزعيم غارم» (٢). ولا خلاف في جوازها في الجملة (٣). فإذا قال: أنا حَمِيلٌ لك بفلان، أو زعيم، أو: كفيل، أو: قبيل، أو: هو لك عندي، أو: إِلَيَّ، أو: عَلَيَّ؛ لَزِمَه. وكل ما يلزم الذمة جازت الكفالة به. وامتنعت بالحدود؛ لأنه لا يجوز أن يُحَدَّ أحد عن أحد، ولا يُقتل عنه، وإنما تصح حيث يكون المقصود من الأصل يَحصُلُ بعينه من الكفيل، والزَّجْرُ لا يحصل بعقوبة غير الجاني. والكتابة ليست دينا ثابتًا، وإذا وقع العجز لا يمكن استرقاق الكفيل، فإن

стр. 2889

أعتق عبده على مال جازت الكفالة به. والفرق: أنه صار دينًا في الذمة، ولا ينتقل بالعجز عنه للرّق. قال اللخمي: لو كانت الكتابة نجماً واحدًا، أو قال الحميل: إن خليتني لانقضاء الأجل وعجز؛ أديتُه؛ جاز قولا واحدا (١). * * * * ص: (يجوز ضمان المجهول والمعلوم). ومنع الشافعي المجهول. لنا: قوله ﵇: «الزعيم غارم» (٢)، ولم يفصل. ولأنه ألزم نفسه شيئًا على وجه المعروف، فجاز بالمجهول، كالنذر، وكهبة المجهول، والوصية. وإن ضمنَ عن رجل مالا بغير إذنه لم تكن له مطالبته به قبل أدائه، فإذا أداه رجع به عليه. لأنه لم يرض بمطالبته، وإذا أداه قام عنه بواجب، فيطالبه. وإن ضمن عنه مالا بإذنه فللضامن المطالبة بدفعه لربه؛ ليبرأ هو من الضمان، فإن أداه عنه طالبه به. * ت: تجوز الحمالة بغير إذن المضمون؛ لأنَّ رجلا مات على عهد رسول الله ﷺ وعليه دين، فلم يُصَلِّ عليه رسول الله ﷺ حتى قال أبو قتادة - أو غيره -:

стр. 2890

هو عليٌّ، فصَلَّى عليه النبيُّ ﷺ ، فجاءه من الغد فتقاضاه (١). وإذا دفع عنه بغير إذنه رجع عليه، إلا أن يقصد ضرره وإعناته فلا يرجع، ويتبع من دفع له. * * * * ص: (إن [ضَمِنَ] (٢) عنه مالا بإذنه فلِرَبِّ المال مطالبة الضَّامن والمضمون عنه، فإن أداه المضمون عنه سقط عن الضَّامن). لأنه تبع له. أو الضَّامن رجع على المضمون. للقيام عنه بواجب. ولأنَّه لَمَّا أَذِنَ له في الضَّمان فقد دخل على ذلك. وقيل: ليس لرَبِّ المال مطالبة الضَّامن إلا أن يغيب المضمون عنه أو يموت أو يفلس. لأنَّ الضَّامن في العادة إنَّما يحفظ [المال] (٣) عن الضياع، كالرَّهن؛ فلا يُجعل كالأصل. ولأنَّ الأصل أَخَذَ عِوَضًا فيطالب، والحميل لم يأخذ عِوَضًا.

стр. 2891

• ت: بالرواية الأولى قال أبو حنيفة والشافعي؛ لقوله ﵇: «الزَّعيم غَارِم» (١). ولأنه جعل نفسه كالغريم بالضمان، وقياساً على عدم الغريم. وفيه ثلاث روايات؛ الثالثة: أنه يبدأ بمال الغريم، فإن وفى لم يطالب الحميل، وإلا أخذ الباقي من الكفيل. قال عبد الوهاب: هذه ترجع للثانية (٢). * * * * ص: (إذا كان عليه مالان، أحدهما بضمين، والآخَرُ بغير ضمين، فأدَّى أحدهما، وادعى أنه المضمون، وأنكر ربُّ المال؛ تحالفا وقسم بين المالين). لتساوي دعاويهما. * ت: قال سحنون وعبد الملك: القول قول القابض؛ لأنه أمينه حين دفع له، وكان عليه الإشهاد (٣). وهو مُدَّع لقضاء المضمون، والقابض مدعى عليه، ولا يؤاخذ بغير ما أقر به. والمشهور الأول، وهذا إذا ادعيا أنهما بيّنا. قال ابن يونس: إن لم يذكر عند القضاء شيئًا؛ لم يُختلف أنَّه يُقسم إذا كانا حالين أو مؤجلين؛ لاستوائهما (٤)؛ وإلا فالقول قولُ مَنْ ادَّعى أنه من الحال بلا

стр. 2892

خلاف، كان القابض أو الدافع. فإن قال أحدهما: بَيَّنتُ لك أنه لكذا، وقال الآخر: بل بينت أنه لكذا: قال ابن المواز: يُقسم بينهما بعد أيمانهما - حلفا أو نكلا - على رأي ابن القاسم، وإلا قدّم الحالف على الناكل (١). فإن ادعى أحدهما أنه بَيَّنَ، وقال الآخر: ما بَيَّنَ أحد شيئًا: قال أصبغ: يُصدَّق المنكر حتى تقوم بينة (٢). قال ابن المواز: وهذا مذهب عبد الملك وأشهب (٣). قال التونسي: الذي يأتي على رأي ابن القاسم: أَنَّ مُدَّعي الإبهام سَلَّم القسمة، ويقع التداعي في النصف الآخر، فيُقسم؛ لتساوي دعاويهما فيه، فيحصل له ثلاثة أرباع (٤). قال بعض القرويين: إنما تصح القسمة إذا كان الغريم عند دفع الأول معسرا، وحين التنازع موسرًا، أما لو كان معسرا عند التنازع فيقول القابض للكفيل: أليس لو صدقتك؛ لكان لي مطالبتك؛ لأنَّ الغريم معسر؛ فيكون القول قول القابض. وإذا كان الغريم يوم الدفع موسِرًا، أو يومَ التنازع موسرًا، لم تصح القسمة، وصُدَّقَ الدافع؛ لأنه يقول: حين دفعت لم يلزمني الغُرم؛ لكون الغريم موسرًا،

стр. 2893

فالقابض مدَّعَى عليه التبرُّعُ بما لا يلزمه (١). وهذا التقسيم إنما يصح على قول مالك الذي أخذ به ابن القاسم: أنَّ الكفيل لا يَغْرَم إلا في عَدَم الغريم، وإلا فالقول قول القابض في جميع هذه الوجوه (٢). * * * * ص: (إن مات الضامن قبل حلول الدَّين؛ ففيها رويتان: إحداهما: يؤخذ الحق من ماله، ويرجع به وارثه على المضمون عنه عند الحلول) .. لأنَّ الدَّين يَحُلُّ بموت من هو عليه - كان [أصيلا] (٣) أو كفيلا - قياساً على موت الأصيل. والأخرى: أنَّه يوقف من ماله بقدر الحقِّ حتى يَحِلَّ الأجل، فإن أمكن أخذُ المال من الغريم وإلا دُفع في الحق. لأنَّ الحميل إنما التزم دفعه عند أجله وعُدمِ الغريم، ويوَقف لئلا يتلف عند الوارث قبل الأجل. * ت: ويرجع ورثة الحميل على الغريم في ماله، أو في ذمته إن أعسر. ويَعْضُدُ الأوَّلَ أنَّ إيقافه ضرر على الورثة؛ لتوقُّع التلف، وعلى الغريم منعُ الانتفاع بماله من غير نفع للوارث.

стр. 2894

ولأنه إن كان الغريم معسرا عند الأجل؛ أُخِذ هذا المال، أو مليئًا، فأُخذهم مثله منه يقوم مقامه. وقال ابن نافع: إن كان ماله مأموناً واسعاً لم يكن على الورثة شيء حتى يَحِلَّ الأجل، وإلا أُخِذ ودفع لصاحب الحق (١). قال عبد الوهاب: وهذا الاختلاف راجع للاختلاف المتقدم: هل يُبدأ بالحميل مع يسر الغريم أم لا؟ فعلى الأول: يؤخذ من تركته؛ لأنه كغريم ثانٍ، وعلى أن الحميل لا يُطلب إلا عند عدم الغريم: لا يُعجل. قال ابن المواز: [ولو] (٢) مات الحميل عند الأجل أو بعده؛ هاهنا يبدأ بالغريم، فإن كان غائبًا أو مُلِدًّا أو معدوما، أُخذ من الكفيل (٣). * * * * ص: (إن مات الذي عليه الحق قبل الأجل؛ أُخِذَ من ماله). لخراب ذِمَّته بالموت. وبرئ الضامن، فإن لم يكن له مال؛ أُخر الضامن حتى يَحِلَّ الأجل. لأنه إنما دخل على مؤجل. * ت: إن مات مليئًا والغريم وارثه؛ [برئت] (٤) الحمالة؛ لأنَّه لو غَرِم

стр. 2895

للطالب ترجع عليه في التركة، فكانت مقاصةً. * * * * ص: (إن تكفل بوجه رجل فلم يأتِ به؛ غرم الحقَّ الذي عليه). * ت: منع الشافعي من الكفالة بالوجه. لنا: أنه سبب يتوصل به إلى ماله فجاز، كضمان المال، وكالرهن. ويُؤخذ منه إذا لم يأتِ به؛ لأنه وثيقة، كالرهن. وإنما امتنعت الحمالة بالحدود؛ لأنها لا تُؤخذ من الحميل؛ فدل على أنَّ فائدتها الأخذ من الحميل. ولقوله ﵇: «الزعيم غارم» (١). وعليه إحضاره، فإذا أحضره سقطت الحمالة، كان موسرًا أم لا، وكذلك إذا أحضره في البلد مسجونا. فإن لم يأت به، والغريم حاضر، تُلُومَ له كما يُتَلَوَّمُ للحاضر، وإن كان غائبًا مثل اليوم؛ تُلُومَ له كما يُتَلَوَّمُ للحاضر، أو بعدت غيبة الغريم؛ غُرِّم من غيرِ تَلَوُّمٍ؛ لأنَّ الأجل القريب إذا ضُرِبَ له لا ينتفع به، والبعيد ضرر على الطالب (٢). قال مالك في «المدونة»: التلوم: اليوم ونحوه (٣)، مما لا يضر بالطالب (٤).

стр. 2896

وفي «العتبيَّة»: ثلاثة أيام (١). قال بعض الفقهاء: «المدونة» أشبَه؛ لأنَّ التلَوُّم في الحاضر ثلاثة أيام، فإذا كانت غيبته يومًا؛ فثلاثة أيام: يوم لخروجه، ويوم لطلبه، ويوم لقدومه، أو يومين؛ تُلُومَ له خمسة أيام، أو ثلاثةَ أَيَّام؛ تُلُومَ له سبعة أيام - إذ لا بُدَّ من يوم الطلب، فيكثر التلَوُّمُ، ويَضُرُّ، بخلاف الحاضر، فلذلك ما في «المدوَّنة» أشبه (٢). فإن أسلمه للطالب في مفازة أو بلد لا سلطان فيه، أو بمكان يقدِرُ على الامتناع منه؛ لم تسقط الحمالة. قال ابن القاسم: إن مات الغريم برئ حَميل الوجه؛ لأنَّ النفس المكفولة قد تلفت (٣). * * * * ص: (إن قال: أنا كفيل بوجه فلان، ولا شيء عَلَيَّ من الحق الذي عليه، فلم يأتِ به؛ لم يلزمه من الحقِّ الذي عليه شيء). * ت: لقوله ﷺ : «المسلمون عند شروطهم» (٤). وإن غاب المُتَحَمَّلُ عنه لم يلزمه شيء. وإنما فائدة هذه الحمالة كفاية مؤنة الإحضار، لا المال، فيتوجه عليه طلبه

стр. 2897

في البلد وما قرب منه إذا لم يعلم حيث توجّه. فإن علم: قال أصبغ: يطلبه على مسيرة اليومين، وحيث لا مضرة (١). وقال عبد الملك: يذهب إليه وإن بَعُدَ ما لم يتفاحش، أو يرسل، أو يؤدي عنه (٢)؛ لأنه إنما دخل على ما يتكلف الناس من الأسفار غالبا. * * * * ص: (إن ضَمِنَ ما عليه وهو لا يعلم مقداره؛ لزمه ما ثبت بالبينة). * ت: لأنها معروف؛ فيجوز بالمجهول، كالوصية والهبة. قال مالك: إذا غاب الغريم قيل للطالب: أثبت ما عليه وخُذ من الحميل، فإن تعذّر عليه حلف الحميل على علمه، فإن نكل؛ غَرِمَ بعد حلف الطالب (٣). يريد: ولا يرجع الكفيل على الغريم؛ لنكوله، إلا أن يُقر له، وللكفيل تحليف المطلوب، فإن نكل غرم. * * * * ص: (إن قال: عامل فلانًا وأنا ضامن لما تعامله به؛ لزمه ما ثبت بالبينة مما يُعامل به مثله). * ت: وكذلك ما تداينه به، فيُلزم ما يُداين به مثله.

стр. 2898

فإن كان المداين ممن يبيع الفاكهة فباع عليه ثيابًا أو جوهرًا؛ لم يلزم. فإن رجع عن ذلك قبل المداينة لم يكن له ذلك إن سمى القدر المداين به، وإن أطلق كان له الرجوع، بخلاف قوله: احلف أن الذي تدعي عند أخي حق وأنا ضامن، فيرجع قبل اليمين لا ينفعه الرجوع؛ لأنه حق توجه وثبت قبل الضمان؛ فيلزم، والمداينة والمعاملة لم يَتَحَقَّق منها بعد شيء. فإن لم يرجع حتى داينه؛ لم يكن له رجوع. فإن داينه بأكثر من مداينة مثله، وكان مرَّةً بعد مرة؛ لزِمَ أَوَّلُها وسقط الزائد على مداينة مثله. * * * * ص: (تجوز الحوالة بالحال فيما حَلَّ وما لم يَحِلَّ، ولا يُحتالُ بما لم يَحِلَّ فيما حَلَّ أو لم يَحِلَّ). * ت: أصل الحوالة قوله ﵇ في مسلم: «مطل الغني ظلم، وإذا أُتْبع أحدكم على مليء فليتبع» (١). قال [أبو] (٢) محمد: قوله ﵇: «فليتبع» على الندب، ولو لزمتْ لكان لكلّ محال عليه أن يحيل، إلى غير النهاية، ولقوله ﵇: «مطل الغني ظلم» (٣)، فلو وجب عليك قبول الحوالة لما كان مطله ظلما (٤).

стр. 2899

ولا خلاف في جوازها، وهي مستثناة من بيع الدين بالدين (١)؛ لأنَّ المحيل باع الدين الذي له على غريمه بدينه الذي عليه، وكذلك المحال، وجازت لأنها معروف من الطالب. ولها شروط أربعة (٢): الأول: حلول دين المحال؛ لأنَّه إذا لم يَحِلَّ دخله الذهبُ بالذهب نسيئة. الثاني: أن يكونا من جنس واحد، فلو كان أحدهما دنانير والآخر دراهم أو عَرْضاً؛ دخله الدين بالدين، والصرفُ المُستأخر. الثالث: الاستواء في الجودة والدناءة والقدر، أو يكون المحال عليه أدنى أو أقل؛ لئلا يكون صرفًا بنسيئة، والدين بالدين. الرابع: أن يكون على المحال عليه دين للمحيل، لأنها بيع دين بدين، فلا بد أن يكون هنالك دين (٣). ولم [يشترط] (٤) عبد الملك وابن حبيب؛ لقوله ﵇: «مَنْ أُتبع على مَلِيءٍ فليتبع» (٥) (٦). * * * * ص: (لا يحتل بعروض في ذهب ولا وَرِقٍ ولا عُروض مخالفة لها، بل في مثلها).

стр. 2900

لئلا يَخْرُج عن المعروف إلى بيع الدَّيْن بالدَّيْن. (وإذا قَبلَ الحوالة ثم أفلس المحال عليه أو مات؛ فلا رجوع له إلا أن [لا] (١) يَعلم بفَلَسِه). * ت: قال أبو حنيفة: له الرجوع (٢). لنا: قوله ﷺ : (إذا أُحِيل أحدكم على مَلِيءٍ فليتبع) (٣)، فلو جاز الرجوع لم يكن لذكر الملاءة وجه. ولأنه رضي بنقل حقه، ومَن رضِي بشيء لزمه. ولأن حدوث ذلك كالعيب يحدث بالمبيع بعد البيع لا يوجب الرَّدَّ، والحوالة مبايعة. وكما لو أبرأه؛ لأنَّ الحوالة براءة للأوَّل (٤). إلا أن يشترط الرجوع عند الموت [والتفليس] (٥)؛ فيرجع. فإذا لبس عليه بعيب الفلس كان له الرجوع، كما يرجع في البيع بالعيب المُدَلَّسِ به (٦). قال مالك في «النَّوادر»: إذا لم يعلم بالفلس رجعت (٧)، سواء علم المحيل

стр. 2901

به أو لم يعلم، كعيب [البيع] (١)، وهو قول ابن الجلاب، واختاره اللخمي (٢). والمشهور: إن غَرَّهُ رجع (٣)، وإلا فلا؛ لأنَّ الحوالة معروف سومحَ فيه بالعيب المجهول، والبيع مكايسةٌ ضُيِّقَ فيه. والحوالة كبيع البراءة، لا يرجع إلا بما علمه البائع، فعلى المشهور يحلف: ما علم بذلك ولا غَرّ. وعلى ما روى ابن القاسم في بيع البراءة: لا يلزمه يمين إلا أن يدعي ذلك المحال. قال التونسي: لم يُجعَل له مقال إذا غَرَّه، ولو غره المشتري فاشترى منه سلعةً وهو مفلس؛ لا مقال للبائع. قال ابن يونس: الفرق أنَّ الحوالة شراء دين، فهو شراء ذِمَّةٍ، كالعيب في المشترى، وبائع السلعة لم يقصد شراء ما في ذمته (٤). ولا يُشتَرطُ رضى المُحال عليه؛ لأنَّ رَبَّ الدين له أن يوكل في قبض دينه، فهذا كالوكيل. ويُشتَرطُ رضى المُحال؛ لأنَّه يبيع حقه، فلا بُدَّ من رضاه. فإذا صحت الحوالة ثُمَّ فلس المحيل؛ فلا دخول للغرماء في هذا الدين، لأنه بيع قبل ذلك.

стр. 2902

كتاب الصلح الصلح جائز بين المسلمين على الإقرار والإنكار، والصلح كالبيع، فما جاز في البيع جاز فيه، وما امتنع في البيع؛ امتنع فيه. ت: وأصله الكتاب والسُّنَّة والإجماع. فالكتاب: قوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]. وقال ﷺ : «الصلح جائز بين المسلمين، إلا صُلحًا أحَلَّ حرامًا، أو حَرَّمَ حلالاً» (١). وهو مُجمع عليه في الجملة دون تفاصيله، فمَنَعَه الشافعي على الإنكار، لأنه من أكل المال بالباطل. لنا: الحديث المتقدم، وهو عامٌّ. ولأنه في الإنكار يفتدي من اليمين بماله (٢).

стр. 2903

وقاله [عثمان] (١) وابن مسعود، ولا مخالف لهما (٢). ومع الإقرار هو مبايعة؛ [لتعيُّنِ] (٣) الحقِّ بالإقرار، فصاحبه معاوض عنه، فيشترط فيه شروط تلك المعاوضة؛ فيدخله الصحة والفساد، وما وقع فاسدًا لم [يمض] (٤) إلا ما يُمضى من مكروه البيع. ودليلُ فسخ الفاسد منه (٥): أنَّ رجلين اختصمَا إلى رسول الله ﷺ ، فقال أحدهما: إنَّ ابني كان عسيفًا على هذا، وإنَّه زنى بامرأته، فقيل: إنَّ على ابني الرجم، فافتديتُ منه بمئة شاة وجارية، ثم إني سألت عن ذلك، فأُخبِرتُ أَنَّ على ابني مئة جلدة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأة هذا، فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده، لأقضينَّ بينكما بكتاب الله تعالى، أما غنمك وجاريتُكَ فرَةٌ عليك»، وجلد ابنه مئةً وغربه عامًا، وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر، فإن اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها (٦). فيجوز أن يصالحه على مئة درهم حالة بخمسين إلى أجل؛ لأنه حط وأخر، وعلى دنانير أو عروض نقدًا؛ لأنه صرف ما في الذمة، وهو جائز، ولا يجوز التأخير، لأنه صرف مستأخر.

стр. 2904

أما في الإنكار: فقال عبد الملك: يُمنَع فيه ما يُمنع في البيع، كمَنْ ينكرك مالا، فتصالحه على سكنى دار، أو خدمة عبد، أو من قمح على شعير مؤجل؛ فهذا حرام يُرَدُّ، فإن فات؛ صح بالقيمة على قابضه، أو يرد المثل، كالبيع، ويرجعان للخصومة إلا أن يأتِنِفَا صُلحا، فيجوز (١). وجوزه أصبع؛ لأنه هبة؛ لأنه لو صالحه بشقص لم تكن فيه شُفعة (٢). وهذا ظاهر الحكم، وأما بينه وبين الله تعالى فلا يحل له أن يأخذ ما لا يجوز في البيع (٣). ص: (يجوز الصلح على إسقاط بعض المال وتأخير بعضه، ولا يجوز قبل حلوله على إسقاط بعضه وتعجيل بعضه). لأنَّه «ضَعْ وتعَجَّلْ»، فالأوَّلُ معروفٌ صِرفٌ. ولا يجوز قبل حلوله على إسقاط بعضه وتأخير بعضه؛ لأنَّ إقدامه على ذلك قبل الأجل دليل على أنه لم يقصد المعروف، ولو قصده أحدهم لصَبَرَ إلى الأجل، [فلما] (٤) عجل قصد الضمان الزائد تعجَّل؛ لأنه قد يكون اطلع على أنه

стр. 2905

إذا قَبَضَه أُخِذَ منه حِينَئِذٍ، فيُؤَخِّرُه في ذِمَّة هذا، فهو سَلَفٌ بِنَفْع. ت: قال مالك في «المدوَّنة»: لك مُصالحته من مئة حالة على خمسين إلى أجل إذا كان مُقِرًّا (١)؛ لأنه معروف. وفائدة قوله: مُقِرًّا، المَنْعُ مع الإنكار. وفي غير «المدوَّنة»: لا يجوز ذلك إذا كان مُنكرًا؛ لأنه سَلَفٌ جَرَّ مَنفعةً (٢)؛ لأنَّ المُدَّعَى عليه له رَدُّ اليمين على المدَّعي (٣)، فقد أسقط اليمين عنه بالتأخير. وأجازه ابن القاسم (٤)؛ لأنَّ الطالب يقول: مالي حقٌّ، وأُسقِطُ بعضه، والمطلوب به يقول: ليس عليَّ شيء، إنما دفعت [من مالي شيئًا لدفع] (٥) الخِصَام عنِّي، فليس هاهنا سَلَف. وأما التعجيل والإسقاط، فلنهيه ﵇ عن ضَعْ وتعجَّلْ. وقاله جماعة من الصحابة والتابعين ﵃. وأما إسقاط البعض وتأخير البعض قبل الحلول: قال شيخنا: هو مُشكل من جهة أنَّ التُّهمة في ضمان النَّقْدَين ضعيفة؛ لقول مالك: إذا باع ثوبًا بعشرة إلى أجَلٍ، ثم اشتراه قبل الأجَل بأكثر نقدًا؛ جاز، مع

стр. 2906

أنَّه يجوز أن يكون الثّوبُ لغوا وأعطاه دراهم في أقل منها إلى أجل، والزَّائد جُعْلٌ على الضمان، لكن التهمة في هذا بعيدة؛ لأنَّه أحد النقدين، ولو علم أنه قصد للضمان بجُعل لكان فاسدًا، مثل أن يكونا في سفر، فيقصد حفظه في ذمته، فلا يجوز هذا. ص: (يجوز الصلح من ذهب على ورق، وبالعكس نقدًا قبل المفارقة). لأنه صرف ما في الذمة، وقد كان ابن عمر ﵄ يبتاع الإبل بالذهب، ويدفع دراهم، ويبتاع بدراهم ويدفع دنانير، فسأل النبي ﷺ عن ذلك فقال: «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها، ما لم تفترقا وبينكما شيء» (١). ومَن صالح على إسقاط بعض حقه؛ فالوضيعة لازمة له؛ لقوله ﵇: «الصلح جائز بين المسلمين» (٢)، الحديث المتقدم، فهو تبرع لازم، كالهبة ونحوها.

стр. 2907

كتاب إحياء الموات وحريم الآبار ومن أحيا أرضًا ميتةً لم يتقدَّم عليها مُلك مسلم ولا ذمي؛ فهي له، وإحياؤها بالماء والبناء. ت: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَعْمَرَ أرضًا ميتةً ليست لأحد فهو أحق بها»، خرجه البخاري (١). وإحياؤها بالغرس، والبناء، وقطع الغياض، وسبيل الماء عنها، وإجراء العيون، والحرث (٢). وقال أشهب: مَنْ رعى حول أرضٍ فهو أحق بها، وذلك إحياء؛ لأنه رعى، وينتظر أن يرعى (٣). وعنه وعن ابن القاسم وجميع الأصحاب: أنه ليس إحياء (٤)؛ لأنه الرعي ليس أثرا باقيا في الأرض. وحفر بئر الماشية ليس إحياء (٥)؛ لأنه إنما تُعمل لمنافع الماشية، لا للإحياء. والتحجير:

стр. 2908

قال ابن القاسم: لم أسمع من مالك فيه شيئاً، وهو: أن يمنع الأرض ثلاث سنين، فإن أحياها، وإلا فهي لمن أحيا؛ لأنَّ التحجير ليس بإحياء، بل منع للغير فقط (١). قال أشهب: عن عمر ﵁ فيمن حجر أرضا ولم يعمرها: ينتظر ثلاث سنين، وأراه حسنًا (٢). وعن أشهب: لا يكون أحق بها حتى يُعلم أنه حجر ليعمل فيها إلى أيام يسيرة، فذلك له، وأما من يحجّر ما لا يقوى عليه فله منه ما عمر فقط (٣). ص: (إن أحياها ثم تركها حتى خربت، وعادت إلى حالها الأولى، فأحياها آخَرُ بعده؛ فليس للأول فيها حقٌّ). ت: لزوال سبب الملك، كالصيد إذا عاد إلى ما كان عليه من التوحش في الفلاة. قال مالك: أما إن ملك أصلها بخطَّةٍ أو بشراء فليس لغيره أن يُحييها بعد ذلك، وكذلك لو ابتاعها ممن اقتطعت له قبل أن يحييها، [فعطَّلَها] (٤) المشتري؛ لم تنزع منه (٥).

стр. 2909

وقال سحنون: ذهاب الإحياء لا يُبطل الملك، كما لو ابتاعها، وقياسًا على النبات (١). والفرق بين الأرض والصيد: أنه لو ابتاعه ثم توحش كان للثاني، بخلاف الأرض لا خلاف أنها لمشتريها، لا تنتقل عن ملكه إذا خربت بعد عمارتها. وقال عبد الملك ومطرِّف: إن أحياها الثاني بقرب ترك الأول؛ فهي للأول، وإن عمرها بجهل؛ فله قيمة عمارته قائمةً، أو على علم من الأول؛ فقيمته منقوضاً، أو بعد علم وطول من ترك الأول، وكان تركه كالإسلام لها؛ فهي للثاني؛ لأنَّ للناس أعذارا في ترك عمارة الأرض، كالعجز وغلو المؤن (٢). ص: (لا يجوز إحياء ما قَرُب مِنَ العمارة إلا بإذن الإمام، ومن سبق إلى البعيد فهو أحَقُّ به). ت: اشترط أبو حنيفة الإذن أيضا فيما بعد. لنا: الحديث المتقدم. واستحسن عبد الملك ومطرف إذنه فيما بعد؛ لأنَّ غير هذا قد يكون أولى؛ فيقدمه الإمام. وقال الشافعي: لا يُشترط الإذن مطلَقًا. لنا: أنَّ ما قَرُبَ تتعلق به مصالح البلد، من الرعي وغيرِه، فقد يُضِرُّ إحياؤه

стр. 2910

بالناس، فلا بد من نظر الإمام في ذلك. ولأن رسول الله ﷺ أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية؛ فيقاس عليه ما يقع التسامح فيه. قال سحنون: ما لا تدركه المواشي في غُدُوِّها ورواحها، أو على مسيرة اليوم؛ فهو بعيد، وما تدركه فهو قريب (١). ص: (ليس لبئر الفلاة حريم محصور). لأن الأرض تختلف بالصلابة والرَّخاوة، [وإنما يُراعى ضرر أهل البئر مع من] (٢) أراد أن يبني أو يحفر بئرًا أخرى في مَبارِكِ المواشي وغير ذلك، ومنع من أراد حفر [بئر] (٣) تُضِرُّ بالأولى؛ لأنَّ الأول قد مَلَكَ المنفعة وحريمها. ت: هذا إذا كانت له مندوحة عنه وسعة، وإلا فروايتان عن مالك؛ لقوله ﵇: «لا ضرر ولا ضرار» (٤)، ولأنَّ الضررين إذا تقابلا فالسابق أولى. أو يقال: للإنسان أن يتصرف في ملكه ولو أضرَّ بغيره، وهذا القول أصحُّ. ص: (وَمَنْ سَبَقَ إلى ماء بئر فهو أحق حتى يأخذ منه كفايته، فيكون الفضل لمن بعده، ولا يَحِلُّ له منعه، وكذلك الحشيش والحطب وسائر المباحات).
следующие страницы →